الإسلام > النكاح والأسرة > الشروط في النكاح والمهر
مسائلُ فقهيةٌ في الشروط في النكاح والمهر على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةفصل في الشُّروطِ في النِّكاحِ والمَهرِ
المَرأةُ قد تَتزوَّجُ الرَّجلَ على شَرطٍ مِنْ الشَّروطِ، وقَد يَزيدُ في مَهرِها أو يَنقُصُ بِناءً على هذهِ الشُّروطِ، وهذهِ الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفَقٌ على جوازِ الوفاءِ بهِ؛ لأنهُ جائِزٌ ولَم يُخلَّ بمَقصودِ النِّكاحِ ولا حَرَّمَ حَلالًا ولا أحَلَّ حَرامًا، ومِن هذهِ الشُّروطِ ما اختَلفَ فيهِ الفُقهاءُ، هل يَلزمُ الوفاءُ بها أم لا؟ وإذا لَزمَ الوَفاءُ بها وأخلَفَ الزَّوجُ الشَّرطَ، هل يَنفسخُ النِّكاحُ أم لا؟
أ- شَرطُ أنْ لا يَتزوَّجَ عَليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها أو بلَدِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ تَتزوَّجُ الرَّجلَ بشَرطِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرجَها مِنْ بَلدِها، هل يَجبُ عليهِ أنْ يَفيَ لها بهذا الشَّرطِ؟ أم هذا الشَّرطُ باطِلٌ ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها؟
فذهَبَ الحَنابلةُ -وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ- إلى أنَّ الزَّوجَ إذا تَزوَّجَها وشرَطَ لها أنْ لا يُخرجَها مِنْ دارِها وبَلدِها أو لا يَتزوَّجَ عليها فلها شَرطُها ويَلزمُه الوَفاءُ لها بهِ؛ لمَا رُويَ عَنْ النَّبيِّ
ﷺ أنهُ قالَ: «أحَقُّ ما أَوفَيتُمْ مِنَ الشُّروطِ أنْ تُوفُوا بهِ ما استَحلَلتُم به الفُرُوجَ» (١).
فيَجبُ الوَفاءُ بهذا الشَّرطِ الَّذي هو أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى به، وهو مُقتَضى الشَّرعِ والعَقلِ والقياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المرأةَ لم تَرضَ ببَذلِ بُضعِها للزَّوجِ إلَّا على هذا الشَّرطِ، ولو لم يَجبِ الوفاءُ بهِ لم يَكنِ العَقدُ عن تَراضٍ، وكانَ إلزامًا لها بِما لم تَلتزِمْه وبما لم يُلزِمْها اللهُ تعالَى ورَسولُه بهِ، فلا نَصَّ ولا قِياسَ.
فإنْ لم يَفعلِ الزَّوجُ وتَزوَّجَ عليها أو أخرَجَها مِنْ بَلدِها فلها فَسخُ النِّكاحِ، وهيَ مُخيَّرةٌ، فإنْ شاءَتْ أنْ تُقيمَ معهُ وإنْ شاءَتْ أنْ تُفارِقَه، يُروَى هذا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ومُعاويةَ وعَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهم، وبه قالَ شُرَيحٌ وعُمرُ بنُ عَبدِ العزيزِ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وطاوُسٌ والأوزاعيُّ وإسحاقُ.
ورُويَ: «أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرأةً وشرَطَ لها دارَها ثمَّ أرادَ نقْلَها، فخاصَموهُ إلى عُمرَ فقالَ: لها شَرطُها، فقالَ الرَّجلُ: إذًا يُطلِّقْنَنا، فقالَ عُمرُ: «مَقاطِعُ الحُقوقِ عندَ الشُّروطِ» (٢)، ولأنهُ شَرطٌ لها فيهِ مَنفعةٌ مَقصودةٌ لا يَمنعُ المَقصودَ مِنْ النِّكاحِ، فكانَ لازِمًا، كما لو شَرطَتْ عليهِ زِيادةً في المَهرِ أو غيرَ نَقدِ البلدِ.
(١) رواه البخاري (٤٨٥٦)، ومسلم (١٤١٨).
(٢) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٦٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٢١٦).
وقولُه ﷺ: «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ» أي: ليسَ في حُكمِ اللهِ وشَرعِه، وهذا مَشروعٌ، وقد ذكَرْنا ما دلَّ على مَشروعيَّتِه، وعلى مَنْ نفَى ذلكَ الدليلُ.
وقولُهم: إنَّ هذا يُحرِّمُ الحَلالَ.
قُلنا: لا يُحرِّمُ حَلالًا وإنما يُثبتُ للمَرأةِ خِيارَ الفَسخِ إنْ لم يَفِ لها به.
وقَولُهم: ليسَ مِنْ مَصلحتِه.
قُلنا: لا نُسلِّمُ ذلكَ؛ فإنهُ مِنْ مَصلحةِ المَرأةِ، وما كانَ مِنْ مَصلحةِ العاقدِ كانَ مِنْ مَصلحةِ عَقدِه، كاشتِراطِ الرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ، ثم يَبطلُ بالزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ.
وشَرطُ غَيرِ نَقدِ البلدِ إذا ثبَتَ أنهُ شَرطٌ لازِمٌ فلمْ يَفِ لها به فلها الفَسخُ، ولهذا قالَ الَّذي قضَى عليهِ عُمرُ بلُزومِ الشَّرطِ: «إذًا تُطَلِّقُنَا»، فلَم يَلتفِتْ عُمرُ إلى ذلكَ وقالَ: «مَقاطعُ الحُقوقِ عِنْدَ الشُّروطِ»، ولأنهُ شَرطٌ لازِمٌ في عَقدٍ، فيَثبتُ حقُّ الفَسخِ بتَركِ الوفاءِ به كالرَّهنِ والضَّمينِ في البيعِ.
وهذا الخِيارُ على التَّراخي؛ لأنهُ خِيارٌ يَثبتُ لدَفعِ الضَّررِ فكانَ على التَّراخي؛ تَحصيلًا لمَقصودِها، كخِيارِ العَيبِ والقِصاصِ، ولا يَسقطُ إلا بما يَدلُّ على الرِّضَا مِنها مِنْ قَولٍ أو تَمكينٍ منها معَ العِلمِ بفِعلِه ما شَرطَتْ أنْ لا يَفعلَه، فإنْ لم تَعلمْ بعَدمِ الوفاءِ ومَكَّنتْه لم يَسقطْ خِيارُها؛ لأنَّ مُوجِبَه لم يَثبتْ، فلا يكونُ له أثَرٌ، كالمُسقِطِ لشُفعَتِه قبْلَ البَيعِ.
فإنْ فَسخَتْ قبْلَ الدُّخولِ بها فلا مَهرَ لها، وليسَ لها نِصفُ المَهرِ، ولا المُتعةُ إنْ كانَتْ مُفوِّضةً (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا تَزوَّجتِ الرَّجلَ وشَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها أنَّ النِّكاحَ جائزٌ والشَّرطَ باطلٌ، ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ عليها وأنْ يُخرِجَها مِنْ بلدِها.
(١) «المغني» (٧/ ٧١)، و «الكافي» (٣/ ٥٥)، و «المحرر» (٢/ ٢٣)، و «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٦٩، ١٧٠)، و «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٠، ٢١)، و «زاد المعاد» (٥/ ١١٨)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «المبدع» (٧/ ٨١، ٨٢)، و «الإنصاف» (٨/ ١٥٥)، و «الروض المربع» (٢/ ٢٩٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٩٩، ١٠٠، ١٦٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٢٠)، وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه في «زاد المعاد» (٥/ ١١٨)، في قصَّةِ زواجِ عليٍّ مِنْ بنتِ أبي جَهلٍ: فيُؤخَذُ مِنْ هذا أنَّ المَشروطَ عُرفًا كالمَشروطِ لَفظًا، وأنَّ عدَمَه يُملِّكُ الفَسخَ لمُشتَرِطِه، فلو فُرضَ مِنْ عادةِ قَومٍ أنهُم لا يُخرِجونَ نِساءَهم مِنْ ديارِهم ولا يُمكِّنونَ أزواجَهُم مِنْ ذلكَ البتَّةَ واستَمرَّتْ عادَتُهم بذلكَ كانَ كالمَشروطِ لَفظًا، وهوَ مُطرِدٌ على قَواعدِ أهلِ المَدينةِ وقَواعدِ أحمَدَ رحمة الله عليه أنَّ الشَّرطَ العُرفيَّ كاللَّفظيِّ سَواءٌ، ولهذا أَوجَبُوا الأجرَةَ على مَنْ دفَعَ ثوبَهُ إلى غسَّالٍ أو قَصَّارٍ، أو عَجينَه إلى خبَّازٍ، أو طَعامَه إلى طبَّاخٍ يَعمَلونَ بالأجرَةِ، أو دخَلَ الحمَّامَ أو استَخدمَ مَنْ يَغسِلُه ممَّن عادتُه يَغسِلُ بالأجرَةِ ونحوَ ذلكَ، ولم يَشرطْ لهُم أجرةً أنَّه يَلزمُه أجرةُ المِثلِ.
وعلى هذا، فلَو فُرضَ أنَّ المرأةَ مِنْ بيتٍ لا يَتزوَّجُ الرَّجلُ على نِسائِهم ضَرَّةً ولا يُمكِّنونَه مِنْ ذلكَ، وعادُتُهم مُستمِرةٌ بذلكَ، كانَ كالمَشروطِ لَفظًا.
وكذلكَ لو كانَتْ ممَّن يَعلمُ أنها لا تُمكِّنُ إدخالَ الضَّرةِ عليها عادةً لِشَرفِها وحسَبِها وجَلالتِها، كانَ تركُ التَّزوُّجِ عليها كالمَشروطِ لَفظًا سواءٌ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بما يَلي:
بما رواهُ البُخاريُّ مُعلَّقًا قالَ: وقالَ المِسْورُ: سَمعْتُ النَّبيَّ عليه السلام وذكَرَ صِهرًا لهُ فأَثنَى عليهِ في مُصاهَرتِه فأحسَنَ، قالَ: «حَدَّثَني فصَدَقَني ووعَدَني فوَفانِي» (١). قالُوا: وإنَّما استَحقَّ المَدحَ لأنَّه وفى لهُ مُتبَرِّعًا ومُتطوِّعًا لا فيما لَزمَه الوفاءُ به على سَبيلِ الفَرضِ.
ولقَولِه ﷺ في قصَّةِ بَريرةَ: «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ، كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ وشَرطُ اللَّهِ أوثَقُ» (٢)، فأجازَ البَيعَ وأبطَلَ الشَّرطَ، فلمَّا أبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ الشُّروطِ ما ليسَ في كِتابِ اللهِ كانَ مَنْ اشتَرَطَ شُروطًا خِلافَ كِتابِ اللهِ أَولى أنْ تَبطُلَ.
وقَولِه ﷺ: «المُؤمِنونَ على شُروطِهم إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، مِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ أباحَ للرِّجالِ أنْ يَنكحُوا أربَعًا، وأباحَ للرَّجلِ وطْءَ ما مَلكَتْ يَمينُه؛ لقَولِه ﷾: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٦]، فإذا شَرطَتْ عليهِ الزَّوجةُ تَحريمَ ما أحَلَّ اللهُ لهُ بطَلَ الشَّرطُ وثبَتَ النِّكاحُ، ولمَّا كانَ للمَرءِ إذا عقَدَ نكاحَ امرأةٍ أنْ يَنقلَها حيثُ يَصلحُ أنْ تُنقَلَ إليه مِثلُها ويُسافرَ بها كانَ اشتِراطُها عليهِ كارِهًا غيرُ أحكامِ المسلمِينَ في أزواجِهِم، وذلكَ غَيرُ لازمٍ للزَّوجِ.
(١) رواهُ البُخاريُّ مُعلَّقًا «بابُ الشُّروطِ في النِّكاحِ».
(٢) رواه البخاري (٢٠٤٧)، ومسلم (١٥٠٤).
ولأنَّ هذا شَرطٌ ليسَ مِنْ مَصلحةِ العَقدِ ولا مُقتَضاهُ، ولمْ يُبْنَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فكانَ فاسِدًا، كما لو شَرطَتْ أنْ لا تُسلِّمَ نفْسَها.
فأمَّا مَعنى قَولِه عليه السلام: «أحَقُّ ما أوفَيتُم مِنَ الشُّروطِ أنْ تُوفُوا بهِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ»، فيَحتملُ أنْ تكونَ الشُّروطَ الَّتي أجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ على الزَّوجِ الوفاءَ بها، ويَحتملُ أنْ يكونَ ما شُرطَ على النَّاكِحِ في عَقدِ النِّكاحِ ممَّا أمَرَ اللهُ بهِ مِنْ إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ، وإذا احتَملَ الحَديثُ مَعانٍ كانَ ما وافَقَ ظاهِرَ كِتابِ اللهِ وسُننَ رَسولِ اللهِ ﷺ أَولى، وقدْ أبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ، وهذا أَولى مَعنَييْه (١).
(١) «الهداية» (١/ ٢٠٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٥٠)، و «الاختيار» (٣/ ١٣٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤٨، ١٤٩)، و «العناية» (٥/ ١١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٣٤)، و «اللباب» (٢/ ٤٣)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٧١)، و «الدر المختار» (٣/ ١٢٣، ١٢٥)، و «المدونة الكبرى» (٤/ ١٩٧)، و «الإشراف» (٥/ ٦٧، ٦٩)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «الكافي» (١/ ٢٥٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٤٤، ٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٦، ٢٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٥٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٨)، و «البيان والتحصيل» (٤/ ٣٧٧، ٣٧٨)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٤٦)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «البيان» (٩/ ٣٨٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٢٦)، و «جواهر العقود» (٢/ ٢٣)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢٠٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٨، ٣١٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٢)، و «الديباج» (٣/ ٣١٩)، و «اختلاف العلماء» للمروزي (١/ ١٧٦، ١٧٨).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: ولو نكَحَ بِكرًا أو ثيِّبًا بأمرِها على ألفٍ على أنَّ لها أنْ تَخرجَ متى شاءَتْ مِنْ مَنزلِه، وعلى أنْ لا تَخرجَ مِنْ بَلدِها، وعلى أنْ لا يَنكحَ عليها ولا يَتسرَّى عليها، أو أيِّ شَرطٍ ما شَرطَتْه عليهِ مِمَّا كانَ له إذا انعَقدَ النِّكاحُ أنْ يَفعلَه ويَمنعَها منه فالنِّكاحُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ، وإنْ كانَ انتَقصَها بالشَّرطِ شَيئًا مِنْ مَهرِ مِثلِها فلها مَهرُ مِثلِها، وإنْ كانَ لم يُنقِصْها مِنْ مَهرِ مِثلِها بالشَّرطِ أو كانَ قدْ زادَها عليهِ وزادَها على الشَّرطِ أبطَلتُ الشَّرطَ ولم أجعَلْ لها الزِّيادةَ على مَهرِ مِثلِها ولم يَزِدْها على مَهرِ مِثلِها؛ لفَسادِ عَقدِ المَهرِ بالشَّرطِ الَّذي دخَلَ معهُ، ألَا ترَى لو أنَّ رَجلًا اشتَرَى عَبدًا بمِائةِ دينارٍ وزِقِّ خَمرٍ فرَضيَ رَبُّ العَبدِ أنْ يأخُذَ المِائةَ ويُبطِلَ الزِّقَّ الخَمرَ لم يكنْ ذلكَ لهُ؛ لأنَّ الثَّمنَ انعَقدَ على ما يَجوزُ وعلى ما لا يَجوزُ فبطَلَ ما لا يَجوزُ وما يَجوزُ، وكانَ لهُ قِيمةُ العَبدِ إنْ ماتَ في يَديِ المُشتَري.
ولو أصدَقَها ألفًا على أنْ لا يُنفِقَ عليها أو على أنْ لا يَقسِمَ لها أو على أنهُ في حِلٍّ ممَّا صنَعَ بها كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَ له إنْ كانَ صَداقُ مِثلِها أقلَّ مِنَ الألفِ أنْ يَرجعَ عليها حتَّى يُصيِّرَها إلى صَداقِ مِثلِها؛ لأنها شَرطَتْ له ما ليسَ لهُ فزادَها ممَّا طرَحَ عن نَفسِه مِنْ حقِّها، فأبطَلتُ حصَّةَ الزِّيادةِ مِنْ مَهرِها ورَدَّدتُها إلى مَهرِ مِثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فلِمَ لا تُجيزُ عليهِ ما شرَطَ لها وعليها ما شَرطَتْ له؟
قيلَ: رَددْتُ شَرطَهُما إذ أبطَلا بهِ ما جعَلَ اللهُ لِكلِّ واحدٍ ثمَّ ما جعَلَ
النَّبيُّ ﷺ، وبأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَشترِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كتابِ اللهِ تعالَى؟ ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تعالَى فهوَ باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللهِ أحَقُّ وشَرطُه أوثَقُ، فإنِّما الوَلاءُ لمَن أعتَقَ»، فأبطَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ كلَّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ جلَّ ثَناؤُه إذا كانَ في كِتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ خِلافُه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما الشَّرطُ للرَّجلِ على المرأةِ والمَرأةِ على الرَّجلِ ممَّا إبطالُه بالشَّرطِ خِلافٌ لكِتابِ اللهِ أو السُّنةِ أو أمرٍ اجتَمعَ النَّاسُ عليهِ؟
قيلَ لهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى: أحَلَّ اللهُ ﷿ للرَّجلِ أنْ يَنكحَ أربَعًا وما مَلكَتْ يَمينُه، فإذا شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَنكحَ ولا يَتسرَّى حَظرَتْ عليهِ ما وسَّعَ اللهُ تعالَى عليهِ، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَحِلُّ للمَرأةِ أنْ تَصومَ يَومًا تَطوُّعًا وزَوجُها شاهِدٌ إلَّا بإذنِه»، فجعَلَ له مَنعَها ما يُقرِّبُها إلى اللهِ إذا لم يكنْ فَرضًا عليها؛ لعَظيمِ حقِّهِ عليها، وأوجَبَ اللهُ ﷿ لهُ الفَضيلةَ عليها، ولَم يَختلفْ أحَدٌ عَلِمْته في أنَّ له أنْ يُخرِجَها مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ ويَمنعَها مِنَ الخُروجِ، فإذا شَرطَتْ عليهِ أنْ لا يَمنعَها مِنَ الخُروجِ ولا يُخرِجَها شَرطَتْ عليهِ إبطالَ ما لهُ عليها، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، فدَلَّ كتابُ اللهِ تعالَى على أنَّ على الرَّجلِ أنْ يَعولَ امرَأتَه، ودلَّتْ عليهِ السُّنةُ، فإذا شرَطَ عليها أنْ لا يُنفِقَ عليها أُبطِلَ ما جعَلَ لها وأُمرَ بعِشرتِها بالمَعروفِ ولمْ يُبَحْ له ضَربُها إلَّا بحالٍ، فإذا شرَطَ عليها أنَّ لهُ أنْ يُعاشِرَها كيفَ شاءَ وأنْ لا شيءَ عليهِ فيما
نالَ مِنها فقدْ شرَطَ أنَّ له أنْ يأتيَ منها ما ليسَ له، فبهذا أبطَلْنا هذهِ الشُّروطَ وما في مَعناها وجعَلْنا لها مهرَ مِثلِها.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فقدْ يُروَى عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُم بهِ مِنْ الشُّروطِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ»، فهكذا نَقولُ في سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، أنه إنَّما يُوفَّى مِنْ الشُّروطِ ما يَبِينُ أنه جائِزٌ ولم تَدُلَّ سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ على أنهُ غَيرُ جائِزٍ، وقَد يُروَى عنهُ عليه الصلاة والسلام: «المُسلِمونَ على شُروطِهم إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا أو حرَّمَ حَلالًا»، ومُفسَّرُ حَديثِه يَدلُّ على جُملتِه (١).
وقالَ ابنُ الُمنذِرِ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ يَنكحُ المرأةَ ويَشتَرِطُ لها أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها ولا يَتزوَّجَ عليها ولا يَتسرَّى ونحوُ ذلكَ مِنَ الشُّروطِ.
فأبطَلَتْ طائفةٌ هذهِ الشُّروطَ، هذا مَذهبُ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ وسَعيدِ ابنِ المُسيّبِ والحَسنِ وإياسَ بنِ معاويةَ وابنِ سِيرينَ والشَّعبيِّ والنَّخعيِّ والزُّهريِّ وقَتادةَ وهشامِ بنِ هُبيرةَ ومالكِ بنِ أنسٍ واللَّيثِ بنِ سَعدٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ.
وكانَ الشَّافعيُّ يقولُ: إنْ كانَ انتَقصَها بشَرطٍ شَيئًا مِنْ مَهرِ مِثلِها فلها مَهرُ مِثلِها.
(١) «الأم» (٥/ ٧٣، ٧٤).
وقدْ روينا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه قالَ في رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً وشرَطَ لها دارَها، فقالَ: «شَرطُ اللهِ قبْلَ شَرطِهم» ولمْ يَرَهُ شَيئًا.
وألزَمَتْ طائِفةٌ هذهِ الشُّروطَ وأَمرَتْ بالوفاءِ بها، وروينا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنهُ اختُصِمَ إليهِ في امرأةٍ شرَطَ لها زَوجُها أنْ لا يُخرِجَها مِنْ دارِها، فقالَ عُمرُ: «لها شَرطُها».
وقالَ عَمرُو بنُ العاصِ: «أرَى أنْ يَفيَ لها بشَرطِها»، وهذا مَذهبُ جابرِ بنِ زيدٍ وطَاووسٍ، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ.
وقالَ إسحاقُ لقَولِ عُمرَ: مَقطَعُ الحُقوقِ عندَ الشُّروطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بها ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ».
وكانَ عطاءٌ يقولُ: إنْ نكَحَ امرأةً وشَرطَتْ عليه «أنكَ إنْ نَكحْتَ أو تَسرَّيتَ أو خَرجْتَ بي فإنَّ لي عليكَ كذا وكذا مِنْ المالِ»، قالَ: فإنْ نكَحَ فلها ذلكَ المالُ، قالَ: وهوَ مِنْ صَداقِها.
وقالَ الزُّهريُّ: هو زِيادةٌ في صَداقِها.
قالَ أبو بكرٍ: أصَحُّ ذلكَ أنْ يَثبُتَ النِّكاحُ وتَبطُلَ الشُّروطُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «كُلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شَرطٍ»، وهذهِ الشُّروطُ خِلافُ كتابِ اللهِ، بل فيهِ تَحريمُ ما أباحَهُ اللهَ للزَّوجِ مِنَ النكاحِ ومِلكِ اليَمينِ.
والجَوابُ في الاشتِراطِ على كلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على صاحِبِه أنْ لا يَنكحَ بعدَه كالجَوابِ في هذهِ الوسائِلِ.
وأبطَلَ سُفيانُ الثَّوريُّ والشَّافعيُّ والمُزَنِيُّ وأصحابُ الرَّأيِ هذهِ الشُّروطَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ.
فأمَّا العُمومُ: فحَديثُ عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطَبَ النَّاسَ، فقالَ في خُطبتِه: «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ».
وأمَّا الخُصوصُ: فحَديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أحَقُّ الشُّروطِ أنْ يُوفَّى بهِ ما استَحلَلتُم بهِ الفُروجَ».
والحَديثانِ صَحيحانِ خرَّجَهما البُخاريُّ ومُسلِمٌ، إلَّا أنَّ المَشهورَ عندَ الأُصولِيِّينَ القضاءُ بالخُصوصِ على العُمومِ، وهوَ لُزومُ الشُّروطِ، وهو ظاهرُ ما وقَعَ في «العُتْبيَّة»، وإنْ كانَ المَشهورُ خِلافَ ذلكَ (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما يَجبُ عليهِ مِنَ الصَّداقِ، هل يَبطُلُ المُسمَّى ويَجبُ لها مَهرُ المِثلِ أم لا؟
فقالَ الحنفيَّةُ: وإذا تَزوَّجَ امرأةً على ألفٍ بشَرطِ أنْ لا يُخرِجَها مِنَ البلدةِ أو على أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أُخرَى فإنْ وفَّى بالشَّرطِ فلها المُسمَّى؛
(١) «الإشراف» (٥/ ٦٧، ٦٩).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٤، ٤٥).
لأنهُ صَلحَ مَهرًا وقدْ تَمَّ رِضاها بهِ، وإنْ تَزوَّجَ عليها أُخرَى أو أخرَجَها فلها مَهرُ مِثلِها إذا كانَ مَهرُ المِثلِ أكثرَ مِنَ الألفِ؛ لأنهُ سَمَّى ما لها فيهِ نَفعٌ حتَّى رَضيَتْ بتَنقيصِ المُسمَّى عَنْ مَهرِ المِثلِ، فعِندَ فَواتِه يَنعدِمُ رِضاها بالألفِ فيُكمِلُ مَهرَ مِثلِها، كما في تَسميةِ الكَرامةِ، بأنْ شرَطَ مَع الألفِ أنْ يُكرِمَها ولا يُكلِّفَها الأعمالَ الشَّاقةَ وما تَتعَبُ بهِ، وكما لو سمَّى الهَديَّةَ مع الألفِ بأنْ يُرسِلَ إليها مع الألفِ الثِّيابَ الفاخِرةَ.
وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ الألفِ.
ولو تَزوَّجَها على ألفٍ إنْ أقامَ بها وعلى ألفَينِ إنْ أخرَجَها فإنْ أقامَ بها فلها الألفُ، وإنْ أخرَجَها فلها مَهرُ المِثلِ لا يُزادُ على الألفَينِ ولا يُنْقَصُ عنِ الألفِ، وهذا عِنْدَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الشَّرطَ الأوَّلَ قدْ صَحَّ لعَدمِ الجَهالةِ فيهِ، فيَتعلَّقُ العَقدُ بهِ، ثمَّ لم يَصحَّ الشَّرطُ الثَّاني؛ لأنَّ الجَهالةَ نَشأَتْ منهُ، ولم يَفسدِ النِّكاحُ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الشَّرطانِ جَميعًا جائِزانِ، حتَّى كانَ لها الألفُ إنْ أقامَ بها، والألفانِ إنْ أخرَجَها؛ لأنَّ ذِكرَ كُلِّ واحدٍ مِنَ الشَّرطَينِ مُفيدٌ، فيَصحَّانِ جَميعًا.
وقالَ زُفرُ: الشَّرطانِ جَميعًا فاسِدانِ، ويَكونُ لها مَهرُ مِثلِها، لا يُنقصُ مِنْ ألفٍ ولا يُزادُ على ألفَينِ؛ لأنهُ ذكَرَ بمُقابَلةِ شيءٍ واحِدٍ - وهو البُضعُ- بَدلَينِ مُختلِفينِ على سَبيلِ البَدلِ -وهُمَا الألفُ والألفانِ-،
فتَفسدُ التَّسميةُ للجَهالةِ ويَجبُ مَهرُ المِثلِ (١).
وقالَ المالكيَّةُ: فإنْ شَرطَتْ عليهِ عِنْدَ عَقدِ النِّكاحِ ألَّا يَتزوَّجَ عليها وحَطَّتْ عنه لذلكَ شَيئًا مِنْ صَداقِها، أو تَزوَّجَها بألفٍ إنْ لم يَتزوَّجْ عليها وبألفَينِ إنْ تَزوَّجَ عليها أو أنْ لا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها ثمَّ تَزوَّجَ عليها فلا شيءَ لها عليهِ في المَذهبِ؛ لأنها شَرطَتْ عليهِ ما لا يَجوزُ شَرطُه، كما اشتَرطَ أهلُ بَريرةَ أنْ تُعتِقَها عائشةُ والوَلاءُ لبائِعِها، فصحَّحَ النَّبيُّ ﷺ العقدَ وأبطَلَ الشَّرطَ، كذلكَ هاهُنا يَصحُّ إسقاطُ بَعضِ الصَّداقِ عنهُ وتَبطلُ الزِيجةُ.
وقالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: إنْ كانَ بَقيَ مِنْ صَداقِها مِثلُ صَداقِ مِثلِها أو أكثرُ لمْ تَرجعْ عليهِ بشيءٍ، وإنْ كانَتْ وضَعَتْ عنهُ شَيئًا مِنْ صَداقِها فتَزوَّجَ عليها رجَعَتْ عليهِ بتِمامِ صَداقِ مِثلِها؛ لأنهُ شرَطَ على نَفسِه شَرطًا وأخَذَ عنهُ عِوضًا كانَ لها واجِبًا أخذُه مِنه، فوجَبَ عليهِ الوفاءُ؛ لقَولِه عليه السلام: «المُؤمِنونَ عِنْدَ شُروطِهم» (٢).
وقالَ الشَّافِعيةُ: للصَّداقِ المُسمَّى حالانِ:
أحَدُهما: أنْ يكونَ أقَلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ، فيَبطلُ المُسمَّى؛ لبُطلانِ
(١) «الهداية» (١/ ٢٠٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٥٠)، و «الاختيار» (٣/ ١٣٢)، «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤٨، ١٤٩)، و «العناية» (٥/ ١١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٣٤)، و «اللباب» (٢/ ٤٣).
(٢) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢١٩)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٥)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٥٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٨).
ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.