الآية ١٧ من سورة نوح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ١٧ من سورة نوح

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًۭا ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٧ من سورة نوح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) هذا اسم مصدر ، والإتيان به ها هنا أحسن ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا ) يقول: والله أنشأكم من تراب الأرض، فخلقكم منه إنشاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها ; قاله ابن جريج .

وقد مضى في سورة " الأنعام " و " البقرة " بيان ذلك .

وقال خالد بن معدان : خلق الإنسان من طين ; فإنما تلين القلوب في الشتاء .

و " نباتا " مصدر على غير المصدر ; لأن مصدره أنبت إنباتا ، فجعل الاسم الذي هو النبات في موضع المصدر .

وقد مضى بيانه في سورة " آل عمران " وغيرها .

وقيل : هو مصدر محمول على المعنى ; لأن معنى : أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا ; قاله الخليل [ ص: 280 ] والزجاج .

وقيل : أي أنبت لكم من الأرض النبات .

ف " نباتا " على هذا نصب على المصدر الصريح .

والأول أظهر .

وقال ابن جريج : أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا } حين خلق أباكم آدم وأنتم في صلبه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"والله أنبتكم من الأرض نباتاً"، أراد مبدأ خلق آدم، خلقه من الأرض، والناس ولده، وقوله: "نباتاً" اسم جعل في موضع المصدر أي إنباتاً، قال الخليل: مجازه: أنبتكم فنبتم نباتاً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله أَنبتكم» خلقكم «من الأرض» إذ خلق أباكم آدم منها «نباتا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله أنشأ أصلكم من الأرض إنشاء، ثم يعيدكم في الأرض بعد الموت، ويخرجكم يوم البعث إخراجًا محققًا.

والله جعل لكم الأرض ممهدة كالبساط؛ لتسلكوا فيها طرقًا واسعة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقل نوح - عليه السلام - من تنبيههم إلى ما فى خلق السموات والشمس والقمر من دلالة على وحدانية الله وقدرته .

.

إلى لفت أنظارهم إلى التأمل فى خلق أنفسهم ، وفى مبدئهم وإعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، فقال - كما حكى القرآن عنه - : ( والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً .

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً )والمراد بأنبتكم : أنشأكم وأوجدكم ، فاستعير الإِنبات للإِنشاء للمشابهة بين إنبات النبات ، وإنشاء الإنسان ، من حيث إن كليهما تكوين وإيجاد للشئ بقدرته - تعالى - .والمراد بأنبتكم : أنبت أصلكم وهو أبوكم آدم ، فأنتم فروع عنه .

و ( نَبَاتاً ) مصدر لأنبت على حذف الزوائد ، فهو مفعول مطلق لأنبتكم ، جئ به للتوكيد ، ومصدره القياسى " إنباتا " واختير " نباتا " لأنه أخف .قال الجمل : قوله : نباتا ، يجوز أن يكون مصدرا لأنبت على حذف الزوائد .

ويسمى اسم مصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا لنبتم مقدرا .

أى : فنبتّم نباتا - فيكون منصوبا بالمطاوع المقدر .أى : والله - تعالى - هو الذى أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاء وجعلكم فروعا عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى رجع هاهنا إلى دلائل الأنفس وهو كالتفسير لقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً  ﴾ فإنه بين أنه تعالى خلقهم من الأرض ثم يردهم إليها ثم يخرجهم منها مرة أخرى، أما قوله: ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية وجهان: أحدهما: معنى قوله: ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ أي أنبت أباكم من الأرض كما قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ .

والثاني: أنه تعالى أنبت الكل من الأرض لأنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهي متولدة من الأغذية المتولدة من النبات المتولد من الأرض.

المسألة الثانية: كان ينبغي أن يقال: أنبتكم إنباتاً إلا أنه لم يقل ذلك بل قال: أنبتكم نباتاً، والتقدير أنبتكم فنبتم نباتاً، وفيه دقيقة لطيفة: وهي أنه لو قال: أنبتكم إنباتاً كان المعنى أنبتكم إنباتاً عجيباً غريباً، ولما قال: أنبتكم نباتاً كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتاً عجيباً، وهذا الثاني أولى لأن الإنبات صفة لله تعالى وصفة الله غير محسوسة لنا، فلا نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا بواسطة إخبار الله تعالى، وهذا المقام مقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى فلا يمكن إثباته بالسمع، أما لما قال: ﴿ أَنبَتَكُمْ...

نَبَاتاً ﴾ على معنى أنبتكم فنبتم نباتاً عجيباً كاملاً كان ذلك وصفاً للنبات بكونه عجيباً كاملاً، وكون النبات كذلك أمر مشاهد محسوس، فيمكن الاستدلال به على كمال قدرة الله تعالى، فكان هذا موافقاً لهذا المقام فظهر أن العدول من تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر اللطيف، أما قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ فهو إشارة إلى الطريقة المعهودة في القرآن من أنه تعالى لما كان قادراً على الابتداء كان قادراً على الإعادة، وقوله: ﴿ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ﴾ أكده بالمصدر كأنه قال: يخرجكم حقاً لا محالة.

الدليل الرابع: قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ دائباً من غير فتور مستغرقاً به الأوقات كلها ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآءى ﴾ جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار.

والمعنى على أنهم ازدادوا عنده فراراً؛ لأنه سبب الزيادة.

ونحوه ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا ﴾ [التوبة: 124] ﴿ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم، فذكر المسبب الذي هو حظهم خالصاً ليكون أقبح لإعراضهم عنه.

سدّوا مسامعهم عن استماع الدعوة ﴿ واستغشوا ثِيَابَهُمْ ﴾ وتغطوا بها، كأنهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم، أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله.

وقيل لئلا يعرفهم؛ ويعضده قوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ [هود: 5] ، الإصرار: من أصر الحمار على العانة إذا صرّ أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها: استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها ﴿ واستكبروا ﴾ وأخذتهم العزة من اتباع نوح وطاعته، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استقبالهم وعتوهم.

فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلا ونهاراً، ثم دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن؛ فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف.

قلت: قد فعل عليه الصلاة والسلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان.

ومعنى ﴿ ثُمَّ ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار؛ والجمع بين الأمرين، أغلظ من إفراد أحدهما.

و ﴿ جِهَارَاً ﴾ منصوب بدعوتهم، نصب المصدر لأنّ الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع القعود.

أو لأنه أراد بدعوتهم جاهرتهم.

ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، بمعنى دعاء جهاراً، أي: مجاهراً به.

أو مصدراً في موضع الحال، أي: مجاهراً.

أمرهم بالاستغفار الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدّم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم وأحبّ إليهم من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة، ترغيباً في الإيمان وبركاته والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال: ﴿ وأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مّن الله ﴾ [الصف: 13] ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات ﴾ [الأعراف: 96] ، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ [المائدة: 66] ، ﴿ وَأنَّ لو استقاموا عَلَى الطريقة لاسقيناهم ﴾ [الجن: 16] ، وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة: حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة.

وروي: سبعين فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله تعالى الخصب ودفع عنهم ما كانوا فيه.

وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت!

فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ وعن الحسن: أنّ رجلاً شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله؛ وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً، فأمرتهم كلهم بالاستغفار!

فتلا له هذه الآية.

والسماء: المظلة؛ لأنّ المطر منها ينزل إلى السحاب؛ ويجوز أن يراد السحاب أو المطر، من قوله: إذَا نَزَلَ السَّمَاءِ بِأَرْضِ قَوْمٍ والمدرار: الكثير الدرور، ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث، كقولهم: رجل أو امرأة معطار ومتفال ﴿ جنات ﴾ بساتين ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ لا تأملون له توقيراً أي تعظيماً.

والمعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب، و ﴿ لِلَّهِ ﴾ بيان للموقر، ولو تأخر لكان صلة للوقار.

وقوله: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ في موضع الحال، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون باللَّه والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به، لأنه خلقكم أطواراً: أي تارات: خلقكم أوّلا تراباً، ثم خلقكم نطفاً، ثم خلقكم علقاً، ثم خلقكم مضغاً، ثم خلقكم عظاماً ولحماً، ثم أنشأكم خلقاً آخر.

أولا تخافون لله حلماً وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا؟

وقيل: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟

وعن ابن عباس: لا تخافون لله عاقبة، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب، من ﴿ وقر ﴾ إذا ثبت واستقرّ.

نبههم على النظر في أنفسهم أوّلاً؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم، ثم على النظر في العالم وما سوّى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه من السموات والأرض والشمس والقمر ﴿ فِيهِنَّ ﴾ في السموات، وهو في السماء الدنيا؛ لأنّ بين السموات ملابسة من حيث أنها طباق فجاز أن يقال: فيهنّ كذا وإن لم يكن في جميعهنّ، كما يقال: في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها.

وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: أنّ الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض ﴿ وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً ﴾ يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى أبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوّة ضياء الشمس.

ومثله قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ [يونس: 5] ، والضياء: أقوى من النور.

استعير الإنبات للإنشاء، كما يقال: زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدلّ على الحدوث، لأنهم إذا كانوا نباتاً كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات: ومنه قيل للحشوية: النابتة والنوابت، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أوّلية لهم فيه.

ومنه قولهم: نجم فلان لبعض المارقة.

والمعنى: أنبتكم فنبتم نباتاً.

أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ مقبورين ثم ﴿ يُخْرِجُكُمْ ﴾ يوم القيامة، وأكده بالمصدر كأنه قال يخرجكم حقاً ولا محالة جعلها بساطاً مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه ﴿ فِجَاجاً ﴾ واسعة منفجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ، وأصْلُهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا، فاخْتَصَرَهُ اكْتِفاءً بِالدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ.

﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ﴾ مَقْبُورِينَ.

﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ بِالحَشْرِ، وأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ كَما أكَّدَ بِهِ الأوَّلَ دَلالَةً عَلى أنَّ الإعادَةَ مُحَقَّقَةٌ كالإبْداءِ، وأنَّها تَكُونُ لا مَحالَةَ.

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها.

﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ واسِعَةً جَمْعُ فَجٍّ ومِن لِتَضَمُّنِ الفِعْلِ مَعْنى الِاتِّخاذِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض} أنشأكم استعير الإنبات للإنشاء {نَبَاتاً} فنبتم نباتاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ أيْ أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِهِ مَحْسُوسًا وقَدْ تَكَرَّرَ إحْساسُهُ وهم وإنْ لَمْ يُنْكِرُوا الحُدُوثَ جَعَلُوا بِإنْكارِ البَعْثِ كَمَن أنْكَرَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى المَبْدَأِ البَعِيدِ ( ونَباتًا ) قالَ أبُو حَيّانٍ وجَماعَةٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنْبَتَكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ إنْباتًا أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِ أنْ فَنَبَتُّمْ نَباتًا وفي الكَشْفِ أنَّ الإنْباتَ والنَّباتَ مِنَ الفِعْلِ والِانْفِعالِ وهُما واحِدٌ في الحَقِيقَةِ والِاخْتِلافُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِيامِ بِالفاعِلِ والقابِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِ فِعْلٍ آخَرَ ولا تَقْدِيرِهِ ثُمَّ إنَّ الإنْباتَ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ فَلا احْتِياجَ إلى التَّقْدِيرِ إذْ هو في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّباتِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَيَكُونُ نَباتًا نَصْبًا بِالتَّكَتُّمِ لِهَذا التَّضَمُّنِ وإنْ حُمِلَ عَلى المُتَعارَفِ مِن إطْلاقِهِ عَلى مُقَدِّمَةِ الإنْباتِ مِن إخْفاءِ الحَبِّ في الأرْضِ مَثَلًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى أنَّ المُرادَ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا لِيَكُونَ فِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوِ النُّكْتَةِ الَّتِي جَرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فانْبَجَسَتْ  ﴾ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وسُرْعَةِ نَفاذِ حُكْمِها.

.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا فَحَذَفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى المَصْدَرَ ومِنَ الثّانِيَةِ الفِعْلَ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في الأُخْرى عَلى أنَّهُ مِنَ الِاحْتِباكِ.

وقالَ القاضِي: اخْتَصَرَ اكْتِفاءً بِالدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ الأشْعارُ المَذْكُورَةُ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم وعظهم ليعتبروا، فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ؟

يعني: ألم تنظروا فتعتبروا، كيف خلق الله تعالى سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً؟

يعني: مطبقاً بعضها فوق بعض.

وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: ضياءً لبني آدم.

وإنما قال: فِيهِنَّ أراد به سماء الدنيا، لأنها إحداهن.

وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً يعني: نوراً للخلق ويقال: جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: في جميع السموات، لأن إحداهن مضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض ويقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً يعني: معهن نوراً.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً يعني: خلقكم في الأرض خلقاً.

ويقال: يعني: خلقكم من الأرض وهو آدم-  - وأنتم من ذريته.

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها يعني: بعد الموت.

وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً يعني: يخرجكم من الأرض يوم القيامة- قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً يعني: فراشاً، لِتَسْلُكُوا مِنْها يعني: فتمضوا فيها وتأخذوا فيها سُبُلًا فِجاجاً يعني: طرقاً بين الجبال والرمال ويقال: طرقاً واسعة.

قوله تعالى: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي فيما أمرتهم من توحيد الله تعالى، وَاتَّبَعُوا يعني: أطاعوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ يعني: أطاعوا من لم يزده ماله يعني: كثرة أمواله وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً أي: خسراناً في الآخرة.

وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً يعني: مكراً عظيماً ويقال: مكروا مكراً كبيراً يعني: قالوا كلمة الشرك.

والكبير والكبار بمعنى واحد.

وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ يعني: قال بعضهم لبعض: ويقال: قال الرؤساء للسفلة: لا تذرن، يعني: لا تتركوا عبادة آلهتكم.

وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، فهذه أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها يعني: لا تتركوا عبادة هذه الأصنام- قرأ نافع وُدّاً بضم الواو، والباقون بالنصب، ومعناهما واحد.

وهو اسم الصنم، وقال قتادة: هذه الآلهة كان يعبدها قوم نوح، ثم عبدها العرب بعد ذلك.

وقال القتبي الود صنم، ومنه كانت العرب تسمى «عبد ود» ، وكذلك تسمي «عبد يغوث» .

ثم قال: وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً يعني: هذه الأصنام أضلوا كثيراً من الناس، يعني: ضلوا بهن كثيراً من الناس، كقوله: إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كثيراً من الناس.

ثم قال: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا يعني: خساراً وغبناً.

ثم قال عز وجل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا يعني: بشركهم بالله تعالى أُغرقوا في الدنيا.

فَأُدْخِلُوا نَاراً في الآخرة.

قال مقاتل: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا بخطياتهم وقال القتبي: (بما خطياتهم أغرقوا) يعني: من خطيئاتهم أغرقوا، والميم زيادة.

ثم قال: فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً يعني: أعواناً يمنعونهم من العذاب.

قرأ أبو عمرو خَطاياهُمْ، والباقون خَطِيئاتِهِمْ ومعناهما واحد، وهو جمع خطيئة.

قوله تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً يعني: لا تدع على ظهر الارض من الكافرين ديارا، يعني: أحداً منهم ويقال: أصله من الدار يعني: نازلاً بها، ويقال: في الدار أحد وما بها ديار وأصله ديوار، فقلبت الواو ياء ثم شددت وأدغمت الياء في الياء.

ثم قال عز وجل: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ يعني: إنك إن تتركهم ولم تهلكهم، يدعوا الموحدين إلى الكفر.

وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً يعني: يكون منهم الأولاد، يكفرون ويفجرون بعد البلوغ ويقال: يعني: ولا يلدوا إلا أن يكونوا فجاراً كفاراً.

وهذا كما قال النبي  : «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» .

ثم قال عز وجل: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: سفينتي وديني.

وقال الكلبي: وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يعني: مسجدي.

وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً يعني: لا تزد الكافرين إلا هلاكاً، كقوله: تَبَّرْنا تَتْبِيراً.

وروى عكرمة، عن ابن عباس-  - كان إذا قرأ القرآن في الليل، فمر بآية فيقول لي: يا عكرمة ذكرني عند هذه الآية غداً.

فقرأ ذات ليلة هذه الآية، فقال: يا عكرمة، ذكرني غداً.

فذكرته ذلك، فقال: إن نوحاً دعا بهلاك الكافرين، ودعا للمؤمنين بالمغفرة، وقد استجيب دعاؤه في المؤمنين، فيغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بدعائه، وبهلاك الكافرين فأهلكوا.

وروي عن بعض أصحاب النبيّ  أنه قال: «نَجَاةُ المُؤْمِنِينَ فِي ثَلاَثَةِ أشْيَاءٍ: بِدُعَاءِ نُوْحٍ- عَلَيْهِ السَّلاَمُ- وَبِدُعَاءِ إِسْحَاقَ-  - وَبِشَفَاعَةِ محمّد  » يعني: للمؤمنين والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وخلقهم، ومللهم، والأطوار: الأحوال المختلفة.

وقوله سبحانه: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ...

الآية، قال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص وابن عباس: إن الشَّمْسَ والقمر أقْفَاؤهما إلى الأرض، وإقبال/ نورهما وارتفاعُه في السماء «١» وهذا الذي يقتضيه لفظ السّراج.

وأَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: استعارَةٌ مِنْ حَيْثُ خُلِقَ آدم ع من الأرض.

ونَباتاً مصدرٌ جَاءَ على غير المصدر، التقديرُ: فَنَبَتُّم نَبَاتاً، والإعَادَةُ فيها بالدَّفْنِ، والإخراجُ هو بالبعثِ، وظاهر الآية: أنَّ الأرْضَ بسيطَةٌ غيرُ كُرِيَةً، واعتقادُ أحَدِ الأمْرَيْنِ غَيْرُ قَادِح في الشرْعِ بنفسِه، اللهمَّ إلاَّ أنْ يترتبَ «٢» على القولِ بالكُرِيَّةِ نَظَرٌ فاسِدٌ، وأما اعتقادُ كونِها بسيطةً، فهو ظاهِرُ كتابِ اللَّه تعالى، وهو الذي لاَ يَلْحَقُ عنه فسادٌ أَلْبَتَّةَ، واستدلَّ ابن مجاهد على صحَّة ذلك بماءِ البحر المُحِيطِ بالمَعْمُورِ فَقَال: لَوْ كانت الأرضُ كُرِيَّةً لَمَا اسْتَقَرَّ المَاءُ عَلَيْهَا «٣» ، والسُّبُلُ الطرقُ، والفجاجُ الواسعةُ، وقولُ نوحٍ: وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ...

الآية، المعنى: اتّبعوا أشرافهم وغواتهم، وخَساراً: معناه: خسرانا، وكُبَّاراً: بناءُ مبالغةٍ نَحْوَ: حُسَّانَ وُقُرِىءَ «٤» شاذًّا: «كِبَاراً» - بكسْرِ الكَافِ- قال ابن الأنباري: جَمْعُ كبير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: لا تَرَوْنَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ أيْ: وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِهِ إيّاكم مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى آخِرِ الخَلْقِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ: الحالُ، وجَمْعُهُ: أطْوارٌ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّوْرُ: التّارَةُ، طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، أيْ: تارَةً بَعْدَ تارَةٍ.

وقِيلَ: أرادَ بِالأطْوارِ: اخْتِلافَ المَناظِرِ والأخْلاقِ، مِن طَوِيلٍ، وقَصِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "طِباقٍ" بِتَنْوِينِ القافِ، وكَسْرِها مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [المُلْكِ: ٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وجْهَ القَمَرِ قِبَلَ السَّمَواتِ، وظَهَرَهُ قِبَلَ الأرْضِ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّمَواتِ، كَما يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

والثّانِي: أنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا.

وإنَّما قالَ: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، وغَيْرُهُما.

وهَذا كَما تَقُولُ: أتَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، وإنَّما أتَيْتَ بَعْضَهُمْ، ورَكِبْتُ السُّفُنَ، ﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَسْتَضِيءُ بِها العالَمُ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: أنَّ مُبْتَدَأ خَلَقِكِمْ مِنَ الأرْضِ، هو آدَمُ ﴿ نَباتًا ﴾ قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: "نَباتًا" مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى أنْبَتَكُمْ: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مِمّا جاءَ فِيهِ المَصْدَرُ، عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ جاءَ في نَبَتَ.

ومِثْلُهُ: ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا  ﴾ فَجاءَ عَلى "بَتَّلَ" قالَ الشّاعِرُ: وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِن هُ ولَيْسَ بِأنَّ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا فَجاءَ عَلى اتَّبَعْتُ.

وَقالَ الآخَرُ: وإنْ شِئْتُمْ تَعاوَدْنا عِوادًا فَجاءَ عَلى "عاوَدْنا" وإنَّما تَجِيءُ المَصادِرُ مُخالِفَةً الأفْعالَ، لِأنَّ الأفْعالَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أبْنِيَتُها، واحِدَةٌ في المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سُبُلا فِجاجًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هي الطُّرُقُ الواسِعَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، "وَوَلَدُهُ" بِفَتْحِ اللّامِ والواوِ.

وقَرَأ الباقُونَ "وُلْدُهُ" بِضَمِّ الواوِ، وَسُكُونِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ العَرَبِ، والعُرْبِ، والعَجَمِ، والعُجْمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَوِلْدُهُ" بِكَسْرِ الواوِ، وإسْكانِ اللّامِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: أنَّ الأتْباعَ، والفُقَراءَ اتَّبَعُوا رَأْيَ الرُّؤَساءِ والكُبَراءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا ﴾ قَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ: "كُبارًا" بِرَفْعِ الكافِ وتَخْفِيفِ الباءِ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "كِبارًا" بِكَسْرِ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ.

والمَعْنى "كَبِيرًا" يُقالُ: كَبِيرٌ، وكُبارٌ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ [ص] ومَعْنى "المَكْرِ": السَّعْيُ في الفَسادِ.

وذَلِكَ أنَّ الرُّؤَساءَ مَنَعُوا أتْباعَهم مِنَ الإيمانِ بِنُوحٍ ﴿ وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ: لا تَدَعُنَّ عِبادَتَها ﴿ وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ بِضَمِّ الواوِ.

والباقُونَ بِفَتْحِها.

وهَذا الِاسْمُ وما بَعْدَهُ أسْماءُ آلِهَتِهِمْ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ أسْماءُ قَوْمٍ صالِحِينَ، كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، ونَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهم يَأْخُذُونَ بِأخْذِهِمْ في العِبادَةِ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم كانَ أنْشَطَ لَكُمْ، وأشْوَقَ لِلْعِبادَةِ، فَفَعَلُوا.

ثُمَّ نَشَأ قَوْمٌ بَعْدَهُمْ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: إنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ، وكانَ ابْتِداءُ عِبادَةِ الأوْثانِ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ.

وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ بِهَذِهِ الأسْماءِ، لِأنَّهم صَوَّرُوها عَلى صُوَرِ أُولَئِكَ القَوْمِ المُسَمَّيْنَ بِهَذِهِ الأسْماءِ.

وقِيلَ: إنَّما هي أسْماءٌ لِأوْلادِ آدَمَ، ماتَ مِنهم واحِدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ أنْ أُصَوِّرَ لَكم صُورَتَهُ، فَتَذْكُرُونَهُ بِها؟

فَصَوَّرَها.

ثُمَّ ماتَ آخَرُ، فَصَوَّرَ لَهم صُورَتَهُ، إلى أنَّ صَوَّرَ صُوَرًا خَمْسَةً.

ثُمَّ طالَ الزَّمانُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ما لَكم لا تَعْبُدُونَ شَيْئًا؟

فَقالُوا: لِمَن نَعْبُدُ؟

قالَ: هَذِهِ آلِهَتُكُمْ، وآلِهَةُ آبائِكُمْ، ألا تَرَوْنَها مُصَوَّرَةً في مُصَلّاكُمْ؟!

فَعَبَدُوها.

وَقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الأصْنامُ كانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ، فَكانَ "وَدٌّ" لِكَلْبٍ، "وَسُواعٌ" لِهَمَدانَ، و"يَغُوثُ" لِبَنِي غُطَيْفٌ، وهم حَيٌّ مِن مُرادٍ.

وقِيلَ: لَمّا جاءَ الطُّوفانُ غَطّى عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وطَمَّها التُّرابُ، فَلَمّا ظَهَرَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ صارَتْ إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، قالَ الواقِدِيُّ: كانَ "وَدٌّ" عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، و"سُواعٌ" عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، و"يَغُوثُ" عَلى صُورَةِ أسَدٍ، و"يَعُوقُ" عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، و"نَسْرٌ" عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وقَدْ أضَلَّتِ الأصْنامُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، أيْ: ضَلُّوا بِسَبَبِها.

والثّانِي: وقَدْ أضَلَّ الكُبَراءُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴿ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ ﴿ إلا ضَلالا ﴾ وهَذا دُعاءٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِمْ، لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا ﴾ ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَمْسَ سِراجًا ﴾ ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ وعَدَهم بِالأمْوالِ والبَنِينِ والجَنّاتِ والأنْهارِ لِمَكانِ حُبِّهِمْ لِلدُّنْيا، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: تَخافُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِي: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلِ قالُوا: و"الوَقارُ" العَظْمَةُ والسُلْطانُ، فَكَأنَّ الكَلامَ -عَلى هَذا- وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "تَرْجُونَ" عَلى بابِها في الرَجاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تَجْعَلُونَ رَجاءَكم لِلَّهِ تَعالى ولَلِقائِهِ، و"وَقارًا" ويَكُونُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مِنهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: تُؤَدَةُ مِنكم وتَمَكُّنًا في النَظَرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ مُضَمِّنُهُ الخِفَّةُ والطَيْشُ ورُكُوبُ الرَأْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: هي إشارَةٌ إلى التَدْرِيجِ الَّذِي لِلْإنْسانِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ النُطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: هي إشارَةٌ إلى العِبْرَةِ في اخْتِلافِ ألْوانِ الناسِ وخَلْقِهِمْ ومِلَلِهِمْ، و"الأطْوارُ": الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: فَإنْ أفاقَ فَقَدْ طارَتْ عَمايَتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ والمَرْءُ يَخْلُقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالياءِ عَلى فِعْلِ الغائِبِ، و"طِباقًا" قِيلَ: هو مَصْدَرٌ، أيْ: مُطابَقَةً، جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ طَبَقًا لِلْأُخْرى، ونَحْوُ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ............

∗∗∗ طَبَّقَ الأرْضَ تَحَرّى وتَدِرْ وقِيلَ هو جَمْعُ "طَبَقٍ"، وهو نَعْتٌ لِـ "سَبَّعَ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " "طِباقٍ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "سَماواتٍ"، وقَوْلُهُ تَعالى: وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ ساغَ نورًا ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ القَمَرَ مِن حَيْثُ هو في إحْداها فَهو في الجَمِيعِ، ويُرْوى أنَّ القَمَرَ في السَماءِ الدُنْيا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّ الشَمْسَ والقَمَرَ أقَفاؤُهُما إلى الأرْضِ وإقْبالُ نُورِهِما وارْتِفاعُهُ في السَماءِ، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ لَفْظَةُ السِراجِ، وقِيلَ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الخامِسَةِ، وقِيلَ: في الرابِعَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: هي في الشِتاءِ في الرابِعَةِ، وفي الصَيْفِ في السابِعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ أُخِذَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ صارَ الجَمِيعُ نابتًا مِنهُ، وقَوْلُهُ: "نَباتًا" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: فَنَبَتُّمْ نَباتًا، و"الإعادَةُ فِيها" هي بِالدَفْنِ فِيها الَّذِي هو عُرْفُ البَشَرِ، و"الإخْراجُ" هو البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَوْقِفِ العَرْضِ والجَزاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِساطًا" يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ بَسِيطَةٌ كُرَوِيَّةٌ، واعْتِقادُ أحَدِ الأمْرَيْنِ غَيْرُ قادِحٍ في الشَرْعِ بِنَفْسِهِ اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَرَكَّبَ عَلى القَوْلِ بِالكُرَوِيَّةِ نَظَرٌ فاسِدٌ، وأمّا اعْتِقادُ كَوْنِها بَسِيطَةً فَهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى، وهو الَّذِي لا يَلْحَقُ عنهُ فَسادٌ البَتَّةَ، واسْتَدَلَّ ابْن مُجاهِدٍ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِماءِ البَحْرِ المُحِيطِ بِالمَعْمُورِ فَقالَ: لَوْ كانَتِ الأرْضُ كُرَوِيَّةً لَما اسْتَقَرَّ الماءُ عَلَيْها.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، و"الفِجاجُ": الواسِعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أنشأ الاستدلال بخلق السماوات حضورَ الأرض في الخيال فأعقَبَ نوح به دليلَهُ السابقَ، استدلالاً بأعجب ما يرونه من أحوال ما على الأرض وهو حال الموت والإِقبار، ومهَّد لذلك ما يتقدمه من إنشاء الناس.

وأدمج في ذلك تعليمهم بأن الإِنسان مخلوق من عناصر الأرض مثل النبات وإعلامهم بأن بعد الموت حياة أخرى.

وأُطلق على معنى: أنشأكم، فعلُ ﴿ أنبتكم ﴾ للمشابهة بين إنشاء الإِنسان وإنبات النبات من حيث إن كليهما تكوين كما قال تعالى: ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ [آل عمران: 37]، أي أنشأها وكما يقولون: زَرعك الله للخير، ويزيد وجه الشبه هنا قرباً من حيث إن إنشاء الإِنسان مركب من عناصر الأرض، وقيل التقدير: أنبتَ أصلكم، أي آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿ كمثل آدم خلقه من تراب ﴾ [آل عمران: 59].

و ﴿ نباتاً ﴾ : اسم من أنبت، عومل معاملة المصدر فوقع مفعولاً مطلقاً ل ﴿ أنبتكم ﴾ للتوكيد، ولم يجر على قياس فعله فيقال: إنباتاً، لأن نباتاً أخف فلما تسَنى الإِتيان به لأنه مستعمل فصيح لم يُعدل عنه إلى الثقيل كمالاً في الفصاحة، بخلاف قوله بعده ﴿ إخراجاً ﴾ فإنه لم يعدل عنه إلى: خروجاً، لعدم ملاءمته لألفاظ الفواصل قبلَه المبنية على ألف مثل ألف التأسيس فكما تعدّ مخالفتها في القافية عيباً كذلك تُعدّ المحافظة عليها في الأسجاع والفواصل كمالاً.

وقد أدمج الإِنذار بالبعث في خلال الاستدلال، ولكونه أهم رتبة من الاستدلال عليهم بأصل الإِنشاء عطفت الجملة ب ﴿ ثم ﴾ الدالة على التراخي الرتبي في قوله: ﴿ ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ﴾ لأن المقصود من الجملة هو فعل ﴿ يخرجكم ﴾ ، وأما قوله: ﴿ ثم يعيدكم ﴾ فهو تمهيد له.

وأكد ﴿ يخرجكم ﴾ بالمفعول المطلق لردّ إنكارهم البعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: دَعْوَتُهم لِيَعْبُدُوكَ لَيْلًا ونَهارًا.

الثّانِي: دَعْوَتُهم لَيْلًا ونَهارًا إلى عِبادَتِكَ.

﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا فِرارًا مِن طاعَتِكَ.

الثّانِي: فِرارًا مِن إجابَتِي إلى عِبادَتِكَ.

قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ، فَيَقُولُ لِابْنِهِ: احْذَرْ هَذا لا يَغُرَّنَّكَ فَإنَّ أبِي قَدْ ذَهَبَ بِي إلَيْهِ وأنا مِثْلُكَ، فَحَذَّرَنِي كَما حَذَّرْتُكَ.

﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي كُلَّما دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ لِتَغْفِرَ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الشِّرْكِ.

﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ لِئَلّا يَسْمَعُوا دُعاءَهُ لِيُؤَيِّسُوهُ مِن إجابَةِ ما لَمْ يَسْمَعُوهُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ حَلِيمًا صَبُورًا.

﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ غَطُّوا رُؤُسَهم وتَنَكَّرُوا لِئَلّا يَعْرِفَهم.

﴿ وَأصَرُّوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ، قالَ قَتادَةُ: قُدُمًا قُدُمًا في مَعاصِي اللَّهِ لِتَهائِهِمْ عَنْ مَخافَةِ اللَّهِ حَتّى جاءَهم أمْرُ اللَّهِ.

الثّانِي: الإصْرارُ: أنْ يَأْتِيَ الذَّنْبَ عَمْدًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهم سَكَتُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كُفْرُهم بِاَللَّهِ وتَكْذِيبُهم لِنُوحٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ التَّوْبَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ ( ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ ) تَفْخِيمٌ.

﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ أيْ مُجاهَرَةً يَرى بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّعاءَ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ صِحْتُ.

﴿ وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ الدُّعاءُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم في وقْتٍ سِرًّا، وفي وقْتٍ جَهْرًا.

الثّانِي: دَعا بَعْضَهم سِرًّا وبَعْضَهم جَهْرًا، وكُلُّ هَذا مِن نُوحٍ مُبالَغَةً في الدُّعاءِ وتَلَطُّفًا في الِاسْتِدْعاءِ.

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ وهَذا فِيهِ تَرْغِيبٌ في التَّوْبَةِ، وقَدْ رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ( «اَلِاسْتِغْفارُ مَمْحاةٌ لِلذُّنُوبِ» ) .

وقالَ الفُضَيْلُ: يَقُولُ العَبْدُ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، قالَ: وتَفْسِيرُها أقَلَّنِي.

﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ يَعْنِي غَيْثًا مُتَتابِعًا، وقِيلَ إنَّهم كانُوا قَدْ أجْدَبُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، حَتّى أذْهَبَ الجَدْبُ أمْوالَهم وانْقَطَعَ الوَلَدُ عَنْ نِسائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في الإيمانِ.

﴿ وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ أنَّهُمُ أهْلُ حِرْصٍ عَلى الدُّنْيا، فَقالَ هَلُمُّوا إلى طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ مِن طاعَتِهِ دَرْكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما لَكَمَ لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ عَظْمَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: لا تَخْشَوْنَ لِلَّهِ عِقابًا وتَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّهُ ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعَمَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: لا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّ الوَقارَ الثَّباتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ  ﴾ أيِ اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهُكُمُ الَّذِي لا إلَهَ لَكم سِواهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: دَلَّهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ في وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي طَوْرًا نُطْفَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَلَقَةً، ثُمَّ طَوْرًا مُضْغَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَظْمًا، ثُمَّ كَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أنَّبَتْنا لَهُ الشَّعْرَ وكَمُلَتْ لَهُ الصُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الطُّولِ والقِصَرِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ والهَمِّ والتَّصَرُّفِ، والغِنى والفَقْرِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الأخْلاقِ والأفْعالِ.

﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ عَلى سَبْعِ أرَضِينَ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ طِباقًا بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، كالقِبابِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجْهُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وظَهْرُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ.

﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَعْنِي مِصْباحًا لِأهْلِ الأرْضِ، وفي إضافَتِهِ لِأهْلِ السَّماءِ القَوْلانِ الأوَّلانِ.

﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن طِينٍ، فَإنَّما تَلِينُ القُلُوبُ في الشِّتاءِ.

الثّانِي: أنَّبَتْهم مِنَ الأرْضِ بِالكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ، وبِالطُّولِ بَعْدَ القِصَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ أنْشَأهم بِاغْتِذاءِ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ وبِما فِيها، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ﴾ يَعْنِي أمْواتًا في القُبُورِ.

﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ لِنُشُورٍ بِالبَعْثِ.

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ أيْ مَبْسُوطَةٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَبْسُوطَةٌ.

﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طُرُقًا مُخْتَلِفَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: طُرُقًا واسِعَةً، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: طُرُقًا أعْلامًا، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ قال: خلق آدم من أديم الأرض كلها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سبلاً فجاجاً ﴾ قال: طرقاً مختلفة وأعلاماً.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ ﴿ ماله وولده ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء أنهما كانا يقرآن ﴿ ماله وولده ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأها في نوح والزخرف وما بعد السجدة من مريم ولد وقال: الولد الكبير والولد الواحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ومكروا مكراً كباراً ﴾ قال عظيماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ولا تذرن ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح.

وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مرديه عن ابن عباس قال: صارت الأصنام والأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وكانوا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه ود ويغوث ويعوق وسراع ونسر، وكان ود أكبرهم وأبرّهم به.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي عثمان قال: رأيت يغوث صنماً من رصاص يحمل على جمل أجرد، فإذا برك قالوا: قد رضي ربكم هذا المنزل.

وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح وكانت الأبناء تبرّ الآباء فمات رجل منهم فجزع عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ﴾ قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صوّرتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال: كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فكانوا عبّاداً فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟

قالوا: نعم، قال: هل لكم أن أصوّر لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟

قالوا: لا نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه.

قال: فأجعله في مؤخر المسجد.

قالوا: نعم فصوّره لهم حتى مات خمستهم فصوّر صورهم في مؤخر المسجد وأخرج الأشياء حتى تركوا عبادة الله وعبدوا هؤلاء، فبعث الله نوحاً فقالوا: ﴿ لا تذرن وداً ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب فقال: إما أنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر وداً قال: وكان ود رجلاً مسلماً وكان محبباً في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟

قالوا: نعم، فصوّر لهم مثله، فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالاً مثله فيكون في بيته فتذكرونه؟

قالوا: نعم، فصوّر لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به.

قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله.

قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود الصنم الذي سموه بود.

وخرج عبد بن حميد عن السدي سمع مرة يقول في قول الله: ﴿ ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ قال: أسماء آلهتهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وولده ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا تذرن وداً ﴾ بنصب الواو ﴿ ولا سواعاً ﴾ برفع السين.

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة قال: لم ينحسر أحد من الخلائق كحسرة آدم ونوح، فأما حسرة آدم فحين أخرج من الجنة، وأما حسرة نوح فحين دعا على قومه فلم يبق شيء إلا غرق إلا ما كان معه في السفينة، فلما رأى الله حزنه أوحى إليه يا نوح لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: واحداً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ قال: أما والله ما دعا عليهم نوح حتى أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فعند ذلك دعا عليهم، ثم دعا دعوة عامة، فقال: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ﴾ قال: يعني أباه وجده.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قال: مسجدي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تباراً ﴾ قال: خساراً.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ هذا عبارة عن إنشائهم من تراب الأرض، ونباتاً مصدر على غير المصدر أو يكون تقديره: أنبتكم فنبتم إنباتاً، ويحتمل أن يكون منصوباً على الحال ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ﴾ يعني بالبعث من القبور ﴿ والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً ﴾ شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم في لفظ البساط أن الأرض بسيطة غير كروية، خلافاً لما ذهب إليه أهل التعديل، وفي ذلك نظر ﴿ سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ ذكر في [الأنبياء: 31] ﴿ واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ يعني اتبعوا أغنيائهم وكبراءهم، وقرئ وَلدُه بفتحتين وَوُلْد بضم الواو وسكون اللام وهما بمعنى واحد ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً ﴾ الكبّار بالتشديد أبلغ من الكبار بالتخفيف، والكبار بالتخفيف أبلغ من الكبير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.

أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.

الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.

التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.

أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.

ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.

ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.

وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.

وما أجيب عنه.

والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.

وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.

ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.

ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.

قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.

قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.

ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.

ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.

قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً  ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.

ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.

ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.

ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.

ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.

ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.

وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.

والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.

ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.

ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.

وله وجه معقول وهو أن الله  مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.

يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله  عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.

فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.

والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.

ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.

والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.

وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله  فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.

وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.

وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.

قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.

وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.

وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.

ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.

قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.

وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.

ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.

والفج الطريق الواسع.

ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟

فبين  أنه  ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.

وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.

والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.

ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.

وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.

وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.

ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر  ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.

وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله  في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.

عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله  .

وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.

وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.

وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.

والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.

يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.

فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.

قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن  ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.

قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله  أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.

ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.

وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.

وإسم أمه شمخا بنت أنوش.

قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم  من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.

وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.

وقيل: مسجدي.

وقيل: سفينتي.

وقيل: ديني.

على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.

والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا من نوح -  - بعد أن أخبر ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، فيكون القول منه قول معتذر: أنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وأنه قد أبلى عذره في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه.

ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض؛ لاستنزال اللين والرحمة، لعل الله  بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق، ويرغبوا في الإجابة؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم، فهو يخرج على أحد هذين الوجهين: إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه؛ لاستنزال اللين والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر، لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله  أنهم لا يؤمنون، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا.

ثم قوله: ﴿ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ ، أي: دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ .

وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح  ، وكانوا قد استثقلوه وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار؛ فنسب ذلك إلى الدعاء؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء؛ فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار؛ وهو كقوله  : ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ، والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وقال الله  : ﴿ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ \[المؤمنون: 110\] وهم لم يكونوا مسنيين، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء، فعلى ذلك لما أبغضوه واستثقلوا كلامه ودعاءه، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود، ثم نسب النفار إلى الدعاء [على] الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة منفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ  ﴾ ، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم والأجلة منهم، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في [أفواه الأنبياء] عليهم السلام، وضربوهم على ما ذكر في الأخبار، وأما الأتباع منهم، والمقلدون لهم، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورءوسهم؛ كي لا يسمعوا كلامه فيقع شيء منه في قلوبهم؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك.

أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم، وأقبل على آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا [محمد  ].

ثم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على التحقيق على ما ذكرنا؛ ليؤيسه من الإجابة.

والثاني: جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه؛ لئلا يسمع ولا يجيب؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ينبذه وراء ظهره، وكذلك في قوله - عز وجل -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ  ﴾ على التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي يرد يده في فيه؛ لئلا يتكلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ ، أي: داموا على ما هم عليه وثبتوا على كفرهم.

وقال قتادة: ﴿ وَأَصَرُّواْ ﴾ ، أي: صاحوا في وجوه الأنبياء -  - ردا عليهم، أو مغالبة في الدعاء؛ كقوله: ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً ﴾ ، أي: استكبروا عن طاعة الله  ، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ﴾ ، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة الله  في كل وقت تهيأ له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت؛ رجاء الإجابة منهم.

ويحتمل ﴿ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ﴾ ، أي: إذا بعدوا مني، وازدحموا وكثروا؛ فدعاهم جهارا؛ لتعمهم الدعوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ﴾ إذا قربوا منه وقلوا، فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء.

ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الإعلان إعلانا بالحجج وإظهارا للبينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ ، فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ  ﴾ ؛ فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمراً بسؤال المغفرة نفسه من الله  ؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم، فإذا كانوا كفرة، فهو إيمان بالله  ، وإن كانوا [أصحاب ذنوب]، فالتوبة إلى الله  ، وإن كانوا مخلصين فما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها، ونحو ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ﴾ ، فيحتمل أنما قال هذا لهم؛ لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه، غفر [الله لهم] ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا؛ فيتوسعوا به، على ما قال [به] بعض أهل التأويل: إن الله  [قد] حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير؛ فلذلك كان نوح -  - يعدهم بما ذكرنا، والله أعلم.

ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم بالإجابة وزوال السعة عنهم [بالإسلام] ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر - عز وجل - أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل [عليهم المطر] من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار، لكنْ ذوو الألباب والعقلاء ينظرون إلى حسن العاقبة وما إليه مآل الأمر دون الحال، فذلك الذي يرغب فيه؛ ولذلك اختلفت دعوة النبي  لأمته: فمنهم من بشره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته، ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 15].

ونظير الأول كقوله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

والأصل أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا مبشرين ومنذرين، داعين، زاجرين، محتجين، مدحضين، فما تلوا عليهم من أنباء الأولين دخل فيهم جميع الأوجه الثلاثة؛ إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتلاء، ومرة بذكر ما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين؛ أن كيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.

وكذلك [دعاء الرحمة] يكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر، وبذكر الأمم السالفة، وأن الرسل كيف [كانوا يدعونهم] ثانيا للحق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: تأويله [كيف] لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها، وقد علمتم أن الخير كله في يده، وأن الذي تعبدون من دون الله لا يملكون لكم نفعا ولا يدفعون عنكم ضرّاً؛ فجعل قوله: ﴿ وَقَاراً ﴾ مكان "عبادة"، والله أعلم.

وقال غيره: [ ﴿ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ ، أي:] ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا.

وقال بعضهم: [أي:] ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم؛ فتنتهوا عما نهاكم وتأتوا ما أمركم به، وحمل الرجاء على الخوف؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء، والله أعلم.

والأشبه بالتأويل عندنا: أن الرجاء لله  على مثال الغضب لله، والحب لله، والبغض لله، أي: ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند الله على الوقار والهيبة، بعد أن شاهدتم من نعم الله  وإحسانه إليكم من خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها؛ وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا، استحقر به، فألزمهم نحو -  - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم إياهم وهيبتهم منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ .

فمن حمل قوله: ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ على حقيقة الرجاء، فتأويله: كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله - عز وجل -: إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، فكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته؟!

وإن كان قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ على الخوف، ففيما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث، ولم يخفَ عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء، فكيف يخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم؛ فيكون في [ذكر] هذا تنبيه أن الله  لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصر في كل حال؛ لئلا يتعدى حدود الله، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك.

فإذا حملت التأويل على الرجاء، فهو يخرج على غير التأويل الذي حملته على الخوف؛ لأنك إذا حملته على الرجاء كان فيه تذكير عظيم مننه، ونعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه؛ فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله  ، ويحمد عاقبتهم.

وإن حملته على الخوف، كان فيه تذكير القدرة والسلطان؛ فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات.

ومن حمل قوله: ﴿ وَقَاراً ﴾ على العبادة، فهو يخرج على غير الوجهين الذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل، كأنه يقول: إن الذي خلقكم أطوارا قد تعلمون أنه حكيم [ومن هو حكيم] لا يسفه، وتَرْكُكُم سدى لا يأمركم ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم - سفه؛ فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة.

ويكون في ذكر هذا أيضا إثبات الربوبية وإلزام القول بالوحدانية؛ لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويّاً، فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا، لكان يعجز عن تقليبه من حال إلى حال؛ لأنه إذا أراد أن ينشئ من النطفِ علقة، ومن العلقة مضغة، كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره؛ فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة، فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره.

وإذا ثبت انفراده بما ذكرنا ثبت أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق.

وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾ ، أي: مختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنغم؛ حتى لا يرى أحد يشبه آخر بجميع خلقته، وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرته وحكمته، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً ﴾ .

قد ذكرنا أن قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه، فقد يقتضي تذكير أعجوبة لم يسبق من الخلائق العلم بها، يقول: قد رأوا أنه خلق سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على خلق مثله لقادر على خلق كل ما يريد؛ فيكون في إيجاب القول بالبعث؛ إذ إعادتهم ليست بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، فمن قدر على خلقهن، لقادر على البعث، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ﴾ : منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات.

وقد يجوز - أيضا - أن يضاف الشيء إلى العدد وإن لم [يكن] يوجد ذلك إلا في البعض، يقال: في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا [فهو] لا يكون في سبع قبائل، وإنما يكون في قبيلة واحدة، ويقال: فلان توارى في دور قوم، وهو لا يكون متواريا في دور جملتهم، وإنما يكون متواريا في واحدة منهن، ثم أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع وإن كان القمر في سماء واحدة.

ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب وغيره، فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر.

لكن هذا إنما يعرف بالخبر، فإن صح عن رسول الله  خبر، فذلك هو، وإلا فالإمساك عن مثله أحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً ﴾ فذكر السراج هاهنا مكان الضوء في موضع آخر، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً  ﴾ ، فذكر في القمر النور وفي الشمس الضياء؛ لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة الليل، ثم الله  أنشأ الليل لنسكن فيه، لكن قد يبدو للخلائق بالليل حوائج يحتاجون إلى قضائها؛ فمن الله  عليهم بنور القمر؛ ليتوصلوا [بنوره إلى قضاء حوائجهم]، وجعل الشمس ضياء؛ ليختطف ضوءها نور الليل، ويغلب عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون [أضاف الإنبات] إلى الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من التراب، وهو آدم -  - فنسب الفرع إلى الذي منه خلق الأصل؛ لحدوثه منه، لا أن يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق [به]، ولكن الذي يرزق به أصله المطر، فنسب إلى المطر؛ لأنه هو الأصل الذي يتوصل به إلى الأرزاق؛ فكذلك الخلائق لما كانوا من نسل آدم -  - وكان هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الأصل؛ الذي حدث منه الأصل.

ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه؛ وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية، فإذا كان قوامها بما ينبت منها، فكأنما أنبتنا منها؛ فاستقام أن يضاف الإنبات إليها، كما يستقيم أن يضاف خروج الثمار إلى الأرض وإن كان حدوثها من الأشجار؛ إذ قوام الأشجار وبقاؤها بها؛ فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا.

ففي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً ﴾ على التأويل [الأول] إثبات القدرة على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه؛ لأنه يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من الأرض، ولم يكونوا شيئا، فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا، لقادر على أن يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما ورفاتا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا، فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان على التأويل الثاني، ففيه تذكير نعمه: أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، أو يستأدي منهم الشكر، وفيه تذكير قوته وسلطانه؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ﴾ ، فجمع بين الإعادة والإخراج بحرف الجمع، وجعل [قوله عز وجل] ﴿ وَيُخْرِجُكُمْ ﴾ في موضع "ثم"؛ لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين وهو "الواو" قد يستعمل مكان "ثم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً ﴾ .

أي: جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه، ولو لم يجعلها كذلك، لم يتوصلوا إلى حوائجهم، ولا الانتفاع بها، ففي ذكر هذا تذكير بما لله  عليهم من عظيم المنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ : قيل: الفجاج: هي الطرق الواسعة.

وقيل: السبل في السهل، والفجاج: الطرق في الجبال، وهذا - أيضا - من عظيم نعم الله  على عباده؛ لأن الله  قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا، لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوم أبدانهم؛ فصارت الطرق المتخذة لما نسلك فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا: كالدواب التي سخرت لنا؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا، وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار؛ لأنه أحوج الخلق إلى الانتشار في البلاد؛ لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك؛ فثبت أن مالك الأقطار واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله خلقكم من الأرض بخلق أبيكم آدم من تراب، ثم أنتم تتغذون بما تُنْبته لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZEwgY"

مزيد من التفاسير لسورة نوح

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله