الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ١٨ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٨ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) أي : لما تبدى لها الملك في صورة بشر ، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب ، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها ، فقالت : ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) أي : إن كنت تخاف الله .
تذكير له بالله ، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل ، فخوفته أولا بالله ، عز وجل .
قال ابن جرير : حدثني أبو كريب ، حدثنا أبو بكر ، عن عاصم قال : قال أبو وائل - وذكر قصة مريم - فقال : قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت : ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك ) أي : فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا ما حصل عندها من الخوف على نفسها : لست مما تظنين ، ولكني رسول ربك ، أي : بعثني إليك ، ويقال : إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته
يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثل لها بشرًا سويا، وظنته رجلا يريدها على نفسها.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) قال: خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا فلما رأته فزعت منه وقالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرّمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه; لأن من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك.
ولو وجه ذلك إلى أنها عَنَت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد - وذكر قَصَص مريم - فقال: قد علمت أن التقيّ ذو نُهية حين قالت (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ).
يقول تعالى ذكره: فقال لها روحنا: إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك ( لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا )
ف قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا أي ممن يتقي الله .
البكالي : فنكص جبريل - عليه السلام - فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى .
الثعلبي : كان رجلا صالحا فتعوذت به تعجبا .
وقيل : تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يتقى منه .
في البخاري قال أبو وائل : علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت : إن كنت تقيا .
وقيل : تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت ؛ قاله وهب بن منبه ؛ حكاه مكي وغيره .
ابن عطية وهو ضعيف ذاهب مع التخرص .
{ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ ْ} أي.
ألتجئ به وأعتصم برحمته، أن تنالني بسوء.
{ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ْ} أي: إن كنت تخاف الله، وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا أبلغ ما يكون من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه.
وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي، وعدم المانع - من أفضل الأعمال.
ولذلك أثنى الله عليها فقال: { وَمَرْيَمَ ابْنَة عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ْ} { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ْ} فأعاضها الله بعفتها، ولدا من آيات الله، ورسولا من رسله.
( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) مؤمنا مطيعا .
فإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر ، فكيف قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا؟
قيل : هذا كقول القائل : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني .
أي : ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم ، وكذلك هاهنا .
معناه : وينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور .
«قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا» فتنتهي عني بتعوذي.
قالت مريم له: إني أستجير بالرحمن منك أن تنالني بسوء إن كنت ممن يتقي الله.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش فقال : ( قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ) .أى " قالت لجبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها فى صورة بشر سوى : إنى أعوذ وألتجىء إلى الرحمن منك ، إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه .وخصت الرحمن بالذكر ، لتثير مشاعر التقوى فى نفسه ، إذ من شأن الإنسان التقى أن ينتفض وجدانه عند ذمر الرحمن ، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله .وجواب هذا الشرط محذوف ، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله .وجواب هذا الشرط محذوف ، أى إن كنت تقيا ، فابتعد عنى واتركنى فى خلوتى لأتفرغ لعبادة الله - تعالى - .وبهذا القول الذى حكاه القرآن عن مريم .
تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها ، وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله .
إن سولت له نفسه إرادتها بسوء .
كما أن قولها هذا ، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة والطهر والبعد عن الريبة ، فهى تقول له هذا القول ، وهى تراه بشراً سوياً ، وفى مكان بمعزل عن الناس .
.
.
وفيه وجوه: أحدها: أرادت أن كان يرجى منك أن تتقي الله ويحصل ذلك بالاستعاذة به فإني عائذة به منك وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي أن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال.
وثانيها: أن معناه ما كنت تقياً حيث استحللت النظر إلي وخلوت بي.
وثالثها؛ أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه تقى يتبع النساء فظنت مريم عليها السلام أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقى والأول هو الوجه.
<div class="verse-tafsir"
أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به، فإني عائذة به منك كقوله تعالى: ﴿ بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 86] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا ﴾ سِتْرًا.
﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ قِيلَ قَعَدَتْ في مِشْرَقَةٍ لِلِاغْتِسالِ مِنَ الحَيْضِ مُتَحَجِّبَةً بِشَيْءٍ يَسْتُرُها.
وكانَتْ تَتَحَوَّلُ مِنَ المَسْجِدِ إلى بَيْتِ خالَتِها إذا حاضَتْ وتَعُودُ إلَيْهِ إذا طَهُرَتْ.
فَبَيْنَما هي في مُغْتَسَلِها أتاها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَمَثِّلًا بِصُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ سَوِيِّ الخَلْقِ لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلامِهِ، ولَعَلَّهُ لِتَهْيِيجِ شَهْوَتِها بِهِ فَتَنْحَدِرُ نُطْفَتُها إلى رَحِمِها.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك
﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ ﴾ فَإنَّهُ شاهِدُ عَدْلٍ بِأنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِها شائِبَةُ مَيْلٍ ما إلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الحالَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أقْصى مَراتِبِ المَيْلِ والشَّهْوَةِ، نَعَمْ كانَ تَمَثُّلُهُ عَلى ذَلِكَ الحُسْنِ الفائِقِ والجَمالِ الرّائِقِ لِأنَّ عادَةَ المَلَكِ إذا تَمَثَّلَ أنْ يَتَمَثَّلَ بِصُورَةِ بَشَرٍ جَمِيلٍ كَما كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ في صُورَةِ دِحْيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ لِابْتِلائِها وسَبْرِ عِفَّتِها ولَقَدْ ظَهَرَ مِنها مِنَ الوَرَعِ والعَفافِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، وإرادَةُ القائِلِ أنَّهُ وقَعَ كَذَلِكَ لِيَكُونَ مَظِنَّةً لِما ذُكِرَ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ فَيَكُونُ أقْوى في نَزاهَتِها بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ كَلامِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ اسْتِعاذَتَها بِاللَّهِ تَعالى تُنْبِئُ عَنْ تَهْيِيجِ شَهْوَتِها ومَيَلانِها إلَيْهِ مَيْلًا طَبِيعِيًّا عَلى ما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالصَّبْوَةِ فِيهِ المَيْلُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُنافِي عِفَّتَها بَلْ يُحَقِّقُها لِكَوْنِهِ طَبِيعِيًّا اضْطِرارِيًّا غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ التَّكْلِيفِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ ومَعَ هَذا قَدِ اسْتَعاذَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ فَدَعْوى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تُكَذِّبُ التَّهْيِيجَ والمَيْلَ الطَّبِيعِيَّ كَذِبٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ مَقامُ بَيانِ آثارِ القُدْرَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن ماءٍ واحِدٍ أثَرٌ مِن آثارِ القُدْرَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ أيْضًا.
والأسْبابُ في هَذا المَقامِ لَيْسَتْ بِمَرْفُوضَةٍ بِالكُلِّيَّةِ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قِصَّةُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ.
عَلى أنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّ خَلْقَ شَيْءٍ لا مِن شَيْءٍ أصْلًا مُحالٌ فَلا يَكُونُ مِن مَراتِبِ القُدْرَةِ ومادَّةِ الجَعْلِ الإبْداعِيِّ الأعْيانُ الثّابِتَةُ وهي قَدِيمَةٌ ا هـ، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وما ذَكَرْناهُ في التَّعْلِيلِ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ فَتَدَبَّرْ، ونُصِبَ ( بَشَرًا ) عَلى الحالِيَّةِ المُقَدَّرَةِ أوِ التَّمْيِيزِ، وقِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَضْمِينِ تَمَثَّلَ مَعْنى اتَّخَذَ، واسْتَشْكَلَ أمْرُ هَذا التَّمَثُّلِ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ عَظِيمُ الجُثَّةِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ فَمَتى صارَ في مِقْدارِ جُثَّةِ الإنْسانِ يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى جِبْرِيلُ إنْ تَساقَطَتِ الأجْزاءُ الزّائِدَةُ عَلى جُثَّةِ الإنْسانِ، وأنْ تَتَداخَلَ الأجْزاءُ إنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ وهو مُحالٌ.
وأيْضًا لَوْ جازَ التَّمَثُّلُ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ وامْتَنَعَ القَطْعُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي يُرى الآنَ هو زَيْدٌ الَّذِي رُئِيَ أمْسِ لِاحْتِمالِ التَّمَثُّلِ، وأيْضًا لَوْ جازَ التَّمَثُّلُ بِصُورَةِ الإنْسانِ فَلِمَ لا يَجُوزُ تَمَثُّلُهُ بِصُورَةٍ أُخْرى غَيْرَ صُورَةِ الإنْسانِ ومِن ذَلِكَ البَعُوضِ ونَحْوِهِ ؟
ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ يَجُرُّ إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ، وأيْضًا لَوْ جازَ ذَلِكَ ارْتَفَعَ الوُثُوقُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ كَخَبَرِ مُقاتَلَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُقاتِلُ المُتَمَثَّلَ بِهِ.
وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْزاءٌ أصْلِيَّةٌ قَلِيلَةٌ وأجْزاءٌ فاضِلَةٌ، فَبِالأجْزاءِ الأصْلِيَّةِ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّمَثُّلِ بَشَرًا هَذا عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّهُ جِسْمٌ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّهُ رُوحانِيٌّ فَلا اسْتِبْعادَ في أنْ يَتَدَرَّعَ تارَةً بِالهَيْكَلِ العَظِيمِ وأُخْرى بِالهَيْكَلِ الصَّغِيرِ.
وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ بَيْنَ الكُلِّ، فَإنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِالصّانِعِ القادِرِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أيْضًا إذْ يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ سُبْحانَهُ مِثْلَ زَيْدٍ مَثَلًا ومَعَ هَذا الجَوازِ يَرْتَفِعُ الوُثُوقُ ويَمْتَنِعُ القَطْعُ عَلى طَرْزِ ما تَقَدَّمَ.
وكَذا مَن لَمْ يَعْتَرِفْ، وأسْنَدَ الحَوادِثَ إلى الِاتِّصالاتِ والتَّشَكُّلاتِ الفَلَكِيَّةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِجَوازِ حُدُوثِ اتِّصالٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِ ذَلِكَ وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ القَطْعُ أيْضًا، ولَعَلَّهُ لَمّا كانَ مِثْلُ ذَلِكَ نادِرًا لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ قَدْحٌ في العُلُومِ العادِيَّةِ المُسْتَنِدَةِ إلى الإحْساسِ، فَلا يَلْزَمُ الشَّكُّ أنَّ زَيْدًا الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ هو الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ.
وأُجِيبُ عَنِ الثّالِثِ بِأنَّ أصْلَ التَّجْوِيزِ قائِمٌ في العَقْلِ وإنَّما عُرِفَ فَسادُهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ، وهو الجَوابُ عَنِ الرّابِعِ كَذا قالَ الإمامُ الرّازِيُّ، وعِنْدِي أنَّ مَسْألَةَ التَّمَثُّلِ عَلى القَوْلِ بِالجِسْمِيَّةِ مِمّا يَنْبَغِي تَفْوِيضُ الأمْرِ فِيها إلى عَلّامِ الغُيُوبِ ولا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى الجَزْمِ فِيها بِشَيْءٍ تَنْشَرِحُ لَهُ القُلُوبُ.
وإنَّما ذَكَرَتْهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَذْكِيرًا لِمَن رَأتْهُ بِالرَّحْمَةِ لِيَرْحَمَ ضَعْفَها وعَجْزَها عَنْ دَفْعِهِ أوْ مُبالَغَةً لِلْعِياذَةِ بِهِ تَعالى واسْتِجْلابًا لِآثارِ الرَّحْمَةِ الخاصَّةِ الَّتِي هي العِصْمَةُ مِمّا دَهَمَها.
وما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِمَن رَأتْ بِالجَزاءِ لِيَنْزَجِرَ فَإنَّهُ يُقالُ يا رَحْمَنَ الآخِرَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ ورَدَ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما ﴿ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كانَ يُرْجى مِنكَ أنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى وتَخْشاهُ وتَحْتَفِلَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ مِنكَ كَذا قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ أشارَ إلى أنَّ وجْهَ هَذا الشَّرْطِ مَعَ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِالرَّحْمَنِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقِيًّا أوْلى إنْ آثَرَ الِاسْتِجارَةَ بِاللَّهِ تَعالى أعَنِي مُكافَتَهُ وأمْنَها مِنهُ إنَّما يَتِمُّ ويَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَّقِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى مِمّا تَقْتَضِي لِلْمُسْتَعِيذِ بِاللَّهِ تَعالى حَقَّ الذِّمامِ والمُحافَظَةَ وعَلى عِظَمِ مَكانِ التَّقْوى حَيْثُ جُعِلَتْ شَرْطًا لِلِاسْتِعاذَةِ لا تَتِمُّ دُونَها وقالَ: إنْ كانَ يُرْجى إظْهارًا لِمَعْنى أنْ وأنَّها إنَّما أُوثِرَتْ دَلالَةً عَلى أنَّ رَجاءَ التَّقْوى كانَ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِها.
والحاصِلُ أنَّ التَّقْوى لَمْ تُجْعَلْ شَرْطَ الِاسْتِعاذَةِ بَلْ شَرْطَ مَكافَتِهِ وأمْنَها مِنهُ، وكُنْتُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى حَثًّا لَهُ عَلى المَكافَةِ بِألْطَفِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ وإنَّ مَن تَعَرَّضَ لِلْمُسْتَعِيذِ بِهِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِعَظِيمِ سُخْطِهِ انْتَهى.
وقَدَّرَ الزَّجّاجُ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا فَتَتَّعِظُ بِتَعْوِيذِي، والأوْلى عَلَيْهِ تَتَّعِظُ بِإسْقاطِ الفاءِ لِأنَّ المُضارِعَ الواقِعَ جَوابًا لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ فَيَحْتاجُ إلى جَعْلِهِ مَرْفُوعًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهم فاذْهَبْ عَنِّي وبَعْضُهم فَلا تَتَعَرَّضْ بِي، وقِيلَ: إنَّها أرادَتْ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا مُتَوَرِّعًا فَإنِّي أعُوذُ مِنكَ، فَكَيْفَ إذا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ وكَأنَّهُ أرادَ أنَّها اسْتَعاذَتْ بِهَذا الشَّرْطِ لِيَعْلَمَ اسْتِعاذَتَها بِما يُقابِلُهُ مِن بابٍ أوْلى، وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنَّ إنْ عَلى هَذا القَوْلِ وصْلِيَّةٌ وفي مَجِيئِها بِدُونِ الواوِ كَلامٌ، وذُكِرَ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ بِها الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن شَرِّهِ لا حَثُّهُ عَلى الِانْزِجارِ وقِيلَ نافِيَةٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ أيْ ما كُنْتَ تَقِيًّا مُتَوَرِّعًا بِحُضُورِكَ عِنْدِي وانْفِرادِكَ بِي، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فالتَّقِيُّ وصْفٌ مِنَ التَّقْوى، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ أوْ طالِحٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ.
<div class="verse-tafsir"
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ، يعني: من المسجد.
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ، يعني: أشار وأومأ إليهم، ويقال: كتب كتاباً وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به.
أَنْ سَبِّحُوا، يعني: صلوا لله تعالى بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: غدوة وعشياً.
فعرف عند ذلك أنه آية الولد.
قوله عز وجل: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: أوحى الله تعالى إليه أن: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، يعني: بجد ومواظبة وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: أجرينا الحكم على لسانه في حال صغره، وذلك أنه مرّ بصبيان يلعبون، فقالوا له: تعال حتى نلعب.
فقال لهم: ما للعب خلقنا.
ويقال: خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ، أي بجدّ وعون من الله تعالى، ويقال بكثرة الدرس.
آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، يعني: النبوة والفقه والخير كله في صغره وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا، يعني: آتيناه رحمة من عندنا، وأصله: من حنين الناقة على ولدها وَزَكاةً، يعني: وصدقة منا، ويقال: التطهير، ويقال: صلاحاً في دينه.
وقال سعيد بن جبير: الزكاة التزكية.
وَكانَ تَقِيًّا، يعني: مطيعاً لربه، وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ، يعني: مطيعاً لهما ولا يعصيهما.
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ، يعني: لم يكن قتّالاً، والجبار الذي يقتل على الغضب، ويضرب على الغضب عَصِيًّا ، يعني: لم يكن عصياً لربه، والعصيّ والعاصي واحد.
قوله عز وجل: وَسَلامٌ عَلَيْهِ ، أي السلام من الله عز وجل والسعادة تناله يَوْمَ وُلِدَ ، أي حين ولد وَيَوْمَ يَمُوتُ ، يعني: حين يموت وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ، أي: حين يبعث حياً.
وروى قتادة عن الحسن أن يحيى قال لعيسى حين التقيا: أنت خير مني.
فقال عيسى صلوات الله عليه: بل أنت خير مني، سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي.
وروي عن بعض الصحابة أنه قال: «ما من الناس أحد إلا وهو يلقى الله عز وجل يوم القيامة وهو ذو ذنب إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام» وروي عن الحسن، عن النبيّ أنه قال: «ما أَذْنَبَ يحيى ولا هم بامرأة» (١) (١) عزاه السيوطي: 5/ 468 إلى عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
يفضل على إبرَاهِيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١» ، والحصر.
والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون- عليهما السلام- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس.
وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .
وقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣» ، وغيره: كان ذلك بإشارة.
وقال مجاهد «٤» : بل بكتابة في التراب.
قال ع «٥» : وكِلاَ الوجهين وَحْي.
وقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦» ، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)
وقوله- عز وجل-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.
وقوله: صَبِيًّا يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.
وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله عز وجل وهو صَبِيٌّ «١» ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً «٢» .
«والحنان» : الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:
[الطويل]
أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ...
حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»
وقال عطاء بن أبي رباح: حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا «٤» .
قال ع «٥» : وهو أَيضاً ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً «٦» .
قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى.
انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.
قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً «٧» ، روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا يَحْيى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى، ﴿ خُذِ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةَ، وكانَ مَأْمُورًا بِالتَّمَسُّكِ بِها.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: اقْبَلْ كُتُبَ اللَّهِ كُلَّها إيمانًا بِها واسْتِعْمالًا لِأحْكامِها.
وقَدْ شَرَحْنا في ( البَقَرَةِ: ٦٣ ) مَعْنى قَوْلِهِ: " بِقُوَّةٍ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ الحُكْمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَهْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: اللُّبُّ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: العِلْمُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والرّابِعُ: حِفْظُ التَّوْراةِ وعِلْمُها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في سُورَةِ ( يُوسُفَ: ٢٣ ) .
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَن قَرَأ القُرْآَنَ [ مِن ] قَبْلِ أنْ يَحْتَلِمَ، فَهو مِمَّنْ أُوتِيَ الحُكْمَ صَبِيًّا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ صَبِيًّا ﴾ فَفي سِنِّهِ يَوْمَ أُوتِيَ الحُكْمَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَبْعُ سِنِينَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ .
والثّانِي: ثَلاثُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَنانًا مِن لَدُنّا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: وآَتَيْناهُ حَنانًا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: وجَعَلْناهُ حَنانًا لِأهْلِ زَمانِهِ.
وَفِي الحَنانِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشُدُ: تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا قالَ: وعامَّةُ ما يُسْتَعْمَلُ في المَنطِقِ عَلى لَفْظِ الِاثْنَيْنِ، قالَ طَرْفَةُ: أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ يُقالُ: تَحَنَّنْ عَلَيَّ، وأصْلُهُ مِن حَنِينِ النّاقَةِ عَلى ولَدِها.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفِ اللُّغَوِيُّونَ أنَّ الحَنانَ: الرَّحْمَةُ، والمَعْنى: فَعَلْنا ذَلِكَ رَحْمَةً لِأبَوَيْهِ وتَزْكِيَةً لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّعَطُّفُ مِن رَبِّهِ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اللِّينُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: البَرَكَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا.
والخامِسُ: المَحَبَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: التَّعْظِيمُ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَزَكاةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها العَمَلُ الصّالِحُ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الزَّكاةِ: الصَّدَقَةُ، فالتَّقْدِيرُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ صَدَقَةً تَصَدَّقَ بِها عَلى أبَوَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ: التَّطْهِيرُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: أنَّ الزَّكاةَ: الزِّيادَةُ، فالمَعْنى: وآَتَيْناهُ زِيادَةً في الخَيْرِ عَلى ما وصَفَ وذَكَرَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ تَقِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْتُهُ يَتَّقِينِي لا يَعْدِلُ بِي غَيْرِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: وجَعَلْناهُ بَرًّا بِوالِدَيْهِ، والبَرُّ بِمَعْنى البارُّ، والمَعْنى: لَطِيفًا بِهِما مُحْسِنًا إلَيْهِما.
والعَصِيُّ بِمَعْنى العاصِي.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجَبّارِ في ( هُودٍ: ٥٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلامٌ عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّلامُ المَعْرُوفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
قالَ عَطاءٌ: سَلامٌ عَلَيْهِ مِنِّي في هَذِهِ الأيّامِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي سُلَيْمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى السَّلامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِ بِالأيّامِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُولَدَ لَيْلًا ويَمُوتَ لَيْلًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ: الحِينُ والوَقْتُ، عَلى ما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَلامٌ عَلَيْهِ حِينَ وُلِدَ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: التَقى يَحْيى وعِيسى، فَقالَ يَحْيى لِعِيسى: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ عِيسى لِيَحْيى: بَلْ أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ قالَ: أثْنى اللَّهُ عَلَيْكَ وأنا أثْنَيْتُ عَلى نَفْسِي.
وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الإنْسانُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ، يَوْمَ يُولَدُ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ فَيَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ عايَنَهُمْ، ويَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ لَمْ يَرَهْ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى يَحْيى فِيها بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ ﴿ وَحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا ﴾ ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا ﴾ ﴿ وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾ المَعْنى: "فَوُلِدَ لَهُ، وقالَ اللهُ لِلْمَوْلُودِ: يا يَحْيى ".
وهَذا اخْتِصارُ ما يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ.
و"الكِتابُ": التَوْراةُ بِلا اخْتِلافٍ؛ لِأنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ عِيسى ولَمْ يَكُنِ الإنْجِيلُ مَوْجُودًا عِنْدَ الناسِ، وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ"، أيِ: العِلْمُ بِهِ، والحِفْظُ لَهُ، والعَمَلُ بِهِ، والِالتِزامُ لِلَوازِمِهِ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ ، واخْتُلِفَ في "الحُكْمِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأحْكامُ والمَعْرِفَةُ بِها، و "صَبِيًّا" يُرِيدُ: شابًا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الكُهُولِ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: الحُكْمُ: النُبُوَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي لَفْظَةِ "صَبِيٍّ" -عَلى هَذا- تَجَوُّزٌ واسْتِصْحابُ حالٍ.
وقالَتْ فِرْقَةُ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ، ورَوى مَعْمَرُ في ذَلِكَ أنَّ الصِبْيانَ دَعَوْهُ وهو طِفْلٌ إلى اللَعِبِ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِلَّعِبِ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وهو صَبِيٌّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَن قَرَأ القُرْآنَ مِن قَبْلِ أنْ يَحْتَلِمْ فَقَدْ أُوتِيَ الحُكْمُ صَبِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَنانًا مِن لَدُنّا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "الحُكْمَ"، و"زَكاةً" عَطْفٌ عَلَيْهِ، أُعْمِلَ في جَمِيعِ ذَلِكَ "آتَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَحَنانًا" عَطْفٌ عَلى "صَبِيًّا"، أيْ: وبِحالِ حَنانٍ مِنّا وتَزْكِيَةٍ لَهُ.
و "الحَنانُ": الرَحْمَةُ والشَفَقَةُ والمَحَبَّةُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو تَفْسِيرُ اللُغَةِ، وهو فِعْلٌ مِن أفْعالِ النَفْسِ، ويُقالُ: حَنانُكَ وحَنانَيْكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ: حَنانَيْكَ تَثْنِيَةُ الحَنانِ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "حَنانًا مِن لَدُنّا": تَعْظِيمًا مِن لَدُنّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمْ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللهِ تَعالى، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ في خَبَرِ بِلالِ بْنِ رَباحٍ: واللهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا".
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "واللهِ ما أدْرِي ما الحَنانُ".
و"الزَكاةُ" التَطْهِيرُ والتَنْمِيَةُ في وُجُوهِ الخَيْرِ والبِرِّ، و"التَقِيُّ" فَعِيلٌ مِن تَقْوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ؛ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ»، وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَعْصِ اللهَ قَطُّ بِصَغِيرَةٍ ولا بِكَبِيرَةِ ولا هَمَّ بِامْرَأةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ طَعامُ يَحْيى العُشْبَ، وكانَ لِلدَّمْعِ في خَدِّهِ مَجارٍ ثابِتَةٍ.
ومِنَ الشَواهِدِ في الحَنانِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وتَمْنَحُها بَنُو شَمَجى بْنِ جِرْمٍ مُعِيزَهُمْ، حَنانَكَ ذا الحَنانِ وَقَوْلُ النابِغَةِ: أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبَقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وقالَ الآخَرُ: فَقالَتْ: حَنانٌ ما أتى بِكَ ها هُنا؟
∗∗∗ أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ عارِفُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا ﴾ ، البَرُّ: الكَثِيرُ البِرِّ، و الجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ، كَأنَّهُ يَجْبُرُ الناسَ عَلى أخْلاقِهِ، الجَبّارَةُ: النَخْلَةُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، و العَصِيُّ أصِلُهُ عَصُويٌ، فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٌ، ورَوِيَ أنْ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُواقِعْ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلامٌ عَلَيْهِ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ، وهي أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَرَفُ في أنْ سَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ وحَيّاهُ في المَواطِنِ الَّتِي الإنْسانُ فِيها في غايَةِ الضَعْفِ والحاجَةِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ والفَقْرِ إلى اللهِ وعَظِيمِ الهَوْلِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ ويَحْيى بْنَ زَكَرِيّا صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِما التَقَيا، وهُما ابْنا الخالَةِ، فَقالَ يَحْيى لِعِيسى: ادْعُ لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ لَهُ عِيسى: بَلْ أنْتَ ادْعُ لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمَ اللهُ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ لِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ: انْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في التَسْلِيمِ فَضْلُ عِيسى بِأنْ قالَ: إذْلالُهُ في التَسْلِيمِ عَلى نَفْسِهِ ومَكانَتُهُ مِنَ اللهِ الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ حِينَ قَرَّرَ وحَكى في مُحْكَمِ التَنْزِيلِ أعْظَمُ في المَنزِلَةِ مِن أنْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.
ولِكُلٍّ وجْهٌ.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أنه عطف على ﴿ وءاتيناه الحكم صبياً ﴾ [مريم: 12] مخاطباً به المسلمون ليعلموا كرامة يحيى عند الله.
والسّلام: اسم للكلام الذي يفاتح به الزائر والراحل فيه ثناء أو دعاء.
وسمي ذلك سلاماً لأنه يشتمل على الدعاء بالسلامة ولأنه يؤذن بأن الذي أقدم هو عليه مسالم له لا يخشى منه بأساً.
فالمراد هنا سلام من الله عليه، وهو ثناء الله عليه، كقوله ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ [يس: 58].
فإذا عرّف السلام باللام فالمراد به مثل المراد بالمنكّر أو مراد به العهد، أي سلام إليه، كما سيأتي في السلام على عيسى.
فالمعنى: أن إكرام الله متمكن من أحواله الثلاثة المذكورة.
وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداءِ أطوار: طور الورود على الدنيا، وطور الارتحال عنها، وطور الورود على الآخرة.
وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال.
والمراد باليوم مطلق الزمان الواقع فيه تلك الأحوال.
وجيء بالفعل المضارع في ﴿ ويوم يموت ﴾ لاستحضار الحالة التي مات فيها، ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلاّ إجمالاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ ﴾ وفي قائِلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ زَكَرِيّا لِيَحْيى حِينَ نَشَأ.
الثّانِي: قَوْلُ اللَّهِ لِيَحْيى حِينَ بَلَغَ.
وَفي هَذا ﴿ الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صُحُفُ إبْراهِيمَ.
الثّانِي: التَّوْراةُ.
﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: العَمَلُ بِما فِيهِ مِن أمْرٍ والكَفُّ عَمّا فِيهِ مِن نَهْيٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اللُّبُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: الفَهْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: الأحْكامُ والمَعْرِفَةُ بِها.
الرّابِعُ: الحِكْمَةُ.
قالَ مَعْمَرٌ: إنَّ الصِّبْيانَ قالُوا لِيَحْيى اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ فَقالَ ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ وكانَ ابْنَ ثَلاثِ سِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَنانًا مِن لَدُنّا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: رَحْمَةٌ مِن عِنْدِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ رَحْمَتَكَ وإحْسانَكَ.
الثّانِي: تَعَطُّفًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَحَبَّةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: بَرَكَةً، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الخامِسُ: تَعْظِيمًا.
السّادِسُ: يَعْنِي آتَيْنا تَحَنُّنًا عَلى العِبادِ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ رِفْقًا لِيَسْتَعْطِفَ بِهِ القُلُوبَ وتُسْرِعَ إلَيْهِ الإجابَةُ ﴿ وَزَكاةً ﴾ فِيها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها العَمَلُ الصّالِحُ الزّاكِي، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما يُزَكِّي الشُّهُودُ إنْسانًا.
الثّالِثُ: يَعْنِي صَدَقَةً بِهِ عَلى والِدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ وَكانَ تَقِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما مُطِيعًا لِلَّهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بارًّا بِوالِدَيْهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ قال: بجد ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: الفهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ خذ الكتاب بقوة ﴾ يقول: اعمل بما فيه من فرائضه.
وأخرج ابن المنذر، عن مالك بن دينار قال: سألنا عكرمة عن قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: اللب.
وأخرج أبو نعيم وابن مردويه والديلمي، عن ابن عباس، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين» .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: وهو ابن ثلاث سنين.
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي وابن عساكر، عن معمر بن راشد في قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، قال: ما للعب خلقت.
فهو قوله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق معمر، عن قتادة قال: جاء الغلمان إلى يحيى بن زكريا فقال: ما للعب خلقت.
قال: فأنزل الله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرجه ابن عساكر، عن معاذ بن جبل مرفوعاً.
وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق سهل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال الغلمان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيى: ما للعب خلقنا!
اذهبوا نصلي.
فهو قول الله: ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فقد أوتي الحكم صبياً» .
وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحناناً ﴾ قال: لا أدري ما هو، إلا أني أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة.
وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ وحناناً ﴾ فلم يجر فيها شيئاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت طرفة بن العبد البكري وهو يقول: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ** حنانيك بعض لشر أهون من بعض وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: تعطفاً من ربه عليه.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: الرحمة.
وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: ﴿ رحمة من عندنا ﴾ لا يملك عطاءها أحد غيرنا.
وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد الجهني في قوله: ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: الحنان المحبب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ وحناناً من لدنا ﴾ قال: رحمة من عندنا ﴿ وزكاة ﴾ قال صدقة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وزكاة ﴾ قال: بركة.
وفي قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ قال: طهر فلم يعمل بذنب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ قال: لم يعصه ولم يهم بها.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ قال: كان سعيد بن المسيب يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا» قال قتادة: وقال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم بامرأة» .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ قال: ذكره الله برحمته منه حيث دعاه ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ يعني دعا ربه ﴿ دعاء خفياً ﴾ في الليل، لا يسمع أحداً، أو يسمع أذنيه.
فقال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ يعني ضعف العظم مني ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ يعني غلب البياض السواد ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ أي لم أدعك قط فخيبتني فيما مضى، فتخيبني فيما بقي، فكما لم أشق بدعائي فيما مضى، فكذلك لا أشقى فيما بقي، عوّدتني الإجابة من نفسك.
﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ فلم يبق لي وارث، وخفت العصبة أن ترثني ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ يعني من عندك ولداً ﴿ يرثني ﴾ يعني يرث محرابي، وعصاي وبرنس العربان، وقلمي الذي أكتب به الوحي ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ النبوّة ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ يعني مرضياً عندك زاكياً بالعمل، فاستجاب الله له، فكان قد دخل في السن هو وامرأته.
فبينا هو قائم يصلي في المحراب، حيث يذبح القربان، إذا هو برجل عليه البياض حياله، وهو جبريل فقال: ﴿ يا زكريا إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ هو اسم من أسماء الله، اشتق من حي سماه الله فوق عرشه ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ لم يجعل لزكريا من قبل يحيى ولد له ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يعني هل تعلم له ولداً، ولم يكن لزكريا قبله ولد، ولم يكن قبل يحيى أحد يسمى يحيى قال: وكان اسمه حياً، فلما وهب الله لسارة إسحق، فكان اسمها يسارة، ويسارة من النساء التي لا تلد، وسارة من النساء: الطالقة الرحم التي تلد فسماها الله سارة وحول الياء من سارة إلى حي فسماه يحيى، فقال: ﴿ رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً ﴾ خاف أنها لا تلد.
قال: ﴿ كذلك قال ربك ﴾ ﴿ يا زكريا هو عليّ هين وقد خلقتك من قبل ﴾ أن أهب لك يحيى ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ وكذلك أقدر على أن أخلق من الكبير والعاقر.
وذلك أن إبليس أتاه فقال: يا زكريا، دعاؤك كان خفياً فأجبت بصوت رفيع، وبشرت بصوت عال، ذلك صوت من الشيطان، ليس من جبريل، ولا من ربك.
﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ حتى أعرف أن هذه البشرى منك.
﴿ قال آيتك أَلا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ يعني صحيحاً من غير خرس.
فحاضت زوجته، فلما طهرت طاف عليها فاستحملت، فأصبح لا يتكلم وكان إذا أراد التسبيح والصلاة أطلق الله لسانه فإذا أراد أن يكلم الناس؛ اعتقل لسانه فلا يستطيع أن يتكلم، وكانت عقوبة له لأنه بشر بالولد فقال: ﴿ أَنى يكون لي غلام ﴾ فخاف أن يكون الصوت من غير الله ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ يعني من مصلاه الذي كان يصلي فيه.
فأوحى إليهم بكتاب كتبه بيده ﴿ أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ يعني صلوا صلاة الغداة والعصر، فولد له يحيى على ما بشره الله نبياً تقياً صالحاً ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ يعني بجد وطاعة واجتهاد وشكر وبالعمل بما فيه ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ يعني الفهم ﴿ صبياً ﴾ صغيراً وذلك أنه مر على صبية أتراب له، يلعبون على شاطئ نهر بطين وبماء، فقالوا: يا يحيى تعالَ حتى نلعب، فقال: سبحان الله!
أو للعب خلقنا؟!
﴿ وحناناً ﴾ يعني ورحمة ﴿ منا ﴾ وعطفاً ﴿ وزكاة ﴾ يعني وصدقة على زكريا ﴿ وكان تقياً ﴾ يعني مطهراً مطيعاً لله ﴿ وبراً بوالديه ﴾ كان لا يعصيهما ﴿ ولم يكن جباراً ﴾ يعني قتال النفس التي حرم الله قتلها ﴿ عصياً ﴾ يعني عاصياً لربه.
﴿ وسلام عليه ﴾ يعني حين سلم الله عليه ﴿ يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى، قالت لمريم: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
قال مالك: أرى ذلك لتفضيل الله عيسى، لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشة إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن خزيمة والدارقطني في الأفراد وأبو نصر السجزي في الإبانة والطبراني، عن ابن عباس قال: «كنا في حلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم نتذاكر فضائل الأنبياء، فذكرنا نوحاً وطول عبادته، وذكرنا إبراهيم وموسى وعيسى فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تذاكرون بينكم فذكرنا له، فقال: أما إنه لا ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا أما سمعتم الله كيف وصفه في القرآن ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوّة ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كلمه الله تكليماً، وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل: إبراهيم خليل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب يحيى بن زكريا» .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكريا، لم يهم بخطيئة ولم يعملها» .
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والحاكم عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن يحيى بن جعدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا، ما هم بخطيئة ولا حاكت في صدره امرأة» .
وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن حبيب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بعلت النساء عن ولد ينبغي له أن يقول: أنا أفضل من يحيى بن زكريا لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها» .
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طلحة رفعه قال: ما ارتكض في النساء من جنين ينبغي له أن يقول: أنا أفضل من يحيى بن زكريا، لأنه لم يحك في صدره خطيئة ولم يهم بها.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال يحيى لعيسى: استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى: بل أنت خير مني، سلم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي، فعرف والله فضلها.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم والضياء، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيداً شباب أهل الجنة- إلا ابني الخالة- عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا» .
وأخرج الحاكم من طريق سمرة، عن كعب قال: كان يحيى لا يقرب النساء ولا يشتهيهن، وكان شاباً حسن الوجه، لين الجناح، قليل الشعر، قصير الأصابع، طويل الأنف، أقرن الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قوياً في الطاعة.
وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه وابن عساكر، عن أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من هوان الدنيا على الله، أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة» .
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: من أنكر البلاء، فإني لا أنكره، لقد ذكر لي أنما قتل يحيى بن زكريا في زانية.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريقه: أنا أبو يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه فقال له: «يا أبا يحيى، خبرني عن قتلك كيف كان؟
ولم قتلك بنو إسرائيل؟
قال: يا محمد، إن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً، وكان كما قال الله: ﴿ سيداً وحصوراً ﴾ وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه، وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى، وَلَهُم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجباً، ولم تكن تسأله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، قالت: أريد دم يحيى بن زكريا.
قال لها: سليني غيره.
قالت: هو ذاك.
قال: هو لك، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي، فذبح في طست، وحمل رأسه ودمه إليها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما بلغ من صبرك؟
قال: ما انفتلت من صلاتي، فلما حمل رأسه إليها ووضع بين يديها،- فلما أمسوا- خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: لقد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا، فنقتل زكريا، فخرجوا في طلبي ليقتلوني، فجاءني النذير، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي: فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم، عرضت لي شجرة فنادتني فقالت: إلي إلي، وانصدعت لي، فدخلت فيها، وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة، وجاء بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة!
هذا طرف ردائه دخل به الشجرة، فقالوا: نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقاً.
قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا زكريا، هل وجدت له مساً أو وَجعاً؟
قال: لا، إنما وجدت تلك الشجرة جعل الله روحي فيها» .
وأخرج ابن عساكر، عن وهب بن منبه «أن زكريا هرب ودخل جوف شجرة، فوضع على الشجرة المنشار وقطع بنصفين، فلما وقع المنشار على ظهره أنَّ، فأوحى الله يا زكريا إما أن تكف عن أنينك، أو أقلب الأرض ومن عليها فسكت حتى قطع نصفين» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر عن يزيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى؟
طعامك الجراد وقلوب الشجر.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عساكر، عن أبي إدريس الخولاني وابن المبارك وأحمد في الزهد وأبو نعيم، عن مجاهد قالا: كان طعم يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان القار على عينه لأحرقه!
ولقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه.
وأخرج ابن عساكر، عن يونس بن ميسرة قال: مر يحيى بن زكريا على دينار فقال: قبح هذا الوجه يا دينار، يا عبد العبيد، ومعبد الأحرار.
وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال: سأل يحيى بن زكريا ربه؟
قال: رب، اجعلني أسلم على ألسنة الناس، ولا يقولون فيّ إلا خيراً.
فأوحى الله إليه: يا يحيى لم أجعل هذا لي، فكيف أجعله لك؟.
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب وابن عساكر، عن ثابت البناني قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى: ما هذه؟!
قال: هذه الشهوات التي أصيب بها بنو آدم.
قال له يحيى: هل لي فيها شيء؟
قال: لا.
قال: فهل تصيب مني شيئاً؟
قال: ربما شبعت، فثقلناك عن الصلاة والذكر.
قال: هل غيره؟
قال: لا.
قال: لا جرم، لا أشبع أبداً.
وأخرج ابن عساكر من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي قال: كان ملك مات وترك امرأته وابنته، فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعلمون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوّجها فإنها بغي، فبلغ المرأة ذلك، فقالت: ليقتلن يحيى أو ليخرجن من ملكه.
فعمدت إلى ابنتها فصيغتها، ثم قالت اذهبي إلى عمك عند الملأ، فإنه إذا رآك سيدعوك، ويجلسك في حجره ويقول: سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فإذا قال لك قولي: فقولي لا أسألك شيئاً إلا رأس يحيى، وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ، ثم لم يمض له، نزع من ملكه.
ففعلت ذلك، فجعل يأتيه الموت من قتله يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من ملكه، فاختار ملكه، فقتله، فساخت بأمها الأرض.
قال ابن جدعان: فحدثت بهذا الحديث ابن المسيب، فقال: أما أخبرك كيف كان قتل زكريا؟
قلت: لا.
قال: إن زكريا حيث قتل ابنه، انطلق هارباً منهم، واتبعوه حتى أتى على شجرة ذات ساق، فدعته إليها فانطوت عليه، وبقيت من ثوبه هدبة تلعبها الريح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثره عندها، فنظروا تلك الهدبة، فدعوا المنشار، فقطعوا الشجرة فقطعوه فيها.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمرو قال: التي قتلت يحيى بن زكريا امرأة ورثت الملك عن آبائها، فأتيت برأس يحيى وهي على سريرها، فقال للأرض خذيها فأخذتها وسريرها فذهب بها.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير: أن ملكاً أراد أن يتزوج ابنة أخيه، فاستفتى يحيى بن زكريا؟
فقال: لا تحل لك.
فسألت قتله؟
فبعث إليه- وهو في محرابه يصلي- فذبحوه، ثم حزوا رأسه وأتوا به الملك، فجعل الرأس يقول: لا يحل لك ما تريد.
وأخرج ابن عساكر عن ابن شوذب قال: قال يحيى بن زكريا للذي جاء يحز رأسه: أما تعلم أني نبي؟
قال: بلى، ولكني مأمور.
وأخرج الحاكم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بابن ابنتك سبيعن ألفا وسبعين ألفاً.
وأخرج ابن عساكر، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبياً منهم يحيى بن زكريا.
وأخرج ابن عساكر عن قرة قال: ما بكت السماء على أحد، إلا على يحيى بن زكريا، والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها.
وأخرج أحمد في الزهد، عن خالد بن ثابت الربعي قال: لما قتل فجرة بني إسرائيل- يحيى بن زكريا، أوحى الله إلى نبي من أنبيائهم: أن قل لبني إسرائيل «إلى متى تجترئون على أن تعصوا أمري، وتقتلوا رسلي؟
وحتى متى أضمكم في كنفي؟
كما تضم الدجاجة أولادها في كنفها، فتجترئون علي!
اتقوا، لا أؤاخذاكم بكل دم كان بين ابني آدم ويحيى بن زكريا، واتقوا، أن أصرف عنكم وجهي، فإني إن صرفت عنكم وجهي لا أقبل عليكم إلى يوم القيامة» .
وأخرج أحمد عن سعيد بن جبير قال: لما قتل يحيى عليه السلام قال: بعض أصحابه لصاحب له: ابعث إلي بقميص نبي الله يحيى أشمه، فبعث به إليه، فإذا سداه ولحمته ليف!.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن يونس بن عبيد قال: بلغنا أنه كان رجل يجور على مملكته ويعدي عليهم، فائتمروا بقتله، فقالوا: نبي الله زكريا بين أظهرنا، فلو أتيناه فأتوا منزله، فإذا فتاة جميلة رائعة قد أشرق لها البيت حسناً، فقالوا: من أنتِ؟
قالت: امرأة زكريا.
فقالوا فيما بينهم: كنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فإذا هو عنده امرأة من أجمل النساء، ثم إنهم رأوه في عمل عند قوم ويعمل لهم، حتى إذا حضر غداؤه قرب رغيفين، فأكل ولم يدعهم، ثم قام فعمل بقية عمله، ثم علق خفيه على عنقه والمسحاة والكساء، قال: ما حاجتكم؟
قالوا: قد جئنا لأمر، ولقد كاد يغلبنا ما رأينا، على ما جئنا له.
قال: فهاتوا؟
قالوا: أتينا منزلك، فإذا امرأة جميلة رائعة!
وكنا نرى نبي الله لا يريد الدنيا، فقال: إني إنما تزوجت امرأة جميلة رائعة، لأكف بها بصري، وأحفظ بها فرجي، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: ورأيناك قدمت رغيفين، فأكلت ولم تدعنا؟!
قال: إن القوم استأجروني على عمل، فخشيت أن أضعف عن عملهم، ولو أكلتم معي لم يكفني ولم يكفكم، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: ورأيناك وضعت خفيك على عنقك، والمسحاة والكساء.
فقال: إن هذه الأرض جديدة، وكرهت أن أنقل تراب هذه في هذه، فخرج نبي الله مما قالوا.
قالوا: إن هذا الملك يجور علينا ويظلمنا، وقد ائتمرنا لقتاله.
قال: أي قوم، لا تفعلوا، فإن إزالة جبل من أصله أهون من إزالة ملك مؤجل.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال ابن عباس: (فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته مر بعيد) (١) ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ أي مخلصا مطيعا.
قال أبو إسحاق: (تأويله إني أعوذ بالله منك، فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك) (٢) (١) ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 223 بدون نسبة.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 323.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى ﴾ يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿ مِن وَرَآءِى ﴾ أي من بعدي ﴿ عَاقِراً ﴾ أي عقيماً ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يعني وارثاً يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وكذلك ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح ﴿ رَضِيّاً ﴾ أي مرضياً فهو فعيل: بمعنى مفعول ﴿ سَمِيّاً ﴾ يعني من سُمي باسمه، وقيل: مثيلاً ونظيراً، والأول أحسن هنا ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ ﴿ عِتِيّاً ﴾ قيل: يبساً في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر ﴿ كذلك ﴾ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقاً له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.
كذلك.
ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿ سَوِيّاً ﴾ أي سليماً غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سوياً يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله ﴿ يايحيى ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: ﴿ خُذِ الكتاب ﴾ يعني التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿ وآتيناه الحكم صَبِيّاً ﴾ قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة ﴿ وَحَنَاناً ﴾ قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ﴿ وزكاوة ﴾ أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .
قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.
وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.
وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.
وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!
أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.
وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.
وقيل: كتب لهم على الأرض.
وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.
قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.
والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.
وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.
وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.
وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.
ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.
وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.
وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.
قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.
وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.
وقال بعضهم: الحكمة والعلم.
فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.
وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.
وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: الحنان: المحبة.
وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.
وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.
وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.
وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.
وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .
بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.
وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.
وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .
يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.
والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.
وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.
<div class="verse-tafsir"
فلما رأته في صورة إنسان سَوِيّ الخَلْق يتّجه إليها قالت: إني أستجير بالرحمن منك أن ينالني منك سوء -يا هذا- إن كنت تقيًّا تخاف الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.OOkq3"