الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٤٥ من سورة الحجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٥ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى حال أهل النار عطف على ذكر أصل الجنة وأنهم في جنات وعيون.
يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا الله بطاعته وخافوه، فتجنبوا معاصيه في جنات وعيون .
قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين قوله تعالى : إن المتقين في جنات وعيون أي الذين اتقوا الفواحش والشرك .في جنات أي بساتين .وعيون هي الأنهار الأربعة : ماء وخمر ولبن وعسل .
وأما العيون المذكورة في سورة " الإنسان " : الكافور والزنجبيل والسلسبيل ، وفي " المطففين " : التسنيم ، فيأتي ذكرها وأهلها إن شاء الله .
وضم العين من " عيون " على الأصل ، والكسر مراعاة للياء ، وقرئ بهما
ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه أتباع إبليس من النكال والعذاب الشديد ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم والنعيم المقيم فقال تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ } الذين اتقوا طاعة الشيطان وما يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } قد احتوت على جميع الأشجار وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع الأوقات.
قوله تعالى :( إن المتقين في جنات وعيون ) أي : في بساتين وأنهار .
«إن المتقين في جنات» بساتين «وعيون» تجري فيها.
إن الذين اتقوا الله بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى في بساتين وأنهار جارية يقال لهم: ادخلوا هذه الجنات سالمين من كل سوء آمنين من كل عذاب.
ونزعنا ما في قلوبهم من حقد وعداوة، يعيشون في الجنة إخوانًا متحابين، يجلسون على أسرَّة عظيمة، تتقابل وجوههم تواصلا وتحاببًا، لا يصيبهم فيها تعب ولا إعياء، وهم باقون فيها أبدًا.
وقوله - سبحانه - ( إن المتقين .
.
.
) كلام مستأنف لإِظهار حسن عاقبة المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة الغاوين .والمتقون : جمع متق اسم فاعل من اتقى .
وأصله اوتقى - بزنة افتعل - من وقى الشىء وقاية ، أى : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه .والجنات : جمع جنة ، وهى كل بستان ذى شجر متكاثف ، ملتف الأغصان ، يظلل ما تحته ويستره .
من الجن وهو ستر الشىء عن الحاسة .
.والمراد بها هنا الدار التى أعدها الله - تعالى - لتكريم عباده المؤمنين فى الآخرة .والعيون جمع عين .
والمقصود بها هنا المياه المنتشرة فى الجنات .والمعنى : ( إن المتقين ) الذين صانوا أنفسهم عن الشرك .
وقالوا ربنا الله ثم استقاموا ( فى جنات ) عالية ، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وفيها منابع للماء تلذ لها الأعين .
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِنَّ المتقين ﴾ قولان: القول الأول: قال الجبائي وجمهور المعتزلة: القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي.
قالوا: لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك.
والقول الثاني: وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به.
وأقول: هذا القول هو الحق الصحيح، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضارباً وقاتلاً كونه آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملاً على تلك الماهية، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقياً، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقياً، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار.
إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات وَعُيُونٍ ﴾ يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن شيء واحد، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، وأيضاً فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ وعقيب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر، فثبت أن قوله: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات وَعُيُونٍ ﴾ يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولاً واعتقاداً سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين، وكلام ظاهر.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فِى جنات وَعُيُونٍ ﴾ أما الجنات فأربعة لقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فيكون المجموع أربعة وقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ يؤكد ما قلناه، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ ﴾ يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنهار مّنْ خمرٍ لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ﴾ ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار.
فإن قيل: أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل: لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ ءامِنِينَ ﴾ يحتمل أن القائل لقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم: ﴿ ادخلوها ﴾ .
والجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ ﴾ .
الثاني: لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ ءَامِنِينَ ﴾ المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة، والأمن من زوالها.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ ﴾ والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ من قولهم: أغل في جوفه وتغلغل، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم، وعن علي عليه السلام أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالساً عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي: مرحباً بك يا ابن أخي، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ ﴾ فقال الحرث: كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد.
قال عليه السلام: «فلمن هذه الآية؟
لا أم لك يا أعور»، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة.
وقد نقى الله قلوبهم من الغل والغش، والحقد والحسد، وقوله: ﴿ إِخْوَانًا ﴾ نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ وقوله: ﴿ على سُرُرٍ متقابلين ﴾ السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال: سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو: سرر وسرر، وجدد وجدد قال المفضل: بعض تميم وكلب يفتحون، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، وقال بعض أهل المعاني: السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور.
قال الليث: وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية، وقوله: ﴿ متقابلين ﴾ التقابل التواجه، وهو نقيض التدابر، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب: ﴿ وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ والمراد به كونه خلوداً بلا زوال وبقاء بلا فناء، وكمالاً بلا نقصان، وفوزاً بلا حرمان.
واعلم أن للثواب أربع شرائط: وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة.
أما القيد الأول: وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِنَّ المتقين فِي جنات وَعُيُونٍ ﴾ .
وأما القيد الثاني: وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ ءَامِنِينَ ﴾ لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال.
وأما القيد الثالث: وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية، وإما أن تكون جسمانية، أما المضار الروحانية فهي الحقد، والحسد، والغل، والغضب، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسمانية.
وأما القيد الرابع: وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال، فإنهم قالوا: المراد من قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ ﴾ إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال، وقوله: ﴿ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين ﴾ معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله: ﴿ إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
المتقي على الإطلاق: من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها ﴿ ادخلوها ﴾ على إرادة القول.
وقرأ الحسن: ﴿ أدخلوها ﴾ ﴿ بِسَلامٍ ﴾ سالمين أو مسلماً عليكم: تسلم عليكم الملائكة.
الغل: الحقد الكامن في القلب، من انغل في جوفه وتغلغل، أي: إن كان لأحدهم في الدنيا غلّ على آخر.
نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم.
وعن عليّ رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم.
وعن الحرث الأعور: كنت جالساً عنده إذ جاء ابن طلحة فقال له عليّ: مرحباً بك يا ابن أخي.
أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾ فقال له قائل: كلا، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد، فقال: فلمن هذه الآية لا أمّ لك؟
وقيل: معناه طهر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونزع منها كل غل، وألقى فيها التوادّ والتحاب.
و ﴿ إِخْوَانًا ﴾ نصب على الحال.
و ﴿ على سُرُرٍ متقابلين ﴾ كذلك.
وعن مجاهد.
تدور بهم الأسرة حيثما داروا، فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ ﴾ مِنِ اتِّباعِهِ في الكَفْرِ والفَواحِشِ فَإنَّ غَيْرَها مُكَفَّرَةٌ.
﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ وعَيْنٌ أوْ لِكُلِّ عِدَّةٍ مِنهُما كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ الآيَةَ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ﴿ وَعُيُونٍ ﴾ والعُيُونُ بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ والباقُونَ بِكَسْرِ العَيْنِ.
﴿ ادْخُلُوها ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقُرِئَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الخاءِ عَلى أنَّهُ ماضٍ فَلا يُكْسَرُ التَّنْوِينُ.
﴿ بِسَلامٍ ﴾ سالِمِينَ أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْكم.
﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ الآفَةِ والزَّوالِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ} وبضم العين مدني وبصري وحفص المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه وقال في الشرح ان دخل أهل الكتاب في قوله لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْء مقسوم فالمراد بالمتقين الذين اتقوا الكبائر وإلا فالمراد به الذين اتقوا الشرك
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ خالِدُونَ فِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ- عَلى ما في الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- الَّذِينَ اتَّقَوُا الكَفْرَ والفَواحِشَ ولَهم ذُنُوبٌ تُكَفِّرُها الصَّلَواتُ وغَيْرُها، وفِيهِ أنَّ المُتَّقِيَ عَلى الإطْلاقِ مَن يَتَّقِي ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وذَكَرَ أنَّهُ المَنقُولُ عَنِ الخَيْرِ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً فَلَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى فَإنَّ الفَرْدَ مُشْتَمِلٌ عَلى الماهِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ وكُلُّ آتٍ بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فالآتِي بِفَرْدٍ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا قالُوا: ظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحُكْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ عُقَيْبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وعُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ فَلِذا اعْتُبِرَ الإيمانُ في هَذا الحُكْمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُزادَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لِما كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ بِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرُ فَثَبَتَ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْ كانُوا مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ وكَلامٌ ظاهِرٌ اه.
وقَدْ يُقالُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ السّابِقُ ذِكْرُهم وأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلى الكامِلِ والكامِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ولا بَأْسَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ وقِيلَ إنَّهُ الأنْسَبُ.
وإخْراجُ العُصاةِ مِنَ النّارِ ثابِتٌ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، وكَذا إدْخالُ التّائِبِينَ الجَنَّةَ بَلْ غَيْرِهِمْ أيْضًا فَلا يَلْزَمُ القائِلُ بِذَلِكَ القَوْلِ بِما عَلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن تَخْلِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ كَما لا يَخْفى، وألْ لِلِاسْتِغْراقِ وهو إمّا مَجْمُوعِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ جَنَّةٌ وعَيْنٌ أوْ إفْرادِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلٍّ جَنّاتٌ وعُيُونٌ، والمُرادُ بِالعُيُونِ يَحْتَمِلُ كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ الأنْهارَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنابِعَ مُغايِرَةً لِتِلْكَ الأنْهارِ وهو الظّاهِرُ، وهَلْ كُلٌّ مِنَ المُتَّقِينَ مُخْتَصٌّ بِعُيُونِهِ أوْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بَلْ تَجْرِي مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ احْتِمالانِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ عَيْنٌ ويَنْتَفِعُ بِها مَن في مَعِيَّتِهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَجْرِيَ العَيْنُ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِأنَّهم مُطَهَّرُونَ عَنِ الحِقْدِ والحَسَدِ، وضَمُّ العَيْنِ مِن (عُيُونٍ) هو الأصْلُ وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ وهِشامٌ وقَرَأ الباقُونَ بِالعَكْسِ وهو لِمُناسَبَةِ الياءِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أي: الذين يتقون الشرك والفواحش، ويتقون إجابة الشيطان في بساتين، وعيون ظاهرة، ادْخُلُوها أي: الجنة بِسَلامٍ أي: مسلمين، ويقال: سالمين، ناجين من العذاب.
آمِنِينَ أي: من الموت والخوف.
قوله: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي: من حسد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، ويكونون في الآخرة إِخْواناً صار نصباً على الحال عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ أي: متزاورين متحدثين.
وروى سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، أن علياً قال: «أرجو أن أكون أنا وطلحة، والزبير، من الذين قال الله فيهم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (١) (١) عزاه السيوطي: 5/ 85 إلى ابن جرير وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
قال مجاهد: لاَ يَنْظُرُ أَحَدُهُمْ في قفا صاحبه «١» ، وقيل غير هذا مما لا يعطِيهِ اللفظ، والنصب: التعب، ونَبِّئْ: معناه: أعْلِم.
قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «منهاجه» : «ومن الآيات اللطيفة الجامعةِ بَيْنَ الرجاءِ والخَوْفِ قولُهُ تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، ثم قال في عَقِبَهُ: وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الرجاءِ بِمَرَّة، وقوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣] ، ثم قال في عقبه: ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] ، لَئِلاَّ يستولي عَلَيْكَ الخوف، وأَعْجَبُ من ذلك قَولُهُ تعالَى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٣٠] ، ثم قال في عقبه: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠] ، وأعجَبُ منه قولُهُ تعالَى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ق: ٣٣] ، فعلَّق الخشية باسم الرحمن، دون اسْمِ الجَبَّار أو المنتقِمِ أو المتكبِّر ونحوه، ليكون تخويفاً في تأمينٍ، وتحريكاً في تسكينٍ كما تقولُ: «أَما تخشى الوالدةَ الرحيمة، أمَا تخشى الوالِدَ الشَّفِيقَ» ، والمراد من ذلك أنْ يكونَ الطَّريقُ عدلاً، فلا تذهب إِلى أَمْنٍ وقنوطٍ جعلنا اللَّه وإِيَّاكم من المتدبِّرين لهذا الذكْرِ الحكيمِ، العامِلِينَ بما فيه، إنه الجواد الكريم انتهى.
وقوله سبحانه: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ...
الآية: هذا ابتداءُ قصصٍ بعدَ انصرام الغرضِ الأول، و «الضيف» : مصدرٌ وصف به، فهو للواحدِ والاثنين والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث بلفظٍ واحدٍ، وقوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، أي: فزعون، وَإِنما وَجِلَ منهم لما قَدَّم إِليهم العجْلَ الحنيذ، فلم يرهم يأكُلُون، وكانَتْ عندهم العلامة المُؤَمِّنة أكْلَ الطعام وكذلك هو في غابِرِ الدهْرِ أمْنَةً للنازلِ، والمنزولِ به.
وقوله: أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ، أي: في حالةٍ قد مسَّني فيها الكِبَر، وقول إِبراهيم عليه السلام: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: / تقرير على جهة التعجُّب والاستبعاد، لكبرهما، أو على جهةَ الاحتقار وقلَّة المبالاة بالمَسَرَّات الدنيويَّة، لمضيِّ العمر، واستيلاء الكبر، وقولهم:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ قَدْ شَرَحْنا في (سُورَةِ البَقَرَةِ ٢و٢٥) مَعْنى التَّقْوى والجَنّاتِ.
فَأمّا العُيُونُ، فَهي عُيُونُ الماءِ، والخَمْرِ، والسَّلْسَبِيلِ، والتَّسْنِيمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ أنَّهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِسَلامَةٍ مِنَ النّارِ.
والثّانِي: بِسَلامَةٍ مِن كُلِّ آفَةٍ.
والثّالِثُ: بِتَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ آمِنِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: آمِنِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
والثّانِي: مِنَ الخُرُوجِ.
والثّالِثُ: مِنَ المَوْتِ.
والرّابِعُ: مِنَ الخَوْفِ والمَرَضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ (الأعْرافِ:٤٣) فَإنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا ما هُناكَ هاهُنا مِن تَفْسِيرٍ وسَبَبِ نُزُولٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إخْوانًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم مُتَوادُّونَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُصِبَ " إخْوانًا " عَلى الحالِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنَّ التَّآخِيَ وقَعَ مَعَ نَزْعِ الغِلِّ، وقَدْ كانَ التَّآخِي بَيْنَهم في الدُّنْيا ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: ما مَضى مِنَ التَّآخِي قَدْ كانَ تَشُوبُهُ ضَغائِنُ وشَحْناءُ، وهَذا التَّآخِي بَيْنَهُمُ المَوْجُودُ عِنْدَ نَزْعِ الغِلِّ هو تَآخِي المُصافاةِ والإخْلاصِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ، المَعْنى: اذْكُرْ إخْوانًا.
فَأمّا السُّرُرُ، فَجَمْعُ سَرِيرٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى سُرُرٍ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ، السَّرِيرُ مِثْلُ ما بَيْنَ عَدَنَ إلى أيْلَةَ، " مُتَقابِلِينَ " لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ حَيْثُما التَفَتَ رَأى وجْهًا يُحِبُّهُ يُقابِلُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ ﴾ أيْ: لا يُصِيبُهم في الجَنَّةِ إعْياءٌ وتَعَبٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ ﴾ ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما أعَدَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ عَقِبَ ذِكْرِهِ ما أعَدَّ لِأهْلِ النارِ لِيَظْهَرَ التَبايُنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَعُيُونٍ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ، والجَرّاحُ، وأبُو واقِدٍ، ويَعْقُوبُ -فِي رِوايَةٍ رُوَيْسٍ- بِكَسْرِ العَيْنِ، مِثْلَ بِيُوتٍ وشِيُوخٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ادْخُلُوها" عَلى الأمْرِ بِمَعْنى يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوها، وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: "أُدْخِلُوها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الخاءِ وضَمِّ التَنْوِينِ في "عُيُونٍ" ألْقى عَلَيْهِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ.
و"السَلامُ" هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَلامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَحِيَّةَ، و"الغِلُّ": الحِقْدُ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْهُ يَنْزِعَ الغِلَّ مِن قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مَوْطِنًا، وجاءَ في بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ عَلى الصِراطِ، وجاءَ في بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، وفي لَفْظِ بَعْضِها أنَّ الغِلَّ لَيَبْقى عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ كَمَعاطِنِ الإبِلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا بِلَوْنٍ يَخْلُقُهُ هُناكَ ونَحْوَهُ، وهَذا كَحَدِيثِ ذَبْحٍ المَوْتِ، وقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُسَلَّ مِنَ الصُدُورِ، ولِذَلِكَ جَواهِرُ سُودٍ فَيَكُونُ كَمُبارَكِ الإبِلِ، وجاءَ في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّ نَزْعَ الغِلِّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ في الجَنَّةِ، والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ اللهَ يَنْزِعُهُ في مَوْطِنٍ مِن قَوْمٍ، وفي مَوْطِنٍ مِن آخَرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ والزُبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ، وذُكِرَ أنَّ ابْنًا لِطَلْحَةَ كانَ عِنْدَهُ، فاسْتَأْذَنَ الأشْتَرُ فَحَبَسَهُ مُدَّةً، ثُمَّ أذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقالَ: ألِهَذا حَبَسْتَنِي؟
وكَذَلِكَ لَوْ كانَ ابْنُ عُثْمانَ حَبَسْتَنِي لَهُ؟
فَقالَ عَلَيٌّ: نَعَمْ، إنِّي أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ الآيَةُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُسْتَأْذِنَ غَيْرُ الأشْتَرِ.
و"إخْوانًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهَذِهِ أُخُوَّةُ الدِينِ والوُدِّ.
والأخُ مِن ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلى إخْوانٍ وإخْوَةٍ، والأخُ مِنَ النَسَبِ يَجْمَعُ إخْوَةً وآخاءً، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأيُّ بَنِي الآخاءِ تَصْفُو مَذاهِبُهُ؟
و"السُرُرِ": جَمْعُ سَرِيرٍ، و"مُتَقابِلِينَ" الظاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: في الوُجُوهِ، إذِ الأُسْرَةُ مُتَقابِلَةٌ، فَهي أحْسَنُ في الزِينَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْظُرُ أحَدُهم في قَفا صاحِبِهِ، وقِيلَ: مُتَقابِلِينَ في المَوَدَّةِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ.
و"النَصَبُ": التَعَبُ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، ومِنَ الكَثِيرِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "نَبِّئْ" مَعْناهُ: أعْلِمْ، و"عِبادِي" مَفْعُولٌ بِـ "نَبِّئْ"، وهي تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، فَـ "عِبادِي" مَفْعُولٌ، و"أنَّ" تَسُدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الباقِيَيْنِ، واتُّفِقَ ذَلِكَ وهي وما عَمِلَتْ فِيهِ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، ألّا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أعْجَبَنِي أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ" إنَّما المَعْنى: أعْجَبَنِي انْطِلاقُ زَيْدٍ، لَأنَّ دُخُولَها إنَّما هو عَلى جُمْلَةِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، فَسَدَّتْ تِلْكَ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وقَدْ يَتَعَدّى "نَبَّأ" إلى مَفْعُولَيْنِ فَقَطْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ ، وتَكُونُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: أخْبِرْ وعَرِّفْ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.
وهَذِهِ آيَةُ تَرْجِيَةٍ وتَخْوِيفٍ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللهِ لَما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ، ولَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذابِهِ لَبَخِعَ نَفْسَهُ"»، ورُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَبَبَها أنَّ رَسُولَ اللهِ جاءَ إلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ عِنْدَ بابِ بَنِي شَيْبَةَ في الحَرَمِ فَوَجَدَهم يَضْحَكُونَ، فَزَجْرَهم ووَعَظَهُمْ، ثُمَّ ولّى، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتُقَنِّطُ عِبادِي؟
وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ إلَيْهِمْ وأعْلَمَهم.
ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا السَبَبَ لَكانَ ما قَبْلَها يَقْتَضِيها، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما في النارِ وما في الجَنَّةِ فَأكَّدَ تَعالى تَنْبِيهَ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، انتقال من وعيد المجرمين إلى بشارة المتّقين على عادة القرآن في التفنن.
والمتّقون: الموصوفون بالتقوى.
وتقدمت عند صدر سورة البقرة.
والجنّات: جمع جنة.
وقد تقدمت عند قوله تعالى ﴿ أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ في أول سورة البقرة (25) والعيون: جمع عين اسم لثقب أرضي يخرج منه الماء من الأرض.
فقد يكون انفجارها بدون عمل الإنسان.
وأسبابه كثيرة تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ في سورة البقرة (74).
وقد يكون بفعل فاعل وهو التفجير.
وجملة ﴿ ادخلوها ﴾ معمولة لقول محذوف يقدر حالاً من ﴿ المتقين ﴾ والقرينة ظاهرة.
والتقدير: يقال لهم ادخلوها.
والقائل هو الملائكة عند إدخال المتقين الجنة.
والباء من ﴿ بسلام ﴾ للمصاحبة.
والسلام: التحية.
وتقدم في قوله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ في سورة الأنعام (54) والأمن النجاة من الخوف.
وجملة ونزعنا ما في صدورهم من غل } عطف على الخبر، وهو ﴿ في جنات وعيون ﴾ .
والتقدير: إن المتقين نزعنا ما في صدورهم من غِلّ.
والغِلّ بكسر الغين البغض.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غلّ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ في سورة الأعراف (43)، أي ما كان بين بعضهم من غلّ في الدنيا.
وإخواناً} حال، وهو على معنى التشبيه، أي كالإخوان، أي كحال الإخوان في الدنيا.
وأول من يدخل في هذا العموم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم من الحوادث الدافع إليها اختلاف الاجتهاد في إقامة مصالح المسلمين، والشدة في إقامة الحق على حسب اجتهادهم.
كما روي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: إني لأرجو من أن أكون أنا وطلحة ممن قال الله تعالى: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً ﴾ .
فقال جاهل من شيعة عليّ اسمه الحارث بن الأعور الهمذاني: كلا، اللّهُ أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد.
فقال عليّ: «فلمن هذه الآية لا أمّ لك بِفيك التراب».
والسرر: جمع سرير.
وهو محمل كالكرسي متّسع يمكن الاضطجاع عليه.
والاتّكاء: مجلس أصحاب الدعة والرفاهية لتمكن الجالس عليه من التقلّب كيف شاء حتى إذا ملّ جِلسة انقلب لغيرها.
والتقابل: كون الواحد قبالة غيره، وهو أدخل في التأنس بالرؤية والمحَادثة.
والمسّ: كناية عن الإصَابة.
والنصَب: التعب النّاشئ عن استعمال الجهد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ بِسَلامٍ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِسَلامَةٍ مِنَ النّارِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.
الثّانِي: بِسَلامَةٍ تَصْحَبُكم مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: بِتَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ لَهم، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿ آمِنِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: آمِنِينَ مِنَ الخُرُوجِ مِنها.
الثّانِي: آمِنِينَ مِنَ المَوْتِ.
الثّالِثُ: آمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والمَرَضِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَزَعْنا بِالإسْلامِ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلِّ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.
الثّانِي: نَزَعْنا في الآخِرَةِ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلِّ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وقَدْ رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
﴿ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ في السُّرُرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أسِرَّةٍ هم عَلَيْها.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ سُرُورِهِمْ فِيهِ.
وَفي ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَقابِلِينَ بِالوُجُوهِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا فَلا يَصْرِفُ طَرَفَهُ عَنْهُ تَواصُلًا وتَحابِيًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُتَقابِلِينَ بِالمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، لا يَتَفاضَلُونَ فِيها ولا يَخْتَلِفُونَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: مُتَقابِلِينَ في المَنزِلَةِ لا يُفَضَّلُ بَعْضُهم فِيها عَلى بَعْضٍ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى الطّاعَةِ واسْتِوائِهِمْ في الجَزاءِ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ زِيادٍ.
الرّابِعُ: مُتَقابِلِينَ في الزِّيارَةِ والتَّواصُلِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: مُتَقابِلِينَ قَدْ أقْبَلَتْ عَلَيْهِمُ الأزْواجُ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ بِالوُدِّ، حَكاهُ القاسِمُ.
قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في العَشَرَةِ مِن قُرَيْشٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ وهم يَضْحَكُونَ، فَقالَ: (تَضْحَكُونَ وبَيْنَ أيْدِيكُمُ الجَنَّةُ والنّارُ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت، فقيل ﴿ إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة.
قال: فيموت إبليس أربعين سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فإنك من المنظرين ﴾ قال: فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى الوقت المعلوم.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ يعني المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ قال: هذه ثنية الله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ قال: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعرج على شيء.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ يقول: إليّ مستقيم.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن زياد بن أبي مريم وعبد الله بن كثير، أنهما قرآ ﴿ هذا صراط مستقيم ﴾ وقالا ﴿ عليّ ﴾ هي إليّ وبمنزلتها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ أي رفيع مستقيم.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ ﴿ هذا صراط علي مستقيم ﴾ يعني رفيع.
وأخرج ابن جرير عن قيس بن عبّاد أنه قرأ ﴿ هذا صراط علي مستقيم ﴾ يقول: رفيع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم الجنة ﴿ ليس لك عليهم ﴾ أن يذنبوا ذنباً إلا أغفره لهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، فجزع لذلك فرنّ رنّة.
فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء تكون لهم مساجد خارجة من قراها، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء، خرج إلى مسجد فصلى ما كتب له ثم سأل ما بدا له.
فبينما نبي في مسجده إذ جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً.
فقال إبليس: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟
قال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله يقول ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ قال إبليس: قد سمعت هذا قبل أن تولد.
قال النبي: «ويقول الله: ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ [ الأعراف: 200] وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك.
قال إبليس: صدقت...
بهذا تنجو مني.
فقال النبي: فأخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي أسفلها.
وأخرج ابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طرق، عن علي قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض.
فتملأ الأوّل ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها.
وأخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبدالله قال: قال علي: أتدرون كيف أبواب جهنم؟
قلنا كنحو هذه الأبواب.
قال: لا، ولكنها هكذا.
ووضع يده فوق وبسط يده على يده.
وأخرج البيهقي في البعث، عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ ﴿ تبارك ﴾ و ﴿ حم ﴾ السجدة.
وقال: الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، وسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم.
تجيء كل حاميم منها يوم القيامة تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرأني، مرسل.
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للنار باب لا يدخله إلا من شفى غيظه بسخط الله» .
وأخرج أبو نعيم عن عطاء الخراساني قال: لجهنم سبعة أبواب، أشدها غمّاً وكرباً وحراً، وأنتنها ريحاً للزناة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي وأراق دماءهم من بعدي» .
وأخرج أحمد وابن حبان والطبري وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن عتبة بن عبدالله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترفع من السماء قصبة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: لها سبعة أطباق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: أوّلها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
والجحيم فيها أبو جهل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: فهي والله منازل بأعمالهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الأعمش رضي الله عنه قال: أسماء أبواب جهنم: الحطمة، والهاوية، ولظى، وسقر، والجحيم، والسعير، وجهنم، والنار هي جماع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ جزء مقسوم ﴾ قال: فريق مقسوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: باب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للذين أشركوا- وهم كفار العرب- وباب للمنافقين وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يُرْجَى لهم ولا يرجى للآخرين أبداً.
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترتفع من السماء قصة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصراط بين ظهري جهنم دحض مزلة، والأنبياء عليه يقولون: اللهم سلم سلم، والمارُّ كلمع البرق وكطرف العين، وكأجاويد الخيل والبغال والركاب.
وشدّ على الأقدام فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومطروح فيها و ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: «إن من أهل النار مَنْ تأخذه النار إلى كَعْبَيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى تراقيه منازل بأعمالهم، فذلك قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: على كل باب منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق سبعون ألف قبة من نار، في كل قبة سبعون ألف تنور من نار، لكل تنور منها سبعون ألف كوّة من نار، في كل كوّة سبعون ألف صخرة من نار، على كل صخرة منها سبعون ألف حجر من النار، في كل حجر منها سبعون ألف عقرب من النار، لكل عقرب منها سبعون ألف ذنب من نار، لكل ذنب منها سبعون ألف فقارة من نار، في كل فقارة منها سبعون ألف قلة من سم وسبعون ألف موقد من نار، يوقدون تلك النار.
وقال: إن أوّل من دخل من أهل النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم ليس في قلب واحدٍ منهم مثقال ذرة من الرحمة» .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جهنم لَتُسَعَّرُ كل يوم وتفتح أبوابها، إلا يوم الجمعة فإنها لا تفتح أبوابها ولا تُسَعَّر» .
وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال: إن أحق ما استعيذ من جهنم في الساعة التي تفتح فيها أبوابها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك رضي الله عنه قال: جهنم سبعة نيران، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى النار التي تحتها تخاف أن تأكلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو قال: إن في النار سجناً لا يدخله إلا شرّ الأشرار، قراره نار وسقفه نار وجدرانه نار، وتلفح فيه النار.
وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن كعب رضي الله عنه قال: للشهيد نور، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار، وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية.
قال: ولقد خرجوا في زمان داود عليه السلام.
وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: «جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله» .
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعت منه أن قال: «يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ آمنين ﴾ قال: أمنوا الموت، فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة أحد حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، وحتى أنه لينزع من صدر الرجل بمنزلة السبع الضاري.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق القاسم، عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا نزلوا وتقابلوا على السرر، نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل.
وأخرج ابن جرير عن علي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: العداوة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن قتادة في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة: فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا» قَالَ قَتَادةُ: وَكَانَ يُقَالُ: ما يُشَبَّهُ بِهِمْ إِلاَّ أَهْلُ جُمُعَةٍ حِينَ انْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم بن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الغيران، فإذا دخلوها نزع الله ما في صدورهم من غل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن الحسن البصري قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الله بن مليل، عن علي في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: في بني هاشم، وبني تميم، وبني عدي.
وفي أبي بكر وفي عمر.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النواء قال: قلت لأبي جعفر إن فلاناً حدثني عن علي بن الحسين، إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: والله إنها لفيهم أنزلت.
وفيمن تنزل إلا فيهم؟
قلت: وأي غل هو؟
قال: غل الجاهلية.
إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم، كان بينهم في الجاهلية.
فلما أسلم هؤلاء القوم تحابّوا وأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده فيكوي بها خاصرة أبي بكر.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من طرق، عن علي أنه قال لابن طلحة: إني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ فقال رجل من همدان: إن الله أعدل من ذلك.
فصاح علي عليه صيحة تداعى لها القصر، وقال: فمن اذن إن لم نكن نحن أولئك؟.
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن علي قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة ممن قال الله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل...
﴾ الآية.
قال: نزلت في علي وطلحة والزبير.
وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: نزلت في عشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعود.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح موقوفاً عليه.
وأخرج ابن مردويه من طريق النعمان بن بشير، عن علي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: ذاك عثمان وطلحة والزبير وأنا.
وأخرج هنّاد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ على سرر متقابلين ﴾ قال: لا يرى بعضهم قفا بعض.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: أهل الجنة لا ينظر بعضهم في قفا بعض، ثم قرأ ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم البغوي وابن مردويه وابن عساكر، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية ﴿ إخوانا على سرر متقابلين ﴾ «المتحابين في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ قال: المشقة والأذى.
<div class="verse-tafsir"
(قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الخائفين من الله الموحدين الذين لم يتخذوا له شريكًا، وقال الكلبي عنه: إن المتقين للفواحش والكبائر (١) ﴿ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ يعني: عيون الماء والخمر) (٢) (٣) (١) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 191، والألوسي 14/ 56، وورد بنحوه غير منسوب في: "تفسير القرطبي" 10/ 32، والخازن 3/ 97.
(٢) هذا تخصيص بلا دليل، والأولى حمله على عمومه، فإن كان القصد البيان والتمثيل، فيقال.
عيون من الماء والخمر.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
<div class="verse-tafsir"
[الأعراف: 16] الباء للسببية أي لأغوينهم بسبب إغوائك لي، وقيل: للقسم كأنه قال: بقدرتك على إغوائي لأغوينهم، والضمير لذرية آدم ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بهذا إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم أو إلى تقسيم الناس إلى غويّ ومخلَص ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ ﴾ يحتم أن يريد بالعباد جميع الناس، فيكون قوله: إلا من اتبعك استثناء متصل أي يريد بالعباد المخلصين فيكون الاستثناء منقطعاً ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ الضمير للغاوين ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أبواب ﴾ روي أنها سبعة أطباق في كل طبقة باب، فأعلاها للمذنبين من المسلمين والثاني: لليهود، والثالث: للنصارى، والرابع: للصابئين والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، والسابع: للمنافقين ادخلوها تقديره يقال لهم: ادخلوها والسلام يحتمل أن يكون التحية أو السلامة ﴿ إخوانا ﴾ يعني أخوّة المودّة والإيمان ﴿ متقابلين ﴾ أي يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة ﴿ نَصَبٌ ﴾ أي تعب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.
و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.
الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.
الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون بالإسكان.
الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.
﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.
التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.
وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.
و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.
وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.
ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟
وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.
والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.
وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.
فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.
وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".
ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".
ومتى تكون هذه الودادة؟
قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.
وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.
وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.
وقيل: إذا اسودت وجوههم.
روي عن النبي "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.
فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقرأ رسول الله الآية" .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.
وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.
وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.
لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.
وألهاني غيره.
عن أنس أن النبي خط خطاً وقال: هذا الإنسان.
وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.
وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.
فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.
ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.
قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.
قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.
وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.
وقيل: أراد مجموع الأمرين.
قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.
فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.
وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.
ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.
فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه .
ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.
﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟
والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟
فأجاب الله عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.
وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.
قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.
وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.
ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.
وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ والقول الأول أوضح.
ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.
ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.
وقيل: حفظ بالدرس.
والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.
ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.
وههنا نكتة هي أنه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.
ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي .
وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.
ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.
قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين ﴾ و ﴿ بجانب الغربي ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.
قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.
وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.
والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.
وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.
وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.
والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.
ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.
واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟
أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.
وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.
ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.
والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.
فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.
عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.
قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.
وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟
وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.
ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.
ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.
الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.
وقال المنجمون.
إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.
ونظير هذه الآية قوله في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ومثله في سورة الملك.
الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.
وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.
قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.
والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.
قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.
وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى ثم في زمن محمد .
أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟
والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.
آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟
وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: بينما النبي جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟
قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.
فقال النبي : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟
والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.
آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي بقي بعد وفاته؟
الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.
آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟
وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.
آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟
وأجيب بأنه أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.
وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.
آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.
لا يقال: إنه أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟
والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.
الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.
الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.
وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.
وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.
وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.
يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.
وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.
﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".
﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.
وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.
يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.
ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.
قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.
وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.
والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.
فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.
قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.
الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.
قاله الحسن وقتادة والضحاك.
وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.
وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.
وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.
وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.
والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.
﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.
الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.
قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.
ويروى أنه رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.
والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.
وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.
وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.
وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.
وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد .
وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.
والظاهر العموم وأن علمه شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.
ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.
الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.
وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.
والأقرب أنه خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.
وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.
وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.
أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.
وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.
والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.
المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.
وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.
وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.
قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.
قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.
قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.
قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.
والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.
ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.
الله منها الجان.
ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.
على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.
ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.
والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.
والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.
﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.
﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.
فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.
قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.
وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح ﴾ .
ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.
قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.
وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.
ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟
فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.
ثم قال وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟
قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.
وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.
قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.
أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.
وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.
﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".
ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.
وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".
ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.
قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.
ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.
وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.
﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.
﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.
وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.
وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.
﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.
وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.
وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله .
والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.
فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.
وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.
والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.
والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.
ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.
ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.
ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.
فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.
ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.
قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.
وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.
إخوة الدين والتعاطف.
والسرر جمع سرير.
قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.
والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.
عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.
ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".
التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.
ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.
﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.
ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.
﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.
وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.
﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.
﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.
فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.
﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.
وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ .
إن كان أهل الكبائر في قوله: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ فيكون قوله: إن المتقين الذين اتقوا الكبائر؛ وإن كان أصحاب الكبائر لم يدخلوا في قوله: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ ، فيكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين اتقوا الشرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتٍ ﴾ .
أي: في: بساتين، والبساتين: هي التي التفّت بالأشجار والنخيل.
والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية، فأخبر في آية أخرى بأن عيون الآخرة تكون جارية؛ بقوله: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ .
﴿ وَعُيُونٍ ﴾ : قال بعضهم: ذكر العيون؛ ليعلم أن مياه الجنة - ليست تكون من الثلوج والأنهار العظام - على ما تكون في الدنيا - ولكن تنبع فيها.
وقال بعضهم: ذكر العيون؛ لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا يأتي بستانه من ملك آخر، ومن بستان آخر، على ما يكون في الدنيا؛ ولكن تنبع في جنة كل أحد عين على حدة، على ما أراد الله، ليس أنها تتصل بالأرض؛ كما ذكر في قصّة بني إسرائيل: ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ أنشأ الله في ذلك الحجر ما يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض، ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ذلك في الجنان التي وعد.
ويشبه أن يكون ذكر هذا لما يختلف رغائب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في العين؛ ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة العيون، ومرة الأنهار؛ كقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ على ما ذكر مرة الخيام، والقباب، والغرف، وأنواع الفرش والبسط، والكيزان والأكواب، والجواري والغلمان، وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا: منهم من يرغب [في نوع لا يرغب] في نوع آخر؛ فذكر فيها كل ما يرغبون في الدنيا؛ ليبعثهم ذلك على العمل الذي به يوصل إلى ذلك.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ : أي: اجعلوا دخولكم فيها بسلام؛ على ما أمرهم في الدنيا أن يجعلوا الدخول في المنازل بالسلام؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...
﴾ الآية [النور: 61]، وعلى ما أخبر أن الملائكة يسلمون عليهم؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ : أي: ادخلوها بسلام لا يصيبكم مكروه؛ آمنين لا ينغِّصهم خوف ولا حزن، على ما أخبر ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: [...] وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ أي: نزعنا ما في صدورهم من غل؛ الذي كان في الدنيا بالكفر؛ فصاروا إخواناً بالإسلام الذي هداهم إليه؛ فكانوا إخواناً، ثم قيل لهم: ادخلوا الجنة بلا غلّ، وهو ما قال: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ﴾ قد نزع من قلوبهم الغل في الدنيا، فصاروا إخواناً فدخلوا الجنة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ في الآخرة إذا دخلوا الجنة وتقابلوا واتكئوا على سرر، فعند ذلك ينزع الغل من قلوبهم، والمظالم التي كانت بينهم، فإذا كان هذا فهو بين أهل الإسلام.
وعلى ذلك يحتمل أن يكون [كل من] جفا آخر في الدنيا أن ينسى الله ذلك منهم في الجنة؛ لأن ذكر الجفاء ينغص النعم التي فيها، وكذلك ما يكون بين الرجل وولده من الجفاء والعقوق - يجوز أن ينسى ذلك عليهم.
وعلى ذلك ما روي عن عليّ ؛ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَقَـٰبِلِينَ ﴾ : قال بعضهم: يجعل الله منازلهم بعضها مقابل بعض؛ فينظر بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضاً.
وقال بعضهم: يأمر الله السرر التي هم عليها جلوس؛ ليكون بعضها مقابل بعض، إذا اشتهى بعضهم زيارة بعض، ولا يكونون مدبرين؛ ولا معرضين، بل مقبلين، يخبر عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام، والتلذذ، والنظر بعضهم إلى بعض، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخرة كذلك اجتماع في الشراب، والنظر، وأنواع التلذذ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ .
أي: عناء ومشقة، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا؛ لأن في الدنيا: من أطال المقام في موضع يملّ عن ذلك ويسأم، وكذلك إذا أكثر من نوع من الطعام؛ أو الشراب، أو الفاكهة - يملّ عن ذلك ويسأم، ويؤذيه، ولا يوافقه، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها؛ وإن أكثروا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ .
أخبر أنهم لا يخرجون منها، ولا هم يطلبون الخروج منها؛ كقوله: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ ؛ لأن خوف زوال النعم ينغص على صاحبها تلك النعمة، وطعمها؛ فأخبر أنهم فيها أبداً، وتلك النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ أي: أخبرهم ﴿ أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ لمن استغفرني وتاب عما ارتكب من معاصيه، ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ ﴾ لمن عصاني، ولم يستغفر، ولم يتب إليه.
ويحتمل غير هذا؛ وهو أن يقول: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ لئلا ييئسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ونقمته، ونبئهم أيضاً أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبداً؛ فيكون فيه أمر بأن يبشر، وأن ينذر؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور الرحيم لأوليائي، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي.
وفي قوله: ﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي ﴾ فيه بشارة ونذارة: أما البشارة: فهو قوله: ﴿ أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ، و [أما] النذارة: فهو قوله: ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن الذين اتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه في جنات وعيون.
<div class="verse-tafsir" id="91.X2DjK"