تفسير الآية ٩٤ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩٤ من سورة الحجر

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ٩٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٤ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٤ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به ، وهو مواجهة المشركين به ، كما قال ابن عباس : ( فاصدع بما تؤمر ) أي : أمضه .

وفي رواية : افعل ما تؤمر .

وقال مجاهد : هو الجهر بالقرآن في الصلاة .

وقال أبو عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا ، حتى نزلت : ( فاصدع بما تؤمر ) فخرج هو وأصحابه وقوله : ( وأعرض عن المشركين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنـزل الله تعالى ذكره: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) فإنه أمر من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالته قومه ، وجميع من أرسل إليه ، ويعني بقوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) : فامض وافرُق، كما قال أبو ذؤَيب: وكــــأنَّهُنَّ رَبابَـــةٌ وكأنَّـــهُ يُسـرٌ يُفيـضُ عـلى القِـداح ويَصْدَعُ (5) يعني بقوله: يَصْدَع : يُفَرِّق بالقداح.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) يقول: فأمضه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) يقول: افعل ما تؤمر.

حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: بالقرآن.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأَوْديّ، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: هو القرآن.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: بالقرآن.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: الجهر بالقرآن في الصلاة.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: بالقرآن في الصلاة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: اجهر بالقرآن في الصلاة.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال : ثنا أبو أسامة، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: مازال النبيّ مستخفيا حتى نـزلت ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) فخرج هو وأصحابه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) قال: بالقرآن الذي يوحى إليه أن يبلغهم إياه ، وقال تعالى ذكره: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ولم يقل: بما تؤمر به، والأمر يقتضي الباء ، لأن معنى الكلام: فاصدع بأمرنا، فقد أمرناك أن تدعو إلى ما بعثناك به من الدين خلقي وأذنَّا لك في إظهاره.

ومعنى " ما " التي في قوله ( بِمَا تُؤْمَرُ ) معنى المصدر، كما قال تعالى ذكره يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ معناه: افعل الأمر الذي تؤمر به ، وكان بعض نحويِّي أهل الكوفة يقول في ذلك: حذفت الباء التي يوصل بها تؤمر من قوله ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) على لغة الذين يقولون: أمرتك أمرا ، وكان يقول: للعرب في ذلك لغتان: إحداهما أمرتك أمرا، والأخرى أمرتك بأمر، فكان يقول: إدخال الباء في ذلك وإسقاطها سواء.

واستشهد لقوله ذلك بقول حصين بن المنذر الرقاشي ليزيد بن المهلَّب: أمَــرْتُكَ أمْــرًا جازِمـا فَعَصَيْتَنـي فـأصْبَحْتَ مَسـلُوبَ الإمـارَةِ نادِمـا (6) فقال أمرتك أمرا، ولم يقل: أمرتك بأمر، وذلك كما قال تعالى: ذكره: أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ولم يقل: بربهم، وكما قالوا: مددت الزمام، ومددت بالزمام، وما أشبه ذلك من الكلام .

وأما قوله ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ويقول تعالى ذكره لنبييه صلى الله عليه وسلم: بلغ قومك ما أرسلتَ به، واكفف عن حرب المشركين بالله وقتالهم.

وذلك قبل أن يفرض عليه جهادهم، ثم نَسَخَ ذلك بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

كما حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) وهو من المنسوخ.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) و قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ وهذا النحو كله في القرآن أمر الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك منه، ثم أمره بالقتال، فنَسَخَ ذلك كله، فقال: ( خُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ) ...الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركينقوله تعالى : فاصدع بما تؤمر أي بالذي تؤمر به ، أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم ، فقد أمرك الله بذلك .

والصدع : الشق .

وتصدع القوم أي تفرقوا ; ومنه يومئذ يصدعون أي يتفرقون .

وصدعته فانصدع أي انشق .

أصل الصدع الفرق والشق .

قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه :[ ص: 57 ]وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدعأي يفرق ويشق .

فقوله : اصدع بما تؤمر قال الفراء : أراد فاصدع بالأمر ، أي أظهر دينك ، ف " ما " مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر .

وقال ابن الأعرابي : معنى اصدع بما تؤمر ، أي اقصد .

وقيل : فاصدع بما تؤمر أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض ; فيرجع الصدع على هذا إلى صدع جماعة الكفار .قوله تعالى : وأعرض عن المشركين أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالاة بقولهم ، فقد برأك الله عما يقولون .

وقال ابن عباس : ( هو منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين ) .

وقال عبد الله بن عبيد : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا حتى نزل قوله - تعالى - : فاصدع بما تؤمر فخرج هو وأصحابه .

وقال مجاهد : أراد الجهر بالقرآن في الصلاة .

وأعرض عن المشركين لا تبال بهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمر الله رسوله ان لا يبالي بهم ولا بغيرهم وأن يصدع بما أمر الله ويعلن بذلك لكل أحد ولا يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال المتهوكين، { وأعرض عن المشركين } أي: لا تبال بهم واترك مشاتمتهم ومسابتهم مقبلا على شأنك

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر ) قال ابن عباس : أظهره .

ويروى عنه : أمضه .

وقال الضحاك : أعلم .

وقال الأخفش : افرق ، أي : افرق بالقرآن بين الحق والباطل .

وقال سيبويه : اقض بما تؤمر ، وأصل الصدع : الفصل ، والفرق : أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة .

وروي عن عبد الله بن عبيدة قال : كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه .

( وأعرض عن المشركين ) نسختها آية القتال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاصدع» يا محمد «بما تؤمر» به أي اجهر به وأمضه «وأعرض عن المشركين» هذا قبل الأمر بالجهاد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاجهر بدعوة الحق التي أمرك الله بها، ولا تبال بالمشركين، فقد برَّأك الله ممَّا يقولون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فى طريقه ، وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين ، فقد كفاه - سبحانه - شرهم فقال - تعالى - : ( فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .وقوله ( فاصدع .

.

) من الصدع بمعنى الإِظهار والإعلان .

ومنه قولهم : انصدع الصبح ، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصديع الفجر لانصداعه أى ظهوره .

ويقال : صدع فلان بحجته ، إذا تكلم بها جهارًا .أى : فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك ، وبلغ ما أمرناك بتبليغه علانية ، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم .قال عبد الله بن مسعود : ما زال النبى صلى الله عليه وسلم مستخفيا بدعوته حتى نزلت هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره بأن يقول للقوم: ﴿ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ فيدخل تحت كونه نذيراً، كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار، ثم أردفه بكونه مبيناً، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية، ثم قال بعده: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟

وفيه أقوال: القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرب عددهم من أربعين.

وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا، والمدعي للنبوة فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزياً فماتوا شر ميتة، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين.

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟

فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي.

وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به، فقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال بعضهم: سورة كذا لي.

وقال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر.

وقال بعضهم شعر، وقال بعضهم كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.

والقول الثالث: في تفسير المقتسمين.

قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة، وهو اختيار ابن قتيبة.

البحث الثالث: أن قوله: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين ﴾ يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟

والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: التقدير: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ  ﴾ إلى آخره؟

قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم.

والوجه الثاني: أن يتعلق هذا الكلام بقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين ﴾ .

واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام إضمار أو التزام حذف، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلناه على المقتسمين، وعلى هذا الوجه، المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي رأيت إنساناً كالقمر في الحسن، وأما الحذف فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والتقدير: ليس مثله شيء، وقال بعضهم: لا حاجة إلى الإضمار والحذف، والتقدير: إني أنا النذير أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين وقوله: ﴿ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في هذا اللفظ قولان: الأول: أنه صفة للمقتسمين.

والثاني: أنه مبتدأ، وخبره هو قوله: ﴿ لَنَسْئَلَنَّهُمْ  ﴾ وهو قول ابن زيد.

البحث الثاني: ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: القول الأول: أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل، والتعضية التجزئة والتفريق، يقال: عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها، وفي الحديث: «لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة» أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف.

فقوله: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ يريد جزؤه أجزاء، فقالوا: سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى.

والقول الثاني؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة كما قالوا شفة، والأصل شفهة بدليل قولهم: شافهت مشافهة، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: «إياكم والعضة» وقال ابن السكيت: العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه.

وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى: ﴿ جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ ﴾ أي جعلوه مفترى.

وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ فاجهر به وأظهره.

يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة: الإبانة.

وقيل: ﴿ فاصدع ﴾ فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجارّ، كقوله: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ فاجْهَرْ بِهِ، مِن صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جَهارًا، أوْ فافْرُقْ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ أيْ بِما تُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ.

﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ولا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} فاجهر به وأظهره يقال صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً من الصديع وهو الفجر أو فاصدع فافرق بين الحق والباطل من الصدع في الزجاجة وهو الإبانة بما تؤمر والمعنى بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار كقوله ...

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ...

{وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} هو أمر استهانة بهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أظْهِرْهُ واجْهَرْ بِهِ يُقالُ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْفَجْرِ صَدِيعٌ لِظُهُورِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أمْرًا مِن صَدْعِ الزُّجاجَةِ وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها أيِ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ، والباءُ عَلى الأوَّلِ صِلَةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، و«ما» جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ تُؤْمَرُهُ ثُمَّ حُذِفَ، ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ حَذْفَهُ مَجْرُورًا لِفَقْدِ شَرْطِ حَذْفِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِالصَّدْعِ بِهِ فَحُذِفَتِ الباءُ الثّانِيَةُ ثُمَّ الثّالِثَةُ ثُمَّ لامُ التَّعْرِيفِ ثُمَّ المُضافُ ثُمَّ الهاءُ، وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ ويَكادُ يُورِثُ الصُّداعَ، والمُرادُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ الشَّرائِعُ مُطْلَقًا، وقَوْلُ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: إنَّ المَعْنى اجْهَرْ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ التَّخْصِيصَ ولا داعِيَ لَهُ أيْضًا كَما لا يَخْفى، وأظْهَرُ مِنهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ ﴿ بِما تُؤْمَرُ ﴾ القُرْآنُ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَهم إيّاهُ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاصْدَعْ بِمَأْمُورِيَّتِكَ وهو الَّذِي عَناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أيْ بِأمْرِكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.

ورُدَّ بِأنَّ الِاخْتِلافَ في المَصْدَرِ الصَّرِيحِ هَلْ يَجُوزُ انْحِلالُهُ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ مَجْهُولٍ أمْ لا أمّا أنَّ الفِعْلَ المَجْهُولَ هَلْ يُوصَلُ بِهِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، فَإنْ كانَ اعْتِراضُهُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ بِالأمْرِ وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ بِالمَأْمُورِيَّةِ فَشَيْءٌ آخَرُ سَهْلٌ، ثُمَّ لا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الجَزالَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ رُؤْيَةِ ما في القُرْآنِ مِنها، ويُحْكى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُها فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: سَجَدْتُ لِبَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، ولَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ فَلَمّا نَزَلَتْ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ ولا تُبالِ بِهِمْ فَلَيْسَتِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وقِيلَ: هي مِن آياتِ المُهادَنَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي: فاتحة الكتاب وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أي: سائر القرآن، وهذا قول: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «السبع المثاني، السبع الطوال» .

وعن سعيد بن جبير قال: «البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس» .

قال: «لأنه يثني فيها حدود الفرائض والقرآن» .

ويقال: السبع المثاني، والقرآن كله وهو سبعة أسباع.

سمي مثاني: لأن ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: 23] وقال طاوس: «القرآن كله مثاني» .

وقال أبو العالية: «المثاني، فاتحة الكتاب سبع آيات، وإنما سمي مثاني، لأنه يثنى مع القرآن كلما قرئ القرآن» .

قيل إنهم يزعمون أنها السبع الطوال.

قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما أنزل شيء من الطوال.

وسئل الحسن عن قوله: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى أتى على آخرها.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الكِتَابِ وَأَمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي» .

وقال قتادة: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة أو تطوع، يعني: في كل صلاة.

ويقال: مِنَ الْمَثانِي أي: مما أثني به على الله تعالى، لأن فيها حمدَ الله تعالى وتوحيده ومِنَ هاهنا على ضربين: يكون للتبعيض من القرآن أي: أعطيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] أي: اجتنبوا الأوثان.

قوله: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي: لا تنظرن بعين الرغبة إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أي: إلى ما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم.

أَزْواجاً مِنْهُمْ أي: أصنافاً منهم، وألواناً من الأموال، وقوله: مِنْهُمْ أي أعطينا رجلا من المشركين منهم وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا، لأن مقدوري عليهم الكفر.

ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن نزل بهم العذاب وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول: ليّن جناحك عليهم أي: تواضع للمؤمنين وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ أخوفكم بعذاب مبين، بلغة تعرفونها.

قال عز وجل: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ أي: كما أنزلنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وهم الذين اقتسموا على عقاب مكة، ليردوا الناس عن دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد  .

ويقال: إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ بالقرآن، كما أنزلنا التوراة والإنجيل على المقتسمين، وهم اليهود والنصارى، اقتسموا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، فرقوا القرآن، آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.

ويقال: إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة.

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أي: فرقوا القول فيه.

قال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وهذا قول قتادة.

ويقال: أصله في اللغة الفرقة.

يقال: فرّقوه أي: عضوه أعضاء.

يقال: ليس دين الله بالتعضية أي: بالتفريق.

وروى الضحاك، عن ابن عباس، أنه قال: «جزّءوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِلى أن السبْعَ هنا: آيات الفاتحةِ، وهو نصُّ حديثِ أبي بن كَعْب وغيره «١» .

ت: وهذا هو الصحيحُ، وقد تقدَّم بيان ذلك أوّل الكتاب.

وقوله سبحانه: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ: حكى الطبريُّ عن سفيانَ بْنِ عُيَيْنة أَنه قال: هذه الآيةُ آمرة بالاستغناء بكتابِ اللَّهِ عَنْ جميع زينَةِ الدنْيَا «٢» .

قال ع «٣» : فكأنه قال: آتَينَاك عظيماً خطيراً، فلا تَنظر إِلى غيْرِ ذلك من أمورِ الدنيا وزينَتِها التي مَتَّعْنا بها أنواعاً من هؤلاءِ الكَفَرَةِ ومن هذا المعنَى: قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«مَنْ أُوتِيَ القُرْآنَ، فَرَأَى أَنَّ أَحَداً أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيراً وَصَغَّرَ عظيماً» .

ت: وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «لا وَاللَّهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلاَّ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ...

» الحديث، وفي رواية: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» ، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «بَرَكَاتُ الأَرْضِ ...

» الحديث، وفي روايةٍ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ...

»

الحديثَ، انتهى.

والأحاديثُ في هذه البابِ أكثرُ من أنْ يحصيها كتابٌ، قال الغَزَّالِيُّ في «المنهاج» : وإِذا أنعم اللَّهُ عَلَيْكَ بنعمةَ الدِّينِ، فإِيَّاكَ أَنْ تَلتفتَ إِلى الدنيا وحُطَامها، فإِن ذلك منك لا يكُونُ إِلاَّ بضَرْبٍ من التهاوُنِ بما أولاكَ مَوْلاَكَ مِنْ نعمِ الدارَيْنِ أَمَا تَسمعُ قولَهُ تعالَى لسيِّد المرسلين: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ...

الآية، تقديره: إِن من أوتي القرآن العظيمَ حُقَّ له ألاَّ ينظر إِلى الدنيا الحقيرةِ نظرةً باستحلاء، فضلاً عن أنْ يكون له فيها رغبةٌ، فليلتزم الشكْرَ على ذلك، فإِنه الكرامة التي حَرَصَ عليها الخليلُ لأَبيهِ، والمصطفى عليه السلام لعمِّه، فلم يفعلْ، وأما حطامُ الدنيا، فإِن اللَّه سبحانه يصبُّه على كلّ كافر وفرعون وملحد وزنديق

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فامْضِ لِما تُؤْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أظْهِرْ أمْرَكَ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ أيْ: أظْهِرْ ذَلِكَ.

وأصْلُهُ: الفَرْقُ والفَتْحُ، يُرِيدُ: اصْدَعِ الباطِلَ بِحَقِّكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اظْهَرْ بِما تُؤْمَرُ بِهِ، أُخِذَ ذَلِكَ مِنَ الصَّدِيعِ، وهو الصُّبْحُ، قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ بَياضَ غُرَّتِهِ صَدِيعُ وَقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: بِما تُؤْمَرُ بِهِ، لِأنَّهُ أرادَ: فاصْدَعْ بِالأمْرِ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ " بِهِ " مُضْمَرَةٌ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي مَرَرْتَ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِ: الجَهْرُ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ: «ما زالَ رَسُولُ اللَّهِ  مُسْتَخْفِيًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ هو وأصْحابُهُ» .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اكْفُفْ عَنْ حَرْبِهِمْ.

والثّانِي: لا تُبالِ بِهِمْ، ولا تَلْتَفِتْ إلى لَوْمِهِمْ عَلى إظْهارِ أمْرِكَ.

والثّالِثُ: أعْرِضْ عَنِ الِاهْتِمامِ بِاسْتِهْزائِهِمْ.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها.

و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ  ﴾ ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ  : "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟

قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟

فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ".

و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ  ﴾ فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".

وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ.

و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ وَوَطِئَ أكْنافَكَ.

و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ  ﴾ ، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.

﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ  ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ".

مَن هُمْ؟

-فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ  ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.

وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ: ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.

وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.

وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.

عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ.

وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟

قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ  ﴾ مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟

لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع، وهذا تفريع على ما سبق من قوله تعالى: ﴿ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾ [سورة الحجر: 85].

والواو للقسم، فالمفرع هو القسم وجوابُه.

والمقصود بالقسم تأكيد الخبر.

وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ممن يشكّ في صدق هذا الوعيد؛ ولكن التأكيد متسلطّ على ما في الخبر من تهديد معاد ضمير النصب في ﴿ لنسألنهم ﴾ .

ووصف الربّ مضافاً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن في السؤال المقسم عليه حَظّاً من التنويه به، وهو سؤال الله المكذّبين عن تكذيبهم إياه سؤال ربّ يغضب لرسوله عليه الصلاة والسلام.

والسؤال مستعمل في لازم معناه وهو عقاب المسؤول كقوله تعالى: ﴿ ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم ﴾ [سورة التكاثر: 8] فهو وعيد للفريقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ فِيهِمْ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى اقْتَسَمُوا القُرْآنَ فَجَعَلُوهُ أعْضاءً أيْ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضٍ مِنها وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ السُّورَةُ لِي، وهَذِهِ السُّورَةُ لَكَ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم، فَآمَنَ بَعْضُهم بِبَعْضِها، وآمَنَ آخَرُونَ مِنهم بِما كَفَرَ بِهِ غَيْرُهم وكَفَرُوا بِما آمَنَ بِهِ غَيْرُهم، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُقْتَسِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ تَقاسَمُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ  ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ لِيَتَلَقَّوُا الوارِدِينَ إلَيْها مِنَ القَبائِلِ فَيُنَفِّرُوهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  بِأنَّهُ ساحِرٌ أوْ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، حَتّى لا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَذابًا فَأهْلَكَهم، قالَهُ الفَرّاءُ.

السّادِسُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ قَسَّمُوا كِتابَ اللَّهِ، فَجَعَلُوا بَعْضَهُ شِعْرًا وبَعْضَهُ كَهانَةً وبَعْضَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أقْسَمُوا أيْمانًا تَحالَفُوا عَلَيْها، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَقِيلَ إنَّهُمُ العاصِ بْنِ وائِلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهُ بْنُ الحَجّاجِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فِرَقًا، فَجَعَلُوا بَعْضَهُ شِعْرًا، وبَعْضَهُ سِحْرًا، وبَعْضَهُ كَهانَةً، وبَعْضَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، فَجَعَلُوهُ أعْضاءً كَما يُعَضّى الجَزُورُ و ﴿ عِضِينَ ﴾ جَمْعُ عُضْوٍ، مَأْخُوذٌ مِن عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً إذا فَرَّقْتُهُ، كَما قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ولَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالمُعَضّى يَعْنِي بِالمُفَرَّقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّ العِضِينَ جَمْعُ عِضَهُ وهو البُهْتُ، ومِن قَوْلِهِمْ: عَضَهْتُ الرَّجُلَ أعَضَهُهُ عَضْهًا إذا بَهَتُّهُ؛ لِأنَّهم بَهَتُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى فِيما رَمَوْهُ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ العَضِيهَةَ لَيْسَتْ فِعْلَ أحْرارِ الثّالِثُ: أنَّ العِضِينَ المُسْتَهْزِئُونَ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في القُرْآنِ البَعُوضَ والذُّبابَ والنَّمْلَ والعَنْكَبُوتَ قالَ أحَدُهُمْ: أنا صاحِبُ البَعُوضِ، وقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ الذُّبابِ وقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ النَّمْلِ.

وَقالَ آخَرُ: أنا صاحِبُ العَنْكَبُوتِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِالقُرْآنِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى بِالعِضَهِ السِّحْرَ، لِأنَّهم جَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: لَكِ مِن عَضائِهِنَّ زَمْزَمَةٌ يَعْنِي مِن سِحْرِهِنَّ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: العِضَهُ السِّحْرُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ العاضِهَةِ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ لَعَنَ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ»، يَعْنِي السّاحِرَةَ والمُسْتَسْحِرَةَ.

وَفِي اشْتِقاقِ العِضِينَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأعْضاءِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِضَهِ وهو السِّحْرُ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ، رَواهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان مدين وأصحاب الأيكة، أمتان بعث الله إليهما شعيباً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة ﴾ قال: قوم شعيب و ﴿ الأيكة ﴾ ذات آجام وشجر كانوا فيها.

وأخرج ابن جرير عن خصيف في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الشجر.

وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفي الشتاء اليابسة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا أهل غيضة، وكان عامة شجرهم هذا الدوم، وكان رسولهم فيما بلغنا شعيب، أرسل إليهم وإلى أهل مدين، أرسل إلى أمتين من الناس وعذبتا بعذابين شتى.

أما أهل مدين، فأخذتهم الصيحة.

وأما ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ فكانوا أهل شجرٍ متكاوش.

ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها، فجعلها الله عليهم عذاباً، بعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأكلتهم.

فذلك ﴿ عذاب يوم الظلة أنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ [ الشعراء: 189] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الغيضة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: أصحاب غيضة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ الأيكة ﴾ الشجر الملتف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ أهل مدين.

و ﴿ الأيكة ﴾ الملتفة من الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الأيكة ﴾ مجمع الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فملا خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد!...

هلموا أيها الناس.

فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ يقول: على الطريق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق ظاهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق معلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق واضح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق مستبين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أصحاب الحجر ﴾ قال: أصحاب الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان ﴿ أصحاب الحجر ﴾ ثمود، قوم صالح.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور.

وعلفوا العجين الإِبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن الناس لما نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، استقوا من أبيارها وعجنوا به العجين.

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإِبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن معبد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: «من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه.

قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس» .

وأخرج ابن مردويه وابن النجار، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: الرضا بغير عتاب.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هو الرضا بغير عتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هذا الصفح الجميل، كان قبل القتال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب ﴿ والقرآن العظيم ﴾ قال: سائر القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه سئل عن السبع المثاني قال: فاتحة الكتاب، استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله.

قيل: فأين الآية السابعة؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: دُخرَتْ لنبيكم صلى الله عليه وسلم، لم تُدَّخَرَ لنبي سواه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم القرآن، تثنى في كل صلاة.

وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني، الحمد لله رب العالمين.

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ﴾ قالا: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن الحسن مثله.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع.

وأخرج ابن الضريس عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات.

وإنما سميت ﴿ المثاني ﴾ لأنه ثنى بها، كلما قرأ القرآن قرأها.

قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطول.

قال: لقد أنزلت هذه الآية.

وما نزل من الطول شيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول.

ولم يُعْطَهُنَّ أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ الطول.

وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح، ذهب اثنتان وبقي أربعة.

وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب هي السبع المثاني» .

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

فقيل لابن جبير: ما قوله: ﴿ المثاني ﴾ قال: ثنى فيها القضاء والقصص.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿ المثاني ﴾ المئين: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة والأنفال سورة واحدة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

قلت: لم سميت ﴿ المثاني ﴾ ؟

قال: يتردد فيهن الخبر والأمثال والعبر.

وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ فاتحة الكتاب والسبع الطول منهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن أبي مريم في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: أعطيتك سبعاً أخر أؤمر وأنه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم واتل نبأ القرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول الأول ﴿ والقرآن العظيم ﴾ سائره.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: ﴿ المثاني ﴾ ما ثني من القرآن.

ألم تسمع لقول الله: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ [ الواقعة: 16] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: ﴿ المثاني ﴾ القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ معنى الصَّدْع في اللغة: الشَّقُّ والفَرْقُ والفَصْلُ (١) هُو الخَليفهُ فارْضَوْا ماقَضى لَكُمُ ....

بالحَقّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ جَنَفُ (٢) يصدع: يفصل، وأنشد الفراء (٣) وأنْحَرُ لِلشَّرْبِ الكرامِ مَطِيَّتي ...

وأَصْدَعُ (٤) (٥) ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ ، قال الفراء: يتفرقون (٦) ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي فرق بين الحق والباطل (٧) (٨) ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي شُقّ جماعتَهم بالتوحيد (٩) (١٠)  - وهو أن يفرقها في الناس فيذيعها فيهم وقال أبو إسحاق: يقول أظهر ما تؤمر به؛ أُخذَ من الصِّدِيع وهو الصبح، وقال: وتأويل الصَّدْع في الزُّجَاج، أن يَبِيْنَ بعضُه من بعض (١١) (١٢) ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي: أظهر ذلك، قال: وأصله الفَرْق والفتحُ، أي: اصدع بحقِّك الباطلَ (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، و (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك لم يعد إليه عائد من الصلة كقولك: ما أحسنَ ما ينطلق؛ لأنك تريد: ما أحسنَ انطلاقك، وما أحسنَ ما تأمر، أي: أمرك، ومثله قوله: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ  ﴾ كأنه قيل له: افعل الأمر الذي تؤمر، قال ويجوز أن يكون المعنى: بما تؤمر به، فحذف الجار؛ لأن العرب قد تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، وأنشد (١٧) إذا قَالَتْ حَذَامِ فأنْصِتُوها ...

فإنّ الأمْرَ ما قَالَتْ حَذَامِ (١٨) قال: يريد فأنصتوا لها.

وقال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ (١٩) ﴿ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي بالقرآن، قال: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة (٢٠) ﴿ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ من صلة معنى الصدع، لا لفظه؛ وهو الجهر، وما تؤمر هو القرآن؛ لأنه إنما تؤمر بما في القرآن، و (ما) في هذا القول موصولة، وليست بمعنى المصدر، وتكون مع الجار في موضع نصب، وأكثر المفسرين على أن المعنى: اجهر بالأمر؛ أي بأمرك، يعني إظهار الدعوة، قالوا: ومازال النبيّ -  - مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لائمتهم إياك على إظهار الدعوة ولا تسمعها، قال المفسرون: هذا منسوخ بآية القتال (٢٢) (١) انظر: (صدع) في "تهذيب اللغة" 2/ 1987، "المحيط في اللغة" 1/ 324، "الصحاح" 3/ 1241.

(٢) "ديوان جرير" ص 308، وورد في "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 214.

(٣) ليس في معانيه، والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي (جاهلي).

(٤) ساقطة من (د).

(٥) ورد في "المفضليات" ص 158، "جمهرة اللغة" 2/ 653، "الأغاني" 16/ 362، "ذيل أمالي القالي" 3/ 133، "الخزانة" 2/ 201، (الشرب) جمع شارب، (المطية) البعير، (القينة) المغنية، يريد أن يعطي كل منها شطر ردائه.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 325 بلفظه.

(٧) "تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه.

(٨) في جميع النسخ: (ابن عباس)، وهو تصحيف، والتصحيح من التهذيب.

(٩) "تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد غير منسوب فى "تفسير القرطبى" 10/ 61.

(١٠) "تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد فى "تفسير الماوردى" 3/ 174 عن النقاش.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بتصرف يسير، "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 بنصه، ويبدو أنه نقله مز التهذيب لا المعاني.

(١٢) "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1988 بنصه.

(١٣) "الغريب" لابن قتيبة ص 240 بنصه.

(١٤) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، "تفسير البغوي" 4/ 395، الخازن 3/ 104، "تنوير المقباس" ص 281 بلفظه، وهذه الرواية أوهى الطرق؛ لأنها من طريق محمد بن مروان عن الكلبي، أخرجها أبو نُعيم في "الدلائل" ص 270، وقد رويت عن الكلبي -نفسه- في "تفسير هود" 2/ 358، والماوردي 3/ 174، والغريب إيراد الواحدي -رحمه الله- الأقوال الضعيفة عن ابن عباس وتركه للروايات الصحيحة والمشهورة في بعض المواضع، ففي هذه الآية مثلاً؛ ثبت عن ابن عباس تفسيرها بـ: أمضه، وافعل ما تؤمر.

انظر: "تفسير الطبري" 14/ 67 من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والثعلبي 2/ 152 ب، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن الجوزي 4/ 420، وابن كثير 2/ 615، و"الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولعل سبب إيراده للروايات الضعيفة عن ابن عباس -مع ورود الروايات الصحيحة- أنه نظر إليها من جهة اللغة والمعنى لا من جهة السند، فاختارها -على القوية سندًا- لهذه الحيثية، والمعروف عن الواحدي -رحمه الله- أنه يغلب عليه الاهتمام باللغة والعناية بها في تفسيره.

(١٥) "مجاز القرآن" 1/ 355 بلفظه، ولم أجده في معاني الأخفش، وورد منسوبًا للأخفش في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه، و"تفسير البغوي" 4/ 395.

(١٦) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه.

(١٧) البيت لِلُجَيْم بن صعْب، وحَذَامُ امرأتُه، وهي بنتُ الريَّان، سميت بذلك لأن ضرَّتها حذمت -قطعت- يدها بشفرة.

(١٨) في نسخة (أ) أثبت عجز البيت في الهامش.

ورد البيت في: "العقد الفريد" 3/ 84، 365، "اللسان" (رقش) 6/ 306، (نصت) 2/ 99، "شرح التصريح" 2/ 225، "شرح شواهد المغني" 2/ 596، وورد غير منسوب في: "ما ينصرف وما لا ينصرف" ص 101، "تفسير الطوسي" 6/ 355، "شرح المفصل" 4/ 64 "أوضح المسالك" 4/ 131، وفي جميع المصادر: (فصدقوها) بدل (فأنصتوها) و (القول) بدل (الأمر).

(١٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 94 بتصرف يسير.

والشاهد: أي كفروا بربهم.

(٢٠) "تفسير مجاهد" ص 419 بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 351 مختصرًا، والطبري 14/ 68 بنحوه من عدة روايات، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 44 بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 مختصرًا، "تفسير الثعلبي" 2/ 153أبنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢١) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 بنحوه، والثعلبي 2/ 152 ب، بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 395، و"ابن الجوزي" 4/ 420، والفخر الرازي 19/ 315، و"تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199.

(٢٢) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، بنحوه، و"أخرجه الطبري" 14/ 68 بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي (غير مرضية)، وأخرجه كذلك عن الضحاك بنحوه، وورد في:"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 483 بصيغة التمريض، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، والثعلبي 2/ 153 أ، والماوردي 3/ 175 بنحوه عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن عطية 8/ 359، وابن الجوزي 4/ 421، "تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وأبي حيان 5/ 470، "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ ﴾ أي أجزاء، وقالوا فيه أقوالاً مختلفة وواحد عضين عضة وقيل: هو من العَضْة وهو السحر، والعاضِه الساحر، والمعنى على هذا أنه سحر، والكلمة محذوفة اللام ولامها على القول الأول واو وعلى الثاني هاء ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان؟

فالجواب أن السؤال المثبت هو على: وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو: على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ .

أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين.

والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة.

وذكر [بعض] أهل التأويل: أن شعيباً بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً  ﴾ وقال في آية [أخرى]: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ  إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ سمى الله  الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة [فاسقين، ومرة مشركين]، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال الله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ  ﴾ المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر بالله؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان بالله، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر بالله.

وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله، والكفر المطلق هو الكفر بالله، وإن كان يسمى بدون الله كفراً وإيماناً؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع على ما دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .

ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحداً؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد  ؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمَا ﴾ قال بعضهم: يعني قوم لوط، وقوم شعيب.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ - واحد؛ أي: بيّن واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له آثار هلاكهم؛ وما حل بهم.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق يُؤمّ، ويقصد؛ بيّن واضح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل:أصحاب الحجر: هم قومُ صالحٍ ثمودُ، وقالوا: الحجر: هو اسم واد.

وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين [ولم يذكر]؛ صالحاً وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحاً كان يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعاً؛ إذ كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .

تحتمل الآيات: آيات وحدانية الله وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم.

﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ : أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ [أو أعرضوا عنها]، أي: كذبوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ .

يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب الله؛ حيث قالوا: ﴿ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ كانوا آمنين عن ذلك.

وقال بعضهم: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ  ﴾ على تأويل بعضهم: حاذقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ يحتمل: أخذتهم ظاهرة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ ﴾ : أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب الله من شيء.

ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ولقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله.

أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب الله عن أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 26] أي: وإن أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا ولم يتفكروا في آيات الله فجحدوها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأعلن -أيها الرسول- ما أمرك الله به من الدعوة إليه، ولا تلتفت إلى ما يقوله ويفعله المشركون.

<div class="verse-tafsir" id="91.16z7j"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله