الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٥٥
الحديث رقم ١٥٥٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التلبية إذا انحدر في الوادي.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ فُلَيْحٍ، عَنْ نَافِعٍ الْمُقْتَصِرَةَ عَلَى الْقِصَّةِ الْأُولَى بِزِيَادَةِ ذِكْرِ الدُّهْنِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ التَّصْرِيحُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، لَكِنَّهُ مِنْ لَازِمِ الْمُوَجَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى رِوَايَةِ فُلَيْحٍ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي بَيَّنْتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَلَيْهِ فِي إِيرَادِهِ حَدِيثَ فُلَيْحٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِلِاسْتِقْبَالِ ذِكْرٌ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالتَّلْبِيَةِ هُوَ الْمُنَاسِبُ، لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّ الْمُجِيبَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُجَابَ ظَهْرَهُ، بَلْ يَسْتَقْبِلَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَّهِنُ لِيَمْنَعَ بِذَلِكَ الْقَمْلَ عَنْ شَعْرِهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ صِيَانَةً لِلْإِحْرَامِ.
٣٠ - باب التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي
١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي.
[الحديث ١٥٥٥ - طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ إِلَى الْوَادِي يُلَبِّي. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَسَيَأْتِي بِهَذا الْإِسْنَادِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ. وَقَوْلُهُ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ أَنَّ مُوسَى حَيٌّ، وَأَنَّهُ سَيَحُجُّ، وإِنَّمَا أَتَى ذَلِكَ عَنْ عِيسَى، فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، انْتَهَى. وَهُوَ تَغْلِيطٌ لِلثِّقَاتِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ، فَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِزِيَادَةِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ فِيهِ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ الرَّاوِيَ غَلِطَ فَزَادَهُ؟ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَاضِعًا إِصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، قَالَهُ لَمَّا مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ. وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْوَادِي، وَهُوَ خَلْفَ أَمَجَّ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِيلٌ وَاحِدٌ، وَأَمَجُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَبِالْجِيمِ: قَرْيَةٌ ذَاتُ مَزَارِعَ هُنَاكَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ذِكْرُ يُونُسَ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ الرَّاوِيَ الْآخَرَ غَلِطَ فَزَادَ يُونُسُ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ عَلَى أَوْجُهٍ؛ الْأَوَّلُ: هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَلَا مَانِعُ أَنْ يَحُجُّوا فِي هَذَا الْحَالِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ رَأَى مُوسَى قَائِمًا فِي قَبْرِهِ يُصَلِّي، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حُبِّبَتْ إِلَيْهِمُ الْعِبَادَةُ، فَهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ دَوَاعِي أَنْفُسِهِمْ لَا بِمَا يُلْزَمُونَ بِهِ، كَمَا يُلْهَمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الذِّكْرَ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَمَلَ الْآخِرَةِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الْآيَةَ، لَكِنَّ تَمَامَ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ هِيَ أَرْوَاحُهُمْ، فَلَعَلَّهَا مُثِّلَتْ لَهُ ﷺ فِي الدُّنْيَا كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَأَمَّا أَجْسَادُهُمْ فَهِيَ فِي الْقُبُورِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: يَجْعَلُ اللَّهُ لِرُوحِهِ مِثَالًا فَيَرَى فِي الْيَقَظَةَ كَمَا يَرَى فِي النَّوْمِ. ثَانِيهَا: كَأَنَّهُ مُثِّلَتْ لَهُ أَحْوَالُهُمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَيْفَ تَعَبَّدُوا وَكَيْفَ حَجُّوا وَكَيْفَ لَبَّوْا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي. ثَالِثُهَا: كَأَنَّهُ أُخْبِرَ بِالْوَحْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَلِشِدَّةِ قَطْعِهِ بِهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ.
رَابِعُهَا: كَأَنَّهَا رُؤْيَةُ مَنَامٍ تَقَدَّمَتْ لَهُ، فَأَخْبَرَ عَنْهَا لَمَّا حَجَّ عِنْدَمَا تَذَكَّرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يقع في رواية فُلَيْحٍ هذه التَّصريح باستقبال القبلة لأنَّه من لازم استواء الرَّاحلة عند الأخذ في السَّير استقبالها القبلة لأنَّ مكَّة أمامه، فهو مستقبل القبلة ضرورةً، وقد صرَّح بالاستقبال في الرِّواية الأولى، وهما حديثٌ واحدٌ، وإنَّما احتاج إلى رواية فُلَيْحٍ لِمَا فيها من زيادة ذكر: «الدَّهن» الذي ليست له رائحةٌ طيِّبةٌ، قال (١) المُهلَّب: وإنَّما كان ابن عمر يدَّهن ليمنع القمل عن (٢) شعره، ويجتنب ما له رائحةٌ طيِّبةٌ صيانةً للإحرام.
(٣٠) (بابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ) المُحْرِم (فِي الوَادِي).
١٥٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، وهو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عديٍّ (٣) (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة- المخزوميِّ مولاهم المكِّيِّ، إمامٌ في التَّفسير (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ) أي: الدَّجال، والهمزة مفتوحةٌ (قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) في موضع رفع خبر «أنَّ»، و «كافرٌ» رُفِع بقوله: «مكتوبٌ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ) ﵊، زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس»: «قال ذلك» [خ¦٥٩١٣] (وَلَكِنَّهُ قَالَ) ﷺ: (أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) رؤيا حقيقيَّةً
بأن يجعل الله لروحه مثالًا يُرَى في اليقظة كما يُرَى في النَّوم كليلة الإسراء، والأنبياء أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون، وقد رأى النَّبيُّ ﷺ موسى قائمًا في قبره يصلِّي كما رواه مسلمٌ عن أنسٍ، أو أنَّه ﵊ نظر ذلك في المنام، وبذلك صرَّح موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ: ورؤيا الأنبياء حقٌّ ووحيٌ، أو أنَّه مُثِّلت له حالة موسى ﵇ التي كان عليها في الحياة، وكيف يحجُّ ويلبِّي، أو أنَّه ﵊ أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدَّة قطعه به قال: «كأنِّي أنظر إليه» (إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي) وادي الأزرق (يُلَبِّي) بحذف الألف بعد الذَّال، ولأبي ذرٍّ: «إذا» (١) بإثباتها، وأنكرها بعضهم، وغلَّط (٢) راويها كما حكاه عياضٌ، قال: وهو غلطٌ منه إذ لا فرق بين «إذا» و «إذ» هنا لأنَّه وصفه حالة انحداره فيما مضى، وقوله: «كأنِّي أنظر إليه» جواب «أمَّا»، والأصل: فكأنِّي فحذف (٣) الفاء، وهو حجَّةٌ على من قال من النُّحاة: إنَّه لا يجوز حذفها، لكن قد يُقال: إنَّ حذفها وقع من الرَّاوي، وقد جوَّز ابن مالكٍ حذفها في السَّعة، وخصَّه بعضهم بالضَّرورة، وقد اعترض المُهلَّب قوله: موسى، وقال: إنَّه وهمٌ من بعض الرُّواة، وصَوَّبَ أنَّه عيسى لأنَّه حيٌّ، واستدلَّ بقوله في الحديث الآخر: «لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء»، وأُجيب بأنَّه لا فرق بين موسى وعيسى لأنَّه لم يثبت أنَّ عيسى منذ رُفِع نزل إلى الأرض، وإنَّما
ثبت أنَّه سينزل (١) عند أشراط السَّاعة، وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «كأنِّي أنظر إلى موسى من الثَّنيَّة، واضعًا إصبعيه في أذنيه، مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله تعالى بالتَّلبية» قاله لمَّا مرَّ بوادي الأزرق، وقد زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس» ذِكْرَ إبراهيم، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: لم أسمعه قال ذلك، ولكنَّه قال: «أمَّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأمَّا موسى فرجلٌ آدم جعدٌ على جملٍ أحمرَ، مخطومٍ بخُلْبةٍ (٢)، كأنِّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبِّي» [خ¦٥٩١٣] أفيُقال: إنَّ الرَّاوي غلط فزاد «إبراهيم»؟ وفي الحديث: أنَّ التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنَّها تتأكَّد عند الهبوط كما تتأكَّد عند الصُّعود.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩١٣] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٥]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣).
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٤) (كَيْفَ تُهِلُّ) أي: تُحرِم (الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؟) يُقال: (أَهَلَّ) الرَّجل بما في قلبه إذا (تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: طلبنا (٥) ظهوره، ولأبي ذرٍّ: «الهلالُ» بالرَّفع، أي: استهلَّ الهلال على صيغة المعلوم، أي: تبيَّن، قال المجد الشِّيرازيُّ -كالجوهريِّ-: ولا يُقال: أهلَّ، ويُقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يُقال: أهللناه فهلَّ، كما يُقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه (كُلُّهُ) أي: ما ذُكِر من هذه الألفاظ مأخوذٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، واسْمه: حنين، وفليح لقبه غلب عَلَيْهِ، مر فِي أول كتاب الْعلم. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا أوردهُ لزِيَادَة فِيهِ على الحَدِيث السَّابِق، وَهُوَ الإدهان، وَإِنَّمَا كَانَ يدهن بِغَيْر الطّيب ليمنع بذلك الْقمل وَالدَّوَاب، وَكَانَ يجْتَنب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة صِيَانة للْإِحْرَام.
٠٣ - (بابُ التَّلْبِيَةِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة إِذا انحدر الْمحرم فِي الْوَادي، وَقد ورد فِي الحَدِيث أَن التَّلْبِيَة فِي بطُون الأودية من سنَن الْمُرْسلين، وَأَنَّهَا تتأكد عِنْد الهبوط كَمَا تتأكد عِنْد الصعُود.
٥٥٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فذَكَرُوا الدَّجَّالَ أنَّهُ قالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ فَقَالَ ابنُ عَبَّاس لمْ أسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ أمَّا مُوسى كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا انحدر فِي الْوَادي يُلَبِّي) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، أَبُو مُوسَى يعرف بالزمن الْعَنْبَري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَاسم أبي عدي: إِبْرَاهِيم، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رب مبلّغ. الرَّابِع: مُجَاهِد. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الروَاة الثَّلَاثَة بصريون وَأَن مُجَاهدًا مكي. وَفِيه: إثنان مذكوران بالإبن وَوَاحِد مُجَرّد. .
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن بَيَان ابْن عَمْرو. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَي: أَن الدَّجَّال. قَوْله: (مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ: كَافِر) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن. وَقَوله: (كَافِر) مَرْفُوع بقوله: مَكْتُوب، وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل. قَوْله: (وَلكنه قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) جَوَاب: أما، وَالْفَاء فِيهِ محذوفة، وَالْأَصْل: فَكَأَنِّي، وَهُوَ حجَّة على النُّحَاة حَيْثُ لم يجوزوا حذفهَا، كَذَا قَالُوا. قلت: يحْتَمل أَن يكون حذف الْفَاء من الرَّاوِي. قَوْله: (إِذا انحدر) ، كَذَا وَقع فِي الْأُصُول بِكَلِمَة إِذا، وَحكى عِيَاض أَن بعض الْعلمَاء أنكر إِثْبَات الْألف وَغلط رُوَاته، وَقَالَ: وَهُوَ غلط مِنْهُ إِذْ لَا فرق بَين إِذا وَإِذ، هُنَا لِأَنَّهُ وَصفه حَالَة انحداره فِيمَا مضى. وَقَالَ الْمُهلب: ذِكْرُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، هُنَا وهمٌ من بعض رُوَاته، لِأَنَّهُ لم يأتِ أثر وَلَا خبر أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيّ، وَأَنه سيحج، وَإِنَّمَا أُتِي ذَلِك عَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَاشْتَبَهَ على الرَّاوِي، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء) وَأجِيب عَنهُ: بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي اللبَاس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَبِزِيَادَة: ذكر إِبْرَاهِيم فِيهِ: أفيقال إِن الرَّاوِي غلط فِيهِ فزاده؟ وَقد روى مُسلم هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى هابطا من التَّثْنِيَة وَاضِعا إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ مارا بِهَذَا الْوَادي وَله جؤار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ ذكر يُونُس فِي هَذَا الحَدِيث، أفيقال إِن الرَّاوِي الآخر غلط فِيهِ؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي الرَّد: أما من روى إِذْ انحدر، بِلَفْظ: إِذْ للماضي فَيصح مُوسَى بِأَن يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام أَو يُوحى إِلَيْهِ بذلك، وَسلم الْغَلَط فِي رِوَايَة إِذا، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَمَّا يكون فِي الْمُسْتَقْبل. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على حَقِيقَة الحَدِيث لما قسم هَذَا التَّقْسِيم، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكْلِيف، لِأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ. فَلَا مَانع أَن يحجوا فِي هَذِه الْحَال كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رأى مُوسَى قَائِما فِي قَبره يُصَلِّي. فَإِن قلت: مَا الدَّاعِي إِلَى عِبَادَتهم بعد الْمَوْت وَمَوْضِع الْعِبَادَة دَار الدُّنْيَا؟ قلت: حببت إِلَيْهِم الْعِبَادَة فهم متعبدون بِمَا يجدونه بِمَا يجدونه من دواني أنفسهم لَا بِمَا يلزمون بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يلهم أهل الْجَاهِلِيَّة الذّكر، وَيُؤَيِّدهُ أَن أَعمال الْآخِرَة ذكر وَدُعَاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: {دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... } (يُونُس: ٠١) . الْآيَة، وَيجوز
أَن يكون مثلت لَهُم أَحْوَالهم الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَيفَ تعبودا وَكَيف حجُّوا وَكَيف لبوا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي، وَيحْتَمل أَن يكون إخْبَاره ذَلِك بِالْوَحْي عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْمَنَام، ومنام الْأَنْبِيَاء وَحي، وَحَدِيث مُسلم الْمَذْكُور حجَّة على الْمُهلب، ورد لما قَالَه وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب لذكر الدَّجَّال ذكر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى أَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هُوَ الَّذِي يقتل الدَّجَّال، وَلَو كَانَ لَهُ اطلَاع على الحَدِيث الْمَذْكُور لما ادّعى هَذِه الْمُنَاسبَة.
١٣ - (بابٌ كيُفَ تُهِلُ الحَائِضُ والنُّفَساءُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَالْمرَاد بالإهلال الْإِحْرَام.
أهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ وَاسْتَهْلَلْنَا وأهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلّهُ مِنَ الظّهُورِ وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ وَمَا أُهِلَّ لِغيرِ الله وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ
جرى البُخَارِيّ على دأبه أَنه إِذا رأى مَادَّة من الْكَلَام تسْتَعْمل فِي معانٍ كَثِيرَة مِمَّا جَاءَ فِي الْكتاب أَو فِي السّنة يذكر ذَلِك ويبينه، وَذكر أَشْيَاء مِنْهَا، قَوْله: (أهلَّ: تكلم بِهِ) يَعْنِي: إِذا تكلم أظهره مَا فِي قلبه. وَمِنْهَا قَوْله: (استهللنا وأهللنا الْهلَال) ، يَعْنِي: طلبنا ظُهُوره، وَيُقَال: أهل الْهلَال واستهل، على مَا لم يسم فَاعله، وَيُقَال أَيْضا: اسْتهلّ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَمَعْنَاهُ: تبين، وَلَا يُقَال أهلَّ. وَيُقَال: أَهْلَلْنَا عَن لَيْلَة كَذَا، وَلَا يُقَال: أهللناه فَهَل، كَمَا يُقَال: أدخلْنَاهُ فَدخل وَهُوَ قِيَاسه. وَمِنْهَا: (اسْتهلّ الْمَطَر) إِذا ظهر نُزُوله من السَّحَاب بِصَوْت، وَيُقَال: تهلل وَجه الرجل من فرحه، واستهل إِذا ظهر سروره، وتهللت دُمُوعه إِذا سَالَتْ، وانهلت السَّمَاء: صبَّتْ، وانهل الْمَطَر إنهلالاً إِذا سَالَ بِشدَّة، وَمِنْهَا قَوْله: {وَمَا أهلَّ لغير الله} مَعْنَاهُ: إِذا نُودي عَلَيْهِ بِغَيْر إسم الله، وَأَصله رفع صَوت الذَّابِح عِنْد الذّبْح. وَمِنْهَا قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) وَهُوَ ظُهُور صياحه عِنْد الْولادَة، وَمِنْه: أهل الْمُعْتَمِر، إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (كُله من الظُّهُور) أَي: كل وَاحِد من أهلَّ واستهللنا، وأهللنا من الظُّهُور، وَهَذَا كَانَ مَحَله أَن يذكر بعد قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) ، لِأَن جَمِيع مَا ذكره من الْموَاد الْمَذْكُورَة من الظُّهُور، وَذكره بعد قَوْله: (وأهللنا الْهلَال) فِي غير مَحَله.
٦٥٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَرَجْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ النبيُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنَا حائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فشَكَوْتُ ذالكَ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ انْقُضِي رأْسَكِ وَامتَشِطِي وَأهِلِّي بالحَجِّ ودعِي العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هاذَا مَكانُ عُمْرَتِكَ قالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كانُوا أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أحَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا وَاحِدا بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فإنَّمَا طافُوا طَوَافا واحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انقضي رَأسك وامتشطي) إِلَى قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) .
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَعبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: هُوَ القعْنبِي، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْحيض، وَعقد لَهُ بَابا بقوله: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة: حَدثنَا يحيى بن بكير، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَبَين الطَّرِيقَيْنِ والمتن
تفَاوت يسير يعرف بِالنّظرِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي مُصعب عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي، وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَأبي مُصعب، كِلَاهُمَا عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، وَكَانَت فِي سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم يحجّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة بعد الْهِجْرَة غَيرهَا وَمَا قبلهَا لما كَانَ بِمَكَّة حج حجَجًا لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله، وَسميت: حجَّة الْوَدَاع: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم وودعهم، فسميت بذلك حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (فأهللنا بِعُمْرَة) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب الْحيض، وَسَيَجِيءُ فِي: بَاب التَّمَتُّع، أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ إِلَّا الْحَج؟ قلت: مَعْنَاهُ: وَلَا يرَوْنَ عِنْد الْخُرُوج إلَاّ ذَلِك فَبعد ذَلِك أَمرهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالاعتمار رفعا لما اعتقدوا من حُرْمَة الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي على الرِّوَايَات الَّتِي رويت عَن عَائِشَة لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب عَنهُ: فَإِن الرِّوَايَات اخْتلفت فِي إِحْرَام عَائِشَة اخْتِلَافا كثيرا، فههنا فأهللنا بِعُمْرَة، وَفِي أُخْرَى: فمنا من أهل بِعُمْرَة وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة. وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى: لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالْأَحَادِيث عَن عَائِشَة فِي هَذَا مضطربة جدا، وَكَذَا قَالَ القَاضِي عِيَاض، وَذكر أَن فِي الرِّوَايَات عَنْهَا اخْتِلَافا شَدِيدا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (تمهيده) : دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا، وَقَالُوا: هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة، فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة الَّتِي رويت عَن عُرْوَة غلط، لِأَن عُرْوَة قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَنهُ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهَا: دعِي عمرتَكِ، فَدلَّ على أَنه لم يسمع الحَدِيث مِنْهَا. وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَحَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَنْهَا منكران وخطآن عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وَقد سبقَنا إِلَى تخطئة حَدِيث أبي الْأسود هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَنْهَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله: (من كَانَ مَعَه هدي) بِسُكُون الدَّال أَو بِكَسْرِهَا وَتَشْديد الْيَاء وَإِسْكَان الدَّال أفْصح، وَسوى بَينهمَا ثَعْلَب، وَالتَّخْفِيف لُغَة أهل الْحجاز، والتثقيل لُغَة تَمِيم، وَوَاحِد الْهَدْي: هَدِيَّة، وَقد قرى مُبْهما جَمِيعًا فِي قَوْله: {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهُوَ مَا يهدي إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (فَقدمت) ، بِضَم التَّاء، وَهُوَ إِخْبَار عَائِشَة عَن نَفسهَا. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: ترك الطّواف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة بِسَبَب الْحيض. قَوْله: (انقضي رَأسك) من النَّقْض، بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز بِالْفَاءِ إِن صحت الرِّوَايَة. قلت: لِأَن كلا مِنْهُمَا بِمَعْنى، وَلَكِن رِوَايَة الْفَاء مَا ثبتَتْ. قَوْله: (وامتشطي) ، من امتشاط الشّعْر وَهُوَ: تسريحه. قَوْله: (ودعي الْعمرَة) يدل على أَنَّهَا كَانَت قارنة. قَوْله: (فَفعلت) أَي: نقض الرَّأْس والامتشاط. قَوْله: (مَعَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر) ، هُوَ أَخُوهَا شقيقها، وأمهما أم رُومَان بنت عَامر. قَوْله: (إِلَى التَّنْعِيم) ، قد مر تَفْسِيره مرّة، وَهُوَ طرف حرم مَكَّة من نَاحيَة الشَّام، وَهُوَ الْمَشْهُور بمساجد عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) بِرَفْع مَكَان على أَنه خبر، أَي: عوض عمرتك الْفَائِتَة، وَيجوز بِالنّصب على الظّرْف، قيل: النصب أوجه، وَلَا يجوز غَيره، وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذِه كائنة مَكَان عمرتك أَو مجعولة مَكَانهَا. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالرَّفْع أوجه عِنْدِي إِذْ لم يرد بِهِ الظّرْف، إِنَّمَا أَرَادَ عوض عمرتك، فَمن قَالَ: كَانَت قارنة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي أردْت أَن تَأتي بهَا مُفْردَة، وَمن قَالَ: كَانَت مُفْردَة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي فسخت الْحَج إِلَيْهَا وَلم تتمكني من الْإِتْيَان بهَا للْحيض، وَكَانَ ابْتِدَاء حَيْضهَا يَوْم السبت لثلاث خلون من ذِي الْحجَّة بسرف، وطهرت يَوْم السبت وَهُوَ يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة)
أَي: وطافوا بَين الصَّفَا والمروة، وَأَرَادَ بِهِ السَّعْي بَينهمَا. قَوْله: (طَوافا وَاحِدًا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والجرجاني: (طَوافا آخر) . وَقَالَ عِيَاض هُوَ الصَّوَاب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة لمن يَقُول بأفضلية الْقُرْآن لقَوْله: فَمن كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ الْقُرْآن، لِأَن فِيهِ الْجمع بَين النُّسُكَيْنِ فِي سفرة وَاحِدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْقُرْآنِ. وَقَوله: (ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا) هَذَا هُوَ حكم الْقُرْآن بِلَا نزاع، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى تَفْضِيل الْقُرْآن بِهِ وبالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الْقُرْآن، وعَلى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا فِي حجَّة الْوَدَاع: شَقِيق بن سَلمَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (الْمُجَرّد) . وَإِمَّا حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاخْتلف فِيهِ بِحَسب الْمذَاهب، وَالْأَظْهَر قَول أَحْمد: لَا أَشك أَنه كَانَ قَارنا، والمتعة أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: قد رُوِيَ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد الْحَج، وَرُوِيَ: أَنه تمتّع، وَرُوِيَ: أَنه قرن، فَمَا التَّوْفِيق فِيهَا؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: طَرِيق التَّوْفِيق فِيهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِعُمْرَة فِي بَدْء أمره فَمضى فِيهَا مُتَمَتِّعا، ثمَّ أحرم بِحجَّة قبل طَوَافه وإفرادها بِالْإِحْرَامِ، فَصَارَ بهَا قَارنا. فَإِن قلت: فِيهِ إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة فَمَا حكمه؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، وشذ بعض النَّاس فَمَنعه، وَقَالَ: لَا يدْخل بِإِحْرَام على إِحْرَام، كَمَا فِي الصَّلَاة. وَاخْتلفُوا فِي عَكسه، وَهُوَ إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج، فجوزه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَمنعه آخَرُونَ، وَقَالُوا: هَذَا كَانَ خَاصّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قُلْنَا: دَعْوَى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل.
وَفِيه: أَن الْمُتَمَتّع إِذا فرغ من أَعمال الْعمرَة لم يحل حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ إِذا كَانَ مَعَه هدي، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا عملا بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا بِنَقْض رَأسهَا ثمَّ بالامتشاط، فَقَالَ الشَّافِعِي: تَأْوِيله أَنه أَمر لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل عَلَيْهَا الْحَج فَتَصِير قارنة. وَقَالَ ابْن حزم: وَالصَّحِيح أَنَّهَا كَانَت قارنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الحَدِيث مُشكل جدا إلَاّ أَن يؤول على التَّرَخُّص لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل على الْحَج، فَتكون قارنة. لَا أَن تدع الْعمرَة نَفسهَا. فَإِن قلت: يوهن هَذَا التَّأْوِيل لفظ: (انقضي رَأسك وامتشطي) . قلت: لَا، لِأَن نقض الرَّأْس والامتشاط جائزان فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا تنتف شعرًا، وَقد يتَأَوَّل بِأَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى، فأباح لَهَا كَمَا أَبَاحَ لكعب بن عجْرَة للأذى. وَقيل: المُرَاد بالامتشاط تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع لغسل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَيلْزمهُ مِنْهُ نقضه.
وَفِيه: فِي قَوْلهَا: (فَقدمت مَكَّة وَأَنا حَائِض وَلم أطف بِالْبَيْتِ وَلَا بَين الصَّفَا والمروة) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن طواف الْمُحدث لَا يجوز، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا يدْخل الْمَسْجِد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَعَن أَحْمد: طواف الْمُحدث وَالْجنب لَا يَصح، وَعنهُ: يَصح. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَلَو طَاف وَعَلِيهِ نَجَاسَة أَو طَاف مُحدثا أَو جنبا صَحَّ طَوَافه، لقَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . أَمر بِالطّوافِ مُطلقًا، وتقييده بِالطَّهَارَةِ بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص فَلَا يجوز، وَلَكِن إِن طَاف مُحدثا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن طَاف جنبا فَعَلَيهِ بَدَنَة، ويعيده مَا دَامَ فِي مَكَّة، وَعَن دَاوُد: الطَّهَارَة لَهُ وَاجِبَة. فَإِن طَاف مُحدثا أَجزَأَهُ إلَاّ الْحَائِض. وَعند الشَّافِعِي: الطَّهَارَة شَرط فَلَا يَصح بِدُونِهَا، وَمذهب الْجُمْهُور: أَن السَّعْي يَصح من الْمُحدث وَالْجنب وَالْحَائِض. وَعَن الْحسن: أَنه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل أعَاد السَّعْي، وَإِن كَانَ بعده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ.
وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: الطّواف الْوَاحِد وَالسَّعْي الْوَاحِد يكفيان للقارن، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَالْحسن وطاووس، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد، وَقَالَ مُجَاهِد وَجَابِر بن زيد وَشُرَيْح القَاضِي وَالشعْبِيّ وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأسود بن يزِيد وَالْحسن بن حَيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد ابْن سُلَيْمَان وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَزِيَاد بن مَالك وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا بُد للقارن من طوافين وسعيين، وَحكي ذَلِك عَن عمر وَعلي وإبنيه: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، هُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ: سبيلهما وَاحِد، وَطَاف لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع كَمَا صنعت، وَعَن عَليّ: أَنه جمع بَينهمَا، وَفعل ذَلِك ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ فُلَيْحٍ، عَنْ نَافِعٍ الْمُقْتَصِرَةَ عَلَى الْقِصَّةِ الْأُولَى بِزِيَادَةِ ذِكْرِ الدُّهْنِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ التَّصْرِيحُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، لَكِنَّهُ مِنْ لَازِمِ الْمُوَجَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى رِوَايَةِ فُلَيْحٍ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي بَيَّنْتُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَلَيْهِ فِي إِيرَادِهِ حَدِيثَ فُلَيْحٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لِلِاسْتِقْبَالِ ذِكْرٌ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالتَّلْبِيَةِ هُوَ الْمُنَاسِبُ، لِأَنَّهَا إِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِأَنَّ الْمُجِيبَ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُجَابَ ظَهْرَهُ، بَلْ يَسْتَقْبِلَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَّهِنُ لِيَمْنَعَ بِذَلِكَ الْقَمْلَ عَنْ شَعْرِهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ صِيَانَةً لِلْإِحْرَامِ.
٣٠ - باب التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي
١٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي.
[الحديث ١٥٥٥ - طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الْوَادِي) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ إِلَى الْوَادِي يُلَبِّي. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَسَيَأْتِي بِهَذا الْإِسْنَادِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ. وَقَوْلُهُ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ أَنَّ مُوسَى حَيٌّ، وَأَنَّهُ سَيَحُجُّ، وإِنَّمَا أَتَى ذَلِكَ عَنْ عِيسَى، فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، انْتَهَى. وَهُوَ تَغْلِيطٌ لِلثِّقَاتِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ، فَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِزِيَادَةِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ فِيهِ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ الرَّاوِيَ غَلِطَ فَزَادَهُ؟ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَاضِعًا إِصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، قَالَهُ لَمَّا مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ. وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْوَادِي، وَهُوَ خَلْفَ أَمَجَّ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مِيلٌ وَاحِدٌ، وَأَمَجُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَبِالْجِيمِ: قَرْيَةٌ ذَاتُ مَزَارِعَ هُنَاكَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا ذِكْرُ يُونُسَ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ الرَّاوِيَ الْآخَرَ غَلِطَ فَزَادَ يُونُسُ؟ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ عَلَى أَوْجُهٍ؛ الْأَوَّلُ: هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَلَا مَانِعُ أَنْ يَحُجُّوا فِي هَذَا الْحَالِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ رَأَى مُوسَى قَائِمًا فِي قَبْرِهِ يُصَلِّي، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حُبِّبَتْ إِلَيْهِمُ الْعِبَادَةُ، فَهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ دَوَاعِي أَنْفُسِهِمْ لَا بِمَا يُلْزَمُونَ بِهِ، كَمَا يُلْهَمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الذِّكْرَ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَمَلَ الْآخِرَةِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الْآيَةَ، لَكِنَّ تَمَامَ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ هِيَ أَرْوَاحُهُمْ، فَلَعَلَّهَا مُثِّلَتْ لَهُ ﷺ فِي الدُّنْيَا كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَأَمَّا أَجْسَادُهُمْ فَهِيَ فِي الْقُبُورِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: يَجْعَلُ اللَّهُ لِرُوحِهِ مِثَالًا فَيَرَى فِي الْيَقَظَةَ كَمَا يَرَى فِي النَّوْمِ. ثَانِيهَا: كَأَنَّهُ مُثِّلَتْ لَهُ أَحْوَالُهُمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَيْفَ تَعَبَّدُوا وَكَيْفَ حَجُّوا وَكَيْفَ لَبَّوْا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي. ثَالِثُهَا: كَأَنَّهُ أُخْبِرَ بِالْوَحْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَلِشِدَّةِ قَطْعِهِ بِهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ.
رَابِعُهَا: كَأَنَّهَا رُؤْيَةُ مَنَامٍ تَقَدَّمَتْ لَهُ، فَأَخْبَرَ عَنْهَا لَمَّا حَجَّ عِنْدَمَا تَذَكَّرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يقع في رواية فُلَيْحٍ هذه التَّصريح باستقبال القبلة لأنَّه من لازم استواء الرَّاحلة عند الأخذ في السَّير استقبالها القبلة لأنَّ مكَّة أمامه، فهو مستقبل القبلة ضرورةً، وقد صرَّح بالاستقبال في الرِّواية الأولى، وهما حديثٌ واحدٌ، وإنَّما احتاج إلى رواية فُلَيْحٍ لِمَا فيها من زيادة ذكر: «الدَّهن» الذي ليست له رائحةٌ طيِّبةٌ، قال (١) المُهلَّب: وإنَّما كان ابن عمر يدَّهن ليمنع القمل عن (٢) شعره، ويجتنب ما له رائحةٌ طيِّبةٌ صيانةً للإحرام.
(٣٠) (بابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ) المُحْرِم (فِي الوَادِي).
١٥٥٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملتين ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، وهو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عديٍّ (٣) (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون المُوحَّدة- المخزوميِّ مولاهم المكِّيِّ، إمامٌ في التَّفسير (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ) أي: الدَّجال، والهمزة مفتوحةٌ (قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) في موضع رفع خبر «أنَّ»، و «كافرٌ» رُفِع بقوله: «مكتوبٌ»، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ) ﵊، زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس»: «قال ذلك» [خ¦٥٩١٣] (وَلَكِنَّهُ قَالَ) ﷺ: (أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) رؤيا حقيقيَّةً
بأن يجعل الله لروحه مثالًا يُرَى في اليقظة كما يُرَى في النَّوم كليلة الإسراء، والأنبياء أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون، وقد رأى النَّبيُّ ﷺ موسى قائمًا في قبره يصلِّي كما رواه مسلمٌ عن أنسٍ، أو أنَّه ﵊ نظر ذلك في المنام، وبذلك صرَّح موسى بن عقبة في روايته عن نافعٍ: ورؤيا الأنبياء حقٌّ ووحيٌ، أو أنَّه مُثِّلت له حالة موسى ﵇ التي كان عليها في الحياة، وكيف يحجُّ ويلبِّي، أو أنَّه ﵊ أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدَّة قطعه به قال: «كأنِّي أنظر إليه» (إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي) وادي الأزرق (يُلَبِّي) بحذف الألف بعد الذَّال، ولأبي ذرٍّ: «إذا» (١) بإثباتها، وأنكرها بعضهم، وغلَّط (٢) راويها كما حكاه عياضٌ، قال: وهو غلطٌ منه إذ لا فرق بين «إذا» و «إذ» هنا لأنَّه وصفه حالة انحداره فيما مضى، وقوله: «كأنِّي أنظر إليه» جواب «أمَّا»، والأصل: فكأنِّي فحذف (٣) الفاء، وهو حجَّةٌ على من قال من النُّحاة: إنَّه لا يجوز حذفها، لكن قد يُقال: إنَّ حذفها وقع من الرَّاوي، وقد جوَّز ابن مالكٍ حذفها في السَّعة، وخصَّه بعضهم بالضَّرورة، وقد اعترض المُهلَّب قوله: موسى، وقال: إنَّه وهمٌ من بعض الرُّواة، وصَوَّبَ أنَّه عيسى لأنَّه حيٌّ، واستدلَّ بقوله في الحديث الآخر: «لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء»، وأُجيب بأنَّه لا فرق بين موسى وعيسى لأنَّه لم يثبت أنَّ عيسى منذ رُفِع نزل إلى الأرض، وإنَّما
ثبت أنَّه سينزل (١) عند أشراط السَّاعة، وقد أخرج مسلمٌ الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: «كأنِّي أنظر إلى موسى من الثَّنيَّة، واضعًا إصبعيه في أذنيه، مارًّا بهذا الوادي، وله جؤارٌ إلى الله تعالى بالتَّلبية» قاله لمَّا مرَّ بوادي الأزرق، وقد زاد في «باب الجعد» من «كتاب اللِّباس» ذِكْرَ إبراهيم، ولفظه: قال ابن عبَّاسٍ: لم أسمعه قال ذلك، ولكنَّه قال: «أمَّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأمَّا موسى فرجلٌ آدم جعدٌ على جملٍ أحمرَ، مخطومٍ بخُلْبةٍ (٢)، كأنِّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبِّي» [خ¦٥٩١٣] أفيُقال: إنَّ الرَّاوي غلط فزاد «إبراهيم»؟ وفي الحديث: أنَّ التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنَّها تتأكَّد عند الهبوط كما تتأكَّد عند الصُّعود.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩١٣] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٥]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣).
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (٤) (كَيْفَ تُهِلُّ) أي: تُحرِم (الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؟) يُقال: (أَهَلَّ) الرَّجل بما في قلبه إذا (تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلَالَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، أي: طلبنا (٥) ظهوره، ولأبي ذرٍّ: «الهلالُ» بالرَّفع، أي: استهلَّ الهلال على صيغة المعلوم، أي: تبيَّن، قال المجد الشِّيرازيُّ -كالجوهريِّ-: ولا يُقال: أهلَّ، ويُقال: أهللنا عن ليلة كذا، ولا يُقال: أهللناه فهلَّ، كما يُقال: أدخلناه فدخل، وهو قياسه (كُلُّهُ) أي: ما ذُكِر من هذه الألفاظ مأخوذٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، واسْمه: حنين، وفليح لقبه غلب عَلَيْهِ، مر فِي أول كتاب الْعلم. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا أوردهُ لزِيَادَة فِيهِ على الحَدِيث السَّابِق، وَهُوَ الإدهان، وَإِنَّمَا كَانَ يدهن بِغَيْر الطّيب ليمنع بذلك الْقمل وَالدَّوَاب، وَكَانَ يجْتَنب مَا لَهُ رَائِحَة طيبَة صِيَانة للْإِحْرَام.
٠٣ - (بابُ التَّلْبِيَةِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّلْبِيَة إِذا انحدر الْمحرم فِي الْوَادي، وَقد ورد فِي الحَدِيث أَن التَّلْبِيَة فِي بطُون الأودية من سنَن الْمُرْسلين، وَأَنَّهَا تتأكد عِنْد الهبوط كَمَا تتأكد عِنْد الصعُود.
٥٥٥١ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ حدَّثني ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فذَكَرُوا الدَّجَّالَ أنَّهُ قالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ فَقَالَ ابنُ عَبَّاس لمْ أسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ أمَّا مُوسى كأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ إذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا انحدر فِي الْوَادي يُلَبِّي) .
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى بن عبيد، أَبُو مُوسَى يعرف بالزمن الْعَنْبَري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن أبي عدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَاسم أبي عدي: إِبْرَاهِيم، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الله بن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون، مر فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رب مبلّغ. الرَّابِع: مُجَاهِد. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن الروَاة الثَّلَاثَة بصريون وَأَن مُجَاهدًا مكي. وَفِيه: إثنان مذكوران بالإبن وَوَاحِد مُجَرّد. .
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن بَيَان ابْن عَمْرو. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَنه) بِفَتْح الْهمزَة أَي: أَن الدَّجَّال. قَوْله: (مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ: كَافِر) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: أَن. وَقَوله: (كَافِر) مَرْفُوع بقوله: مَكْتُوب، وَاسم الْمَفْعُول يعْمل عمل فعله كاسم الْفَاعِل. قَوْله: (وَلكنه قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ) جَوَاب: أما، وَالْفَاء فِيهِ محذوفة، وَالْأَصْل: فَكَأَنِّي، وَهُوَ حجَّة على النُّحَاة حَيْثُ لم يجوزوا حذفهَا، كَذَا قَالُوا. قلت: يحْتَمل أَن يكون حذف الْفَاء من الرَّاوِي. قَوْله: (إِذا انحدر) ، كَذَا وَقع فِي الْأُصُول بِكَلِمَة إِذا، وَحكى عِيَاض أَن بعض الْعلمَاء أنكر إِثْبَات الْألف وَغلط رُوَاته، وَقَالَ: وَهُوَ غلط مِنْهُ إِذْ لَا فرق بَين إِذا وَإِذ، هُنَا لِأَنَّهُ وَصفه حَالَة انحداره فِيمَا مضى. وَقَالَ الْمُهلب: ذِكْرُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، هُنَا وهمٌ من بعض رُوَاته، لِأَنَّهُ لم يأتِ أثر وَلَا خبر أَن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَيّ، وَأَنه سيحج، وَإِنَّمَا أُتِي ذَلِك عَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَاشْتَبَهَ على الرَّاوِي، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (ليهلن ابْن مَرْيَم بفج الروحاء) وَأجِيب عَنهُ: بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي اللبَاس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَبِزِيَادَة: ذكر إِبْرَاهِيم فِيهِ: أفيقال إِن الرَّاوِي غلط فِيهِ فزاده؟ وَقد روى مُسلم هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى هابطا من التَّثْنِيَة وَاضِعا إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ مارا بِهَذَا الْوَادي وَله جؤار إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ ذكر يُونُس فِي هَذَا الحَدِيث، أفيقال إِن الرَّاوِي الآخر غلط فِيهِ؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي الرَّد: أما من روى إِذْ انحدر، بِلَفْظ: إِذْ للماضي فَيصح مُوسَى بِأَن يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام أَو يُوحى إِلَيْهِ بذلك، وَسلم الْغَلَط فِي رِوَايَة إِذا، لِأَنَّهُ إِخْبَار عَمَّا يكون فِي الْمُسْتَقْبل. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على حَقِيقَة الحَدِيث لما قسم هَذَا التَّقْسِيم، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكْلِيف، لِأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ. فَلَا مَانع أَن يحجوا فِي هَذِه الْحَال كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رأى مُوسَى قَائِما فِي قَبره يُصَلِّي. فَإِن قلت: مَا الدَّاعِي إِلَى عِبَادَتهم بعد الْمَوْت وَمَوْضِع الْعِبَادَة دَار الدُّنْيَا؟ قلت: حببت إِلَيْهِم الْعِبَادَة فهم متعبدون بِمَا يجدونه بِمَا يجدونه من دواني أنفسهم لَا بِمَا يلزمون بِهِ، وَذَلِكَ كَمَا يلهم أهل الْجَاهِلِيَّة الذّكر، وَيُؤَيِّدهُ أَن أَعمال الْآخِرَة ذكر وَدُعَاء. كَقَوْلِه تَعَالَى: {دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... } (يُونُس: ٠١) . الْآيَة، وَيجوز
أَن يكون مثلت لَهُم أَحْوَالهم الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَيفَ تعبودا وَكَيف حجُّوا وَكَيف لبوا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي، وَيحْتَمل أَن يكون إخْبَاره ذَلِك بِالْوَحْي عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْمَنَام، ومنام الْأَنْبِيَاء وَحي، وَحَدِيث مُسلم الْمَذْكُور حجَّة على الْمُهلب، ورد لما قَالَه وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب لذكر الدَّجَّال ذكر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى أَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هُوَ الَّذِي يقتل الدَّجَّال، وَلَو كَانَ لَهُ اطلَاع على الحَدِيث الْمَذْكُور لما ادّعى هَذِه الْمُنَاسبَة.
١٣ - (بابٌ كيُفَ تُهِلُ الحَائِضُ والنُّفَساءُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَالْمرَاد بالإهلال الْإِحْرَام.
أهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ وَاسْتَهْلَلْنَا وأهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلّهُ مِنَ الظّهُورِ وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ وَمَا أُهِلَّ لِغيرِ الله وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ
جرى البُخَارِيّ على دأبه أَنه إِذا رأى مَادَّة من الْكَلَام تسْتَعْمل فِي معانٍ كَثِيرَة مِمَّا جَاءَ فِي الْكتاب أَو فِي السّنة يذكر ذَلِك ويبينه، وَذكر أَشْيَاء مِنْهَا، قَوْله: (أهلَّ: تكلم بِهِ) يَعْنِي: إِذا تكلم أظهره مَا فِي قلبه. وَمِنْهَا قَوْله: (استهللنا وأهللنا الْهلَال) ، يَعْنِي: طلبنا ظُهُوره، وَيُقَال: أهل الْهلَال واستهل، على مَا لم يسم فَاعله، وَيُقَال أَيْضا: اسْتهلّ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَمَعْنَاهُ: تبين، وَلَا يُقَال أهلَّ. وَيُقَال: أَهْلَلْنَا عَن لَيْلَة كَذَا، وَلَا يُقَال: أهللناه فَهَل، كَمَا يُقَال: أدخلْنَاهُ فَدخل وَهُوَ قِيَاسه. وَمِنْهَا: (اسْتهلّ الْمَطَر) إِذا ظهر نُزُوله من السَّحَاب بِصَوْت، وَيُقَال: تهلل وَجه الرجل من فرحه، واستهل إِذا ظهر سروره، وتهللت دُمُوعه إِذا سَالَتْ، وانهلت السَّمَاء: صبَّتْ، وانهل الْمَطَر إنهلالاً إِذا سَالَ بِشدَّة، وَمِنْهَا قَوْله: {وَمَا أهلَّ لغير الله} مَعْنَاهُ: إِذا نُودي عَلَيْهِ بِغَيْر إسم الله، وَأَصله رفع صَوت الذَّابِح عِنْد الذّبْح. وَمِنْهَا قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) وَهُوَ ظُهُور صياحه عِنْد الْولادَة، وَمِنْه: أهل الْمُعْتَمِر، إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (كُله من الظُّهُور) أَي: كل وَاحِد من أهلَّ واستهللنا، وأهللنا من الظُّهُور، وَهَذَا كَانَ مَحَله أَن يذكر بعد قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) ، لِأَن جَمِيع مَا ذكره من الْموَاد الْمَذْكُورَة من الظُّهُور، وَذكره بعد قَوْله: (وأهللنا الْهلَال) فِي غير مَحَله.
٦٥٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَرَجْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ النبيُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنَا حائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فشَكَوْتُ ذالكَ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ انْقُضِي رأْسَكِ وَامتَشِطِي وَأهِلِّي بالحَجِّ ودعِي العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هاذَا مَكانُ عُمْرَتِكَ قالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كانُوا أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أحَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا وَاحِدا بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فإنَّمَا طافُوا طَوَافا واحِدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انقضي رَأسك وامتشطي) إِلَى قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) .
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَعبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: هُوَ القعْنبِي، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْحيض، وَعقد لَهُ بَابا بقوله: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة: حَدثنَا يحيى بن بكير، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَبَين الطَّرِيقَيْنِ والمتن
تفَاوت يسير يعرف بِالنّظرِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي مُصعب عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي، وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَأبي مُصعب، كِلَاهُمَا عَن مَالك.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، وَكَانَت فِي سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم يحجّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة بعد الْهِجْرَة غَيرهَا وَمَا قبلهَا لما كَانَ بِمَكَّة حج حجَجًا لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله، وَسميت: حجَّة الْوَدَاع: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم وودعهم، فسميت بذلك حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (فأهللنا بِعُمْرَة) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب الْحيض، وَسَيَجِيءُ فِي: بَاب التَّمَتُّع، أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ إِلَّا الْحَج؟ قلت: مَعْنَاهُ: وَلَا يرَوْنَ عِنْد الْخُرُوج إلَاّ ذَلِك فَبعد ذَلِك أَمرهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالاعتمار رفعا لما اعتقدوا من حُرْمَة الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي على الرِّوَايَات الَّتِي رويت عَن عَائِشَة لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب عَنهُ: فَإِن الرِّوَايَات اخْتلفت فِي إِحْرَام عَائِشَة اخْتِلَافا كثيرا، فههنا فأهللنا بِعُمْرَة، وَفِي أُخْرَى: فمنا من أهل بِعُمْرَة وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة. وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى: لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالْأَحَادِيث عَن عَائِشَة فِي هَذَا مضطربة جدا، وَكَذَا قَالَ القَاضِي عِيَاض، وَذكر أَن فِي الرِّوَايَات عَنْهَا اخْتِلَافا شَدِيدا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (تمهيده) : دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا، وَقَالُوا: هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة، فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة الَّتِي رويت عَن عُرْوَة غلط، لِأَن عُرْوَة قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَنهُ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهَا: دعِي عمرتَكِ، فَدلَّ على أَنه لم يسمع الحَدِيث مِنْهَا. وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَحَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَنْهَا منكران وخطآن عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وَقد سبقَنا إِلَى تخطئة حَدِيث أبي الْأسود هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَنْهَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله: (من كَانَ مَعَه هدي) بِسُكُون الدَّال أَو بِكَسْرِهَا وَتَشْديد الْيَاء وَإِسْكَان الدَّال أفْصح، وَسوى بَينهمَا ثَعْلَب، وَالتَّخْفِيف لُغَة أهل الْحجاز، والتثقيل لُغَة تَمِيم، وَوَاحِد الْهَدْي: هَدِيَّة، وَقد قرى مُبْهما جَمِيعًا فِي قَوْله: {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهُوَ مَا يهدي إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (فَقدمت) ، بِضَم التَّاء، وَهُوَ إِخْبَار عَائِشَة عَن نَفسهَا. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: ترك الطّواف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة بِسَبَب الْحيض. قَوْله: (انقضي رَأسك) من النَّقْض، بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز بِالْفَاءِ إِن صحت الرِّوَايَة. قلت: لِأَن كلا مِنْهُمَا بِمَعْنى، وَلَكِن رِوَايَة الْفَاء مَا ثبتَتْ. قَوْله: (وامتشطي) ، من امتشاط الشّعْر وَهُوَ: تسريحه. قَوْله: (ودعي الْعمرَة) يدل على أَنَّهَا كَانَت قارنة. قَوْله: (فَفعلت) أَي: نقض الرَّأْس والامتشاط. قَوْله: (مَعَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر) ، هُوَ أَخُوهَا شقيقها، وأمهما أم رُومَان بنت عَامر. قَوْله: (إِلَى التَّنْعِيم) ، قد مر تَفْسِيره مرّة، وَهُوَ طرف حرم مَكَّة من نَاحيَة الشَّام، وَهُوَ الْمَشْهُور بمساجد عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) بِرَفْع مَكَان على أَنه خبر، أَي: عوض عمرتك الْفَائِتَة، وَيجوز بِالنّصب على الظّرْف، قيل: النصب أوجه، وَلَا يجوز غَيره، وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذِه كائنة مَكَان عمرتك أَو مجعولة مَكَانهَا. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالرَّفْع أوجه عِنْدِي إِذْ لم يرد بِهِ الظّرْف، إِنَّمَا أَرَادَ عوض عمرتك، فَمن قَالَ: كَانَت قارنة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي أردْت أَن تَأتي بهَا مُفْردَة، وَمن قَالَ: كَانَت مُفْردَة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي فسخت الْحَج إِلَيْهَا وَلم تتمكني من الْإِتْيَان بهَا للْحيض، وَكَانَ ابْتِدَاء حَيْضهَا يَوْم السبت لثلاث خلون من ذِي الْحجَّة بسرف، وطهرت يَوْم السبت وَهُوَ يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة)
أَي: وطافوا بَين الصَّفَا والمروة، وَأَرَادَ بِهِ السَّعْي بَينهمَا. قَوْله: (طَوافا وَاحِدًا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والجرجاني: (طَوافا آخر) . وَقَالَ عِيَاض هُوَ الصَّوَاب.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة لمن يَقُول بأفضلية الْقُرْآن لقَوْله: فَمن كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ الْقُرْآن، لِأَن فِيهِ الْجمع بَين النُّسُكَيْنِ فِي سفرة وَاحِدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْقُرْآنِ. وَقَوله: (ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا) هَذَا هُوَ حكم الْقُرْآن بِلَا نزاع، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى تَفْضِيل الْقُرْآن بِهِ وبالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الْقُرْآن، وعَلى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا فِي حجَّة الْوَدَاع: شَقِيق بن سَلمَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (الْمُجَرّد) . وَإِمَّا حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاخْتلف فِيهِ بِحَسب الْمذَاهب، وَالْأَظْهَر قَول أَحْمد: لَا أَشك أَنه كَانَ قَارنا، والمتعة أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: قد رُوِيَ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد الْحَج، وَرُوِيَ: أَنه تمتّع، وَرُوِيَ: أَنه قرن، فَمَا التَّوْفِيق فِيهَا؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: طَرِيق التَّوْفِيق فِيهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِعُمْرَة فِي بَدْء أمره فَمضى فِيهَا مُتَمَتِّعا، ثمَّ أحرم بِحجَّة قبل طَوَافه وإفرادها بِالْإِحْرَامِ، فَصَارَ بهَا قَارنا. فَإِن قلت: فِيهِ إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة فَمَا حكمه؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، وشذ بعض النَّاس فَمَنعه، وَقَالَ: لَا يدْخل بِإِحْرَام على إِحْرَام، كَمَا فِي الصَّلَاة. وَاخْتلفُوا فِي عَكسه، وَهُوَ إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج، فجوزه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَمنعه آخَرُونَ، وَقَالُوا: هَذَا كَانَ خَاصّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قُلْنَا: دَعْوَى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل.
وَفِيه: أَن الْمُتَمَتّع إِذا فرغ من أَعمال الْعمرَة لم يحل حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ إِذا كَانَ مَعَه هدي، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا عملا بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا بِنَقْض رَأسهَا ثمَّ بالامتشاط، فَقَالَ الشَّافِعِي: تَأْوِيله أَنه أَمر لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل عَلَيْهَا الْحَج فَتَصِير قارنة. وَقَالَ ابْن حزم: وَالصَّحِيح أَنَّهَا كَانَت قارنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الحَدِيث مُشكل جدا إلَاّ أَن يؤول على التَّرَخُّص لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل على الْحَج، فَتكون قارنة. لَا أَن تدع الْعمرَة نَفسهَا. فَإِن قلت: يوهن هَذَا التَّأْوِيل لفظ: (انقضي رَأسك وامتشطي) . قلت: لَا، لِأَن نقض الرَّأْس والامتشاط جائزان فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا تنتف شعرًا، وَقد يتَأَوَّل بِأَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى، فأباح لَهَا كَمَا أَبَاحَ لكعب بن عجْرَة للأذى. وَقيل: المُرَاد بالامتشاط تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع لغسل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَيلْزمهُ مِنْهُ نقضه.
وَفِيه: فِي قَوْلهَا: (فَقدمت مَكَّة وَأَنا حَائِض وَلم أطف بِالْبَيْتِ وَلَا بَين الصَّفَا والمروة) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن طواف الْمُحدث لَا يجوز، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا يدْخل الْمَسْجِد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَعَن أَحْمد: طواف الْمُحدث وَالْجنب لَا يَصح، وَعنهُ: يَصح. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَلَو طَاف وَعَلِيهِ نَجَاسَة أَو طَاف مُحدثا أَو جنبا صَحَّ طَوَافه، لقَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . أَمر بِالطّوافِ مُطلقًا، وتقييده بِالطَّهَارَةِ بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص فَلَا يجوز، وَلَكِن إِن طَاف مُحدثا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن طَاف جنبا فَعَلَيهِ بَدَنَة، ويعيده مَا دَامَ فِي مَكَّة، وَعَن دَاوُد: الطَّهَارَة لَهُ وَاجِبَة. فَإِن طَاف مُحدثا أَجزَأَهُ إلَاّ الْحَائِض. وَعند الشَّافِعِي: الطَّهَارَة شَرط فَلَا يَصح بِدُونِهَا، وَمذهب الْجُمْهُور: أَن السَّعْي يَصح من الْمُحدث وَالْجنب وَالْحَائِض. وَعَن الْحسن: أَنه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل أعَاد السَّعْي، وَإِن كَانَ بعده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ.
وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: الطّواف الْوَاحِد وَالسَّعْي الْوَاحِد يكفيان للقارن، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَالْحسن وطاووس، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد، وَقَالَ مُجَاهِد وَجَابِر بن زيد وَشُرَيْح القَاضِي وَالشعْبِيّ وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأسود بن يزِيد وَالْحسن بن حَيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد ابْن سُلَيْمَان وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَزِيَاد بن مَالك وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا بُد للقارن من طوافين وسعيين، وَحكي ذَلِك عَن عمر وَعلي وإبنيه: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، هُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ: سبيلهما وَاحِد، وَطَاف لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع كَمَا صنعت، وَعَن عَليّ: أَنه جمع بَينهمَا، وَفعل ذَلِك ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله