الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٤ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال تعالى : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) أي : إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت ؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك ، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه ، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي .
وقوله [ تعالى ] ( ألزمناه طائره في عنقه ) إنما ذكر العنق ؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد ، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه ، كما قال الشاعر : .
اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامة قال قتادة ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " .
كذا رواه ابن جرير .
وقد رواه الإمام عبد بن حميد ، رحمه الله ، في مسنده متصلا فقال : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر [ رضي الله عنه ] قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طير كل عبد في عنقه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا عبد الله ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد : أن أبا الخير حدثه : أنه سمع عقبة بن عامر [ رضي الله عنه ] يحدث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه ، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة : يا ربنا ، عبدك فلان ، قد حبسته ؟
فيقول الرب جل جلاله : اختموا له على مثل عمله ، حتى يبرأ أو يموت " .
إسناده جيد قوي ، ولم يخرجوه .
وقال معمر ، عن قتادة : ( ألزمناه طائره في عنقه ) قال : عمله .
( ونخرج له يوم القيامة ) قال : نخرج ذلك العمل ( كتابا يلقاه منشورا ) قال معمر : وتلا الحسن البصري ( عن اليمين وعن الشمال قعيد ) [ ق : 17 ] يا ابن آدم ، بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) قد عدل - والله - عليك من جعلك حسيب نفسك .
هذا من حسن كلام الحسن ، رحمه الله .
يقول تعالى ذكره: (ونُخرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابا يَلقاهُ مَنْشُورًا) فيقال له ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) فترك ذكر قوله: فنقول له، اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
وعنى بقوله (اقرأْ كِتابَكَ) : اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا، الذي كان كاتبانا يكتبانه، ونحصيه عليك ( كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) يقول: حسبك اليوم نفسك عليك حاسبا يحسب عليك أعمالك، فيحصيها عليك، لا نبتغي عليك شاهدا غيرها، ولا نطلب عليك محصيا سواها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا.
اقرأ كتابك قال الحسن : يقرأ الإنسان كتابه أميا كان أو غير أمي .كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا أي محاسبا .
وقال بعض الصلحاء : هذا كتاب ، لسانك قلمه ، وريقك مداده ، وأعضاؤك قرطاسه .
، أنت كنت المملي على حفظتك ، ما زيد فيه ولا نقص منه ، ومتى أنكرت منه شيئا يكون فيه الشاهد منك عليك .
ويقال له: { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسب نفسك ليعرف بما عليه من الحق الموجب للعقاب.
( اقرأ كتابك ( أي : يقال له : اقرأ كتابك .
قوله تعالى : ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( محاسبا .
قال الحسن : لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك .
قال قتادة : سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا .
ويقال له «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» محاسبا.
يقال له: اقرأ كتاب أعمالك، فيقرأ، وإن لم يكن يعرف القراءة في الدنيا، تكفيك نفسك اليوم محصية عليك عملك، فتعرف ما عليها من جزاء.
وهذا من أعظم العدل والإنصاف أن يقال للعبد: حاسِبْ نفسك، كفى بها حسيبًا عليك.
ثم بين - سبحانه - ما يخاطب به الإِنسان بعد أن فتح كتابه أمامه ، فقال - تعالى - ( اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً ) .أى : ويقال له بعد أن وجد كتابه منشورا أمامه ، اقرأ كتابك هذا ، وما اشتمل عليه من أعمال صدرت عنك فى الدنيا ، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .أى : محاسبا ، كجليس بمعنى مجالس ، أو حاسبا وعادًّا كصريم بمعنى صارم يقال حسب فلان على فلان قوله ، إذا عده عليه .ولفظ ( كفى ) هنا لازم ، ويطرد فى هذه الحالة جر فاعله بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية و ( حسيبا ) تمييز ، وعليك متعلق به .وتارة يأتى لفظ ( كفى ) متعديا ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَكَفَى الله المؤمنين القتال ).
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَكُلَّ شَيْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ كان معناه أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار مذكوراً.
وكل ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فقد صار مذكوراً.
وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار، وأزيلت العلل فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه ونقول له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ .
الوجه الثاني: أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدين والدنيا، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعماً عليهم بأعظم وجوه النعم.
وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولاً عن أعماله وأقواله.
الوجه الثالث: في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته كما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل والنهار، كان المعنى: إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الخدمة والطاعة، أو تمرد وعصى وبغى، فهذا هو الوجه في تقرير النظم.
المسألة الثانية: في تفسير لفظ، الطائر، قولان: القول الأول: أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه، أو يحتاج إلى ازعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة، فلما كثر ذلك منهم سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله تعالى في سورة يس: ﴿ قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ قَالُواْ طائركم مَّعَكُمْ ﴾ فقوله: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ ﴾ أي كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه.
وتدل على صحة هذا الوجه قراءة الحسن ومجاهد: ﴿ ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ ﴾ .
القول الثاني: قال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه الفرس البخت، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر، والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم، والعمر والرزق، والسعادة والشقاوة.
والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه، بل لابد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية، فتلك الأشياء المقدورة كأنها تطير إليه وتصير إليه، فبهذا المعنى لا يبعد أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر، فقوله: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ ﴾ كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه حصوله، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه.
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم، وتقريره من وجهين: الوجه الأول: أن تقدير الآية: وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه، فبين تعالى أن ذلك العمل لازم له، وما كان لازماً للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو المقصود.
والوجه الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه، لأن قوله: ﴿ ألزمناه ﴾ تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى ﴾ وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ كناية عن اللزوم كما يقال: جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به، ويقال: قلدتك كذا وطوقتك كذا، أي صرفته إليك وألزمته إياك، ومنه قلده السلطان كذا.
أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق، ومنه يقال: فلان يقلد فلاناً أي جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه.
قال أهل المعاني: وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيراً يزينه أو شراً يشينه، وما يزين يكون كالطوق والحلي، والذي يشين فهو كالغل، فهاهنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ قال الحسن: يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك.
فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى اذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة.
قوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ ﴾ أي من قبره يجوز أن يكون معناه: نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر، وقرأ يعقوب: (ويخرج له يوم القيامة كتاباً) أي يخرج له الطائر أي عمله كتاباً منشوراً، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ ﴾ وقرأ ابن عمر: (يلقاه) من قولهم: لقيت فلاناً الشيء أي استقبلته به.
قال تعالى: ﴿ ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد.
ثم قال تعالى: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ والتقدير يقال له: وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة الملائكة ﴿ اقرأ كتابك ﴾ قال الحسن: يقرؤه أمياً كان أو غير أمي، وقال بكر بن عبد الله: يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها، وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى: اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره، ويصير من الذين قال في حقهم: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ثم يقول: ﴿ هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه ﴾ .
وأما قوله: ﴿ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ أي محاسباً.
قال الحسن: عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك.
قال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال حكماء الإسلام: هذه الآية في غاية الشرف، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث: البحث الأول: أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقداراً من الخير والشر، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لابد وأن يصل إليه، فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولاً لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة.
وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين، وأنه لابد وأن يصل إليه ذلك الطائر، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.
والبحث الثاني: أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى.
وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثاً متقدماً عليه لحصول الحادث المتأخر، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله، وعند هذا يتخيل الإنسان طيوراً لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب، وأنها صارت وطارت طيراناً لا بداية له ولا غاية له، وكان كل واحد منها متوجهاً إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ ﴾ .
البحث الثالث: أن التجربة تدل على أن تكرار الأعمال الاختيارية تفيد حدوث الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس، ألا ترى أن من واظب على تكرار قراءة درس واحد صار ذلك الدرس محفوظاً، ومن واظب على عمل واحد مدة مديدة صار ذلك العمل ملكة له.
إذا عرفت هذا فنقول: لما كان التكرار الكثير يوجب حصول الملكة الراسخة وجب أن يحصل لكل واحد من تلك الأعمال أثر ما في جوهر النفس، فإنا لما رأينا أن عند توالي القطرات الكثيرة من الماء على الحجر حصلت الثقبة في الحجر، علمنا أن لكل واحد من تلك القطرات أثراً ما في حصول ذلك الثقب وإن كان ضعيفاً قليلاً، وإن كانت الكتابة أيضاً في عرف الناس عبارة عن نقوش مخصوصة اصطلح الناس على جعلها معرفات لألفاظ مخصوصة، فعلى هذا، دلالة تلك النقوش على تلك المعاني المخصوصة دلالة كائنة جوهرية واجبة الثبوت، ممتنعة الزوال، كان الكتاب المشتمل على تلك النقوش أولى باسم الكتاب من الصحيفة المشتملة على النقوش الدالة بالوضع والاصطلاح.
وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول: إن كل عمل يصدر من الإنسان كثيراً كان أو قليلاً قوياً كان أو ضعيفاً، فإنه يحصل منه لا محالة في جوهر النفس الإنسانية أثر مخصوص، فإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب جوهر الروح من الخلق إلى حضرة الحق كان ذلك من موجبات السعادات والكرامات.
وإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب الروح من حضرة الحق إلى الاشتغال بالخلق كان ذلك من موجبات الشقاوة والخذلان.
إلا أن تلك الآثار تخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن، لأن اشتغال الروح بتدبير البدن يمنع من انكشاف هذه الأحوال وتجليها وظهورها، فإذا انقطع تعلق الروح عن تدبير البدن فهناك تحصل القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام: «من مات فقد قامت قيامته».
ومعنى كون هذه الحالة قيامة أن النفس الناطقة كأنها كانت ساكنة مستقرة في هذا الجسد السفلي، فإذا انقطع ذلك التعلق، قامت النفس وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فهذا هو المراد من كون هذه الحالة قيامة، ثم عند حصول القيامة بهذا المعنى زال الغطاء وانكشف الوطاء، وقيل له ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ معناه: ونخرج له عند حصول هذه القيامة من عمق البدن المظلم كتاباً مشتملاً على جميع تلك الآثار الحاصلة بسبب الأحوال الدنيوية، ويكون هذا الكتاب في هذا الوقت منشوراً، لأن الروح حين كانت في البدن كانت هذه الأحوال فيه مخفية فكانت كالمطوية.
أما بعد انقطاع التعلق الجسداني ظهرت هذه الأحوال وجلت وانكشفت فصارت كأنها مكشوفة منشورة بعد أن كانت مطوية، وظاهرة بعد أن كانت مخفية، وعند ذلك تشاهد القوة العقلية جميع تلك الآثار مكتوبة بالكتابة الذاتية في جوهر الروح فيقال له في تلك الحالة: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ ثم يقال له: ﴿ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ فإن تلك الآثار إن كانت من موجبات السعادة حصلت السعادة لا محالة، وإن كانت من موجبات الشقاوة حصلت الشقاوة لا محالة، فهذا تفسير هذه الآية بحسب الأحوال الروحانية.
واعلم أن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق وصدق لا مرية فيها، واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضاً، والمنهج القويم والصراط المستقيم هو الإقرار بالكل، والله أعلم بحقائق الأمور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طائره ﴾ عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل.
وعن ابن عيينة: هو من قولك: طار له سهم، إذا خرج، يعني: ألزمناه ما طار من عمله.
والمعنى أنّ عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه، ومنه مثل العرب: تقلدها طوق الحمامة.
وقولهم: الموت في الرقاب.
وهذا وبقة في رقبته.
عن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك.
وقرئ: ﴿ في عنقه ﴾ بسكون النون.
وقرئ: ﴿ نخرج ﴾ بالنون.
﴿ ويخرج ﴾ بالياء، والضمير لله عز وجل ﴿ ويخرج ﴾ ، على البناء للمفعول.
ويخرج من خرج، والضمير للطائر.
أي: يخرج الطائر كتاباً، وانتصاب ﴿ كتابا ﴾ على الحال.
وقرئ: ﴿ يلقَّاه ﴾ ، بالتشديد مبنيا للمفعول.
و ﴿ يلقاه مَنْشُوراً ﴾ صفتان للكتاب.
أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة و ﴿ مَنْشُوراً ﴾ حالٌ من يلقاه ﴿ اقرأ ﴾ على إرادة القول.
وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئاً.
و ﴿ بِنَفْسِكَ ﴾ فاعل كفى.
و ﴿ حَسِيباً ﴾ تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه.
وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا.
ويجوز أن يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدّي بعلى لأنّ الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
فإن قلت: لم ذكر حسيباً؟
قلت: لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير؛ لأنّ الغالب أنّ هذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً.
ويجوز أن يتأوّل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس.
وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم، أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
﴿ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿ حَسِيبًا ﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ.
﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ.
﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها.
﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
<div class="verse-tafsir"
{اقْرَأْ كِتَابَكَ} أي كتاب أعمالك وكلٌّ يُبعث قارئاً {كفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ} الباء زائدة أي كفى نفسك {حَسِيباً} تمييز وهو بمعنى حاسب وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعى ما أهمه وإنما ذكر حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير إذ الغالب أن يتولى هذه الأمور الرجال فكأنه قيل كفى نفسك رجلاً حسيباً أو تؤوّل النفس بالشخص
﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ بِتَقْدِيرِ: يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ مِن جُمْلَةِ مَقُولِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، و(كَفى) فِعْلٌ ماضٍ وبِنَفَسِكَ فاعِلُهُ، والباءُ سَيْفُ خَطِيبٍ، وجاءَ إسْقاطُها ورَفْعُ الِاسْمِ كَما في قَوْلِهِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا.
وقَوْلُهُ: ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا ولَمْ تَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ وإنْ كانَ مِثْلُهُ تَلْحَقُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ ﴾ ﴿ وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ ﴾ قِيلَ: لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ ولا يَشْفِي الغَلِيلَ لِأنَّ فاعِلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ مُؤَنَّثٌ مَجازِيٌّ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ زائِدٍ أيْضًا، وقَدْ لَحِقَ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، وغايَةُ الأمْرِ في مِثْلِ ذَلِكَ جَوازُ الإلْحاقِ وعَدَمُهُ ولَمْ يُحْفَظْ كَما في البَحْرِ الإلْحاقُ في (كَفى) إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ الزّائِدَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ فاعِلَ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ أيْ: كَفى هو أيِ الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، والباءُ عَلى القَوْلَيْنِ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ومَرْضِيُّ الجُمْهُورِ ما قَدَّمْناهُ، والتِزامُ التَّذْكِيرِ عِنْدَهم عَلى خِلافِ القِياسِ.
ووَجَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِكَثْرَةِ جَرِّ الفاعِلِ بِالباءِ الزّائِدَةِ حَتّى إنَّ إسْقاطَها مِنهُ لا يُوجَدُ إلّا في أمْثِلَةٍ مَعْدُودَةٍ فانْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَةِ الفاعِلِينَ فَلَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ لَهُ، وهَذا نَحْوَ ما قِيلَ فِي: مُرَّ بِهِنْدٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ( واليَوْمِ ) ظَرْفٌ لِ (كَفى) و ﴿ حَسِيبًا ﴾ تَمْيِيزٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ وقَوْلُهُمْ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، وقِيلَ: حالٌ، وعَلَيْكَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وعُدِّيَ بِعَلى لِأنَّهُ بِمَعْنى الحاسِبِ، والعادُّ وهو يَتَعَدّى بِ (عَلى) كَما تَقُولُ: عَدَّدَ عَلَيْهِ قَبائِحَهُ، وجاءَ فَعِيلٌ الصِّفَةُ مِن فَعَلَ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُضارِعِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبُ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ أوْ بِمَعْنى الكافِي فَتَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى الشَّهِيدِ لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ فَعُدِّيَ بِ (عَلى) كَما يُعَدّى الشَّهِيدُ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الكافِي مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ لَكِنَّهُ عُدِّيَ تَعْدِيَةَ الشَّهِيدِ لِلُزُومِ مَعْناهُ لَهُ كَما فِي: أسَدٌ عَلَيَّ، وهو تَكَلُّفٌ بارِدٌ، وتَذْكِيرُهُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وصْفٌ لِلنَّفْسِ المُؤَنَّثَةِ مَعْنًى؛ لِأنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَغْلِبُ في الرِّجالِ فَأُجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا أوْ لِأنَّ النَّفْسَ مُؤَوَّلَةٌ بِالشَّخْصِ كَما يُقالُ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ أوْ لِأنَّ فَعِيلَ المَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِكَ حَسِيبًا عَلَيْكَ.
وجَعَلَ بَعْضُهم في ذَلِكَ تَجْرِيدًا فَقِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا؛ فَإنَّ الشّاهِدَ يُغايِرُ المَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الشَّخْصِ في تِلْكَ الحالِ كَأنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ كانَ تَجْرِيدًا لَكِنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ هُنا.
وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الجَوارِحُ؛ فَإنَّها تَشْهَدُ عَلى العَبْدِ إذا أنْكَرَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، أنْصَفَكَ واللَّهِ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِن أنَّ الكافِرَ يُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابٌ فَيَقُولُ: رَبِّ، إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ ﴾ الآيَةَ.
لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِالكافِرِ كَما لا يَخْفى، ويَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا في الدُّنْيا.
وجاءَ أنَّ المُؤْمِنَ يَقْرَأُ أوَّلًا سَيِّئاتِهِ وحَسَناتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ ولا يَراها هو فَيَغْبِطُونَهُ عَلَيْها، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ السَّيِّئاتِ وظَنَّ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ رَأى في آخِرِها: هَذِهِ سَيِّئاتُكَ قَدْ غَفَرْناها لَكَ فَيَتَبَلَّجُ وجْهُهُ، ويَعْظُمُ سُرُورُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَناتِهِ فَيَزْدادُ نُورًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا ويَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ.
وأمّا الكافِرُ فَيَقْرَأُ أوَّلًا حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ في ظَهْرِ كِتابِهِ يَراها أهْلُ المَوْقِفِ فَيَتَعَوَّذُونَ مِن ذَلِكَ، فَإذا اسْتَوْفى قِراءَةَ الحَسَناتِ وجَدَ في آخِرِها: هَذِهِ حَسَناتُكَ قَدْ رَدَدْناها عَلَيْكَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ فَيَسْوَدُّ وجْهُهُ ويَعْظُمُ كَرْبُهُ ثُمَّ يَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ فَيَزْدادُ بَلاءً عَلى بَلاءٍ ويَنْقَلِبُ بِمَزِيدِ خَيْبَةٍ وشَقاءٍ ويَقُولُ: ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَرْقى لا مِمَّنْ يَقْرَأُ فَيَشْقى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
هَذا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَ بِالنَّفْسِ المُنْتَقَشَةِ بِآثارِ الأعْمالِ ونَشْرَهُ وقِراءَتَهُ بِظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ ولِغَيْرِهِ، وبَيانُهُ أنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ خَيْرًا أوْ شَرًّا يَحْصُلُ مِنهُ في الرُّوحِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ وهو خَفِيٌّ ما دامَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ مُشْتَغِلَةً بِوارِداتِ الحَواسِّ والقُوى فَإذا انْقَطَعَتْ عَلاقَتُها قامَتْ قِيامَتُهُ لِانْكِشافِ الغِطاءِ بِاتِّصالِها بِالعالَمِ العُلْوِيِّ فَيَظْهَرُ في لَوْحِ النَّفْسِ نَقْشُ أثَرِ كُلِّ ما عَمِلَهُ في عُمْرِهِ وهو مَعْنى الكِتابَةِ والقِراءَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ حُكْمِيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الظُّهُورِ قَرِيبٌ مِنَ البُطُونِ، وفِيهِ حَمْلُ القِيامَةِ عَلى القِيامَةِ الصُّغْرى وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والرِّواياتُ ناطِقَةٌ بِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ نَعَمْ لَيْسَ فِيها نَفْيُ انْتِقاشِ النَّفْسِ بِآثارِ الأعْمالِ وظُهُورِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِالأمْرَيْنِ، ومِن هُنا قالَ الإمامُ: إنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ، ونِعْمَ ما قالَ غَيْرَ أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ ظاهِرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَيْسَ في هَذا ما يُخالِفُ النَّقْلَ، وقَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ يَقْرَأُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا وجْهَ لِعَدِّهِ مُؤَيِّدًا لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ كَلامِ قَتادَةَ عَلى ذَلِكَ تَأْوِيلٌ أيْضًا ولَعَلَّ قَتادَةَ وأمْثالَهُ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ لا يَخْطُرُ لَهم أمْثالُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِبالٍ، والكَلامُ العَرَبِيُّ كالجَمَلِ الأُنُوفِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
وفي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ.
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ تَضَمَّنَ أنَّ كُلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ قَدْ صارَ مَذْكُورًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ، الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما فَكَأنَّهُ كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ يَكُونُ مَسْؤُولًا عَنْ أقْوالِهِ وأعْمالِهِ، الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنَّهارِ واللَّيْلِ كانَ إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الطّاعَةِ أوْ تَمَرَّدَ وعَصى اه، وقَدْ يُقالُ: وجْهُ الرَّبْطِ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ شَرْحُ حالِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ بَيانَ النّافِعِ والضّارِّ مِنَ الأعْمالِ وفي هَذا شَرْحُ حالِ كِتابِ العَبْدِ الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِن تِلْكَ الأعْمالِ إلّا أحْصاها وحُسْنُهُ وقُبْحُهُ تابِعٌ لِلْأخْذِ بِما في الكِتابِ الأوَّلِ وعَدَمِهِ، فَمَن أخَذَ بِهِ فَقَدْ هُدِيَ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ فَقَدْ غَوى، <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال ابن عباس: «أي: خيره وشره مكتوب عليه لا يفارقه» .
وقال قتادة: «سعادته وشقاوته» .
قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.
قال: حدثنا محمد بن جعفر.
قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.
قال: حدثنا يزيد بن ربيع عن يونس عن الحسن.
قال في قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال: طائِرَهُ عمله، وإليه هداه أُمِّيَّاً كان أو غير أمي.
وروى الحكم عن مجاهد قال: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.
وقال الضحاك: طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ الشقاوة والسعادة والأجل والرزق.
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً أي: مفتوحاً.
قرأ ابن عامر: يَلْقاهُ بضم الياء، وتشديد القاف، أي: يعطاه.
والباقون يَلْقاهُ أي: يراه.
وقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: شاهداً، ويقال: محاسباً لما ترى فيه كل حسنة وسيئة محصاة عليك.
قال ابن عباس: «فإن كان مؤمناً أعطي كتابه بيمينه، وهي صحيفة يقرأ سيئاته في باطنها وحسناته في ظاهرها، فيجد فيها: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا وصنعت كذا وكذا، وقلت كذا وكذا، في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وفي يوم كذا وفي ساعة كذا وكذا، فإذا انتهى إلى أسفلها، قيل له: قد غفرها الله لك، اقرأ ما في ظهرها فيقرأ حسناته، فيسره ما يرى فيها، ويشرق لونه، عند ذلك يقول» : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] .
قال: «ويعطى الكافر كتابه بشماله، ويقرأ حسناته في باطنها، وسيئاته في ظاهرها.
فإذا انتهى إلى آخره، قيل له: هذه حسناتك قد ردت عليك، اقرأ ما في ظهرها، فيرى فيها سيئاته قد حفظت عليه كل صغيرة وكبيرة، فيسوءه ذلك، ويسود وجهه، وتزرق عيناه، ويقول عند ذلك: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] فذلك قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: حفيظاً» .
وقال مقاتل: وذلك حين جحد، فختم على لسانه، وتكلمت جوارحه، فشهدت جوارحه على نفسه، وذلك قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: شهيداً، فلا شاهد عليك أفضل من نفسك.
ثم قال: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: من اجتهد حتى اهتدى فثوابه لنفسه وَمَنْ ضَلَّ أي: ومن تغافل حتى ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي: إثمه عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: لا تؤخذ نفس بذنب نفس أُخرى.
وقال: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا حجة عليهم مع علمه أنهم لا يطيعون، وينذرهم على ما هم عليه من المعصية، فإن أجابوا وإلاّ عذبوا.
<div class="verse-tafsir"
فطرية، والْإِنْسانُ هنا: يراد به/ الجنْس قاله مجاهد وغيره «١» .
وقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك «٢» ، فلم يقدر، والمعنى على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية:
معاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير.
ت: قول هذه الفرقة نقله ع «٣» غير ملخَّص، فأنا لخَّصته.
وقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...
الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعبرة.
وقوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفاً لحالِ الشمْسِ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِداً، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم.
انتهى.
«والتفصيل» البيان.
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)
وقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ قال ابن عباس: طائِرَهُ ما قدّر له
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( وكُلُّ ) بِرَفْعِ اللّامِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ والحَسَنُ: ( ألْزَمْناهُ طَيْرَهُ ) بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وَفِي الطّائِرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: شَقاوَتُهُ وسَعادَتُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ مُجاهِدٌ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي عُنُقِهِ ورَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ.
والثّانِي: عَمَلُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما يُصِيبُهُ، قالَهُ خُصَيْفٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حَظُّهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى فِيما أرى - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّ لِكُلِّ امْرِئِ حَظًّا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ [ عَلَيْهِ ]، فَهو لازِمٌ عُنُقَهُ،والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ ما لَزِمَ الإنْسانَ: قَدْ لَزِمَ عُنُقَهُ، وهَذا لَكَ عَلَيَّ وفي عُنُقِي حَتّى أخْرُجَ مِنهُ، وإنَّما قِيلَ لِلْحَظِّ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ: ( طائِرٌ )، لِقَوْلِ العَرَبِ: جَرى لَهُ الطّائِرُ بِكَذا مِنَ الخَيْرِ، وجَرى لَهُ الطّائِرُ بِكَذا مِنَ الشَّرِّ، عَلى طَرِيقِ الفَأْلِ والطِّيَرَةِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ بِالطّائِرِ هو الَّذِي يُلْزِمُهُ أعْناقَهم.
وَقالَ الأزْهَرِيُّ: الأصْلُ في هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آَدَمَ، عَلِمَ المُطِيعَ مِن ذُرِّيَّتِهِ والعاصِي، فَكَتَبَ ما عَلِمَهُ مِنهم أجْمَعِينَ، وقَضى سَعادَةَ مَن عَلِمَهُ مُطِيعًا، وشَقاوَةَ مَن عَلِمَهُ عاصِيًا، فَصارَ لِكُلٍّ مِنهم ما هو صائِرٌ إلَيْهِ عِنْدَ خَلْقِهِ وإنْشائِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ ما يُتَطَيَّرُ مِن مَثَلِهِ مِن شَيْءٍ عَمِلَهُ، وذِكْرُ العُنُقِ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ لَهُ، كَلُزُومِ القِلادَةِ العُنُقَ مِن بَيْنِ ما يُلْبَسُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ في تَسْمِيَتِهِمُ العَمَلَ طائِرًا، أنَّهم كانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِن بَعْضِ الأعْمالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ويُخْرَجُ ) بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ.
وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ويُخْرِجُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ والأعْرَجُ: ( وتَخَرُجُ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ.
﴿ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( كِتابٌ ) بِالرَّفْعِ، " يَلْقاهُ " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ: ( يُلَقّاهُ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ القافَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كِتابُهُ الَّذِي فِيهِ ما عَمِلَ.
وكانَ أبُو السَّوّارِ العَدَوِيُّ إذا قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ قالَ: نَشْرَتانِ وطَيَّةٌ، أمّا ما حَيِيتَ يا ابْنَ آَدَمَ، فَصَحِيفَتُكَ مَنشُورَةٌ، فَأمْلِ فِيها ما شِئْتَ، فَإذا مُتَّ طُوِيَتْ، ثُمَّ إذا بُعِثْتَ نُشِرْتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( اقْرَأْ ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وفِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُ: اقْرَأْ كِتابَكَ.
قالَ الحَسَنُ: يَقْرَؤُهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ، ولَقَدْ عَدَلَ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَفِي مَعْنى ﴿ حَسِيبًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُحاسِبًا.
والثّانِي: شاهِدًا.
والثّالِثُ: كافِيًا، والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ يُفَوِّضُ إلَيْهِ حِسابَهُ، لِيَعْلَمَ عَدْلَ اللَّهِ بَيْنَ العِبادِ، ويَرى وُجُوبَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ واسْتِحْقاقَهُ العُقُوبَةَ، ويَعْلَمَ أنَّهُ إنْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَبِفَضْلِ اللَّهِ لا بِعَمَلِهِ، وإنْ دَخَلَ النّارَ فَبِذَنْبِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: " حَسِيبًا "، والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ.
قالَ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ [ فَلا مُزْنَةَ ودْقَتْ ودْقْها ] ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالها <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟
فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟
ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ.
وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي ﴾ الآيَةُ.
قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ".
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
"كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ.
وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا".
وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.
و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ : إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.
<div class="verse-tafsir"
لما كان سياق الكلام جارياً في طريق الترغيب في العمل الصالح والتحذير من الكفر والسيئات ابتداء من قوله تعالى: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ عذاباً أليماً ﴾ [الإسراء: 9 10] وما عقبه مما يتعلق بالبشارة والنذارة وما أدمج في خلال ذلك من التذكير ثم بما دل على أن علم الله محيط بكل شيء تفصيلاً، وكان أهم الأشياء في هذا المقام إحاطة علمه بالأعمال كلها، فأعقب ذكر ما فصله الله من الأشياء بالتنبيه على تفصيل أعمال الناس تفصيلاً لا يقبل الشك ولا الإخفاء وهو التفصيل المشابه للتقييد بالكتابة، فعطف قوله: ﴿ وكل إنسان ﴾ الخ على قوله: ﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلاً ﴾ [الإسراء: 12] عطف خاص على عام للاهتمام بهذا الخاص.
والمعنى: وكل إنسان قدرنا له عمله في علمنا فهو عامل به لا محالة وهذا من أحوال الدنيا.
والطائر: أطلق على السهم، أو القرطاس الذي يُعين فيه صاحب الحَظّ في عطاء أو قرعة لقسمة أو أعشار جزور الميسر، يقال: اقتسموا الأرض فطار لفلان كذا، ومنه قول أم العَلاء الأنصارية في حديث الهجرة: اقتسم الأنصارُ المهاجرين فطار لنا عُثمان بن مظعون...
وذكرت قصة وفاته.
وأصل إطلاق الطائر على هذا: إما لأنهم كانوا يرمون السهام المرقومة بأسماء المتقاسمين على صبر الشيء المقسوم المعدة للتوزيع.
فكل من وقع السهم المرقوم باسمه على شيء أخذَه.
وكانوا يطلقون على رمي السهم فعل الطيران لأنهم يجعلون للسهم ريشاً في قُذذه ليخف به اختراقه الهواء عند رميه من القوس، فالطائر هنا أطلق على الحظ من العمل مثل ما يطلق اسم السهم على حظ الإنسان من شيء ما.
وإما من زجر الطير لمعرفة بختتِ أو شُؤم الزاجر من حالة الطير التي تعترضه في طريقه، والأكثر أن يفعلوا ذلك في أسفارهم، وشاع ذلك في الكلام فأطلق الطائر على حظ الإنسان من خير أو شر.
والإلزام: جعله لازماً له، أي غير مفارق، يقال: لَزمه إذا لم يفارقه.
وقوله: في عُنُقِهِ} يجوز أن يكون كناية عن الملازمة والقرب، أي عمله لازم له لزوم القلادة.
ومنه قول العرب تقلدها طَوْقَ الحمامة، فلذلك خصت بالعنق لأن القلادة توضع في عنق المرأة.
ومنه قول الأعشى والشِعْرَ قلدتُه سَلامَةَ ذَا فا *** ئش والشيءُ حيثما جُعلا ويحتمل أن يكون تمثيلاً لحالة لعلها كانت معروفة عند العرب وهي وضع علامات تعلق في الرقاب للذين يعيّنون لعمل ما أو ليؤخذ منهم شيء، وقد كان في الإسلام يجعل ذلك لأهل الذمة، كما قال بشار كَتب الحبُّ لها في عُنقي *** مَوْضِعَ الخَاتم من أهله الذِمم ويجوز أن يكون ﴿ في عنقه ﴾ تمثيلاً بالبعير الذي يوسم في عنقه بسمة كيلا يختلط بغيره، أو الذي يوضع في عنقه جلجل لكيلا يضل عن صاحبه.
والمعنى على الجميع أن كل إنسان يعامل بعمله من خير أو شر لا يُنقص له منه شيء.
وهذا غير كتابة الأعمال التي ستذكر عقب هذا بقوله: ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً ﴾ الآية.
وعَطف جملة ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً ﴾ إخبار عن كون تلك الأعمال المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة لا تغادَر منها صغيرةٌ ولا كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها.
وقرأ الجمهور ﴿ ونخرج ﴾ بنون العظمة وبكسر الراء، وقرأه يعقوب بياء الغيبة وكسر الراء، والضمير عائد إلى الله المعلوم من المقام، وهو التفات.
وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة في أوله مبنياً للنائب على أن ﴿ له ﴾ نائب فاعل و ﴿ وكتاباً ﴾ منصوباً على المفعولية وذلك جائز.
والكتاب: ما فيه ذكر الأعمال وإحصاؤها.
والنشر: ضد الطي.
ومعنى ﴿ يلقاه ﴾ يجده.
استعير فعل يلقى لمعنى يَجد تشبيهاً لوجدان النسبة بلقاء الشخص.
والنشر كناية عن سرعة اطلاعه على جميع ما عمله بحيث إن الكتاب يحضر من قبل وصُول صاحبه مفتوحاً للمطالعة.
وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر ﴿ ولقاهم نضرة وسروراً ﴾ [الإنسان: 11].
وأسند إلى المفعول بمعنى يجعله لاقياً.
كقوله: ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ [فصّلت: 35] وقوله: ﴿ ويلقون فيها تحية وسلاما ﴾ [الفرقان: 75].
ونشر الكتاب إظهاره ليقرأ، قال تعالى: ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ [التكوير: 10].
وجملة اقرأ كتابك} مقول قول محذوف دل عليه السياق.
والأمر في ﴿ اقرأ ﴾ مستعمل في التسخير ومكنى به عن الإعذار لهم والاحتجاج عليهم كما دل عليه قوله: ﴿ كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ ، ولذلك كان معرفة تلك الأعمال من ذلك الكتاب حاصلة للقارئ.
والقراءة: مستعملة في معرفة ما أثبت للإنسان من الأعمال أو في فهم النقوش المخصوصة إن كانت هنالك نقوش وهي خوارق عادات.
والباء في قوله: ﴿ بنفسك ﴾ مزيدة للتأكيد داخلة على فاعل ﴿ كفى ﴾ كما تقدم في قوله: ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ في سورة [النساء: 79].
وانتصب ﴿ حسيباً ﴾ على التمييز لنسبة الكفاية إلى النفس، أي من جهة حسيب.
والحسيب: فعيل بمعنى فاعل مثل ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم، أي الحاسب والضابط.
وكثر ورود التمييز بعد (كفى بكذا).
وعدي ب (على) لتضمينه معنى الشهيد.
وما صدق النفس هو الإنسان في قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ فلذلك جاء ﴿ حسيباً ﴾ بصيغة التذكير.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِثْلَ ما كانَتِ العَرَبُ تَقُولُهُ سَوانِحُ الطَّيْرِ وبَوارِحُهُ، والسّانِحُ: الطّائِرُ يَمُرُّ ذاتَ اليَمِينِ وهو فَأْلُ خَيْرٍ، والبارِحُ: الطّائِرُ يَمُرُّ ذاتَ الشِّمالِ وهو فَأْلُ شَرٍّ، وأُضِيفَ إلى العُنُقِ.
الثّانِي: أنَّ طائِرَهُ حَظُّهُ ونَصِيبُهُ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: طارَ سَهْمُ فُلانٍ إذا خَرَجَ سَهْمُهُ ونَصِيبُهُ مِنهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ يَعْنِي كِتابَ طائِرِهِ الَّذِي في عُنُقِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وَيَحْتَمِلُ نَشْرُ كِتابِهِ الَّذِي يَلْقاهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْجِيلًا لِلْبُشْرى بِالحَسَنَةِ، والتَّوْبِيخِ بِالسَّيِّئَةِ.
الثّانِي: إظْهارُ عَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما في قِراءَتِهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ.
والثّانِي: لِيَكُونَ إقْرارُهُ بِقِراءَتِهِ عَلى نَفْسِهِ.
﴿ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شاهِدًا.
والثّانِي: يَعْنِي حاكِمًا بِعَمَلِكَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وَلَقَدْ أنْصَفَكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبًا عَلى نَفْسِكَ بِعَمَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق شمسين من نور عرشه» فاما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً، فإنه خلقها مثل الدنيا على قدرها، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويجعلها قمراً، فإنه خلقها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الشمس كما كان خلقها أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولم يدر الصائم إلى متى يصوم ومتى يفطر، ولم يدر المسلمون متى وقت حجهم، وكيف عدد الأيام والشهور والسنين والحساب، فأرسل جبريل فأمر جناحه عن وجه القمر- وهو يومئذ شمس- ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله: ﴿ وجعل الليل والنهار آيتين ﴾ الآية.
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر، عن سعيد المقبري: أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر؟
فقال: كانا شمسين.
فقال: قال الله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ﴾ فالسواد الذي رأيت هو المحو.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: هو السواد الذي في القمر.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه في الآية.
قال: كان الليل والنهار سواء، فمحا الله آية الليل فجعلها مظلمة، وترك آية النهار كما هي.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: هو السواد بالليل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ قال: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: السواد الذي في القمر.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كتب هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاثة أشياء: أي مكان إذا صليت فيه ظننت أنك لم تصل إلى قبلة؟
وأي مكان طلعت فيه الشمس مرة لم تطلع فيه قبل ولا بعد؟
وعن السواد الذي في القمر؟
فسأل ابن عباس رضي الله عنهما؟
فكتب إليه أما المكان الأول: فهو ظهر الكعبة.
وأما الثاني: فالبحر حين فرقه الله لموسى عليه السلام.
وأما السواد الذي في القمر: فهو المحو.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: خلق الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر سبعين جزءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً، فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءاً، والقمر على جزء واحد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآية قال: كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحا الله شمس الليل، فهو المحو الذي في القمر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ قال: انظر إلى الهلال ليلة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، فإنك ترى فيه كهيئة الرجل، آخذاً برأس رجل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ قال: ظلمة الليل وسدف النهار؛ ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ قال: جعل لكم ﴿ سبحاً طويلاً ﴾ [ المزمل: 7] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فصلناه ﴾ يقول: بيناه.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: أخبرني غير واحد أن قاضياً من قضاة الشام، أتى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني.
قال: وما رأيت؟
قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم معهما نصفين.
قال: فمع أيهما كنت؟
قال: مع القمر على الشمس.
قال عمر رضي الله عنه: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ فانطلق فوالله لا تعمل لي عملاً أبداً.
قال عطاء رضي الله عنه: فبلغني أنه قتل مع معاوية يوم صفين.
وأخرج ابن عساكر، عن علي بن زيد رضي الله عنه، قال: سأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه عن السواد الذي في القمر؟
قال: هو قول الله تعالى: ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير بسند حسن، عن جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طائر كل إنسان في عنقه» .
وأخرج ابن مردويه، عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن النطفة التي يخلق منها النسمة تطير في المرأة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فلا يبقى منها شعر ولا بشر ولا عرق ولا عظم إلا دخله، حتى أنها لتدخل بين الظفر واللحم، فإذا مضى لها أربعون ليلة وأربعون يوماً أهبطه الله إلى الرحم، فكان علقة أربعين يوماً وأربعين ليلة، ثم يكون مضغة أربعين يوماً وأربعين ليلة، فإذا تمت لها أربعة أشهر، بعث الله إليها ملك الأرحام فيخلق على يده لحمها ودمها وشعرها وبشرها، ثم يقول: صوّر.
فيقول: يا رب، ما أصور أزائد أم ناقص، أذكر أم أنثى، أجميل أم ذميم أجعد أم سبط أقصير أم طويل أبيض أم آدم أسويّ أم غير سويّ؟
فيكتب من ذلك ما يأمر الله به.
ثم يقول الملك: يا رب، أشقيّ أم سعيد؟
فإن كان سعيداً، نفخ فيه بالسعادة في آخر أجله، وإن كان شقياً: نفخ فيه الشقاوة في آخر أجله.
ثم يقول: اكتب أثرها ورزقها ومصيبتها وعملها بالطاعة والمعصية، فيكتب من ذلك ما يأمره الله به، ثم يقول الملك: يا رب، ما أصنع بهذا الكتاب؟
فيقول: علقه في عنقه إلى قضائي عليه.
فذلك قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألزمناه طائره في عنقه ﴾ قال: سعادته وشقاوته وما قدره الله له وعليه فهو لازمه أينما كان.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جوبير، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ طائره في عنقه ﴾ قال: قال عبد الله رضي الله عنه الشقاء والسعادة والرزق والأجل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ طائره في عنقه ﴾ قال: كتابه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ أي عمله.
وأخرج أبو داود في كتاب القدر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ قال: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألزمناه طائره ﴾ قال: عمله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ قال: هو عمله الذي عمل أحصي عليه، فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل، فقرأه منشوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب، فيقول: رب، إنك قد قضيت.
إنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أحاسب نفسي.
فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن هرون قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ يقرؤه يوم القيامة ﴿ كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ويخرج له يوم القيامة كتاباً ﴾ بفتح الياء يعني يخرج الطائر كتاباً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ قال: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا.
وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه قال: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة.
فعند ذلك يقول: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ حتى بلغ عليك ﴿ حسيباً ﴾ .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد بسند ضعيف، عن عائشة- رضي الله عنها- قال: سالت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟
فقال: «هم مع آبائهم» ثم سألته بعد ذلك؟
فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام؟!
فنزلت ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فقال: «هم على الفطرة» أو قال: «في الجنة» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إني قضيت في البنات من ذراري المشركين؟
قال: «هم منهم» .
وأخرج ابن سعد وأحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن خنساء بنت معاوية الضمرية، عن عمها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة» .
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أنس رضي الله عنه قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين؟
قال: «هم خدم أهل الجنة» .
وأخرج، عن سلمان رضي الله عنه قال: أطفال المشركين خدم أهل الجنة.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عبد البر وضعفه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم؟
قال:في الجنةوسألته عن ولدان المشركين أين هم؟
قال: في النار، قلت: يا رسول الله، لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم القلام!
قال:ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» .
وأخرج أحمد وقاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم، حتى حدثني رجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «أنه سئل عنهم؟
فقال: ربهم أعلم بهم وبما كانوا عاملين» فأمسكت عن قولي.
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل، عن أولاد المشركين؟
فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين والله أعلم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ ﴾ قال الفراء والكسائي: (يُقَال) هاهنا مضمرة كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ ﴾ (١) قال الحسن يقرأه أُمِّيًا كان (٢) (٣) وقال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا (٤) وقال بكر بن عبد الله (٥) (٦) ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ ، الحَسِيْبُ بمعنى الحاسب، كالشريك والنديم، وقوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ ، أي: محاسبًا.
قال الحسن: عدلٌ واللهُ عليك، مَنْ جعلك حَسِيبَ نَفْسِك (٨) وقال السدي: يقول الكافر يومئذ: إنك قضيتَ أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أُحاسبُ نفسي، فيقال: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ (٩) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بنصه، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي.
(٢) ساقطة من (د).
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"القرطبي" 10/ 150.
(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 53 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن عطية" 9/ 35، و"أبي حيان" 6/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 304 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و"تفسير الشوكاني" 3/ 306، والألوسي 15/ 33.
(٥) بكر بن عبد الله المزني البصري، أبو عبد الله، ثقة ثبت جليل، روى عن ابن عباس وابن عمر - ما- وعنه: قتادة وحبيب بن الشهيد مات سنة (108 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 388، و"الكاشف" 1/ 274 (628)، و"تقريب التهذيب" ص 128 (743)، و"تفسير الطبري" شاكر 1/ 274 (628) (٦) إضافة يقتضيها السياق؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169.
(٧) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، بنحوه عن ابن عباس.
(٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 16، و"الألوسي" 15/ 33.
(٩) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169، و"الدر المنثور" 4/ 304، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، ومثل هذه الأخبار لا تثبت إلا بخبر صحيح عن المعصوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ انتصب كل بفعل مضمر، والطائر هنا العمل، والمعنى أن عمله لازم له، وقيل: إن طائره ما قدر عليه، وله من خير وشر، والمعنى على هذا؛ أن كل ما يلقى الإنسان قد سبق به القضاء، وإنما عبر عن ذلك بالطائر، لأن العرب كانت عادتها التيمن والتشاءم بالطير، وقوله في عنقه أي: هو كالقلادة أو الغل لا ينفك عنه ﴿ كتابا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ يعني صحيفة أعماله بالحسنات والسيئات ﴿ اقرأ كتابك ﴾ تقديره يقال له: إقرأ ﴿ حَسِيباً ﴾ أي محاسباً أو من الحساب بمعنى العدد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.
أبو عمرو وعباس مخيراً.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.
الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.
﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.
الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.
الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .
الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.
يروى أنه لما وصل النبي إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟
فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.
فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.
وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.
قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.
وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.
﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.
وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.
سؤال: أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟
الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.
واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.
حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.
وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.
وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.
ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.
ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.
ومنها قوله .
﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.
وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.
ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.
أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ .
وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.
وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.
أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.
وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.
وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.
وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.
وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.
وعن السادس أنه لا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.
واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.
يروى أنه نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.
وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟
قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.
فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.
وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.
قالوا: أتصدقه على ذلك؟
قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.
وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.
فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.
ولما حكى طرفاً من إكرام محمد ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.
فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.
ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.
ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.
وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.
يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.
ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.
وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.
والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.
احتجت الأشاعرة بقوله : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.
وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.
وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.
ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.
قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.
ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.
وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.
عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.
وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.
وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.
قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.
وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.
فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.
وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.
ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد وموسى وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.
قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.
إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.
وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟
وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.
وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.
ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.
ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.
ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.
قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟
وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ﴾ .
وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.
والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.
قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.
والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.
واعلم أنه قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.
ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.
وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.
وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً كاذب.
وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.
ويروى أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟
فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.
فلما أصبح النبي دعا به فأعلم بشأنه فقال : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.
﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.
وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.
وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.
قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.
فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.
وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.
وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.
﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.
التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.
﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.
وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.
وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.
وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.
ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.
نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.
ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.
قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.
وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.
فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.
وإنه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .
يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.
فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.
ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.
وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.
ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.
عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.
قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.
"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.
موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.
قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.
وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.
ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .
قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.
وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.
ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.
أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.
أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.
وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.
ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.
ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.
فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.
وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.
ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله منزه عن ذلك.
ولقائل أن يقول: إنه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.
فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .
وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.
وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.
ولما كان من أصول الاعتزال أنه لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.
ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.
ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.
القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.
قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.
إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.
وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله : إني أرى أمرك هذا حقيراً.
فقال : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.
والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.
قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.
وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.
قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.
الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.
وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.
وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.
ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.
وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.
ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.
ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.
قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.
وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.
وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.
﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.
والله ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.
وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.
قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.
وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.
قال : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.
واعلم أنه ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.
وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.
الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.
الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.
واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.
ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.
وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.
﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.
وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.
وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.
التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.
فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.
هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.
﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ .
معنى: التأنيث في قوله ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ قيل بوجوه: قيل: إن هذا القرآن يهدي للملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، والملة هي الدين، دين الله.
وقال بعضهم: يهدي إلى الأمور التي هي أعدل الأمور وأصوبها.
وقيل: يهدي إلى السبيل التي هي أقوم السبل وأعدلها.
يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ، أي: للأعمال الصالحات وللخيرات، لأن الأعمال الصالحات قوامها به.
ثمّ قوله: ﴿ يَِهْدِي ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: يبين، والثاني: يدعو؛ فهو يهدي الكل لو استهدوا، لكن خص هؤلاء لما منفعة تكون لمن ذكر، وقد ذكرنا أن هذا القرآن وغيره من كتب الله هدى ورحمة يدعو إلى ثلاث خصال: إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال ومصالحها.
وينهى عن مساوي الأعمال، وداني الأمور، وسوء الأخلاق ودناءتها؛ فهو هدى ورحمة على ما أخبر لمن استهدى به، ورشد لمن استرشد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .
البشارة المطلقة إنما جعلت للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، لم يذكر للمؤمنين خاصّة على غير العمل الصالح؛ فالمسألة فيهم غير المسألة في هؤلاء.
وفيه دلالة أنه يقع اسم المؤمنين بدون العمل الصالح؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ دلّ أن ذلك الاسم يقع بدون ذلك الاسم.
وفيه دلالة أن اسم الإيمان قد يستحق بدون العمل الصالح؛ حيث يشرط فيه العمل الصالح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ .
سماه كبيراً؛ لكبير خطره عند الله، كما سمى عذاب النار عظيماً؛ لعظم خطره عنده، أو سماه كبيراً؛ لأنه أكبر ما يقصد إليه ويرغب فيه، وهو ثواب الجنة، والنار أعظم ما يحذر بها ويرهب عنها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
إنكارهم البعث، وكفرهم به - هو الذي حملهم على تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله، ليسلم لهم شهواتهم في الدنيا؛ لأن الرسل جميعاً دعوهم إلى ترك شهواتهم في الدنيا، ورغبوهم بما يوجب لهم الثواب في الآخرة وحذروهم عما يوجب العقاب، فأنكروا الآخرة والبعث رأساً ليسلم لهم الدنيا فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل وتكذيبهم إياهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن أو بمحمدّ، إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان بالقرآن والرسول، وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ .
قال بعضهم: إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله، ويلعن، كدعائه عليهم بالخير؛ لذلك انتصب قوله: ﴿ دُعَآءَهُ ﴾ .
وقال الحسن: إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء يكره؛ فيلعن على نفسه وأهله؛ فلا يجيبه الله، ثم يدعو بالخير؛ فيعطيه، أو نحوه من الكلام.
وقوله: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ويدعو الإنسان بالشرّ على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم منه بذلك.
والثاني: يدعو الإنسان بالشر لو أجيب فيه على الجهل منه والغفلة، كدعائه بالخير لو أجيب في ذلك.
ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر فهو يدعو على الاستهزاء؛ كقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ الآية [الأنفال: 32]، وكذلك قوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ ، ونحوه.
وإن كان مسلماً فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه به، ويدعو أيضاً بالشرّ على السهو والغفلة منه، نحو ما يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شرّ له.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ .
قال بعضهم: هذا لازم؛ لأنه لما خلقه الله فنفخ الروح في بعض جسده - همّ أن يقوم؛ فسمّاه عجولاً، لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولاً؛ ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة لم يصبر عليها؛ ولكن يمل عنها؟!
وكذلك في أدنى شدّة وبلاء إذا بلي به لم يصبر عليه، فأبداً يريد الانتقال من حال إلى حال؛ ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله بكرامات: من إنزال المنّ والسلوى عليهم من غير كد ولا جهد ولا مؤنة، وكذلك اللباس؛ ثم لم يصبروا على ذلك حتى قالوا: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ فسألوا ربهم - الفوم، والبصل، ونحوه؟!
على هذا طبع الإنسان ملولاً عجولاً؛ ألا ترى أن الله مكن في باطنه، وجعل في سعة رياضة نفسه، وصرفها إلى أحد الوجهين اللذين يجهد عليه ولا يذم، وهو أن يروضها ويعودها على الصبر والحكم والوقار، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات والطاعات التي يحمد عليها المرء بالعجلة، وإلا: ففي ظاهر الخلقة والطبع منشأ على العجلة وما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾ إلا كذا، وهو ما ذكرنا - والله أعلم - لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب صيره بحيث يملك إخراجه عما طبع وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع، ثم استثنى إلا كذا؟!
وعلى ذلك خلق الله الخلق على همم مختلفة وأطوار متشتتة، لم يخلقهم جميعاً على همة واحدة، بحيث يرغبون جميعاً في معالي الأمور ومعاظم الحِرَف وأرفع الأسماء؛ بل طبعهم على أطباع مختلفة: فمنهم من يرغب في معالي الأمور ومعاظم الأمور والحرف، ومنهم من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف في الحجامة والدباغة والحياكة ونحوها، وكذلك في الأسماء، [ومنهم بخلاف ذلك]، ولو كانت همتهم همة واحدة - لذهب المنافع والمعارف جميعاً، والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: المراد بالليل والنهار: الشمس والقمر، أي: جعلنا في الشمس والقمر؛ ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حيث قال: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، وحيث قال - أيضاً -: و ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ ، وإنما يعلم ذلك بالقمر؛ ألا ترى أنه قال - أيضاً -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً...
﴾ الآية [يونس: 5]، إنما أضاف معرفة عدد السنين والحساب إلى القمر؛ دلّ أنه بالقمر يعلم ذلك، وهو قول علي وابن عبّاس - م - وغيرهم من أهل التأويل؛ ويكون تأويل المحو الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ ﴾ - ما قالوا في محوه، وهو السواد الذي يرى فيه والنقصان الذي يكون فيه في آخره.
وقال بعضهم: محي منه تسعة وستون جزءاً من سبعين جزءاً، إلى هذا يذهب هؤلاء.
وأما الحسن وأبو بكر وهؤلاء، فهم يقولون: ليس في الآية ذكر الشمس والقمر، إنما ذكر الليل والنهار وأخبر أنه جعل آيتين؛ فهما كذلك آيتان، وبهما يعلم عدد السنين والحساب؛ لأنه بالأيام يعرف ذلك، فأمّا الشهور فإنه إنما تعرف بالقمر لا تعرف بالأيام؛ ويكون قول تأويل: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلنا آية الليل في الابتداء ممحوة مظلمة، وجعلنا آية النهار مبصرة مضيئة في الابتداء ليس أن كانا جميعاً مبصرتين مضيئتين ثم مُحِي آية الليل وأبقيت آية النهار مضيئة؛ ولكن إنشاء آية الليل في الابتداء [مظلمة، وإنشاء آية النهار في الابتداء] مبصرة، وهو كقوله: ﴿ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴾ ، أي: إنشاؤها في الابتداء كذلك، لا أن السماء كانت موضوعة فرفعها، و[لا] كذلك الجبال [كانت] مبسوطة ثمّ نصبها؛ ولكن إنشاءهما في الابتداء كذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلهما في الابتداء: هذا مظلماً ممحوّاً، وهذا مبصراً مضيئاً.
﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ : هما آيتان مختلفتان، بل متضادتان تضاد كل واحدة منهما صاحبتها؛ إذ كل واحدة تنسخ الأخرى حتى لا يبقى لها أثر، وهما آيتان دالتان على وحدانية الله ؛ لأنه لو كانا فِعْلَ عدد - لكان إذا أتى هذا على هذا وغلب عليه - منع من أن يكون للآخر سلطان أو أمر؛ فإذ لم يكن دلّ أنه صنعُ واحدٍ، وفيهما دلالة تدبيره؛ حيث جريا على سَنَنٍ واحد ومقدار واحد، على غير تفاوت يكون فيهما وتفاضل، أو تغير على ما كان ومضى؛ دل أنه عن تدبير خرجا وكانا كذلك.
وفيه دلالة علمه وحكمته لما جعل فيهما من المنافع ما لو كان اللّيل سرمداً ذهب منفعة الليل نفسه، ولو كان النهار سرمداً لذهب منفعة النهار رأساً.
وفيه دلالة البعث؛ لأنه يتلف أحدهما إذا جاء الآخر حتى لا يبقى [له] أثر بتة، ثم يعيده على ما كان من غير أن يعلم أنه غير الأوّل.
ثم قول ﴿ آيَتَيْنِ ﴾ ، والآية علامة، وعلامتهما لا تعرف إلا بالتأمل والنظر فيهما؛ فعلى ذلك [لا يفهم] مراد ما في القرآن والمعنى المودع فيه - إلا بالتأمّل والنظر فيه.
وفيهما دلالة نقض قول أصحاب الطبائع وأصحاب النجوم والدهرية وجميع الملاحدة: أمّا نقض قول أصحاب الطبائع: لما ذكرنا من اتساق مجراها على سنن واحد وأمر واحد، دلّ أنه بالتدبير صار كذلك لا بالطبع.
وأمّا نقض قول أصحاب النجوم [لما جعل النجوم] مسخرة لمنافع الخلق ومغلوبة يغلبها ضوء الشمس ونور القمر حتى لا ترى؛ دلّ أنه لا تدبير لها وأن التدبير لغيرها.
وعلى غيرهم من الملاحدة ما ذكرنا من اتصال منافع هذا بهذا ومنافع هذا بهذا، دلّ أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل الفضل الذي ذكر: الرزق والمعاش الذي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، ويحتمل أنواع فضل تكون في الدّين.
﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه بهما يعرف [عدد السنين والحساب].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ .
يحتمل التفصيل تفصيل آية من أخرى، أي: لم يجعلهما آية واحدة؛ على ما ذكر.
وقال الحسن: أي فصل بين ما أمر عباده ونهاهم، أي: بين وفصل ما يؤتى ممّا يُتَّقَى، و ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ : أي: فصله تفصيلاً لم يتركه مبهماً؛ بل بين غاية البيان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ : شقاوته وسعادته، ورزقه وعيشه.
وقال بعضهم: عمله الذي عمل من خير أو شر.
وقال بعضهم: حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه ونحو ذلك، فذلك كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إنما يسعد ويشقى بعمله الذي يعمله، وكذلك جزاء عمله؛ ولذلك قال الحسن في تأويل قوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ \[المؤمنون: 106\]، أي: بأعمالنا التي عملناها، ثم يخرج تسمية العمل وما ذكروا طائراً؛ لوجهين: أحدهما: على وجه التفاؤل والطيرة؛ كانوا يتفاءلون ويتطيرون بأشياء: بالطائر وغيره، ويقولون جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطيرة؛ فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم أعناقهم، وهو ما قال الله - -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ ، وقوله - أيضاً -: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ...
﴾ الآية [النمل: 47]، ونحوه.
والثاني: سمى الأعمال التي عملوها طائراً؛ لما أن الذي يتولّد منه تلك الأعمال كالطائر، وهو الهمة، أو لا يخطر بباله شيء؛ ففي الأخطار لا صنع له فيه، ثم يهمُّ، ثم تبعث الهمّة على الإرادة، ثم الإرادة تبعث على الطلب والعمل، فالهمة التي في النفس التي يتولد منها الأعمال كالطائر؛ فسماه لذلك باسمه، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون العنق كناية عن النفس، أي: ألزمناه نفسه، وذلك جائز؛ يقال: هذا لك عليّ وفي عنقي.
والثاني: ذكر العنق؛ كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص من عمل: قلّدتك هذا العمل وجعلته في عنقك، أي: تكون أنت المأخوذ به إثماً إن كان في ذلك شر، وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير.
والمعنى في قوله: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، أي: لا يؤخذ غيره بعمله وشقائه؛ ولكن هو المأخوذ به، وهو ما قال: ﴿ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ؛ هذه الآيات الثلاثة معناها واحد، وهو ما ذكرنا ألا يؤخذ غيره بعمل آخر، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس هي تحمل خطيئة نفسها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجعل ما لزم عنقه كتاباً يلقاه منشوراً.
والثاني: أي: يجعل بما ألزم عنقه كتاباً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .
قيل: شهيداً، وقيل: كافياً وحاسباً، وهو واحد: أن المؤمن بما سبق من صالحاته يقف فيها لا يقطع القول لرجائه في رحمته ولخوفه عن مساويه؛ فلا يشهد على نفسه بالعقوبة.
وأما الكفار فإنه يشهد على نفسه بالنار؛ لما لم يكن له ما يطمع رحمته.
وقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ ﴾ ، أي: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ ؛ فيقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .
وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان؛ لأنه لم يبين بأي لسان يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره؛ وقد ينسى الرجل عملاً يعمل في أدنى مدة، لكن هذا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملاً منه.
<div class="verse-tafsir"
ونقول له يومئذ: اقرأ -أيها الانسان- كتابك، وتولّ حساب نفسك على أعمالك، كفى بنفسك يوم القيامة محاسبًا لك.
<div class="verse-tafsir" id="91.920yY"