الآية ٩٥ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩٥ من سورة الحجر

إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ) أي : بلغ ما أنزل إليك من ربك ، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله .

( ودوا لو تدهن فيدهنون ) [ القلم : 9 ] ولا تخفهم ; فإن الله كافيك إياهم ، وحافظك منهم ، كما قال تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، حدثنا عون بن كهمس ، عن يزيد بن درهم قال : سمعت أنسا يقول في هذه الآية : ( إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر ) قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغمزه بعضهم ، فجاء جبريل أحسبه قال : فغمزهم فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة حتى ماتوا وقال محمد بن إسحاق : كان عظماء المستهزئين - كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير - خمسة نفر ، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم ، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي : الأسود بن المطلب أبو زمعة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه ؛ لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [ به ] فقال : اللهم ، أعم بصره ، وأثكله ولده .

ومن بني زهرة : الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة .

ومن بني مخزوم : الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم .

ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي : العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد .

ومن خزاعة : الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان - فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستهزاء ، أنزل الله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ) إلى قوله : ( فسوف يعلمون ) وقال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، أو غيره من العلماء ، أن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت ، فقام وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه ، فمر به الأسود [ ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء ، فعمي .

ومر به الأسود ] بن عبد يغوث ، فأشار إلى بطنه ، فاستسقى بطنه ، فمات منه حبنا .

ومر به الوليد بن المغيرة ، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله - كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره - وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له ، فتعلق سهم من نبله بإزاره ، فخدش رجله ذلك الخدش ، وليس بشيء - فانتقض به فقتله .

ومر به العاص بن وائل ، فأشار إلى أخمص قدمه ، فخرج على حمار له يريد الطائف ، فربض على شبرقة فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته .

ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه ، فامتخط قيحا ، فقتله قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن رجل ، عن ابن عباس قال : كان رأسهم الوليد بن المغيرة ، وهو الذي جمعهم .

وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق ، عن يزيد ، عن عروة بطوله ، إلا أن سعيدا يقول : الحارث بن غيطلة .

وعكرمة يقول : الحارث بن قيس .

قال الزهري : وصدقا ، هو الحارث بن قيس ، وأمه غيطلة .

وكذا روي عن مجاهد ، ومقسم ، وقتادة ، وغير واحد ، أنهم كانوا خمسة .

وقال الشعبي : كانوا سبعة .

والمشهور الأول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا كفيناك المستهزئين يا محمد، الذين يستهزئون بك ويسخرون منك، فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئا سوى الله، فإن الله كافيك من ناصبك وآذاك كما كفاك المستهزئين.

وكان رؤساء المستهزئين قوما من قريش معروفين.

* ذكر أسمائهم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد، قال: كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عُروة بن الزُّبير خمسة نَفَر من قومِه، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم ، من بني أسد بن عبد العُزَّى بن قصيّ: الأسود بن المطلب أبو زَمْعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: اللهمّ أعم بصره، وأثكله ولده ، ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة ، ومن بني مخزوم: الوليدُ بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم ، ومن بني سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤيّ: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد بن سَهْم ، ومن خُزاعة: الحارث بن الطُّلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن مَلْكان ، فلما تمادوْا في الشرّ وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء، أنـزل اللَّه تعالى ذكره فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ...

إلى قوله ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) قال محمد بن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عُروة بن الزبير أو غيره من العلماء ، أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت فقام ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرّ به الأسود بن المطلب، فرَمى في وجهه بورقة خضراء، فعَمِي ، ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاسْتَسْقَى بطنه ، فمات منه حبنا ، ومرّ به الوليد بن المُغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله كان أصابه قبل ذلك بسنتين، وهو يجرّ سِبله، يعني إزاره ، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يَريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش وليس بشيء، فانتقَض به فقتله ، ومرّ به العاص بن وائل السَّهميّ، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف ، فوقِصَ على شِبْرِقة، فدخل في أخمص رجله منها شوكة، فقتلته .

قال أبو جعفر : الشِّبرقة: المعروف بالحَسَك، منه حَبَنا (7) والحَبَن: الماء الأصفر ، ومرّ به الحارث بن الطُّلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحا فقتله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد القرشيّ، عن رجل، عن ابن عباس، قال : كان رأسهم الوليد بن المُغيرة، وهو الذي جمعهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جبير، في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: كان المستهزئين: الوليدُ بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن عيطلة.

فأتاه جبرئيل، فأومأ بأصبعه إلى رأس الوليد، فقال: ما صنعت شيئا، قال: كُفِيت ، وأومأ بيده إلى أخمص العاص، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما صَنَعْتَ شَيْئا ، فقال: كُفيت ، وأومأ بيده إلى عين أبي زمعة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما صَنَعْتَ شَيْئا، قال: كُفيت.

وأومأ بأصبعه إلى رأس الأسود، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: دَعْ لي خالي .

فقال: كُفِيت ، وأومأ بأصبعه إلى بطن الحارث، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما صَنَعْتَ شَيْئا ، فقال كُفِيت.

قال: فمرّ الوليد على قين لخزاعة وهو يجر ثيابه، فتعلقت بثوبه بروة أو شررة (8) وبين يديه نساء، فجعل يستحي أن يطأ من ينتزعها، وجعلت تضرب ساقه فخدشته، فلم يزل مريضا حتى مات ، وركب العاص بن وائل بغلة له بيضاء إلى حاجة له بأسفل مكة، فذهب ينـزل، فوضع أخمص قدمه على شبرقة ، فحكت رجله، فلم يزل يحكها حتى مات ، وعمي أبو زمعة ، وأخذت الأكلة في رأس الأسود ، وأخذ الحارث الماء في بطنه.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: هم خمسة رهط من قريش: الوليدُ بن المغيرة، والعاصُ بن وائل، وأبو زمعة، والحارث بن عيطلة، والأسود بن قيس.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: الوليد بن المغيرة، والعاصُ بن وائل السَّهْمِيّ، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن عيطلة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، في قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: هم خمسة كلهم هلك قبل بَدْر: العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وأبو زمعة بن عبد الأسود، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة عن عمرو، عن عكرمة: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن عيطلة.

حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي بكر الهذلي، قال: قلت للزُّهريّ: إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: هو الحارث بن عيطلة، وقال عكرمة: هو الحارث بن قيس؟

فقال: صدقا، كانت أمه تسمى عيطلة وأبوه قيس.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم ، عن حصين، عن الشعبيّ، قال: المستهزئين سبعة ، وسَمَّى منهم أربعة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: كانوا من قريش خمسة نفر: العاصُ بن وائل السهمي، كُفِي بصداع أخذه في رأسه، فسال دماغه حتى كان يتكلم من أنفه ، والوليد بن المغيرة المخزومي، كفي برجل من خزاعة أصلح سهما له، فندرت منه شظية، فوطئ عليها فمات ، وهبار بن الأسود، وعبد يغوث بن وهب، والحارث بن عيطلة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) قال: كلهم من قريش : العاص بن وائل، فكفي بأنه أصابه صداع في رأسه، فسال دماغه حتى لا يتكلم إلا من تحت أنفه ، والحارث بن عيطلة بصفر في بطنه ، وابن الأسود فكفي بالجدري ، والوليد بأن رجلا ذهب ليصلح سهما له، فوقعت شظية فوطئ عليها ، وعبد يغوث فكفي بالعمى، ذهب بصره.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، وعن مِقْسم ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) قال: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديّ بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، مرّوا رجلا رجلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه جبرئيل، فإذا مرّ به رجل منهم قال جبرئيل: كيف تجد هذا؟

فيقول: بئس عدوّ الله ، فيقول جبرئيل: كفاكه ، فأما الوليد بن المغيرة ، فتردّى، فتعلق سهم بردائه، فذهب يجلس فقطع أكحله فنـزف فمات ، وأما الأسود بن عبد يغوث، فأُتِي بغصن فيه شوك، فضرب به وجهه، فسالت حدقتاه على وجهه، فكان يقول: دعوت على محمد دعوة، ودعا عليّ دعوة، فاستجيب لي، واستجيب له ، دعا عليّ أن أَعمَى فعميت : ودعوت عليه أن يكون وحيدا فريدا في أهل يثرب فكان كذلك ، وأما العاص بن وائل، فوطئ على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك ، وأما الأسود بن المطلب وعديّ بن قيس، فإن أحدهما قام من الليل وهو ظمآن، فشرب ماء من جَرّة، فلم يزل يشرب حتى انفتق بطنه فمات ، وأما الآخر فلدغته حية فمات.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر.

عن قتادة وعثمان، عن مِقْسم مولى ابن عباس، في قوله ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ هم رهط خمسة من قريش عضهوا القرآن، زعم بعضهم أنه سحر وزعم بعضهم أنه شعر وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين: أما أحدهم: فالأسود بن عبد يغوث، أتى على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وهو عند البيت، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟

قال: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ على أنَّهُ خالي ، قال: كفيناك ، ثم أتى عليه الوليد بن المغيرة، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟

قال: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ ، قال: كَفيناك ، ثم أتى عليه عدي بن قيس أخو بني سهم، فقال الملك: كيف تجد هذا؟

قال: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ ، قال: كفيناك ، ثم أتى عليه الأسود بن المطلب، فقال له الملك: كيف تجد هذا؟

قال: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ ، قال: كفيناك ، ثم أتى عليه العاص بن وائل، فقال له الملك: كيف تجد هذا؟

قال: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ ، قال: كفيناك ، فأما الأسود بن عبد يغوث، فأُتي بغصن من شوك فضرب به وجهه حتى سالت حدقتاه على وجهه، فكان بعد ذلك يقول: دعا عليّ محمد بدعوة ودعوت عليه بأخرى، فاستجاب الله له في واستجاب الله لي فيه ، دعا عليّ أن أثكل وأن أعمى، فكان كذلك ، ودعوت عليه أن يصير شريدا طريدا، فطردناه مع يهود يثرب وسرّاق الحجيج، وكان كذلك ، وأما الوليد بن المغيرة، فذهب يرتدي، فتعلق بردائه سهم غرب (9) فأصاب أكحله أو أبجله، فأتي في كلّ ذلك، فمات ، وأما العاص بن وائل، فوطئ على شوكة، فأتي في ذلك، جعل يتساقط لحمه عضوا عضوا فمات وهو كذلك ، وأما الأسود بن المطلب وعديّ بن قيس، فلا أدري ما أصابهما.

ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، نهى أصحابه عن قتل أبي البختري، وقال: خذوه أخذا، فإنه قد كان له بلاء ، فقال له أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا البختري إنا قد نهينا عن قتلك فهلمّ إلى الأمنة والأمان ، فقال أبو البختري: وابن أخي معي؟

فقالوا: لم نؤمر إلا بك ، فراودوه ثلاث مرّات، فأبى إلا وابن أخيه معه، قال: فأغلظ للنبيّ صلى الله عليه وسلم الكلام، فحمل عليه رجل من القوم فطعنه فقتله، فجاء قاتله وكأنما على ظهره جبل أوثقه مخافة أن يلومه النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبر بقوله: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أبْعَدَهُ اللَّهُ وأسْحَقَهُ ، وهم المستهزِئُونَ الذين قال الله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) وهم الخمسة الذين قيل فيهم (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) استهزءوا بكتاب الله، ونبيه صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال : ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) هم من قريش.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وزعم ابن أبي بَزَّة أنهم العاص بن وائل السهمي والوليد بن المغيرة الوحيد، والحارث بن عديّ بن سهم بن العيطلة، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ، وهو أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث وهو ابن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس، نحو حديث محمد بن عبد الأعلى ، عن محمد بن ثور، غير أنه قال: كانوا ثمانية ، ثم عدّهم وقال: كلهم مات قبل بدر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنا كفيناك المستهزئين قال ابن إسحاق : لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستهزاء أنزل الله - تعالى - فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون .

والمعنى : اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله ; فإن الله كافيك من أذاك كما كفاك المستهزئين ، وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة ، وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم ، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة .

والأسود بن عبد يغوث ، والحارث بن الطلاطلة ، أهلكهم الله جميعا ، قبل يوم بدر في يوم واحد ; لاستهزائهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وسبب هلاكهم فيما ذكر ابن إسحاق : أن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمر به الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه ، فجعل يضرب برأسه الجدار .

ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا .

( يقال : حبن ( بالكسر ) ) حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر ، فهو أحبن ، والمرأة حبناء ; قاله في الصحاح ) .

ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله ، وكان أصابه قبل ذلك بسنين ، وهو يجر سبله ، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش وليس بشيء ، فانتقض به فقتله .

ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله ، فمرج على حمار له يريد الطائف ، فربض به على شبرقة فدخلت [ ص: 58 ] في أخمص رجله شوكة فقتلته .

ومر به الحارث بن الطلاطلة ، فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله .

وقد ذكر في سبب موتهم اختلاف قريب من هذا .

وقيل : إنهم المراد بقوله - تعالى - : فخر عليهم السقف من فوقهم شبه ما أصابهم في موتهم بالسقف الواقع عليهم ; على ما يأتي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إنا كفيناك المستهزئين } بك وبما جئت به وهذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفيه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة.

وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا كفيناك المستهزئين ) يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : فاصدع بأمر الله ، ولا تخف أحدا غير الله عز وجل ، فإن الله كافيك من عاداك كما كفاك المستهزئين ، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش : الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان رأسهم - والعاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال : " اللهم أعم بصره واثكله بولده والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، والحارث بن قيس بن الطلاطلة ، فأتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم ، والمستهزئون يطوفون بالبيت ، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، فمر به الوليد بن المغيرة ، فقال جبريل : يا محمد كيف تجد هذا ؟

فقال : بئس عبد الله ، فقال : قد كفيته ، وأومأ إلى ساق الوليد ، فمر برجل من خزاعة نبال يريش نبلا له وعليه برد يمان ، وهو يجر إزاره ، فتعلقت شظية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن " يطاطئ رأسه " فينزعها ، وجعلت تضرب ساقه ، فخدشته ، فمرض منها فمات .

ومر به العاص بن وائل فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟

قال : بئس عبد الله ، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه ، وقال : قد كفيته ، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقة فدخلت منها شوكة في أخمص رجله ، فقال : لدغت لدغت ، فطلبوا فلم يجدوا شيئا ، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير ، فمات مكانه .

ومر به الأسود بن المطلب ، فقال جبريل : كيف تجد هذا ؟

قال عبد سوء ، فأشار بيده إلى عينيه ، وقال : قد كفيته ، فعمي .

قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه ، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك .

وفي رواية الكلبي : أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك ، فاستغاث بغلامه ، فقال غلامه : لا أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك ، حتى مات ، وهو يقول قتلني رب محمد .

ومر به الأسود بن عبد يغوث ، فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد ؟

قال : بئس عبد الله على أنه ابن خالي .

فقال : قد كفيته ، وأشار إلى بطنه فاستسقى [ بطنه ] فمات حينا .

وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد حبشيا ، فأتى أهله فلم يعرفوه ، وأغلقوا دونه الباب حتى مات ، وهو يقول : قتلني رب محمد .

ومر به الحارث بن قيس فقال جبريل : كيف تجد هذا يا محمد فقال : عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال : قد كفيته فامتخط قيحا فقتله .

وقال ابن عباس : إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى انقد بطنه فمات ، فذلك قوله تعالى : ( إنا كفيناك المستهزئين ) بك وبالقرآن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا كفيناك المستهزئين» بك بإهلاكنا كلا بآفة وهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّا كَفَيْناك المستهزئين الساخرين من زعماء قريش، الذين اتخذوا شريكًا مع الله من الأوثان وغيرها، فسوف يعلمون عاقبة عملهم في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فخرج هو وأصحابه ، وقوله ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين ) تعليل للأمر بالجهر بالدعوة ، بعد أن مكث صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الاسلام سرًا ثلاث سنين أو أكثر .وقوله ( كفيناك .

.

) من الكفاية .

تقول : كفيت فلانًا المؤنة إذا توليتها عنه ، ولم تحوجه إليها .

وتقول : كفيتك عدوك أى : كفيتك بأسه وشره .والمراد بالمستهزئين : أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم .أى : إنا كفينا الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك ، وأرحناك منهم ، بإهلاكهم .

وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم ، وهم : الوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن عيطل ، والعاص بن وائل : وقد أهلكهم الله جميعًا بمكة ، وكان هلاكهم العجيب من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم .قال الإِمام الرازى : واعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين ، وفى أسمائهم ، وفى كيفية طريق استهزائهم ، ولا حاجة إلى شئ منها .والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة ، لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة ، مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علو قدره ، وعظم منصبه ، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يحتمل أن يكون راجعاً إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله: ﴿ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النذير المبين  ﴾ أي لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين، فيعود قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ على الكل، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال، لأن اللفظ عام فيتناول الكل.

فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: ﴿ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وبين قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  ﴾ أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا؟

ولقائل أن يقول: هذا الجواب ضعيف، لأنه لو كان المراد من قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات.

والوجه الثاني: في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر، لأن يوم القيامة يوم طويل.

ولقائل أن يقول: قوله؛ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  ﴾ هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض.

والوجه الثالث: أن نقول: قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ﴾ يفيد عموم النفي وقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

أما قوله: ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل، وأنشد ابن السكيت لجرير: هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم *** بالحق يصدع ما في قوله حيف فقال يصدع يفصل، وتصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ قال الفراء: يتفرقون.

والصدع في الزجاجة الإبانة، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعاً لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ينشق.

قال الأزهري: وسمي الصبح صديعاً كما يسمى فلقاً.

وقد انصدع وانفلق الفجر وانفطر الصبح.

إذا عرفت هذا فقول: ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي فرق بين الحق والباطل، وقال الزجاج: فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً كقولك صرح بها، وهذا في الحقيقة يرجع أيضاً إلى الشق والتفريق، أما قوله: ﴿ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ ففيه قولان: الأول: أن يكون ما بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** الثاني: أن تكون ما مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك.

قالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة.

قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال وهو ضعيف، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخاً.

ثم قال: ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزءين ﴾ قيل: كانوا خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى عقب الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف عدي بن قيس، فامتخط قيحاً فمات وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.

واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين وفي أسمائهم وفي كيفية طريق استهزائهم، ولا حاجة إلى شيء منها، والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو قدره وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله تعالى أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن عروة بن الزبير في المستهزئين: هم خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: ماتوا كلهم قبل بدر.

قال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظَّماً لأخذه، فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل، فدخلت فيها شوكة، فقال: لدغت لدغت وانتفخت رجله، حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب، فعمى وأشار إلى أنف الحرث بن قيس، فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ بِقَمْعِهِمْ وإهْلاكِهِمْ.

قِيلَ كانُوا خَمْسَةً مِن أشْرافِ قُرَيْشٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، وعُدَيُّ بْنُ قَيْسٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، يُبالِغُونَ في إيذاءِ النَّبِيِّ  والِاسْتِهْزاءِ بِهِ فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَسُولِ اللَّهِ  : أُمِرْتُ أنْ أكْفِيَكَهم، فَأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ فَمَرَّ بِنَبّالٍ فَتَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ سَهْمٌ فَلَمْ يَنْعَطِفْ تَعَظُّمًا لَأخْذِهِ، فَأصابَ عِرْقًا في عَقِبِهِ فَقَطَعَهُ فَماتَ، وأوْمَأ إلى أخْمُصِ العاصِ فَدَخَلَ فِيهِ شَوْكَةٌ فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتّى صارَتْ كالرَّحى وماتَ، وأشارَ إلى أنْفِ عُدَيِّ بْنِ قَيْسٍ فامْتَخَطَ قَيْحًا فَماتَ، وإلى الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وهو قاعِدٌ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَجَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ ويَضْرِبُ وجْهَهُ بِالشَّوْكِ حَتّى ماتَ، وإلى عَيْنَيِ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ فَعَمِيَ: ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ في الدّارَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمسْتَهْزِئينَ} الجمهور على أنها نزلت في خمسة نفر كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به فأهلكهم الله وهم الوليد بن المغيرة مر بنبّال فتعلق بثوبه سهم فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات والعاص بن وائل دخل في أخمصه شوكة فانتفخت رجله فمات الأسود بن عبد المطلب عمى والأسود بن عبد يغوث جعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات والحرث بن قيس امتخط قيحاً ومات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ بِكَ أوْ بِكَ وبِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَمْعِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ كِلاهُما في الدَّلائِلِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قالَ: «المُسْتَهْزَءُونَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ والحارِثُ بْنُ عُطَيْلٍ السَّهْمِيُّ والعاصُ بْنُ وائِلٍ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَكاهم إلَيْهِ فَأراهُ الوَلِيدَ فَأوْمَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أكْحُلِهِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ فَأوْمَأ إلى عَيْنَيْهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ.

ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ فَأوْمَأ إلى رَأْسِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ ثُمَّ أراهُ الحارِثَ فَأوْمَأ إلى بَطْنِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ العاصَ بْنَ وائِلٍ فَأوْمَأ إلى أخْمُصِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ.

فَأمّا الوَلِيدُ فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ وهو يَرِيشُ نَبْلًا فَأصابَ أُكْحَلَهُ فَقَطَعَها، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ فَنَزَلَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: يا بَنِيَّ ألا تَدْفَعُونَ عَنِّي قَدْ هَلَكْتُ أُطْعَنُ بِالشَّوْكِ في عَيْنِي فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: ما نَرى شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى عَمِيَتْ عَيْناهُ، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَخَرَجَ في رَأْسِهِ قُرُوحٌ فَماتَ مِنها وأمّا الحارِثُ فَأخَذَهُ الماءُ الأصْفَرُ في بَطْنِهِ حَتّى خَرَجَ رَجِيعُهُ مِن فِيهِ فَماتَ مِنهُ، وأمّا العاصُ فَرَكِبَ إلى الطّائِفِ فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَ في أخْمُصِ قَدَمِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» وقالَ الكِرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ: إنَّ المُسْتَهْزِئِينَ هُمُ السَّبْعَةُ الَّذِينَ ألْقَوْا الأذى ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي كَما جاءَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ وهُمْ: عَمْرُو بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وعِمارَةُ بْنُ الوَلِيدِ، وفي الأعْلامِ لِلسُّهَيْلِيِّ أنَّهم قَذَفُوا بِقَلِيبِ بَدْرٍ وعَدَّهم بِخِلافِ ما ذُكِرَ.

وفي الدُّرِّ المَنثُورِ وغَيْرِهِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في عِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ وكَيْفِيَّةِ هَلاكِهِمْ وعَدَّ الشَّعْبِيُّ مِنهم هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ.

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ فَعَدُّهُ وهْمٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ إذا كانَتْ كِفايَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِالإهْلاكِ كَما هو الظّاهِرُ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَحْوَ ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ الرِّواياتِ ثُمَّ قالَ: ولا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والقَدْرُ المَعْلُومُ أنَّهم كانُوا طائِفَةً لَهم قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ لِأنَّ أمْثالَهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ السَّفاهَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في عُلُوِّ قَدْرِهِ وعِظَمِ مَنصِبِهِ، ودَلَّ القُرْآنَ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أفْناهم وأبادَهم وأزالَ كَيْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ أقسم بنفسه ليسألنهم يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ من الشرك، وعن ترك قول: لا إله إلا الله، وعن الإيمان بالله، والرسول فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي: أظهر أمرك، وامض، لما أمرتك وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي: اتركهم حتى يجيء أمر الله تعالى.

وكان رسول الله  قبل نزول هذه الآية مستخفياً لا يظهر شيئاً مما أنزل الله عليه، حتى نزلت هذه الآية، فأعرض عن المشركين.

قوله عز وجل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي: أظهر أمرك، فقد أهلك الله المستهزئين، وهم خمسة رهط، فأهلكوا كلهم في يوم وليلة، وذلك أن النبيّ  أراد الخروج إلى الموسم أيام الحج ليدعو الناس، فمنعه المستهزئون، وبعثوا على كل طريق رجلاً، فإذا سألهم أحد من الغرباء عن النبيّ  قالوا: هو ساحر كاهن.

ثم قالوا: هذا دأبنا كل سنة، فشقّ على النبيّ  ، فأهلكهم الله تعالى، منهم الوليد بن المغيرة.

فنزل جبريل على النبيّ  فقال: كيف تجد هذا؟

فقال: «بِئْسَ الرَّجُلُ» .

فقال: كفيناكه.

فمضى وهو يتبختر في ردائه، ويقال: ببردته، فمر برجل يصنع السهام، فتعلق سهم بردائه، وأخذ طرف ردائه ليجعله على كتفه، فأصاب السهم أكحله، فنزف فمات.

ومنهم: العاص بن وائل السهمي، مرّ عليه النبيّ  فسأله عنه فقال: «بئس الرجل هو» .

فقال: «كفيناكه» فوطئ على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه، حتى هلك.

ومنهم: الحارث بن حنظلة، أصاب ساقه شيء فانتفخ فمات.

ومنهم: أسود بن عبد يغوث، أصابه العطش، فجعل يشرب الماء حتى انتفخ بطنه فمات.

ومنهم: أسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى، ضربه جبريل بجناحه فمات.

ويقال: خرج مع غلام له، فأتاه جبريل  وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح برأسه الشجرة، ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك، حتى مات وهو يقول: قتلني رب محمد.

وفي رواية الكلبي: أن أسود بن عبد يغوث، خرج من أهله، فأصابه السواد حتى عاد حبشياً، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات (١) وروي في خبر آخر أن العاص بن وائل السهمي، خرج في يوم مطير على راحلته مع ابنين له؟

فنزل شعباً من الشعاب، فلما وضع قدمه على الأرض، لدغت فطلبوا، فلم يجدوا شيئاً، فانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.

وعن أبي بكر الهذلي أنه قال: قلت للزهري: إن سعيد بن جبير وعكرمة قد اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: هو الحارث بن عيطلة.

وقال عكرمة: هو الحارث بن قيس.

فقال: صدقاً كانت أمه اسمها عيطلة، وأبوه قيس.

ويقال: إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه عطش، فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ فمات وهو يقول: قتلني رب محمد فنزل إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أي: يقولون مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ماذا يفعل بهم، هذا وعيد لسائر الكفار.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 98 إلى ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي، وأبي نعيم في الدلائل عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وجاهلٍ وفاسقٍ الذين هم أهْوَنُ خَلْقِهِ عليه، ويَصْرِفُه عن كلِّ نبيٍّ وصفيٍّ وصِدِّيقٍ وعالمٍ وعابدٍ الذين هم أَعَزُّ خَلْقِهِ عليه حتى إِنهم لا يكادُونَ يُصِيبُونَ كِسْرةً وخِرْقَةً، ويمنُّ عليهم سبحانه بأَلاَّ يلطخهم بقَذَرها، انتهى.

وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : قوله تعالى: لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ: المعنى: أعطيناكَ الآخِرَةَ، فلا تنظُرْ إِلى الدنيا، وقد أعطيناك العلْم، فلا تتشاغلْ/ بالشهواتِ، وقد مَنَحْنَاكَ لَذَّةَ القَلْب، فلا تنظر إِلى لذة البَدَن، وقد أعطينَاكَ القرآن، فاستغن به، فمَنِ استغنى به، لا يطمَحُ بنظره إِلى زخارف الدنيا، وعنده مَعَارِفُ المولَى، حَيِيَ بالباقِي، وفَنِيَ عن الفاني.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.

قال ع «٢» : والذي أقولُ به في هذا: أنّ المعنَى: وقل أنا نذيرٌ، كما قال قبلك رُسُلنا، ونزَّلنا عليهم كما أنزلنا عليك، واختلف في الْمُقْتَسِمِينَ، مَنْ هُمْ؟

فقال ابن عباس، وابن جُبَيْر: «المقتسمون» : هم أهْلُ الكتابِ الذينَ فَرَّقوا دينهم، وجَعَلُوا كتابَ اللَّهِ أعضاءً، آمنوا ببعضٍ، وكَفَروا ببعض وقال نحْوَه مجاهدٌ «٣» ، وقالت فرقةٌ: «المقتسمون» :

هم كفَّار قريشٍ جعلوا القرآن سِحْراً وشِعْراً وَكَهَانة، وجعلوه أعضاءً بهذا التقسيم، وقالت فرقة: «عِضِينَ» : جمعُ عضةَ، وهي اسم للسحْرِ خاصَّة بلغةِ قريشٍ وقالَه عكرمة «٤» .

ت: وقال الواحديُّ: كما أنزلنا عذاباً على المقتسمين الذينَ اقتسموا طُرُقَ مكَّة يصُدُّون الناسَ عن الإيمان.

انتهى من «مختصره» .

وقوله سبحانه: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ...

الآية: ضميرٌ عامٌّ، ووعيدٌ محضٌ، يأخذ كلُّ أحد منه بحَسَب جُرْمه وعِصْيانه، فالكافرُ يسأل عن التوحيدِ والرسالةِ، وعن كُفْره وقَصْدِهِ به، والمؤمنُ العاصِي يُسْأل عَنْ تضْييعه، وكلُّ مكلَّف عما كُلِّف القيامَ به وفي هذا المعنى أحاديثُ، قال ابن عباس في هذه الآية يقال لهم: لِمَ عَمِلْتُمْ كذا وكذا، قال: وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩] : معناه: لا يقال له: مَاذَا أذنَبْتَ، لأَنَّ اللَّه تعالى أعلم بذنبه منه «١» ، وقوله سبحانه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: «اصدع» : معناه: أنْفِذْ، وصرِّح بما بُعِثْتَ به.

وقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: من آيات المهادَنَةِ التي نَسَخَتْها آية السَّيْف «٢» قاله ابن عباس، ثم أعلمه اللَّه تعالَى بأنه قد كَفَاه المُسْتهزئين به مِنْ كُفَّار مَكَّة ببوائِقَ أصابَتْهم من اللَّه تعالى.

قال ابن إسحاق وغيره: وهُمُ الذين قُذِفُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ كأبِي جَهْل وغيره.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ: آية تأنيس للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والْيَقِينُ هنا: الموتُ قاله ابن «٣» عمر وجماعةٌ، قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ، وأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، واعبد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِين «٤» .

انتهى، وباقي الآية بيِّن، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ المَعْنى: فاصْدَعْ بِأمْرِي كَما كَفَيْتُكَ المُسْتَهْزِئِينَ، وهم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وبِالقُرْآنِ.

وفي عَدَدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا خَمْسَةً: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واسْمُ أبِي زَمْعَةَ: الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ.

وكَذَلِكَ ذَكَرَهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، إلّا أنَّهُ قالَ مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ: الحارِثَ بْنَ غَيْطَلَةَ، قالَ الزُّهْرِيُّ: غَيْطَلَةُ أُمُّهُ، وقَيْسٌ أبُوهُ، فَهو واحِدٌ.

وإنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِئَلّا يُظَنُّ أنَّهُ غَيْرُهُ.

وقَدْ ذَكَرْتُ في كِتابِ " التَّلْقِيحِ " مَن يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم، وسَمَّيْتُ آباءَهم لِيُعْرَفُوا إلى أيِّ الأبَوَيْنِ نُسِبُوا.

وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَكانَ الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ: عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ أبِي بَزَّةَ، وعَدَّهُمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، فَقالَ: العاصُ بْنُ وائِلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ عَدِيٍّ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وأصْرَمُ وبُعْكُكُ ابْنا عَبْدِ الحارِثِ بْنِ السَّبّاقِ.

وَكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلٌ، إلّا أنَّهُ قالَ مَكانَ الحارِثِ بْنِ عَدِيٍّ: الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، وقالَ: أصْرَمُ وبُعْكُكُ ابْنا الحَجّاجِ بْنِ السَّبّاقِ.

ذِكْرُ ما أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِهِ وكَفى رَسُولَهُ  أمْرَهُمْ قالَ المُفَسِّرُونَ: «أتى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ  ، والمُسْتَهْزِئُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، فَمَرَّ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟

فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ "، قالَ: قَدْ كُفِيتَ، وأوْمَأ إلى ساقِ الوَلِيدِ، فَمَرَّ الوَلِيدُ بِرَجُلٍ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَتْ شَظْيَةٌ مِن نَبْلٍ بِإزارِهِ، فَمَنَعَهُ الكِبْرُ أنْ يُطامِنَ لِيَنْزِعَها، وجَعَلَتْ تَضْرِبُ ساقَهُ، فَمَرِضَ وماتَ.

وقِيلَ: تَعَلَّقَ سَهْمٌ بِثَوْبِهِ فَأصابَ أُكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَماتَ.

ومَرَّ العاصُ بْنُ وائِلٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا يا مُحَمَّدُ ؟

فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ " فَأشارَ إلى أخْمَصِ رِجْلِهِ، وقالَ: قَدْ كُفِيتَ، فَدَخَلَتْ شَوْكَةٌ في أخْمَصِهِ، فانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ وماتَ.

ومَرَّ الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟

قالَ: " عَبْدُ سُوءٍ " فَأشارَ بِيَدِهِ إلى عَيْنَيْهِ، فَعَمِيَ وهَلَكَ.

وقِيلَ: جَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَ ويَضْرِبُ وجْهَهُ بِالشَّوْكِ، فاسْتَغاثَ بِغُلامِهِ، فَقالَ: لا أرى أحَدًا يَصْنَعُ بِكَ هَذا غَيْرَ نَفْسِكَ، فَماتَ وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ.

ومَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟

فَقالَ: " بِئْسَ عَبْدُ اللهِ "، فَقالَ: قَدْ كُفِيتَ، وأشارَ إلى بَطْنِهِ، فَسَقى بَطْنُهُ، فَماتَ.

وقِيلَ: أصابَ عَيْنَهُ شَوْكٌ، فَسالَتْ حَدَقَتاهُ.

وقِيلَ: خَرَجَ عَنْ أهْلِهِ فَأصابَهُ السَّمُومُ، فاسْوَدَّ حَتّى عادَ حَبَشِيًّا، فَلَمّا أتى أهْلَهُ لَمْ يَعْرِفُوهُ، فَأغْلَقُوا دُونَهُ الأبْوابَ حَتّى ماتَ.

وَمَرَّ بِهِ الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُ هَذا ؟

قالَ: " عَبْدُ سُوءٍ " فَأوْمَأ إلى رَأْسِهِ، وقالَ: قَدْ كُفِيتَ، فانْتَفَخَ رَأْسُهُ فَماتَ، وقِيلَ: أصابَهُ العَطَشُ، فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ الماءَ حَتّى انْقَدَّ بَطْنُهُ.

وأمّا أصْرَمُ وبُعْكُكُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: أخَذَتْ أحَدَهُما الدُّبَيْلَةُ والآخَرَ ذاتُ الجَنْبِ، فَماتا جَمِيعًا» .

قالَ عِكْرِمَةُ: هَلَكَ المُسْتَهْزِئُونَ قَبْلَ بَدْرٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: أُهْلِكُوا جَمِيعًا في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّكْذِيبُ.

والثّانِي: الِاسْتِهْزاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: فَصَلِّ بِأمْرِ رَبِّكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ المُصَلِّينَ.

والثّانِي: مِنَ المُتَواضِعِينَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

وسُمِّيَ يَقِينًا، لِأنَّهُ مُوقَنٌ بِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: اعْبُدْ رَبَّكَ أبَدًا، ولَوْ قِيلَ: اعْبُدْ رَبَّكَ، بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ، لَجازَ إذا عَبَدَ الإنْسانُ مَرَّةً أنْ يَكُونَ مُطِيعًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ أُمِرَ بِالإقامَةِ عَلى العِبادَةِ ما دامَ حَيًّا.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ مِن نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ "اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.

وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.

وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ.

قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ.

ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.

ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ  وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.

و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جملة ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ [سورة الحجر: 87] بصريحه وكنايته عن التسلية على ما يلاقيه من تكذيب قومه.

نزلت هذه الآية في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ورسول الله عليه الصلاة والسلام مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي مستخفياً حتى نزلتْ: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ فخرج هو وأصحابه.

يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة المدثّر كان يدعو النّاس خفية وكان من أسلم من النّاس إذا أراد الصّلاة يذهب إلى بعْض الشّعاب يستخفي بصلاته من المشركين، فلحقهم المشركون يستهزئون بهم ويعِيبون صلاتهم، فحدث تضارب بينهم وبين سعد بن أبي وقاص أدمَى فيه سعد رجلاً من المشركين.

فبعد تلك الوقعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دار الأرقم عند الصّفا فكانوا يقيمون الصّلاة بها واستمروا كذلك ثلاث سنين أو تزيد، فنزل قوله تعالى: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ الآية.

وبنزولها ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الاختفاء بدار الأرقم وأعلن بالدّعوة للإسلام جهراً.

والصدع: الجهر والإعلان.

وأصله الانشقاق.

ومنه انصداع الإناء، أي انشقاقه.

فاستعمل الصدع في لازم الانشقاق وهو ظهور الأمر المحجوب وراء الشيء المنصدع؛ فالمراد هنا الجهر والإعلان.

وما صدقُ «ما تؤمر» هو الدّعوة إلى الإسلام.

وقَصْدُ شمول الأمر كلّ ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتبليغه هو نكتة حذف متعلّق ﴿ تؤمر ﴾ ، فلم يصرح بنحو بتبليغه أو بالأمر به أو بالدّعوة إليه.

وهو إيجاز بديع.

والإعراض عن المشركين الإعراض عن بعض أحوالهم لا عن ذواتهم.

وذلك إبايتهم الجهر بدعوة الإسلام بين ظهرانيهم، وعن استهزائهم، وعن تصدّيهم إلى أذى المسلمين.

وليس المراد الإعراض عن دعوتهم لأن قوله تعالى: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ مانع من ذلك، وكذلك جملة ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .

وجملة ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ تعليل للأمر بالإعلان بما أمر به، فإن اختفاء النبي صلى الله عليه وسلم بدار الأرقم كان بأمر من الله تعالى لحكمة علمها الله أهمّها تعدّد الداخلين في الإسلام في تلك المدّة بحيث يغتاظ المشركون من وفرة الداخلين في الدّين مع أن دعوته مخفية، ثم إن الله أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بإعلان دعوته لحكمة أعلى تهيّأ اعتبارها في علمه تعالى.

والتّعبير عنهم بوصف ﴿ المستهزئين ﴾ إيماء إلى أنّه كفاه استهزاءهم وهو أقلّ أنواع الأذى، فكفايته ما هو أشدّ من الاستهزاء من الأذى مفهوم بطريق الأحْرى.

وتأكيد الخبر ب (إنّ) لتحقيقه اهتماماً بشأنه لا للشكّ في تحقّقه.

والتّعريف في ﴿ المستهزءين ﴾ للجنس فيفيد العموم، أي كفيناك كل مستهزء.

وفي التّعبير عنهم بهذا الوصف إيماء إلى أن قصارى ما يؤذونه به الاستهزاء، كقوله تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [سورة آل عمران: 111]، فقد صرفهم الله عن أن يؤذوا النبي بغير الاستهزاء.

وذلك لطف من الله برسوله.

ومعنى الكفاية تولّي الكافي مهم المكفي، فالكافي هو متولي عمل عن غيره لأنه أقدر عليه أو لأنه يبتغي راحة المكفي.

يقال: كفيتُ مهمك، فيتعدّى الفعل إلى مفعولين ثانيهما هو المهم المكفي منه.

فالأصل أن يكون مصدراً فإذا كان اسم ذات فالمراد أحواله التي يدلّ عليها المقام، فإذا قلت: كفيتك عدوّك، فالمراد: كفيتك بأسه، وإذا قلت: كفيتك غريمك، فالمراد: كفيتك مطالبتَه.

فلما قال هنا ﴿ كفيناك المستهزئين ﴾ فهم أن المراد كفيناك الانتقام منهم وإراحتك من استهزائهم.

وكانوا يستهزئون بصنوف من الاستهزاء كما تقدم.

ويأتي في آيات كثيرة من استهزائهم استهزاؤهم بأسماء سور القرآن مثل سورة العنكبوت وسورة البقرة، كما في «الإتقان» في ذكر أسماء السور.

وعُد من كبرائهم خمسة هم: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطّلب، والحارث بن عيطلة (ويقال ابن عيطل وهو اسم أمّه دُعِي لها واسم أبيه قيس.

وفي «الكشاف» و«القرطبي» أنه ابن الطُلاَطِلَة، ومثله في «القاموس»، وهي بضم الطاء الأولى وكسر الطاء الثّانية) والعاصي بن وائل، هلكوا بمكّة متتابعين، وكان هلاكهم العجيب المحكي في كتب السيرة صارفاً أتباعهم عن الاستهزاء لانفراط عِقدهم.

وقد يكون من أسباب كفايتهم زيادة الداخلين في الإسلام بحيث صار بأس المسلمين مخشيّاً؛ وقد أسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فاعتزّ به المسلمون، ولم يبق من أذى المشركين إياهم إلاّ الاستهزاء، ثم أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخشيه سفهاء المشركين، وكان إسلامه في حدود سنة خمس من البعثة.

ووصفهم ب ﴿ الذين يجعلون مع الله إلها آخر ﴾ للتشويه بحالهم، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم ما اقتصروا على الافتراء عليه فقد افتروا على الله.

وصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿ يجعلون ﴾ للإشارة إلى أنهم مستمرون على ذلك مجدّدون له.

وفرع على الأمرين الوعيد بقوله تعالى: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ .

وحذف مفعول ﴿ يعلمون ﴾ لدلالة المقام عليه، أي فسوف يعلمون جزاء بهتانهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فامْضِ بِما تُؤْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ فاظْهَرْ بِما تُؤْمَرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قالَ الشّاعِرُ: ومَن صادِعٌ بِالحَقِّ بَعْدَكَ ناطِقٌ بِتَقْوًى ومَن إنْ قِيلَ بِالجَوْرِ عَيَّرا الثّالِثُ: يَعْنِي اجْهَرْ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: يَعْنِي أعْلِنْ بِما يُوحى إلَيْكَ حَتّى تُبَلِّغَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: مَعْناهُ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

السّادِسُ: مَعْناهُ فَرِّقِ القَوْلَ فِيهِمْ مُجْتَمِعِينَ وفُرادى، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَقالَ رُؤْبَةُ: ما في القُرْآنِ أعْرَبُ مِن قَوْلِهِ ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أعْرِضْ عَنِ الِاهْتِمامِ بِاسْتِهْزائِهِمْ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اصْدَعِ الحَقَّ بِما تُؤْمَرُ مِن إظْهارِهِ.

الثّانِي: اصْدَعِ الباطِلَ بِما تُؤْمَرُ مِن إبْطالِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ وهم خَمْسَةٌ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، وأبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارِثُ بْنُ الطُّلاطِلَةِ.

أهْلَكَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قَبْلَ بَدْرٍ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ  .

وسَبَبُ هَلاكِهِمْ ما حَكاهُ مِقْسَمٌ وقَتادَةُ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ ارْتَدى فَعَلِقَ سَهْمٌ بِرِدائِهِ، فَذَهَبَ فَجَلَسَ فَقَطَعَ أكْحَلَهُ فَنَزَفَ فَماتَ.

وَأمّا العاصُ بْنُ وائِلٍ فَوَطِئَ عَلى شَوْكَةٍ، فَتَساقَطَ لَحْمُهُ عَنْ عِظامِهِ، فَماتَ، وأمّا أبُو زَمْعَةَ فَعَمِيَ.

وَأمّا الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَإنَّهُ أتى بِغُصْنِ شَوْكٍ فَأصابَ عَيْنَيْهِ، فَسالَتْ حَدَقَتاهُ عَلى وجْهِهِ، فَكانَ يَقُولُ: [دَعا] عَلِيَّ مُحَمَّدٌ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لِي، دَعا عَلَيَّ أنْ أعْمى فَعَمِيتُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ طَرِيدًا بِيَثْرِبَ، فَكانَ كَذَلِكَ، وأمّا الحارِثُ بْنُ الطُّلاطِلَةِ فَإنَّهُ اسْتَسْقى بَطْنَهُ، «وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ  قالَ لِجِبْرِيلَ [حِينَ] نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ (دَعْ لِي خالِي) يَعْنِي الأسْوَدَ بْنَ الطُّلاطِلَةِ فَقالَ لَهُ: كُفِيتَ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴾ أيْ قَلْبُكَ لِأنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ القَلْبِ.

﴿ بِما يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ مِنَ الكَذِبِ بِالحَقِّ.

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخاضِعِينَ.

الثّانِي: المُصَلِّينَ.

﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَقُّ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ مِن نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ، قالَهُ شَجَرَةُ.

الثّانِي: المَوْتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تمدن عينيك...

﴾ الآية.

قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بإبل حي، يقال لهم بنو الملوح أو بنو المصطلق، قد عنست في أبوالها من السمن.

فتقنع بثوبه ومرّ ولم ينظر إليها لقوله: ﴿ لا تمدن عينيك..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أزواجاً منهم ﴾ قال: الأغنياء، الأمثال، الأشباه.

وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء منها، فقد صغر القرآن.

ألم تسمع قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني....

﴾ إلى قوله: ﴿ ورزق ربك خير وأبقى ﴾ قال: يعني القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿ واخفض جناحك ﴾ قال: اخضع.

وأخرج البخاري وسعيد بن منصور والحاكم والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: هم أهل الكتاب، جزأوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.

وأخرج ابن جرير من طريق علي، عن ابن عباس ﴿ عضين ﴾ فرقا.

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أرأيت قول الله: ﴿ كما أنزلنا على المقتسمين ﴾ قال: اليهود والنصارى.

قال: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض» .

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل، عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش- وكان ذا سن فيهم- وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيُكَذِّب بعضكم بعضاً.

فقالوا: أنت فقل، وأتم لنا به رأياً نقول به.

قال: لا، بل أنتم قولوا لأسمع.

قالوا: نقول كاهن.

قال: ما هو بكاهن...

لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم.

قالوا: فنقول مجنون.

قال: ما هو بمجنون...

لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا بحائحه ولا وسوسته.

قالوا: فنقول شاعر.

قال: ما هو بشاعر....

لقد عرفنا الشعر كله، رَجَزه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.

قالوا: فنقول ساحر.

قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا بعقده.

قالوا: فماذا نقول؟

قال: والله إن لقوله حلاوة؛ وإن عليه طلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناء، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.

فتفرقوا عنه بذلك.

فأنزل الله في الوليد وذلك من قوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً...

﴾ [ المدثر: 11] إلى قوله: ﴿ سأصليه سقر...

﴾ [ المدثر: 26] وأنزل الله في أولئك النفر الذين كانوا معه ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أصنافاً ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ قال: هم رهط من قريش، عضهوا كتاب الله، فزعم بعضهم أنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن جرير، عن عكرمة يقول: العضه، السحر بلسان قريش.

يقولون للساحرة: إنها العاضهة.

وأخرج الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ قال: يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا به المرسلين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾ وقال: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ [ الرحمن: 39] قال: لا يسألهم هل عملهم كذا وكذا؛ لأنه أعلم منهم بذلك، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ فامضه.

وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ فخرج هو وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو داود في ناسخه من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ قال: نسخه قوله: ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: اجهر بالقرآن في الصلاة.

وأخرج عن ابن زيد في قوله: ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: بالقرآن الذي أوحي إليه أن يبلغهم إياه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ قال: أعلن بما تؤمر.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً سنين لا يظهر شيئاً مما أنزل الله حتى نزلت ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ يعني: أظهر أمرك بمكة، فقد أهلك الله المستهزئين بك وبالقرآن، وهم خمسة رهط.

فأتاه جبريل بهذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراهم أحياء بعد كلهم...» .

فاهلكوا في يوم واحد وليلة.

منهم العاص بن وائل السهمي، خرج في يومه ذلك في يوم مطير فخرج على راحلته يسير وابن له يتنزه ويتغدى، فنزل شعباً من تلك الشعاب.

فلما وضع قدمه على الأرض قال: لدغت.

فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.

ومنهم الحارث بن قيس السهمي، أكل حوتاً فأصابه غلبة عطش، فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى أنقدّ بطنه، فمات وهو يقول: قتلني رب محمد.

ومنهم الأسود بن المطلب، وكان له ابن يقال له زمعة بالشام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا على الأب أن يعمى بصره وأن يثكل ولده، فأتاه جبريل بورقة خضراء فرماه بها فذهب بصره.

وخرج يلاقي ابنه ومعه غلام له، فأتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه فقال له غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك.

حتى مات وهو يقول: قتلني رب محمد.

ومنهم الوليد بن المغيرة، مرّ على نبل لرجل من خزاعة قد راشها وجعلها في الشمس، فربطها فانكسرت، فتعلق به سهم منها فأصاب أكحله فقتله.

ومنهم الأسود بن عبد يغوث، خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتى عاد حبشياً، فأتى أهله فلم يعرفوه فاغلقوا دونه الباب حتى مات.

وهو يقول: قتلني رب محمد.

فقتلهم الله جميعاً، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره وأعلنه بمكة.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل بسندين ضعيفين، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: قد سلطت عليهم جبريل وأمرته بقتلهم، فعرض للوليد بن المغيرة فعثر به، فعصره عن نصل في رجله حتى خرج رجيعه من أنفه.

وعرض للأسود بن عبد العزى وهو يشرب ماء، فنفخ في ذلك حتى انتفخ جوفه فانشق، واعترض للعاص بن وائل وهو متوجه إلى الطائف، فنخسه بِشَبْرُقَةٍ فجرى سمّها إلى رأسه، وقتل الحارث بن قيس بلكزة، فما زال يفوق حتى مات.

وقتل الأسود بن عبد يغوث الزهري.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: المستهزئون، الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أرني إياهم، فأراه الوليد.

فأومأ جبريل إلى أكحله فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كفيتكه.

ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ إلى عينيه فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كفيتكه، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت شيئاً.

قال: كَفَيْتُكَهُ.

ثم أراه الحرث، فأومأ إلى بطنه فقال: ما صنعت شيئاً.

فقال: كفيتكه.

ثم أراه العاص بن وائل، فأومأ إلى أخمصه فقال: ما صنعت شيئاً.

فقال: كفيتكه.

فأما الوليد، فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها.

وأما الأسود بن المطلب، فنزل تحت سمرة فجعل يقول: بنيّ، ألا تدفعون عني؟

قد هلكت وَطُعِنْتُ بالشوك في عيني.

فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً.

فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه.

وأما الأسود بن عبد يغوث، فخرج في رأسه قروح فمات منها.

وأما الحارث، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه.

وأما العاص، فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته» .

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً كاهن، يخبر بما يكون قبل أن يكون وقال أبو جهل: محمد ساحر؛ يفرق بين الأب والابن.

وقال عقبة بن أبي معيط: محمد مجنون، يهذي في جنونه.

وقال أبي بن خلف: محمد كذاب.

فأنزل الله: ﴿ انا كفيناك المستهزئين ﴾ فهلكوا قبل بدر.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس، أن المستهزئين ثمانية: الوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن وائل، والحارث بن عدي بن سهم، وعبد العزى بن قصي؛ وهو أبو زمعة، وكلهم هلك قبل بدر بموت أو مرض.

والحارث بن قيس من العياطل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿ المستهزئين ﴾ منهم: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وأبو هبار بن الأسود.

وأخرج ابن مردويه عن علي ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: خمسة من قريش، كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الحارث بن عيطلة والعاص بن وائل والأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة.

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل.

فغمز جبريل بأصبعه فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً نتنة.

فلم يستطع أحد أن يدنو منهم.

وأنزل الله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن عكرمة قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإِسلام سراً وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم ﴿ انا كفيناك المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ والعضين بلسان قريش، والسحر.

وأمر بعدوانهم فقال: ﴿ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ﴾ ثم أمر بالخروج إلى المدينة فقدم في ثمان ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر.

ففيهم أنزل الله: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ﴾ [ الأنفال: 7] وفيهم نزلت ﴿ سيهزم الجمع ﴾ [ القمر: 45] وفيهم نزلت ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [ المؤمنون: 64] وفيهم نزلت ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ [ آل عمران: 127] وفيهم نزلت ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ [ آل عمران: 128] أراد الله القوم وأراد رسول الله العير، وفيهم نزلت ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً...

﴾ [ إبراهيم: 28] الآية.

وفيهم نزلت ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ [ آل عمران: 13] في شأن العير ﴿ والركب أسفل منكم ﴾ [ الأنفال: 42] أخذوا أسفل الوادي.

فهذا كله في أهل بدر، وكانت قبل بدر بشهرين سرية يوم قتل ابن الحضرمي، ثم كانت أحد، ثم يوم الأحزاب بعد أحد بسنتين، ثم كانت الحديبية- وهو يوم الشجرة- فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على أن يعتمر في عام قابل في هذا الشهر.

ففيها أنزلت ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ [ البقرة: 194] فشهر العام الأول بشهر العام فكانت ﴿ الحرمات قصاص ﴾ ثم كان الفتح بعد العمرة، ففيها نزلت ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد...

﴾ [ المؤمنون: 77] الآية.

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزاهم ولم يكونوا أعدوا له أهبة القتال، ولقد قتل من قريش يومئذ اربعة رهط من حلفائهم، ومن بني بكر خمسين أو زيادة.

وفيهم نزلت- لما دخلوا في دين الله ﴿ هو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ﴾ [ المؤمنون: 78] ثم خرج إلى حنين بعد عشرين ليلة، ثم إلى المدينة، ثم أمر أبا بكر على الحج.

ولما رجع أبو بكر من الحج، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل، ثم ودع الناس، ثم رجع فتوفي لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: هؤلاء فيما سمعنا خمسة رهط، استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

فلما أراد صاحب اليمن أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، أتاه الوليد بن المغيرة فزعم أن محمداً ساحر.

وأتاه العاص بن وائل وأخبره أن محمداً يعلم أساطير الأولين، فجاءه آخر فزعم أنه كاهن، وجاءه آخر فزعم أنه شاعر، وجاء آخر فزعم أنه مجنون فكفى الله محمداً أولئك الرهط في ليلة واحدة، فأهلكهم بألوان من العذاب...

كل رجل منهم أصابه عذاب.

فأما الوليد، فأتى على رجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فمر به وهو يتبختر فأصابه منها سهم فقطع أكحله، فأهلكه الله.

وأما العاص بن وائل، فإنه دخل في شعب فنزل في حاجة له، فخرجت إليه حية مثل العمود فلدغته فأهلكه الله: وأما الآخر، فكان رجلاً أبيض حسن اللون، خرج عشاء في تلك الليلة فأصابته سموم شديدة الحر، فرجع إلى أهله وهو مثل حبشي، فقالوا: لست بصاحبنا.

فقال: أنا صاحبكم!..

فقتلوه.

وأما الآخر، فدخل في بئر له فأتاه جبريل فعمه فيها، فقال: إني قد قتلت فأعينوني: فقالوا: والله ما نرى أحداً.

فكان كذلك حتى أهلكه الله.

وأما الآخر، فذهب إلى إبله ينظر فيها، فأتاه جبريل بشوك القتاد فضربه، فقال: أعينوني فإني قد هلكت.

قالوا: والله ما نرى أحداً.

فأهلكه الله فكان لهم في ذلك عبرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنى ظهر الأسود بن عبد يغوث حتى احقوقف صدره.

فقال: النبي صلى الله عليه وسلم خالي خالي فقال جبريل: دعه عنك فقد كفيته فهو من المستهزئين.

قال: وكانوا يقولون سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزئون بها» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن قتادة قال: هؤلاء رهط من قريش، منهم الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس.

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم، عن أبي بكر الهذلي قال: قيل للزهري إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن عيطلة وقال عكرمة: الحارث بن قيس.

فقال: صدقا جميعاً.

كانت أمه تسمى عيطلة، وكان أبوه قيساً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وأبو نعيم، عن الشعبي رضي الله عنه قال: المستهزئون سبعة، فسمى منهم العاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، وهبار بن الأسود، وعبد يغوث بن وهب، والحرث بن عيطلة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم، عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ قال: هم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب، مروا رجلاً رجلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل، فإذا مر به رجل منهم قال له جبريل: كيف محمد هذا؟

فيقول: بئس عبد الله، فيقول جبريل: كَفَيْنَاكَهُ.

فأما الوليد، فتردّى فتعلق سهم بردائه، فذهب يجلس فقطع أكحله فنزف حتى مات.

وأما الأسود بن عبد يغوث، فأتى بغصن فيه شوك، فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه فمات.

وأما العاص، فوطئ على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك.

وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس، فأحدهما قام من الليل وهو ظمآن ليشرب من جرة، فلم يزل يشرب حتى انفتق بطنه فمات.

وأما الآخر، فلدغته حية فمات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : بك، وهم خمسة نفر من المشركين [[المشهور أنهم خمسة، وورد أنهم ثمانية، وسبعة كذلك.

انظر:"تفسير الطبري" 14/ 68 - 69، وابن الجوزي 4/ 421، وأبي حيان 5/ 470، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 200 وزاد نسبته إلى الطبراني [ليس في روايته الشاهد] وابن مردويه، وكما اختلف في العدد اختلف في صفة إهلاكهم ووقته وما جرى لكل واحد منهم.]]: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعَدِيّ بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد (١) (١) (عبد) ساقطة من (ش)، (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ أي صرح به وأنفذه ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزئين ﴾ يعني قوماً من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن قيس، وقصة هلاكهم مذكورة في السير، وقيل: الذين قتلوا ببدر كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، والأول أرجح، لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتأنيس ﴿ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ﴾ أي الموت.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من القول والفعل.

قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهوداً لله بالحق على أهلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن.

وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة؛ وخلقُ الشيء للفناء خاصةً عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث.

والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة التفريق بينهما، وما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [ص: 27] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ﴾ : [أي: أعرض عنهم]، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم ﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ.

والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منّة في العُرف؛ أي: اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق، ومالا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل: هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحاً لا منّة فيه.

﴿ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على أذاك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم.

والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ  ﴾ .

وقيل: سمي مثانياً لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي ﴾ : أي: سبعاً من القرآن العظيم.

ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك سبعاً من القرآن العظيم.

ويحتمل: ﴿ سَبْعاً ﴾ يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن.

وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة الكتاب، ويروون على ذلك حديثاً عن رسول الله  مروي عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  : [ "الحمدُ لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبعُ المثاني" وعن أُبَيٍّ  قال: قال رسول الله  ]: "ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ولعبدي ما سأل" ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما يروى عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلُها - يعني أمّ القرآن - وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت" ذكروا أنها سبع من المثاني، فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك سبعاً؛ وهي المثاني، وإن كان سبعاً من المثاني [هي السبع] الطوال يكون هكذا: أي: آتيناك سبعاً؛ وهو المثاني.

وروي أيضاً عن نبي الله  وقال: "آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضّلني ربي بالمفصل" ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا الكفّ والإمساك عن ذلك أوْلى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا - فالكف عنه والإمساك أولى.

ومنهم من يقول: هنّ المفصّل.

ومن قال: المثاني فاتحةُ الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك.

ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، وغيره معادة مردّدة.

ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثني فيها حدود القرآن، وفرائضه، وعامة أحكامه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ ﴾ .

سماه عظيماً، وسماه مجيداً، وحكيماً؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: يحتمل: سمّاه عظيماً مجيداً؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيماً مجيداً، حكيماً، أو سماه عظيماً مجيداً حكيماً: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو المصيب، الواضع كلَّ شيء موضعه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل المراد بقوله: ﴿ عَيْنَيْكَ ﴾ نفس العين.

ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى ما متع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [فصلت: 50] ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم إليه؛ ولكن بالاعتبار.

والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع [على ما ذكر] من غير تكلف؛ فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ما ذكر، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل النهي عن مدّ العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنيّن نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى [على الله] وجحد نعمه وفضْله.

وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا، ومعلوم أن رسول الله  إذا مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر، وقصور ذات يده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

أي: أصنافاً من الأموال، وألواناً من النعم.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: ﴿ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ هو أصناف الأموال - فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجاً.

وإن كان أزواجاً منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوماً منهم.

وفي قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ إلى ﴿ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي أحداً شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً  ﴾ أخبر أنه إنما يملي لهم ليزدادوا إثماً، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيراً.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 180] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقاً عليهم؛ بل أمره أن يغلظ عليهم؛ كقوله: ﴿ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: ارفق بهم، ولِنْ عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ عليهم؛ وهو ما وصفهم: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، وأهل ذلّة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا.

ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ الآية [فاطر: 8] وأمثاله.

ويحتمل أيضاً وجهاً آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به وكادوه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  ﴾ فإني أكافئهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .

قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ومالم يوافقهم غيّروه وبدلوه؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ  ﴾ ونحوه، فذلك اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ \[المؤمنون: 53\] ونحوه.

وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفراً من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ليصدّوا الناس عن رسول الله  ؛ فيقول طائفة منهم - إذا سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه.

وعضين: قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذباً، وأمثال ما قالوا: فذلك اقتسامهم وعضتهم.

وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضواً عضواً.

وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض.

وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي  ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم.

وعضين: أي: فرقوه [وعضوه].

وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾ : قيل: قسم أقسم به  .

﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ أخبر أنه يسألهم جميعاً: الرسل عن تبليغ الرسالة، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله  وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، والكهانة، والافتراء على الله؟

لا يسألون ما فعلتم؟

وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك يكون مكتوباً في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ  ﴾ .

فهو في كل ما أمر به.

وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة.

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، والقرابة التي فيما بينك وبينهم.

وقال القتبي: ﴿ فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ : أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت.

وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك.

وقال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ هو منسوخ بآية السيف؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن هؤلاء ولا تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوماً آخرين والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ : الكفرة جميعاً؛ فمنعناهم عن أن يصلوا إليك؛ على ما [قصدوا إليك] من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصّة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به هلكوا جميعاً بعقوبات مختلفة.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ ليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن موجود؛ ولكن قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ : أي: يزعمون أن مع الله إلهاً آخر؛ إما في التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: ﴿ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم لا يقدرون على أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ أخبر أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دلّ أنه على القول الذي قالوا؛ وهو على المجاز [كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ، فهو على المجاز] على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه عنهم هم الكفرة جميعاً؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا دونه إلهاً؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا.

وقوله: ﴿ كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ ﴾ على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع الله إلهاً آخر.

وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على المستقبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ .

وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان منهم برسول الله  ؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم.

وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم الإجابة له، ومرة للأذى باللسان.

والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحاناً منا إياك بذلك وإياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين.

وقوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ : هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر من بعد قوله: ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل التأويل.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ فَسَبِّحْ ﴾ أي: نزّه الله عن جميع ما قالت الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة ﴿ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي: بثناء ربك؛ أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ إذ السجود هو الخضوع.

أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ أي: فسبح ربك مكان ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ ﴾ .

يحتمل التوحيد؛ أي: وحّد ربك، وكذلك قال ابن عباس  : كل عبادة ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل العبادة نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكراً له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله  : "أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

فقال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً؟!" وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  ﴾ أي: من يكفر بالمؤمن به فقد حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن يأتيه الموقن به.

وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من هذا النحو.

ويحتمل قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: يتيقنون بذلك والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تخف منهم، فقد كفيناك كيد الساخرين من أئمة الكفر من قريش.

<div class="verse-tafsir" id="91.nY1eX"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر