الآية ٧ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٧ من سورة القلم

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي ويعلم الحزب الضال عن الحق.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله، كضلال كفار قريش عن دين الله، وطريق الهدى (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يقول: وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحقّ، وأقرّ به، كما اهتديت أنت فاتبعت الحقّ، وهذا من معاريض الكلام.

وإنما معنى الكلام: إن ربك هو أعلم يا محمد بك، وأنت المهتدي وبقومك من كفار قريش وانهم الضالون عن سبيل الحقّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله أي إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه .وهو أعلم بالمهتدين أي الذين هم على الهدى فيجازي كلا غدا بعمله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

و { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» له وأعلم بمعنى عالم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ربك- سبحانه- هو أعلم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى، وهو أعلم بالتقي المهتدي إلى دين الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ .

.

.

) تعليل لما ينبئ عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لوعده صلى الله عليه وسلم بالنصر ، ولوعيدهم بالخيبة والخسران .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسواك فعدلك ، هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب .

.

وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .

.وما دام الأمر كذلك : فذرهم فى طغيانهم يعمهون ، وسر فى طريقك ، فستكون العاقبة لك ولأتباعك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجهان: الأول: هو أن يكون المعنى إن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة، وهم الذي ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون الثاني: أن يكون المعنى إنهم رموك بالجنون ووصفوا أنفسهم بالعقل وهم كذبوا في ذلك، ولكنهم موصوفون بالضلال، وأنت موصوف بالهداية والامتياز الحاصل بالهداية والضلال أولى بالرعاية من الامتياز الحاصل بسبب العقل والجنون، لأن ذاك ثمرته السعادة الأبدية أو الشقاوة، وهذا ثمرته السعادة أو الشقاوة في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالعقلاء وهم المهتدون.

أو يكون وعيداً ووعداً، وأنه أعلم بجزاء الفريقين ﴿ فَلاَ تُطِعِ المكذبين ﴾ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم ﴿ لَوْ تُدْهِنُ ﴾ لو تلين وتصانع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فإن قلت: لم رفع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولم ينصب بإضمار (أن) وهو جواب التمني؟

قلت: قد عدل به إلى طريق آخر: وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ﴾ [الجن: 13] على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذٍ.

أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون؛ لطمعهم في إدهانك.

قال سيبويه: وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ أيُّكُمُ الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ والباءُ مَزِيدَةٌ، أوْ بِأيِّكُمُ الجُنُونُ عَلى أنَّ المَفْتُونَ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ، أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ المَجْنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ، أيْ في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الِاسْمَ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ وهُمُ المَجانِينُ عَلى الحَقِيقَةِ.

﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ الفائِزِينَ بِكَمالِ العَقْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله {وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين} أي هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما قَبْلَهُ وتَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ هو سُبْحانَهُ ﴿ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ ومَزِيدِ النَّكالِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ( وهو ) عَزَّ وجَلَّ ﴿ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ، وهُمُ العُقَلاءُ المَراجِيحُ فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ.

.

وفِي الكَشّافِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ أوْ يَكُونُ وعِيدًا ووَعْدًا، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِجَزاءِ الفَرِيقَيْنِ.

قالَ في الكَشْفِ هو عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ مُؤَكِّدٌ لِما رَمَزَ إلَيْهِ في السّابِقِ مِن أنَّ المَفْتُونَ مَن قَرَفَكَ بِهِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ المُؤَكَّدِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ ولَكِنْ عَلى وجْهٍ أوْضَحَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ لا تَعْيِينَ فِيهِ بِوَجْهٍ وهَذا بَدَلٌ ﴿ هُوَ أعْلَمُ ﴾ بِالمَجْنُونِ.

.

وبِالعاقِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُنُونَ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا بِما تَوَهَّمُوهُ وثَبَتَ لَهم صَرْفُ الضَّلالِ في عَيْنِ هَذا الزَّعْمِ، وعَلى الثّانِي هو تَذْيِيلٌ أيْضًا ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ لِأنَّ ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ أُقِيمَ مَقامَ (بِهِمْ ( وبِالمُهْتَدِينَ ) أُقِيمَ مَقامَ (بِكم ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ أمَلًا بِالفائِدَةِ، وكَأنَّ تَقْدِيمَ الوَعِيدِ لِيَتَّصِلَ بِما أشْعَرَ بِهِ أوَّلًا والتَّعْبِيرَ في جانِبِ الضَّلالِ بِالفِعْلِ لِلْإيماءِ بِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ وزِيادَةُ هو أعْلَمُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ مَعَ الإيذانِ بِاخْتِلافِ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.

وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.

وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.

ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.

نزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.

ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.

ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.

وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.

ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.

مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.

قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.

بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.

وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...

كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.

وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ  قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.

قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.

وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.

الغَلِيظُ.

وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.

وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.

ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.

ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.

وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.

ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.

وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.

والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة القلم]

وهي مكّيّة بلا خلاف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)

قوله عز وجل: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ن حَرْفٌ مقطع في قول الجمهور، فيدخُلُه من الاخْتِلاَفِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُّورِ، ويختصُّ هذَا الموضعُ مِنَ الأقوال، بأنْ قَالَ مُجاهِدٌ وابن عباس: ن اسْمُ الحوتِ الأعْظَمِ/ الَّذِي عَلَيْه الأَرضُونَ السَّبْعُ فِيما يُرْوَى «١» ، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: ن اسمُ الدَّوَاةِ «٢» ، فَمَنْ قَال بأنه اسْمُ الحوتِ جَعَلَ [القَلَمَ] القَلَمَ الذي خلقَه اللَّهُ وأمَرَهُ بِكَتْبِ الكائناتِ، وجَعَلَ الضميرَ في يَسْطُرُونَ للملائِكَةِ، ومَنْ قَال بأنَّ ن اسْمٌ للدَّوَاةِ جَعَلَ القَلم هَذَا القلمَ المتعارفَ بأيْدِي الناسِ نَصَّ على ذَلِكَ ابنُ عَبّاسٍ وَجَعَل الضميرَ في يَسْطُرُونَ للنَّاسِ فَجَاء القَسَمُ على هذا بمجموع أمْرِ الكِتَابِ الذي هو قِوَامٌ للعلومِ والمعَارِفِ، وأمورِ الدنيا، والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللسانِ، وعَضُدُ الإنْسَانِ، ومَطِيَّةُ الفِطْنَةِ، ونِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَامَّة، ورَوَى معاويةُ بن قرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ن لوح من نور» .

وقالَ ابنُ عباسٍ أيضاً وغيره: ن هو حَرْفٌ من حروفِ الرحمن «١» ، وقالوا إنَّه تَقَطَّع في القرآن الر وحم ون، ويَسْطُرُونَ: معناه: يكْتُبُونَ سُطُوراً، فإنْ أرَادَ الملائكةَ فهُوَ كَتْبُ الأَعْمَالِ وَمَا يؤْمَرُون به، وإنْ أرادَ بني آدم فهي الكُتُبُ المنزلةُ والعلومَ وما جَرَى مَجْرَاهَا، قال ابن العربي في «أحكامه» : رَوَى الوليدُ بن مُسْلِمٍ عَنْ مالكٍ عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يقولُ:

«أوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، ثُمَّ خَلَق النّونَ، وهي الدوَّاةُ، وذَلِكَ قَوْلُه: ن وَالْقَلَمِ ثم قَالَ لَهُ: اكتب قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟

قَالَ: مَا كَانَ وَمَا هُو كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قال: ثُمَّ خَتَمَ العَمَلَ، فَلَمْ يَنْطِقْ وَلاَ يَنْطِقُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ العَقْلَ، فَقَالَ الجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أعْجَبَ إليَّ مِنْكَ، وعِزَّتِي لأكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلأَنْقُصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْتُ، / قَالَ: ثُمَّ قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلاً أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وأعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ» «٢» ، انتهى، ت: وهذا الحديثُ هُوَ الذي يُعَوَّلُ عليهِ في تفسير الآيةِ، لصحته، واللَّه سبحانه أعلم.

وقوله تعالى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ هو جواب القسم، وما هُنَا عَاملةٌ لها اسْمٌ وَخَبَرٌ، وكذلِك هي متَى دَخَلَتِ البَاءُ في الخَبَرِ، وقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ اعْتِرَاضٌ، كما تقولُ لإنْسَانٍ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فاضلٌ، وسَبَبُ الآيةِ هُوَ مَا كَانَ من قريش في رميهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالجُنُونِ، فَنَفَى اللَّهُ تعالى ذلك عنه، وأخبره بأنَّ له الأَجْرَ، وأنَّه على الخُلُقِ العظيمِ تَشْريفاً له، وَمَدْحاً واخْتُلِفَ في معنى مَمْنُونٍ فَقَال أكْثَرُ المفسرينَ: هو الوَاهِنُ المنْقَطِعُ، يقال: حَبْل مَنِينُ أي: ضعيفٌ، وقال آخرون: معناه: غير مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أي: لا يُكَدِّرُه مَنٌّ بِه، وفي الصحيحِ: سُئِلَتْ عائشةُ- رضي اللَّه عنها- عن خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقَالَتْ: «كَانَ خُلقُهُ القُرْآنَ» ، وقال الجُنَيْدُ: سمّي خلقُه عَظِيماً إذ لَمْ تَكُنْ له همةٌ سِوَى اللَّهِ تعالى عَاشَرَ الخَلْقَ بخُلُقِه، وزَايَلَهُمْ بِقَلْبهِ فكانَ ظاهرُه مَعَ الخلقِ، وباطِنهُ مع الحق، وفي وَصِيَّةِ بعض الحكماء: عليكَ بالخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ، وبالصِّدقِ مَعَ الحقِّ، وحسْنُ الخلقِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَلَمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" .

وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.

وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.

وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ.

وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ.

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.

وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ.

وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ.

فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ.

هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ.

وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ.» تَعْنِي: كانَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ.

والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ.

والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الباءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأنْشَدُوا: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.

وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.

أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ.

والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ.

تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ.

والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.

والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟

فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ.

وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ.

وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" .

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..

ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ  بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟

وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟

وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟

ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.

وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ  ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.

و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.

و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.

و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لجملة: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ [القلم: 56] باعتبار ما تضمنته من التعريض بأن الجانب المفتون هو الجانب القائل له ﴿ إنك لمجنون ﴾ [الحجر: 6] وأن ضده بضده هو الراجع العقل أي الذي أخبرك بما كنّى عنه قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ [القلم: 5] من أنهم المجانين هو الأعلم بالفريقين وهو الذي أنبأك بأن سيتضح الحق لأبصارهم فتعين أن المفتون هو الفريق الذين وسموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون المردودُ عليهم بقوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ [القلم: 2] إذ هم الضالون عن سبيل ربّ النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة، وينتظم بالتدرج من أول السورة إلى هنا أقيسَة مساواةٍ مندرج بعضها في بعض تقتضي مساواة حقيقة من ضل عن سبل رب النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة المفتون.

ومساواة حقيقة المفتون بحقيقة المجنون، فتُنتج أن فريق المشركين هم المتصفون بالجنون بقاعدة قياس المساواة أن مُساوِيَ المساوي لشيء مساوٍ لذلك الشيء.

وهذا الانتقال تضمن وعداً ووعيداً، بإضافة السبيل إلى الله ومقابلةِ من ضل عنه بالمهتدين.

وعمومُ من ضل عن سبيله وعمومُ المهتدين يجعل هذه الجملة مع كونها كالدليل هي أيضاً من التذييل.

وهو بعدَ هذا كله تمهيد وتوطئة لقوله: ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ [القلم: 8].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ " ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ " مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مَدَنِيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِي السُّورَةِ مَكِّيٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ن ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ النُّونَ الحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي الضُّحى عَنْهُ، وقَدْ رَفَعَهُ.

الثّانِي: أنَّ النُّونَ الدَّواةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ.

الرّابِعُ: هو لَوْحٌ مِن نُورٍ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ  .

الخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُّورَةِ، وهو مَأْثُورٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما يَشاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ.

الثّامِنُ: أنَّ نُونْ بِالفارِسِيَّةِ أيذون كُنْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَكْوِينُ الأفْعالِ والقَلَمُ وما يَسْطُرُونَ، فَنَزَلَ الأقْوالُ جَمِيعًا في قَسَمِهِ بَيْنَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وهَذا أعَمُّ قِسْمَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنْ يُرِيدَ بِالنُّونِ النَّفْسَ لِأنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْها بِغَيْرِ عَيْنِها بِأوَّلِ حُرُوفِها، والمُرادُ بِالقَلَمِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَها وعَلَيْها مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ، لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

أمّا ﴿ والقَلَمِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يَكْتُبُونَ بِهِ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنفَعَةٌ لَهم، فَأقْسَمَ بِما أنْعَمَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الذِّكْرُ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِن نُورٍ، طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما يَعْلَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: وما يَكْتُبُونَ، يَعْنِي مِنَ الذِّكْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الكاتِبُونَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ النّاسِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ  أنَّهُ مَجْنُونٌ بِهِ شَيْطانٌ، وهو قَوْلُهم: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ، والنِّعْمَةُ ها هُنا الرَّحْمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّ النِّعْمَةَ ها هُنا قَسَمٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، لِأنَّ الواوَ والباءَ مِن حُرُوفِ القَسَمِ.

وَتَأوَّلَهُ الكَلْبِيُّ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، فَقالَ: مَعْناهُ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمُخْفِقٍ.

﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِنَ الأذى، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا تَكُونُ كَإسْماعِيلَ إنَّ لَهُ رَأْيًا أصِيلًا وأْجْرًا غَيْرَ مَمْنُونِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: غَيْرُ مُقَدَّرٍ وهو الفَضْلُ، لِأنَّ الجَزاءَ مُقَدَّرٌ، والفَضْلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ، وهو الظّاهِرُ.

وَحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ هو ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ سُمِّيَ خُلُقًا لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ فِيهِ، فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الآدابِ فَهو الخِيمُ فَيَكُونُ الخُلُقُ الطَّبْعَ المُتَكَلَّفَ، والخِيمُ هو الطَّبْعُ الغَرِيزِيُّ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الأعْشى في شِعْرِهِ فَقالَ: وإذا ذُو الفُضُولِ ضَنَّ عَلى المَوْ ∗∗∗ لى وعادَتْ لِخِيمِها الأخْلاقُ ايْ رَجَعَتِ الأخْلاقُ إلى طِباعِها.

﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَتَرى ويَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ والباطِلُ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي المَجْنُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: المُعَذَّبُ مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحَمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟

قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.

وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.

قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.

واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.

قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.

وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .

قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ هذا ثناء على خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن» تعني التأدب بآدابه وامتثال أوامره، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك رأس الخلق، وتفصيل ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحة الفهم، وكثرة العلم، وشدّة الحياء، وكثرة العبادة والسخاء والصدق والشجاعة والصبر والشكر والمروءة والتودد والاقتصاد والزهد والتواضع والشفقة والعدل والعفو وكظم الغيظ وصلة الرحم وحسن المعاشرة وحسن التدبير وفصاحة اللسان وقوة الحواس وحسن الصورة وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسيره صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً، لأنه لم تكن له همة سوى الله عز وجل: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ المفتون ﴾ قيل: إن المفتون هنا بمعنى المجنون، ويحتمل غير ذلك من معاني الفتنة، والخطاب في قوله: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ﴾ للنبي صلى الله وعليه وسلم وفي قوله: ﴿ وَيُبْصِرُونَ ﴾ لكفار قريش، واختلف في الباء التي في قوله: ﴿ بِأَييِّكُمُ ﴾ على أربعة أقوال: الأول أنها زائدة، الثاني أنها غير زائدة والمعنى بأيكم الفتنة، فأوقع المفتون موقع الفتنة كقولهم: ماله معقول أي عقل، الثالث أن الباء بمعنى في والمعنى في أي فريق منكم المفتون واستحسن ابن عطية هذا، الرابع: أن المعنى بأيكم فتنة المفتون ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .

قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.

وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟

وأيكم الضال؟

إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.

وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله  هو المفتون، ورسول الله  يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.

ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله  ، ورسول الله  يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .

ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله  عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله  ] ولكن الله  لما امتحن رسوله  بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله  الجواب عنه بقوله -  - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله  بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله  ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله  أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.

ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله  الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله  فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.

وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله  ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.

ثم رسول الله  كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله  مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله  يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ  ﴾ ، فأخبر -  - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .

يخرج على هذا - إن شاء الله  -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله  لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.

وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .

قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله  فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله  ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.

وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد  من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله  .

ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].

ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.

ثم لا يجوز أن يكون رسول الله  يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.

وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله  .

والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.

والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله  ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.

ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله  .

وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله]  الواجبة في ماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .

أي: معتد حدود الله  ، أو ظالم لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .

الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .

العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.

وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟

فقال رسول الله  : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.

واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟

*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.

ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.

ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!

فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.

والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .

فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله  ؟!

ثم أخبر عن معاملته رسول الله  بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ  ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .

قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله  وعظيم أذاه له.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله  في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ  ﴾ .

وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن ربك -أيها الرسول- يعلم من انحرف عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين إليها، فيعلم أنهم من ضلّوا عنها، وأنك من اهتديت إليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.OAe9R"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله