التفسير البسيط سورة النجم

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة النجم

تفسيرُ سورةِ النجم كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 120 دقيقة قراءة

تفسير سورة النجم كاملةً (أبو الحسن الواحدي)

وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله -  - أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة.

ونحو هذا روي عن عطاء (١) (٢) وعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة، وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا.

وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة (٣) يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ...

ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم (٤) هذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم.

ويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله -عز وجل-: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ  ﴾ .

قال عبد الله: يعني القرآن.

فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك.

وقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل.

قال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره.

فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد: والَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ (٥) (٦) وبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ.

وقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه (٧) والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة.

قال ساجعهم (٨) طَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ...

ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه (٩) طَلَعَ النجْمُ عشيا ...

ابتَغَى الراعي شُكَيَّا يعني الثريا.

ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم: فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ...

سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا (١٠) يريد: تعد أنجم الثريا.

قال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم (١١) وقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر.

وقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع (١٢) وهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به.

وهذا قول الحسن (١٣) (١٤) هذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين.

وقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم.

أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة (١٥) وعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها، ولا يملكه إلا الله وحده.

وقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض (١٦) ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله.

ثم ذكر جواب القسم فقال: (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 94، و"جامع البيان" 27/ 24.

قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري أن المراد بـ ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ هنا في هذه السورة و ﴿ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين: أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى أن النبي -  - على حق، وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عيه بمواقع النجم، وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ .

والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم، وهو أنسب لقوله بعده: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ .

انظر: "أضواء البيان" 7/ 700 - 701.

(٣) العاقلة: قبيلة الرجال، ولا يُحملون من الدية ما لا يطيقونه.

"اللسان" 2/ 845 (عقل).

(٤) انظر: "ديوان زهير" ص 17، و"تهذيب اللغة" 11/ 129، و"اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 64.

والمِحجم: آلة الحجام، والمعنى أنهما لم يريقوا مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء.

(٥) لم أجده منسوبًا.

وانظر: "الأضداد" لقطرب ص 120، وفيه: (إتراعها) بدل (إصعادها).

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 488 (هوى)، و"اللسان" 3/ 848 (هوا).

(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 627، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 246.

وقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عني بالنجم في هذا الموضع الثريا ...) "جامع البيان" 27/ 25.

(٨) (ك): (سابعهم).

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 127، ولم ينسبه لقائل، و"شواهد الكشاف" ص 6، و"التفسير الكبير" 28/ 279، و"البحر المحيط" 8/ 157، وفي "ارتشاف الضرب" 1/ 170: طَلَعَ النجم غدية ...

وبع لراعي كُسيَّه وفي "الأضداد" لابن الأنباري 62: إذا الثريا طلعت غديه ...

فبع لراعي غنم كسيهْ وفيه: إذا الثريا طلعت عشاء ...

فبع لراعي غنم كساءَ= وفي "الأضداد" للأصمعي 30: إذا الثريا طلعت عثسيه ...

فبع لراعي غنم كسيه (١٠) انظر: "ديوان الراعي" ص 194، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 207، و"مجاز القرآن" 2/ 235، و"اللسان" 3/ 590 (نجم).

والمستحيرة: هي المتحيرة في امتلائها، أي في مرقها.

"اللسان" 1/ 767 (حير).

(١١) انظر: "اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.

(١٢) انظر: "الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.

(١٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.

(١٤) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244.

(١٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 235، وذكره الشوكاني ونسبه لجماعة المفسرين، ورجحه.

"فتح القدير" 5/ 104.

(١٦) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244، "فتح القدير" 5/ 105، شرحه ثم قال: وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له.

فلا يظهر للهوي معنى صحيح.

<div class="verse-tafsir"

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ٢

قوله تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ يعني النبي -  - يقول: ما ضل عن طريق الهدى وما غوى.

قال مقاتل: يعني ما تكلم بالباطل (١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 245.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ٣

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه.

قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا -  - يقول القرآن من تلقاء نفسه، فنزلت هذه الآيات (١) قال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه.

(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.

<div class="verse-tafsir"

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ ٤

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ إنْ بمعنى ما (١) قال الكلبي ومقاتل: ما القرآن إلا وحي من الله -عز وجل- يأتي به جبريل، فذلك قوله: (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.

<div class="verse-tafsir"

عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ٥

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ (١) (٢)  ، والقوى جمع قوة (١) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"الوسيط" 4/ 193.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"جامع البيان" 27/ 25، و"ابن كثير" 4/ 247.

<div class="verse-tafsir"

ذُو مِرَّةٍۢ فَٱسْتَوَىٰ ٦

﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ .

قال الكلبي: ذو شدة (١) (٢) ومعنى المِرَّة في اللغة شدة الفتل وشدة أسر الخلق، ومنه الحديث: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوي" (٣) وأصل المرة من أمررت الحبل أي: شددت قتله، وكل قوة من قوى الحبل مرة، وجمعها مِرر (٤) ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ (٥) ﴿ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ (٦) ثم قال: ﴿ فَاسْتَوَى ﴾ قال صاحب النظم: ﴿ فَاسْتَوَى ﴾ لا يحسن انتظامه بما قبله؛ لأن دخول الفاء لو كان متصلاً بما قبله لوجب أن يكون ما قبله للاستواء، وهو متصل بما بعده على تأويل ﴿ فَاسْتَوَى ﴾ أي جبريل ﴿ وَهُوَ ﴾ أي النبي -  -، وعلى هذا عطف بقوله ﴿ وَهُوَ ﴾ على الضمير المرفوع في ﴿ اسْتَوَى ﴾ من غير تأكيد.

قال الفراء: وأكثر كلام العرب إذا نسقوا على المكنى المرفوع أن يؤكدوه (٧) ألم تر أن النبع يصلب عوده ...

ولا يستوى والخروع المتقصف (٨) قال أبو إسحاق: وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إِلَّا في الشعر، وإنما المعنى: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على (٩)  - إذا هبط عليه بالوحي في سورة رجل فأحب رسول الله -  - أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته (١٠) وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قوله: (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"معالم التنزيل" 4/ 245.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"جامع البيان" 27/ 25، عن ابن زيد، ومجاهد، وسفيان.

(٣) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 164، 192 والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة 3/ 42، وأبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى 1/ 407، وابن ماجه في الزكاة 1/ 580 (26).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196 (مر).

(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 87.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.

(٧) في (ك): (يؤكده، فيقول).

(٨) انظر: "معاني القرآن" 3/ 95، و"القطع والائتناف" ص 68، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 85، ولم أجد البيت منسوبًا.

(٩) في (ك): (على) ساقطة.

(١٠) انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 70.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ بِٱلْأُفُقِ ٱلْأَعْلَىٰ ٧

﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ مرتفع ﴿ هُوَ ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿ بِالْأُفُقِ ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى  ﴾ ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ فقوله: ﴿ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله: قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ...

كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا (١) انتهى كلامه (٢) وعلى ما قالا: الواو في ﴿ وَهُوَ ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل.

وقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿ هُوَ ﴾ ضميرًا لجبريل.

قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -  - جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه (٣) وقال مقاتل ﴿ وَهُوَ ﴾ يعني جبريل ﴿ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾ يعني من قبل المطلع (٤) وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس (٥) (٦) ﴿ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾ (٧) قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -  - في صورة الآدميين فسأله رسول الله -  - أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين.

مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا (٨)  - كان بحراء (٩)  - مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا (١٠) ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ  ﴾ ، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ .

هذا، ولم يره أحد من الأنبياء (١١)  - (١٢) وقوله: ﴿ الْأَعْلَى ﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء.

وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس: فقد طوفتُ بالآفاق حتى ...

رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب (١٣) ويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد -  -.

(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في "ديوانه" ص 177، و"الكتاب" 1/ 390، و"الخصائص" 2/ 2، و"الإنصاف" ص 475.

(٢) لم أجده.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، وفي صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة == النجم 6/ 176، عن ابن مسعود بلفظ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ...

رأي جبريل له ستمائة جناح.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291.

(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق 2/ 250، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.

(٧) عند تفسيره لآية (53) من سورة فصلت.

حيث قال: واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء أطرافها ونواحيها.

(٨) قوله: (وذلك أن محمدًا) زيادة من "الوسيط" حيث لم تظهر في (ك).

(٩) حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.

(١٠) في (ك): (ومثل هذا) لم تظهر ولعل ما أثبته يقيم العبارة.

(١١) في (ك): (الأنبياء) مطموسة.

(١٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 4 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 245، و"زاد المسير" 8/ 65.

(١٣) تقدم تخريجه.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ التدلي مطاوع التدلية (١) (٢) وقال صاحب النظم: هذا من التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو (٣) قال ابن الأعرابي: تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، ويقال: تدلى فلان علينا من أرض كذا، أي: أتانا، يقال: من أين تدليت علينا.

قال أسامة الهذلي (٤) تَدَلَّى عَلَينا وهْوَ زُرْقٌ جِمَامُهُ ...

له طِحْلِبٌ في مُنْتَهَى القَيْضِ هَامِدُ (٥) وقال لبيد: فَتَدَلَّيْتُ عليه قَافِلًا ...

وعلى الأرضِ غَيَايَاتُ الطَّفَل (٦) أراد أنه نزل من مر بابه وهو على فرسه راكب.

ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل (٧) (٨) وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد -  - (٩) وقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى (١٠) قال أبو إسحاق: معنى (دنا فتدلى) واحد، لأن المعنى أنه قرب، وتدلى زاد في القرب كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز (١١) قال أبو بكر بن الأنباري: معنى الآية: ثم تدلى جبريل فدنا من محمد -  -، فقدم (دَنَا) على (تدلى) لأن الفعلين المصطحبين اللذين إذا وقع أحدهما موقع الآخر كان تقدم المتقدم كتأخره، كقولك: دنوت فقربت، وقربت فدنوت، لا فرق بينهما، وكذلك ظلمتني فأسأت، بمنزلة: أسأت فظلمتني، ومنه قوله: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ  ﴾ .

معناه انشق القمر واقتربت الساعة (١٢) (١) انظر: "التفسير الكبير" 28/ 285، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 247، و"تفسير القاسمي" 15/ 5557.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.

(٣) انظر: "التفسير الكبير" 28/ 286، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89.

(٤) أسامة بن الحارث الهذلي، يكنى أبا سهم، كان من بني عمرو بن الحارث، عاش في الجاهلية وصدر الإسلام.

انظر: "الشعر والشعراء" 419، الإصابة 1/ 20، و"ديوان الهذليين" 2/ 152، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 14.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1009 (دلا)، وروايتهما: زرق حمامةٍ، وكذا ذكرها المؤلف، وفي زيادات "ديوان الهذليين" 3/ 1351: زرقٌ جمامهُ، وهو الصواب.

ومعناه الماء الصافي الكثير.

(٦) انظر: "ديوان لبيد" ص 145، غيايات الطفل: هو ظل الشمس بالعشي.

"اللسان" 599/ 2 (طفل)، 1/ 1039 (غيا).

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1008 (دلا).

(٨) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 95.

(٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 246.

(١٠) انظر: "الوسيط" 4/ 193، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.

(١١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 70.

(١٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89، و"فتح القدير" 5/ 106، وهو قول الفراء أيضًا.

انظر: "معاني القرآن" 3/ 95.

<div class="verse-tafsir"

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ٩

﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية (١) قال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج (٢) وقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح.

كله بمعنى القدر (٣) (٤) قال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين (٥) قال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله -  - مقدار قوسين (٦) وقال الكلبي: ﴿ قَابَ قَوْسَيْنِ ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين (٧) وقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين (٨) والمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي (٩) وقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين (١٠) وروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع.

وهذا قول شقيق (١١) (١٢) قال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه (١٣) والقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز.

وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة  ا في قوله (١٤) (١٥) (١٦) وقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك (١٧) قال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا (١٨) ﴿ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ (١٩) ومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي -  - في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.

(١) سية القوس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، وقيل: رأسها، وقيل: ما اعوج من رأسها.

"اللسان" 2/ 255 (سيا).

(٢) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 71، و"اللسان" 3/ 11 (قوب).

(٣) انظر: "إصلاح المنطق" ص 89، ولفظه: قاب قوس وقيب قوس، وقيس رمح وقاس رمح ..

، و"تهذيب اللغة" 9/ 247 (قاد).

(٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"القرطبي" 17/ 89.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 5/ 71.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الوسيط" 4/ 194، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"زاد المسير" 8/ 76.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"جامع البيان" 27/ 27.

(٩) انظر: "الوسيط" 4/ 194.

(١٠) انظر: "جامع البيان" 27/ 27.

(١١) في (ك): (سفيان) والصواب ما أتبته.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194، "القرطبي" 17/ 90.

== قال ابن حجر: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر، والقوسان الذراعان، ويؤيده أنه المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قاب رمح أو نحو ذلك.

"فتح الباري" 8/ 610.

(١٣) انظر: "إصلاح المنطق" 137، و"تهذيب اللغة" 9/ 225 (قاس).

(١٤) في (ك): (في قوله) ساقطة.

(١٥) انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب قوله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ 1/ 159، و"جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194.

(١٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 251، و"ابن كثير" 4/ 249، و"فتح الباري" 8/ 608.

(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 71.

(١٩) من آية (147) من سورة الصافات.

قال: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ قال أبو عبيدة: أو هاهنا ليست شك، وقالوا هي في موضع الواو ..

وهو قول قطرب واختيار ابن قتيبة، ومثله (أَوْ أَدْنَى) ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى (بل)، وبه قال الفراء وهو قول مقاتل والكلبي ...

وقال الأخفش: كانوا كذلك عندكم ..

وبه قال الزجاج.

<div class="verse-tafsir"

فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِۦ مَآ أَوْحَىٰ ١٠ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١

قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -  - ما أوحى الله إليه (١) وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -  -، هذا قول الحسن، وابن زيد (٢) (٣) قوله: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ...

غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ (٤) أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.

قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -  - ربه ليلة المعراج.

قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه (٥) وقال في رواية باذان: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ ﴾ يعني فؤاد رسول الله -  -، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه (٦) وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه (٧) وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده (٨) (٩)  - ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين (١٠) ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس (١١) (١٢) (١٣) وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -  - (١٤) وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين (١٥) وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا (١٦) قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه (١٧) وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية.

يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم (١٨) (١٩) وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد (٢٠) (٢١) وأنكرت عائشة  ا رؤية محمد -  - ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل (٢٢) (٢٣) ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ (٢٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.

(٢) انظر: "جامع البيان" 28/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 6 أ، و"الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، و"معاني القرآن"، للزجاج 5/ 71.

(٤) انظر: "ديوان الأخطل" 1/ 105، و"الكتاب" 3/ 174، و"الخزانة" 6/ 9، و"مغني اللبيب" ص 45، و"المقتضب" 3/ 295.

(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -عز وجل- ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ 1/ 158، بلفظ (رآه بقلبه).

قال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -  - بعينه، إنما رآه بقلبه.

"فتح الباري" 8/ 608.

(٦) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الدر" 6/ 125، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.

(٧) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، 5/ 369، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في "جامعه" 27/ 28، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 251.

(٨) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ 1/ 158 ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و"مسند الإمام أحمد" 2/ 223، و"الطبري" 27/ 29.

(٩) رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و"فتح الباري" 8/ 608.

(١٠) انظر: "شرح النووي على مسلم" 3/ 6، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 92.

(١١) رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و"فتح الباري" 8/ 608.

(١٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253.

(١٣) صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 - 6، و"فتح الباري" 8/ 608، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.

(١٤) أخرجه الحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم 2/ 469 وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.

وانظر: "فتح الباري" 8/ 606.

(١٥) أخرجه الترمذي في كتاب "التفسير" 5/ 368، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين.

وابن جرير في "تفسيره" 27/ 31، وذكر عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 252 قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال ..

وذكر كلام كعب.

(١٦) قال ابن كثير رحمه الله: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة  م، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250.

قلت: وما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه.

والخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي.

انظر: "فتح القدير" 8/ 608، و"روح المعاني" 27/ 53.

وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس "أنه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح.

وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ...

والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة ..

ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه.

وكذلك الإمام أحمد ..

لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.

"مجموع الفتاوى" 6/ 507، 509.

قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم.

وانظر: "زاد المعاد" 3/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250 - 251، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 222 - 26، و"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 835 - 841.

(١٧) انظر: "التفسير الكبير" 28/ 289.

(١٨) في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 170، و"اللسان" 3/ 233 (كذب).

(٢٠) قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة.

انظر: "حجة القراءات" ص 65، و"النشر" 2/ 39، و"الإتحاف" ص 402.

(٢١) انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 264، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى ..

لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.

"جامع البيان" 27/ 29.

قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -  - وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -  - مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.

(٢٢) انظر: "سنن الترمذي" كتاب التفسير 5/ 368، عن مسروق، عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 249، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.

(٢٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 252.

(٢٤) قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة.

وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي.

وقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي.

انظر: "فتح الباري" 8/ 607 - 608.

<div class="verse-tafsir"

أَفَتُمَـٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢

قوله تعالى: ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله -  - فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية (١) وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) (٢) (٣) لئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ...

لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا (٤) قال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و (على) في موضح عن (٥)  - والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي -  - حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس (٦) (٧) (٨) واختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة (٩) قال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو (١٠) ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ  ﴾ ، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك (١١) وقد صح المعنيان عند (١٢) (١٣)  - والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا (١٤) وأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.

(١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 83، و"تخريجات الكشاف" 160، وقال: أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" ..

ورواه البيهقي في الدلائل، والطبراني من طريق سعيد.

عن قتادة مطولًا نحوه، ورواه الحاكم في "الدلائل" أيضًا، وقال البيهقي: هكذا قال عباس بن الفضل الأزرق، وليس بالقوى، وأهل المغازى يقولونه عتبة أو عتيبة.

وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 2/ 339.

(٢) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب (أَفَتَمْرُونَهُ) مفتوحة التاء بغير ألف.

وقرأ الباقون: (أَفَتُمَارُونَهُ) بألف.

انظر: "حجة القراءات" 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 402.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 96، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"جامع البيان" 27/ 29، و"الوسيط" 4/ 197.

(٤) ورد البيت غير منسوب في "الكشاف" 4/ 38، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"البحر المحيط" 8/ 159، و"تخريجات الكشاف" 4/ 87.

ومعناه: لئن ذممت أخا صدق ومكرمة، فقد غلبته في الجدال وأنفدت ما عنده أو جحدت حقه كأنك أخذت منه أو تسببت في إخراجه ما عنده فيذمك كما ذمته.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 283 (مرى).

(٦) بيت المقدس.

يطلق على الأرض المباركة وعلى الطور الذي كلم الله موسى عليه.

والمراد به عند الإطلاق المسجد الأقصى.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 193.

(٧) الشام: سميت بذلك لأن قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا بها إليها.

وقيل غير ذلك طولها من الفرات إلى العريش نحو شهر، وعرضها نحو عشرين يومًا.

انظر: "معجم البلدان" 3/ 353.

(٨) انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"معالم التنزيل" 4/ 247، و"القرطبي" 17/ 93.

(٩) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93، و"فتح القدير" 5/ 106.

قال النحاس: غير أن أبا حاتم حُكي أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه.

قال وفي هذا طعن علي جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة ...

والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجماعة، غير أن الأولى من ذكرنا من الصحابة، فاما أن يقال لم يماروه فعظيم؛ لأن الله جل وعز قد أخبر أنهم قد جادلوا، والجدال هو المراءَ ولا سيما في هذه القصة ..

"إعراب القرآن" 3/ 265.

(١٠) (هو) ساقطة.

(١١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 230.

(١٢) (عند) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.

(١٣) (على) ساقطة من (ك) وبها يستقيم الكلام.

(١٤) انظر: "الوسيط" 4/ 197، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 93.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ١٣

معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ أكثر العلماء على أن اههنى أشبه رأى جبريل في صورته مرتين على ما ذكرنا (١) وقال ابن عباس: رأى ربه على ما ذكرنا في قوله: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ .

وعلى هذا معنى قوله: (نَزْلَةً أُخْرَى) يعود إلى محمد -  -، وقد روي أنه كانت له عرجات في تلك الليلة لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فيحتمل أنه رأى ربه -عز وجل- في بعض تلك النزلات (٢) (وهو) أي محمدًا -  -.

(١) وفي "صحيح مسلم" أن عائشة سألت النبي -  - عن قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ فقال: إنما هو جبريل.

لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض.

كتاب: الإيمان، باب ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ 1/ 159.

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 247، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 94.

قال ابن حجر: وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي -  - فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع وعرف أنها حصلت لمحمد -  - قصد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته ليرى من رأى.

قال الشيخ ابن باز في تعليقه على هذه الحكمة: "ليست بشيء، والتحقيق أن النبي -  - لم ير ربه ..

" فتح الباري 1/ 463.

<div class="verse-tafsir"

عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ١٤

﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَ ﴾ ، والسدر في اللغة: ضرب من شجر النبق (١) قال عطاء عن ابن عباس: وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها (٢)  - حين تدلى إليه الرفرف (٣) وقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة إنتهى إليها علم كل ملك (٤) وقال عبد الله: سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى لا يعدوها (٥) وقال أبو هريرة: لما أسري بالنبي -  - انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك على سنتك وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء إلى قوله: ﴿ عَسَلٍ مُصَفًّى  ﴾ وهي شجرة يسير الراكب في ظلمها مائة عام لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها (٦) (٧) وروى قتادة عن أنس، أن رسول الله -  - قال: "لما عرج بي إلى السماء السابعة رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة وإذا نبقها مثل قلال (٨) (٩) (١٠) (١١) وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سألت كعبًا: ما سدرة المنتهى؟

قال: سدرة ينتهي إليها علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم (١٢) فهذا ما ذكره المفسرون ورووه في سدرة المنتهى (١٣) ومعنى المنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة هناك وعندها تنتهي الملاكة والنبيون، فلذلك أضيفت السدرة إلى المنتهى.

(١) في (ك): (البر).

والنَّبِق: بتشديد النون وكسر الباء ثمر السدر.

"اللسان" 3/ 570 (نبق).

(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 150 عن ابن عباس قال: سألت كعبًا ...

، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"جامع البيان" 27/ 31 عن كعب، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95 عن كعب أيضًا.

(٣) لم أجد من قال بأن النبي -  - تجاوز سدرة المنتهى، وقد نقله النووي عن الواحدي في شرحه على مسلم 2/ 214، ونسبه لابن عباس والمفسرين، والذي في الصحيح: (ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك).

والرفرف هو المذكور في الصحيح حيث قال: (رأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق).

يوضحه ما أخرجه النسائي، والحاكم، عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -  - جبريل -  - على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض).

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء 1/ 9، وكتاب التفسير، باب ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ 6/ 176، و"فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ - ب، و"تنوير المقباس" 5/ 293.

(٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248.

(٦) أخرجه ابن جرير والثعلبي.

انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الكشف والبيان" 12/ 8 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 95، 96.

(٧) أخرجه ابن جرير والفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني.

انظر: "جامع البيان" 27/ 32، و"الدر" 6/ 125.

(٨) القلال: جمع قلة، والقلة الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، وقيل: الكور المغير.

انظر: النهاية 3/ 275.

(٩) هَجَر: قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين، وكانت تعمل بها القلال.

"النهاية" 3/ 275، و"معجم البلدان" 5/ 452.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 130ب.

(١١) لم أجده.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 31، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"القرطبي" 17/ 95.

(١٣) المنتهى: بمعنى الانتهاء -على اختيار ابن جرير- فكأنه قيل عند سدرة الانتهاء، وجوز العموم في كل ما روي عن المفسرين في هذا المعنى حيث لم يرد خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض فلا قول فيه أصح من القول الذي قال ربنا  ، وهو أنها سدرة المنتهى.

"جامع البيان" 27/ 31.

<div class="verse-tafsir"

عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ ١٥

قوله تعالى: ﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة (١) وقال مقاتل، والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء (٢) وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء.

وهذا قول أكثر المفسرين (٣)  ا هي جنة من الجنان (٤) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"معالم التنزيل" 4/ 248.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، "المصنف" لابن أبي شيبة 13/ 150، و"الحلية" 5/ 381، و"تنوير المقباس" 5/ 293.

(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.

(٤) لم أجده.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ١٦

قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾ إذ متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ واختلفوا في الذي كان يغشى السدرة في ذلك الوقت فروي أن النبي -  - سئل ما غشيها؟

قال: "فراش من ذهب" (١) (٢) وروى الضحاك عنه: قال رسول الله -  -: "رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب" (٣) (٤) وقال مقاتل: غشيتها الملائكة (٥) (٦) وروي أن النبي -  - قال: "رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله -عز وجل-" (٧) وقال إبراهيم، ومجاهد: رفرف أخضر (٨) وقال السدي: غشيها طيور من فوقها (٩) وروي مرفوعًا: "غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد ينظر إليها" (١٠) (١) قلت: الذي عند الترمذي في كتاب التفسير 5/ 367 (3276) قال ابن مسعود: ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾ قال: السدرة في السماء السادسة، قال سفيان: فراش من ذهب ..) الحديث.

قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.

وتقدم في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه -  - قال: (وغشيها ألوان لا أدري ما هي.).

والأقوال المروية عن الأئمة إن صحت نسبتها إليهم في تفسير الآية اجتهادات منهم، ربما لم يبلغهم الحديث الصحيح، والله تعالى أعلم.

(٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"الكشف والبيان" 12/ 9 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.

(٣) أخرجه ابن جرير، انظر: "جامع البيان" 27/ 33.

(٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"معالم التنزيل" 4/ 248.

(٥) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 48، و"القرطبي" 17/ 96، ولم أجده في "تفسير مقاتل".

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 198، وذكر غيره من المفسرين هذا القول منسوبًا للربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة.

وذكروا قول الحسن بلفظ: (غشيها نور رب العالمين فاستنارت).

انظر: "الكشف والبيان" 9/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 248، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 96، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.

(٧) قال ابن حجر: أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قيل يا رسولى الله: أي شيء رأيت يغشى تلك الشجرة، فذكره وأتم منه.

وعبد الرحمن ضعيف، وهذا معضل.

"تخريجات الكشاف" 4/ 335، وأخرجه الثعلبي بلفظ: == ويروى أن رسول الله -  - ..

بدون سند.

"الكشف والبيان" 12/ 9 ب.

وانظر: "جامع البيان" 27/ 33، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 252.

(٨) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، و"فتح القدير" 5/ 107.

(٩) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 248.

(١٠) لعل مراد المؤلف رحمه الله ما ورد في الصحيح وقوله -  -: "فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ..

" "صحيح مسلم"، كتاب: الإيمان" باب: الإسراء برسول الله -  - ..

1/ 146.

<div class="verse-tafsir"

مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧

قوله تعالى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد النبي -  -؛ لأن الله تعالى أعطاه من القوة ما قوي به على النظر إلى الآيات (١) فعلى هذا القول معنى الآية ما ملَّ بصره من رؤية الآيات خوفًا وجزعًا.

وروى مسلم عن ابن عباس: ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به (٢) (٣) وعلى هذا معنى الآية وصف أدب النبي -  - في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات واستقبله من العجائب، فمعنى زيغ البصر: التفاته من الجانبين وطغيانه أنه يمد بصره أمامه إلى حيث ينتهي يقول: لم يفعل ذلك.

(١) لم أقف عليه (٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 97، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 469 عن مجاهد عن ابن عباس وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وزاد الذهبي وعلى شرط مسلم أيضًا.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، و"الوسيط" 4/ 198، و"معالم التزيل" 4/ 249، و"تفسر القرآن العظيم" 4/ 252.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ ١٨

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ يجوز أن تكون الكبرى من صفة الآيات وحدت لتوافق الفواصل، ويجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى الواحدة، كقوله: ﴿ مَآرِبُ أُخْرَى  ﴾ وهذا معنى قول عطاء، والكلبي (١) (٢) ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ \[الإسر اء: 1\].

ويجوز أن تكون ﴿ الْكُبْرَى ﴾ نعت محذوف على تقدير: لقد رأى من آيات ربه الكبرى (٣) واختلفوا في تلك الآية فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: رأى جبريل قد طبق الأفق في صورته التي خلق فيها له ستمائة جناح (٤) (٥) قال عبد الله: رأى رفرفًا أخضر (٦) وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى (٧) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"التفسير الكبير" 28/ 295، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99.

ولعل في العبارة سقط واستقامتها: لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى.

والله أعلم.

(٤) انظر: "الوسيط" 4/ 198، و"فتح القدير" 5/ 107.

(٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98.

(٦) انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ 6/ 176، و"جامع البيان" 27/ 34، و"معالم التنزيل" 4/ 249، وروى النسائي == والحاكم عن ابن مسعود قال: (أبصر نبي الله -  - جبريل -  - على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض).

قال ابن حجر: فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل، والصفة التي كان عليها.

"فتح الباري" 8/ 611، و"المستدرك" 2/ 469.

قلت: وبهذا تجتمع الأقوال في أن المراد بالآيات "الكبرى" هو جبريل -  -، حين رآه النبي -  - في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.

وانظر: "سنن الترمذي" 5/ 370، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(٧) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 98، و"فتح القدير" 5/ 107.

قلت: لعل ما ذكر عن السلف في تفسير هذه الآية هو من باب ذكر بعض ما رآه -  -.

قال القرطبي: وقيل: هو ما رأى تلك اليلة في مسراه في عوده وبدئه، وهو أحسن، دليله ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ "الجامع" 17/ 98.

ونحوه ذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 252 وحمل الآية على عموم ما رآه أولى.

قال ابن جرير: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى."جامع البيان" 27/ 34.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ ١٩

قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء (١) ومعنى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ ﴾ وقد مر (٢) وتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره.

قال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي -  - (٣) (٤) ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ ﴾ إن شاء الله.

قال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟

وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ  ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا  ﴾ فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلاًّ في قوله: ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا (٥) بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة (٦) فأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم (٧) قال قتادة: هي بالطائف (٨) (٩) (١٠) وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة (١١) (١٢) وقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش (١٣) واختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين (١٤) روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه (١٥) (١٦) وزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ (١٧) (١٨) ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء (١٩) ووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء (٢٠) (٢١) وقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى (٢٢) (٢٣) قال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها، ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿ وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ  ﴾ فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي (٢٤) وقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف.

فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ  ﴾ ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه (٢٥) وأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن (٢٦) والذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وأما العُزّى قال عطاء: هي صنم (٣٤) (٣٥)  - خالد بن الوليد فقطعها ويقول: يا عز كفرانك لا سبحانكِ ...

إني رأيت الله قد أهانكِ فخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله -  - فأخبره فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا" (٣٦) وقال قتادة: كاذت العزى لقريش (٣٧) (٣٨) وقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني (٣٩) وأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة (٤٠) (١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 72.

(٢) من آية (50) من سورة يونس.

(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 99.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 72، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 268.

(٥) البيت لأبي دواد الإيادي، وهو جارية بن الحجاج.

انظر: "ديوانه" 353، و"الكتاب" 1/ 66، و"الكامل" 1/ 287، و"الإنصاف" 743، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 21، و"الأصمعيات" 191.

وصدره: أكل امرئ تحسبين أمرأً (٦) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 78 - 79، و"الكتاب" 1/ 66.

(٧) لم أقف على هذه الرواية، والجمبع على أن اللات اسم لصنم.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، "الكشف والبيان" 12/ 10 أ.

(٩) ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال لهم ثقيف، وكانت منازلهم بالطائف على مرحلتين من مكة.

انظر: "نهاية الأرب" ص 186.

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.

(١١) نخلة: موضع بين مكة والطائف.

قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 449، و"فتح الباري" 8/ 674.

(١٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 35.

(١٣) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، ولفظه (أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها).

قال ابن حجر: (وكانت اللات بالطائف، وقيل بنخلة، وقيل بعكاظ، والأول أصح).

"فتح الباري " 8/ 612.

(١٤) ومنهم ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأبو صالح، والكلبي.

انظر: "جامع البيان" 27/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع" للقرطبي 17/ 100.

(١٥) "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، باب ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾ 6/ 176 ولفظه: (كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج).

قال ابن حجر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء == عن ابن عباس، ولفظه فيه زيادة (كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه) "فتح الباري" 8/ 612.

(١٦) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 294، و"الكشف والبيان" 12/ 10 أ.

(١٧) قال الأصمعي: سَلأتُ السَّمْنَ أسْلأُه سَلأً.

قال: والسِّلاء الاسم وهو السَّمن.

"تهذيب اللغة" 13/ 70 (سلأ).

(١٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100.

(١٩) قرأ رويس (الَّلاتَّ) بتشديد التاء وبمدٍ للساكنين، وهي قراءة ابن عباس، ومجاهد، ومنصور ابن المعتمر، وطلحة، وأبي الجوزاء.

والقراءة المتواترة (اللَّاتَ) بالتخفيف.

انظر: "النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" 403، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 100، و"البحر المحيط" 8/ 160.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 97، و"تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت)، و"اللسان" 3/ 340 (لتت).

(٢١) انظر: "معاني القرآن" 5/ 73.

(٢٢) انظر: "جامع البيان" 27/ 34، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 249.

(٢٣) انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 253 (لت).

(٢٤) انظر: "الكتاب" 1/ 371.

(٢٥) لم أقف عليه.

(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 158.

(٢٧) (والعزى) ساقطة من (ب).

(٢٨) يغوث: صنم كان لمذحج.

وهو اسم صنم كانن لقوم نوح كما هو في سورة نوح.

(٢٩) يعوق: اسم صنم لكنانة.

وقيل: كان لقوم نوح.

(٣٠) نسر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير.

وهذه الأصنام ذكرها الله تعالى في سورة نوح فهي بلا شك لقومه.

وأخذ المشركون منها أسماء آلهتهم.

(٣١) مناة: صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.

(٣٢) في (ك): (تعرفها).

(٣٣) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 359، و"الكتاب" 1/ 267.

(٣٤) انظر: "فتح القدير" 5/ 108، و"روح المعاني" 27/ 55، ولم ينسباه لقائل.

وقيل العزى: شجرة قديمة قدسها العرب في بلدة نخلة الثامية إلى الشمال من مكة، وكانت قريش وبعض قبائل الحجاز مثل غني، وباهلة تعظمها.

انظر: "أطلس تاريخ الإسلام".

وقال ابن كثير: كانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، و"البداية والنهاية" 4/ 316.

(٣٥) غطفان: بطن عظيم متسع، كثير الشعوب والأفخاذ، من قيس عيلان من العدنانية، كانت لهم منازل بنجد مما يلي وادي القرى، وجبل طىء.

انظر: "معجم البلدان" 3/ 888.

(٣٦) اقتصر البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 77 على قوله -  -: "تلك العزى".

وفي "الطبقات" 2/ 146 بلفظ: "نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدًا"، وكذا الواقدي في "المغازي" 3/ 874.

(٣٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"الدر" 6/ 127.

(٣٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"روح المعاني" 27/ 55.

(٣٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 10 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 249.

(٤٠) انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 361 - 363.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ ٢٠

قوله تعالى: ﴿ وَمَنَاةَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين (١) وقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار (٢) (٣) ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا (٤) (٥) قال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير: أزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ...

تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ (٦) ﴿ الثَّالِثَةَ ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و ﴿ الْأُخْرَى ﴾ نعت لمناة أيضًا.

(١) لم أقف على هذه الرواية.

وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 250.

(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"فتح الباري" 8/ 613.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء، 3/ 98، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.

وهذيل: ابن مدركة بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، ثم تفرقوا بعد الإسلام.

انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1213.

== وخزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وكانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه من جبالهم الأبواء، وهو جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات.

"معجم قبائل العرب" 1/ 238.

(٤) وفي "الصحاح" ..

من قولك منوت الشيء.

"اللسان" 3/ 541 (مني).

وقال النحاس: من مَنَى الله -عز وجل- عليه الشيء: أي قدَّره.

"إعراب القرآن" 3/ 26.

وقيل: من مني يمني: صب؛ لصب دماء النحائر عندها.

"الإتحاف" ص 403.

وانظر: "الكشاف" 4/ 39، و"محاسن التأويل" 15/ 5571.

(٥) قرأ ابن كثير (ومَنَاءَةَ) بهمزة مفتوحة بعد الألف فيمد مدًا متصلاً.

وقرأ الباقون "مناة" انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.

(٦) انظر: "ديوان جرير" 1/ 332، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 232، "البحر المحيط" 8/ 161، و"المُحرر" 15/ 267.

<div class="verse-tafsir"

أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ ٢١

قوله تعالى: ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ﴾ مذهب جماعة من المفسرين أن هذه الآية وما بعدها معترضة بين قصة الأصنام، فإن هذه لا تعلق لها بما قبلها (١) قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وجعلوا لأنفسهم البنين كما قال: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ  ﴾ وهذا مذهب السدي ومقاتل (٢) قال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام والملائكة بنات الله فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك، فقال الله تعالى منكرًا عليه ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ ﴾ يعني البنين، ﴿ وَلَهُ الْأُنثَى ﴾ يعني ما نحلوه من الأصنام -وهي إناث في أسمائها- والملائكة (٣) (٤) (١) قال النحاس: يجوز أن يكون مقدمًا ما ينوي به التآخير.

"إعراب القرآن" 3/ 268.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"تفسير مقاتل" 130 ب.

(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98، و"تفسير غريب القرآن" 428، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 72 - 73.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ إِذًۭا قِسْمَةٌۭ ضِيزَىٰٓ ٢٢

قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴾ .

القراء على ترك الهمز من (ضِيزَى)، وقرأ ابن كثير (ضِئزى) بالهمز (١) قال ابن السكيت: يقال: ضِزْتُه حَقَّه أي نقصته.

وقال أبو زيد: (ضِيزى) جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزًا، قال: وضأز، يضأز مثله.

وأنشد أبو زيد فقال: إن تَنْأَ عنَّا نَنتَقِصْك، وإن تُقِم ...

فحظُّك مَضْؤزُ وأنفُكَ راغِمُ (٢) وقال ابن الأعرابي: تقول العرب: قسمةٌ ضُؤْزَى بالضم والهمز وضُوزى بلا همزٍ وضِيئِزَى بالكسر والهمز (٣) قال الفراء: ضيزى فعلى وإن رأيت أولها مكسورًا وهي مثل بيض وعين، كان أولها مضمومًا فكرهوا أن يترك على ضمته فيقال: بوضٌ وعونٌ، والواحدة بيضاء وعيناء فكسروا أولها ليكون بالياء ويتألف الجمع والاثنان والواحد، كذلك كرهوا أن يقولوا ضُوزى فتصيرُ بالواو وهي من الياء وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح أو بضم نحو سَكْرى وعطشى وحُبْلى، والمكسور يكون اسما ولا يكون نعتًا كالذكرى والدِّفْلى (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: أجمع النحويون أن أجل ضيزى ضوزى فنقلت من فُعْلَى إلى فِعْلَى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيضٌ، وأصله بُيْضُ فنقلت الضمة إلى الكسرة، وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لم يعرفوا الكلام فُعْلَى صفةً، ونظير ضيزى في الكلام قولهم: مِشْيِةً حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها.

فحِيكى عندهم فُعْلَى أيضًا (٦) وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قولهم قسمة ضيزى ومشية حِيكَى فإن النحويين يحملوه على أنه في الأصل فُعْلَى وإن كان اللفظ علي فِعْلَى كما أن البيوت والعِصيَّ في الأصل فعولٌ وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فُعْلى دون ما عليه اللفظ؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئًا على فُعلى وكان القياس أن يقال ضوزى وأن لا يُحْفَل بانقلاب الياء إلى الواو وكأنهم آثروا الكسرة والياء على الضمة والواو من حيث كانت الكسرة والياء أخف عليهم، ولم يخافوا التباسًا حيث لم يكن في الصفة شيء على فِعْلى فإن قلت: كيف قالوا: إن فِعلى لا تكون في أبنية الصفات وقد قال أحمد بن يحيى: رجل كِيصى إذا يأكل وحده، وقد كاص طعامه إذا أكله وحده؟

قيل إن سيبويه قال: لم تجئ فِعْلَى صفة (٧) (٨) (٩) (١٠) وأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقتادة: ضيزى جائرة (١١) (١٢) وقال الحسن: غير معتدلة (١٣) (١٤) (١٥) والمعنى: تلك القسمة التي قسمتم من نسبة البنات إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.

(١) قراْ ابن كثير (ضئْزَىَ) بهمزة ساكنة، وقرأ الباقون (ضيزى) بياء مكان الهمزة.

انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.

(٢) البيت للقطامي كما في "جامع البيان" 27/ 36، و"المذكر والمؤنث" ص 175، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 102، و"تهذيب اللغة" 12/ 53، (ضاز)، و"اللسان" 2/ 503 (ضأز).

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 53 (نضم).

(٤) في (ك): (الدفري) والصواب ما أثبته.

والدِّفْلىَ: شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية.

"اللسان" 1/ 994 (دفل).

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 98 - 99، و"اللسان" 2/ 559 (ضيز).

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 73، و"المذكر والمؤنث" ص 175.

ومشية حيكىَ إذا كان فيها تبختر.

"اللسان" 1/ 771 (حيك).

(٧) انظر: "الكتاب" 2/ 371.

(٨) انظر: "مجالس ثعلب" 2/ 323 - 324، و"تهذيب اللغة" 10/ 309، و"اللسان" 3/ 20 (كأص).

(٩) الهِجْرَعَ: من صنف الكلاب السلوقية الخفاف، والهِجْرَعَ، الطويل الممشوق.

"اللسان" 3/ 774 (هجرع).

(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 234، و"التكملة" لأبي علي ص 317 - 318.

(١١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"جامع البيان" 27/ 36، و"البغوي" 4/ 250.

(١٢) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 130 ب.

(١٣) انظر: الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 250.

(١٤) (ك): (ناقة) ولعل الصواب ما أثبته، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: جائزة.

"الدر" 6/ 127، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب.

(١٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 36، و"روح المعاني" 27/ 57.

<div class="verse-tafsir"

إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ ٢٣

قوله تعالى: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.

قوله: ﴿ إِنْ هِيَ ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة.

يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة (١) ثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس، وهو ما زين لهم الشيطان ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.

وهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.

ثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 130 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 251.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لِلْإِنسَـٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤

﴿ أَمْ لِلْإِنْسَانِ ﴾ يعني الكافر (مَا تَمَنَّى) من شفاعة الأصنام (١) (١) ذكر بعض المفسرين هذا القول ومنهم من فسر التمني بما كانوا يشتهونه من نزول القرآن على رجل من إحدى القريتين عظيم، وقيل غير ذلك.

قال الألوسي: ويفهم من كلام بعض المحققين أن المراد السلب الكلي، والمعنى: لا شيء مما يتمناه الإنسان مملوكًا له مختصًا به يتصرف فيه حسب إرادته، ويتضمن ذلك نفي أن يكون للكفرة ما ذكر وليس الإنسان خاصًا بهم كما قيل.

"روح المعاني" 27/ 58.

وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 254، و"البحر المحيط" 8/ 163.

<div class="verse-tafsir"

فَلِلَّهِ ٱلْـَٔاخِرَةُ وَٱلْأُولَىٰ ٢٥

﴿ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ﴾ أي لا يملك فيهما ولا منهما أحد شيئًا إلا بإذنه؛ لأنهما (١) ثم أكد هذا بقوله تعالى: (١) في (ك): (كأنهما) والصواب ما أثبته.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ ٢٦

﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَك ﴾ الكثرة، وذلك أن كم يخبر بها عن العدد الكثير فدل ﴿ كَمْ ﴾ على أنه أراد جمعًا، قاله الفراء، والزجاج (١) قوله: ﴿ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ ﴾ في الشفاعة ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ يعني أنهم لا يشفعون إلا لمن يرضي الله من أهل التوحيد.

قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن  (٢) ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  ﴾ .

قال أبو علي: قوله: ﴿ لِمَن يشَآءُ ﴾ المعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف فصار اللفظ لمن شاءه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة (٣) ثم ذم الله تعالى صنيع الكفار.

(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 99، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 73 - 74.

(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 200، و"معالم التنزيل" 4/ 251.

(٣) انظر: "التفسير الكبير" 28/ 307.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ ٢٧

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: لا يصدقون بالثواب والعقاب (١) ﴿ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى ﴾ حين زعموا أنهم بنات الله، والأنثى تسمى بنتًا فإذا وصفوا الملائكة بالبنات فقد سموها تسمية الإناث، وتسمية الأنثى من باب إضافة المصدر إلى المفعول.

(١) وفي "تنوير المقباس" 5/ 297، قال: (بالبعث بعد الموت، يعني كفار مكة) والمعنى متقارب.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًۭٔا ٢٨

﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ ﴾ ذلك التسمية: ﴿ مِنْ عِلْمٍ ﴾ قال مقاتل: ما يستيقنون بأنها إناث (١) ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد ظنًا ليس بيقين (٢) ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ قال عطاء: يريد لا ينتفعون به (٣) والمعنى لا يقوم مقام الحق ولا يغني من العلم فمعنى الحق هاهنا العلم.

وهذا يدل على أن الظان غير عالم، وأن من بني على الظن لم يبن علي أساس (٤) وقال الكلبي: أي لا يدفع من عذاب الله شيئًا، وهو اختيار الفراء (٥) ثم أمره بالإعراض عنهم: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، وهو المعتمد عندهما ولم ينسباه لقائل.

(٤) قال الشوكاني رحمه الله: وهذا من الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية، لا فيما يكتفى فيه بالظن، وهي المسائل العلمية ...

فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا العمل به في مثل هذه الأمور ...

"فتح القدير" 5/ 112.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.

<div class="verse-tafsir"

فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ٢٩

قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (١) (٢) ثم صغر رأيهم وأزرى بهم.

(١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معالم التنزيل" 4/ 251، و"القرطبي" 17/ 105.

(٢) انظر: "الوسيط" 4/ 201، و"نواسخ القرآن" 233.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ٣٠

فقال: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن.

هذا معنى قول مقاتل (١) وقال أبو إسحاق: أي إنما يعملون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم (٢) (٣) ثم عزّى نبيه -  -، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ أي أنه عالم بهم فهو يجازيهم بما يستحقون ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴾ ، قال ابن عباس: يريد قبل أن يخلق الخلائق (٤) ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل معترض.

قوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ﴾ متعلق بمعنى الآية وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ الآية.

والمعنى أنه أعلم بهم فإذا كان أعلم بهم جازى كلاًّ بما يستحقه.

واللام في قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ لام العاقبة (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 251.

ومعنى الآية على ما ذكر ابن كثير ورجحه الشوكاني، والآلوسي: أن التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين.

انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 255، و"فتح القدير" 5/ 112، و"روح المعاني" 27/ 60.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 74.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 297، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 100.

(٤) لم أجده.

(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 105.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى ٣١

وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه؛ وهذا فيما يؤكد الجزاء، لأنه إنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك واسع المقدرة، ثم أن هذه المعاني، وهي علمه وقدرته وسعة ملكه إلى جزاء المطيع بطاعته والمسيء بإساءته، فذلك قلنا إن اللام في ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ لام العاقبة، هذا معنى ما ذكره صاحب النظم (١) قال ابن عباس، ومقاتل: ليجزي في الآخرة ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾ قالوا لا إله إلا الله (بِالْحُسْنَى) بالجنة (٢) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 5 - 6.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"تفسير مقاتل" 131 أ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء (١) قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد (٢) وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) (٣) وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ  ﴾ .

ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ ، وقول الشاعر (٤) وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ......

البيت (٥) فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.

ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه (٦) فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟

قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُمْ لَكُمْ عَدُو  ﴾ ، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً  ﴾ فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها (٧) ﴿ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس (٨) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.

قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا (٩) (١٠) وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا (١١) واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -  - قال: "إن الله -عز وجل- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (١٢) فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.

وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر (١٣) القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ قال: يلم بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود (١٤)  - يقول: "إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ...

وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" (١٥) وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع (١٦) وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم (١٧) (١٨) (١٩) ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى القولين في اللغة واحد.

وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه (٢٠) فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.

قال جرير: بنفسي من تجنبه عزيزٌ ...

عليَّ ومن زيارته لمام (٢١) قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -  -: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" (٢٢) وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.

وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد: وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ...

إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ (٢٣) قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت (٢٤) وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر: أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ...

خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي (٢٥) وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.

قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش (٢٦) وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول، وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى  ﴾ .

فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.

والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال: قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ...

قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ...

ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال: فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ...

مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ انتهى كلامه (٢٧) وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم (٢٨) (٢٩) ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية (٣٠) القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك (٣١) والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه.

فهذا معنى اللمم في هذا الموضع (٣٢) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب (٣٣) (٣٤) ثم قال قوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب (٣٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو: وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ...

لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا (٣٦) أي إلا دفينًا في قبره.

قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة (٣٧) (٣٨) ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (٣٩) (٤٠) وقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة (٤١)  -: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم.

قالوا: ما نسميها؟

قال: سموها زينب" (٤٢) والمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها.

ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ أي بر وأطاع.

وقال الحسن: أخلص العمل (٤٣) (١) عند تفسيره لآية (31) من سورة النساء.

ومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ...

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة ..

وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -عز وجل- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك.

والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ.

وفي "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 525 قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال ..

وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.

قال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام.

وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان.

"ررح المعاني" 27/ 61.

وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 188، و"اللسان" 2/ 1056 (فحش).

(٣) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد.

وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها.

انظر: "حجة القراءات" ص 686، و"النشر" 2/ 367، و"الإتحاف" ص 403.

(٤) الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء.

انظر: مقدمة "ديوانه" ص 67، و"الأعلام" 3/ 140، و"الأصمعيات" ص 82، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156.

(٥) والبيت ورد في "ديوانه" 90، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 80، و"شرح حماسة المرزوقي" 1/ 112، و"الحجة" 6/ 235 والبيت بتمامه: وما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ...

عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ (٦) (أنه) زيادة من "الحجة".

(٧) (فيها) ساقطة من (ك).

(٨) من قوله: "وفعيل قد جاء يعني به الكثرة ..

" إلى هنا من كلام أبي علي.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 235 - 237.

(٩) انظر: "الوسيط" 4/ 201، و "معالم التنزيل" 4/ 252.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 100، و"تهذيب اللغة" 15/ 348، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"معالم النزيل" 4/ 253، عن الحسين بن الفضل.

(١١) انظر: "جامع البيان" 17/ 39، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"الوسيط" 4/ 201، و"معالم التنزيل" 4/ 252، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255.

(١٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج 4/ 67، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 253، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 317.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 252.

(١٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.

(١٥) رواه ابن جرير في "جامعه" 27/ 39، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) 5/ 370، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 256، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا.

"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.

والبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في "تهذيب اللغة" 15/ 347، و"اللسان" 3/ 397 (لمم)، و"الخزانة" 2/ 295، و"المقتضب" 4/ 242، و"الأغاني" 3/ 183، وليس في "ديوانه".

(١٦) انظر: "حامع البيان" 27/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 256.

(١٧) في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.

(١٨) أخرجه عبد بن حميد.

انظر: "معالم التنزيل" 4/ 252، و"الدر" 6/ 118.

(١٩) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و "الوسيط" 4/ 202.

(٢٠) انظر: "فتح القدير" 5/ 113.

(٢١) "ديوانه" ص 512، و"القطع والائتناف" ص 691، و"البحر المحيط" 8/ 155.

(٢٢) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله 4/ 32، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها 8/ 113، ولفظه: " ..

وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ" وفي لفظ: " ..

وإنه كلُّ ..

" ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727، وأحمد في "المسند" 3/ 7، 21.

والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.

(٢٣) ورد في "الجمهرة" لابن دريد 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 2/ 128، و"الحيوان" 5/ 455.

وهو لأبي الأسود الدؤلي.

(٢٤) لم أقف على كلام المبرد.

(٢٥) لم أجده.

(٢٦) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 237.

(٢٧) لم أقف على كلام المبرد هذا.

ولا على أبيات ابن أحمر.

(٢٨) قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) "جامع البيان" 27/ 41.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 271، و"فتح القدير" 5/ 113، ونسبه للجمهور.

(٢٩) (ك): (على) والصواب ما أثبته.

(٣٠) انظر: "جامع البيان" 27/ 38، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 252.

(٣١) انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 108.

(٣٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 75.

(٣٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٣٤) انظر: "القطع والائتناف" ص 692 قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ ، و"المكتفى في الوقف والابتداء" ص 543.

(٣٥) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٣٦) ورد في "ديوانه" 367، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98.

(٣٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 253، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110.

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.

(٣٩) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٤٠) انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.

(٤١) زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -  - وأخت عمر، == ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (73 هـ) وحضر ابن عمر جنازتها.

انظر: "طبقات ابن سعد" ص 461، و"الإصابة" 4/ 317، و"أسد الغابة" 5/ 468، و"تقريب التهذيب" 2/ 600، و"أعلام النساء" 2/ 67.

(٤٢) "صحيح البخاري"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه 8/ 53، و"صحيح مسلم" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن 3/ 1688.

(٤٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110، و"فتح القدير" 5/ 113.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى تَوَلَّىٰ ٣٣

قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة وهو قول مجاهد، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: كان قد أَتبع رسول الله -  - فعيره بعض المشركين وعاتبه على الإسلام فقال: إني خشيت عذاب الله، فقال: إني أضمن لك أن أتحمل عنك عذاب الله إن أنت أعطيتني كذا وكذا من مالك، فأرجع إلى ما كنت عليه، فرجع إلى الشرك وأعطى الذي عاتبه بعض المال الذي شرط إذ هو أعطاه أن يتحمل عنه العذاب ومنعه تمام ذلك، فأنزل الله فيه (١) ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أدبر عن الحق والإسلام (٢) (١) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و"تفسير مقاتل" 131 ب، "جامع البيان" 27/ 42.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الوسيط" 4/ 203.

<div class="verse-tafsir"

وَأَعْطَىٰ قَلِيلًۭا وَأَكْدَىٰٓ ٣٤

﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًا ﴾ يعني أعطى صاحبه الذي عاتبه (وَأَكْدَى) قال الفراء: أمسك من العطية وقطع (١) روى عمرو عن أبيه: أكْدى مَنَعَ وأكْدى قطع، وأكْدَى إذا انقطع، وأكْدى إذا حفر فبلغ الكُدى وهي الصخور (٢) والمفسرون قالوا في (أَكْدَى) قطع وانقطع وأمسك، وذكر سعيد بن جبير الأصل فيه فقال: ألا ترى إلى القوم إذا حفروا الوهدة فأفضوا إلى الصخرة قالوا: أكدينا (٣) قال أبو إسحاق: معنى (أَكْدَى) قطع، وأصله من الحفر في البئر، يقال للحافر إذا بلغ إلى حجر لا يمكنه الحفر معه قد بلغ إلى الكدية، وعند ذلك يقطع الحفر (٤) وقال المبرد: (أَكْدَى) أي منع منعًا شديدًا (٥) وقال ابن قتيبة: أكدى من كدية الركَّية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من يطلب شيئًا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى ومعنى أكدى هاهنا منع صاحبه تمام ما ضمن له؛ وقال عطاء ومقاتل إن الوليد بن المغيرة كان قد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل فيه ﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًا ﴾ أي: من الخير بلسانه، وأكدى أي قطع ذلك أمسك عنه (٦) (١) انظر: "معاني القرآن" 3/ 101.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 324، و"اللسان" 3/ 232 (كذا).

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 42 عن أبي زيد.

والوهدة الحفرة وهي النقرة المنتقرة في الأرض أشد دخولًا في الأرض من الغائط وليس لها حرف.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.

(٥) انظر: "الوسيط" 4/ 203، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٦) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.

<div class="verse-tafsir"

أَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

﴿ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ ﴾ يعني ما غاب عنه من أمر العذاب ﴿ فَهُوَ يَرَى ﴾ أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.

قال الزجاج: (فهو يرى) معناه فهو يعلم، والرؤية تكون بمعنى العلم كالمكفوف، يقول: رأيت زيدًا عاقلاً، فلو كان من رؤية العين لم يجز ذلك (١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 111.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ ﴾ لم يحدَّث ولم يخبر ﴿ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ﴾ يعني: أسفار التوراة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ ٣٧

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ﴾ يعني: وفي صحف إبراهيم ﴿ الَّذِي وَفَّى ﴾ معنى التوفية في اللغة الإتمام والإكمال، يقال: وفيته أجره، قال الله تعالى: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ  ﴾ .

واختلفوا في معنى (وفي) هاهنا.

فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: بلغ ما أُمر به قومه، وهو قول مقاتل، واختيار الفراء، وابن قتيبة، وهو قول سعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهد، وأبي العالية، وعكرمة (١) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75.

<div class="verse-tafsir"

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ٣٨

﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ وأَنْ على هذا القول في محل النصب بقوله: (وفي) (١) وقال آخرون: معنى: (وفي) أكمل ما يجب لله تعالى عليه بالطاعة في كل ما أمر وامتحن به من ذبح الولد والإلقاء في النار والكلمات التي ابتلي بها في قوله: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  ﴾ الآية، والاختتان، ومناسك الحج التي أمر بها، وفاها كلها وأتمها بالطاعة والصبر، فأثنى الله تعالى عليه لقيامه بجميع ذلك بقوله: (وفي)، وهذا قول جماعة من المفسرين (٢) ﴿ أَلَّا تَزِرُ ﴾ خفض على البدل من قوله: ﴿ بِمَا في صُحُفِ ﴾ ، والمعنى: ألم ينبأ بأن لا تزر، وقال: يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار هو، كأنه لما قيل: بما في صحف موسى، قيل: ما هو؟

فقيل: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ومعناه: أن لا تؤخذ نفس بإثم غيرها (٣) قال عكرمة عن ابن عباس: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره (٤) (٥) وذكره (٦) (٧) ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ، وهذا عام في الدنيا والآخرة، وقد أخبر الله تعالى بذلك (٨)  - أن من دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبعه، وذلك في قوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ  ﴾ .

قوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ وهذا في رؤساء الكفر والضلالة يزاد لهم الوزر بسبب إضلالهم، فأما أن تحمل نفس ذنب أخرى حتى يصير المحمول منها كأنها لم تأت بذنب، فليس ذلك في شريعة.

(١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 300، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 131 ب، و"جامع البيان" 27/ 42 - 43، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101.

(٣) انظر: "جامع البيان" 24/ 43 عن ابن عباس، وإبراهيم النخعي والقرظي، و"الكشف والبيان" 12/ 15 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254، و"الدر" 6/ 129.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 75، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 273، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 694.

(٥) انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"الدر" 6/ 129.

(٦) في (ك): (وذكر).

(٧) وهو المروي عن ابن عباس، وعمرو بن أوس، والنخعي.

انظر: "جامع البيان" 27/ 42، و"معالم التنزيل" 4/ 254.

(٨) (بذلك) ساقطة من (ك).

<div class="verse-tafsir"

وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

قوله: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ عطف على قوله: ﴿ أَلَّا تَزِرُ ﴾ وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، والمعنى: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل في الدنيا، قاله مقاتل (١) قال أبو إسحاق: معناه: ليس له إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا أُجزي خيرًا، وإن عمل شرًا أُجزي شرًا (٢) ثم المفسرون مختلفون في حكم الآية، فروى الوالبي عن ابن عباس أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ  ﴾ الآية، أدخل الله تعالى الأبناء بصلاح الآباء الجنة (٣) (٤)  -: إن أبي مات ولم يحج، قال: "فحجي عنه" (٥) (٦) وقال الحسين بن الفضل (٧) (٨) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 44، و"الكشف والبيان" 12/ 16 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 254.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 16 أ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 254.

(٥) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب: حج المرأة عن الرجل 3/ 23، ومسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت 2/ 974.

(٦) انظر: "الأم" 2/ 104، و"الحاوي الكبير" 4/ 17.

(٧) تقدمت ترجمه في سورة البقرة.

(٨) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 17 أ، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" == 27/ 66.

قال مكي: والبين في هذا الذي يوجبه النظر وعليه أكثر العلماء أنه ليس بمنسوخ وأنه محكم "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 423.

وانظر: "نواسخ القرآن" لابن الجوزي ص 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 114، و"فتح القدير" 5/ 114.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ ٤٠

قوله: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾ يُرَى من أريته الشيء، والمعنى أن سعيه يرى يوم القيامة حتى ينظر إليه، أي يرى عمله في ميزانه؛ وهذا قول مقاتل والزجاج (١) ﴿ يُرَى ﴾ يعلم، والمعنى يعلمه الناس (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 76.

(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 429.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ ٤١

﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ ﴾ أي يجرْى الإنسان سعيه، والضمير للسعي يقال: جزيت فلانًا عمله وسعيه، أي قضيته.

قال الشاعر (١) إن أُزِ علقمة بن سعد سعيه ...

لا أجزه ببلاء يوم واحد و ﴿ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾ الأكمل والأتم، قال أبو إسحاق: أي يجزى عمله أوفى جزاء (٢) (١) لم أجده.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ ٤٢

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ أي إليه منتهى العباد ومرجعهم، هذا قول المفسرين.

وروي تفسير آخر لهذه الآية مرفوعًا إلى النبي -  - قال: "لا فكرة في الرب" (١) ومعنى هذا أن الإنسان يتفكر في كل شيء فيحيط به علمًا ويقف على كنهه وكيفيته حتى ينتهي إلى الله تعالى فلا يحيط به علمًا ولا يدركه بفكرته، فإليه المنتهى من هذا الوجه، ويؤكد هذا المعنى ما روى أنس أن النبي -  - قال: "إذا ذكر الله فانتهوا" (٢) وقال -  -: "تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق" (٣) والمنتهى معناه الانتهاء.

(١) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 218 عن سفيان الثوري في قوله -عز وجل-: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ قال: لا فكرة في الرب -عز وجل-، وأخرجه الدارقطني في الأفراد، == والبغوي في "تفسيره" 4/ 255 مرفوعًا.

وأورده ابن كثير، وذكر رواية البغوي له ثم عقب عليه بقوله: وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟

من خلق كذا؟

..

وذكر الحديث ثم قال: والحديث الآخر الذي في "السنن": (تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله ..)، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 259، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 396.

(٢) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 17 ب، وذكره بعض المفسرين عن أنس بدون سند، وفي بعض الألفاظ: "إذا ذكر الله تعالى فاتته".

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 115، و"البحر المحيط" 8/ 168، و"روح المعاني" 27/ 68.

(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" 4/ 255، وعقب عليه ابن كثير بما سبق ذكره.

وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 1/ 216، وزاد فيه "فإنكم لا تقدرون قدره" وأخرجه أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" 2/ 174، بسندين فيهما انقطاع، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" 1/ 132، وعزاه إلى أبي الشيخ ورمز له بالضعف، وفي تخريجات "إحياء علوم الدين" قال: أخرجه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع مه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" من وجه آخر أصح منه، ورواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي "الشعب" من حديث ابن عمر وقال: هذا إسناد فيه نظر.

قلت: فيه الوازع بن نافع متروك.

انظر "الإحياء" 4/ 424، و"ضعيف الجامع" 3/ 38 (2469).

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ٤٣

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا عام في كل ضحك وبكاء، يدل عليه ما روي عن عائشة  ا قالت: مر النبي -  - على قوم يضحكون فقال: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً" فنزل عليه جبريل فقال: إن الله -عز وجل- يقول: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ فرجع إليهم، فقال: "إن الله هو أضحك وأبكى" (١) وهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان بقضائه وإرادته وخلقه حتى الضحك والبكاء، وكذلك ما روي عن جبار الطائي (٢) (٣) (٤) ومن المفسرين من خصَّ؛ وهو قول الكلبي.

قال: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار (٥) (٦) قال: المعنى أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر (٧) (١) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 18 أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص 461.

وأخرجه ابن مردويه عنها.

انظر: "إحياء علوم الدين" 4/ 450، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 116، و"الدر" 6/ 300.

(٢) جبار بن القاسم الطائي، روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق، ضعفه الأزدي وذكره ابن حبان في "الثقات" بروايته عن ابن عباس.

انظر: "لسان الميزان" 2/ 120.

(٣) هي الرباب بنت أنيف الكلبية انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 182، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 141.

(٤) لم أجده.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 101، و"جامع البيان" 27/ 44، و"البغوي" 4/ 255.

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 255.

(٧) (بالمطر) ساقطة من (ك)، والتصحيح من "الوسيط".

انظر: "الكشف والبيان" 12/ 18 ب، و"الوسيط" 4/ 204، و"معالم التنزيل" 4/ 255، قلت: وهذا التفسير يخالف ما يفهم من ظاهر الآية، وحمله على الضحك والبكاء المعروفين أولى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ٤٤

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ المتقدمون من المفسرين حملوا هذا (١) (٢) ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا  ﴾ ومنها أنه أمات النطفة وأحيا النسمة، وأمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان، والوجهان ذكرا في قوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ  ﴾ .

ويدل على الوجه الثاني قوله: ﴿ أَوَ وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ  ﴾ .

(١) في (ك): (على هذا).

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 255، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 117.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ ٤٥

<div class="verse-tafsir"

مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ٤٦

قوله تعالى: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الجماع، وقال في رواية الكلبي: تهراق في الرحم، وهو قول الضحاك، قال: تصب في الرحم، ويقال: مني الرجل، وأمنى من المني (١) (٢) (٣) ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ  ﴾ هذا قول المفسرين.

وقال أبو عبيدة، والمبرد، وابن قتيبة: ﴿ تُمْنَى ﴾ أي تقدر، ويقال: إنك لا تدري ما يَمني لك الماني أي ما يقدر لك المقدر (٤) وأنشد الفراء فقال: ولا تقولنَّ لشيء سوف أفعله ...

حتى تبين ما يَمني لك الماني (٥) والمني الماء الذي يخلق ويقدر منه الولد، ثم يقال منه: مني وأمنى إذا أصب ذلك الماء.

فمعنى قوله: ﴿ إِذَا تُمْنَى ﴾ إذا تُصَب وتلقى على تقدير ولد في الرحم، هذا هو الأصل، ثم يقال: أمنى ومنى بمعنى صب من غير تقدير (٦) ﴿ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾ (٧) (١) انظر: المراجع السابقة.

(٢) مِنَى: المكان المعروف من مهبط العقبة إلى محسر.

سميت بذلك لما يمنى من الدماء.

وقيل لأن الكبش مُني بها أي ذبح.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 229.

(٣) قاله الليث، وقال ابن شميل: سمي مني؛ لأن الكبش مُنِي به، أي: ذبح.

وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530 (منا).

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 238، و"تفسير غريب القرآن" ص 429.

(٥) البيت لأبي قلابة الهذلي، وقيل: لأبي المثلم الهذلي، كما في "ديوان الهذليين" 3/ 39، ولم أجده عند الفراء.

وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 530، و"اللسان" 3/ 538 (مني).

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 531، و"اللسان" 3/ 538 (مني).

(٧) عند تفسيره لآية (20) من سورة العكبوت.

انظر: "البسيط" 4/ 121 أحيث قال: أي ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها ينشئها نشأة ثانية ...

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُخْرَىٰ ٤٧

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ٤٨

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ﴾ أي أغنى الناس بالأموال ومولهم (وأقنى) اختلفوا فيه، فقال أبو صالح: أعطى القنية وأصول الأموال التي تقتنى (١) والاكثرون قالوا: أقنى قنّع ورضّى بما أعطى الفقير، وهو قول مجاهد، ومقاتل، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٢) (٣) وقال ابن الأعرابي: أقنى أعطاه ما يدخر بعد الكفاية (٤) (٥) قال الليث: يقال: قنيت به، أي: رضيت، وأقنيت لنفسي مالاً، أي: جعلته قنية أرتضيه، وأنشد للمتلمس: وألقيته بالثّني من جَنْبِ كافرٍ ...

كذلك أقْنُو كلَّ قِطّ مُضَلِّلِ (٦) قال: أقنو بمعنى أرضى.

وقال غيره: أقنو ألزم وأحفظ (٧) أحدهما: الرضا، وذلك أن الإنسان لا يقتني إلا ما يرتضيه، فعلى هذا أصل القولين الرضا، والآخر: الحفظ واللزوم، ومنه يقال: قنا الحياء، إذا لزمه، ومنه قول الشاعر: فأقْنَى حياءَك لا أبالَكِ إنني ...

في أرض فارس موثقٌ أحوالًا (٨) والقنية ما يلزمها الإنسان ويحفظها.

وعلى هذا الأصلان مختلفان.

قال الضحاك، والحسن، وقتادة: أغنى في المال وأقنى في الخدم (٩) وأما ما روي عن ابن زيد أنه قال: أغنى أكثر وأقنى أقل (١٠) (١) انظر: "جامع البيان" 27/ 45، و"معالم التنزيل" 4/ 256.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 301، و"تفسير مجاهد" 2/ 632، و"تفسير مقاتل" 132 أ.

وفي "صحيح البخاري" قال: ابن عباس: (أغنى وأقنى) أعطى وأرضى، و"كتاب التفسير" سورة النجم 6/ 175.

قال ابن حجر: وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، و"فتح الباري" 8/ 606.

(٣) في (ك): (مال) وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 238.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 313، و"اللسان" 3/ 177 (قنا).

(٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 76.

(٦) البيت ورد في "تهذيب اللغة" 9/ 312، و"اللسان" 3/ 177 (قنا)، و"الخزانة" 3/ 23، و"المذكر والمؤنث" ص 416.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 314 (قنا).

(٨) انظر: "اللسان" 3/ 177 (قنا) وقال أنشده ابن بري ولم ينسبه لقائل.

(٩) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 45.

(١٠) انظر: "جامع البيان" 27/ 45، وفي "معالم التنزيل" 4/ 256، و"الجامع" للقرطبي 17/ 119، نسبه للأخفش وهو قول الحضرمي أيضًا.

وقال ابن كثير معقبًا على هذا القول: وهما بعيدان من حيث اللفظ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 259.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 169: وقد تكلم المفسرون على ذلك فقالوا اثني عشر قولًا كقولهم: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه، وكل قول منها لا دليل على تعيينه، فينبغي أن تجعل أمثلة.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ ٤٩

قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾ قال جماعة المفسرين: هي كوكب خلف الجوزاء يقال لها مرزم الجوزاء، وهي الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، فقال الله: أنا رب الشعرى فاعبدوني، وإنما سميت العبور لأنها عبرت المغيرة فقطعت عرضًا وهما الشعرتان، يقال لأحدهما: العبور وللأخرى الغميضاء، وسميت الغميضاء؛ لأن العرب تقول: إن سهيلًا والشعرتين كانت مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيًا فتبعته الشعرى العبور فعبرت المغيرة وأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عيناها فسميت الغميضاء (١) (١) انظر: "الجمهرة" 2/ 342، و"الكفش والبيان" 12/ 19 أ - ب، قال الآلوسي في == "روح المعاني" 27/ 69: وقيل زعموا أن سهيلًا والشعرى ...

-وذكر ما هاهنا ثم قال-: وكل ذلك من تخيلاتهم الكاذبة التي لا حقيقة لها والمتبادر عند الإطلاق وعدم الوصف: العبورة لأنها أكبر جرمًا وأكثر ضياء، وهي التي عبدت من دون الله في الجاهلية.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ ٥٠

قوله ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾ ذكر أبو إسحاق وغيره من النحويين في (الأولى) ثلاث لغات: أحدها: (الأولى) بسكون لام المعرفة.

والثانية: (الُولَى) على تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى لام المعرفة.

الثالثة: الولى) بطرح همزة الوصل؛ لأن اللام تحركت فاستغني عنها (١) ومثله الأحمر والحمر ولحمر، وقراءة العامة (عادًا الأولى) (٢) وقرأ أبو عمرو (عادًا لولى)، قال أبو عثمان: أساء عندي أبو عمرو في قراءته (عادًا لولى)؛ لأنه أدغم النون في لام المعرفة، واللام إنما تحركت بحركة الهمزة، وليست بحركة لازمة، والدليل على ذلك أنك تقول: اَلَحْمَر.

فلا تحذف ألف الوصل وإن حركت اللام؛ لأنها ليست بحركة لازمة، قال: ولكن كان أبو الحسن روى عن بعض العرب أنه يقول هذا لَحْمَر قد جاء، بحذف ألف الوصل لحركة اللام (٣) قال أبو علي: الإساءة التي نسبها أبو عثمان إلى أبي عمرو في قراءة: (عادًا لولى) لا تلزمه من وجهين: أحدهما: أنه يقول: (لُوْلَى) قبل الإدغام على لغة من يقول لَحْمَرْ فيحذف همزة الوصل، وعلى هذا القول اللام في حكم المتحرك، وخرجت من حكم السكون بدلالة حذف همزة الوصل وإذا خرجت من حكم السكون حسن الإدغام كما حسن في مَنْ لك؟

ومَنْ لُوهُ؟

(٤) والوجه الآخر: أن يكون أدغم على قول من يقول (الُولى) الحَمْرَ، فلم يحذف همزة الوصل مع إلقاء الحركة على لام المعرفة؛ لأنه في تقدير السكون فلا يمتنع أن يدغم فيه، وإن كان في حكم السكون كما لم يمتنع أن يدغم في نحو رُدَّ وفِرَّ وغَضَّ، وإن كانت لاماتهن سواكن، وتحركها للإدغام، وإذا جاز الإدغام في الوجهين جميعًا ثبتت صحته.

وروي عن نافع (عاد لوْلَى) بالإدغام والهمز، ووجه الإدغام ما ذكرنا، ووجه الهمز أن الضمة لقربها من الواو وأنه لم يحجز بينهما شيء صارت كأنها عليها فهمزها كما يهمز الواو إذا كانت مضمومة نحو أدؤُر والغؤور (٥) قال أبو عثمان: ومن قرأ (عادًا لولى) فأظهر النون فقد أخطأ؛ لأن النون لا تظهر على اللسان إلا مع حروف الحلق (٦) قال المفسرون: عاد الأولى، قوم هود، وهم أولى عاد أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، وكانوا عادًا الأخرى.

(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 77.

(٢) قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب (عادًا لولى) موصولة مدغمة، وذلك بإدغام التنوين في اللام بعد نقل حركة الهمزة إليها وصلًا.

وقرأ الباقون (عادًا الأولى) بكسر التنوين وسكون اللام وتخفيف الهمزة من غير نقل.

انظر: "حجة القراءات" ص 687 و"النشر" 1/ 411 - 412، و"الإتحاف" ص 403 - 404.

(٣) قلت: قول أبي عثمان -المازني: أساء أبو عمرو في قراءته ..

إلى أن قال: ولكن == كان أبو الحسن -أي الأخفش- فيه إساءة وتجاوز، فالقراءة تواترها عن أفصح العرب -  - وكان الأولى إثباتها وإن خالفت ما وضعه النحاة من قواعد، وما أثر عن العرب من لغتهم، أما أن تصوب القراءة لنقل الأخفش أو غيره وجهًا لها عن العرب فرأي مردود على صاحبه وإن بلغ ما بلغ من علم وفهم كالمازني، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الصادق المصدوق -  -، والله أعلم.

(٤) (ك): (لزم) والتصويب من "الحجة".

(٥) أدؤر جمع دار، والهمز لكراهه الضمة على الواو.

يقال: ثلاث أدؤر: همزت لأن الألف التي كانت في الدار صارت في أَفْعُل في مواضع تحرك فأُلقِي عليها == الصرف ولم ترد إلى أصلها.

وغار القوم غورًا وغؤورًا، أتوا الغور، وغار في الشيء غؤورً دخل.

وغار الماء غؤورًا.

ذهب في الأرض.

انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 180، و"اللسان" 2/ 1026 (غور).

(٦) من قوله: قال أبو عثمان.

إلى هنا: نقله من كتاب "الحجة" لأبي علي مع تصرف يسير.

انظر: "الحجة" 6/ 237 - 240، و"البغداديات" ص 190 - 194.

<div class="verse-tafsir"

وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ ٥١

قوله تعالى: ﴿ وَثَمُودَ ﴾ أهلك الله ثمود وهم قوم صالح بالصيحة ﴿ فَمَا أَبْقَى ﴾ منهم أحدًا.

<div class="verse-tafsir"

وَقَوْمَ نُوحٍۢ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ٥٢

﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ﴾ أهلك الله قوم نوح من قبل عاد وثمود.

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴾ قال ابن عباس وقتادة ومقاتل، وغيرهم: إنما وصف بأنهم كانوا أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله في المعصية والتكذيب، ولم يطل مقام أحد من الأنبياء في دعوة قومه كما طال مقامه (١) ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا  ﴾ وكان الرجل منهم يأخذ ابنه فينطلق به إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك فاحذره فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 254، و"جامع البيان" 27/ 46.

(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و "الدر" 6/ 131.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ٥٣

قوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ﴾ قال الفراء: كل شيء انهوى وانخسف فقد ائتفك (١) وقال أبو عبيدة: المؤتفكة المخسوف بها ائتفكت بأهلها (٢) (٣) وهي قرى قوم لوط رفعها جبريل بجناحه إلى السماء حتى سمعت ملاكة سماء الدنيا أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها فهوت من السماء إلى الأرض مقلوبة (٤) (٥) ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ ، والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها، وقال المبرد: جعلها تهوي (٦) وقال الفراء: رفعها إلى السماء، ثم أهواها وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله تعالى: (١) لم أقف عليه في "معاني القرآن" للفراء، وما قاله أبو عبيدة يؤيده.

(٢) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 239.

(٣) عند تفسيره لآية (70) من سورة التوبة.

ومما قال: المؤتفكات، قال المفسرون: يعني قرى قوم لوط وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب.

وتلك القرى ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها.

(٤) انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 180، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 77، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120.

(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص430.

(٦) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 120، و"فتح القدير" 5/ 117.

<div class="verse-tafsir"

فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤

﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴾ (١) وأيهم ذكر ما غشاهم؛ لأنه ذكر ذلك في قوله: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ  ﴾ .

وقال ابن الأنباري (٢) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.

(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 121، و"فتح القدير" 5/ 117.

<div class="verse-tafsir"

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥

قوله تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾ قال أبو إسحاق: هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله عليه ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: بأي نعم ربك التي تدلك على أنه واحد تتشك؛ لأن المرية الشك (١) قال أهل المعاني: وإنما قيل بعد تعديد النقم ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ ﴾ ؛ لأن النقم التي تحدث نعم علينا لما لنا فيها من المزاجر، مع أنه نالهم بكفر النعم (٢) (٣) (٤) (٥) وقال ابن عباس: يريد تكذب يا وليد (٦) ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴾ وهذه الآيات كلها نزلت في شأنه، إلى قوله: (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.

(٢) انظر: "الكشاف" 4/ 43، و"التفسير الكبير" 29/ 25، و"فتح القدير" 5/ 117.

(٣) في (ك): (مسالكه) والصواب ما أثبته.

(٤) (تتمارى) ساقطة من (ك).

(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 255، و"جامع البيان" 27/ 47.

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 205.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا نَذِيرٌۭ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلْأُولَىٰٓ ٥٦

﴿ هَذَا نَذِيرٌ ﴾ يعني: محمدًا -  - ﴿ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ﴾ من الرسول قبله.

قال قتادة: يقول أنذر محمد -  - كما أنذر الرسل من قبله (١) قال أبو إسحاق: أي النبي -  - مجراه في الإنذار مجرى من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام، وذكر قولًا آخر هو قول أبي مالك، ومقاتل، وهو أن يكون النذير مصدرًا بمعنى الإنذار كالنكير بمعنى الإنكار، والمعنى: هذا إنذار لكم كما أنذر من قبلكم وقد أعلمتم ما قص الله عليكم من حال من كذب بالرسل وما وقع بهم من الإهلاك (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 254.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 132 أ.

<div class="verse-tafsir"

أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ ٥٧

قوله تعالى: ﴿ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ﴾ قال المفسرون: دنت القيامة واقتربت الساعة، وقد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ﴾ (١) (٢) (١) عند تفسيره لآية (18) من سورة غافر.

ومما قال: يقال أزف الشيء يأزف أزفًا إذا دنا، ومنه يقال للقصير: متأزف؛ لتداني أعضائه بعضها من بعض ...

قال عامة المفرين الأزفة القيامة.

قال ابن عباس: أزف أمرها.

وقال مقاتل: يعني: اقتربت الساعة.

وهذا معني قول الضحاك سميت آزفة لقربها.

قال أبو إسحاق: قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها وما هو كائن قريب ...

انظر: "البسيط" ص 172 بتحقيق السحيباني.

(٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 78.

<div class="verse-tafsir"

لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾ ذكر المفسرون فيه قولين: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ليس أحد من شركائكم من يرد ذلك، ونحو هذا قال الضحاك: ليس من دون الله من آلهتهم كاشفة (١) ومعنى الكشف في اللغة رفع الشيء عما يواريه، والمعنى على هذا القول أن القيامة إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد من آلهتهم، أي: أنها لا تنجيهم منها، ويدل على صحة هذا المعنى أن القيامة سميت غاشية فلما كانت في غاشية كان ردها كشفًا كما يقال في الدعاء: اللهم اكشف عنا الهموم والأحزان، والكاشفة على هذا القول نعت مؤنث محذوف على تقدير: نفس كاشفة، أو جماعة كاشفة، وهذا معنى قول قتادة: ليس لها من دون الله راد (٢) ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخائنة والعاقبة والعافية، فإذا قدرتها مصدرًا كان المعنى ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره.

بمعنى لا يبديها ولا يظهرها ولا يزيل عنها ما يسترها، وهو معنى قول مقاتل: لا يكشفها أحد إلا الله، قال: يعني الساعة الله الذي يكشفها.

ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ  ﴾ وهذا القول اختيار الزجاج (٣) (٤) قال الفراء: وتأنيث كاشفة كقولك له: ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾ (٥) (٦) (١) انظر: "الوسيط" 4/ 205، و"معالم التنزيل" 4/ 257، و"الدر" 6/ 131.

(٢) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 20 أ، و "معالم التنريل" 4/ 257، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 122.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.

(٤) لم أجد هذا القول، وهو ظاهر المعنى.

(٥) في "معاني القرآن" للفراء: ما لفلان باقية، وما ذكره المؤلف هو قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ  ﴾ .

(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 103.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ٥٩

قوله تعالى: ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ قال جماعة المفسرين: يعني: القرآن.

قال أبو إسحاق: أي مما يتلى عليكم من كتاب الله تعجبون (١) قال مقاتل: تعجبون تكذيبًا به (٢)  - فتكذبون به كما قال: ﴿ بَلْ عَجِبُوا ...

﴾ الآية [ق: 2].

وقال أهل المعاني: يجوز أن يكون معنى الحديث هاهنا ما ذكر من حديث القيامة (٣) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 78.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.

(٣) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 27.

<div class="verse-tafsir"

وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ٦٠

﴿ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴾ أي: تستهزئون ولا تبكون خوفًا منها.

وعلى قول المفسرين: ولا تبكون مما فيه من الوعيد.

روى أبو الخليل (١)  - ما رئي ضاحكًا إلا تبسمًا بعد نزول هذه الآية (٢) (١) هو صالح بن أبي مريم الضبي، أبو الخليل، وثقه ابن معين، والنسائي، وأغرب أبو عبد الله بن عد البر فقال: لا يحتج به.

انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 363، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 479، و"طبقات ابن سعد" 7/ 237، و"تهذيب التهذيب" 4/ 204.

(٢) رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 234، == والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 21 أ، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن العباس بإسناد ضعيف، و"تخريجات الكشاف" 4/ 161، ورواه وكيع بن الجراح في "الزهد" 1/ 266.

قال محققه: إسناده ضعيف ومعناه غريب أيضًا؛ لأن الآية نزلت في مكة، وقد ثبت ضحك النبي -  - وتبسمه في أحاديث كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنتُمْ سَـٰمِدُونَ ٦١

قوله ﴿ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾ قال الليث: السمود في الناس الغفلة والسهو عن الشيء، وهذا قول المبرد، قال: السمود الاشتغال عن الشيء يكون لهم أو فرح يتشاغل به وأنشد فقال: رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ...

بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا (١) وروى عكرمة عن ابن عباس قال: السمود الغناء في لغة حمير (٢) (٣) وكأن العَزِيفَ فِيهَا غِنَاءً ...

لِلنَدَامَى مِنْ شَارِبٍ مَسْمُودٍ (٤) فالمسمود الذي غني له، والسامد أيضًا القائم في تحير، قال المبرد: ومما يأثر العرب من أشعار عاد (٥) (٦) ومنه حديث علي -  - أنه دخل المسجد والناس ينتظرون الصلاة، قال: مالي أراكم سامدين (٧) قال أبو عبيدة: يعني: القيام، وكل رافع رأسه فهو سامد، قال ابن الأعرابي: السامد اللاهي، والسامد الغافل، والسامد الساهي، والسامد المتكبر، والسامد القائم، هذا كلام أهل اللغة في السمود (٨) والمفسرون قالوا: لاهون غافلون معرضون، ونحو هذا روي عن ابن عباس في جميع الروايات (٩) وروى شمر بإسناد عن ابن عباس أنه قال: مستكبرون.

قال: ويقال للفحل إذا اغْتَلم: قد سمد (١٠) (١١) (١) البيت لعبد الله بن الزبير بن الأشيم الأسدي، أو للكميت بن معروف.

انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 464، و"أمالي القالي" 3/ 115، و"الأضداد" ص 36، و"مجالس ثعلب" ص 439، و"تهذيب اللغة" 1/ 3772، و"اللسان" 2/ 198 (سمد).

ونسبه ابن كثير في "البداية والنهاية" 8/ 144 لأيمن بن خزيم.

(٢) حمير: بطن عظيم من القحطانية ينسب إلى حمير بن سبأ، من بلادهم في اليمن شام، وذمار، ورفع ..

قدم رسول ملوك حمير سنة تسع من الهجرة على رسول الله -  -: انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 304 - 305.

(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 255، و"جامع البيان" 27/ 48، و"المصنف" لابن أبي شيبة 10/ 471.

(٤) انظر.

"الأضداد" لابن الأنباري ص 36، و"الأضداد" للسجستاني ص 144.

(٥) عاد بن عوص من العرب العاربة البائدة، يقال لهم عاد الأولى، وكانت منازلهم == بالأحقاف وهو الرمل ما بين عمان إلى الشحر إلى حضرموت إلى عدن أبين.

انظر: "معجم قبائل العرب" 2/ 700.

(٦) من شعر هزيلة بنت بكر، وهي تبكي قوم عاد.

انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 36، و"الأضداد" للسجستاني ص 144، و"الدر" 6/ 132، وعزاه للطستي في "مسائله"، و"روح المعاني" 27/ 72، و"تهذيب اللغة" 12/ 378، و"اللسان" 2/ 199 (سمد).

(٧) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وعبد بن حميد، وذكره المهدوي.

انظر: "جامع البيان" 27/ 49، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 123 و"الدر" 6/ 132، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 36 - 37.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 377، و"اللسان" 2/ 197 (سمد).

(٩) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 303، و"معالم التزيل" 4/ 257، و"زاد المسير" 8/ 85، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 260.

(١٠) قال ابن كثير: وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون، وبه يقول السدّي، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 260، وانظر: "تهذيب اللغة" 12/ 377 (سمد).

والمراد باغتلام الفحل هيجانه للضراب.

(١١) انظر: "جامع البيان" 27/ 49، و"معالم التنزيل" 4/ 257.

والبرطمة هي: الانتفاخ من الغيظ والغضب.

قال ابن القيم بعد ذكره لما تقدم في معنى الغناء: فالغناء يجمع هذا كله ويوجبه.

فهذه أربعة عشر اسمًا سوى اسم الغناء.

انظر: "إغاثة اللهفان" 1/ 258.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا۟ ۩ ٦٢

قوله: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ ، قال الكلبي ومقاتل: صلوا لله، يعني: الصلوات الخمس.

﴿ وَاعْبُدُوا ﴾ قال مقاتل: يعني وحدوا الرب، وقال الكلبي: أطيعوه فيما يأمركم به (١) وقال أبو إسحاق: معنى الآية: فاسجدوا للذي خلق السموات والأرض، ولا تعبدوا اللات والعزى ومناة والشعرى؛ لأنه قد ذكر معبوداتهم في هذه السورة (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 79.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله