تفسير الآية ٤٥ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٤٥ من سورة الحجر

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ٤٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٥ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى حال أهل النار عطف على ذكر أصل الجنة وأنهم في جنات وعيون.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا الله بطاعته وخافوه، فتجنبوا معاصيه في جنات وعيون .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون أي الذين اتقوا الفواحش والشرك .في جنات أي بساتين .وعيون هي الأنهار الأربعة : ماء وخمر ولبن وعسل .

وأما العيون المذكورة في سورة " الإنسان " : الكافور والزنجبيل والسلسبيل ، وفي " المطففين " : التسنيم ، فيأتي ذكرها وأهلها إن شاء الله .

وضم العين من " عيون " على الأصل ، والكسر مراعاة للياء ، وقرئ بهما

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه أتباع إبليس من النكال والعذاب الشديد ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم والنعيم المقيم فقال تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } الذين اتقوا طاعة الشيطان وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } قد احتوت على جميع الأشجار وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى :( إن المتقين في جنات وعيون ) أي : في بساتين وأنهار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن المتقين في جنات» بساتين «وعيون» تجري فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين اتقوا الله بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى في بساتين وأنهار جارية يقال لهم: ادخلوا هذه الجنات سالمين من كل سوء آمنين من كل عذاب.

ونزعنا ما في قلوبهم من حقد وعداوة، يعيشون في الجنة إخوانًا متحابين، يجلسون على أسرَّة عظيمة، تتقابل وجوههم تواصلا وتحاببًا، لا يصيبهم فيها تعب ولا إعياء، وهم باقون فيها أبدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( إن المتقين .

.

.

) كلام مستأنف لإِظهار حسن عاقبة المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة الغاوين .والمتقون : جمع متق اسم فاعل من اتقى .

وأصله اوتقى - بزنة افتعل - من وقى الشىء وقاية ، أى : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه .والجنات : جمع جنة ، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره .

من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة .

.والمراد بها هنا الدار التى أعدها الله - تعالى - لتكريم عباده المؤمنين فى الآخرة .والعيون جمع عين .

والمقصود بها هنا المياه المنتشرة فى الجنات .والمعنى : ( إن المتقين ) الذين صانوا أنفسهم عن الشرك .

وقالوا ربنا الله ثم استقاموا ( فى جنات ) عالية ، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وفيها منابع للماء تلذ لها الأعين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن إبليس لما قال: ﴿ لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ أوهم هذا الكلام أن له سلطاناً على عباد الله الذين يكونون من المخلصين، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعاً له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً، فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي  ﴾ وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ  ﴾ قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه، وفي الآية قول آخر، وهو أن إبليس لما قال: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين  ﴾ فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ﴾ فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس.

واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتبعك ﴾ استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي.

وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة (إلا) بمعنى لكن، وقوله: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه، ومن اتبعه من الغاوين.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار  ﴾ .

والقول الثاني: إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام: ولكل قسم باب، وعن ابن جريج: أولها: جهنم.

ثم لظى.

ثم الحطمة.

ثم السعير.

ثم سقر.

ثم الجحيم.

ثم الهاوية.

قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون.

والثانية: لليهود.

والثالثة: للنصارى.

والرابعة: للصابئين.

والخامسة: للمجوس.

والسادسة: للمشركين.

والسابعة: للمنافقين.

وقوله: ﴿ لِكُلّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ والباقون (جز) بتخفيف الزاي.

وقرأ الزهري: (جز) بالتشديد، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك: خب في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد.

المسألة الثانية: الجزء بعض الشيء، والجمع الأجزاء، وجزأته جعلته أجزاء.

والمعنى: أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء، بمعنى أنه يجعلهم أقساماً وفرقاً، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف.

والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ ﴾ واذكر وقت قوله ﴿ سَوَّيْتُهُ ﴾ عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها.

ومعنى ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

واستثنى إبليس من الملائكة؛ لأنه كان بينهم مأموراً معهم بالسجود، فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب كقولك: رأيتهم إلا هنداً.

و ﴿ أبى ﴾ استئناف على تقدير قول قائل بقول: هلا سجد؟

فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه.

وقيل: معناه ولكن إبليس أبى.

حرف الجر مع (إن) محذوف.

وتقديره ﴿ مَا لَكَ ﴾ في ﴿ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ بمعنى أيّ غرض لك في إبائك السجود.

وأي داع لك إليه.

اللام في ﴿ لأسْجُدَ ﴾ لتأكيد النفي.

ومعناه: لا يصحّ مني وينافي حالي.

ويستحيل أن أسجد لبشر ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ شيطان من الذين يرجمون بالشهب، أو مطرود من رحمة الله؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة.

ومعناه: ملعون؛ لأن اللعن هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها.

والضمير في ﴿ مِنْهَا ﴾ راجع إلى الجنة أو السماء، أو إلى جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين حداً للعنة، إما لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، كقوله ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ [هود: 107] في التأبيد.

وإما أن يراد أنك مذموم مدعوّ عليك باللعن في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما يُنسى اللعن معه.

و ﴿ يَوْمِ الدين ﴾ و ﴿ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ و ﴿ يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ [الحجر: 38] في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكاً بالكلام طريقة البلاغة.

وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت؛ لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك، وأُنظر إلى آخر أيام التكليف ﴿ بِمَا أغويتني ﴾ الباء للقسم.

و (ما) مصدرية وجواب القسم ﴿ لأُزَيِّنَنَّ ﴾ المعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم.

ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه، بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام، فأفضى ذلك إلى غيه.

وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته والرضا به، ونحو قوله ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82] في أنه إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما.

ويجوز أن لا يكون قسماً، ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلنّ بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم ﴿ فِى الأرض ﴾ في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176] أو أراد أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر.

أو أراد: لأجعلنّ مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعن تزييني فيها، أي: لأزيننها في أعينهم ولأحدّثنهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها، حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها دونها.

ونحوه: يَجْرَحْ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي استثنى المخلصين؛ لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه.

أي ﴿ هذا ﴾ طريق حق ﴿ عَلَىَّ ﴾ أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته: وقرئ: ﴿ عليّ ﴾ وهو من علو الشرف والفضل ﴿ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ الضمير للغاوين.

وقيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين، وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقرئ: ﴿ جزء ﴾ ، بالتخفيف والتثقيل.

وقرأ الزهري: ﴿ جزّ ﴾ ، بالتشديد؛ كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك: خبّ في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد، كقولهم: الرجل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ لَمَوْعِدُ الغاوِينَ أوِ المُتَّبِعِينَ.

﴿ أجْمَعِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ أوْ حالٌ والعامِلُ فِيها المَوْعِدُ إنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جَعَلْتَهُ اسْمَ مَكانٍ فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ.

﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ يَدْخُلُونَ مِنها لِكَثْرَتِهِمْ، أوْ طَبَقاتٌ يَنْزِلُونَها بِحَسَبِ مَراتِبِهِمْ في المُتابَعَةِ وهي: جَهَنَّمُ ثُمَّ لَظى ثُمَّ الحُطَمَةُ ثُمَّ السَّعِيرُ ثُمَّ سَقَرُ ثُمَّ الجَحِيمُ ثُمَّ الهاوِيَةُ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ لِانْحِصارِ مَجامِعِ المُهْلِكاتِ في الرُّكُونِ إلى المَحْسُوساتِ ومُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، أوْ لِأنَّ أهْلَها سَبْعُ فِرَقٍ.

﴿ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ ﴾ مِنَ الأتْباعِ.

﴿ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ أُفْرِزَ لَهُ، فَأعْلاها لِلْمُوَحِّدِينَ العُصاةِ، والثّانِي لِلْيَهُودِ والثّالِثُ لِلنَّصارى والرّابِعُ لِلصّابِئِينَ والخامِسُ لِلْمَجُوسِ والسّادِسُ لِلْمُشْرِكِينَ والسّابِعُ لِلْمُنافِقِينَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « جُزْءٌ» بِالتَّثْقِيلِ.

وَقُرِئَ « جُزٍّ» عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الزّايِ، ثُمَّ الوَقْفِ عَلَيْهِ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، ومِنهم حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لا في ﴿ مَقْسُومٌ ﴾ لِأنَّ الصِّفَةَ لا تَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَ مَوْصُوفَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ} وبضم العين مدني وبصري وحفص المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه وقال في الشرح ان دخل أهل الكتاب في قوله لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْء مقسوم فالمراد بالمتقين الذين اتقوا الكبائر وإلا فالمراد به الذين اتقوا الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ خالِدُونَ فِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ- عَلى ما في الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- الَّذِينَ اتَّقَوُا الكَفْرَ والفَواحِشَ ولَهم ذُنُوبٌ تُكَفِّرُها الصَّلَواتُ وغَيْرُها، وفِيهِ أنَّ المُتَّقِيَ عَلى الإطْلاقِ مَن يَتَّقِي ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وذَكَرَ أنَّهُ المَنقُولُ عَنِ الخَيْرِ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً فَلَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى فَإنَّ الفَرْدَ مُشْتَمِلٌ عَلى الماهِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ وكُلُّ آتٍ بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فالآتِي بِفَرْدٍ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا قالُوا: ظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحُكْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ عُقَيْبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وعُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ فَلِذا اعْتُبِرَ الإيمانُ في هَذا الحُكْمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُزادَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لِما كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ بِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرُ فَثَبَتَ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْ كانُوا مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ وكَلامٌ ظاهِرٌ اه.

وقَدْ يُقالُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ السّابِقُ ذِكْرُهم وأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلى الكامِلِ والكامِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ولا بَأْسَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ وقِيلَ إنَّهُ الأنْسَبُ.

وإخْراجُ العُصاةِ مِنَ النّارِ ثابِتٌ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، وكَذا إدْخالُ التّائِبِينَ الجَنَّةَ بَلْ غَيْرِهِمْ أيْضًا فَلا يَلْزَمُ القائِلُ بِذَلِكَ القَوْلِ بِما عَلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن تَخْلِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ كَما لا يَخْفى، وألْ لِلِاسْتِغْراقِ وهو إمّا مَجْمُوعِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ جَنَّةٌ وعَيْنٌ أوْ إفْرادِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلٍّ جَنّاتٌ وعُيُونٌ، والمُرادُ بِالعُيُونِ يَحْتَمِلُ كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ الأنْهارَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنابِعَ مُغايِرَةً لِتِلْكَ الأنْهارِ وهو الظّاهِرُ، وهَلْ كُلٌّ مِنَ المُتَّقِينَ مُخْتَصٌّ بِعُيُونِهِ أوْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بَلْ تَجْرِي مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ احْتِمالانِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ عَيْنٌ ويَنْتَفِعُ بِها مَن في مَعِيَّتِهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَجْرِيَ العَيْنُ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِأنَّهم مُطَهَّرُونَ عَنِ الحِقْدِ والحَسَدِ، وضَمُّ العَيْنِ مِن (عُيُونٍ) هو الأصْلُ وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وهِشامٌ وقَرَأ الباقُونَ بِالعَكْسِ وهو لِمُناسَبَةِ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ عِبادِي أي: عبادي الَّذين لا يطيعونك لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي: حجة ولا ملكا، ولا أسلطك عليهم.

كقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [النحل: 99] .

ثم قال تعالى: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ أي: من أطاعك من الكافرين.

ويقال: معناه إنما نفاذ دعوتك ووسوستك لمن اتبعك من المشركين.

ثم بيّن مصير من اتبعه ومصير من لم يتبعه فقال: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ أي: لمصير من اتبعه لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي: سبعة منازل لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ أي: لكل منزل صنف ممن يعذب من الكفار، على قدر منزلته من الذنب، نصيب معروف.

أسفلها هاوية وهي لآل فرعون، ولأصحاب المائدة الذين كفروا بعيسى، وللمنافقين، والزنادقة.

والثانية: لظى وهي منزلة المجوس والثنوية الذين قالوا بإلهين.

والثالثة: سقر وهي منزلة المشركين وعبدة الأوثان.

والرابعة: الجحيم، وهي منزلة اليهود الذين كذبوا الرسل، وقتلوا أنبياء الله بغير حق.

والخامسة: الحطمة وهي منزلة النصارى الذين كذبوا محمدا  ، وقالوا قولاً عظيماً.

والسادسة: السعير وهي منزلة الصابئين، ومن أعرض عن دين الإسلام وخرج منه.

والسابعة: جهنم وهي أعلى المنازل، وعليها ممر الخلق كلهم، وهي منزل أهل الكبائر من المسلمين.

قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: «الباب الأول جهنم، والثاني السعير، والثالث سقر، والرابع جهنم، والخامس لظى، والسادس الحطمة، والسابع الهاوية» .

وقال بعضهم: جهنم اسم عام يقع على الإدراك كلها، والأول أصح: إن جهنم اسم لا يقع على الإدراك، وهكذا روي عن جماعة من الصحابة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : كأنه جعله بمنزلة قوله: ربِّ بقدرتِكَ علَيَّ، وقضائِكَ، ويحتملُ أَن تكون بَاءَ السّبب.

وقوله سبحانه: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ: المعنى: هذا أمر إِلَيَّ يصيرُ والعربُ تقول: طريقُكَ في هذا/ الأمْرِ علَى فلانٍ، أي: إِليه يصيرُ النظر في أمْرِكَ، والآيةُ تتضمَّن وعيداً، وظاهرُ قوله: عِبادِي: الخصوصُ في أهْل الإِيمانِ والتقوَى، فيكون الاستثناء منقطعاً، وإِن أخذْنا العِبَادَ عموماً، كان الاستثناء متصلاً، ويكون الأقلُّ في القَدْر من حيثُ لا قَدْرَ للكفار والنظَرُ الأولُ أحسنُ، وإِنما الغَرَضُ ألاَّ يَقع في الاستثناء الأَكْثَرُ من الأقل، وإِن كان الفقهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ.

وقوله: لَمَوْعِدُهُمْ: أي: موضعُ اجتماعهم، عافانا اللَّهُ من عذابه بمَنِّه، وعامَلَنَا بمَحْضِ جوده وكرمه.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)

وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)

وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ...

الآية:

السلام هنا: يحتمل أن يكونَ السَّلامة، ويحتمل أن يكون التحيّة، والغل:

الحقد، قال الداوديّ: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ ...

الآية، قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ، حُبِسُوا عَلَى صِرَاطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِمَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وَاللَّهِ، لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْ منزله في الدّنيا» «٢» .

انتهى.

وال سُرُرٍ: جمع سرير، ومُتَقابِلِينَ: الظاهر أن معناه: في الوجوه، إِذ الأسرَّة متقابلة، فهي أحسن في الرتبة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

والثّانِي: المَعْصُومُونَ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: المُخْلِصُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: المُطِيعُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، تَكُونُ الآيَةُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

وَفِي المُرادِ بِالسُّلْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ لَكَ حُجَّةٌ في إغْوائِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ؛ إنَّما لَهُ أنْ يَغُرَّ ويُزَيِّنَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أنْ تُلْقِيَهم في ذَنْبٍ يَضِيقُ عَفْوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ وهي دَرَكاتُها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْوابُ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ كَأبْوابِكم هَذِهِ، ولَكِنَّها هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصَفَ الرّاوِي عَنْهُ بِيَدِهِ وفَتَحَ أصابِعَهُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ، أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هي سَبْعَةُ أدْراكٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَأعْلاها فِيهِ أهْلُ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، والثّانِي فِيهِ النَّصارى، والثّالِثُ فِيهِ اليَهُودُ، والرّابِعُ فِيهِ الصّائِبُونَ، والخامِسُ فِيهِ المَجُوسُ، والسّادِسُ فِيهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، والسّابِعُ فِيهِ المُنافِقُونَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا اتَّصَلَ العَذابُ بِالبابِ، وكانَ البابُ مِن سَبَبِهِ، سُمِّيَ بِاسْمِهِ لِلْمُجاوَرَةِ، كَتَسْمِيَتِهِمُ الحَدَثَ غائِطًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن أتْباعِ إبْلِيسَ ﴿ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ والجُزْءُ: بَعْضُ الشَّيْءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنها" لِلْجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، في القِصَّةِ تَتَضَمَّنُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى صِيغَةِ المَلائِكَةِ.

و"الرَجِيمُ" المَشْؤُومُ، أيِ: المَرْجُومُ بِالقَوْلِ والشَتْمِ، و ﴿ يَوْمِ الدِينِ ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا وسَألَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأعْطاهُ اللهُ إيّاها إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ- فَقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يَكُونُ آخِرَ مَن يَمُوتُ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وقِيلَ إلى وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ولا مَرْسُومٍ بِقِيامَةٍ ولا غَيْرَها، بَلْ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ وحْدَهُ.

وقِيلَ: بَلْ أمْرُهُ كانَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا -وَإنْ كانَ رُوِيَ- فَهو ضَعِيفٌ.

والمُنْظَرُ: المُؤَخَّرُ.

وقَوْلُهُ: "رَبِّ" مَعَ كُفْرِهِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّهُ يُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ والخَلْقِ، وهو الظاهِرُ مِن حالِهِ وما تَقْتَضِيهِ فِيهِ الآياتُ والأحادِيثُ، وهَذا لا يَدْفَعُ في صَدْرِ كُفْرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "أقْسَمَ بِالإغْواءِ"، كَأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "رَبِّ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وقَضائِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالسَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: "رَبِّ واللهِ لَأُغْوِيَنَّهم بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي ومِن أجْلِهِ وكَفاءً لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجَلُّدًا مِنهُ ومُبالَغَةً في الجِدِّ، أيْ: "بِحالِي هَذِهِ وبُعْدِي مِنَ الخَيْرِ واللهِ لَأفْعَلَنَّ ولَأُغْوِيَنَّ"، ومَعْنى ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ﴾ أيِ الشَهَواتُ والمَعاصِي.

والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، فالقِصَّةُ بِجُمْلَتِها حَيْثُ وقَعَتْ كامِلَةً تَتَضَمَّنُهُمْ، والإغْواءُ: الإضْلالُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم أنْتَ لِعِبادَتِكَ وتَقْواكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا الإيمانَ بِكَ وبِرُسُلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ، القائِلُ هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، وقَرَأ الضِحاكُ، وحُمَيْدٌ، والنَخَعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ" مِنَ العُلُوِّ والرِفْعَةِ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى الإخْلاصِ، لَمّا اسْتُثْنِيَ إبْلِيسُ مِن أخْلَصَ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا الإخْلاصُ طَرِيقٌ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ لا تَنالُ أنْتَ بِإغْوائِكَ أهْلَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيَّ" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى انْقِسامِ الناسِ إلى غاوٍ ومُخْلِصٍ، لَمّا قَسَّمَ إبْلِيسُ الناسَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا طَرِيقٌ إلَيَّ، أيْ: هَذا أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ، والعَرَبُ تَقُولُ: "طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ"، أيْ: إلَيْهِ يَصِيرُ النَظَرُ في أمْرِكَ.

وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ  ﴾ ، والآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- خَبَرٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا.

ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن سَلامَةِ عِبادِهِ المُتَّقِينَ مِن إبْلِيسَ، وخاطَبَهُ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ولا مَلَكَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: "عِبادِي" الخُصُوصُ في أهْلِ الإيمانِ والتَقْوى لا عُمُومُ الخَلْقِ، وبِحَسْبِ هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ ﴾ مُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ، والتَقْدِيرُ: لَكِنْ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وإنْ أخَذْنا العِبادَ عامًّا في عُبّادِ الناسِ، إذْ لَمْ يُقَدِّرُ اللهُ لِإبْلِيسَ سَلَّطانا عَلى أحَدٍ، فَإنّا نُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ في الأقَلِّ في القَدْرِ مِن حَيْثُ لا قَدْرَ لِلْكُفّارِ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وإنَّما الغَرَضُ ألّا نَقَعَ في اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ مِنَ الأقَلِّ وإنْ كانَ الفُقَهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ، وقالَ أبُو المَعالِي: لَيْسَ مَعْرُوفًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أمْثَلُ ما احْتَجَّ بِهِ مُجَوِّزُوهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ عَلى ما بَيَّنْتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ أيْ مَوْضِعُ اجْتِماعِهِمْ، والمَوْعِدُ يَتَعَلَّقُ بِزَمانٍ ومَكانٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَكانُ ولا يُحَدَّدُ زَمانُ المَوْعِدِ.

و"أجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وفِيهِ مَعْنى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ النارَ بِجُمْلَتِها سَبْعَةُ أطْباقٍ، أعْلاها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحَطْمَةُ، ثُمَّ السَعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ وفِيهِ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، وإنَّ في كُلِّ طِبْقِ مِنها بابًا، فالأبْوابُ -عَلى هَذا- بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النارِ جُمْلَةً بِجَهَنَّمَ، إذْ هي أشْهَرُ مَنازِلَها وأوَّلُها، وهي مَوْضِعُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَخْلُدُونَ، ولِهَذا رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ وتَبْلى.

وقِيلَ: إنَّ النارَ أطْباقٌ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّ الأبْوابَ السَبْعَةَ كُلَّها في جَهَنَّمَ عَلى خَطِّ اسْتِواءٍ، ثُمَّ يُنْزَلُ مِن كُلِّ بابٍ إلى طَبَقَةِ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ.

واخْتَصَرْتُ ما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ الأبْوابِ، وفي هَواءِ النارِ، وفي كَيْفِيَّةِ الحالِ، إذْ هي أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُها لا يَسْتَنِدُ، وهي في حَيِّزِ الجائِزِ، والقُدْرَةُ أعْظَمُ مِنها، عافانا اللهُ مِن نارِهِ، وتَغَمَّدَنا بِرَحْمَتِهِ بِمَنِّهِ.

وقَوْلُهُ: "جُزْءٌ"، قَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "جُزٌّ" بِشَدِّ الزايِ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الصراط المستقيم: هو الخبر والرشاد.

فالإشارة إلى ما يؤخذ من الجملة الواقعة بعد اسم الإشارة المبيّنة للإخبار عن اسم الإشارة وهي جملة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ ، فتكون الإشارة إلى غير مشاهَد تنزيلاً له منزلة المشاهد، وتنزيلاً للمسموع منزلة المرئي.

ثم إن هذا المنزل منزلة المشاهد هو مع ذلك غير مذكور لقصد التشويق إلى سماعه عند ذكره.

فاسم الإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن، كما يكتب في العهود والعقود: هذا ما قاضى عليه فلان فلاناً أنه كيَت وكيت، أو هذا ما اشترى فلان من فلان أنه باعه كذا وكذا.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى الاستثناء الذي سبق في حكاية كلام إبليس من قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [سورة الحجر: 40] لتضمنه أنه لا يستطيع غواية العباد الذين أخلصهم الله للخير، فتكون جملة إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } مستأنفة أفادت نفي سلطانه.

والصراط: مستعار للعمل الذي يقصِد منه عاملُه فائدةً.

شُبه بالطريق الموصل إلى المكان المطلوب وصوله إليه، أي هذا هو السُنّة التي وضعتُها في الناس وفي غوايتك إياهم وهي أنّك لا تغوي إلا من اتّبعك من الغاوين، أو أنك تغوي من عدا عبادي المخلصين.

و ﴿ مستقيم ﴾ نعت ل ﴿ صراط ﴾ ، أي لا اعوجاج فيه.

واستعيرت الاستقامة لملازمة الحالة الكاملة.

و ﴿ على ﴾ مستعملة في الوجوب المجازي، وهو الفعل الدائم التي لا يتخلّف كقوله تعالى: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ [سورة الليل: 12]، أي أنّا التزمنا الهدى لا نحيد عنه لأنه مقتضى الحكمة وعظمة الإلهية.

وهذه الجملة مما يُرسل من الأمثال القرآنية.

وقرأ الجمهور على} بفتح اللام وفتح الياء على أنها (على) اتصلت بها ياء المتكلم.

وقرأه يعقوب بكسر اللام وضم الياء وتنوينها على أنه وصف من العلوّ وصف به صراط، أي صراط شريف عظيم القدر.

والمعنى أن الله وضع سنّة في نفوس البشر أن الشيطان لا يتسلّط إلا على من كان غاوياً، أي مائلاً للغواية مكتسباً لها دون مَن كبحَ نفسه عن الشر.

فإن العاقل إذا تعلق به وسواس الشيطان عَلم ما فيه من إضلال وعلم أن الهدى في خلافه فإذا توفّق وحمل نفسه على اختيار الهُدى وصرف إليه عزمه قوي على الشيطان فلم يكن له عليه سلطان، وإذا مَال إلى الضلال واستحسنه واختار إرضاء شهوته صار متهيئاً إلى الغواية فأغواه الشيطان فغوَى.

فالاتباع مجاز بمعنى الطاعة واستحسان الرأي كقوله: ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ [سورة آل عمران: 31].

وإطلاق الغاوين} من باب إطلاق اسم الفاعل على الحصول في المستقبل بالقرينة لأنه لو كان غاوياً بالفعل لم يكن لسلطان الشيطان عليه فائدة.

وقد دلّ على هذا المعنى تعلّق نفي السلطان بجميع العباد، ثم استثناء من كان غاوياً.

فلما كان سلطان الشيطان لا يتسلط إلا على من كان غاوياً علمنا أن ثمّة وصفاً بالغواية هو مهيَئ تسلطِ سلطان الشيطان على موصوفه.

وذلك هو الموصوف بالغواية بالقوة لا بالفعل، أي بالاستعداد للغواية لا بوقوعها.

فالإضافة في قوله تعالى: ﴿ عبادي ﴾ للعموم كما هو شأن الجمع المعرّف بالإضافة، والاستثناء حقيقي ولا حَيرة في ذلك.

وضمير «مَوعدهم» عائد إلى ﴿ من اتبعك ﴾ ، والموعد مكان الوعد.

وأطلق هنا على المصير إلى الله استعير الموعد لمكان اللقاء تشبيهاً له بالمكان المعين بين الناس للقاء معين وهو الوعد.

ووجه الشبه تحقّق المجيء بجامع الحرص عليه شأن المواعيد، لأن إخلاف الوعد محاور، وفي ذلك تَمليح بهم لأنهم ينكرون البعث والجزاء، فجُعلوا بمنزلة من عيّن ذلك المكان للإتيان.

وجملة ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها لإعداد الناس بحيث لا تضيق عن دخولهم.

والظاهر أن السبعة مستعملة في الكثرة فيكون كقوله: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ﴾ [سورة الرعد: 23]؛ أو أريد بالأبواب الكناية عن طبقات جهنم لأن الأبواب تقتضي منازل فهي مراتب مناسبة لمراتب الإجرام بأن تكون أصول الجرائم سبعة تتفرع عنها جميع المعاصي الكبائر.

وعسى أن نتمكن من تشجيرها في وقت آخر.

وقد يكون من جملة طبقاتها طبقة النفاق قال تعالى: ﴿ إن المنافقين في الدرككِ الأسفل من النار ﴾ [سورة النساء: 145].

وانظر ما قدمناه من تفريع ما ينشأ عن النفاق من المذام في قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ في سورة البقرة (8).

وجملة ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ صفة ل ﴿ أبواب ﴾ وتقسيمها بالتعيين يعلمه الله تعالى.

وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد ل ﴿ من اتبعك من الغاوين ﴾ ، أي لكل باب فريق يدخل منه، أو لكل طبقة من النار قسم من أهل النار مقسوم على طبقات أقسام النار.

واعلم أن هذه الأقوال التي صدرت من الشيطان لدى الحضرة القدسية هي انكشاف لجبلّة التطور الذي تكيّفت به نفس إبليس من حينَ أبى من السجود وكيف تولدَ كل فصل من ذلك التطور عما قبله حتى تقومت الماهية الشيطانية بمقوماتها كاملة عندما صدر منه قوله: ﴿ لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [سورة الحجر: 39، 40]، فكلّما حَدث في جبلّته فصْل من تلك الماهية صدر منه قول يدل عليه؛ فهو شبيه بنطق الجوارح بالشهادة على أهل الضلالة يوم الحساب.

وأما الأقوال الإلهية التي أجيبت بها أقوال الشيطان فمظهر للأوامر التكوينية التي قدّرها الله تعالى في علمه لتطور أطوار إبليس المقومة لماهية الشيطنة، وللألطاف التي قدرها الله لمن يعتصم بها من عباده لمقاومة سلطان الشيطان.

وليست تلك الأقوال كلها بمناظرة بين الله وأحد مخلوقاته ولا بغلبة من الشيطان لخالقه، فإن ضعفه تُجاهَ عزّة خالقه لا يبلغ به إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِما أضْلَلْتَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِما خَيَّبْتَنِي مِن رَحْمَتِكَ.

الثّالِثُ: بِما نَسَبْتَنِي إلى الإغْواءِ.

وَيَحْتَمِلُ هَذا مِن إبْلِيسَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَقُولُهُ عَلى وجْهِ القَسَمِ وتَقْدِيرُهُ: وحَقِّ إغْوائِكَ لِي.

الثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ عَلى وجْهِ الجَزاءِ، وتَقْدِيرُهُ لِأجْلِ إغْوائِكَ لِي.

﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَأُزَيِّنَنَّ لَهم فِعْلَ المَعاصِي.

الثّانِي: لَأشْغَلَنَّهم بِزِينَةِ الدُّنْيا عَنْ فِعْلِ الطّاعَةِ.

﴿ وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ لَأُضِلَّنَّهم عَنِ الهُدى.

﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا العِبادَةَ مِن فَسادٍ أوْ رِياءٍ، حَكى أبُو ثُمامَةَ أنَّ الحَوارِيِّينَ سَألُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المُخْلَصِ لِلَّهِ، فَقالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ هَذا صِراطٌ يَسْتَقِيمُ بِصاحِبِهِ حَتّى يَهْجُمَ بِهِ عَلى الجَنَّةِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: هَذا صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، قالَهُ الحَسَنُ فَتَكُونُ عَلَيَّ بِمَعْنى إلَيَّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ومَعْناهُ أنَّ طَرِيقَهُ إلَيَّ ومَرْجِعَهُ عَلَيَّ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن يُهَدِّدُهُ ويُوعِدُهُ: عَلَيَّ طَرِيقُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ اسْتِقامَتُهُ بِالبَيانِ والبُرْهانِ.

وَقِيلَ بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

وَقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ بِرَفْعِ الياءِ وتَنْوِينِها، ومَعْناهُ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ رَفِيعٌ أنْ يُنالَ، مُسْتَقِيمٌ أنْ يُمالَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الجان، مسيخ الجن كما القردة والخنازير مسيخ الإِنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل ﴾ وهو إبليس خلق من قبل آدم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ قال: من أحسن الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نار السموم ﴾ قال: ﴿ السموم ﴾ الحارة التي تقتل.

وأخرج الطيالسي والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ السموم ﴾ التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءاً من النبوّة، وهذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي خلق منها الجان» وتلا هذه الآية ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: خلق الجان والشياطين من نار الشمس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الخائفين من الله الموحدين الذين لم يتخذوا له شريكًا، وقال الكلبي عنه: إن المتقين للفواحش والكبائر (١) ﴿ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ يعني: عيون الماء والخمر) (٢) (٣) (١) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 191، والألوسي 14/ 56، وورد بنحوه غير منسوب في: "تفسير القرطبي" 10/ 32، والخازن 3/ 97.

(٢) هذا تخصيص بلا دليل، والأولى حمله على عمومه، فإن كان القصد البيان والتمثيل، فيقال.

عيون من الماء والخمر.

(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاخرج مِنْهَا ﴾ أي من الجنة أو من السماء ﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ يقتضي إقراره بالربوبية وأن كفره كان بوجه غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم ﴿ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ اليوم الذي طلب إبليس أن ينظر إليه هو يوم القيامة، وقيل: الوقت المعلوم الذي أُنْظِر إليه هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى؛ حين يموت من في السموات ومن في الأرض.

وكان سؤال إبليس الانتظار إلى يوم القيامة جهلاً منه ومغالطة؛ إذ سأل ما لا سبيل إليه.

لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبداً، لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه: أعرض الله عنه، وأعطاه الانتظار إلى النفخة الأولى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في آية آخرى: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، وقال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول تراباً، وفي حال طيناً لازباً، وفي حال حمأ مسنوناً؛ وهو الذي اسودّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخاراً.

فقبل أن يكون خلقاً مركباً الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ  ﴾ ذكر فيه أحولا ثلاثة قبل أن يخلق لحماً وعظماً، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.

فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.

أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأواني، والقدور، وجميع أنواع المنافع.

وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا؛ ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.

ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها [من] أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه [شيء]، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به [لا] من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضاً، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة.

فدل أنه إنما خلقه من طين [لازب]؛ طاب أصله.

فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئاً، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ وقال: ﴿ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ﴾ .

والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس.

والحمأ: الطين الأسود.

والمسنون: [المنتن المتغير].

وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس  .

وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون - أيضاً -: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبّاً سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ : الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمّي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره.

ومسنون: أي: مخلوق.

وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا.

والله أعلم بذلك.

وقوله  : ﴿ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ .

قال بعضهم: الجانّ: هو إبليس.

وقال بعضهم: الجانّ: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سمّوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ ؛ وذلك لتمردهم، والجانّ مقتدر عن الجن.

والله أعلم بذلك.

والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.

وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: ﴿ نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : الحارّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلوّ، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.

والجانّ: قال أبو عوسجة: الجنّ: واحدُ الجانّ، والجمع: جانّ؛ سمي ذلك لاستجنانه.

وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ أي أتممته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  ﴾ .

لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا [من قوله]: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ و ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ونحوه - استواء الخلق؟

بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: [حدود الله، وحكم الله]، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله.

وقد أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أو تلقين من الشيطان.

وقوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ ﴿ رُّوحِنَا ﴾ أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ خَالِقٌ بَشَراً ﴾ ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ .

ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.

قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهماً، يسقط [الاستثناء ما] أجمل من الاسم حتى [صار] تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمراً؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلاناً - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا فلاناً، فعلى ذلك تخصيص العموم.

وقال الحسن: في قوله: ﴿ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ قال: الصلصال: هو الطين الحرّ الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] ليس من كل ماءٍ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء.

وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن ﴿ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ﴾ : أي: من قبل آدم ﴿ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ  ﴾ وقال له: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر[ ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر]: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم يكن معه مراراً؛ ولكن بمرة واحدة.

وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله  قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعاً في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألاَّ يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه.

الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.

وقال بعضهم: اخرج من الأرض إلى جزائر البحر.

وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَجِيمٌ ﴾ قيل: الرجيم: الملعون.

وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.

مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله  إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، [فمع ما] علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟

قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصاناً في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.

وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظراً للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعاً أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.

وقال بعضهم: خلق الأعداء نظراً للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر [ ]، وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله  خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم.

وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه.

لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه  أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...

﴾ الآية [الأنفال: 48] أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل [على] ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني.

وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.

وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم.

وأصله: أن قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.

وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : كأنه يقول: ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.

فإن قيل: قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه.

قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  ﴾ فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر.

وأما قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح -  - حيث قال: ﴿ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ  ﴾ وقول موسى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  ﴾ أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.

ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني وشهدت عليَّ بذلك ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك.

والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة الله وفضله.

والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله.

ويقولون: الله لا يغوي أحداً لا إبليس، ولا أحداً من أتباعه؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحداً ولا يختص أحداً إلا بصنع يكون منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: قوله ﴿ عَلَيَّ ﴾ بمعنى إليَّ: أي: إليَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.

ويحتمل قوله: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ : أي: عليَّ بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ : أي: بيان قصد السبيل.

وقال بعضهم: لما قال إبليس: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال الله  : ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يقول: عليَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عليَّ.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: ليس لك عليهم حجة ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.

ويحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطاناً.

وقوله  : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

أي: لموعد إبليس وأتباعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ .

يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.

قال الحسن، والأصم: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضاً باباً لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين والدهرية.

وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.

ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين.

فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين اتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه في جنات وعيون.

<div class="verse-tafsir" id="91.X2DjK"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله