تفسير الآية ١٤ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ١٤ من سورة مريم

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا ) لما ذكر تعالى طاعته لربه ، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى ، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ، ومجانبته عقوقهما ، قولا وفعلا وأمرا ونهيا; ولهذا قال : ( ولم يكن جبارا عصيا )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وكان برّا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما ، غير عاقّ بهما(وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) يقول جلّ ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نُهِي عنه، لا يَعْصِي ربه، ولا والديه.

وقوله (عَصِيًّا) فعيل بمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عَصَى فلان ربه، فهو يعصيه عصيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وبرا بوالديه البر بمعنى البار وهو الكثير البر .

و جبارا متكبرا .

وهذا وصف ليحيى - عليه السلام - بلين الجانب وخفض الجناح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ و ْ} كان أيضا { بَرًّا بِوَالِدَيْهِ ْ} أي: لم يكن عاقا، ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل.{ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ْ} أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا، مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وبرا بوالديه ) أي : بارا لطيفا بهما محسنا إليهما .

( ولم يكن جبارا عصيا ) و " الجبار " : المتكبر ، وقيل : " الجبار " : الذي يضرب ويقتل على الغضب ، و " العصي " : العاصي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وبرّا بوالديه» أي: محسنا إليهما «ولم يكن جبارا» متكبرا «عصيا» عاصيا لربه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكان بارًّا بوالديه مطيعًا لهما، ولم يكن متكبرًا عن طاعة ربه، ولا عن طاعة والديه، ولا عاصيًا لربه، ولا لوالديه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال : ( وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ) أى : وجعلناه كثير البر بوالديه ، والإحسان إليهما .( وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ) أى : مستكبرا متعاليا مغرورا ( عَصِيّاً ) أى : ولم يكن ذا معصية ومخالفة لأمر ربه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب ﴾ قيل كان له موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم، وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى إليهم.

المسألة الثانية: لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن الكلام كان ممتنعاً عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى له بالإجابة، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا  ﴾ والرمز لا يكون كناية للكلام.

المسألة الثالثة: اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في اللغة يقال: سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة الضحى: إني لأسبحها أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حنانا ﴾ رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفاً وشفقة.

أنشد سيبويه: وَقَالَتْ حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ ههُنَا ** أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالحَيِّ عَارِفُ وقيل: حنانا من الله عليه.

وحنّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله ﴿ حنان ﴾ كما قيل: (رحيم) على سبيل الاستعارة.

والزكاة: الطهارة، وقيل الصدقة، أي: يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا يَحْيى ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ.

﴿ خُذِ الكِتابَ ﴾ التَّوْراةَ.

﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بِجِدٍّ واسْتِظْهارٍ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ يَعْنِي الحِكْمَةَ وفَهْمَ التَّوْراةِ، وقِيلَ النُّبُوَّةُ أحْكَمَ اللَّهُ عَقْلَهُ في صِباهُ واسْتَنْبَأهُ.

﴿ وَحَنانًا مِن لَدُنّا ﴾ ورَحْمَةً مِنّا عَلَيْهِ أوْ رَحْمَةً وتَعَطُّفًا في قَلْبِهِ عَلى أبَوَيْهِ وغَيْرِهِما عُطِفَ عَلى ﴿ الحُكْمَ ﴾ .

﴿ وَزَكاةً ﴾ وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ أوْ صَدَقَةً أيْ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهِ عَلى أبَوَيْهِ، أوْ مَكَّنَهُ ووَفَّقَهُ لِلتَّصَدُّقِ عَلى النّاسِ.

﴿ وَكانَ تَقِيًّا ﴾ مُطِيعًا مُتَجَنِّبًا عَنِ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَبَرّا بوالديه} وباراً بهما لا يعصيهما {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} متكبراً {عَصِيّاً} عاصياً لربه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ﴾ كَثِيرَ البِرِّ بِهِما والإحْسانِ إلَيْهِما والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ كانَ وقِيلَ هو مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، والمُرادُ وجَعَلْناهُ بَرًّا وهو يُناسِبُ نَظِيرَهُ حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ وابْنُ نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ ( وبَرًّا ) في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ الباءِ أيْ وذا بَرٍّ ﴿ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا ﴾ مُتَكَبِّرًا مُتَعالِيًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ أوْ مُتَطاوِلًا عَلى الخَلْقِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ ويَضْرِبُ عَلى الغَضَبِ.

وقالَ الرّاغِبُ: هو في صِفَةِ الإنْسانِ يُقالُ لِمَن يُجْبِرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعاءِ مَنزِلَةٍ مِنَ التَّعالِي لا يَسْتَحِقُّها.

(عَصِيًّا) مُخالِفًا أمْرَ مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: عاقًّا لِأبَوَيْهِ وهو فَعَوْلٌ وقِيلَ فَعِيلٌ، والمُرادُ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ لا نَفْيُ المُبالَغَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى، يعني: أوحى الله تعالى وأرسل إليه جبريل، وأن جبريل  أدى إليه الرسالة من الله عز وجل.

قال الله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ وقد بيَّن ذلك في سورة آل عمران فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [آل عمران: 39] .

ثم قال: هنا: بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، يعني: لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً يسمى يحيى، ويقال: لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم، ويقال: لم يكن بذلك الاسم في زمانه أحد، وإنما سمي يحيى: لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها.

ويقال: لأنه حي به المجالس، ويقال: لأنه حيي به عقر أمه، ويقال لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي نظيراً ومثالاً.

قرأ حمزة نبشرك بنصب النون وجزم الباء وضم الشين بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين نُبَشِّرُكَ.

فقال زكريا عند ذلك لجبريل  : قالَ رَبِّ، يقول: يا سيدي أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟

ويقال: إنما قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى، فقال: يا رب من أين يكون لي ولد؟

وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً من الولد، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، يقول: تحول العظم مني يابساً، ومنه يقال: قلب عات، إذا كان قاسي القلب غير لين، ويقال لكل شيء انتهى: فقد عتى.

ولم يكن زكريا شاكّاً في بشارة الله عز وجل، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون.

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي عِتِيًّا بكسر العين وكذلك صِلِيًّا وجِثِيًّا وَبُكِيًّا إلا أن عاصماً خالفهما في بُكِيًّا، وقرأ الباقون كلها بالضم، وكان أبو عبيدة اختار الضم، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي  .

قالَ جبريل لزكريا كَذلِكَ، يعني: هكذا كما قلت إنك قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يعني: كما قلت إنك قَدْ بلغت من الكبر عتيا ولكن الله عز وجل قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل يحيى وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قرأ حمزة والكسائي وَقَدْ خلقناك بالنون مقدمة والألف مؤخره، وقرأ الباقون خَلَقْتُكَ وهو اختيار أبي عبيدة.

قال زكريا  : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً في الولد.

روى أسباط، عن السدي قال: لما بشر زكريا  جاءه الشيطان عليه اللعنة فقال: إن هذا النداء الذي نوديت ليس من الله عز وجل، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله عز وجل، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك، ف قالَ عند ذلك: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أعلم بها أن هذا النداء منك.

قالَ الله تعالى له: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي: علامتك أن لا تستطيع أن تُكَلِّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ وأنت صحيح سليم من غير خرس ولا مرض.

ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووضع الولد في رحمها، فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَقالَ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ: ( نُبَشِرُكَ ) بِالتَّخْفِيفِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ يُسَمَّ يَحْيى قَبْلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والأكْثَرُونَ.

فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: ما وجْهُ المِدْحَةِ باسِمِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وَنَرى كَثِيرًا مِنَ الأسْماءِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْها ؟

فالجَوابُ: أنَّ وجْهَ الفَضِيلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ، ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى أبَوَيْهِ، فَسَمّاهُ بِاسْمٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ.

والثّانِي: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ ولَدًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ نَظِيرًا.

والثّالِثُ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ مِثْلًا وشَبَهًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ الشَّبَهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا ﴾ .

وَفِي مَعْنى " كانَتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ، فالمَعْنى: وهي عاقِرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ ؛ أيْ: أنْتُمْ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مُنْذُ كانَتْ عاقِرًا، لَمْ يُحْدُثْ ذَلِكَ بِها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عُتِيًّا )، و( بُكِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٥٨ ]، و( صُلِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٧٠ ] بِضَمِّ أوائِلِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ أوائِلِها، وافَقَهُما حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، إلّا في قَوْلِهِ: ( بُكِيًّا ) فَإنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ( عِسِيًّا ) بِالسِّينِ.

قالَ مُجاهِدٌ: ( عِتِيًّا ): هو قُحُولُ العَظْمِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: يَبَسا، يُقالُ: عَتا وعَسا بِمَعْنًى واحِدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ انْتَهى فَقَدْ عَتا يَعْتُو عِتِيًّا، وعُتُوًّا وعُسُوًّا وعِسِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَما قِيلَ لَكَ مِن هِبَةِ الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ، ﴿ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ؛ أيْ: خَلْقُ يَحْيى عَلَيَّ سَهْلٌ.

وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: ( هَيْنٌ ) بِإسْكانِ الياءِ.

﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: أوْجَدْتُكَ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَلَقْتُكَ ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَلَقْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ.

﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ المَعْنى: فَخَلْقُ الوَلَدِ كَخَلْقِكَ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: " سَوِيًّا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: تُمْنَعُ عَنِ الكَلامِ وأنْتَ سَوِيٌّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: سَلِيمًا غَيْرَ أخْرَسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وهَذا في صَبِيحَةِ اللَّيْلَةَ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها امْرَأتُهُ، ﴿ مِنَ المِحْرابِ ﴾ ؛ أيْ: مِن مُصَلّاهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوْمَأ بِرَأْسِهِ ويَدَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ؛ أيْ: صَلُّوا، ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ )، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ فَيَأْمُرُهم بِالصَّلاةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، فَلَمّا حَمَلَتِ امْرَأتُهُ أمَرَهم بِالصَّلاةِ إشارَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ المَعْنى: قِيلَ لَهُ بِإثْرِ دُعائِهِ: إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُبَشِّرُكَ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أصْحابُ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَبْشُرُكَ" بِسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللهَ أحْياهُ بِالنُبُوءَةِ والإيمانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ أحْيا بِهِ الناسَ بِالتَدَيُّنِ، وقَوْلُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ في اللُغَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مُشارِكًا في هَذا الِاسْمِ، أيْ: لَمْ يُسَمَّ قَبْلُ بِيَحْيى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أسْلَمَ، والسُدِّيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ: مَثَلًا ونَظِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَأنَّهُ مِنَ المُساماةِ والسُمُوِّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَفْضُلُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ إلّا أنْ يَفْضُلَ في خاصٍّ بِالسُؤُودِ والحَصْرِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ.

وقَوْلُ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ" اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلِيَّ دُونَ تَخْصِيصِ ولَدٍ، فَلَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَفْهَمَ عن طَرِيقِهِ مَعَ هَذِهِ المَوانِعِ مِنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلَدَ وهو بِحالٍ يَرْجُو الوَلَدَ فِيها بِزَواجِ غَيْرِ العاقِرِ، أو بُشِّرَ ولَمْ تَقَعْ إجابَتُهُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ صارَ فِيها إلى حالِ مَن لا يُولَدُ لَهُ، فَحِينَئِذٍ اسْتَفْهَمَ وأخْبَرَ عن نَفْسِهِ بِالكِبَرِ والعُتُوِّ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ فَلَمّا بُشِّرَ بِهِ لِحِينِ الدَعْوَةِ تَفَهَّمَ عَلى جِهَةِ السُؤالِ لا عَلى جِهَةِ الشَكِّ.

كَيْفَ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى هَذا؟

وكَيْفَ نَفَذَ القَدَرُ بِهِ؟

لا أنَّهُ بَعُدَ عِنْدَهُ هَذا في قُدْرَةِ اللهِ.

والعِتِيُّ والعُسِيُّ: المُبالَغَةُ في الكِبَرِ ويُبْسُ العُودِ أو شَيْبُ الرَأْسِ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِتِيًّا" بِكَسْرِ العَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عَتِيًّا" بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: "عُسِيًّا" بِضَمِّ العَيْنِ وبِالسِينِ، وحَكاها الدانِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي، أكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقْرَأُ في الظَهْرِ والعَصْرِ، ولا أدْرِي أكانَ يَقْرَأُ: "عِتِيًّا" أو "عُسِيًّا" بِالسِينِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: نادى جِبْرِيلُ زَكَرِيّاءَ "إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى"، فَلَقِيَهُ الشَيْطانُ فَقالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ الصَوْتَ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكٍ وإنَّما كانَ لِشَيْطانٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ"؟

لِيُثْبِتَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وزَكَرِيّا هو مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ قَتادَةُ: جَرى لَهُ هَذا الأمْرُ وهو ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَدْ كانَ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: قالَ لَهُ المَلَكُ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنِ الوُجُودُ، كَما قِيلَ لَكَ: قالَ رَبُّكَ: خَلْقُ الغُلامِ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أيْ: غَيْرُ بِدْعٍ، وكَما خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وأخْرَجْتُكَ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ كَذَلِكَ أفْعَلُ الآنَ......

وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" أيِ: الأمْرانِ اللَذانِ ذَكَرْتَ مِنَ المَرْأةِ العاقِرِ والكِبَرَةِ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عِنْدِي: قالَ المَلَكُ كَذَلِكَ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَدْ خَلَقْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَدْ خَلَقْناكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: مَوْجُودًا.

قالَ زَكَرِيّا: "رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً"، أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ هَذا وكَوْنَهُ مِن عِنْدِكَ، ورُوِيَ أنَّ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَرَفَ ثُمْ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أصابَهُ بِذَلِكَ السُكُوتُ عن كَلامِ الناسِ، وذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عن مَرَضٍ -خَرَسٍ أو نَحْوِهِ- فَفِيهِ عَلى كُلِّ حالٍ عِقابٌ ما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا حَمَلَتْ زَوْجَةٌ مِنهُ يَحْيى أصْبَحَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمْ أحَدًا، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأُ التَوْراةَ، ويَذْكُرُ اللهَ، فَإذا أرادَ مُقاوَلَةَ أحَدٍ لَمْ يُطِقْهُ.

ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ مَعْناهُ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها أنَّ الحَمْلَ قَدْ وقَعَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الزَجّاجُ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "سَوِيًّا" فِيما قالَ الجُمْهُورُ: صَحِيحًا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا خَرَسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اللَيالِي، أرادَ: كامِلاتٍ مُسْتَوِياتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ  ﴾ ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أظْهَرَ الآيَةَ بِأنْ خَرَجَ زَكَرِيّا مِن مِحْرابِهِ وهو مَوْضِعُ الصَلاةِ، و"المِحْرابُ" أرْفَعُ المَواضِعِ والمَبانِي؛ إذْ هي تُحارِبُ مَن ناوَأها، ثُمْ خُصَّ بِهَذا الِاسْمِ مَبْنى الصَلاةِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَها فِيما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَيْطانَ والشَهَواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَبِ -بِفَتْحِ الراءِ-، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى مِنهُ حَرْبًا وتَعَبًا ونَصْبًا، وفي اللَفْظِ بَعْدَ هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ: "فَأوحى"، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ بِأنْ كَتَبَهُ في التُرابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكِلا القَوْلَيْنِ وحْيٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ، "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيْ، وَ "سَبِّحُوا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: صَلُّوا، والسُبْحَةِ: الصَلاةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهم بِذِكْرِ اللهِ وقَوْلِ: سُبْحانَ اللهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْ سَبِّحُوهُ" بِضَمِيرٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقول قول محذوف، بقرينة أن هذا الكلام خطاب ليحيى، فلا محالة أنه صادر من قائل، ولا يناسب إلاّ أن يكون قولاً من الله تعالى، وهو انتقال من البشارة به إلى نبوءته.

والأظهر أنّ هذا من إخبار القرآن للأمة لا من حكاية ما قيل لزكرياء.

فهذا ابتداء ذكر فضائل يحيى.

وطوي ما بين ذلك لعدم تعلق الغرض به.

والسياق يدلّ عليه.

والتقدير: قلنا يا يحيى خذ الكتاب.

والكتاب: التوراة لا محالة، إذ لم يكن ليحيى كتاب منزّل عليه.

والأخذ: مستعار للتفهم والتدبر، كما يقال: أخذت العلم عن فلان، لأنّ المعتني بالشيء يشبه الآخذ.

والقوة: المراد بها قوّة معنوية، وهي العزيمة والثّبات.

والباء للملابسة، أي أخذا ملابساً للثبات على الكتاب، أي على العمل به وحَمْل الأمّة على اتباعه، فقد أخذ الوهن يتطرق إلى الأمة اليهودية في العمل بدينها.

و ﴿ ءَاتيناه ﴾ عطف على جملة القول المحذوفة، أي قلنا: يا يحيى خذ الكتاب وآتيناه الحكم.

والحُكم: اسم للحكمة.

وقد تقدم معناها في قوله تعالى: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ في سورة البقرة (269).

والمراد بها النّبوءة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً ﴾ في سورة يوسف (22)، فيكون هذا خصوصية ليحيى أن أوتي النبوءة في حال صباه.

وقيل: الحكم هو الحكمة والفهم.

و صَبِيّاً } حال من الضمير المنصوب في ﴿ وءاتيناه ﴾ .

وهذا يقتضي أن الله أعطاه استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا على غير المعتاد، كما أعطى نبيئه محمداً صلى الله عليه وسلم الاستقامة وإصابة الرأي في صباه.

ويبعد أن يكون يحيى أُعطي النبوءة وهو صبي، لأن النبوءة رتبة عظيمة فإنما تعطى عند بلوغ الأشُدّ.

واتفق العلماء على أن يحيى أعطِي النبوءة قبل بلوغ الأربعين سنة بكثير.

ولعل الله لما أراد أن يكون شهيداً في مقتبل عمره باكره بالنبوءة.

والحَنان: الشفقة.

ومن صفات الله تعالى الحنان.

ومن كلام العرب: حنانيك، أي حناناً منك بعد حنان.

وجُعل حنان يحيى من لَدن الله إشارة إلى أنه متجاوز المعتاد بين الناس.

والزكاة: زكاة النفس ونقاؤها من الخبائث، كما في قوله تعالى: ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى ﴾ [النازعات: 18] أو أُريد بها البركة.

وتقي: فعيل بمعنى مُفعل، من اتّقى إذا اتّصف بالتقوى، وهي تجنب ما يخالف الدّين.

وجيء في وصفه بالتقوى بفعل ﴿ كَانَ تَقِيّاً ﴾ للدلالة على تمكنه من الوصف.

وكذلك عطف بروره بوالديه على كونه تقياً للدلالة على تمكنه من هذا الوصف.

والبرور: الإكرام والسعي في الطاعة.

والبَرّ بفتح الباء وصف على وزن المصدر، فالوصف به مبالغة.

وأما البِر بكسر الباء فهو اسم مصدر لعدم جريه على القياس.

والجبّار: المستخف بحقوق الناس، كأنه مشتق من الجبر، وهو القسر والغصب.

لأنّه يغصب حقوق النّاس.

والعصيّ: فعيل من أمثلة المبالغة، أي شديد العصيان، والمبالغة منصرفة إلى النفي لا إلى المنفيّ.

أي لم يكن عاصياً بالمرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَ اللَّهَ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى البُشْرى بِيَحْيى مِنهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: سَألَهُ آيَةً تَدُلُّهُ عَلى أنَّ امْرَأتَهُ قَدْ حَمَلَتْ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتَقَلَ لِسانَهُ ثَلاثًا مِن غَيْرِ مَرَضٍ وكانَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ انْطَلَقَ لِسانُهُ وإذا أرادَ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ اعْتُقِلَ، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ الثّانِي: اعْتُقِلَ مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

﴿ سَوِيًّا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: صَحِيحًا مِن غَيْرِ خَرَسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ثَلاثُ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، فَيَكُونُ السَّوِيُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ راجِعًا إلى لِسانِهِ، وعَلى الثّانِي إلى اللَّيالِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أشْرَفَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ.

وَفي ﴿ المِحْرابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُصَلّاةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّخْصُ المَنصُوبُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في الصَّلاةِ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ مِحْرابًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِلتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في صَلاتِهِ كالمُحارِبِ لِلشَّيْطانِ في صَلاتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَنزِلِ الأشْرافِ الَّذِي يُحارَبُ دُونَهُ ذَبًّا عَنْ أهْلِهِ فَكَأنَّ المَلائِكَةَ تُحارِبُ عَنِ المُصَلِّي ذَبًّا عَنْهُ ومَنعًا مِنهُ.

﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أوْصى إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أشارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كَتَبَ عَلى الأرْضِ.

والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ الكِتابَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: كَأنَّ أخا اليَهُودِ يَخُطُّ وحْيًا بِكافٍ مِن مَنازِلِها ولامِ ﴿ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ أيْ صَلُّوا بُكْرَةً وعَشِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وقِيلَ لِلصَّلاةِ تَسْبِيحٌ لِما فِيها مِنَ التَّسْبِيحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.

وفي لفظ: كاف بدل كبير.

وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﴿ كهيعص ﴾ قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ كهيعص ﴾ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر.

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي، أنه سئل عن ﴿ كهيعص ﴾ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كاف، هاد، عالم، صادق» .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت: كان ابن عباس يقول في ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ يس ﴾ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يقول: أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.

والله أعلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ بنقل، يقول: لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

فقال: ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجاراً» .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ قال: لا يريد رياء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ أي بقلبه سراً.

قال قتادة: إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي.

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ خفت الموالي من ورائي ﴾ وهم العصبة ﴿ يرثني ويرث ﴾ نبوة ﴿ آل يعقوب ﴾ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وهو جبريل ﴿ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ يقول: من أين يكون؟

﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ !

قال الله: ﴿ قد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ يقول: ضعف.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ قال: قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ يقول: سعدت بدعائك وإن لم تعطني.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال: أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت: ﴿ الموالي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: الورثة، وهم عصبة الرجل.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ: أيوب.

وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه؟

فقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: نبوته وعلمه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فيقول: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: النبوة يكون نبياً كما كان أبوه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: السنة والعلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ يرثني ﴾ مثقل مرفوع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: قال داود عليه السلام: «يا رب هب لي ابناً» فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال: «إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه» فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال: رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي؟!

فقال: إنك لم تستثن.

قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام- فبشره بيحيى.

فقال زكريا عندها: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال: ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء.

فقال جبريل: إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاماً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم تلد العواقر مثله ولداً.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: مثلاً.

وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: شبيهاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله.

وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال: لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ﴿ عتياً ﴾ أو عييا.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؟

فقال: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ ما العتي؟

قال: البؤس من الكبر قال الشاعر: إنما يعذر الوليد ولا يعذر ** من كان في الزمان عتيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ يقول: هرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال: بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: ستين سنة.

وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين.

وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ عتيا ﴾ وصليا، بكسر العين والصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ﴿ وقد بلغت من الكبر عسيا ﴾ بالسين ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قال: أعطني آية أنك قد استجبت لي.

فقال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: من غير خرس.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قال: المحراب مصلاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال فأشار زكريا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: أشار إليهم إشارة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: أومأ إليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: صلوا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ بكرة وعشيا ﴾ قال: أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ قال: البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ ﴾ البَرُّ بمعنى البار كالصب والطب فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما (١) ﴿ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا ﴾ قال الكلبي: (هو الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب) (٢) ﴿ عَصِيًّا ﴾ عاصيا.

قال ابن عباس: (يريد لا يرتكب لي معصية) (٣) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (بر) 1/ 308، "مقاييس اللغة" (بر) 1/ 177، "القاموس المحيط" (البر) 1/ 348، "الصحاح" (برر) 2/ 588، "لسان العرب" (برر) 1/ 252.

وانظر: "معالم التنزيل" 5/ 222، "بحر العلوم" 2/ 320، "زاد المسير" 5/ 215، "أضواء البيان" 4/ 229.

(٢) "الكشف والبيان" 3/ 3 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 122 بدون نسبة.

(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 ب، "المحرر الوجيز" 9/ 440، "معالم التنزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "لباب التأويل" 4/ 240، "روح المعاني" 16/ 73.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى ﴾ يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿ مِن وَرَآءِى ﴾ أي من بعدي ﴿ عَاقِراً ﴾ أي عقيماً ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يعني وارثاً يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وكذلك ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح ﴿ رَضِيّاً ﴾ أي مرضياً فهو فعيل: بمعنى مفعول ﴿ سَمِيّاً ﴾ يعني من سُمي باسمه، وقيل: مثيلاً ونظيراً، والأول أحسن هنا ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ ﴿ عِتِيّاً ﴾ قيل: يبساً في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر ﴿ كذلك ﴾ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقاً له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.

كذلك.

ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿ سَوِيّاً ﴾ أي سليماً غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سوياً يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله ﴿ يايحيى ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: ﴿ خُذِ الكتاب ﴾ يعني التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿ وآتيناه الحكم صَبِيّاً ﴾ قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة ﴿ وَحَنَاناً ﴾ قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ﴿ وزكاوة ﴾ أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ .

قيل: اسم من أسماء القرآن.

وقيل: اسم من أسماء الله  ، وعلى ذلك روي عن علي -  - أنه قال: يا كهيعص، اغفر لي.

قال أبو بكر الأصم: لا يصح هذا من علي؛ لأن هذا لم يذكر في أسمائه المعروفة التي يدعى بها.

وقال بعضهم: حروف من أسماء الله افتتح بها السورة فهو ما ذكرنا، وهو الأوّل، وقال بعضهم: الكاف مفتاح اسمه كافٍ، والهاء مفتاح اسمه هادٍ، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وقال ابن عباس: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق.

وقال الربيع بن أنس: الياء من قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ \[المؤمنون: 88\].

وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله على نفسه؛ فقال: كافٍ هادٍ عالمٍ صادقٍ، يقول: كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، عالم ببريّته وبأمره، صادق في قوله.

وقال بعضهم: لم ينزل الله كتاباً إلا وله فيه سرّ لا يعلمه إلا الله، وسرّ القرآن فواتحه.

وقال بعضهم: تفسيره ما ذكر على أثره، وهو قول الحسن، وأمثال هذا قد أكثروا فيه، وقد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر، أي: اذكر لهم رحمة ربك عبده زكريا بالإجابة له عند سؤاله الولد في الوقت الذي أيس عن الولد في ذلك الوقت؛ فيكون فيه دلالة رسالته، حيث ذكر لهم رحمة ربه على زكريا، وأخبرهم على ما في كتبهم.

والثاني: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ : هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا في دعائه، وعلى هذا التأويل يكون الذكر هو القرآن، وقد سمى الله القرآن: ذكراً في غير آي من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: نداءً خفيّاً في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق به.

وقال بعضهم: نداءً خفيّاً عن قومه ومن حضره.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أخفاه وأسرّه منهم إخلاصاً لله وإصفاء له.

والثاني: أخفاه وأسره منهم حياء أن يعيبوه أن سأل ربه الولد في وقت كبره وإياسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ﴾ أي: ضعف ورق ﴿ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ﴾ : اعتذر إليه، وقدم زكريا ما حل به من الكبر وبلوغه الوقت الذي لا يطمع في ذلك الوقت الولد، أي: بلغت المبلغ الذي ضعف بدني، ورق عظمي، ثم سأل ربه الولد ليس على أنه كان لا يعرف قدرة الله أنه قادر على هبة الولد، وإنشائه في كل وقت في وقت الكبر والضعف، وبالسبب وبغير السبب؛ لكنه لأنه لا يعرف أنه [لا] يسع ويصلح سؤال الولد وهبته في الوقت الذي كان بلغ هو، وهو الوقت الذي لا يطمع فيه الولد في الأغلب، وهو ما ذكر في سورة آل عمران: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ فعند ذلك عرف زكريا أنه يسعه دعاء هبته الولد وسؤاله في وقت الإياس، حيث رأى [عند] مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء غير متغيرة عن حالها، فسأل عند ذلك ربه الولد، وهو قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 38]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى.

وقال بعضهم: أي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك، وهما واحد، ذكر مننه وفضله [الذي] كان منه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ .

قال الحسن: خاف مواليه أن يرثوا ماله، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يصح، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله مواليه؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله، ولكن خاف أن يُضَيِّعَ مواليه دينه وسننه من بعده؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه.

وقال: لا يحتمل وراثة المال؛ لما روي في الخبر: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، فلا يخلو هذا من أحد وجهين: إمّا أن كان هذا في المال له خاصّة دون سائر الأنبياء، وإما إذَنْ لم يكن زكريا نبيّاً فدلّ هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدلّ أنه على العلم: أن يضيع الموالي علمي من ورائي.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ ، وسؤاله الولد وجهاً آخر، وهو أنه سأل ربه الولد الرضى الطيب؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع الذي كان منه في حياته، ويُدْعَى له، لئلا ينقطع ذكره، ودعاء الخلق له، وهذا هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال حياتهم، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ أي: لا تلد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي ﴾ أي: يلي أمري.

وقوله: ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ما ذكرنا: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وقيل: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ وارثاً يرثني مكاني، ونبوتي، ويرث من آل يعقوب الملك؛ لأنهم كانوا ملوكاً، وكانوا أخواله، وهو كان حَبْراً، والله أعلم بذلك.

ولكن قوله: ﴿ يَرِثُنِي ﴾ ما كان له من العلم والحكمة والدّين وغيره، ويرث من آل يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله، ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكان برًّا بوالديه، لطيفًا بهما، محسنًا إليهما, ولم يكن متكبّرًا عن طاعة ربه ولا طاعتهما, ولا عاصيًا لربه أو لوالديه.

<div class="verse-tafsir" id="91.xMYby"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد