الآية ٥٨ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٥٨ من سورة الإسراء

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ( عذابا شديدا ) إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم كما قال عن الأمم الماضين ( وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ) [ هود 101 ] وقال تعالى ) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ) [ الطلاق 7 ، 8 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وما من قرية من القرى إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، فمبيدوهم استئصالا قبل يوم القيامة، أو معذّبوها، إما ببلاء من قتل بالسيف، أو غير ذلك من صنوف العذاب عذابا شديدا.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) فمبيدوها(أوْ مُعَذِّبُوهَا) بالقتل والبلاء، قال: كل قرية في الأرض سيصيبها بعض هذا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: سيصيبها هذا أو بعضه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا ) قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذّبوا رسله.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ) قال: مبيدوها.

حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها.

وقوله ( كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) يعني في الكتاب الذي كتب فيه كلّ ما هو كائن، وذلك اللوح المحفوظ.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) قال: في أمّ الكتاب، وقرأ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ويعني بقوله (مَسْطُورًا) مكتوبا مبينا، ومنه قول العجاج: واعْلَــمْ بـأنَّ ذَا الجَـلالِ قَـدْ قَـدَرْ فـي الكُـتُبِ الأولـى التـي كان سَطَرْ أمْرَكَ هذَا فاحْتَفِظْ فِيهِ النَّهَرْ (5) ------------------------ الهوامش: (5) هذه أبيات ثلاثة من مشطور الرجز للعجاج بن رؤبة من أرجوزة مطولة عدة أبياتها 229 بيتا يمدح بها عمر بن عبيد الله ابن معمر، (انظر ديوان العجاج صبع ليبسج سنة 1903 ص 15-21).

وفيه "الصحف" في موضع: "الكتب".

و (فاعلم) في موضع واعلم.

وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة (1: 383) وقال: مسطورا أي مبينا مكتوبا وفي روايته النتر بفتح النون والتاء.

وقال: النتر: الخديعة.

وفي (اللسان: نتر): والنتر بالتحريك: الفساد والضياع، قال العجاج: "واعلم...

إلخ" الأبيات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطوراقوله تعالى : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها أي مخربوها .قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب .

وقال ابن مسعود : إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكهم .

فقيل : المعنى وإن من قرية ظالمة ; يقوي ذلك قوله : وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون .

أي فليتق المشركون ، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها العذاب .كان ذلك في الكتاب أي في اللوح .مسطورا أي مكتوبا .

والسطر : الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر .

والسطر ( بالتحريك ) ، مثله .قال جرير :من شاء بايعته مالي وخلعته ما تكمل التيم في ديوانهم سطراالخلعة ( بضم الخاء ) : خيار المال .

والسطر جمعه أسطار ; مثل سبب وأسباب ، ثم يجمع على أساطير .

وجمع السطر أسطر وسطور ; مثل أفلس وفلوس .

والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ما من قرية من القرى المكذبة للرسل إلا لا بد أن يصيبهم هلاك قبل يوم القيامة أو عذاب شديد كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه، لا بد من وقوعه، فليبادر المكذبون بالإنابة إلى الله وتصديق رسله قبل أن تتم عليهم كلمة العذاب، ويحق عليهم القول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن من قرية ( وما من قرية ( إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ( أي : مخربوها ومهلكوا أهلها ( أو معذبوها عذابا شديدا ( بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا وقال مقاتل وغيره : مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق الكفار بأنواع العذاب .

قال عبد الله بن مسعود : إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها .

( كان ذلك في الكتاب ( في اللوح المحفوظ ( مسطورا ( مكتوبا .

قال عبادة بن الصامت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب؟

قال القدر وما كان وما هو كائن إلى الأبد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن» ما «من قرية» أريد أهلها «إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة» بالموت «أو معذبوها عذابا شديدا» بالقتل وغيره «كان ذلك في الكتاب» اللوح المحفوظ «مسطورا» مكتوبا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويتوعَّد الله الكفار بأنه ما من قريةٍ كافرة مكذبة للرسل إلا وسينزل بها عقابه بالهلاك في الدنيا قبل يوم القيامة أو بالعذاب الشديد لأهلها، كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه لا بد مِن وقوعه، وهو مسطور في اللوح المحفوظ.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الأمة الإِسلامية ، ورحمته بها ، فقال - تعالى - : ( وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ..

.

) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية آثارًا منها ما أخرجه الإِمام أحمد عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : " سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا ، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا .

فقيل له : إن شئت أن تستأنى بهم ، وإن شئت أن يأتيهم الذى سألوا .

فإن كفروا ، هلكوا كما أهلكتُ من كان قبلهم من الأمم .فقال صلى الله عليه وسلم : " لا .

.

بل استأنى بهم " ، وأنزل الله قوله : ( وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون .

.

.

) " .قال الآلوسى : والمنع لغة : كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ، ولاستحالة ذلك فى حقه - تعالى - لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا : إنه مستعار هنا للصرف والترك .

.

.

.وقوله : ( أن نرسل ) فى محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا ، أو فى محل جر ، على حذف الجار ، أى : من أن نرسل ، وقوله : ( إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ) فى محل رفع لأنه فاعل منعنا ، والتقدير : وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين .والمراد بالآيات : ما اقترحه المشركون على النبى صلى الله عليه وسلم من قلب الصفا ذهبا ، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها .

.

.والمعنى : وما كان سبب تركنا لإِجابة المقترحات التى طلبها المشركون منك - أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم ، كما كذب بأمثالها أشباههم الأولون ، وفى هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب الاستئصال كما جرت بذلك سنتنا .وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم - ، ألا نعذبهم عذاب الاستئصال والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة .قالوا : ومن الحكم فى هذا التأخير : الإِظهار لمزيد شرف النبى صلى الله عليه وسل ، كما قال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) والرعاية لشأن من سيولد من بعضهم من المؤمنين ، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين ، إلى غير ذلك من الحكم التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .قال صاحب الكشاف : استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة .

.

.

والمراد : الآيات التى اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء الموتى ، وغير ذلك .وعادة الله فى الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها .

ثم لم يؤمن ، أن يعاجل بعذاب الاستئصال .

فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، وقالوا : هذا سحر مبين ، كما يقولون فى غيرها .واستوجبوا العذاب المستأصل .

وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة .ثم ساق - سبحانه - مثالاً للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقترحوه ، ولكنهم لم يؤمنوا ، فأخذهم عذاب الاستئصال ، فقال - تعالى - : ( وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا ) .وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - ، وخصهم بالذكر ، لأنهم معروفون لأهل مكة أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشام .والناقة المراد بها : ناقة صالح - عليه السلام - التى طلبها قومه منه ، فأخرجها الله - تعالى - لهم لتكون معجزة له ، ولكنهم لم يؤمنوا به ، بل عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ، فأهلكهم الله - تعالى - بالصيحة التى جعلتهم فى دارهم جاثمين .وقوله ( مبصرة ) أى : معجزة واضحة ، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس .

.قال الجمل : " ( مبصرة ) بكسر الصاد - باتفاق السبعة ، والإِسناد مجازى .

أى : يبصرونها خارجة من الصخرة .

وقرئ شاذا بفتح الصاد .

ثم قال : وفى السمين : مبصرة حال .

وهو إسناد مجازى ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما كانت سببا فى الإِبصار نسب إليها ، والظاهر أن المراد الإِبصار المعنوى ، وهو الاهتداء بها ، والتوصل بها ، إلى تصديق نبيهم ، وعلى هذا تظهر السببية ، فإن وجودها سبب فى هذا المعنى .

.

.

" .وقال الآلوسى : " وقوله : ( مبصرة ) على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة ، والمراد : ذات إبصار ، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها ، فالصيغة للنسب .

.

.

.

" .والمعنى : لقد تركنا إجابة المطالب التى اقترحها قومك - يا محمد - ، رحمة بهم ، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا فى تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين .

فقد أجبنا قوم صالح - عليه السلام - إلى ما طلبوه من نبيهم ، بأن أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة فى الدلالة على صدقه ، فقابلوها بالتكذيب والجحود ، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها .قال - تعالى - : ( فَعَقَرُواْ الناقة وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ المرسلين فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) وقال - سبحانه - : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ) وقوله - سبحانه - : ( وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً ) تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم .والباء فى قوله ( بالآيات ) للملابسة ، ومفعول ، نرسل ، محذوف ، و ( تخويفًا ) مفعول لأجله .قال القرطبى قوله : " ( وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً ) فيه خمسة أقوال : الأول : العبر والمعجزات التى جعلها الله على أيدى الرسل ، من دلائل الإِنذار تخويفًا للمكذبين .

الثانى : أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصى .الثالث : أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك .

الرابع : القرآن ، الخامس : الموت الذريع " .والمعنى : وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا تخويفًا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها .

فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا  ﴾ بين أن كل قرية مع أهلها فلابد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب، وقيل: المراد من قوله: ﴿ وَإِن مّن قَرْيَةٍ ﴾ قرى الكفار، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين: إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال: ﴿ كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورًا ﴾ ومعناه ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أَوْ مُعَذّبُوهَا ﴾ بالقتل وأنواع العذاب.

وقيل: الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة.

وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف.

وأما خراسان فعذابها ضروب، ثم ذكرها بلداً بلداً ﴿ فِى الكتاب ﴾ في اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ.

﴿ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا ﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ.

﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

﴿ مَسْطُورًا ﴾ مَكْتُوبًا.

﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ.

﴿ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ ﴾ بِسُؤالِهِمْ.

﴿ مُبْصِرَةً ﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ.

﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها.

﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ.

﴿ إلا تَخْوِيفًا ﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة {كَانَ ذلك فِى الكتاب} في اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا} مكتوباً وعن مقاتل وجدت

الإسراء (٥٩)

في كتب الضحاك في تفسيرها أما مكة فيخربها الحبشة وتهلك المدنية بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف وأما خراسان فعذابها ضروب وأما بلخ فتصيبهم هدَّة فيهلك أهلها وأما بدخشان فيخربها أقوام وأماترمذ فأهلها يموتون بالطاعون وأما صغانيان الى واشجرد فيقتلون بقتل ذريع وأما سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلاً ذريعاً وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب وخوارزم وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطاً وجوعاً وأما مرو فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد وأما هراة فيمطرون بالحيات فتأكلهم أكلاً وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم وأما أرمينية وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف وأما همذان فالديلم يدخلها ويخربها وأما حلوان فيمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر فويل لأهلها ولأهل دمشق وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة ولا يدخل بيت المقدس وأما سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياماً ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما كرمان وأصبهان وفارس

فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت الأبدان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ لِأنَّ إنْ نافِيَةٌ ومِن زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ أيْ: وما مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى ﴿ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِإماتَةِ أهْلِها حَتْفَ أُنُوفِهِمْ ﴿ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا ﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلاءِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُقاتِلٍ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ قالَ: الهَلاكُ لِلصّالِحَةِ والعَذابُ لِلطّالِحَةِ، وقالَ أيْضًا: وجَدْتُ في كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِها: أما مَكَّةُ فَتُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلَكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بَلَدًا بَلَدًا.

ورُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تَخْرَبَ أرْمِينِيَّةُ، وأرْمِينِيَّةُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى حَتّى تَخْرَبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينِيَّةُ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزِّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنَ انْقِطاعِ النَّيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم ويَمْنَعُهُمُ الشُّرْبَ مِنَ الفُراتِ، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قِبَلِ العِراقِ، وخَرابُ الأُبُلَّةِ مِن عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ النَّبْتِ، وخَرابُ النَّبْتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِن قِبَلِ الجُوعِ.

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «آخِرُ قَرْيَةٍ مِن قُرى الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ»».

كَذا نَقَلَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وما في كِتابِ الضَّحّاكِ وكَذا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ لا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَقْبُولٌ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ النَّسائِيُّ، ورَواهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

ورَواهُ أبُو حَيّانَ بِلَفْظِ: ««آخِرُ قَرْيَةٍ في الإسْلامِ خَرابًا المَدِينَةُ»».

وفِي البُحُورِ الزّاخِرَةِ أنَّ سَبَبَ خَرابِها أنَّ بَعْضَ أهْلِها يَخْرُجُونَ مَعَ المَهْدِيِّ إلى الجِهادِ ثُمَّ تَرْجُفُ بِمُنافِقِيها وتَرْمِيهِمْ إلى الدَّجّالِ ويُهاجِرُ بَعْضُ المُخْلِصِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ إمامِهِمْ، ومَن بَقِيَ مِنهم تَقْبِضُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ رُوحَهُ فَتَبْقى خاوِيَةً، ويَأْبى كَوْنَها سَبَبُ خَرابِها الجُوعُ حَسْبَما سَمِعْتَ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ مُنَبِّهٍ، ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ: ««لَتُتْرَكَنَّ المَدِينَةُ عَلى خَيْرِ ما كانَتْ مُذَلَّلَةً ثِمارُها لا يَغْشاها إلّا العَوافِي الطَّيْرُ والسِّباعُ وآخِرُ مَن يُحْشَرُ راعِيانِ مِن مُزَيْنَةَ»».

الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ: ««المَدِينَةُ يَتْرُكُها أهْلُها وهي مُرْطِبَةٌ قالُوا: فَمَن يَأْكُلُها؟

قالَ: السِّباعُ والعَوافِي»».

وما ذُكِرَ مِن أنَّ مَكَّةَ تُخَرِّبُها الحَبَشَةُ ثابِتٌ.

فِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما لَكِنْ بِلَفْظِ: ««يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ»».

وفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: ««كَأنِّي أنْظُرُ إلى حَبَشِيٍّ أحْمَرَ السّاقَيْنِ أزْرَقَ العَيْنَيْنِ أفْطَسَ الأنْفِ كَبِيرِ البَطْنِ وقَدْ صَفَّ قَدَمَيْهِ عَلى الكَعْبَةِ هو وأصْحابٌ لَهُ يَنْقُضُونَها حَجَرًا حَجَرًا ويَتَداوَلُونَها بَيْنَهم حَتّى يَطْرَحُوها في البَحْرِ»».

وفِي حَدِيثِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَجِيءُ الحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ؛ أيِ البَيْتَ خَرابًا لا يُعَمَّرُ بَعْدَهُ أبَدًا.

نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: زَمَنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: حِينَ لا يَبْقى عَلى الأرْضِ مَن يَقُولُ: اللَّهُ.

وهو آخِرُ الآياتِ، ومالَ إلى ذَلِكَ السَّفارِينِيُّ، وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ في المَدِينَةِ مِنَ الأخْبارِ بِأنَّها آخِرُ قُرى الإسْلامِ خَرابًا يَقْتَضِي أنَّ خَرابَ مَكَّةَ قَبْلَها.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وما ذُكِرَ في خَبَرِ ابْنِ مُنَبِّهٍ مِن أنَّ مِصْرَ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ إنْ صَحَّ يَقْتَضِي أنَّ الكُوفَةَ تُعَمَّرُ ثُمَّ تُخَرَّبُ وإلّا فَهي قَدْ خَرِبَتْ مُنْذُ مِئاتٍ مِنَ السِّنِينَ وبَقِيَتْ إلى الآنِ خَرابًا، ومِصْرُ آمِنَةٌ عامِرَةٌ عَلى أحْسَنِ حالٍ اليَوْمَ وبِعِمارَتِها حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ جاءَتْ آثارٌ عَدِيدَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ الكُتُبَ المُؤَلَّفَةَ في أماراتِ السّاعَةِ وأخْبارِ المَهْدِيِّ والسُّفْيانِيِّ إلّا أنَّ في أكْثَرِها لِلْمُنَقِّرِ مَقالًا.

وزَعَمَ البُونِيُّ وأضْرابُهُ أنَّها تُعَمَّرُ في أواخِرِ القَرْنِ الثّالِثَ عَشَرَ وقَدْ أخَذُوا ذَلِكَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالهِنْدِيَّةِ ولا يَكادُ يُعَدُّ مِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ خَرابَ العِراقِ مِنَ الجُوعِ يَعُمُّ بَغْدادَ فَإنَّها قاعِدَتُهُ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ: رُوِيَ أنَّهُ  قالَ: ««تُبْنى مَدِينَةٌ بَيْنَ دِجْلَةَ ودُجَيْلَ وقُطْرُبُلَّ والصَّراةِ تُنْقَلُ إلَيْها الخَزائِنُ يُخْسَفُ بِها»».

يَعْنِي بَغْدادَ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ هَلاكَها بِالخَسْفِ لا بِالجُوعِ، لَكِنْ ذَكَرَ المُحَدِّثُونَ أنَّ في سَنَدِ الخَبَرِ مَجْهُولًا، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ مُعَذِّبُوها ﴾ إلَخْ مُقَيَّدٌ بِمِثْلِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ في الزَّمانِ القَرِيبِ مِنهُ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى وسَتَسْمَعُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ، وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن شَأْنِ البَعْثِ والتَّوْحِيدِ ما ذَكَرَ ذَكَرَ بَعْضَ ما يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ مِمّا يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ وفِيهِ تَأْيِيدٌ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَجِيءُ رِيحٌ بارِدَةٌ مِن قِبَلِ الشّامِ فَلا تُبْقِي عَلى وجْهِ الأرْضِ أحَدًا في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ إلّا قَبَضَتْهُ فَيَبْقى شِرارُ النّاسِ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ، وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ: ما يُصِيبُ النّاسَ قَبْلَ قِيامِها مِنَ العَذابِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «لَتَقْصِدَنَّكم نارٌ هي اليَوْمَ خامِدَةٌ في وادٍ يُقالُ لَهُ بَرَهُوتُ يَغْشى النّاسَ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ، تَأْكُلُ الأنْفُسَ والأمْوالَ تَدُورُ الدُّنْيا كُلَّها في ثَمانِيَةِ أيّامٍ تَطِيرُ طَيَرانَ الرِّيحِ والسَّحابِ، حَرُّها بِاللَّيْلِ أشَدُّ مِن حَرِّها بِالنَّهارِ، ولَها بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ القاصِفِ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسَلِيمَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ؟

قالَ: وأيْنَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ؟

النّاسُ يَوْمَئِذٍ شَرٌّ مِنَ الحُمُرِ يَتَسافَدُونَ كَما يَتَسافَدُ البَهائِمُ، ولَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ: مَهْ مَهْ،» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولا يَبْعُدُ بَعْدَ أنِ اعْتُبِرَ العُمُومُ في القَرْيَةِ حَمْلُ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الأخْبارُ مِن إماتَةِ المُؤْمِنِينَ بِالرِّيحِ وتَعْذِيبِ الباقِينَ مِن شَرارِ النّاسِ بِالنّارِ المَذْكُورَةِ، وصَحَّ أنَّها تَسُوقُهم إلى المَحْشَرِ ووَرَدَ أنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ وأنَّهُ تُلْقى الآفَةُ عَلى الظَّهْرِ حَتّى لا تَبْقى ذاتُ ظَهْرٍ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لِيُعْطى الحَدِيقَةَ المُعْجَبَةَ بِالشّارِفِ ذاتِ القَتَبِ لِيَفِرَّ عَلَيْها، وكَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ وقَدِ اعْتَمَدَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وصَوَّبَهُ القاضِي عِياضٌ وذَهَبَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ والخَطّابِيُّ وجاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ.

فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «سَتَخْرُجُ نارٌ مِن حَضْرَمَوْتَ أوْ مِن بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ تَحْشُرُ النّاسَ».

الحَدِيثَ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يُعَذَّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا، بَلْ في الآثارِ ما يَقْتَضِيهِ ﴿ كانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كَما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ وغَيْرِهِ ﴿ مَسْطُورًا ﴾ مَكْتُوبًا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا بُيِّنَ فِيهِ بِكَيْفِيّاتِهِ وأسْبابِهِ المُوجِبَةِ لَهُ ووَقْتِهِ المَضْرُوبِ لَهُ.

واسْتُشْكِلَ العُمُومُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَناهِي الأبْعادِ وقَدْ قامَتِ البَراهِينُ النَّقْلِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ بِالتَّخْصِيصِ بِأنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ النَّشْأةِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم بِالعُمُومِ إلّا أنَّهُ التَزَمَ كَوْنَ البَيانِ عَلى نَحْوٍ يَجْتَمِعُ مَعَ التَّناهِي فاللَّوْحُ المَحْفُوظُ في بَيانِهِ جَمِيعُ الأشْياءِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ وما كانَ وما يَكُونُ نَظِيرَ الجَفْرِ الجامِعِ في بَيانِهِ لِما يُبَيِّنُهُ، وقَدْ رَأيْتُ أنا صَحِيفَةً لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها ما يَقَعُ في أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ وأُخْرى ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها أسْماءَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ وأسْماءَ آبائِهِمْ وأُخْرى ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ مِنها الحَوادِثَ الَّتِي تَكُونُ في الجَنَّةِ، وقَبُولُ هَذِهِ الدَّعاوى ورَدُّها مُفَوَّضٌ إلَيْكَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الكِتابَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فَفي الكَلامِ تَجَوُّزٌ لا يَخْفى.

هَذا وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ المُرادَ ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ واخْتارَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وجَعَلَ الآيَةَ بَيانًا لِتَحَتُّمِ حُلُولِ عَذابِهِ تَعالى بِمَن لا يَحْذَرُهُ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ حَقِيقٌ بِالحَذَرِ وأنَّ أساطِينَ الخَلْقِ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ، وذُكِرَ أنَّ المَعْنى: ما مِن قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفّارِ إلّا نَحْنُ مُخَرِّبُوها البَتَّةَ بِالخَسْفِ بِها أوْ بِإهْلاكِ أهْلِها بِالمَرَّةِ لِما ارْتَكَبُوا مِن عَظائِمِ المُوبِقاتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِذَلِكَ أوْ مُعَذِّبُو أهْلِها عَذابًا شَدِيدًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةَ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ ونَحْوِهِما، والعُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ إطْلاقُ التَّعْذِيبِ عَمّا قُيِّدَ بِهِ الإهْلاكُ مِن قَبْلِيَّةِ يَوْمِ القِيامَةِ ولا يُخَصُّ بِالبَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ القُرى العاتِيَةِ العاصِيَةِ قَدْ أُخِّرَتْ عُقُوبَتُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ في وجْهِ الرَّبْطِ عَلى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى أنَّ الكَفَرَةَ المُخاطَبِينَ في بَلاءٍ وضُرٍّ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ذَلِكَ عَنْهم ولا تَحْوِيلَهُ، أشارَ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يُصِيبَ الكَفَرَةَ ولا يَمْلِكُ أحَدٌ كَشْفَهُ ولا تَحْوِيلَهُ عَنْهُمْ، وهَذا ظاهِرٌ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ البَعْضِ في سَبَبِ النُّزُولِ الَّذِي بِسَبَبِهِ فُسِّرَ الضُّرُّ بِالقَحْطِ فَتَأمَّلْ.

وفِي اخْتِيارِ صِيغَةِ الفاعِلِ في المَوْضِعَيْنِ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ ما فِيهِ، والتَّقْيِيدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ الإهْلاكَ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقُرى الكافِرَةِ ولا هو بِطْرِيقِ العُقُوبَةِ وإنَّما هو لِانْقِضاءِ عُمْرِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: إنَّ تَعْمِيمَ القَرْيَةِ لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ.

اه وفِيهِ تَأمُّلٌ.

ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَهُ عَلى ما سَبَقَ بِأنَّ فِيهِ حَمْلَ الإهْلاكِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ وهو ما يَكُونُ عَنْ عُقُوبَةٍ ولا كَذَلِكَ فِيما سَبَقَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ في مَقامِ التَّخْوِيفِ فِيما لَمْ يَكُنْ عَنْ عُقُوبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ قال ابن عباس: «يعني: نميت أهلها» .

أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً، يعني: بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق.

كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، أي: في الذكر الذي عند الله، وقال مجاهد: مُهْلِكُوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما كان من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك.

روى حماد بن سلمة، عن أبي العلاء، عن مكحول أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض أرمينية» .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض الشام» وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: «البصرة أسرع الأرضين خراباً وأخبثهم تراباً» .

عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة حمش الساقين، يهدمها حجراً حجراً» .

ثم قال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، وذلك أن قريشاً طلبوا من رسول الله  أن يأتيهم بآية، فنزل وَما مَنَعَنا أي ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عند ما سألوها.

إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات، فلم يؤمنوا، فأتاهم العذاب.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «سأل أهل مكة النبيّ  أن يجعل الصفا لهم ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نتخير منهم وإن شئت أن نريهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما هلك من كان قبلهم.

فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ» ، فنزل وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.

ثم قال: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، أي معاينة يبصرونها، ويقال: علامة لنبوته.

فَظَلَمُوا بِها، أي جحدوا بها فعقروها، فعذبوا.

فقال الله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً لهم ليؤمنوا، فإِن أَبَوا أتاهم العذاب.

قوله عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قال الكلبي: أحاط علمه بالناس، ويقال: هم في قبضته، أي قادر عليهم وقال قتادة: يعني: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله وقال السدي: معناه إن ربك مظهرك على الناس.

قال عز وجل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: «هي رؤيا عين أريها النبيّ  ليلة أسري به» .

وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ أي: ذكر الشجرة الملعونة في القرآن فتنة لهم، يعني: بلية لهم.

وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة والنّار تأكل الشجرة.

فصار ذلك فتنة لهم، يعني: بلية لهم.

ويقال: لما نزل إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ قالوا: هي التّمر والزبد.

فرجع أبو جهل إلى منزله، فقال لجاريته: زقمينا، وأمرها أن تأتي بالتمر والزبد، فخرج به إلى الناس وقال: كلوا فإِن محمداً يخوفكم بهذا، فصار ذكر الشجرة فتنة لهم، ثم يخوّفهم: بذكر شجرة الزقوم فذلك قوله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً، يعني: تمادياً في المعصية.

قال الكلبي: قوله وَالشَّجَرَةَ قال: هي شجرة الزقوم.

ثم قال: هي ليلة أسري به  مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، فنشر له الأنبياء كلهم، فصلى بهم، ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه، فذلك قوله: فِتْنَةً لِلنَّاسِ حين كذبه أهل مكة.

وقال عكرمة: أمَا إنَّهَا رؤيا عين يقظة ليست برؤيا منام.

وقال سعيد بن المسيب: أري النبيّ  بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له: إنّما هي دنيا يعطونها فقرَّت عينه فنزل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يعني: بني أمية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اللَّه المؤمنين فيما بينهم بُحْسن الأدب، وخَفْضِ الجناحِ، وإلانة القَوْلَ، واطِّراحِ نَزَعاتِ الشيطان، ومعنى النَّزْغُ: حركاتُ الشيطانِ بُسْرعة ليوجب فساداً، وعداوةُ الشيطان البيِّنة:

هي من قصة آدم عليه السلام، فما بعد، وقالَتْ فرقة: إِنما أمر اللَّه في هذه الآية المؤمنين بإِلانة القوْلِ للمشركين بمكَّة أيام المُهَادنة، ثم نُسِخَتْ بآية السيف.

وقوله سبحانه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ: يقوِّي هذا التأويل إِذ هو مخاطبةٌ لكفَّار مكَّة بدليل قوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا فكأن اللَّه عزَّ وجل أمر المؤمنين ألاَّ يخاشنوا الكُفَّار في الدين، ثم قال للكفَّار إِنه أعلم بهم ورجَّاهم وخوفهم، ومعنى يَرْحَمْكُمْ بالتوبة عليكم من الكُفْر قاله ابن جُرَيْج وغيره «١» .

وقوله سبحانه: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً قرأ الجمهور «٢» : «زَبُوراً» بفتح الزاي، وهو فَعُولٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وهو قليلٌ لم يَجِىءْ إلا في قَدُوعِ وَرَكُوبٍ وَحَلُوب، وقرأ حمزة «٣» :

بَضَمِّ الزاي قال قتادة: زبور دَاوُدَ مَواعظُ ودعاء، وليس فيه حلال ولا حرام «٤» .

وقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا هذه الآيةُ ليستُ في عبدة الأصنام، وإِنما هي في عَبَدَةِ مَنْ يعقل، كعيسَى وأمِّه وعُزَيْرٍ وغيرهم.

قاله ابن عباس «٥» ، فلا يملكُونَ كَشْفَ الضرِّ ولا تحويله، ثم أخبر تعالى،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها ﴾ ( إنْ ) بِمَعْنى ( ما )، والقَرْيَةُ الصّالِحَةُ هَلاكُها بِالمَوْتِ، والعاصِيَةُ بِالعَذابِ، والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُرِّ عنكم ولا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا ﴾ ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أو مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ الَّذِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يَقُولَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ، وإنَّما هم عَبَدَةُ مَن يَعْقِلُ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في عَبَدَةِ العُزَيْرِ والمَسِيحِ وأمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْزِ والمَسِيحِ وأُمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ: هي في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ شَياطِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  ، فَأسْلَمَ أُولَئِكَ الشَياطِينُ، و بَقِيَ عَبَدَتُهم يَعْبُدُونَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ].

فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ: ادْعُوا عِنْدَ الشَدائِدِ والضُرِّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ، فَإنَّهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَهُ ولا تَحْوِيلَهُ عنكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم -عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ-، أو أخْبَرَ النَبِيُّ  -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ يَطْلُبُونَ التَقَرُّبَ إلى اللهِ والتَزَلُّفَ إلَيْهِ، وأنَّ هَذِهِ حَقِيقَةَ حالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إلى رَبِّكَ".

والضَمِيرُ في "رَبِّهِمُ" لِلْمُتَّبَعِينَ أو لِلْجَمِيعِ.

و"الوَسِيلَةُ" هي القُرْبَةُ وسَبَبُ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، وتَوَسُّلُ الرَجُلِ إذا طُلِبَ الدُنُوِّ والنَيْلَ لِأمْرٍ ما، وقالَ عنتَرَةُ: إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكَ وسِيلَةٌ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَألَ اللهَ لِي الوَسِيلَةَ...

الحَدِيثُ"».

و"أيُّهُمُ" ابْتِداءٌ، و"أقْرَبُ" خَبَرُهُ، و"أُولَئِكَ" يُرادُ بِهِ المَعْبُودُونَ.

وهو ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "يَبْتَغُونَ" والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِلْكُفّارِ، وفي "يَبْتَغُونَ" لِلْمَعْبُودِينَ، والتَقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَكْدُهم أيُّهم أقْرَبُ، وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثِ الرايَةِ بِخَيْبَرٍ: "فَباتَ الناسُ يُدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها"، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ، وطَفَّفَ الزَجّاجُ في هَذا المَوْضِعِ فَتَأمَّلْهُ.

وَقالَ ابْنُ فَوْرِكِ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ راجِعٌ إلى النَبِيِّينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، و"يَدْعُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ الدُعاءِ بِمَعْنى الطَلَبَةِ إلى اللهِ تَعالى، والضَمائِرُ لَهم في "يَدْعُونَ" وفي "يَبْتَغُونَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ مَدِينَةٌ مِنَ المُدُنِ إلّا هي هالِكَةٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِالمَوْتِ والفَناءِ، هَذا مَعَ السَلامَةِ وأخَذَها جُزْءًا، أو هي مُعَذَّبَةٌ مَأْخُوذَةٌ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، فَهَذا عُمُومٌ في كُلِّ مَدِينَةٍ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، [والتَقْدِيرُ] وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ وُجِدَ في كِتابِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِقْراءُ البِلادِ المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ، وذَكَرَ لِهَلاكِ كُلِّ قُطْرٍ مِنها صِفَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ عنوَهْبِ بْنِ مُنَبَّهَ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وتَرَكَتْ سائِرَها لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، والمَعْلُومُ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ تَهْلَكُ إمّا مِن جِهَةِ القُحُوطِ والخَسْفِ غَرَقًا، وإمّا مِن جِهَةِ الفِتَنِ، أو مِنهُما، وصِوَرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ تَعالى، فَأمّا ما هَلَكَ بِالفِتْنَةِ فَمِن ظُلْمٍ ولا بُدَّ، إمّا في كُفْرٍ أو مَعاصٍ أو تَقْصِيرٍ في دِفاعٍ، وأمّا القَحْطُ فَيُصِيبُ اللهُ بِهِ مَن يَشاءُ وكَذَلِكَ الخَسْفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُهْلِكُوها" الضَمِيرُ لَها وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الأهْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو مُعَذِّبُوها ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُ إلّا الأهْلُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرِيدُ: في سابِقِ القَضاءِ وما خَطَّهُ القَلَمُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ.

و"المَسْطُورُ": المَكْتُوبُ أسْطارًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ العِبارَةُ في "مَنعِنا" هي عَلى ظاهِرِ ما تَفْهَمُ العَرَبُ، فَسَمّى سَبْقَ قَضائِهِ بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ وتَعْذِيبِهِ مَنعًا.

و"أنِ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ، والتَقْدِيرُ: وما مَنَعْنا الإرْسالَ إلّا التَكْذِيبُ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  أنْ يُجْعَلَ لَهُمُ الصَفا ذَهَبا، واقْتَرَحَ بَعْضُهم أنْ يُزِيلَ عنهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا الأرْضَ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ  : إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَإنْ تَأخَّرُوا عَنِ الإيمانِ عاجَلَتْهُمُ العُقُوبَةُ، وإنْ شِئْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ، عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبُّ"، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا الاسْتِيناءُ؛ إذْ أنَّهُ قَدْ سَلَفَتْ عادَتُهُ بِمُعاجَلَةِ الأُمَمِ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

قالَ الزَجّاجُ: أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَوْعِدَ كَفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ الساعَةُ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَنْظُرُ إلى ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ ثَمُودَ احْتِجاجًا إنَّ قالَ مِنهم قائِلٌ: نَحْنُ كُنّا نُؤْمِنُ لَوْ جاءَتْنا آيَةٌ اقْتَرَحْناها ولا نَكْفُرُ بِوَجْهٍ، فَذِكْرَ اللهُ تَعالى ثَمُودَ، بِمَعْنى: لا تَأْمَنُونَ أنْ تَظْلِمُوا بِالآيَةِ كَما ظَلَمَتْ ثَمُودُ بِالناقَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَمُودَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودًا) في كُلِّ وجْهٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقِراءاتِ "ثَمُودَ" في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةُ مُواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً  ﴾ ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ مِمَّنْ يَنْظُرُ، وهَذا عِبارَةٌ عن بَيانِ أمْرِها ووُضُوحِ إعْجازِها.

وقَرَأ قَوْمٌ: "مُبْصَرَةً" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الصادِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، ومَعْناهُ: مُتَبَيَّنَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَبْصَرَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ البَصَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عنتَرَةَ: والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ ، أيْ: وضَعُوا الفِعْلَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، أيْ: بِعَقْرِها، وقِيلَ: بِالكُفْرِ في أمْرِها.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُرْسِلُ بِالآياتِ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ فَمِن ذَلِكَ الكُسُوفُ والرَعْدُ والزَلْزَلَةُ وقَوْسُ قُزَحٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.

قالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَرِيعُ، ورُوِيَ أنَّ الكُوفَةَ رَجَفَتْ في مُدَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: أيُّها الناسُ، إنَّ رَبَّكم يَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ، ومِن هَذا «قَوْلِ النَبِيِّ  في الكُسُوفِ: "فافْزَعُوا إلى الصَلاةِ"» الحَدِيثُ، وآياتُ اللهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامٍ: فَقِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ؛ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً، وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ غِبًّا كالرَعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوَهُ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُبُوَّةِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ بِهِ تَوَهَّما لِما سَلَفَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما عرضَ بالتهديد للمشركين في قوله: ﴿ إن عذاب ربك كان محذورا ﴾ [الإسراء: 57]، وتحداهم بقوله: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ﴾ [الإسراء: 56] جاء بصريح التهديد على مسمع منهم بأن كل قرية مثل قريتهم في الشرك لا يعدوها عذاب الاستيصال وهو يأتي على القرية وأهلها، أو عذاب الانتقام بالسيف والذل والأسر والخوف والجوع وهو يأتي على أهل القرية مثل صرعى بدر، كل ذلك في الدنيا.

فالمراد: القرى الكافرُ أهلُها لقوله تعالى: ﴿ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ في سورة [هود: 117]، وقوله: ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ في سورة [القصص: 59].

وحذف الصفة في مثل هذا معروف كقوله تعالى: ﴿ يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79] أي كل سفينة صالحة، بقرينة قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ [الكهف: 79].

وليس المقصود شمول ذلك القرى المؤمنة، على معنى أن لا بد للقرى من زوال وفناء في سنة الله في هذا العالم، لأن ذلك معارض لآيات أخرى، ولأنه مناف لغرض تحذير المشركين من الاستمرار على الشرك.

فلو سلمنا أن هذا الحكم لا تنفلت منه قرية من القرى بحكم سنّة الله في مصير كل حادث إلى الفناء لما سلمنا أن في ذكر ذلك هنا فائدة.

والتقييد بكونه قبل يوم القيامة } زيادة في الإنذار والوعيد، كقوله: ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ [طه: 127].

و (من] مزيدة بعد (إنْ) النافية لتأكيد استغراق مدخولها باعتبار الصفة المقدرة، أي جميع القرى الكافرة كيلا يحسب أهلُ مكة عدم شمولهم.

والكتاب: مستعار لعلم الله وسابق تقديره، فتعريفه للعهد؛ أو أريد به الكتب المنزلة على الأنبياء، فتعريفه للجنس فيشمل القرآن وغيره.

والمسطور: المكتوب، يقال: سطر الكتاب إذا كتبه سطوراً، قال تعالى: ﴿ والقلم وما يسطرون ﴾ [القلم: 1].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الآياتِ مُعْجِزاتُ الرُّسُلِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ.

الثّانِي: أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي.

الثّالِثُ: أنَّها تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى مَشِيبٍ، لِتَعْتَبِرَ بِتَقَلُّبِ أحْوالِكَ فَتَخافُ عاقِبَةَ أمْرِكَ، وهَذا قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ قال: مبيدوها أو معذبوها.

قال: بالقتل والبلاء كل قرية في الأرض سيصيبها بعض هذا.

وأخرج ابن جرير من طريق سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله رضي الله عنه قال: إذا ظهر الزنا، والربا في قرية، أذن الله في هلاكها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿ كان ذلك في كتاب مسطوراً ﴾ قال: في اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ الآية.

قال مجاهد: كل قرية في الأرض سيصيبها بعضُ هذا (١) ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  ﴾ ، وإما أن يهلكها بعذاب مُستأصِل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله (٢) وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها (٣) وقال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب (٤) وقال ابن عباس في هذه الآية: فَهَلْكُ أهلها قبل يوم القيامة أو يعذبهم مثل ما فعل بأهل مكة؛ عذبهم بالجوع حتى أكلوا العلهز (٥) ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ قال: يريد مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

وقال أبو إسحاق: أي ما من أهل قرية إلا سَيُهلك (٦) (٧) (١) "تفسير مجاهد" 1/ 364 بنصه، أخرجه "الطبري" 15/ 106 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274 بنحوه.

(٢) أخرجه "الطبري" 15/ 107 بنصه.

(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 107 بنصه عن عبد الرحمن بن عبد الله، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 252، و"القرطبي" 10/ 280، و"الخازن" 3/ 168.

(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 216 أ، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه.

(٥) العلهز: هو الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه والقراد: دويبة متطفلة انظر: "تفسير الطبري" 14/ 186 - 187.

(٦) في المصدر: (سيهلكون) مراعاة لمعنى ما، أما الواحدي فقد راعى لفظها.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة ﴾ يحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما أن يكون بالموت والفناء الذي لابد منه، والآخر: أن يكون بأمر من الله يأخذ المدينة دفعة فيهلكها، وهذا أظهر، لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به، والهلاك والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل القرى أي مهلكو أهلها أو معذبوهم، وروي أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالترك، والأندلس بالخيل، وسئل الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة، فقال: أصابها العذاب يومَ قتل الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغيرها بأخذ الروم لها ﴿ فِي الكتاب مَسْطُوراً ﴾ يعني اللوح المحفوظ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.

﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.

الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.

﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.

ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.

وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي  ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.

والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.

وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.

عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.

ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.

وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.

قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.

وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.

ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال {  وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.

ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.

قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.

وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.

وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.

وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد  فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.

وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.

وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.

واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله  وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه  حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.

ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته  بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.

ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله  إذا قرأ القرآن عليهم.

يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.

وعن أسماء.

كان رسول الله  جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول  وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.

فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.

فتلا رسول الله  هذه الآيات.

فجاءت وما رأت رسول الله  .

وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.

وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول  ويسمعون حديثه.

فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.

وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.

وقال أبو جهل: هو مجنون.

وقال أبو لهب: كاهن.

وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.

وكان رسول الله  إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ .

وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.

وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".

وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي  وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.

وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه  يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.

والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم  ﴾ الآية.

على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا  ﴾ .

وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.

وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.

وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.

ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال  : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.

قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.

وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.

وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.

وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.

قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.

﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.

وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.

وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.

وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟

فأجاب الله  عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟

فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.

أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .

فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.

وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.

وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.

وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.

وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.

وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.

ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.

ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.

قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.

قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.

لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.

قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.

يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.

والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.

وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.

وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.

وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.

وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.

وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.

ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.

ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.

ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.

والهداية إلى الله.

وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.

وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.

وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.

ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.

ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.

ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.

وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله  فنزلت.

وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.

وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله  إلا بمزية إيتاء الكتاب.

وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً  خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  ﴾ أي محمد وأمته.

ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.

والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.

وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.

ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.

وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.

قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.

وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.

سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟

فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.

جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.

على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله  .

يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله  وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.

رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي  : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.

وقد جرب فوجد كذلك.

ثم إنه  أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله  في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟

والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.

وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.

واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله  قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟

وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.

ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.

وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.

ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.

عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.

وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي  من الله  ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.

فقال الرسول  : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.

والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله  به عادته.

والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.

ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.

وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.

عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله  لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.

أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.

الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.

وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله  أنا ندخل البيت فنطوف به.

فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.

فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله  : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق  ﴾ .

الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله  رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.

الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.

ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.

والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.

قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.

قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.

والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله  هذه الآية.

ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين  ﴾ .

ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.

وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.

وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.

وقيل: هي الشيطان.

وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟

جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.

ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.

ثم ذكر سبباً آخر في أنه  لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.

التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء  ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان  ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي  وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.

﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.

قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.

وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.

لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.

﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.

﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي  على داود كفضل القرآن على الزبور.

﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي  في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ .

وفي سورة سبأ: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...

﴾ الآية [سبأ: 22]، فيشبه أن يكون الآية عندما نزل بهم البلايا والشدائد على ما قاله أهل التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك عنهم من الذين يعبدون [من دون الله]، فيقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة دونه يكشفوا عنكم ما نزل بكم.

ويشبه أن يكون لا على نازلة؛ ولكن على تبيين سفه أولئك، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ : أخبر أن ليس لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن عبادتهم إياها لا تقربهم إلى الله زلفى، كقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ : أخبر أنهم لا يملكون ما يطعمون بعبادتهم إياها.

أو أن يذكر هذا؛ لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضرّ عنهم ودفعه، أو جر نفع إليهم وسوق خير، على ما أخبر أنه لا يملك ذلك أحد سواه كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ...

﴾ الآية [فاطر: 2]، وقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 17]: أخبر أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكها، ولو أمسك هو لا يملك أحد إرسالها دونه، ولو مسّ ضرّ لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيراً لا يملك أحد دفعه ورده.

هذا يذكر - والله أعلم - للمسلمين؛ لئلا يرجوا أحداً من الخلائق دون الله ولا يخافوا أحداً سواه.

ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود دون الله: الملائكة والجنّ والأصنام التي عبدوها.

وأمّا الآية الثانية التي تتلوها ظاهرها في الملائكة والجن، وهو قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .

أي: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...

﴾ الآية [الإسراء: 57]: اختلف فيه: منهم من صرفها إلى الملائكة.

ومنهم من صرفها إلى الجنّ، وهو قول عبد الله بن مسعود -  - يقول: إن قوماً من العرب كانوا يعبدون الجن، ثمّ أسلم الجنّ، فبقي أولئك [كما] كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم؛ فيقول: أولئك الذين [يعبدون من دون الله] يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ فكيف تعبدونهم؟!

ومن قال: إنها في الملائكة - اختلفوا في قوله: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : قال الحسن: يرجون محبته ورضاه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ ، أي: خوف الهيبة والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته؛ لأن الله -  - عصمهم من أن يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب؛ حيث قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ ، وقال في قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ : هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم ما ذكر ليس على أن يقول أحد منهم ذلك.

وقال أبو بكر: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ : ثوابه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : نقمته؛ حيث قال: فهم من الوعيد ما قال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ فقد أثبت لهم الوعيد فيه، لكن ثوابه ما يتلذذ به وعذابه ما يتألم به ويتوجع.

ومنهم من يقول من أهل التأويل ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ ، أي: جنته، لكن هذا يشبه أن يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة؛ كقوله: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ...

﴾ الآية [الرعد: 23-24].

وجائز عندنا صرف قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ إلى الأصنام التي عبدوها من دونه أيضاً، ويكون تأويل: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يبتغون، أي: لو لم يكن لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابها لكانوا كما ذكر، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ  ﴾ ، أي: لو مكن له وركب فيه ما ركب في البشر ومكن لهم ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ على ما ذكر من سفه أولئك الذين عبدوا [من] دون الله؛ يقول: كيف تعبدون من لو مكن من العبادة والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم؟!

أو كيف تعبدون من هو بطاعة ربه يبتغي الوسيلة إليه؟!؛ إن كانت الآية في الملائكة؛ كأنه يذكر سفه أهل مكة؛ حيث سألوا العذاب بقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً...

﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحوه، وأهل السماء والأرض جميعاً يحذرون عذابه.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ ﴾ ما ذكر: ليس هو بأمر في الحقيقة، وإن كان ظاهره أمراً؛ ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه، وتعجيز ما ذكر من كشف الضرّ ودفعه والتحويل، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الإسراء: 50]: ليس هو بأمر؛ إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ ﴾ ، أي: دفعه وردّه، ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: فلا يملكون تحويل ذلك الضرّ إلى غيركم ولا صرفه.

والثاني: ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر [والأهون].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ﴾ .

أي: يحذره أهل السماء و [أهل] الأرض.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: وإن من قرية إلا نحن مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في موضع الموت؛ كقوله: ﴿ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ  ﴾ ، أي: مات، ويقال - أيضاً -: هلك فلان، أي: مات، فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ \[أي\]: مميتوها ﴿ قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ .

﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا ﴾ ، أي: منتقموها ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ؛ فعلى تأويله يصحّ على جميع القرى والمدن، ليس قرية دون قرية، ولا مدينة دون مدينة؛ ولكن على الكل على ما أخبر من إهلاك الكل بقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ .

ويحتمل ما ذكر من إهلاك القرية: إهلاك الأهل؛ من إهلاك القرية بعد إهلاكهم؛ على ما فعل بكثير من القرى.

وجائز أن يكون يهلك الأهل ويبقي القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل يوم القيامة، والله أعلم.

وعلى تأويل أبي بكر يفعل ذا أو ذا: إمّا يميتهم [موتا] بآجالهم، أو يعذبهم عذاب إهلاك.

وقال الحسن: قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: مميتوها؛ على ما قال أبو بكر؛ ﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : يقول: إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...

﴾ الآية [الزمر: 68]، وقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ...

﴾ الآية [الحج: 1]؛ فذلك كله قبل يوم القيامة، وهو يقول: إن الساعة تقوم على شرار الناس؛ فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين تقوم بهم الساعة على قوله.

وقال قتادة: هذا قضاء من الله كما تسمعه ليس منه بدّ: إمّا أن يهلكها بموت؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وإمّا أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام.

وقال بعضهم: يميت [أهل] القرية [الصالحة] بآجالهم، وأمّا القرية الظالمة فيأخذها بالعذاب الذي ذكر؛ فهو في القرون الماضية إن احتمل ذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وهو أن يهلك رؤساء الكفرة وقادتهم؛ فيصير الدّين كله ديناً واحداً، وهو الإسلام؛ على ما قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  ﴾ قالوا: هو أن يهلك أهل الكفر؛ فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام؛ فذلك نقصانها من أطرافها: لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة؛ حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام، وهو ما روي عن نبي الله  أنه قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَهَا ومَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوي لِي مِنْهَا" ، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: نهلك أهل الكفر.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه الأرض، ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ولا ارتفاع، حيث قال: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ...

﴾ الآية [طه: 105]، وقال: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً...

﴾ الآية [الواقعة: 5] أخبر أنه لا يبقي عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ؛ فذلك إهكلاكها وتعذيبها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .

قال بعضهم: كان ذلك في الكتاب الذي عند الله - وهو اللّوح المحفوظ - مكتوباً.

وقال بعضهم: كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوباً، أي: ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ ، و ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ , مسطوراً، والله أعلم.

وقوله عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .

أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال الآيات إلا تكذيب الأوّلين بها.

فإن قيل: فأي شيء فيما يكذب الأولون بالآيات؛ ما يمنع إنزالها على هؤلاء؟

قيل: كأنه على الإضمار، أي: ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأوّلون.

فإن قيل: عن هذا يسأل: أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم لم يمنع علمه بتكذيب الأولين إياها إنزالها كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ذلك؟!

أو ليس قد أرسل الرسول، وأنزل الكتاب على علم منه أنهم يكذبون الرسول والكتاب، ثم لم يمنع علمه بذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول؟!

فكيف منع علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول [والكتاب] على بعث الرسول وإنزال الكتاب؟!

قيل: إنه قد مضى من سنته أنه إذا أنزل الآيات على أثر السؤال - أعني: سؤال الآيات - فكذبوها أهلكهم؛ هكذا مضت سنته في القرون الماضية، ثم قد سبق من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدّنيا؛ رحمة منه وفضلاً على ما أخبر رسوله؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، فرحمته أن منّ عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم في الدنيا واستئصالهم؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ما سبق من وعدنا ورحمتنا: ألا نهلك هذه الأمّة إهلاك استئصال وتعذيب، فذلك الوعد والرحمة الّذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منّا أنهم يكذبونها إذا أرسلنا إليهم، وقد مضت السنّة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على أثر سؤالهم إياها ثم التكذيب من بعد، ثم قد سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا إهلاك تعذيب؛ رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين.

وأصله: أن الله - عزّ وجلّ - قد أنزل الآيات والحجج [على إثبات رسالة الرسل آيات كافية، وحججاً تامة ما لم يقع لهم الحاجة إلى غيرها من الآيات والحجج]، فما سألوا من الآيات والحجج من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال استرشاد واستهداء، فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت - أهلكوا إذا كذبوها، ولم ينظروا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ  ﴾ ، ونحوه؛ ألا ترى أن عيسى -  - سألوه أن يسأل ربّه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لتكون لهم آية منه؛ فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم، ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد؛ فقال: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ الآية [المائدة: 115].

هكذا كانت سننه فيمن سأل الآيات سؤال تعنت وعناد.

وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على أثر السؤال وإهلاك هذه الأمة: ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد نبيهم، وإبقاء التناسل إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ .

قيل: آية لرسالة صالح.

وقال بعضهم: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: معاينة يعاينونها أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً  ﴾ .

﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ ، أي: كذبوا بها وجحدوها ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها وعاينوها خلافاً لنوقهم، خارجة عن نوق البشر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ .

قال ابن عباس والحسن وغيرهما: الموت الذريع، أي: السريع.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للناس؛ فإن لم يؤمنوا بها عذبوا في الدنيا.

أو يقول: وما نزل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت فكذبوها - ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للهلاك، على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ ﴾ : على أثر السؤال بها ثم التكذيب لها، ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ لمن تأخر ممن سأل مثلها فكذب [بها]، أو كلام نحوه.

ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا تخويفاً للناس، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ .

أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة: أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ  ﴾ ، أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم.

والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً  ﴾ ، أي: عالماً، وقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ  ﴾ ، أي: لا يعلمون.

والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضاً، فذلك لا يحتمل في الله  وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم بهم، أو القدرة عليهم والغلبة.

ثم قوله: ﴿ أَحَاطَ ﴾ \[اختلف فيه\]: قال بعضهم: أحاط بأعمالهم [بما لهم]، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون برسول الله  ؛ يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ فيقول ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ ، أي: قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك بعثك رسولاً إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم ويمنعك [عنهم]؛ حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً...

﴾ الآية [الجن: 27].

كان - عزّ وجلّ - يبعث الرسل ويكلّفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من قومهم من المنع والمكر برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ بالعلم والقدوة والغلبة عليهم، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ - ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه روي عنه  أنه قال: "تَنَامُ عَيْنَاي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" ، فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم.

قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي الله  رأى قوماً على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالاً؛ فذلك فتنة لهم.

وقال بعضهم: إنه أري رسول الله  في المنام كأنه يدخل المسجد الحرام آمناً، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر، لكنّه لم يبيّن له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمناً، وهو ما قال: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الفتح: 27].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر [من الآيات، لا يتوهم، مثل ذلك بتعليم بشر]، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ .

أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القران - أيضاً - فتنة لهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ...

﴾ الآية [الصافات: 63-64].

ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصّة: أنهم قالوا: إن محمّداً يقول: إنّ في النّار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، وهي تأكلها؟

ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار.

ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟!

فيدعون بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: إن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة - أيضاً - كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله وتكذيبه.

وسماها ﴿ ٱلْمَلْعُونَةَ ﴾ قال بعضهم: إن العرب سمت كل ضارّ مؤذ ملعوناً؛ فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية.

قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك هذا.

وأصل اللّعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ : أضاف الإضلال إلى الأصنام [والأصنام]، لا صنع لها في ذلك؛ لكن كثيراً من الناس ضلّوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، أي: اغتروا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ ، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحديد: 22]، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم بما ذكرنا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ﴾ [هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ فزادهم ما ذكر].

لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء فزادهم ما ذكر، وأما أهل الإسلام فزاد لهم إيماناً وهدى؛ لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما من قرية أو مدينة إلا نحن منزلون بها العذاب والهلاك في الحياة الدنيا بسبب كفرها، أو مبتلوها بعقاب قوي بالقتل أو غيره بسبب كفرها، كان ذلك الإهلاك والعذاب قضاء إلهيًّا مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

من فوائد الآيات القول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح، فإنَّ من ملك لسانه ملك جميع أمره.

فاضل الله بين الأنبياء بعضهم على بعض عن علم منه وحكمة.

الله لا يريد بعباده إلا ما هو الخير، ولا يأمرهم إلا بما فيه مصلحتهم.

علامة محبة الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله، وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.wRjy2"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده