الآية ٢٣ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٣ من سورة مريم

فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًۭا مَّنسِيًّۭا ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 133 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) أي : فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة وهي نخلة في المكان الذي تنحت إليه .

وقد اختلفوا فيه ، فقال السدي : كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس .

وقال وهب بن منبه : ذهبت هاربة ، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ، ضربها الطلق .

وفي رواية عن وهب : كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس ، في قرية هناك يقال لها : " بيت لحم " .

قلت : وقد تقدم في حديث الإسراء ، من رواية النسائي عن أنس ، رضي الله عنه ، والبيهقي عن شداد بن أوس ، رضي الله عنه : أن ذلك ببيت لحم ، فالله أعلم ، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض ، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم ، وقد تلقاه الناس .

وقد ورد به الحديث إن صح .

وقوله تعالى إخبارا عنها : ( قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدقونها في خبرها ، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة ، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية ، فقالت : ( يا ليتني مت قبل هذا ) أي قبل هذا الحال ، ( وكنت نسيا منسيا ) أي لم أخلق ولم أك شيئا .

قاله ابن عباس .

وقال السدي : قالت وهي تطلق من الحبل - استحياء من الناس : يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه ، والحزن بولادتي المولود من غير بعل ( وكنت نسيا منسيا ) نسي فترك طلبه ، كخرق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر .

وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي .

وقال قتادة : ( وكنت نسيا منسيا ) أي : شيئا لا يعرف ، ولا يذكر ، ولا يدرى من أنا .

وقال الربيع بن أنس : ( وكنت نسيا منسيا ) وهو السقط .

وقال ابن زيد : لم أكن شيئا قط .

وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة ، عند قوله : ( توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) [ يوسف : 101 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا ، كما قال جل ثناؤه آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ والمعنى: بزُبَر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال : جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب " : شرّ ما أجاءني إلى مُخَّة عرقوب "، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلى ذلك ; ومنه قول زهير: وَجــارٍ ســارَ مُعْتَمِــدًا إلَيْكُــمْ أجاءَتْـــهُ المَخافَـــةُ والرَّجــاءُ (8) يعنى: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأوّل من تأوّل ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ) قال : المخاض ألجأها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض.

قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد ، عن قتادة، قوله ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: اضطرّها إلى جذع النخلة.

واختلفوا في أيّ المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءَها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت ، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النَّجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان ، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحِبُها يوسف; فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قطّ; وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها; فلما اشتدّ عليه ذلك كلمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟

قالت: نعم ، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر; أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟

قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟

قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ، ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك; فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك ، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حُبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آريّ حمار، يعنى مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرّا " الشكّ من أبي جعفر "، فاشتدّ على مريم المخاض; فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.

وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما حدثنا به ابن حميد ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادُها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق ، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها.

وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جِذْعِ النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج : أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملتْ فولدتْ.

وقوله: ( يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ) ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس.

كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) تقول: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي.

ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والجَسر والجِسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا; وبالكسر قرأت عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة; وبالفتح قرأه أهل الكوفة; ومنه قول الشاعر: كـأنَّ لَهَـا فِـي الأرْضِ نِسْـيا تَقُصُّهُ إذَا مــا غَـدَتْ وإنْ تُحَـدّثْكَ تَبْلَـتِ (9) ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر: أتــيُ الفَوَاحِــشِ فِيهِــمُ مَعْرَوفَـةٌ وَيَــروْنَ فِعْـلَ المَكْرُمـاتِ حَرَامَـا (10) وقوله (مَنْسيًّا) مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: ( يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) لم أخلق، ولم أك شيئا.

حدثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة، قوله ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ( نَسْيًا مَنْسِيًّا ) قال: هو السقط.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد، في قوله ( يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) لم أكن في الأرض شيئًا قط.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ( أجاءها ) اضطرها ؛ وهو تعدية جاء بالهمز .

يقال : جاء به وأجاءه إلى موضع كذا ، كما يقال : ذهب به وأذهبه .

وقرأ شبيل [ ص: 20 ] ورويت عن عاصم ( فاجأها ) من المفاجأة .

وفي مصحف أبي ( فلما أجاءها المخاض ) .وقال زهير :وجار سار معتمدا إلينا أجاءته المخافة والرجاءوقرأ الجمهور المخاض بفتح الميم .

وابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو الطلق وشدة الولادة وأوجاعها .

مخضت المرأة تمخض مخاضا ومخاضا .

وناقة ماخض أي دنا ولادها .

إلى جذع النخلة كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به ، كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق .

والجذع ساق النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف عليه ولا غصن ؛ ولهذا لم يقل إلى النخلة .قالت يا ليتني مت قبل هذا تمنت مريم - عليها السلام - الموت من جهة الدين لوجهين : أحدهما : أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك .

الثاني : لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنا وذلك مهلك .

وعلى هذا الحد يكون تمني الموت جائزا ، وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة يوسف - عليه السلام - والحمد لله .قلت : وقد سمعت أن مريم - عليها السلام - سمعت نداء من يقول : اخرج يا من يعبد من دون الله فحزنت لذلك .

و قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا النسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه .

وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا : احفظوا أنساءكم ؛ الأنساء جمع نسي وهو الشيء الحقير يغفل فينسى .

ومنه قول الكميت - رضي الله تعالى عنه - :أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخلوقال الفراء : النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها ؛ فقول مريم : ( نسيا منسيا ) أي حيضة ملقاة .

وقرئ ( نسيا ) بفتح النون وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر والوتر .

وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز ( نسئا ) بكسر النون .

وقرأ نوف البكالي ( نسئا ) بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره .

وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب .

وقرأ بكر بن حبيب ( نسا ) بتشديد السين وفتح النون دون همز .

وقد حكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى - عليه السلام - حملت أيضا أختها بيحيى ، فجاءتها أختها زائرة فقالت : يا مريم أشعرت أنت أني حملت ؟

فقالت لها : وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك ؛ فذلك أنه [ ص: 21 ] روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم ؛ قال السدي فذلك قوله : مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار ، كان يخدم معها في المسجد وطول في ذلك .

قال الكلبي : قيل ليوسف - وكانت سميت له أنها حملت من الزنا - فالآن يقتلها الملك ، فهرب بها ، فهم في الطريق بقتلها ، فأتاه جبريل - عليه السلام - وقال له : إنه من روح القدس ؛ قال ابن عطية : وهذا كله ضعيف .

وهذه القصة تقتضي أنها حملت ، واستمرت حاملا على عرف النساء ، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر .

قاله عكرمة ؛ ولذلك قيل : لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظا لخاصة عيسى .

وقيل : ولدته لتسعة .

وقيل : لستة .

وما ذكرناه عن ابن عباس أصح وأظهر .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { مَكَانًا قَصِيًّا ْ} فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا منسيا فلا تذكر.

وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأجاءها ) أي : ألجأها وجاء بها ، ( المخاض ) وهو وجع الولادة ، ( إلى جذع النخلة ) وكانت نخلة يابسة في الصحراء ، في شدة الشتاء ، لم يكن لها سعف .

وقيل : التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة ، ( قالت يا ليتني مت قبل هذا ) تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة ، ( وكنت نسيا ) قرأ حمزة وحفص ( نسيا ) بفتح النون ، [ والباقون بكسرها ] وهما لغتان ، مثل : الوتر والوتر ، والجسر والجسر ، وهو الشيء المنسي " و " النسي " في اللغة : كل ما ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته .

( منسيا ) أي : متروكا قال قتادة : شيء لا يعرف ولا يذكر .

قال عكرمة والضحاك ومجاهد : جيفة ملقاة .

وقيل : تعني لم أخلق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأجاءَها» جاءَ بها «المخاض» وجع الولادة «إلى جذع النخلة» لتعتمد عليه فولدت والحمل والتصوير والولادة في ساعة «قالت يا» للتنبيه «ليتني متُّ قبل هذا» الأمر «وكنت نسيا منسيا» شيئا متروكا لا يعرف ولا يذكر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فألجأها طَلْقُ الحمل إلى جذع النخلة فقالت: يا ليتني متُّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُعْرَف، ولا يُذْكَر، ولا يُدْرَى مَن أنا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما اعتراها من حزن عندما أحست بقرب الولادة فقال : ( فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة قَالَتْ ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ) .وقوله : ( فَأَجَآءَهَا ) أى : فألجأها ، يقال : أجأته إلى كذا ، بمعنى : ألجأته واضطرته إليه .

ويقال : جاء فلان .

وأجاءه غيره ، إذا حمله على المجىء ، ومنه قول الشاعر :وجارٍ سارَ معتمداً علينا ...

أجاءته المخافة والرجاءقال صاحب الكشاف : " أجاء : منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء .

ألا تراك تقول : جئت المكان وأجاءنيه زيد ، كما تقول : بلغته وأبلغنيه .

.

" .والمخاض : وجع الولادة .

يقال : مخضت المرأة - بكسر الخاء - تمخض - بفتحها - إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض ، وهو الحركة الشديدة ، وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين فى بطن الأم عند قرب خروجه .وجذع النخلة : ساقها الذى تقوم عليه .أى : وبعد أن حملت مريم بعيسى ، وابتعدت به - وهو محمول فى بطنها - عن قومها ، وحان وقت ولادتها .

ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لنتكىء عليه عند الولادة .

.

.فاعتراها فى تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت : ( ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا ) الحمل والمخاض الذى حل بى ( وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ) أى : وكنت شيئاً منسياً متروكاً ، لا يهتم به أحد ، وكل شىء نُسى وترك ولم يطلب فهو نَسْىٌ ونسِيُّ .قال القرطبى : " والنِّسْىُ فى كلام العرب : الشىء الحقير الذى من شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد ، والحبل للمسافر ، وقرىء : ( نَسْياً ) بكسر النون وهما لغتان مثل : الوِتر والوَتر .

.

.

" .قال الآلوسى ما ملخصه : " وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل من الوعد الكريم ، استحياء من الناس ، وخوفاً من لائمتهم ، أو حذرا من وقوع الناس فى المعصية بسبب كلامهم فى شأنها .وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه - لأنه يتعلق بأمر دينى - نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر .

.

.

ففى صحيح مسلم ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا فليقل : الله أحينى ما كانت الحياة خيراً لى ، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى " .ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد اساء الظن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى  ﴾ وقال فنفخنا فيها لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ فكذا هاهنا وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: ﴿ لأَهَبَ لَكِ  ﴾ أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلابد من إحالة النفخ إليه، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين: الأول: قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم.

الثاني: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

الثالث: قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله  ﴾ .

الرابع: أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفاً وهو، وكان أمراً مقضياً، فنفخ فيها فحملته.

المسألة الثانية: قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال.

المسألة الثالثة: ﴿ فانتبذت بِهِ ﴾ أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن  ﴾ أي تنبت والدهن فيها، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه: أحدها: ما رواه الثعلبي في العرائس عن وهب قال: إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً ولا عبادة منهما، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل قولاً جميلاً قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت نعم: ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون، فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟

فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها.

وثانيها: أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.

وثالثها: أنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا بها، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.

ورابعها: أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها.

المسألة الرابعة: اختلفوا في مدة حملها على وجوه: الأول: قول ابن عباس رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر.

الثاني: أنها كانت ثمانية أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام.

الثالث: وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر.

الرابع: أنها كانت ستة أشهر.

الخامس: ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة.

السادس: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ ﴾ ﴿ فَأَجَاءهَا المخاض ﴾ ، ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا  ﴾ والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكاناً قصياً كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول: السدي فسره بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها.

الثاني: أن الله تعالى قال في وصفه: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل، وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة.

المسألة الخامسة: ﴿ قَصِيّاً ﴾ أي بعيد من أهلها، يقال مكان قاص، وقصي بمعنى واحد مثل عاص وعصي، ثم اختلفوا فقيل: أقصى الدار، وقيل وراء الجبل، وقيل: سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف: أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلباً لسهولة الولادة للتشبث بها.

ويحتمل للتقوية والاستناد إليها، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه القالة إذا رآها، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت.

المسألة السابعة: قال في الكشاف قرأ ابن كثير في رواية المخاض بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضاً وهو تمخض الولد في بطنها.

المسألة الثامنة: قال في الكشاف كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر.

المسألة التاسعة: لم قالت: ﴿ ياليتنى مِتُّ قَبْلَ هذا ﴾ مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين، والجواب من وجهين: الأول: قال وهب: أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس (من) بشارة الملائكة بعيسى عليه السلام.

الثاني: أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك.

وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة وتأكل من الثمر!

وددت أني ثمرة ينقرها الطائر!

وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال: ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئاً!

وقال علي يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلال لم تلده أمه.

فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

الثالث: لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به.

المسألة العاشرة: قال صاحب الكشاف النسي ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ  ﴾ تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسياً بالفتح والباقون نسياً بالكسر قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر، وقرأ محمد بن كعب القرظي نسيئاً بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسياً بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَأَجَاءهَا ﴾ أجاء: منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه.

ونظيره ﴿ آتي ﴾ حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان.

قرأ ابن كثير في رواية ﴿ المِخَاضُ ﴾ بالكسر.

يقال: مخضت الحامل مخاضا ومِخاضاً، وهو تمخض الولد في بطنها.

طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل.

وإمّا أن يكون تعريف الجنس، أي: جذع هذه الشجرة خاصة، كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو حرسة النفساء الموافقة لها.

ولأن النخلة أقل شيء صبراً على البرد، وثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها وألجأها إليها.

[ ﴿ قَالَتْ ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا ﴾ ] قرئ ﴿ مِتُّ ﴾ بالضم والكسر، يقال: مات يموت ومات يمات.

النسيّ: ما من حقه أن يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 107] وعن يونس: العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أي: الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ، تمنت لو كانت شيئاً تافها لا يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه، وذلك لما لحقها من فرط الحياء والتشوّر من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدّة التكليف عليها إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة وبضدّ ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيباً يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

وقرأ ابن وَثَّاب والأعمش وحمزة وحفص ﴿ نسياً ﴾ بالفتح.

قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر.

ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر.

كالحمل.

وقرأ محمد بن كعب القرظي ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله لقلته ونزارته.

وقرأ الأعمش ﴿ منسيا ﴾ بالكسر على الإتباع، كالمغيرة والمنخر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ فَألْجَأها المَخاضُ، وهو في الأصْلِ مَنقُولٌ مِن جاءَ لَكِنَّهُ خُصَّ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ كَآتى في أعْطى وقُرِئَ «المِخاضُ» بِالكَسْرِ وهُما مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ إذا تَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِها لِلْخُرُوجِ.

﴿ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ لِتَسْتَتِرَ بِهِ وتَعْتَمِدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الوِلادَةِ، وهو ما بَيْنَ العِرْقِ والغُصْنِ وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً لا رَأْسَ لَها ولا خُضْرَةَ وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ إذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُها وكانَتْ كالمُتَعالِمِ عِنْدَ النّاسِ، ولَعَلَّهُ تَعالى ألْهَمَها ذَلِكَ لِيُرِيَها مِن آياتِهِ ما يُسَكِّنُ رَوْعَتَها ويُطْعِمُها الرُّطَبَ الَّذِي هو خَرْسَةُ النُّفَساءِ المُوافِقَةُ لَها.

﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ اسْتِحْياءً مِنَ النّاسِ ومَخافَةَ لَوْمِهِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ﴿ مِتُّ ﴾ مِن ماتَ يَمُوتُ.

﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا ﴾ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُطْلُبَ ونَظِيرُهُ الذَّبْحُ لِما يُذْبَحُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، وقُرِئَ بِهِ وبِالهَمْزِ وهو الحَلِيبُ المَخْلُوطُ بِالماءِ يَنْسَؤُهُ أهْلُهُ لِقِلَّتِهِ.

﴿ مَنسِيًّا ﴾ مَنسِيَّ الذِّكْرِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ وقُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى الإتْباعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَجَاءهَا} جاء بها وقيل ألجأها وهو منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل الى معنى الالجاء ألاتراك لا تقول جئت المكان وأجاء فيه زيد {المخاض} وجع الولادة {إلى جذع النخلة} اصلها وكانت يابسة وكان الوقت شتاء وتعريفها مشعر بأنها كانت نخلة معروفة وجاز أن يكون التعريف للجنس أي جذع هذه الشجرة كأنه تعالى أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب لأنه خرسة النفساء أي طعامها ثم {قَالَتْ} جزعاً مما أصابها {يا ليتني مت قبل هذا} اليوم مدني وكوفي غير أبي بكر وغيرهم بالضم يقال مات يموت ومات يمات {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر بفتح النون حمزة وحفص بالكسر غيرهما ومعناهما واحد وهو الشيء الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ أيْ: ألْجَأها كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ، وفي الصَّحّاحِ: أجَأْتُهُ إلى كَذا بِمَعْنى ألْجَأْتُهُ واضْطَرَرْتُهُ إلَيْهِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سَلْمى: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا عَلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ قالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ مِن جِئْتُ وقَدْ جَعَلَتْهُ العَرَبُ إلْجاءً، وفي المَثَلِ شَرُّ ما يَجِيئُكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ.

انْتَهى، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المَعْنى جاءَ بِها واعْتُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ وأطالَ الكَلامَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ (والمَخاضُ) بِفَتْحِ المِيمِ كَما في قِراءَةِ الأكْثَرِينَ وبِكَسْرِها كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِها إذا أخَذَها الطَّلْقُ وتَحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطْنِها لِلْخُرُوجِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ( فاجاءَها ) بِإمالَةِ فَتْحَةِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ (فاجَأها) مِنَ المُفاجَأةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَزْرَةَ أيْضًا، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ قِراءَتَهُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيها قَدْ قُلِبَتْ ألِفًا ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ غَيْرَ مَقْلُوبَةٍ.

﴿ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ لِتَسْتَنِدَ إلَيْهِ عِنْدَ الوِلادَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ أوْ لِذَلِكَ ( ولِتُسْتَرَ بِهِ كَما قِيلَ، والجِذْعُ ما بَيْنَ العِرْقِ ومُتَشَعَّبِ الأغْصانِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغُصْنِ أيْضًا: جِذْعٌ، والنَّخْلَةُ مَعْرُوفَةٌ.

والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ فالمُرادُ واحِدَةٌ مِنَ النَّخْلِ لا عَلى التَّعْيِينِ أوْ لِلْعَهْدِ فالمُرادُ نَخْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، ويَكْفِي لِتَعَيُّنِها تَعَيُّنُها في نَفْسِها، وإنْ لَمْ يَعْلَمْها المُخاطَبُ بِالقُرْآنِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما إذا قُلْتَ: أكَلَ السُّلْطانُ ما أتى بِهِ الطَّبّاخُ أيْ طَبّاخُهُ فَإنَّهُ المَعْهُودُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها مُعَيَّنَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أراها لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مَوْجُودَةٌ إلى اليَوْمِ، والظّاهِرُ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ مَجِيءِ مَرْيَمَ إلَيْها وهو الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها عَلَيْها السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْها الطَّلْقُ نَظَرَتْ إلى أكَمَةٍ فَصَعِدَتْ مُسْرِعَةً فَإذا عَلَيْها جِذْعُ نَخْلَةٍ نَخِرَةٍ لَيْسَ عَلَيْها سَعَفٌ.

وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَها لَها يَوْمَئِذٍ ولَيْسَ بِذاكَ، وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أرْشَدَها إلَيْها لِيُرِيَها فِيما هو أشْبَهُ الأشْجارِ بِالإنْسانِ مِن آياتِهِ ما يُسْكِنُ رَوْعَتَها كَأثْمارِها بِدُونِ رَأْسٍ، وفي وقْتِ الشِّتاءِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ فِيهِ، ومِن غَيْرِ لَقاحٍ كَما هو المُعْتادُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ أصْلَها ثابِتٌ وفَرْعَها في السَّماءِ، وإلى أنَّ ولَدَها نافِعٌ كالثَّمَرَةِ الحَلْواءِ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيُحْيِي الأمْواتَ كَما أحْيا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِهِ المَواتَ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ بِجَعْلِ ثَمَرَتِها خُرْسَةً لَها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأجاءَها، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُسْتَنِدَةً إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ مِن ماتَ يَماتُ كَخافَ يَخافُ أوْ مِن ماتَ يُمِيتُ كَجاءَ يَجِيءُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّها مِن ماتَ يَمُوتُ كَقالَ يَقُولُ، (قَبْلَ) هَذا الوَقْتِ الَّذِي لَقِيتُ فِيهِ ما لَقِيِتُ أوْ قَبْلَ هَذا الأمْرِ.

وإنَّما قالَتْهُ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ أنَّها كانَتْ تَعْلَمُ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ اسْتِحْياءً مِنَ النّاسِ وخَوْفًا مِن لائِمَتِهِمْ أوْ حَذَرًا مِن وُقُوعِ النّاسِ في المَعْصِيَةِ بِما يَتَكَلَّمُونَ فِيها.

ورُوِيَ أنَّها سَمِعَتْ نِداءَ: اخْرُجْ يا مَن يُعْبَدُ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَحَزِنَتْ لِذَلِكَ وتَمَنَّتِ المَوْتَ، وتَمَنِّي المَوْتِ لِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا كَراهَةَ فِيهِ، نَعَمْ يُكْرَهُ تَمَنِّيهِ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ مِن مَرَضٍ أوْ فاقَةٍ أوْ مِحْنَةٍ مِن عَدُوٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن مَشاقِّ الدُّنْيا.

فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضَرَرٍ نَزَلَ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي» ) ومَن ظَنَّ أنَّ تَمَنِّيَها عَلَيْها السَّلامُ ذَلِكَ كانَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ فَقَدْ أساءَ الظَّنَّ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.

﴿ وكُنْتُ نَسْيًا ﴾ أيْ شَيْئًا تافِهًا شَأْنُهُ أنْ يُنْسى ولا يُعْتَدَّ بِهِ أصْلًا كَخِرْقَةِ الطَّمْثِ.

وقَرَأ الأكْثَرُونَ ( نِسْيًا ) بِالكَسْرِ.

قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ في ذَلِكَ كالوَتْرِ والوِتْرِ والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ.

وقالَ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ أعْلى اللُّغَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو بِالكَسْرِ اسْمٌ لِما يُنْسى كالنَّقْضِ اسْمٌ لِما يُنْقَضُ وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنِ الِاسْمِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِسْئًا ) بِكَسْرِ النُّونِ والهَمْزَةِ مَكانَ الياءِ وهي قِراءَةٌ نَوْفٍ الأعْرابِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا في رِوايَةِ ( نَسْأً ) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ عَلَيْهِ ماءً فاسْتَهْلَكَ اللَّبَنَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ، فَكَأنَّها تَمَنَّتْ أنْ تَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ اللَّبَنِ الَّذِي لا يُرى ولا يَتَمَيَّزُ مِنَ الماءِ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قَرَأ ( نَسًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ والسِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ كَعَصًى (مَنسِيًّا) لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ووَصَفَ النَّسْيَ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيما يَقِلُّ الِاعْتِدادُ بِهِ وإنْ لَمْ يُنْسَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ السِّينِ كَما قالُوا: مِنتِنٌ بِاتِّباعِ حَرَكَةِ المِيمِ لِحَرَكَةِ التّاءِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَحَمَلَتْهُ، يعني: حملت مريم بعيسى  .

وقال وهب بن منبه: إن مريم حملت بعيسى  تسعة أشهر، وقال بعضهم: ثمانية أشهر، فتلك آية، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر.

وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال: «ما هي إلا أن حملت ثم وضعت» ، وقال مقاتل: حملت في ساعة ووضعت في ساعة.

فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ، يعني: انفردت بولادتها مكاناً بعيداً.

قال القتبي: القصيُّ أشد بعداً من القاصي.

ثم قال: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ، يعني: جاء بها وألجأها المخاض، يعني: الطلق بولادة عيسى  إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أي: أصل النخلة قال ابن عباس: النخلة اليابسة في شدة الشتا، يعني: الطلق.

قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا، يعني: شيئاً متروكاً لم أذكر، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ.

وقال قتادة: يعني، لا أعرف ولا أدري من أنا.

وقال عكرمة: يعني: جيفة ملقاة، وهكذا قال الضحاك.

وقال ربيعة بن أنس: يعني سقطاً.

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص نَسْياً بنصب النون والباقون نَسِيّاً بكسر النون، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرؤها، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها، وعليها أهل الحرمين والبصرة.

ثم قال عز وجل: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص مِنْ تَحْتِها بكسر الميم، يعني: الملك، وهكذا قرأ مجاهد والحسن، وقرأ الباقون مِنْ تَحْتِها بالنصب يعني به عيسى  وقال أبو عبيد: بالأولى نقرأ يعني: بالكسر، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ، لأنه إذا قال: مِنْ تَحْتِها بالكسر فقد احتمل أن يكون الملك، ويكون عيسى.

وإذا قرأ مِنْ تَحْتِها فإنما هو عيسى خاصة.

أَلَّا تَحْزَنِي بولادة عيسى ومكان الحدث، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا يعني: نهراً صغيراً بحبال ويقال: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، أي بيتاً، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال: هو الجدول.

ألا ترى أنه قال: فَكُلِي وَاشْرَبِي.

قال مجاهد: السريّ بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: بالنبطية.

ثم قال عز وجل: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول: حركي أصل النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، يعني: غضاً طرياً.

قرأ حمزة تُساقِطْ بنصب التاء وتخفيف السين، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء: 42] وأصله تتسوى، وكقوله تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [البقرة: 85] ، وكقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] وقرأ عاصم في رواية حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني: أن النخلة تساقط عليك، وقرأ الباقون بنصب التاء وتشديد السين ونصب القاف، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت.

وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ يُسَاقِط بالياء يعني: أن الجذع يساقط عليك، وقرأ بعضهم: نُسَاقِطُ بالنون ومعناه: ونحن نساقط عليك، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فجعل الله عز وجل لها رأساً، وأنبت فيها رطبا، فذلك قوله عز وجل: تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي غضاً طرياً.

قيل لها: فَكُلِي من الرطب، وَاشْرَبِي من النهر، وَقَرِّي عَيْناً يعني: طيبي نفساً بولادة عيسى  .

وقال الربيع بن خيثم: «ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب، ولا للمريض إلا العسل» .

ثم قال عز وجل: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، يعني: إن رأيت أحداً من الناس، فَقُولِي إن سألك سائل شيئاً فقولي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، يعني: صمتاً.

وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إِنّى نَذَرْتُ للرّحمن صمتا.

فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ أَبو عمرو «١» ونافعٌ بخلاف عنه «لِيَهَبَ» «٢» .

قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ- عليه السلام- حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها فسرت النفخة بإذن الله تعالى حتَّى حملت منها قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ «٣» .

وقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ «٤» : دخل الروح المنفوخُ من فمها فذلك قوله تعالى:

فَحَمَلَتْهُ أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ انْتَبَذَتْ

أيْ: تنحت مكاناً بعيداً حياء وفرارا على وجهها، وفَأَجاءَهَا معناه: اضطرّها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة.

والْمَخاضُ: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلى موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من صعُوبة الحال من غير ما وجه: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا فتمنت الموتَ من جهة الدّين أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ وعلى هذا الحدّ تمناه عمر- رضي الله عنه-.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يَعْنِي: عِيسى.

وَفِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِها لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها، فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ السُّدِّيُّ: نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في صَدْرِها فَحَمَلَتْ مِن وقْتِها.

والثّانِي: الَّذِي خاطَبَها هو الَّذِي حَمَلَتْهُ، ودَخَلَ مِن فِيها، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفِي مِقْدارِ حَمْلِها سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: أنَّهُ ما طالَ حَمْلُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها وضَعَتْهُ في الحالِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الحَمْلِ والوَضْعِ وقْتًا يَحْتَمِلُ الِانْتِباذَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّها حَمَلَتْهُ تِسْعَ ساعاتٍ ووَضَعَتْ مِن يَوْمِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ثَلاثُ ساعاتٍ، حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ، وصُوِّرَ في ساعَةٍ، ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والخامِسُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، فَعاشَ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ قَطُّ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، فَكانَ في هَذا آَيَةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: في سِتَّةِ أشْهُرٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: في ساعَةٍ واحِدَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ يَعْنِي: بِالحَمْلِ، ﴿ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ؛ أيْ: بَعِيدًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( قاصِيًا ) .

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَشَتْ سِتَّةَ أمْيالٍ.

قالَ الفَرّاءُ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقالَ غَيْرُ الفَرّاءِ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والشّاهِدِ.

وإنَّما بَعُدَتْ فِرارًا مِن قَوْمِها أنْ يُعَيِّرُوها بِوِلادَتِها مِن غَيْرِ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( المِخاضُ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَجاءَ بِها المَخاضُ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ، جُعِلَتْ في الفِعْلِ ألِفًا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتِنا غَداءَنا  ﴾ ؛ أيْ: بِغَدائِنا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ  ﴾ ؛ أيْ: بِزُبَرِ الحَدِيدِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْعَلُها مِن جاءَتْ هِيَ، وأجاءَها غَيْرُها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: جاءَ بِها وألْجَأها، وهو مِن حَيْثُ يُقالَ: جاءَتْ بِيَ الحاجَةُ إلَيْكَ، وأجاءَتْنِي الحاجَةُ إلَيْكَ.

والمَخاضُ: الحَمْلُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَخاضُ: وجَعُ الوِلادَةِ.

﴿ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وهو ساقُ النَّخْلَةِ، وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً في الصَّحْراءِ، لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا سَعَفٌ.

﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ اليَوْمِ أوْ هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: ( مِتُّ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

وَفِي سَبَبِ قَوْلِها هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها قالَتْهُ حَياءً مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُوا بِقَذْفِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ، وسائِرُ العَرَبِ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ: الجِسْرِ والجَسْرِ، والوِتْرِ والوَتْرُ، والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ عَلى اللُّغَتَيْنِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن كَسَرَ النُّونَ قالَ: النَّسْيُ: اسْمٌ لِما يُنْسى، بِمَنزِلَةِ البُغْضِ اسْمٌ لِما يُبْغَضُ، والسَّبُّ اسْمٌ لِما يُسَبُّ، والنَّسْيُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِما يُنْسى أيْضًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نابَ عَنِ الِاسْمِ، كَما يُقالَ: الرَّجُلُ دَنِفٌ ودَنَفٌ، فالمَكْسُورُ هو الوَصْفُ الصَّحِيحُ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ سَدَّ مَسَدَّ الوَصْفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّسْيُ والنِّسْيُ اسْمَيْنِ لِمَعْنًى، كَما يُقالَ: الرِّطْلُ والرَّطْلُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يا لَيْتَنِي لَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ؛ أيْ: دَمُ حَيْضَةٍ مُلْقاةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ: ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خَرْقِ اعْتِلالِها.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي خِرَقُ الحَيْضِ تُلْقِيها المَرْأةُ، فَلا تَطْلُبُها ولا تَذْكُرُها.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ مِنَ ] السَّقْطِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي لا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْءُ التّافِهُ يَرْتَحِلُ عَنْهُ القَوْمُ، فَيَهُونُ عَلَيْهِمْ فَلا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: النَّسْيُ والمَنسِيُّ: ما يُنْسى مِن إداوَةٍ وعَصًا، يَعْنِي: أنَّهُ يُنْسى في المَنزِلِ، فَلا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِاحْتِقارِ صاحِبِهِ إيّاهُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْتَنِي كُنْتُ ما إذا ذُكِرَ لَمْ يُطْلَبْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِفَتْحِ المِيمِ والتّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِكَسْرِ المِيمِ والتّاءِ.

فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ناداها المَلِكُ مِن تَحْتِ النَّخْلَةِ.

وقِيلَ: كانَتْ عَلى نَشَزٍ، فَناداها المَلِكُ أسْفَلَ مِنها.

والثّانِي: ناداها عِيسى لَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما رَفَعْتَ إلَيْهِ طَرَفَكَ فَهو فَوْقَكَ، وكُلُّ ما خَفَضْتَ إلَيْهِ طَرْفَكَ فَهو تَحْتَكَ.

ومَن قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ فَفِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ.

وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: ما خاطَبَها إلّا المَلِكُ عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيُّونَ، قالَ أبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: هو الجَدْوَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِيسى، كانَ سَرِيًّا مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، [ وابْنُ زَيْدٍ ] .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ رَجَعَ الحَسَنُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولَوْ كانَ وصْفًا لِعِيسى، كانَ غُلامًا سَرِيًّا أوْ سَوِيًّا مِنَ الغِلْمانِ، وقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ عِنْدَكَ نَبِيلًا، حَتّى يَقُولُوا: رَجُلًا نَبِيلًا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ناسَبَ تَسْلِيَتَها أنْ قِيلَ: لا تَحْزَنِي، فَهَذا نَهْرٌ يَجْرِي ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزِنَتْ لِجَدْبِ مَكانِها الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ، وعَدَمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والماءِ الَّذِي تَتَطَهَّرُ بِهِ، فَقِيلَ: لا تَحْزَنِي قَدْ أجْرَيْنا لَكَ نَهَرًا، وأطْلَعْنا لَكِ رُطَبًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها حَزِنَتْ لِما جَرى عَلَيْها مِن وِلادَةِ ولَدٍ عَنْ غَيْرِ زَوْجٍ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لَها نَهْرًا، فَجاءَها مِنَ الأُرْدُنِ، وأخْرَجَ لَها الرُّطَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ، فَكانَ ذَلِكَ آَيَةً تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ عِيسى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ ﴾ الهَزُّ: التَّحْرِيكُ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ  ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَلْيَمْدُدْ سَبَبًا.

والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، وخُذِ الخِطامَ وخُذْ بِالخِطامِ، وتَعَلَّقَ زَيْدًا وتَعَلَّقَ بِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ عَلى الجِذْعِ لِتُلْصِقَهُ بِالهَزِّ، فَهي مُفِيدَةٌ لِلْإلْصاقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُساقِطْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والسَّكّائِي، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَسّاقَطْ ) بِالتّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعَبْدُ الوارِثِ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تُساقِطْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: ( يَسّاقَطُ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً وتَشْدِيدِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، فَهَذِهِ القِراءاتُ المَشاهِيرُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ( تَسْقُطُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعائِشَةُ، والحَسَنُ: ( يُساقِطْ ) بِألِفٍ وتَخْفِيفِ السِّينِ ورَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ( يُسْقِطْ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ مَعَ سُكُونِ السِّينِ وعَدَمِ الألِفِ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثَلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وابْنُ يَعْمُرَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالنُّونِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَسْقُطْ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً مَعَ سُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ وابْنُ حِزامٍ: ( تَتَساقَطُ ) بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وبِألِفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ )، فالمَعْنى: يَتَساقَطْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

ومَن قَرَأُ: ( تَسّاقَطْ ) فَكَذَلِكَ أيْضًا، وأنَّثَ لِأنَّ لَفْظَ النَّخْلَةِ يُؤَنَّثُ.

ومَن قَرَأ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ والتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ حَذَفَ مِن ( تَتَساقَطُ ) اجْتِماعَ التّاءَيْنِ.

ومَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ ) ذَهَبَ إلى مَعْنى: يَسّاقَطِ الجِذْعُ عَلَيْكَ.

ومَن قَرَأ: ( نُساقِطْ ) بِالنُّونِ، فالمَعْنى: نَحْنُ نُساقِطْ عَلَيْكَ، فَنَجْعَلُهُ لَكَ آَيَةً.

والنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونُ: إنَّ ﴿ رُطَبًا ﴾ مَنصُوبُ عَلى التَّمْيِيزِ إذا قُلْتَ: يَسّاقَطْ أوْ يَتَساقَطْ، المَعْنى: يَتَساقَطُ الجَزَعُ رُطَبًا.

وإذا قُلْتَ: تَسّاقَطْ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: تَتَساقَطُ النَّخْلَةُ رُطَبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنِيًّا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ: المُجْتَنى.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الطَّرِيُّ، والأصْلُ: مُجْنُو، صُرِفَ مِن مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما يُقالَ: قَدِيدٌ وطَبِيخٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

ولَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ رَأْسٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا وضَعَتْ يَدَها عَلَيْها، سَقَطَ الرُّطَبُ رَطْبًا.

وكانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ لِلنُّفَساءِ الرُّطَبَ مِن أجْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ، ﴿ واشْرَبِي ﴾ مِنَ النَّهْرِ، ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالَ: قَرِرَتْ بِهِ عَيْنًا أقَرَّ، بِفَتْحِ القافِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَّرَتْ في المَكانِ أقَرَّ، بِكَسْرِ القافِ، " وعَيْنًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ : ولِتَبْرَدْ دَمْعَتُكِ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ.

واشْتِقاقُ " قَرِّي " مِنَ القُرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ.

وقالَ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: تَفْسِيرُ " قَرِّي عَيْنًا ": بَلَغْتَ غايَةَ أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ الِاسْتِشْرافِ إلى غَيْرِهِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمْرٍو بْنِ كُلْثُومٍ: بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْبًا وطَعْنًا ∗∗∗ أقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العَيُونا أيْ: ظَفِرُوا وبَلَغُوا مُنْتَهى أُمْنِيَّتِهِمْ، فَقَرَّتْ عَيْنُهم مِن تَطَلُّعٍ إلى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( تَرَئِنَّ ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ أيْ: إنْ رَأيْتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَألَكَ عَنْ أمْرِ ولَدَكِ.

﴿ فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والضَّحّاكُ، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ: ( صَمْتًا ) مَكانَ قَوْلِهِ: " صَوْمًا " .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( صِيامًا ) .

والثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ المُجْتَهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَصُومُ عَنِ الكَلامِ كَما يَصُومُ عَنِ الطَّعامِ، إلّا مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَأذِنَ لَها أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا القَدْرِ ثُمَّ تَسْكُتُ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرَتْ بِالصَّمْتِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَها حُجَّةٌ عِنْدَ النّاسِ، فَأمَرَتْ بِالكَفِّ عَنِ الكَلامِ لِيَكْفِيَها الكَلامَ ولَدُها مِمّا يُبَرِّئُ بِها ساحَتَها.

وقِيلَ: كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ ولا تُكَلِّمُ الإنْسَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الصَّوْمُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ، يُقالَ: صَوْمٌ لِتَرْكِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وصَوْمٌ لِلصَّمْتِ، وصَوْمٌ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ، وصَوْمٌ لِذَرْقِ النَّعامِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مِقْدارِ سِنِّ مَرْيَمَ يَوْمَ وِلادَتِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ولَدَتْ وهي بِنْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: بَنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قالَ لَها المَلَكُ: كَذَلِكِ هو كَما وصَفْتُ، ولَكِنْ قالَ رَبُّكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، و"الآيَةُ": العِبْرَةُ المُعَرَضَةُ لِلنَّظَرِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِنَجْعَلَهُ" لِلْغُلامِ، ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ، أيْ: طَرِيقَ هُدًى لِعالَمٍ كَثِيرٍ، فَيَنالُونَ الرَحْمَةَ بِذَلِكَ.

ثُمْ أعْلَمَها بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ وانْتُجِزَ، و"الأمْرُ" هُنا واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ: أمَرَ يَأْمُرُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ -حِينَ قاوَلَها هَذِهِ المُقاوَلَةَ- نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَسَرَتِ النَفْخَةُ بِإذْنِ اللهِ حَتّى حَمَلَتْ مِنها، قالَهُوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكَفِّها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَخَلَ الرُوحُ المَنفُوخُ مِن فَمِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ أيْ: حَمَلَتِ الغُلامَ.

ويُذْكَرُ أنَّها كانَتْ بِنْتَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمّا أحَسَّتْ بِذَلِكَ وخافَتْ تَعْنِيفَ الناسِ وأنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ انْتَبَذَتْ بِهِ، أيْ: تَنَحَّتْ مَكانًا بَعِيدًا حَياءً وفِرارًا عَلى وجْهِها، ورُوِيَ في هَذا أنَّها فَرَّتْ إلى بِلادِ مِصْرَ أو نَحْوِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّها خَرَجَتْ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِبَيْتِ لَحْمٍ، بَيْنَهُ وبَيْنَ إيلِياءَ أرْبَعَةُ أمْيالٍ.

و"أجاءَها" مَعْناهُ: فاضْطَرَّها، و"أجاءَ" هو تَعْدِيَةُ "جاءَ" بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَزْرَةَ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "فاجَأها"، مِنَ المُفاجَأةِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا أجاءَها المَخاضُ"، وقالَ زُهَيْرٌ: وجارٌ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَجاءُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَخاضَ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ - بِكَسْرِها، وهو الطَلْقُ وشِدَّةُ الوِلادَةِ وأوجاعِها، رُوِيَ أنَّها بَلَغَتْ إلى مَوْضِعٍ كانَ فِيهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ بالٍ يابِسٌ في أصْلِهِ مِذْوَدُ بَقَرَةٍ عَلى جَرْيَةِ ماءٍ، فاشْتَدَّ بِها الأمْرُ هُنالِكَ، واحْتَضَنَتِ الجِذْعَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ، ووَلَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ عِنْدَ وِلادَتِها - لِما رَأتْهُ مِنَ الآلامِ والتَغَرُّبِ وإنْكارِ قَوْمِها وصُعُوبَةِ الحالِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ-: يا لَيْتَنِي مِتُّ ولَمْ يَجْرِ عَلَيَّ هَذا القَدَرُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ: "مُتُّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ.

وتَمَنَّتْ مَرْيَمُ المَوْتَ مِن جِهَةِ الدِينِ؛ إذْ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ في دِينِها، وتُعَيَّرَ فَيَفْتِنَها ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ تَمَنّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصالِحِينَ، ونَهْيُ النَبِيِّ  عن تَمَنِّي المَوْتِ إنَّما هو لِضُرٍّ نَزَلَ بِالبَدَنِ، وقَدْ أباحَهُ  في قَوْلِهِ: «يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي مَكانَهُ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ زَمَنُ فِتَنٍ بِالدِينِ.

وقالَتْ: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ، أيْ: شَيْئًا مَتْرُوكًا مُحْتَقَرًا، والنَسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى فَلا يُتَألَّمُ لِفَقْدِهِ كالوَتَدِ والحَبْلِ لِلْمُسافِرِ ونَحْوِهُ، يُقالُ: نَسْيٌ ونِسْيٌ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِالفَتْحِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، وكَقِراءَةِ حَمْزَةَ قَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "نِسْئًا" بِالهَمْزِ وكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نَوْفٌ البِكالِيُّ: "نَسْئًا" بِفَتْحِ النُونِ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "نَسًّا" بِشَدِّ السِينِ وفَتْحِ النُونِ دُونَ هَمْزٍ، وقالَ الشَنْفَرى: كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسًّا تَقُصُّهُ ∗∗∗ إذا ما غَذَّتْ وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبَّلَتْ وحَكى الطَبَرِيُّ في قَصَصِها أنَّها لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى حَمَلَتْ أيْضًا أُخْتُها بِيَحْيى، فَجاءَتْها أُخْتُها زائِرَةً فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ، أشْعَرْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟

قالَتْ لَها مَرْيَمُ: أشْعَرْتِ أنْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟

قالَتْ لَها: وإنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّها أحَسَّتْ جَنِينَها يَخِرُّ بِرَأْسِهِ إلى ناحِيَةِ بَطْنِ مَرْيَمَ، قالَ السُدِّيُّ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وكَذَلِكَ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ مِن قَصَصِها أنَّها خَرَجَتْ فارَّةً مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَجّارُ كانَ يَخْدِمْ مَعَها المَسْجِدَ، وطَوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ فاخْتَصَرْتُهُ لِضَعْفِهِ، وهَذِهِ القِصَّةُ تَقْتَضِي أنَّها حَمَلَتْ واسْتَمَرَّتْ حامِلًا عَلى عُرْفِ البَشَرِ، واسْتَحْيَتْ مِن ذَلِكَ وفَرَّتْ بِسَبَبِهِ وهي حامِلٌ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَأوِّلِينَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ عَلى عُرْفِ النِساءِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّها ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ؛ ولِذَلِكَ لا يَعِيشُ ابْنُ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ حِفْظًا لِخاصِّيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: ولَدَتْهُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع والتعقيب، أي فحملت بالغلام في فور تلك المراجعة.

والحمل: العلوق، يقال: حملت المرأة ولداً، وهو الأصل، قال تعالى: ﴿ حملته أمه كرهاً ﴾ [الأحقاف: 15].

ويقال: حملت به.

وكأن الباء لتأكيد اللصوق، مثلها في ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

قال أبو كبير الهذلي: حملت به في ليلة قرءودة *** كرهاً وعقد نطاقها لم يُحلَل والانتباذ تقدم قريباً، وكذلك انتصاب ﴿ مكاناً ﴾ تقدم.

و ﴿ قَصِيّاً ﴾ بعيداً، أي بعيداً عن مكان أهلها.

قيل: خرجت إلى البلاد المصرية فارّة من قومها أن يعزّروها وأعانها خطيبها يوسف النجّار وأنها ولدت عيسى عليه السلام في الأرض المصرية.

ولا يصح.

وفي إنجيل لوقا: أنها ولدته في قرية بيت لحم من البلاد اليهودية حين صعدت إليها مع خطيبها يوسف النجار إذ كان مطلوباً للحضور بقرية أهله لأن ملك البِلاد يجري إحصاء سكان البلاد، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿ فأتت به قومَها تحمله ﴾ [مريم: 27].

والفاء في قوله: ﴿ فَأَجَاءَها المَخَاضُ ﴾ للتعقيب العُرفي، أي جاءها المخاض بعد تمام مدة الحمل، قيل بعد ثمانية أشهر من حملها.

و {أجَاءها معناه ألْجأها، وأصله جاء، عدي بالهمزة فقيل: أجاءه، أي جعله جائياً.

ثم أطلق مجازاً على إلجاء شيء شيئاً إلى شيء، كأنه يجيء به إلى ذلك الشيء، ويضطره إلى المجيء إليه.

قال الفراء: أصله من جئتُ وقد جعلته العرب إلْجاء.

وفي المثل شرّ ما يُجيئك إلى مُخّة عرْقُوب.

وقال زهير: وجارٍ سارَ معتمداً إلينا *** أجَاءته المخافةُ والرجاء والمَخاص بفتح الميم:} طَلق الحامل، وهو تحرك الجنين للخروج.

والجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: العود الأصلي للنخلة الذي يتفرع منه الجريد.

وهو ما بين العروق والأغصان، أي إلى أصل نخلة استندت إليه.

وجملة ﴿ قَالَتْ ﴾ استئناف بياني، لأن السامع يتشوف إلى معرفة حالها عند إبان وضع حملها بعدما كان أمرها مستتراً غير مكشوف بين الناس وقد آن أن ينكشف، فيجاب السامع بأنها تمنت الموت قبل ذلك؛ فهي في حالة من الحزن ترى أن الموت أهون عليها من الوقوع فيها.

وهذا دليل على مقام صبرها وصدقها في تلقي البلوى التي ابتلاها الله تعالى فلذلك كانت في مقام الصديقية.

والمشار إليه في قولها ﴿ قبل هذا ﴾ هو الحمل.

أرادتْ أن لا يُتطرق عِرضها بطعن ولا تجرّ على أهلها معرة.

ولم تتمن أن تكون ماتت بعد بدوّ الحمل لأن الموت حينئذ لا يدفع الطعن في عرضها بعد موتها ولا المعرة على أهلها إذ يشاهد أهلها بطنها بحملها وهي ميتة فتطرقها القالة.

وقرأ الجمهور ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ﴾ في سورة آل عمران (157).

وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر بضم الميم على الأصل.

وهما لغتان في فعل مات إذا اتّصل به ضمير رفع متصل.

والنِسْيُ بكسر النون وسكون السين} في قراءة الجمهور: الشيء الحقير الذي شأنه أن يُنسى، ووزن فِعْل يأتي بمعنى اسم المفعول بقيْد تهيئته لتعلّق الفعل به دون تعلق حصل.

وذلك مثل الذبح في قوله تعالى: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ [الصافات: 107]، أي كبش عظيم معدّ لأن يذبح، فلا يقال للكبش ذبح إلا إذا أعد للذبح، ولا يقال للمذبوح ذبح بل ذَبيح.

والعرب تسمي الأشياء التي يغلب إهمالها أنْسَاءً، ويقولون عند الارتحال: انظروا أنساءكم، أي الأشياء التي شأنكم أن تَنْسَوها.

ووصف النسي بمنسي مبالغة في نسيان ذكرها، أي ليتني كنت شيئاً غير متذكّر وقد نسيه أهله وتركوه فلا يلتفتون إلى ما يحل به، فهي تمنت الموت وانقطاع ذكرها بين أهلها من قبل ذلك.

وقرأه حمزة، وحفص، وخلف {نَسْياً بفتح النون وهو لغة في النِّسي، كالوتر والوتر، والجسر والجسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْجَأها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فَأجَأْناكم إلى سَفْحِ الجَبَلِ الثّانِي: مَعْناهُ فَجَأها المَخاضُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأواها ﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها خافَتْ مِنَ النّاسِ أنْ يَظُنُّوا بِها سُوءًا قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُ النّاسُ بِالمَعْصِيَةِ في قَذْفِها.

الثّالِثُ: لِأنَّها لَمْ تَرَ في قَوْمِها رَشِيدًا ذا فِراسَةٍ يُنَزِّهُها مِنَ السُّوءِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.

﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا أُعْرَفُ ولا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: النَّسْيُ المَنسِيُّ هو السَّقْطُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: هو الحَيْضَةُ المُلْقاةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، بِمَعْنى خَرْقِ الحَيْضِ.

الخامِسُ: مَعْناهُ وكُنْتُ إذا ذُكِرْتُ لَمْ أُطْلَبْ حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

والنَّسْيُ عِنْدَهم في كَلامِهِمْ ما أُعْقِلَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ قالَ الرّاجِزُ: ؎ كالنَّسْيِ مُلْقًى بِالجِهادِ البَسْبَسِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ انتبذت ﴾ أي انفردت ﴿ من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: قبل المشرق شاسعاً متنحياً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: مكاناً أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلةً، لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف، حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا يتخوفون وهم ينظرون إليه، يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب، كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قول ربك: ﴿ فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: خرجت منهم مكاناً شرقياً، فصلوا قبل مطلع الشمس.

وأخرج ابن عساكر من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما بلغت مريم، فإذا هي في بيتها منفصلة، إذ دخل عليها رجل بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها فقالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكياً ﴾ قالت: ﴿ أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً ﴾ قال: ﴿ كذلك قال ربك ﴾ فجعل جبريل يردد ذلك عليها وتقول: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وتغفلها جبريل، فنفخ في جيب درعها، ونهض عنها، واستمر بها حملها، فقالت: إن خرجت نحو المغرب، فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخرج نحو المشرق، حيث لا يراني أحد، فخرجت نحو المشرق، فبينما هي تمشي، إذ جاءها المخاض، فنظرت هل تجد شيئاً تستتر به؟

فلم تر إلا جذع النخلة، فقال: أستتر بهذا الجذع من الناس.

وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمت إلى النخلة، فلما وضعته، خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجداً لوجهه.

وفزع إبليس، فخرج فصعد فلم ير شيئاً ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئاً ينكره، وجعل لا يصبر فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئاً ينكره.

فبينا هو يطوف إذ مر بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحدقوا بهَا، وبابنها وبالنخلة فقال: هاهنا حدث الأمر، فمال إليهم فقال: أي شيء هذا الذي حدث؟

فكلمته الملائكة فقالوا: نبي ولد بغير ذكر.

قال: أما والله لأضِلَّنَ به أكثر العالمين.

أضل اليهود فكفروا به، وأضل النصارى فقالوا: هو ابن الله.

قال: وناداها ملك من تحتها ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال إبليس: ما حملت أنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كفي، ليس هذا الغلام!

لم أعلم به حين حملته أمه، ولم أعلم به حين وضعته.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود- رضي الله عنهما- قالا: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذ هي برجل معها ﴿ فتمثل لها بشراً ﴾ ففزعت، وقال: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ فخرجت وعليها جلبابها فأخذ بكمها، فنفخ في جيب درعها،- وكان مشقوقاً من قدامها- فدخلت النفخة صدرها، فحملت فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى.

قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى، فقالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد للذي في بطنك.

فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ فولدت امرأة زكريا يحيى.

ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ الآية ﴿ فناداها ﴾ جبريل ﴿ من تحتها ألاَّ تحزني ﴾ فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل: إن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام، أشارت إلى عيسى فتكلم فقال: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ الآيات.

فلما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خرَّ لوجهه.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واذكر في الكتاب مريم ﴾ يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿ إذ انتبذت ﴾ يعني خرجت ﴿ من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويبشرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿ حجاباً ﴾ يعني جبلاً فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبريل ﴿ فتمثل لها بشراً ﴾ في صورة الآدميين ﴿ سوياً ﴾ يعني معتدلاً شاباً أبيض الوجه جعداً قططاً حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل، وكان من خدم بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استزله، فمن ثم قالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ يعني إن كنت تخاف الله.

قال جبريل: وتبسم ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ يعني لله مطيعاً من غير بشر.

﴿ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ﴾ يعني زوجاً ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أي مومسة.

قال جبريل: ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا ﴿ قال ربك هو على هين ﴾ يعني خلقه من غير بشر.

﴿ ولنجعله آية للناس ﴾ يعني عبرة، والناس هنا للمؤمنين خاصة، ورحمة لمن صدق بأنه رسول الله.

﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ يعني كائناً أن يكون من غير بشر.

فدنا جبريل فنفخ في جيبها، فدخلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العطش، فأجرى الله لها جدولاً من الأردن، فذلك قوله: ﴿ قد جعل ربك من تحتك سرياً ﴾ والسري، الجدول.

وحمل الجذع من ساعته ﴿ رطباً جنياً ﴾ فناداها من تحتها جبريل ﴿ هزي إليك بجذع النخلة ﴾ لم يكن على رأسها سقف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها وحملت، فذلك قوله: ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ يعني طرياً بغباره ﴿ فكلي ﴾ من الرطب ﴿ واشربي ﴾ من الجدول ﴿ وقري عيناً ﴾ بولدك.

فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا؟..

قال لها جبريل: ﴿ فإما ترين ﴾ يعني فإذا رأيت ﴿ من البشر أحداً ﴾ فأعنتك في أمرك ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ يعني صمتاً في أمر عيسى ﴿ فلن أكلم اليوم إنسياً ﴾ في أمره.

حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه.

قال: ففقدوا مريم من محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا علم لي بها، وأن مفتاح محرابها مع زكريا.

فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه فأخذوه ووبخوه، فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا، فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته، فانطلقوا إليه فذلك قول الله: ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد أقبلوا إليها، احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ أي لا تخاف ريبة ولا تهمة، فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها وآل زكريا ﴿ فقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ يعني عظيماً ﴿ يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً ﴾ يعني زانية.

فأنَّى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالحة؟!

﴿ فأشارت إليه ﴾ تقول لهم: أن كلموه، فإنه سيخبركم ﴿ فإني نذرت للرحمن صوماً ﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنه سيعبر عني، فيكون لكم آية وعبرة ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً ﴾ يعني من هو في الخرق طفلاً لا ينطق، فأنطقه الله فعبر عن أمه، وكان عبرة لهم فقال: ﴿ إني عبد الله ﴾ فلما أن قالها، ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين، فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله.

لتصديق قول الله: ﴿ ومصدقاً بكلمة من الله ﴾ فقال عيسى: ﴿ آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ إليكم ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ قال ابن عباس- رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة التي جعلها الله لعيسى، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه» ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ يعني وأمرني ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ فلا أعقها.

قال ابن عباس حين قال: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ قال: زكريا: الله أكبر!

فأخذه فضمه إلى صدره، فعلموا أنه خلق من غير بشر ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ يعني متعظماً سفاكاً للدم.

﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ﴾ يقول الله: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ﴾ يعني يشكون بقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة.

عن أبي حاتم، وأبو نعيم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وأنا أسمع.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حين حملت وضعت.

وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه قال: بلغني أن مريم حملت لسبع أو تسع ساعات، ووضعته من يومها.

وأخرج ابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه، عن ابن عباس قال: وضعت مريم لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر إلا مات لئلا تسب مريم بعيسى.

وأخرج الحاكم، عن زيد العمى قال: ولد عيسى يوما عاشوراء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن نوف قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولاً، وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه، فكان يدخل عليه يسلم عليها، فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرة، فقربت إليه بعض ما كانت تقرب ﴿ قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه ﴾ [ آل عمران: 38- 39] إلى قوله: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمراً ﴾ [ آل عمران: 42] ﴿ سوياً ﴾ صحيحاً.

﴿ فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ﴾ كتب لهم ﴿ أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ قال: فبينما هي جالسة في منزلها، إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب، فلما أن رأته قالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال: ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ فنفخ في جيبها جبريل، فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت وهربت حياء من قومها، فأخذت نحو المشرق، وأخذ قومها في طلبها، فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا؟

فلا يخبرهم أحد.

وأخذها ﴿ المخاض إلى جذع النخلة ﴾ فتساندت إلى النخلة قالت: ﴿ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة من حيضة ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل من أقصى الوادي ﴿ ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: جدولاً ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ فلما قال لها جبريل: اشتد ظهرها وطابت نفسها، فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته، فلقي قومها راعي بقر، وهم في طلبها.

قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟

قال: لا ولكن رأيت الليلة من بقري شيئاً لم أره منها قط فيما خلا!

قال: رأيتها باتت سجداً نحو هذا الوادي، فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها ﴿ فقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ قال: أمراً عظيماً ﴿ فأشارت إليه ﴾ أن كلموه، فعجبوا منها: قالوا: ﴿ كيف نكلم من كان في المهد صبياً ﴾ ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمهد حجرها، فلما قالوا ذلك: ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ﴾ قال: واختلف الناس فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب لم أستحب النصارى الحجب على مذابحهم؟

قال: إنما يستحب النصارى الحجب على مذابحهم ومناسكهم، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ قال: بعث الله إليها ملكاً فنفخ في جيبها، فدخل في الفرج.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ قال: جبريل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ الآية قال: نفخ جبريل في درعها، فبلغت حيث شاء الله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن يسار: إن جبريل أتاها في صورة رجل فكشف الحجاب، فلما رأته تعوذت منه، فنفخ في جيب درعها فبلغت، فذكر ذلك في المدينة، فهجر زكريا وترك، وكان قبل ذلك يستفتى ويأتيه الناس، حتى إن كان ليسلم على الرجل فما يكلمه.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ قال: تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته.

قال: حملت الذي خاطبها، دخل في فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي وائل في قوله: ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: لقد علمت مريم أن التقي ذو نهية.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: إنما خشيت أن يكون إنما يريدها عن نفسها.

﴿ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ زعموا أنه نفخ في جيب درعها وكمها.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ مهموزة بالألف، وفي قراءة عبد الله ﴿ ليهب لك ﴾ بالياء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ غلاماً زكياً ﴾ قال: صالحاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ قال زانية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ مكاناً قصياً ﴾ قال نائياً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ مكاناً قصياً ﴾ قال: قاصياً وفي قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: ألجأها.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: ألجأها قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: إذا شددنا شدة صادقة ** فأجأناكم إلى سفح الجبل وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: اضطرها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال فأداها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ﴾ قال: كان جذعاً يابساً.

وأخرج عبد بن حميد من طريق هلال بن خباب، عن أبي عبيد الله ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع ﴾ نخلة يابسة قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم، فحركته فإذا هو نخلة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قدامة قال: أنبت لمريم نخلة، تعلق بها كما تعلق المرأة بالمرأة عند الولادة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: لم أخلق ولم أك شيئاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة ملقاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة.

وأخرج عبد بن حميد، عن نوف البكالي، عن الضحاك في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال حيضة ملقاة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: تقول لا أعرف ولا أدري من أنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: هو السقط والله تعالى أعلم بالصواب.

وأخرج أبو عبيد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة أنه قرأ ﴿ فخاطبها من تحتها ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة، قال الذي ناداها هو جبريل.

وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك وعمرو بن ميمون مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن البراء ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: ملك.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل من أسفل الوادي.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: عيسى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: هو عيسى.

واخرج ابن المنذر، عن أبي بن كعب قال الذي خاطبها: هو الذي حملته في جوفها، دخل من فيها.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن زر بن حبيش أنه قرأ ﴿ فناداها من تحتها ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فناداها من تحتها ﴾ أي الملك من تحت النخلة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: من قرأ من تحتها فهو جبريل، ومن قرأ من تحتها، فهو عيسى.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال: قرأ عاصم بن أبي النجود ﴿ فناداها من تحتها ﴾ بالنصب قال: وقال عاصم: من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأها بالخفض، فهو جبريل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: نبياً وهو عيسى.

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن جرير بن حازم قال: سألني محمد بن عباد بن جعفر ما يقول أصحابكم في قوله؟

﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول.

قال: فأخبر قتادة عني فإنما نزل القرآن بلغتنا إنه الرجل السري.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ يريد نفسه أي سرى أسرى منه، قيل فالذين يقولون السري البحر قال: ليس كذلك لو كان كذلك لكان يكون إلى جنبها ولا يكون النهر تحتها.

وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار، عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ نهر، أخرجه الله لها لتشرب منه» .

وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: النهر» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه، عن البراء في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: هو الجدول، وهو النهر الصغير.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: نهر عيسى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عثمان بن محصن قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال: الجدول.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: سلم تر الدالي منه أزورا ** إذا يعج في السري هرهرا وأخرج ابن الأنباري في الوقف والطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ تحتك سرياً ﴾ قال: السري النهر الصغير، وهو الجدول.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: سهل الخليقة ماجد ذو نائل ** مثل السريّ تمده الأنهار وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك في قوله: ﴿ سريا ﴾ قال: الجدول.

وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أن الحسن تلا هذه الآية، وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: إن كان لسريا، وإن كان لكريماً فقال حميد: يا أبا سعيد، إنه الجدول فقال له: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: السري الماء.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال: نهراً بالسريانية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال نهراً بالقبطية.

وأخرج ابن عساكر، عن سفيان بن حسين في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: تلاها الحسن فقال: كان والله ﴿ سرياً ﴾ يعني عيسى- عليه السلام- فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد، إن العرب تسمي الجدول السري، فقال: صدقت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ﴾ أي: الجأها واضطرها يقال: جاء بها وأجاءها بمعنى هذا قول جميع أهل اللغة (١) (٢) أَجَأَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاء قالوا: والعرب تقول في أمثالها: شر مَا أَلجَأكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوب (٣) (٤) (٥) (٦) تُنْقِضُ إنْقضَاض الدَّجَاجِ المُخَّضِ والمخاض من الإبل: الحوامل، سميت مخاضًا تفاؤلا بأنها تَمْخِضُ بالولد إذا أنجبت (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ الجذع: ساق النخل، قال ابن عباس: (نظرت مريم إلى أكمة (٨) (٩) ﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ قال المفسرون: (وكان جذع نخلة يابسة لس لها سعف) (١٠) ﴿ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ ولم يقل إلى النخلة؛ لأنها لم يبق منها إلا الجذع.

وقوله تعالى: ﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ﴾ قال السدي: [(قالت في حال الطلق: يا ليتني مت قبل هذا استحياء من الناس) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: (معناه لو خيرت قبل هذه الحال بين الموت أو الدفع إلى هذه الحال لاختارت الموت) (١٥) ﴿ قَبْلَ هَذَا ﴾ أي: قبل هذا اليوم، أو هذا الوقت، أو هذا الأمر (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ قال أبو إسحاق: (النسي في كلام العرب الشيء المطروح لا يؤبه له) (١٧) قال الشنفري (١٨) (١٩) كَأَنَّ لَهَا في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّه ...

عَلَى أُمِّهَا وإِن تُكَلِمْكَ تَبْلَتِ يصف امرأة بالخفى (٢٠) (٢١) وقال يونس: (العرب تقول إذا ارتحلوا من المنزل انظروا أنساكم، أي: الشيء اليسير نحو: العصا، والقدح، والشِّظَاظ (٢٢) (٢٣) فأما التفسير فقال ابن عباس: (نسيًا: متروكا لا يذكر) (٢٤) وهو قول قتادة (٢٥) وقال عكرمة، والضحاك، ومجاهد: (حيضة ملقاة) (٢٦) والمنسي: المفعول؛ من نسيت الشيء ضد ذكرته، ويجوز أن يكون مفعولًا من نسيت بمعنى: تركت، وهو هاهنا من صفة الشيء، ومعناه المبالغة؛.

لأن النسي وإن كان حقيرًا فقد يطلب ويذكر، فهي تقول ياليتني (٢٧) وقال السدي: ( ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ﴾ أي نسي ذكري، ومنسيا أي: نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين) (٢٨) وقرئ: نسيا بالفتح (٢٩) (٣٠) وقال أهل اللغة: (الكسر أعلى اللغتين) (٣١) (٣٢) مِنْ طَاعَة الرَّب وعَصْى الشَّيْطَان وأنشد (٣٣) (٣٤) أَتْيُ الفَوَاحِشِ فِيْهمُ مَعْرُوفَة ...

وَيرَونَ فِعْلَ المَكْرُمَات حَرَاما (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "معاني القرآن" للفراء 2/ 164، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 112، "المحتسب" 2/ 39، "غريب القرآن لابن الملقن" 239.

(٢) هذا عجز بيت لزهير، وصدره: وَجَار سارَ مُعْتَمِدًا إليكُم انظر "ديوانه" ص 13، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "المحرر الوجيز" 9/ 446، "البحر المحيط" 6/ 182، "الدر المصون" 7/ 581، "لسان العرب" (جيأ) 2/ 736.

(٣) المعنى: أن العرقوب لا مخ له، وإنما يلجأ إليه من لا يقدر على شيء.

انظر: "جامع البيان" 16/ 63، "معاني القرآن" للفراء 2/ 164، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "لسان العرب" (مخ) 7/ 4155.

(٤) "جامع البيان" 16/ 64، "النكت والعيون" 3/ 363، "معالم التنزيل" 5/ 225، "الدر المنثور" 4/ 481.

(٥) في (ص): (ولادها).

(٦) هذا عجز البيت وصدره: وَمَسدٍ فَوْقَ محالٍ نُغَّيضِ ذكر البيت الأزهري في "تهذيب اللغة" (مخض) 4/ 3358 بدون نسبة، وكذلك "لسان العرب" (مخض) 7/ 4153.

(٧) نظر: "تهذيب اللغة" (مخض) 4/ 3358، "مقاييس اللغة" (مخض) 5/ 304، "القاموس المحيط" (مخض) 2/ 653، "لسان العرب" (مخض) 7/ 4153.

(٨) الأكمة: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعا مما حوله، وهو دون الجبال ومثل الروابي.

انظر: "تهذيب اللغة" (أكم) 1/ 177، "الصحاح" (أكم) 5/ 1862، "لسان العرب" (أكم) 1/ 103.

(٩) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشاف" 2/ 506، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 90، "مجمع البيان" 5/ 590، "روح المعاني" 16/ 81، "لباب التأويل" 4/ 242.

(١٠) "بحر العلوم" 2/ 321، "المحرر الوجيز" 9/ 446، "معالم التنزيل" 5/ 225، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.

(١١) "جامع البيان" 16/ 66، "النكت والعيون" 3/ 364، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 121.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).

(١٣) "المحرر الوجيز" 9/ 447، "معالم التنزيل" 5/ 225، "الكشاف" 2/ 108، "روح المعاني" 16/ 82.

(١٤) "النكت والعيون" 3/ 364، "الكشاف" 2/ 409، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324.

(١٦) "زاد المسير" 5/ 220، "روح المعاني" 16/ 82، "فتح القدير" 3/ 469.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324.

(١٨) الشنفري بن مالك الأزدي، والشنفري اسمه، وقيل لقب له لأنه غليظ الشفة، واختلف في اسمه، وهو شاعر جاهلي فحل، له أشعار في الفخر والحماسة وأشهرها لاميته، وهو من عدائي العرب.

انظر: "نزهة الألباء" 1/ 408، "الأعلام" 5/ 85، "الخزانة" 3/ 343.

(١٩) البيت للشنفري يصف امرأة كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع منها.

تبلت: انقطعت في كلامها فلا تطيله.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325، "شرح المفضليات" 201، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 46، "المخصص" 12/ 27، "لسان العرب" (نسا) 7/ 4417.

(٢٠) في (ص): (بالخفر).

(٢١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 4، "تهذيب اللغة" (نسى) 4/ 3565.

(٢٢) الشِّظَاظُ: خُشَيْبَة عَقْفَاء محددة الطرف توضع في الجوالق أو بين الأونين يشد بها الوعاء.

انظر: "تهذيب اللغة" (شظ) 2/ 1879، "لسان العرب" (شظظ) 2/ 1879، "مختار الصحاح" (شظظ) 338.

(٢٣) "الكشاف" 2/ 408، "تهذيب اللغة" (نسى) 4/ 3565.

(٢٤) ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 66، و"النكت والعيون" 3/ 364، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 129، "زاد المسير" 5/ 221، "الدر المنثور" 4/ 481.

(٢٥) "جامع البيان" 16/ 66، "بحر العلوم" 2/ 321، "النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 129.

(٢٦) "النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 225، "زاد المسير" 5/ 221، "الدر المنثور" 4/ 481.

(٢٧) في (س): (بالشيء)، وهو تصحيف.

(٢٨) "جامع البيان" 16/ 66.

(٢٩) قرأ: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (نِسيا) بكسر النون.

وقرأ: حمزة، وعاصم في رواية حفص: (نَسيا) بفتح النون.

انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "المبسوط في القراءات" 243، "النشر" 2/ 318.

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 164.

(٣١) "إعراب القرآن" للنحاس 9/ 352، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "الدر المصون" 7/ 582.

(٣٢) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 165 بلا نسبة، وكذلك الطبري في "جامع البيان" 16/ 66.

(٣٣) في (ص): (وأنشد أيضًا).

(٣٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 165.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يعني: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن عباس: حملته وولدته في ساعة ﴿ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أي بعيداً، وإنما بعدت حياء من قومها أن يظنوا بها الشر ﴿ فَأَجَآءَهَا ﴾ معناه: ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية ﴿ المخاض ﴾ أي النفاس ﴿ إلى جِذْعِ النخلة ﴾ رُوي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس ﴿ قَالَتْ ياليتني مِتُّ ﴾ إنما تمنت الموت خوفاً من إنكار قومها، وظنهم بها الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه.

﴿ وَكُنتُ نَسْياً ﴾ النِسْي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، وقال بفتح النون وكسرها ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ قرئ من بفتح الميم وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي ﴾ تفسير للنداء، فأن مفسرة ﴿ سَرِيّاً ﴾ جدولاً وهي ساقية من ماء كان قريباً من جذع النخلة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بذلك وقيل: يعني عيسى فإن السري الرجل الكريم ﴿ وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ﴾ كان جذعاً يابساً، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها وتأنيساً، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] ﴿ تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ الفاعل بتساقط النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطباً تمييز، والجني معناه: الذي طاب وصلح لأن يجتنى ﴿ فَكُلِي واشربي ﴾ أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السري ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي طيبي نفساً بما جعل الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ﴾ أي صمتاً عن الكلام، وقيل: يعني الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام، مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا ﴾ لما رأت الآيات: علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصي إلى قومها ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ أي شنيعاً وهو من الفرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.

الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.

الباقون بكسرها.

﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.

﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.

الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.

وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.

﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.

﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.

الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.

ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .

﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه {  } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.

والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.

قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل  ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.

وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.

وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.

وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.

فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.

قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.

وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.

وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.

وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.

وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟

احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله  .

وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟

قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.

ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.

﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.

عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.

وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.

ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.

فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك  ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.

وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أو لامستم النساء  ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.

قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.

﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.

وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.

وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

وقيل: في فمها.

وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.

وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وكم مدة حملها؟

عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله  في أثناء مدائحها.

وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.

قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.

وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.

وقيل: ستة أشهر.

وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.

وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله  : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.

ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.

وقصى مبالغة قاص.

وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.

فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.

فقالت: قل قولاً جميلاً.

فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم.

ألم تعلم أن الله  أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!

أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله  خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!

فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.

فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.

قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".

قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.

قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.

قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.

يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.

وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.

تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.

ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.

وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.

ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.

وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.

وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.

وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.

قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.

وروي ذلك عن النبي  سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.

وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.

وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.

عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي  ﴾ لأنه خلاف الظاهر.

وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.

وكل من كان أبعد منه كان تحت.

وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.

وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.

وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.

قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.

وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.

و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.

وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.

والجني المأخوذ طرياً.

والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.

وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.

قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.

والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.

وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟

وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر  ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.

عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.

وعن ابن عباس مثله.

وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.

قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله  وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.

وفي الكشاف: نهى رسول الله  عن صوم الصمت.

وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.

وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.

وكيف أخبرتهم بالنذر؟

قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.

وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.

وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .

﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.

عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.

وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.

واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.

وقيل: يروى عن النبي  أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.

وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.

ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.

وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.

ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.

وبم عرفت ذلك؟

إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.

وعن السدي.

لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.

ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.

وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.

وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.

فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.

والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.

وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله  .

وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً  ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.

أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.

فقال له: أي شيء أكتب؟

فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.

ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.

الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.

وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.

وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.

فقال عيسى  مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.

﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.

وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.

وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.

وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.

قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.

وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً  ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.

قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.

وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.

عن بعضهم أن عيسى  قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.

وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.

وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.

يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.

وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.

وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.

﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين  ﴾ قد مر آنفاً.

وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.

ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.

والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته  .

وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.

وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.

فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.

واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.

وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.

وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.

ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.

ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.

وههنا نكتة هي أن الله  لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.

وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله  ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.

قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.

وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.

وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.

واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله  أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.

ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.

ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا  ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.

قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.

والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.

قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.

فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.

والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.

وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.

وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.

وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.

﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.

وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.

و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.

وعن النبي  أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.

عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.

ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.

ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.

ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.

و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.

﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.

﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

قال عليّ  يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.

وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله  يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.

﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.

﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ .

قال الحسن: هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ أي: اذكر رحمة ربك مريم.

وقال بعضهم: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ ، أي: نحو المشرق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ولا يصلح النظر إليها.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً ﴾ : قال بعضهم: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم.

وقال بعضهم: أخذت من دونهم حجاباً، أي: ستراً.

وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجاباً وستراً، أي: جعلت الجبل بينها وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : قال أبيّ بن كعب: هو روح عيسى، أرسله الله إلى مريم في صورة بشر، ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ .

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : جبريل، وقد سمى الله جبريل: روحاً في غير آي من القرآن: ﴿ رُوحُ ٱلْقُدُسِ  ﴾ وغيره.

﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ أي: لم يكن به أثر غير البشر.

وقال بعضهم: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سويّاً صحيحاً كاملاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ .

فإن قيل: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيّاً، وإنما يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق؟

قال الحسن: قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ مفصول من قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ ﴾ ، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لا ينالني منك سوء ولا يمسّني شر.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: ما كنت تقيّاً، أي: حيث دخلت عليّ من غير استئذان منك ولا استئمار ما كنت تقيّاً، ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: وقد كنت تقيّاً، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت عليَّ بلا إذن ولا أمر؟!

وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد)، و [هو] في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ هو على الإضمار، كأنه قال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ بالقول بأن أهب لك غلاماً زكيّاً، أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: ﴿ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكيّاً).

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَكِيّاً ﴾ أي: صالحاً، طاهراً عن جميع الشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ ، أي: قالت: لم يمسسني بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيّاً، فمن أين يكون لي ولد؟

كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ ، أي: أخلق بسبب وبلا سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هيّن عليّ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ للأنبياء الذين كانوا من قبل: إنه يخلق ولداً بلا أب ولا أمّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل ولادته بلا أب على ما أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا أب ولا أم، فكان ما أخبروا، فدلّ ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله؛ فيكون ذلك آية لصدقهم، ويكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: ذلك الخبر الذي أخبر الأنبياء من قبل، والوعد الذي وعد لهم أمراً مقضيّاً كائناً.

وقال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل عيسى آية للناس حيث ولد بلا أب، وكلم الناس في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه.

وجائز أن يكون آية للناس للبعث؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب، وهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضاً ثم كان، فعلى ذلك البعث؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على الإحياء بعد الموت، بل هو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ أي: رحمة منا للخلق؛ لأن من اهتدى واتبعه كان له به نجاة، وهو ما قال الله  لرسوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ذلك رحمة منه إلى خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان أمره كائناً، وعلى التأويل الذي ذكره أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ يكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان وعداً وخبراً معلوماً على ما أخبر الأنبياء عن نبأ عيسى وأمّه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

دلّ هذا على أن الولاد لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولاد وبين الحمل وقت، لكن لا يعلم كم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: تباعدت به؛ حياء من أهلها.

وقال بعضهم: انفردت به مكاناً قصيّاً متباعداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ : قال القتبي: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ أي: جاء بها، من المجيء، وألجأها إليها، يقول: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة.

والمخاض: هو الحمل.

ودل قوله: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أن النخلة التي ألجأها المخاض إليها كانت يابسة، على ما قاله أهل التأويل؛ لأنه إنما انتبذت مكاناً قصيّاً وتباعدت حياء من أهلها، فلو كانت تلك النخلة رطبة ذات ثمار، لكان الناس يأوون إليها ويقيمون عندها، فلا يحتمل أن تأوي إليها مريم وعندها يأوي الناس، ثم التجاؤها إلى النخلة لتتساند إليها وتستعين بها على ما تقع الحاجة للنساء وقت الولادة إلى شيء يستعن به عما ينزل بهن من الشدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ .

يحتمل أن يكون ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ ، أي: وكنت غير معروفة.

ويحتمل أن يكون - على ما ذكر - ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ : لا أذكر بعد الموت بذلك، لأنه ذكر أنها كانت من أهل شرف وكرم، ومن أهل بيت النبوة، فتمنت أن تكون غير معروفة؛ لئلا تذكر بسوء بعدها ولا بقذف.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ أي: حيضة ملقاة، وكذلك قال أبو عوسجة: النسي: الحيض.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل هذا؛ لأنها قد عرفت قدرها عند الله، فلا يحتمل أن تتمنى ما ذكر، لكن الإنسان ربما يتمنى الأمر العظيم إذا اشتد به الأمر، نحو ما يتمنى الموت في بعض الوقت لعظم ما يحل به، فعلى ذلك غير منكر هذا من مريم أن تتمنى ما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ .

ومن تحتها اختلف فيه: قال بعضهم: ناداها ملك.

وقال بعضهم: ناداها ابنها عيسى.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يكون [الذي] ناداها ملكاً؛ لأنه قال: ﴿ مِن تَحْتِهَآ ﴾ ، ولو كان ملكاً لناداها من فوقها، لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الملك إنما ينادي من حيث يؤمر، من تحت ومن فوق.

وقال بعض أهل التأويل: ناداها جبريل من تحت الوادي: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ .

والأشبه أن يكون ابنها عيسى؛ لأنها كانت تحزن أن تشتم وتقذف به، فعيسى إذا تكلم وصار بذلك المحل تسر هي بذلك، لما تعلم أنه ينفي عنها بعض ما طعنت به وقذفت.

ويحتمل حزنها من وجه آخر: وهو أنها كانت حزنت خوفاً على نفسها وعلى ولدها؛ لأنها أقامت في مكان لا ماء فيه ولا طعام، فخافت على نفسها وولدها الهلاك، فحزنت لذلك فبشرت حيث قال لها: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ : أمنها عن الخوف الذي كان.

ثم السري: قال بعضهم من أهل التأويل: هو الجدول، وهو النهر الصغير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ : فيه دلالة لزوم الكسب؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها؛ لتجتني هي، وذلك عليها أهون وأيسر؛ على ما كان رزقها عندما كانت مؤنتها على زكريا.

وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قُوتِه.

وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مؤنة، فما فارت زكريا أمرها بالكسب.

وفيه دلالة: أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطباً، وحيث جعل من تحتها سريّاً، أي: نهراً جارياً، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها.

وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها: أنه أخبر أنه -  - اصطفاها على نساء العالمين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ ، وسماها: صدّيقة بقوله: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  ﴾ ، وذلك لا يسمّى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له غاية، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ أي: من تحت النخلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ﴾ .

أي: كلي الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من السرى الذي جعل تحتك.

و ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي: وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك، أو طيبي نفساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ أي: صمتاً وسكوناً، وكذلك روي في بعض الحروف، وهو في حرف أُبي، وقال: ثم قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مُفْهِمَةٍ المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقول: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ ، فكأن نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب الحسن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فضربها المخاض، وألجأها إلى ساق نخلة، قالت مريم عايها السلام: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُذْكَر حتى لا يُظَن بي السوء.

<div class="verse-tafsir" id="91.V6JbP"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل