«لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا⦗٤٢⦘خَيْبَةَ الدَّهْرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٨٢

الحديث رقم ٦١٨٢ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا تسبوا الدهر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا⦗٤٢⦘خيبة…

«لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا

⦗٤٢⦘

خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ إِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَقَدْ قَالَ إِنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَقَوْلِهِ لَا مُلْكَ إِلَّا لِلهِ فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾

سند حديث: ٦١٨٢ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ…

٦١٨٢ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا⦗٤٢⦘خيبة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قولهِ: «يسبُّ بنو آدم الدَّهر»؛ لأنَّ المعنى في الحقيقةِ يرجعُ إلى لا تسبُّوا الدَّهر، وصرَّح بذلك في مسلمٍ، والحديث أخرجهُ مسلمٌ أيضًا.

٦١٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالتحتية والشين المعجمة، الرَّقام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بنُ عبدِ الأعلى قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ) بفتح الكاف وسكون الراء؛ لأنَّه يتَّخذ منه الخمر، فيُكره تسميتُه (١) به لأنَّ فيه (٢) تقريرًا لما كانوا يتوهَّمونه من تكريم (٣) شاربها (وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ) بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة، نصب على النُّدبة، كأنَّه فقد الدَّهر لما يصدرُ عنه ممَّا يكرهه، فندبه متفجِّعًا عليه، أو متوجِّعًا (٤) منه، أو هو دعاءٌ عليه بالخيبةِ. وعند مسلمٍ من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ «وادهرَاهُ وادهرَاهُ»، والخيبةُ الحرمانُ والخُسران، وقد خاب يخيبُ وهو من إضافةِ المصدرِ إلى الفاعل (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ) أي: الفاعل لما يحدثُ فيه. قال في «بهجة النفوس»: لا يخفى أنَّ من سبَّ الصَّنعة فقد سبَّ صانعها، فمَن سبَّ اللَّيل والنَّهار أقدم على أمرٍ عظيمٍ بغير معنى، ومن سبَّ ما يقعُ فيهما من الحوادثِ، وذلك أغلبُ ما يقع من النَّاس فلا شيءَ في ذلك. انتهى.

وقال جماعةٌ من المحقِّقين: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدَّهر حقيقةً كفر، ومن جرى

هذا اللَّفظ على لسانهِ غير معتقدٍ لذلك فليس بكافرٍ، لكن يُكره له ذلك لتشبُّهه بأهلِ الكُفْر في الإطلاق. وقال القاضِي عياضٌ: زعمَ بعضُ من لا تحقيقَ عنده أنَّ الدَّهر من أسماءِ الله، وهو غلطٌ فإنَّ الدَّهر مدَّة زمان الدُّنيا.

(١٠٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ) وفي حديث الباب عن أبي هريرة [خ¦٦١٨٣]: (إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ) يقال: رجلٌ كرَْم، وامرأةٌ كرَْم، ورجلان كرَْم، ونسوةٌ كرَْم، كله بفتح الراء وإسكانها، بمعنى: كريمٍ، وصف (١) بالمصدرِ كعدْلٍ وضيْف، وليس الحصرُ في قولهِ: «إنَّما الكرم» على ظاهره، وإنَّما المعنى أنَّ الأحقَّ باسم الكرم قلبُ المؤمن، ولم يرد أنَّ غيره لا يسمَّى كرمًا (وَقَدْ قَالَ) النَّبيُّ : (إِنَّمَا المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ) رواه التِّرمذيُّ لكن بلفظ «أتدرونَ من المفلس؟» قالوا: المفلسُ فينا يا رسولَ الله من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال رسول الله : «المفلسُ من أمَّتي مَن يأتي يوم القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيقتصُّ هذا من حسناتهِ وهذا من حسناتهِ، فإن فنيتْ حسناتُه أُخذ من خَطاياهم فطُرحَ عليه، ثمَّ طُرح في النَّار» وليس المراد أنَّ من يفلس في الدُّنيا لا يسمَّى مفلسًا، وذلك (كَقولهِ) في حديث أبي هريرة السَّابق [خ¦٦١١٤] (إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) و (كَقولهِ: لَا مُلْكَ) بضم الميم وسكون اللام (إِلَّا للَّهِ) و «لا» صريحٌ في النَّفي، و «إلَّا» في الإثبات فيقتضي الحصر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا مَلِكَ إلَّا الله تعالى» بفتح الميم وكسر اللَّام (فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ المُلْكِ) بضم الميم، وهو عبارةٌ عن انقطاع الملك عنده، أي: لا ملك بعده، فالملك الحقيقيُّ لله تعالى، وقد يطلقُ على غيره مجازًا، كما قال: (ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]) وهو جمع مَلِك.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَاحِد فِي الْمَعْنى وَلكنه استقبح لفظ خبثت فَاخْتَارَ لفظا بَرِيئًا من البشاعة سليما مِنْهَا، وَكَانَ من سنَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْدِيل الإسم الْقَبِيح بالْحسنِ.

٦١٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبْثَتْ نَفْسِي، ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَأَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ، وإسم أبي أُمَامَة أسعد، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُقَال: إِنَّه سَمَّاهُ وكناه باسم جده وكنيته.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن وهب بن بَيَان وَغَيره. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.

قَوْله: (قَالَ) إِلَى آخِره. تَفْسِير لقَوْله: مثله.

تابَعَهُ عُقَيْلٌ

أَي: تَابع يُونُس بن يزِيد عقيل بن خَالِد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور والمتن. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق نَافِع ابْن يزِيد عَن عقيل. قَوْله: تَابعه عقيل لَيست فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والباقين، وَالله أعلم.

١٠١ - (بابٌ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)

أَي: بَاب فِيهِ الْمَنْع عَن سبّ الدَّهْر وَذكره فِي التَّرْجَمَة بقوله: لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِنَّهُ فِي لفظ مُسلم هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب حَدثنِي جرير عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر، قإن الله الدَّهْر، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث بطرق مُخْتَلفَة ومتون متباينة.

٢٠٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الله يسب بَنو آدم الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر لِأَن مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَة يرجع إِلَى لفظ لَا تسبوا الدَّهْر وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم المصرحة بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن وهب بن بَيَان قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر إِلَى آخِره قَالَ الْخطابِيّ كَانَت الْجَاهِلِيَّة تضيف المصائب والنوائب إِلَى الدَّهْر الَّذِي هُوَ من اللَّيْل وَالنَّهَار وهم فِي ذَلِك فرقتان فرقة لَا تؤمن بِاللَّه وَلَا تعرف إِلَّا الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار اللَّذَان هما مَحل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إِلَيْهِ على أَنَّهَا من فعله وَلَا ترى أَن لَهَا مُدبرا غَيره وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الدهرية الَّذين حكى الله عَنْهُم فِي قَوْله وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر وَفرْقَة تعرف الْخَالِق وتنزهه من أَن تنْسب إِلَيْهِ المكاره فتضيفها إِلَى الدَّهْر وَالزَّمَان وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ كَانُوا يسبون الدَّهْر ويذمونه فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم يَا خيبة الدَّهْر وَيَا بؤس الدَّهْر فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُم مُبْطلًا ذَلِك لَا يسبن أحد مِنْكُم الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر يُرِيد وَالله أعلم لَا تسبوا الدَّهْر على أَنه الْفَاعِل لهَذَا الصَّنِيع بكم فَالله هُوَ الْفَاعِل لَهُ فَإِذا سببتم الَّذِي أنزل بكم المكاره رَجَعَ السب إِلَى الله تَعَالَى وَانْصَرف إِلَيْهِ وَمعنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَنا مَالك الدَّهْر ومصرفه فَحذف اختصارا للفظ واتساعا فِي الْمَعْنى وَقَالَ غَيره معنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَي الْمُدبر أَو صَاحب الدَّهْر أَو مقلبه أَو مصرفه وَلِهَذَا عقبه بقوله بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ الْكرْمَانِي لم عدل عَن الظَّاهِر ثمَّ قَالَ الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة مُوجبَة للعدول ويروى بِنصب الدَّهْر على معنى أَنا بَاقٍ أَو ثَابت فِي الدَّهْر وروى أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله قَالَ أَنا الدَّهْر الْأَيَّام والليالي أوجدها وأبليها وَآتِي بملوك بعد مُلُوك

٦١٨٢ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدّثنا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢ طرفه فِي: ٦١٨٣) .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الْبَصْرِيّ الرقام عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) قَالَ الْخطابِيّ: نهى عَن تَسْمِيَة الْعِنَب كرماً لتوكيد تَحْرِيم الْخمر ولتأبيد النَّهْي عَنْهَا بمحو اسْمهَا. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا خيبة الدَّهْر) كَذَا هُوَ لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: يَا خيبة الدَّهْر، وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ: واخيبة الدَّهْر، والخيبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة وَهِي الحرمان، وانتصاب الخيبة على الندبة كَأَنَّهُ فقد الدَّهْر لما يصدر عَنهُ مِمَّا يكرههُ فندبه متفجعاً عَلَيْهِ أَو متوجعاً مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دُعَاء على الدَّهْر بالخيبة، وَهُوَ كَقَوْلِهِم قحط الله نوأها يدعونَ على الأَرْض بِالْقَحْطِ، وَهِي كلمة هَذَا أَصْلهَا ثمَّ صَارَت تقال لكل مَذْمُوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم بِلَفْظ: وادهراه {وادهراه}

١٠٢ - (بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، هَذَا قِطْعَة من آخر حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَيَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم: الْكَرم، فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَله من رِوَايَة ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم الرجل الْمُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلْقَمَة إِن وَائِل عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) . قَوْله: (إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) أَي: لما فِيهِ من نور الْإِيمَان وَالتَّقوى. قَالَ الله تَعَالَى: { (٩٤) إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} (الحجرات: ١٣) وَقَالَ فِي الْبَاب الَّذِي قبله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) . وَقَالَ هُنَا: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن. قَالَت الْعلمَاء: سَبَب كَرَاهَة ذَلِك أَن لفظ الْكَرم كَانَت الْعَرَب تطلقها على شجر الْعِنَب وعَلى الْخمر المتخذة من الْعِنَب سَموهَا كرماً لكَونهَا متخذة مِنْهَا، وَلِأَنَّهَا تحمل على الْكَرم والسخاء، فكره الشَّارِع إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الْعِنَب وشجره لأَنهم إِذا سمعُوا اللَّفْظ فَرُبمَا تَذكرُوا بهَا الْخمر وهيجت نُفُوسهم إِلَيْهَا فيقعوا فِيهَا، أَو قاربوا. وَقَالَ: إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الإسم قلب الْمُؤمن لِأَنَّهُ منبع الْكَرم وَالتَّقوى والنور وَالْهدى، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن الْكَرم، بِسُكُون الرَّاء: الْعِنَب. قَالَ الْأَزْهَرِي: سمى الْعِنَب كرماً لكرمه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذلل لقاطعه وَيحمل الأَصْل عَنهُ مثل مَا تحمل النَّخْلَة وَأكْثر، وكل شَيْء كثر فقد كرم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سمي كرماً لِأَن الْخمر مِنْهُ وَهِي تحث على السخاء وتأمر بمكارم الْأَخْلَاق، كَمَا سَموهَا رَاحا، وَذَلِكَ قَالَ: لَا تسموا الْعِنَب كرماً، كره أَن يُسمى أصل الْخمر باسم مَأْخُوذ من الْكَرم، وَجعل الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي شربهَا وَيرى الْكَرم فِي تَركهَا أَحَق بِهَذَا الإسم الْحسن تَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِ، وَأسْقط الْخمر عَن هَذِه الرُّتْبَة تحقيراً لَهَا.

وقَدْ قَالَ: المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّما الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إلَاّ الله فَوَصَفَهُ بانْتِهاءِ المُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيْضاً فَقَالَ: {إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) [/ ح.

مَقْصُود البُخَارِيّ من ذكر هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ أدوات الْحصْر أَن الْحصْر فِيهِ ادعائي لَا حَقِيقِيّ، فَكَذَلِك الْحصْر فِي قَوْله: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، فَكَأَن الْكَرم الْحَقِيقِيّ الْقلب لَا الشّجر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الادعاء لَا على الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنه يُطلق على

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قولهِ: «يسبُّ بنو آدم الدَّهر»؛ لأنَّ المعنى في الحقيقةِ يرجعُ إلى لا تسبُّوا الدَّهر، وصرَّح بذلك في مسلمٍ، والحديث أخرجهُ مسلمٌ أيضًا.

٦١٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالتحتية والشين المعجمة، الرَّقام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بنُ عبدِ الأعلى قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ) بفتح الكاف وسكون الراء؛ لأنَّه يتَّخذ منه الخمر، فيُكره تسميتُه (١) به لأنَّ فيه (٢) تقريرًا لما كانوا يتوهَّمونه من تكريم (٣) شاربها (وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ) بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة، نصب على النُّدبة، كأنَّه فقد الدَّهر لما يصدرُ عنه ممَّا يكرهه، فندبه متفجِّعًا عليه، أو متوجِّعًا (٤) منه، أو هو دعاءٌ عليه بالخيبةِ. وعند مسلمٍ من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ «وادهرَاهُ وادهرَاهُ»، والخيبةُ الحرمانُ والخُسران، وقد خاب يخيبُ وهو من إضافةِ المصدرِ إلى الفاعل (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ) أي: الفاعل لما يحدثُ فيه. قال في «بهجة النفوس»: لا يخفى أنَّ من سبَّ الصَّنعة فقد سبَّ صانعها، فمَن سبَّ اللَّيل والنَّهار أقدم على أمرٍ عظيمٍ بغير معنى، ومن سبَّ ما يقعُ فيهما من الحوادثِ، وذلك أغلبُ ما يقع من النَّاس فلا شيءَ في ذلك. انتهى.

وقال جماعةٌ من المحقِّقين: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدَّهر حقيقةً كفر، ومن جرى

هذا اللَّفظ على لسانهِ غير معتقدٍ لذلك فليس بكافرٍ، لكن يُكره له ذلك لتشبُّهه بأهلِ الكُفْر في الإطلاق. وقال القاضِي عياضٌ: زعمَ بعضُ من لا تحقيقَ عنده أنَّ الدَّهر من أسماءِ الله، وهو غلطٌ فإنَّ الدَّهر مدَّة زمان الدُّنيا.

(١٠٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ) وفي حديث الباب عن أبي هريرة [خ¦٦١٨٣]: (إِنَّمَا الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ) يقال: رجلٌ كرَْم، وامرأةٌ كرَْم، ورجلان كرَْم، ونسوةٌ كرَْم، كله بفتح الراء وإسكانها، بمعنى: كريمٍ، وصف (١) بالمصدرِ كعدْلٍ وضيْف، وليس الحصرُ في قولهِ: «إنَّما الكرم» على ظاهره، وإنَّما المعنى أنَّ الأحقَّ باسم الكرم قلبُ المؤمن، ولم يرد أنَّ غيره لا يسمَّى كرمًا (وَقَدْ قَالَ) النَّبيُّ : (إِنَّمَا المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ) رواه التِّرمذيُّ لكن بلفظ «أتدرونَ من المفلس؟» قالوا: المفلسُ فينا يا رسولَ الله من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال رسول الله : «المفلسُ من أمَّتي مَن يأتي يوم القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيقتصُّ هذا من حسناتهِ وهذا من حسناتهِ، فإن فنيتْ حسناتُه أُخذ من خَطاياهم فطُرحَ عليه، ثمَّ طُرح في النَّار» وليس المراد أنَّ من يفلس في الدُّنيا لا يسمَّى مفلسًا، وذلك (كَقولهِ) في حديث أبي هريرة السَّابق [خ¦٦١١٤] (إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) و (كَقولهِ: لَا مُلْكَ) بضم الميم وسكون اللام (إِلَّا للَّهِ) و «لا» صريحٌ في النَّفي، و «إلَّا» في الإثبات فيقتضي الحصر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا مَلِكَ إلَّا الله تعالى» بفتح الميم وكسر اللَّام (فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ المُلْكِ) بضم الميم، وهو عبارةٌ عن انقطاع الملك عنده، أي: لا ملك بعده، فالملك الحقيقيُّ لله تعالى، وقد يطلقُ على غيره مجازًا، كما قال: (ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أَيْضًا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]) وهو جمع مَلِك.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَاحِد فِي الْمَعْنى وَلكنه استقبح لفظ خبثت فَاخْتَارَ لفظا بَرِيئًا من البشاعة سليما مِنْهَا، وَكَانَ من سنَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْدِيل الإسم الْقَبِيح بالْحسنِ.

٦١٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: خَبْثَتْ نَفْسِي، ولاكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَأَبُو أُمَامَة بن سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ، وإسم أبي أُمَامَة أسعد، أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُقَال: إِنَّه سَمَّاهُ وكناه باسم جده وكنيته.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن صَالح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن وهب بن بَيَان وَغَيره. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور.

قَوْله: (قَالَ) إِلَى آخِره. تَفْسِير لقَوْله: مثله.

تابَعَهُ عُقَيْلٌ

أَي: تَابع يُونُس بن يزِيد عقيل بن خَالِد فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور والمتن. وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق نَافِع ابْن يزِيد عَن عقيل. قَوْله: تَابعه عقيل لَيست فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والباقين، وَالله أعلم.

١٠١ - (بابٌ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ)

أَي: بَاب فِيهِ الْمَنْع عَن سبّ الدَّهْر وَذكره فِي التَّرْجَمَة بقوله: لَا تسبوا الدَّهْر، فَإِنَّهُ فِي لفظ مُسلم هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي زُهَيْر بن حَرْب حَدثنِي جرير عَن هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تسبوا الدَّهْر، قإن الله الدَّهْر، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث بطرق مُخْتَلفَة ومتون متباينة.

٢٠٢ - (حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سَلمَة قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الله يسب بَنو آدم الدَّهْر وَأَنا الدَّهْر بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر لِأَن مَعْنَاهُ فِي الْحَقِيقَة يرجع إِلَى لفظ لَا تسبوا الدَّهْر وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة مُسلم المصرحة بذلك كَمَا ذَكرْنَاهُ والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن وهب بن بَيَان قَوْله يسب بَنو آدم الدَّهْر إِلَى آخِره قَالَ الْخطابِيّ كَانَت الْجَاهِلِيَّة تضيف المصائب والنوائب إِلَى الدَّهْر الَّذِي هُوَ من اللَّيْل وَالنَّهَار وهم فِي ذَلِك فرقتان فرقة لَا تؤمن بِاللَّه وَلَا تعرف إِلَّا الدَّهْر اللَّيْل وَالنَّهَار اللَّذَان هما مَحل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إِلَيْهِ على أَنَّهَا من فعله وَلَا ترى أَن لَهَا مُدبرا غَيره وَهَذِه الْفرْقَة هِيَ الدهرية الَّذين حكى الله عَنْهُم فِي قَوْله وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر وَفرْقَة تعرف الْخَالِق وتنزهه من أَن تنْسب إِلَيْهِ المكاره فتضيفها إِلَى الدَّهْر وَالزَّمَان وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ كَانُوا يسبون الدَّهْر ويذمونه فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم يَا خيبة الدَّهْر وَيَا بؤس الدَّهْر فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُم مُبْطلًا ذَلِك لَا يسبن أحد مِنْكُم الدَّهْر فَإِن الله هُوَ الدَّهْر يُرِيد وَالله أعلم لَا تسبوا الدَّهْر على أَنه الْفَاعِل لهَذَا الصَّنِيع بكم فَالله هُوَ الْفَاعِل لَهُ فَإِذا سببتم الَّذِي أنزل بكم المكاره رَجَعَ السب إِلَى الله تَعَالَى وَانْصَرف إِلَيْهِ وَمعنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَنا مَالك الدَّهْر ومصرفه فَحذف اختصارا للفظ واتساعا فِي الْمَعْنى وَقَالَ غَيره معنى قَوْله أَنا الدَّهْر أَي الْمُدبر أَو صَاحب الدَّهْر أَو مقلبه أَو مصرفه وَلِهَذَا عقبه بقوله بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ الْكرْمَانِي لم عدل عَن الظَّاهِر ثمَّ قَالَ الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة مُوجبَة للعدول ويروى بِنصب الدَّهْر على معنى أَنا بَاقٍ أَو ثَابت فِي الدَّهْر وروى أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الله قَالَ أَنا الدَّهْر الْأَيَّام والليالي أوجدها وأبليها وَآتِي بملوك بعد مُلُوك

٦١٨٢ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدّثنا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، وَلَا تَقُولُوا: خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٨٢ طرفه فِي: ٦١٨٣) .

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الْبَصْرِيّ الرقام عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) قَالَ الْخطابِيّ: نهى عَن تَسْمِيَة الْعِنَب كرماً لتوكيد تَحْرِيم الْخمر ولتأبيد النَّهْي عَنْهَا بمحو اسْمهَا. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا خيبة الدَّهْر) كَذَا هُوَ لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: يَا خيبة الدَّهْر، وَفِي رِوَايَة غير البُخَارِيّ: واخيبة الدَّهْر، والخيبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة وَهِي الحرمان، وانتصاب الخيبة على الندبة كَأَنَّهُ فقد الدَّهْر لما يصدر عَنهُ مِمَّا يكرههُ فندبه متفجعاً عَلَيْهِ أَو متوجعاً مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دُعَاء على الدَّهْر بالخيبة، وَهُوَ كَقَوْلِهِم قحط الله نوأها يدعونَ على الأَرْض بِالْقَحْطِ، وَهِي كلمة هَذَا أَصْلهَا ثمَّ صَارَت تقال لكل مَذْمُوم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم بِلَفْظ: وادهراه {وادهراه}

١٠٢ - (بابُ قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المُؤْمِنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، هَذَا قِطْعَة من آخر حَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَيَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم: الْكَرم، فَإِن الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَله من رِوَايَة ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم فَإِن الْكَرم الرجل الْمُسلم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلْقَمَة إِن وَائِل عَن أَبِيه: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تَقولُوا الْكَرم وَلَكِن قُولُوا الْعِنَب والحبلة) . قَوْله: (إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) أَي: لما فِيهِ من نور الْإِيمَان وَالتَّقوى. قَالَ الله تَعَالَى: { (٩٤) إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم} (الحجرات: ١٣) وَقَالَ فِي الْبَاب الَّذِي قبله: (لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم) . وَقَالَ هُنَا: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن. قَالَت الْعلمَاء: سَبَب كَرَاهَة ذَلِك أَن لفظ الْكَرم كَانَت الْعَرَب تطلقها على شجر الْعِنَب وعَلى الْخمر المتخذة من الْعِنَب سَموهَا كرماً لكَونهَا متخذة مِنْهَا، وَلِأَنَّهَا تحمل على الْكَرم والسخاء، فكره الشَّارِع إِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الْعِنَب وشجره لأَنهم إِذا سمعُوا اللَّفْظ فَرُبمَا تَذكرُوا بهَا الْخمر وهيجت نُفُوسهم إِلَيْهَا فيقعوا فِيهَا، أَو قاربوا. وَقَالَ: إِنَّمَا يسْتَحق هَذَا الإسم قلب الْمُؤمن لِأَنَّهُ منبع الْكَرم وَالتَّقوى والنور وَالْهدى، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَن الْكَرم، بِسُكُون الرَّاء: الْعِنَب. قَالَ الْأَزْهَرِي: سمى الْعِنَب كرماً لكرمه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذلل لقاطعه وَيحمل الأَصْل عَنهُ مثل مَا تحمل النَّخْلَة وَأكْثر، وكل شَيْء كثر فقد كرم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سمي كرماً لِأَن الْخمر مِنْهُ وَهِي تحث على السخاء وتأمر بمكارم الْأَخْلَاق، كَمَا سَموهَا رَاحا، وَذَلِكَ قَالَ: لَا تسموا الْعِنَب كرماً، كره أَن يُسمى أصل الْخمر باسم مَأْخُوذ من الْكَرم، وَجعل الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي شربهَا وَيرى الْكَرم فِي تَركهَا أَحَق بِهَذَا الإسم الْحسن تَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِ، وَأسْقط الْخمر عَن هَذِه الرُّتْبَة تحقيراً لَهَا.

وقَدْ قَالَ: المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَقَوْلِهِ: إنَّما الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَب، كَقَوْلِهِ: لَا مَلِكَ إلَاّ الله فَوَصَفَهُ بانْتِهاءِ المُلْكِ ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيْضاً فَقَالَ: {إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها} (النَّمْل: ٣٤) [/ ح.

مَقْصُود البُخَارِيّ من ذكر هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ أدوات الْحصْر أَن الْحصْر فِيهِ ادعائي لَا حَقِيقِيّ، فَكَذَلِك الْحصْر فِي قَوْله: إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن، فَكَأَن الْكَرم الْحَقِيقِيّ الْقلب لَا الشّجر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الادعاء لَا على الْحَقِيقَة، أَلا ترى أَنه يُطلق على

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.9 / 29.5
الإضاءة 73%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الله أكبر