تفسير الآية ٦ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٦ من سورة مريم

يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد في قوله : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) قال : كان وراثته علما وكان زكريا من ذرية يعقوب .

وقال هشيم : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) قال : قد يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن : يرث نبوته وعلمه .

وقال السدي : يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب .

وعن مالك ، عن زيد بن أسلم : ( ويرث من آل يعقوب ) قال : نبوتهم .

وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون ، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) قال : يرث مالي ، ويرث من آل يعقوب النبوة .

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يرحم الله زكريا ، وما كان عليه من ورثة ، ويرحم الله لوطا ، إن كان ليأوي إلى ركن شديد " وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا جابر بن نوح ، عن مبارك - هو ابن فضالة - عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله أخي زكريا ، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول : ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح ، والله أعلم .

وقوله : ( واجعله رب رضيا ) أي مرضيا عندك وعند خلقك ، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يقول: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: وكان وراثته علما، وكان زكريا من ذرّية يعقوب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: نبوّته وعلمه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رَحِمَ اللهُ أخِي زَكَرِيَّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مالِهِ حِينَ يَقُولُ فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثْ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: كان الحسن يقول: يرث نبوّته وعلمه.

قال قتادة: ذُكر لنا " أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، وأتى على ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته ".

حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " يَرْحَمُ اللهُ زكَرِيَّا ومَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطا إنْ كانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ".

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: يرث نبوّتي ونبوّة آل يعقوب.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) فقرأت ذلك عامَّة قرّاء المدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ ) برفع الحرفين كليهما، بمعنى فهب الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، على أن يرثني ويرث من آل يعقوب، من صله الوليّ.

وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة: ( يَرِثُنِي وَيَرِثْ ) بجزم الحرفين على الجزاء والشرط، بمعنى: فهب لي من لدنك وليا فإنه يرثني إذا وهبته لي.

وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع، لأن يرثني من آية غير التي قيلها.

قالوا وإنما يحسنُ أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: رِدْءًا يُصَدِّقُنِي .

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأه برفع الحرفين على الصلة للوليّ، لأنّ الوليّ نكرة، وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله وليا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.

وقوله ( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) يقول: واجعل يا ربّ الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا.

والرضي: فعيل صرف من مفعول إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يرثني قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة ( يرثني ويرث ) بالرفع فيهما .

وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما ، وليس هما جواب ( هب ) على مذهب سيبويه ، إنما تقديره إن تهبه يرثني ويرث ؛ والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا ؛ أي هب لي من لدنك الولي الذي هذه حاله وصفته ؛ لأن الأولياء منهم من لا يرث ؛ فقال : هب لي الذي يكون وارثي ؛ قاله أبو عبيد ؛ ورد قراءة الجزم ؛ قال : لأن معناه إن وهبت ورث ، وكيف يخبر الله - عز وجل - بهذا وهو أعلم به منه ؟

!

النحاس : وهذه حجة متقصاة ؛ لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة ؛ تقول : أطع الله يدخلك الجنة ؛ أي إن تطعه يدخلك الجنة .الثانية : قال النحاس : فأما معنى يرثني ويرث من آل يعقوب فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة ؛ قيل : هي وراثة نبوة .

وقيل : وراثة حكمة .

وقيل : هي وراثة مال .

فأما قولهم وراثة نبوة فمحال ؛ لأن النبوة لا تورث ، ولو كانت تورث لقال قائل : الناس ينتسبون إلى نوح - عليه السلام - وهو نبي مرسل .

ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن ؛ وفي الحديث العلماء ورثة الأنبياء .

وأما وراثة المال فلا يمتنع ، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا نورث ، ما [ ص: 11 ] تركنا صدقة فهذا لا حجة فيه ؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع .

وقد يؤول هذا بمعنى : لا نورث ، الذي تركناه صدقة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخلف شيئا يورث عنه ؛ وإنما كان الذي أباحه الله - عز وجل - إياه في حياته بقوله تبارك اسمه : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول لأن معنى لله لسبيل الله ، ومن سبيل الله ما يكون في مصلحة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما دام حيا ؛ فإن قيل : ففي بعض الروايات إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة ففيه التأويلان جميعا ؛ أن يكون ( ما ) بمعنى الذي .والآخر لا يورث من كانت هذه حاله .

وقال أبو عمر : واختلف العلماء في تأويل قوله - عليه السلام - : لا نورث ما تركنا صدقة على قولين : أحدهما : وهو الأكثر وعليه الجمهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يورث وما ترك صدقة .

والآخر : أن نبينا - عليه الصلاة والسلام - لم يورث ؛ لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته ، كما خص في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره ؛ وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن علية ، وسائر علماء المسلمين على القول الأول .الثالثة : قوله تعالى : من آل يعقوب قيل : هو يعقوب بن إسرائيل ، وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ، ويرجع نسبها إلى يعقوب ؛ لأنها من ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب ، وزكريا من ولد هارون أخي موسى ، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب ، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق .

وقيل : المعني بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود - عليهما السلام - ؛ لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان ، وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل ؛ قاله مقاتل وغيره .

وقال الكلبي : وكان آل يعقوب أخواله ، وهو يعقوب بن ماثان ، وكان فيهم الملك ، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى .

وروى قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يرحم الله - تعالى - زكريا ما كان عليه من ورثته .

ولم ينصرف يعقوب لأنه أعجمي .الرابعة : قوله تعالى : واجعله رب رضيا أي مرضيا في أخلاقه وأفعاله .

وقيل : راضيا بقضائك وقدرك .

وقيل : رجلا صالحا ترضى عنه .

وقال أبو صالح : نبيا كما جعلت أباه نبيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ْ} أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم.

فرحمه ربه واستجاب دعوته

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يرثني ويرث من آل يعقوب ) قرأ أبو عمرو والكسائي : بجزم الثاء فيهما ، على جواب الدعاء ، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة ، أي : وليا وارثا .

واختلفوا في هذا الإرث; قال الحسن : معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة .

وقيل : أراد ميراث النبوة والعلم .

وقيل : أراد إرث الحبورة ، لأن زكريا كان رأس الأحبار .

قال الزجاج : والأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله .

والمعنى : أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل ، من تبديل الدين وقتل الأنبياء ، فسأل ربه وليا صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين .

وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما .

( واجعله رب رضيا ) أي برا تقيا مرضيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يَرثني» بالجزم جواب الأمر وبالرفع صفة وليا «ويرث» بالوجهين «من آل يعقوب» جدّي، العلم والنبوة «واجعله رب رضيا» أي: مرضيا عندك.

قال تعالى في إجابة طلبه الابن الحاصل به رحمته:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يرث نبوَّتي ونبوة آل يعقوب، واجعل هذا الولد مرضيًا منك ومن عبادك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا نورث ما تركنا صدقة " وفى رواية عند الترمذى بإسناد صحيح : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " .وعلى هذا فتعين حمل قوله ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي ) على ميراث النبوة ولهذا قال : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) كقوله : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) أى : فى النبوة ، إذ لو كان فى الال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان فى الإخبار بذلك كبير فائدة ، إذ من المعلوم المستقر فى جيمع الشرائع والملل ، أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها ، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح فى الحديث : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " .وقال بعض العلماء ما ملخصه : ومعنى ( يَرِثُنِي ) أى : إرث علم ونبوة ، ودعوة إلى الله والقيام بدينه ، لا إرث مال ، ويدل لذلك أمران :أحدهما قوله : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان ، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين .والأمر الثانى ما جاء من الأدلة أن الأنبياء - صلولات الله وسلامه عليهم - لا يورث عنهم المال ، وإنما يورث عنهم العلم والدين ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى بكر الصديق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا نورث ما تركنا صدقة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة فيها مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ وَهَنَ ﴾ بالحركات الثلاث.

المسألة الثانية: إدغام السين في الشين (من الرأس شيباً) عن أبي عمرو.

المسألة الثالثة: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ الموالى ﴾ بفتح الياء وعن الزهري بإسكان الياء من الموالي وقرأ عثمان وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر التاء وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أن يكون ورائي بمعنى بعدي والمعنى أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولي يرزقه.

والثاني: أن يكون بمعنى قدامي والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من به تقو واعتضاد.

المسألة الرابعة: القراءة المعروفة: ﴿ مِن وَرَائِى ﴾ بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة وعن حميد بن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير ﴿ وراي ﴾ كعصاي.

المسألة الخامسة: من يرثني ويرث وجوه: أحدها: القراءة المعروفة بالرفع فيهما صفة.

وثانيها: وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة بالجزم فيهما جواباً للدعاء.

وثالثها: عن علي ابن أبي طالب وابن عباس وجعفر بن محمد والحسن وقتادة: ﴿ يَرِثُنِى ﴾ جزم وارث بوزن فاعل.

ورابعها: عن ابن عباس: ﴿ يَرِثُنِى ﴾ وارث من آل يعقوب.

وخامسها: عن الجحدري ﴿ وَيَرِثُ ﴾ تصغير وارث على وزن أفيعل (اللغة) الوهن ضعف القوة قال في الكشاف شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة، وأما الدعاء فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما أن مقابل الأمر الطاعة، وأما أصل التركيب في (ولي) فيدل على معنى القرب والدنو يقال وليته أليه ولياً أي دنوت وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولي ومنه قول ساعدة (ابن جؤبة): وعدت عواد دون وليك تشغب *** وكل مما يليك وجلست مما يليه ومنه الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي، والولية البرذعة لأنها تلي ظهر الدابة وولي اليتيم والقتيل وولي البلد لأن من تولى أمراً فقد قرب منه، وقوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُوا ٱلْخَيْرَٰتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ من قولهم ولاه بركنه أي جعله مما يليه، أما ولي عني إذا أدبر فهو من باب تثقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أي أحق أفعل التفضيل من الوالي أو الولي كالأدنى والأقرب من الداني والقريب وفيه معنى القرب أيضاً لأن من كان أحق بالشيء كان أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرمى والمبني اسم لموضع والمرمي والبناء، وأما العاقر فهي التي لا تلد والعقر في اللغة الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت قوائمه، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه ثم قد يؤول أمرهم إليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كآل فرعون وللموافقة في الدين كآل النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن زكرياء عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفاً.

والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه ألبتة.

والثالث: كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال.

أما المقام الأول: وهو كونه ضعيفاً فأثر الضعف، إما أن يظهر في الباطن أو في الظاهر، والضعف الذي يظهر في الباطن يكون أقوى مما يظهر في الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان الضعف الذي في الباطن وهو قوله: ﴿ وَهَنَ العظم مِنّى ﴾ وتقريره هو أن العظام أصلب الأعضاء التي في البدن وجعلت كذلك لمنفعتين: إحداهما: لأن تكون أساساً وعمداً يعتمد عليها سائر الأعضاء الأخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول.

والثانية: أنه احتيج إليها في بعض المواضع لأن تكون جنة يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة قحف الرأس وعظام الصدر، وما كان كذلك فيجب أن يكون صلباً ليكون صبوراً على ملاقاة الآفات بعيداً من القبول لها إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان العظم أصلب الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ما عداها مع رخاوتها أولى، ولأن العظم إذا كان حاملاً لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجباً لتطرقه إلى المحمول فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة.

المقام الثاني: أنه ما كان مردود الدعاء ألبتة ووجه التوسل به من وجهين: أحدهما: ما روي أن محتاجاً سأل واحداً من الأكابر وقال: أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا، فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا ثم قضى حاجته.

وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه رده ثانياً لكان الرد محبطاً للأنعام الأول والمنعم لا يسعى في إحباط أنعامه.

والثاني: وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان إجابة الدعاء فلو صار مردوداً بعد ذلك لكان في غاية المشقة ولأن الجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشق فقال زكرياء عليه السلام إنك ما رددتني في أول الأمر مع أني ما تعودت لطفك وكنت قوي البدن قوي القلب فلو رددتني الآن بعد ما عودتني القبول مع نهاية ضعفي لكان ذلك بالغاً إلى الغاية القصوى في ألم القلب، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي بها إذا خاب ولم ينلها ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى.

المقام الثالث: بيان كون المطلوب منتفعاً به في الدين وهو قوله: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ الموالى مِن وَرَائِى ﴾ وفيه أبحاث: الأول: قال ابن عباس والحسن: إني خفت الموالي أي الورثة من بعدي وعن مجاهد العصبة وعن أبي صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب وعن أبي مسلم المولي يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو هاهنا من يقوم بميراثه مقام الولد، والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين فقد كانت العادة جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فإنه كان متعيناً في الحياة.

الثاني: اختلفوا في خوفه من الموالي فقال بعضهم: خافهم على إفساد الدين، وقال بعضهم بل خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال وغيره مع أنه عرف من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب، وفيه قول ثالث وهو أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد اعلمه أنه لم يبق من أنبياء بني إسرائيل نبي له أب إلا واحد فخاف أن يكون ذلك من بني عمه إذ لم يكن له ولد فسأل الله تعالى أن يهب له ولداً يكون هو ذلك النبي، وذلك يقتضي أن يكون خائفاً من أمر يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ذلك.

ولا يمتنع أن زكرياء كان إليه مع النبوة السياسة من جهة الملك وما يتصل بالإمامة فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما.

أما قوله: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ ﴾ فهو وإن خرج على لفظ الماضي لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضاً، كذلك يقول الرجل قد خفت أن يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أي أنا خائف لا يريد أنه قد زال الخوف عنه وهكذا قوله: ﴿ وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا ﴾ أي أنها عاقر في الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولوداً في العادة ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلام بتقادم العهد في ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى وإلى هذا يرجع الأمر في قوله: وإني خفت الموالي من ورائي لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم استغنى بدلالة الحال وما يوجب مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال وأيضاً فقد يوضع الماضي مكان المستقبل وبالعكس قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أأنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ والله أعلم وأما قوله: ﴿ من ورائي ﴾ ففيه قولان: الأول: قال أبو عبيدة أي قدامي وبين يدي وقال آخرون أي بعد موتي وكلاهما محتمل فإن قيل كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلاً من أن يخاف شرهم؟

قلنا: إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف في حصول الخوف فربما عرف ببعض الإمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد والشر واختلف في تفسير قوله: ﴿ فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه.

الأول: قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه: ﴿ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً  ﴾ .

والثاني: قوله في هذه السورة: ﴿ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ .

والثالث: قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً  ﴾ وهذا يدل على أنه سأل الولد لأنه قد أخبر في سورة مريم أن له موالي وأنه غير منفرد عن الورثة وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد أظهر واحتج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك.

الجواب: أنه عليه السلام سأل عما يوهب له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد؟

وهذا يحكي عن الحسن وقال غيره إن قول زكرياء عليه السلام في الدعاء: ﴿ وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا ﴾ إنما هو على معنى مسألته ولداً من غيرها أو منها بأن يصلحها الله للولد فكأنه عليه السلام قال إني أيست أن يكون لي منها ولد فهب لي من لدنك ولياً كيف شئت إما بأن تصلحها فيكون الولد منها أو بأن تهب لي من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا في المراد بالميراث على وجوه: أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك.

وثانيها: أن المراد به في الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبي صالح.

وثالثها: يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضاً عن ابن عباس والحسن والضحاك.

ورابعها: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل في كلها أما في المال فلقوله تعالى: ﴿ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم وَأَمولَهُمْ  ﴾ وأما في العلم فلقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب  ﴾ وقال عليه السلام: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم» وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ عِلْمًا وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ  ﴾ وهذا يحتمل وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثني هذا غماً وحزناً، وقد ثبت أن اللفظ محتمل لتلك الوجوه.

واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال بالخبر والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام: «رحم الله زكريا ما كان له من يرثه» وظاهره يدل على أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال.

الثاني: أنه قال: ﴿ واجعله رَبّ رَضِيّاً ﴾ ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة لكان قد سأل جعل النبي صلى الله عليه وسلم رضياً وهو غير جائز لأن النبي لا يكون إلا رضياً معصوماً، وأما قوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فهذا لا يمنع أن يكون خاصاً به واحتج من حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء أن اهتمامهم لا يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر الدين، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم النفع في الدين فلهذا كان مهتماً به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه مقام أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ما حصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل المورث فكذلك إذا كان المعلوم في الإبن أن يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال ورثه أما قوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء» فهذا وإن جاز حمله على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ لكنه مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز لا سيما وقد روي قوله: إنا معاشر الأنبياء لا نورث والأولى أن يحمل ذلك على كل ما فيه نفع وصلاح في الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب النافع في الدين والمال الصالح، فإن كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعي على بقائها ليكون ذلك النفع دائماً مستمراً.

السابع: اتفق أكثر المفسرين على أن يعقوب هاهنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة زكرياء هي أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب وأما زكرياء عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون وموسى عليهما السلام من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق وكانت النبوة في سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من يعقوب هاهنا ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم، واعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوهاً: أحدها: أن المراد واجعله رضياً من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية، وهذا غاية ما يكون به المرء رضياً.

وثانيها: المراد بالرضي أن يكون رضياً في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد.

وثالثها: المراد بالرضي أن لا يكون متهماً في شيء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي.

ورابعها: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ  ﴾ وكانا في ذلك الوقت مسلمين، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا هاهنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله، فلما سأل الله تعالى جعله رضياً دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.

فإن قيل: المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً فينسب ذلك إلى الله تعالى.

والجواب من وجهين: الأول: أن جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضياً لكان ذلك مجازاً وهو خلاف الأصل.

والثاني: أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجباً لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان مواليه- وهم عصبته إخوته وبنو عمه- شرار بني إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقباً من صلبه صالحاً يقتدى به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه: ﴿ مِن وَرَائِى ﴾ بعد موتي.

وقرأ ابن كثير: ﴿ من وراي ﴾ بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق ب (خفت) لفساد المعنى، ولكن بمحذوف.

أو بمعنى الولاية في الموالي: أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي.

أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي.

وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم ﴿ خَفَّتِ الموالي من ورائي ﴾ وهذا على معنيين، أحدهما: أن يكون ﴿ وَرَائِى ﴾ بمعنى خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بوليّ يرزقه.

والثاني: أن يكون بمعنى قدامي، فيتعلق بخفت، ويريد أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد ﴿ مِن لَّدُنْكَ ﴾ تأكيد لكونه ولياً مرضياً، بكونه مضافاً إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا- فهب لي ولياً يرثني- كاف، أو أراد اختراعاً منك بلا سبب لأني وامرأتي لا نصلح للولادة ﴿ يَرِثُنِى وَيَرِثُ ﴾ الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة.

ونحوه: ﴿ رِدْءاً يُصَدّقُنِى ﴾ [القصص: 34] وعن ابن عباس والجحدري: يرثني وأرث آل يعقوب، نصب على الحال.

وعن الجحدري: أُويرث، على تصغير وأرث، وقال غليم صغير.

وعن علي رضي الله عنه وجماعة: وارث من آل يعقوب: أي يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان، والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم، لأنّ الأنبياء لا تورّث المال.

وقيل: يرثني الحبورة وكان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك.

يقال: ورثته وورثت منه لغتان.

وقيل (من) للتبعيض لا للتعدية، لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا عليه السلام من نسل يعقوب بن إسحاق.

وقيل: هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا.

وقيل: يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ يَعْنِي بَنِي عَمِّهِ وكانُوا أشْرارَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَخافَ أنْ لا يُحْسِنُوا خِلافَتَهُ عَلى أُمَّتِهِ وَيُبَدِّلُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم.

﴿ مِن ورائِي ﴾ بَعْدَ مَوْتِي، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالمَدِّ والقَصْرِ بِفَتْحِ الياءِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أوْ بِمَعْنى المُوالى أيْ خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن ورائِي، أوِ الَّذِينَ يَلُونَ الأمْرَ مِن ورائِي.

وقُرِئَ «خِفْتُ الوالِيَ مِن ورائِي» أيْ قَلُّوا وعَجَزُوا عَنْ إقامَةِ الدِّينِ بَعْدِي، أوْ خَفُّوا ودَرَجُوا قُدّامِي، فَعَلى هَذا كانَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِـ ﴿ خِفْتُ ﴾ .

﴿ وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا ﴾ لا تَلِدُ.

﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ فَإنَّ مِثْلَهُ لا يُرْجى إلّا مِن فَضْلِكَ وكَمالِ قُدْرَتِكَ، فَإنِّي وامْرَأتِي لا نَصْلُحُ لِلْوِلادَةِ.

﴿ وَلِيًّا ﴾ مِن صُلْبِي.

﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ صِفَتانِ لَهُ وجَزَمَهُما أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ عَلى أنَّهُما جَوابُ الدُّعاءِ، والمُرادُ وِراثَةُ الشَّرْعِ والعِلْمِ فَإنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرِّثُونَ المالَ.

وقِيلَ يَرِثُنِي الحُبُورَةَ فَإنَّهُ كانَ حَبْرًا، ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، وهو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ يَعْقُوبُ كانَ أخا زَكَرِيّا أوْ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقُرِئَ «يَرِثُنِي وارِثُ آلِ يَعْقُوبَ» عَلى الحالِ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ، و «أُوَيْرِثٌ» بِالتَّصْغِيرِ لِصِغَرِهِ، و «وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ» عَلى أنَّهُ فاعِلُ ﴿ يَرِثُنِي ﴾ وهَذا يُسَمّى التَّجْرِيدَ في عِلْمِ البَيانِ لِأنَّهُ جُرِّدَ عَنِ المَذْكُورِ أوَّلًا مَعَ أنَّهُ المُرادُ.

﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ تَرْضاهُ قَوْلًا وعَمَلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يرثني ويرث} برفعهما صفة لوليا أي هب لي ولداً وارثاً مني العلم ومن آل يعقوب النبوة ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى إليه ولم يرد أن نفس النبوة تورث وبجزمهما أبو عمرو وعلي على أنه جواب للدعاء يقال ورثته وورثت منه {من آل يعقوب} يعقوب بن اسحق {واجعله رَبّ رَضِيّاً} مرضياً ترضاه أو راضياً عنك وبحكمك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ صِفَةٌ لَوَلِيًّا كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّكِراتِ، ويُقالُ: ورِثَهُ ووَرِثَ مِنهُ لُغَتانِ كَما قِيلَ، وقِيلَ مِن لِلتَّبْعِيضِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، وآلُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، ويَعْقُوبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ فَإنَّ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ وهو مِن ولَدِ لاوِي ابْنِ يَعْقُوبَ وكانَ مُتَزَوِّجًا بِأُخْتِ مَرْيَمَ بِنْتِ عُمْرانَ وهي مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مِن ولَدِ يَهُوذَ بْنِ يَعْقُوبَ أيْضًا.

وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ وأخُوهُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ أبُو مَرْيَمَ.

وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ والمُرادُ مِنَ الوِراثَةِ في المَوْضِعَيْنِ العِلْمُ عَلى ما قِيلَ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ بَنُو ماثانَ رُؤُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهُمْ، وكانَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ رَئِيسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ الحُبُورَةَ ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم فَتَكُونُ الوِراثَةُ مُخْتَلِفَةً في المَوْضِعَيْنِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ اخْتِيارِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ والِاكْتِفاءِ بِيَرِثُ الأوَّلِ، وقِيلَ الوِراثَةُ الأُولى وِراثَةُ النُّبُوَّةِ والثّانِيَةُ وِراثَةُ المُلْكِ فَتَكُونُ مُخْتَلِفَةً أيْضًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ أيْ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ قَوْلًا وفِعْلًا، وقِيلَ راضِيًا والأوَّلُ أنْسَبُ يَكُونُ عَلى هَذا تَأْكِيدًا لِأنَّ النَّبِيَّ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وعَلى ما قُلْنا يَكُونُ دُعاءً بِتَوْفِيقِهِ لِلْعَمَلِ كَما أنَّ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ بِتَوْفِيقِهِ لِلْعِلْمِ، فَكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ عالِمًا عامِلًا، وقِيلَ: المُرادُ اجْعَلْهُ مَرْضِيًّا بَيْنَ عِبادِكَ أيْ مُتَّبِعًا فَلا يَكُونُ هُناكَ تَأْكِيدٌ مُطْلَقًا، وتَوْسِيطُ (رَبِّ) بَيْنَ مَفْعُولَيِ الجَعْلِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما يَسْتَدْعِيهِ.

واخْتارَ السَّكّاكِيُّ أنَّ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنِفَتانِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهُ يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الوَصْفِيَّةِ أنْ لا يَكُونَ قَدْ وهَبَ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن وصْفٍ لِهَلاكِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ هَلاكِهِ لِقَتْلِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ قَتْلِهِ.

وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الرِّواياتِ مُتَعارِضَةٌ والأكْثَرُ عَلى هَلاكِ زَكَرِيّا قَبْلَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: وأمّا الجَوابُ بِأنَّهُ لا غَضاضَةَ في أنْ يُسْتَجابَ لِلنَّبِيِّ بَعْضُ ما سَألَ دُونَ بَعْضٍ ألا تَرى إلى دَعْوَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَقِّ أُمَّتِهِ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ( «وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعْنِيها» ).

وإلى دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ أبِيهِ فَإنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَحْذُورُ ذَلِكَ وإنَّما المَحْذُورُ لُزُومُ الخُلْفِ في خَبَرِهِ تَعالى فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأنْبِياءِ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ ما سَألَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ، وكَذَلِكَ سِياقُ الآياتِ الأُخَرِ.

ولَكَ أنْ تَسْتَدِلَّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ضَعْفِ رِوايَةِ مَن زَعَمَ أنَّ يَحْيى هَلَكَ قَبْلَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا الإيرادُ بِأنَّ ما اخْتِيرَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ لا يَدْفَعُ المَحْذُورَ لِأنَّهُ وصْلٌ مَعْنَوِيٌّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الوَصْلَ ثابِتٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ في المَسْؤُولِ لِأنَّهُ بَيانُ العِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى السُّؤالِ ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عِلَّةَ السُّؤالِ مَسْؤُولَةً انْتَهى.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ حَيْثُ كانَ المُرادُ مِنَ الوِراثَةِ هُنا وِراثَةَ العِلْمِ لا يَضُرُّ هَلاكُهُ قَبْلَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِحُصُولِ الغَرَضِ وهو أخْذُ ذَلِكَ وإفاضَتُهُ عَلى الغَيْرِ بِحَيْثُ تَبْقى آثارُهُ بَعْدَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ زَمانًا طَوِيلًا ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ بَقاءُ ذاتِ الوارِثِ بَعْدَ المَوْرُوثِ عَنْهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ والزُّهْرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ واليَزِيدِيُّ وابْنُ عِيسى الأصْفَهانِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وقَتادَةُ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُما جَوابُ الدُّعاءِ والمَعْنى أنْ تَهَبَ لِي ذَلِكَ يَرِثُنِي إلَخْ، والمُرادُ أنَّهُ كَذَلِكَ في ظَنِّي ورَجائِي، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وابْنُ عَبّاسٍ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَرْبِ بْنُ أبِي الأسْوَدِ وأبُو نَهِيكٍ ( يَرِثُنِي ) بِالرَّفْعِ ( وأرِثُ ) فِعْلًا مُضارِعًا مِن ورِثَ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى يَرِثُنِي العِلْمَ وأرِثُ أنا بِهِ المُلْكَ مِن آلِ يَعْقُوبَ وذَلِكَ بِجَعْلِ وِراثَةِ الوَلِيِّ المُلْكَ وِراثَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ رَفْعَةَ الوَلَدِ لِلْوالِدِ، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهم: والواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ ومَعْناهُ فَهَبْ لِي ولِيًّا مِن آلِ يَعْقُوبَ يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ إنْ مُتُّ قَبْلَهُ وأرِثُهُ مالَهُ إنْ ماتَ قَبْلِي وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجَماعَةٍ أنَّهم قَرَءُوا ( يَرِثُنِي وأرِثُ ) بِرَفْعِ وأرِثُ بِزِنَةِ فاعِلٍ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ كَما قالَ أبُو الفَتْحِ وغَيْرُهُ أيْ يَرِثُنِي ولِيٌّ مِن ذَلِكَ الوَلِيِّ أوْ بِهِ، فَقَدْ جَرَّدَ مِنَ الوَلِيِّ ولِيًّا كَما تَقُولُ رَأيْتُ مِنهُ أوْ بِهِ أسَدًا، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ أنَّهُ قَرَأ ( وأرِثُ ) بِإمالَةِ الواوِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( أُوَيْرِثُ ) تَصْغِيرُ وارِثٍ وأصْلُهُ وُوَيْرِثُ بِواوَيْنِ الأُولى فاءُ الكَلِمَةِ الأصْلِيَّةِ والثّانِيَةُ بَدَلُ ألْفِ فاعِلٍ لِأنَّها تُقْلَبُ واوًا في التَّصْغِيرِ كَضُوَيْرِبٍ، ولَمّا وقَعَتِ الواوُ مَضْمُومَةً قَبْلَ أُخْرى في أوَّلِهِ قُلِبَتْ هَمْزَةً كَما تَقَرَّرَ في التَّصْرِيفِ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: التَّصْغِيرُ لِصِغَرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَهُ في كِبَرِهِ عَلِمَ ولَوْ حَدْسًا أنَّهُ يَرِثُهُ في صِغَرِ سِنِّهِ، وقِيلَ: لِلْمَدْحِ ولَيْسَ بِذاكَ.

هَذا واسْتَدَلَّ الشِّيعَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تُورَثُ عَنْهم أمْوالُهم لِأنَّ الوِراثَةَ حَقِيقِيَّةٌ في وِراثَةِ المالِ ولا داعِيَ إلى الصَّرْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ: يَرِثُنِي مالِي.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ  قالَ في الآيَةِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَةٍ» .

وفي رِوايَةٍ: «ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ» .، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الوِراثَةَ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ ولا يَجُوزُ ها هُنا حَمْلُها عَلى وِراثَةِ النُّبُوَّةِ لِئَلّا يَلْغُوَ قَوْلُهُ: ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ ولا عَلى وِراثَةِ العِلْمِ لِأنَّهُ كَسْبِي والمَوْرُوثُ حاصِلٌ بِلا كَسْبٍ.

ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرْثُونَ مالًا ولا يُورِثُونَ لِما صَحَّ عِنْدَهم مِنَ الأخْبارِ.

وقَدْ جاءَ ذَلِكَ أيْضًا مِن طَرِيقِ الشِّيعَةِ.

فَقَدْ رَوى الكُلِينِيُّ في الكافِي عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ «العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا ولا دِينارًا وإنَّما ورَّثُوا أحادِيثَ مِن أحادِيثِهِمْ، فَمَن أخَذَ بِشَيْءٍ مِنها فَقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ.

وكَلِمَةُ إنَّما مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ قَطْعًا بِاعْتِرافِ الشِّيعَةِ، والوِراثَةُ في الآيَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى ما سَمِعْتَ ولا نُسَلِّمُ كَوْنَها حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً في وِراثَةِ المالِ بَلْ هي حَقِيقَةٌ فِيما يَعُمُّ وِراثَةَ العِلْمِ والمَنصِبِ والمالِ، وإنَّما صارَتْ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في عُرْفِ الفُقَهاءِ مُخْتَصَّةً بِالمالِ كالمَنقُولاتِ العُرْفِيَّةِ، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّها مَجازٌ في ذَلِكَ فَهو مَجازٌ مُتَعارَفٌ مَشْهُورٌ خُصُوصًا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ المَجِيدِ، بِحَيْثُ يُساوِي الحَقِيقَةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ ، ﴿ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَوْلُهم لا داعِيَ إلى الصَّرْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ قُلْنا: الدّاعِي مُتَحَقِّقٌ وهي صِيانَةُ قَوْلِ المَعْصُومِ عَنِ الكَذِبِ ودُونَ تَأْوِيلِهِ خَرْطُ القَتادِ، والآثارُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم يُوَرِّثُونَ المالَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ النُّقّادِ، وزَعَمَ البَعْضُ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الوِراثَةِ هُنا عَلى وِراثَةِ النُّبُوَّةِ لِئَلّا يَلْغُوَ قَوْلُهُ: ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قَدْ قَدَّمْنا ما يُعْلَمُ مِنهُ ما فِيهِ.

وزُعِمَ أنَّ كَسَبِيَّةِ الشَّيْءِ تَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مَوْرُوثًا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ تَعَلَّقَتِ الوِراثَةُ بِما لَيْسَ بِكَسْبِيٍّ في كَلامِ الصّادِقِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ الكُلِينِيُّ في الكافِي عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ سَلِيمانَ ورِثَ داوُدَ وإنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورِثَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَإنَّ وِراثَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ وِراثَةً غَيْرَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ ونَحْوِهِما، ومِمّا يُؤَيِّدُ حَمْلَ الوِراثَةِ هُنا عَلى وِراثَةِ العِلْمِ ونَحْوِهِ دُونَ المالِ أنَّهُ لَيْسَ في الأنْظارِ العالِيَةِ والهِمَمِ العَلْياءِ لِلنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِن تَعَلُّقاتِ هَذا العالَمِ المُتَغَيِّرِ الفانِي واتَّصَلَتْ بِالعالَمِ الباقِي مَيْلٌ لِلْمَتاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَناحِ بَعُوضَةٍ لا سِيَّما جَنابُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ مَشْهُورًا بِكَمالِ الِانْقِطاعِ والتَّجَرُّدِ فَيَسْتَحِيلُ عادَةً أنْ يَخافَ مِن وِراثَةِ المالِ والمَتاعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في نَظَرِهِ العالِي أدْنى قَدْرٍ أوْ يَظْهَرُ مِن أجْلِهِ الكَلَفُ والحُزْنُ والخَوْفُ ويَسْتَدْعِي مِن حَضْرَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ النَّحْوِ مِنَ الِاسْتِدْعاءِ وهو يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَحَبَّةِ وتَعَلُّقِ القَلْبِ بِالدُّنْيا، وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ أنْ يَصْرِفَ بَنُو عَمِّهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيما لا يَنْبَغِي، فَطَلَبَ لَهُ الوارِثَ المَرْضِيَّ لِذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُخافُ مِنهُ إذِ الرَّجُلُ إذا ماتَ وانْتَقَلَ مالُهُ بِالوِراثَةِ إلى آخَرَ صارَ المالُ مالَ ذَلِكَ الآخَرِ فَصَرْفُهُ عَلى ذِمَّتِهِ صَوابًا أوْ خَطَأً ولا مُؤاخَذَةَ عَلى المَيِّتِ مِن ذَلِكَ الصَّرْفِ، بَلْ لا عِتابَ أيْضًا مَعَ أنَّ دَفْعَ هَذا الخَوْفِ كانَ مُيَسِّرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَصْرِفَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَتَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَتْرُكَ بَنِي عَمِّهِ الأشْرارَ خائِبِينَ لِسُوءِ أحْوالِهِمْ وقُبْحِ أفْعالِهِمْ.

ولِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ الشِّيعَةِ خَبَرٌ بِزَمَنِ مَوْتِهِمْ وتَخْيِيرٌ فِيهِ فَما كانَ لَهُ خَوْفُ مَوْتِ الفَجْأةِ أيْضًا فَلَيْسَ قَصْدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَسْألَةِ الوَلَدِ سِوى إجْراءِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَرْوِيجِ الشَّرِيعَةِ وبَقاءِ النُّبُوَّةِ في أوْلادِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَضاعُفِ الأجْرِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدَّهْرِ، ومَن أنْصَفَ لَمْ يَتَوَقَّفْ في قَبُولِ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأقْوَمِ المَسالِكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية وهي تسعون وثمان آيات قوله سبحانه وتعالى: كهيعص قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: بنصب الهاء والياء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي: بكسر الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء ونصب الياء، وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء، وقرأ نافع بين الكسر والفتح، وهو اختيار أبي عبيدة، ومعنى هذا كله واحد.

قال ابن عباس  في تفسير قوله: كهيعص، قال: «الكاف: فالله كاف لخلقه، والهاء: فالله الهادي لخلقه، وأما الياء: فيد الله مبسوطة على خلقه بالرزق لهم والعطف عليهم، وأما العين: فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم، وأما الصاد: فالله تعالى صادق بوعده» (١)  أنه قال: «هو اسم الله الأعظم» ، وروي عنه أنه قال: «هو قسم أقسم الله تعالى بكهيعص» ، ويقال: هي حروف تدل على ابتداء السور نحو الر والمر وغيرهما.

ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، معناه على طريق ابن عباس: «باسم الله الكافي الهادي العالم الصادق» ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بالرحمة.

ومن قال إنه قسم، فمعناه: ورب كهيعص إنه ذكر عبده زكريا بالرحمة.

ومن قال: هو ابتداء السورة، فمعناه: اقرأ كهيعص.

ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ومعناه: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، لأن ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، وهو زكريا بن ماثان إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، يقول: دعا ربه نداء خفيا، يقول: أخفاه وأسره من قومه، ويقال: دعا ربه دعاء سراً، لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة، ويقال: دعا ربه نداءً خفياً يعني: خالصاً.

قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، أي ضعف عظمي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يعني: أخذ في الرأس شيباً وبياضاً.

شَيْباً صار نصباً بالتمييز، والمعنى: اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جداً: قد اشتعل رأس فلان بالشيب.

ثم قال: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، يعني: لم تكن تخيب دعائي عندك إذا دعوتك.

ثمّ قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، يعني: خشيت، ويقال: يعني: الورثة، ويقال: بنو العم، ويقال: العصبة من ورائي، يعني: من بعد موتي، خاف أن يَرِثَهُ غير الولد.

وروي عن قتادة، عن النبيّ  أنه قال: «يَرْحَمُ الله تَعَالَى زَكَرِيَّا وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ» (٢) وروي عن سعيد بن العاص أنه قال: أملى علي عثمان  وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء، ويقال: يعني: ذهبت الموالي.

وقال أبو عبيدة: لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها.

ثم قال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، يعني: عقيماً لم تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يعني: ولداً.

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ.

وقال عكرمة: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وهكذا قال الضحاك.

وقال بعضهم: يَرِثُنِي يعني: علمي وسنتي، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون مالاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» .

وروى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: «إنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دَرَاهِمَ وَلا دَنَانِيرَ، وَإنَّمَا وَرَّثُوا هذا العِلْمَ» ويقال: لأنه رأى من الفتن وغلبة أهل الكفر، فيخاف على إفساد مواليه إن لم يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة.

قرأ أبو عمرو والكسائي: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر، أي أنك إذا وهبت لي ولياً يرثني، وقرأ الباقون: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بالضم.

وقال أبو عبيدة: وهذا أحب إلي.

قال: معناه هب لي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة وغيرهم، فيقول: هب لي الذي يكون ورائي وارث النبوة.

ثم قال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يعني: صالحاً زكياً.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 477 إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي.

(٢) عزاه السيوطي: 5/ 479 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ مَرْيَمَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سَجْدَتِها فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آَيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ والَّتِي تَلِيها [ مَرْيَمَ: ٥٩، ٦٠ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( كَهَيَعص ذِكْرُ ) بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وتَبْيِينِ الدّالِ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( كَهَيَعص ) بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، ويُدْغِمُ الدّالَ في الذّالِ.

وكانَ نافِعٌ يَلْفِظُ بِالهاءِ والياءِ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدّالَ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) في الذّالِ مِن ( ذِكْرِ ) .

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهاءِ والياءِ، إلّا أنَّ الكِسائِيُّ لا يُبَيِّنُ الدّالَ، وعاصِمٌ يُبَيِّنُها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ الياءِ ويُدْغِمانِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( كَهُيَعص ) بِرَفْعِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ ( البَقَرَةِ ) ما يَشْتَمِلُ عَلى بَيانِ هَذا الجِنْسِ.

وقَدْ خَصَّ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ هاهُنا بِأرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في الكافِ مِن أيِّ اسْمٍ هُوَ، عَلى أرْبَعَةِ.

أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الكَبِيرِ.

والثّانِي: مِنَ الكَرِيمِ.

والثّالِثُ: مِنَ الكافِي، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المَلِكِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

فَأمّا الهاءُ فَكُلُّهم قالُوا: هي مِنِ اسْمِهِ الهادِي، إلّا القُرَظِيَّ فَإنَّهُ قالَ: مِنِ اسْمِهِ اللَّهُ.

وأمّا الياءُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن حَكِيمٍ.

والثّانِي: مِن رَحِيمٍ.

والثّالِثُ: مِن أمِينٍ، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا العَيْنُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن عَلِيمٍ.

والثّانِي: مِن عالِمٍ.

والثّالِثُ: مِن عَزِيزٍ، رَواها أيْضًا سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وأمّا الصّادُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن صادِقٍ.

والثّانِي: مِن صَدُوقٍ، رَواهُما سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مِنَ الصَّمَدِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ ﴿ كهيعص ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.

ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: [ يا ] كهيعص اغْفِرْ لِي.

قالَ الزَّجّاجُ: والقَسَمُ بِهَذا والدُّعاءُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إذا عَلِمَ أنَّ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ يَدُلُّ عَلى صِفاتِ اللَّهِ فَدَعا بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا كافِي، يا هادِي، يا عالِمُ، يا صادِقُ، وإذا أقْسَمَ بِها فَكَأنَّهُ قالَ: والكافِي الهادِي العالِمُ الصّادِقُ، وأُسْكِنَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ؛ لِأنَّها حُرُوفُ تَهَجٍّ، النِّيَّةُ فِيها الوَقْفُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالُوا: هايا، ولَمْ يَقُولُوا في الكافِ: كا، وفي العَيْنِ: عا، وفي الصّادِ: صا، لِتَتَّفِقَ المَبانِي كَما اتَّفَقَتِ العِلَلُ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: حُرُوفُ المُعْجَمِ التِّسْعَةُ والعِشْرُونَ تَجْرِي مَجْرى الرِّسالَةِ والخُطْبَةِ، فَيَسْتَقْبِحُونَ فِيها اتِّفاقَ الألْفاظِ واسْتِواءَ الأوْزانِ، كَما يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ في خُطَبِهِمْ ورَسائِلِهِمْ، فَيُغَيِّرُونَ بَعْضَ الكَلِمِ لِيَخْتَلِفَ الوَزْنُ وتَتَغَيَّرَ المَبانِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْذَبَ عَلى الألْسُنِ وأحْلى في الأسْماعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الذِّكْرُ مَرْفُوعٌ بِالمُضْمَرِ، المَعْنى: هَذا الَّذِي نَتْلُو عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، المَعْنى: ذِكْرُ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِالرَّحْمَةِ، و ﴿ زَكَرِيّا ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ النِّداءُ هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ.

وَفِي عِلَّةِ إخْفائِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّياءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ عَلى الكِبَرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: لِئَلّا يُعادِيَهُ بَنُو عَمِّهِ ويَظُنُّوا أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَلُوا مَكانَهُ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وهَذِهِ القِصَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ إسْرارُ الدُّعاءِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ وقَرَأ مُعاذُ القارِئُ والضَّحّاكُ: ( وهُنَ ) بِضَمِّ الهاءِ؛ أيْ: ضَعُفَ.

قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: وهَنَ العَظْمُ، ووَهِنَ، بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها، والمُسْتَقْبَلُ عَلى الحالَيْنِ كِلَيْهِما: يَهِنُ.

وأرادَ أنَّ قُوَّةَ عِظامِهِ قَدْ ذَهَبَتْ لِكِبَرِهِ، وإنَّما خَصَّ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّرْكِيبِ.

وقالَ قَتادَةُ: شَكا ذَهابَ أضْراسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ يَعْنِي: انْتَشَرَ الشَّيْبُ فِيهِ كَما يَنْتَشِرُ شُعاعُ النّارِ في الحَطَبِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ.

﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِدُعائِي إيّاكَ، ﴿ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ أكُنْ أتْعَبُ بِالدُّعاءِ ثُمَّ أخِيبُ؛ لِأنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنِي الإجابَةَ، يُقالُ: شَقِيَ فُلانٌ بِكَذا: إذا تَعِبَ بِسَبَبِهِ ولَمْ يَنَلْ مُرادَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وهم بَنُو العَمِّ والعُصْبَةِ، ﴿ مِن ورائِي ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ مَوْتِي.

وَفِي ما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ أنْ يَرِثُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يُنَفِّسَ عَلى قَراباتِهِ بِالحُقُوقِ المَفْرُوضَةِ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ نَبِيًّا، والنَّبِيُّ لا يُورَثُ، خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ فَيَأْخُذُوا ما لا يَجُوزُ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ طَبْعُ البَشَرِ، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ ولَدُهُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قُلْتُ: وبَيانُ هَذا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ وإنْ َلَمْ يَكُنْ مِيراثًا، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّاهُ ولَدُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خافَ تَضْيِيعَهم لِلدِّينِ ونَبْذَهم إيّاهُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وَقَرَأ عُثْمانُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( خَفَّتْ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ عَلى مَعْنى ( قَلَّتْ )؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ إنَّما خافَ عَلى عِلْمِهِ ونُبُوَّتِهِ ألّا يُورَثا فَيَمُوتُ العِلْمُ.

وأسْكَنَ ابْنُ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ ياءَ ( المَوالِيَ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أسْكَنَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الياءَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ.

ورَوى عَنْهُ شِبْلٌ: ( ورايَ )، مِثْلُ: ( عَصايَ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ، ﴿ وَلِيًّا ﴾ ؛ أيْ: ولَدًا صالِحًا يَتَوَلّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ( يَرِثُنِي ويَرِثُ ) بِرَفْعِهِما.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ( يَرِثْنِي ويَرِثْ ) بِالجَزْمِ فِيهِما.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهُوَ عَلى الصِّفَةِ لِلْوَلِيِّ، فالمَعْنى: هَبْ لِي ولِيًّا وارِثًا، ومَن جَزَمَ فَعَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِكَ: إنْ وهَبْتَهُ لِي ورِثَنِي.

وَفِي المُرادِ بِهَذا المِيراثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو صالِحٍ.

والثّانِي: يَرْثِي العِلْمَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى وِراثَةِ العِلْمِ دُونَ المُلْكِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: يَرِثُنِي نُبُوَّتِي وعِلْمِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ زَكَرِيّا مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وزَعَمَ الكَلْبِيُّ أنَّ آَلَ يَعْقُوبَ كانُوا أخْوالَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِيَعْقُوبَ أبِي يُوسُفَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ يَعْقُوبُ هَذا وعِمْرانَ - أبُو مَرْيَمَ - أخَوَيْنِ.

والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِيراثَ المالِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» " .

والثّانِي: [ أنَّهُ ] لا يَجُوزُ أنْ يَتَأسَّفَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلى مَصِيرِ مالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إذا وصَلَ إلى وارِثِهِ المُسْتَحِقِّ لَهُ شَرْعًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذا مالٍ.

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّ زَكَرِيّا كانَ نَجّارًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: مَرْضِيًّا، فَصُرِفَ عَنْ مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما قالُوا: مَقْتُولٌ وقَتِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا السَجْدَةَ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي سِرُّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في القُرْآنِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَعْرِضَ لَهُ، يُؤْمَنُ بِظاهِرِهِ ويُتْرَكُ باطِنَهُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُتَكَلَّمَ فِيها وتُطْلَبَ مَعانِيَها؛ فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِالحَرْفِ الواحِدِ دالًّا عَلى كَلِمَةٍ، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ ما لا يُفْهَمُ، ثُمُ اخْتَلَفَ هَذا الجُمْهُورُ عَلى أقْوالٍ قَدِ اسْتَوْفَيْنا ذِكْرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَذْكُرُ الآنَ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُورَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: هَذِهِ حُرُوفٌ دالَّةٌ عَلى أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، الكافُ مِن "كَبِيرٍ"، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الكافُ مِن "كافٍ"، وقالَ أيْضًا: هي مِن "كَرِيمٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمُقْتَضى أقْوالِهِ أنَّها دالَّةٌ عَلى كُلِّ اسْمٍ فِيهِ كافٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى.

قالُوا: والهاءُ مِن "هادٍ"، والياءُ مِن "عَلِيٍّ"، وقِيلَ: مِن "حَكِيمٍ"، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هي مِن "يَأْمَنُ لا يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ".

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والعَيْنُ مِن "عَزِيزٍ"، وقِيلَ: مِن "عَلِيمٍ"، وقِيلَ: مِن "عَدْلٍ"، والصادُ مِن "صادِقٌ".

وقالَ قَتادَةُ: بَلْ "كَهَيَعَصَ" بِجُمْلَتِهِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: بَلْ هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "يا كَهَيَعَصَ اغْفِرْ لِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يُنادِيَ اللهَ تَعالى بِجَمِيعِ الأسْماءِ الَّتِي تَضَمَّنَها "كَهَيَعَصَ"، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: يا كَرِيمُ يا هادِي يا عَلِيُّ يا عَزِيزُ يا صادِقُ اغْفِرْ لِي، فَجَمَعَ هَذا كُلَّهُ بِاخْتِصارٍ في قَوْلِهِ: "يا كَهَيَعَصَ".

وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ وغَيْرُهُ: "كَهَيَعَصَ" عِبارَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ونَسَبَهُ الزَجّاجُ إلى أكْثَرِ أهْلِ اللُغَةِ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ مِنها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا يَتَرَكَّبُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: ارْتَفَعَ "ذِكْرُ" بِأنَّهُ خَبَرٌ عن "كَهَيَعَصَ"، وهي حُرُوفُ تَهَجٍّ يُوقَفُ عَلَيْها بِالسُكُونِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ: "كافْ" بِإثْباتِ الألِفِ والفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ "الهاءُ والياءُ" وبَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدالُّ في الذالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ أيْضًا بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ ضَمُّ الياءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كافْ" بِضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: مَعْنى الضَمِّ في الهاءِ والياءِ إشْباعُ التَفْخِيمِ، ولَيْسَ بِالضَمِّ الخالِصِ الَّذِي يُوجِبُ القَلْبَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإظْهارِ النُونِ مِن "عَيِينْ"، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عن عاصِمْ، وهو القِياسُ؛ إذْ هي حُرُوفٌ مُنْفَصِلَةٌ، وقَرَأ الجَمِيعُ: "عَيِينْ" بِإخْفاءِ النُونِ، جَعَلُوها في حُكْمِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ الأكْثَرُ بِإظْهارِ الدالِّ مِن "صادْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِهِ في الذالِ مِن قَوْلِهِ: "ذِكْرُ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإظْهارِ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها وتَخْلِيصِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ.

وارْتَفَعَ قَوْلُهُ: "ذِكْرُ" -فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ- بِقَوْلِهِ: "كَهَيَعَصَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا ذِكْرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ذِكْرُ".

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ يَعْمُرَ: "ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ"، بِفَتْحِ الذالِ والكافِ "المُشَدَّدَةِ" والراءِ، عَلى مَعْنى: هَذا المَتْلُوُّ ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ، ومَن قالَ:"فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ" فَقَدْ تَعَسَّفَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَكَرِيّاءَ" بِالمَدِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ: "زَكَرِيّا" بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نادى" مَعْناهُ: بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "إخْفائِهِ" هَذا النِداءَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ الخَفِيَّةَ أفْضَلُ وأبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ»، وقالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ الإخْفاءُ بَيْنَ العَبْدِ ومَوْلاهُ في الدُعاءِ الَّذِي هو في مَعْنى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ مِنَ الإنْسانِ عَلى أنَّهُ خَيْرٌ، فَإخْفاؤُهُ أبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، وأمّا دُعاءُ زَكَرِيّا وطَلَبُهُ فَكانَ في أمْرِ دُنْيا وهو طَلَبُ الوَلَدِ فَإنَّما إخْفاؤُهُ لِئَلّا يَلُومَهُ الناسُ في ذَلِكَ، ولِيَكُونَ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ، إنْ أُجِيبَ نالَ بُغْيَتَهُ، وإنْ لَمْ يُجَبْ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ بِذَلِكَ.

ويُقالُ: وُصِفَ بِالخَفاءِ لِأنَّهُ كانَ في جَوْفِ اللَيْلِ.

و "وَهَنَ" مَعْناهُ: ضَعُفَ، والوَهْنُ في الشَخْصِ أوِ الأمْرِ: الضَعْفُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهِنَ" بِكَسْرِ الهاءِ.

"واشْتَعَلَ" مُسْتَعارَةٌ لِلشَّيْبِ مِنَ اشْتِعالِ النارِ، عَلى التَشْبِيهِ بِهِ، و"شَيْبًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِ مَن رَأى "اشْتَعَلَ" في مَعْنى شابٍّ، وعَلى التَمْيِيزِ في قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ، بَلْ رَآهُ فِعْلًا آخَرَ، فالأمْرُ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: وامْتَلَأتْ غَيْظًا.

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى سالِفِ أيادِيهِ عِنْدَهُ، مَعْناهُ: قَدْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فِيما سَلَفَ، وسَعِدْتُ بِدُعائِي إيّاكَ، فالإنْعامُ يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ آخِرُهُ أوَّلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ خافَ المَوالِيَ، فَقالَ ابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ وأنْ تَرِثَهُ الكَلالَةُ، فَأشْفَقَ مِن ذَلِكَ، ورَوى قَتادَةُ، والحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أخِي زَكَرِيّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ»، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ مَوالِيهِ مُهْمِلِينَ لِلدِّينِ، فَخافَ بِمَوْتِهِ أنْ يَضِيعَ الدِينُ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِالدِينِ بَعْدَهُ، حَكى هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ زَكَرِيّا مَن يَرِثُ مالَهُ إذِ الأنْبِياءُ لا تُورَثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ النَبِيِّ  : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ويُوهِنُهُ ذِكْرُ العاقِرِ، والأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أرادَ وِراثَةَ المالِ، ويَحْتَمَلُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» ألّا يُرِيدَ بِهِ العُمُومَ، بَلْ عَلى أنَّهُ غالِبُ أمْرِهِمْ، فَتَأمَّلْهُ.

والأظْهَرُ الألْيَقُ بِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُرِيدَ وِراثَةَ العِلْمِ والدِينِ، فَتَكُونَ الوِراثَةُ مُسْتَعارَةً، ألا تَرى أنَّهُ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُخَصِّصْ ولَدًا فَبَلَّغَهُ اللهُ أمَلَهُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؟

وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "يَرِثُنِي" يُرِيدُ المالَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والنُبُوَّةَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَغِبَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ.

و "خِفْتُ" مِنَ الخَوْفِ، هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها هو هَذا التَفْسِيرُ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِي، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وغَيْرُهُمْ: "خَفَّتِ" بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها وكَسْرِ التاءِ، وعَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "المَوالِيَ"، والمَعْنى -عَلى هَذا-: انْقَطَعَ أولِيائِي وماتُوا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّما طَلَبَ ولِيًّا يَقُولُ بِالدِينِ.

و"المَوالِيَ": بَنُو العَمِّ والقُرابَةُ الَّذِينَ يَلُونَ بِالنَسَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أيْ: مِن بَعْدِي في الزَمَنِ، فَهم الوَراءُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ مِن بَيْنِ يَدِي ومِن أمامِي، وهَذا قِلَّةُ تَحْرِيرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورائِيَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورايَ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ مِثْلُ "عَصايَ"، والباقُونَ هَمَزُوا ومَدُّوا وسَكَّنُوا الياءَ.

و "العاقِرُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وكَذَلِكَ العاقِرُ مِنَ الرِجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ: لَبِئْسَ الفَتى إنْ كَنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ و "زَكَرِيّا" عَلَيْهِ السَلامُ لِما رَأى مِن حالِهِ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ "بِالوَلَدِ" لِبُعْدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِسَبَبِ المَرْأةِ، ثُمْ وصَفَ الوَلِيَّ بِالصِفَةِ الَّتِي هي قَصْدُهُ، وهو أنْ يَكُونَ وارِثًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ، ثُمْ شَرَطَ أنْ تَكُونَ الإجابَةُ في أنْ يَعِيشَ حَتّى يَرِثَهُ، تَحَفُّظًا مِن أنْ تَقَعَ الإجابَةُ في الوَلَدِ لَكِنْ يَخْتَرِمْ فَلا يَتَحَصَّلُ مِنهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى الصِفَةِ لِلْوَلِيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرِثْنِي ويَرِثْ" بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ هو جَوابَ "هَبْ"، إنَّما تَقْدِيرُهُ: إنْ تَهَبْهُ يَرِثْنِي، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ وارِثًا مَوْصُوفًا، ويُضْعِفُ الجَزْمَ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَوْهُوبٍ يَرِثُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا مَعْناهُ التَجْرِيدُ، التَقْدِيرُ: يَرِثُنِي مِنهُ أو بِهِ وارِثٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" عَلى التَصْغِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ مِنهُمُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ والنُبُوَّةَ، والمِيراثُ في هَذا كُلِّهِ اسْتِعارَةٌ.

و "رَضِيٌّ" مَعْناهُ: مَرْضِيٌّ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ قَالَ ربّ إنِّي وهَنَ العَظمُ مِني ﴾ مبنية لجملة ﴿ نادى ربه ﴾ [مريم: 3].

وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله: ﴿ فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ ولِيّاً ﴾ .

وإنّما كان ذلك تمهيداً لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد.

والله يجيب المضطر إذا دعاه، فليس سؤاله الولدَ سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر.

ووصَف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالاً ومئالاً، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالاً مقتضياً للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت.

والخبران من قوله: ﴿ وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ﴾ مستعملان مجازاً في لازم الإخبار، وهو الاسترحام لحاله.

لأن المخبَر بفتح الباء عالم بما تضمنه الخبران.

والوهن: الضعف.

وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده لأنه أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأنّ العظم هو قوام البدن وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلاّ وقد بلغ ما فوقه.

والتعريف في (العظَمُ) تعريف الجنس دال على عموم العظام منه.

وشبّه عموم الشّيب شعرَ رأسه أو غلَبَته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود، تشبيهاً مركباً تمثيلياً قابلاً لاعتبار التفريق في التشبيه، وهو أبدع أنواع المركب.

فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل ﴿ اشتَعَل ﴾ .

وأسند الاشتعال إلى الرأس، وهو مكان الشعر الذي عمّه الشيب، لأنّ الرأس لا يعمه الشيب إلاّ بعد أن يعمّ اللّحية غالباً، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن.

وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي، لأنّ الاشتعال من صفات النار المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب، فلما جيء باسم الشيب تمييزاً لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال، مع إفادة تنكير ﴿ شَيباً ﴾ من التعظيم فحصل إيجاز بديع.

وأصل النظم المعتاد: واشتعل الشيب في شعر الرأس.

ولِما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب «الكشاف» ووضحه صاحب «المفتاح» فانظُرهما.

وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله: واشتعل المُبيضّ في مُسودهمثلَ اشتعال النّار في جزل الغضا *** ولكنّه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل: «ماء ولا كصدّى».

والشيب: بياض الشعر.

ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر، ونقصانها بسبب كبر السن غالباً، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر، وقد يبيضّ الشعر مِنْ مرض.

وجملة ﴿ لم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ معترضة بين الجمل التمهيدية، والباء في قوله: ﴿ بدعائك ﴾ للمصاحبة.

والشقيّ: الذي أصابته الشقوة، وهي ضد السعادة، أي هي الحرمان من المأمول وضلال السّعي.

وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفاً.

ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء.

ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم: ﴿ عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ [مريم: 48] أي عسى أن أكون سعيداً.

أي مستجاب الدعوة.

وفي حديث أبي هُريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه في شأن الذين يذكرون الله ومن جالسهم «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» أي يسعد معهم.

وقال بعض الشعراء، لم نعرف اسمه وهو إسلامي: وكنت جليسَ قعقاع بن شَوْرولا يشقَى بقعقاع جليس *** أي يسعد به جليسُه.

والمعنى: لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك، أي أنه قد عهد من الله الاستجابة كلما دعاه.

وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه، وتوسلٌ إليه بما سلف له معه من الاستجابة.

روي أن محتاجاً سأل حاتماً الطائي أو مَعْنَ بن زائدةَ قائلاً: «أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا» فقال: «مرحباً بمن تَوسل بنا إلينا».

وجملة ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ عطف على جملة ﴿ واشتعل الرأس شيباً، ﴾ أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي.

وما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح عن النبيء صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال: " يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله " فلعلّه خشي سوء معرفتهم بما يخلّفه من الآثار الدينية والعلمية.

وتلك أعلاق يعزّ على المؤمن تلاشيها، ولذلك قال: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فإن نُفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع.

فقوله ﴿ يَرِثُني ﴾ يعني به وراثة ماله.

ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: " يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله " والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يُورَثون، قال تعالى: ﴿ وورث سليمان داوود ﴾ [النمل: 16].

وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم " نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركْنَا صدقةٌ " فإنما يريد به رسول الله نفسَه، كما حمله عليه عُمر في حديثه مع العبّاس وعليّ في «صحيح البخاري» إذ قال عمر: «يريد رسول الله بذلك نفسه»، فيكون ذلك من خصوصيات محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك حكماً سابقاً كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة من الكتب المقدّسة وتقاييده عليها.

والموالي: العصبة وأقرب القرابة، جمع مولى بمعنى الولي.

ومعنى: ﴿ من ورائي ﴾ من بعدي، فإن الوراء يطلق ويراد به ما بعد الشيء، كما قال النّابغة: وليس وراء الله للمرء مطلب *** أي بعد الله.

فمعنى ﴿ من ورائي ﴾ من بعد حياتي.

و ﴿ من ورائي ﴾ في موضع الصفة ل ﴿ الموالي ﴾ أو الحال.

وامرأة زكرياء اسمها أليصابات من نسل هارون أخي موسى فهي من سبط لاوي.

والعاقر: الأنثى التي لا تلد، فهو وصف خاص بالمرأة، ولذلك جرد من علامة التأنيث إذ لا لبس.

ومصدره: العُقر بفتح العين وضمها مع سكون القاف.

وأتى بفعل (كان) للدلالة على أن العقر متمكن منها وثابت لها فلذلك حرم من الولد منها.

ومعنى ﴿ مِنْ لَدنكَ ﴾ أنه من عند الله عندية خاصة، لأنّ المتكلّم يعلم أنّ كلّ شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسْباب ومسبباتها تبعاً لخلقها، فلما قال ﴿ من لدنك ﴾ دلّ على أنه سأل ولياً غير جارٍ أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد لانعدام الأسباب المعتادة، فتكون هبته كرامة له.

ويتعلّق ﴿ لِي ﴾ و ﴿ مِن لَّدُنكَ ﴾ بفعل ﴿ هَبْ ﴾ .

وإنما قدم ﴿ لِي ﴾ على ﴿ مِن لدُنكَ ﴾ لأنه الأهم في غرض الداعي، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام.

و ﴿ يَرِثُني ﴾ قرأه الجمهور بالرفع على الصفة ل ﴿ وَلِيَّا ﴾ .

وقرأه أبو عمرو، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله ﴿ هَبْ لِي ﴾ لإرادة التسبب لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية.

و ﴿ ءَال يَعْقُوبَ ﴾ يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ [النساء: 54]، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ [آل عمران: 68] وقولِه: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ [الإسراء: 3]، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه.

ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل.

وهو يعقوب بن ماثان، قاله: معقل والكلبي، وهو عمّ مريم أخو عمران أبيها، وقيل: هو أخو زكرياء، أي ليس له أولاد فيكون ابنُ زكرياء وارثاً ليعقوب لأنه ابن أخيه، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ مَرْيَمَ ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ السُّورَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ مِن حُرُوفِ الجُمَّلِ تَفْسِيرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ الكافَ عِشْرُونَ والهاءَ خَمْسَةٌ والياءَ عَشَرَةٌ والعَيْنَ سَبْعُونَ والصّادَ تِسْعُونَ.

كَذَلِكَ عَدَدُ حُرُوفِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

السّادِسُ: أنَّها حُرُوفُ أسْماءِ اللَّهِ.

فَأمّا الكافُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها مِن أيِّ اسْمٍ هي عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن كَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن كافٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن كِرِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا الهاءُ فَإنَّها مِن هادٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

وَأمّا الياءُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن يَمُنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن حَكِيمٍ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن ياسِينَ حَكاهُ سالِمٌ.

الرّابِعُ: أنَّها مِن يا لِلنِّداءِ وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: يا مَن يُجِيبُ مَن دَعاهُ ولا يَخِيبُ مَن رَجاهُ لِما تَعَقَبَهُ مِن دُعاءِ زَكَرِيّا.

الثّانِي: يا مَن يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَأمّا العَيْنُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن عَزِيزٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن عالِمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَأمّا الصّادُ فَإنَّها مِن صادِقٍ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَهَذا بَيانٌ لِلْقَوْلِ السّادِسِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلامٍ أُغْمِضَتْ مَعانِيهِ ونُبِّهَ عَلى مُرادِهِ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: كَفى وهَدى مَن لا يُعْصَ فَتَكُونُ الكافُ مِن كَفى والهاءُ مِن هَدى والباقِي حُرُوفُ يَعْصِي لِأنَّ تَرْكَ المَعاصِي يَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فَصارَ تَرْكُها كافِيًا مِنَ العِقابِ وهادِيًا إلى الثَّوابِ وهَذا أوْجَزُ وأعْجَزُ مِن كُلِّ كَلامٍ مُوجَزٍ لِأنَّهُ قَدْ جَمَعَ في حُرُوفِ كَلِمَةٍ مَعانِيَ كَلامٍ مَبْسُوطٍ وتَعْلِيلَ أحْكامٍ وشُرُوطٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن كَفاهُ وهَداهُ فَقالَ: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ فَذِكْرُ رَحْمَتِهِ حِينَ أجابَهُ إلى ما سَألَهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَحِمَهُ بِإجابَتِهِ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ إجابَةٌ لِرَحْمَتِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِداءً خَفِيًّا ﴾ \[فِيهِ قَوْلانِ\] .

أحَدُهُما: قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، سِرًّا لا رِياءَ فِيهِ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ القَلْبَ النَّقِيَّ ويَسْمَعُ الصَّوْتَ الخَفِيَّ فَأخْفى زَكَرِيّا نِداءَهُ لِئَلّا يُنْسَبَ إلى الرِّياءِ فِيهِ.

الثّانِي: قالَهُ مُقاتِلٌ، إنَّما أخْفى لِئَلّا يَهْزَأ النّاسُ بِهِ، فَيَقُولُونَ انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أخْلَصُ لِلدُّعاءِ وأرْجى لِلْإجابَةِ لِلسُّنَّةِ الوارِدَةِ فِيهِ: إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِأصَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ أيْ ضَعُفَ وفي ذِكْرِهِ وهَنَ العَظْمُ دُونَ اللَّحْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وهَنَ العَظْمُ الَّذِي هو أقْوى كانَ وهْنُ اللَّحْمِ والجِلْدِ أوْلى.

الثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى ضَعْفَ البَطْشِ، والبَطْشُ إنَّما يَكُونُ بِالعَظْمِ دُونَ اللَّحْمِ.

﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ هَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ قَدْ يُنْشَرُ فِيهِ الشَّيْبُ كَما يُنْشَرُ في الحَطَبِ شُعاعُ النّارِ.

﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ أيْ خائِبًا، أيْ كُنْتَ لا تُخَيِّبُنِي إذا دَعَوْتُكَ ولا تَحْرِمُنِي إذا سَألْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُصْبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

الثّانِي: الكَلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الأوْلِياءُ أنْ يَرِثُوا عِلْمِي دُونَ مَن كانَ مَن نَسْلِي قالَ لَبِيدٌ: ومَوْلًى قَدْ دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ وقَدْ أمْسى بِمَنزِلَةِ المُضِيمِ الرّابِعُ: بَنُو العَمِّ لِأنَّهم كانُوا شِرارَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وَسُمُّوا مَوالِي لِأنَّهم يَلُونَهُ في النَّسَبِ لِعَدَمِ الصُّلْبِ.

وَفِيما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَهم عَلى الفَسادِ في الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ في حَياتِهِ وعَلى أشْيائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خافَهم عَلى تَبْدِيلِ الدِّينِ وتَغْيِيرِهِ.

رَوى كَثِيرُ بْنُ كَلْثَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ يَقْرَأُ: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى قَلَّتْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قُدّامِي وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

الثّانِي: بَعْدَ مَوْتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.

الرّابِعُ: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأجابَهُ اللَّهُ إلى وِراثَةِ العِلْمِ ولَمْ يُجِبْهُ إلى وارِثَةِ المُلْكِ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَهُ وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ فِيهِمُ المُلْكُ، وكانَ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ أخِي مُوسى.

قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ هو أخُو عِمْرانَ أبِي مَرْيَمَ؛ لِأنَّ يَعْقُوبَ وعِمْرانَ ابْنا ماثانَ، فَرَوى قَتادَةُ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَتِهِ)» .

﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ نَبِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم (١) (٢) واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) (٣) (٤) (٥) وقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) (٦) وقال قتادة: (نبوتي وعلمي) (٧) وقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) (٨) وقال قوم: أراد وراثة المال.

وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة).

وهو قول الحسن وسفيان (٩) (١٠) قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) (١١) (١٢) (١٣) قال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله -  - من أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (١٤)  -: (وإني خَفَّتِ الموالي) (١٥) (١٦) وبين عبد الله بن مسلم هذا فقال: (زكريا لم يرد يرثني مالا، وأي مال كان لزكريا فيظن به عن عصبته حتى يسأل الله أن يهب له ولدًا يرثه، لقد جَلَّ هذا المال إذا وعَظُم عنده، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملون وللمال يكدحون، وإنما كان زكريا ابن آذر نجارا وكان حبرا).

كذلك قال وهب بن منبه (١٧) وكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له، والذين قالوا: يرثني مالي رووا عن رسول الله -  -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته) (١٨)  -: وما كان عليه من وراثة النبوة والعلم، كأنه يقول: لو لم يسأل الله ولدا يرثه علمه ونبوته ما كان الله ليضيع دينه، وكان يرث ما كان قوم به من أمر الدين غير ولده.

وقولى تعالى: ﴿ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ أكثر الناس على أن هذا يعقوب بن إسحاق، وكان زكريا من سبط يهوذا بن يعقوب (١٩) وقال الكلبي: (هو يعقوب بن ماتان، رؤوس بني إسرائيل وبنو ملوكهم، وكان آل يعقوب أخوال ولده؛ لأن امرأة زكريا حنة أخت مريم بنت عمران بن ماتان) (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ الرضى بمعنى المرضي، قال ابن عباس: (يريد يكون عبدًا مرضيا في الصلاح والعفاف والنبوة) (٢١) (١) قرأ: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: (يرثنني ويرث) برفعهما.

وقرأ: أبو عمرو والبصري، والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما.

انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 191، "العنوان في القراءات" 126، "النشر" 2/ 317.

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 191.= قرئ بالرفع والجزم كما مر معنا آنفا، وثبتت القراءة بهما وصحت عن النبي -  - فلا وجه لتضعيف قراءة الجزم.

(٣) "التفسير الكبير" 11/ 184، وذكره بدون نسبة ابن الجوزي في "تفسيره" 5/ 209، وكذلك القرطبي في "تفسيره" 16/ 81.

(٤) "جامع البيان" 16/ 47، "الدر المنثور" 4/ 467.

(٥) "جامع البيان" 16/ 48، "الوسيط" 3/ 176.

(٦) "روح المعاني" 16/ 62، وذكره بدون نسبة البغوي في "تفسيره" 5/ 219، والزمخشري في "كشافه" 2/ 405.

(٧) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 48، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.

(٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 2.

(٩) "النكت والعيون" 3/ 356، "معالم التنزيل" 5/ 219، "زاد المسير" 5/ 209، "الدر المنثور" 4/ 467.

(١٠) وهو قول جمهور المفسرين، وتشهد له الأحاديث الصحيحة.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 124: إن النبي أعظم مزلة وأجل قدرًا == من أن يشفق على حاله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصابته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.

والثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع ولا سيما أن الأنبياء كانوا أزهد شيء في الدنيا.

والثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله -  - قال: "لا نورث مما تركنا صدقه".

وعلى هذا فيتعين أن المراد ميراث النبوة.

وانظر: "زاد المسير" 5/ 209، "أضواء البيان" 4/ 206.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.

(١٢) يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان البصري، قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب، عالم باللغة، يقال أنه أول من نقط المصحف، مات -رحمه الله- قبل المائة وقيل بعدها.

انظر:"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، "غاية النهاية" 2/ 381، "تهذيب التهذيب" 11/ 305، "معجم البلدان" 20/ 42.

(١٣) لم أقف عليه، وهو قول بعيد؛ لأنه لا يصح أن يقال ذلك في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو وصف لا يليق بمكانة نبي الله زكريا -  -، وحاشاه أن يوسف بالجشع وهو صفة ذم، والأنبياء عليهم السلام لهم صفات المدح والثناء فمَد اصطفاهم الله واختصهم بالنبوة وشرفهم بها.

(١٤) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله -  - ومنقبة فاطمة عليها السلام 3/ 1360، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير باب قول == النبي -  -: "لا نورث ما تركناه صدقة" (3/ 1379، والترمذي في "جامعه" كتاب: السير، باب: ما جاء في تركة رسول الله -  - 4/ 135، وقال: حديث صحيح، وأخرجه النسائي: كتاب: قسم الفيء 7/ 95، والإمام أحمد في مسنده 1/ 4.

(١٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 189، "مختصر ابن خالويه" 83، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 5، "المحتسب" 2/ 37.

(١٦) "الحجة السبعة" للفراء 5/ 189.

(١٧) لم أقف على هذا القول.

ولكن له شواهد، فقد صح من حديث أبي هريرة  عن النبي -  - قال: كان زكريا نجارا.

انظر: "صحيح مسلم" كتاب الفضائل، باب: من فضائل زكريا  4/ 1847، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الصناعات 2/ 727، وأحمد 2/ 296، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 114.

(١٨) رواه الطبري في "تفسيره" 16/ 37 بسنده عن قتادة، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 3، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 1 ب، والماوردي في "النكت" == 3/ 356، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 11/ 13، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 467 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 124، وقال: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.

(١٩) "الكشاف" 2/ 405، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82.

(٢٠) "النكت والعيون" 3/ 356، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82، "روح المعاني" 16/ 62.

(٢١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 430، "معالم التنزيل" 5/ 219، "التفسير الكبير" 21/ 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كهيعص ﴾ قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء، وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه: يا كهيعص فيحتمل أن تكون الجملة عنده اسماً من أسماء الله تعالى، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه الحروف ﴿ ذِكْرُ ﴾ تقديره هذا ذكر ﴿ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ وصفه بالعبودية تشريفاً له، وإعلاماً له بتخصيصه وتقريبه، ونصب عبده على أنه مفعول لرحمة، فإنها مصدر أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر، تقديره: رحمة عبده وعلى هذا يوقف على ما قبله وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير حاجة إليه، وقطع العامل عن العمل بعد تهيئته له ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ ﴾ يعني دعاه ﴿ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ أخفاه لأنه يسمع الخفي كما يسمع الجهر، ولأن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، ولئلا يلومه الناس على طلب الولد ﴿ إِنَّي وَهَنَ ﴾ أي ضعف ﴿ واشتعل ﴾ استعارة للشيب من اشتعال النار ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ أي قد سعدت بدعائي لك فيما تقدم، فاستجب لي في هذا، فتوسل إلى الله بإحسانه القديم إليه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ .

قيل: اسم من أسماء القرآن.

وقيل: اسم من أسماء الله  ، وعلى ذلك روي عن علي -  - أنه قال: يا كهيعص، اغفر لي.

قال أبو بكر الأصم: لا يصح هذا من علي؛ لأن هذا لم يذكر في أسمائه المعروفة التي يدعى بها.

وقال بعضهم: حروف من أسماء الله افتتح بها السورة فهو ما ذكرنا، وهو الأوّل، وقال بعضهم: الكاف مفتاح اسمه كافٍ، والهاء مفتاح اسمه هادٍ، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وقال ابن عباس: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق.

وقال الربيع بن أنس: الياء من قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ \[المؤمنون: 88\].

وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله على نفسه؛ فقال: كافٍ هادٍ عالمٍ صادقٍ، يقول: كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، عالم ببريّته وبأمره، صادق في قوله.

وقال بعضهم: لم ينزل الله كتاباً إلا وله فيه سرّ لا يعلمه إلا الله، وسرّ القرآن فواتحه.

وقال بعضهم: تفسيره ما ذكر على أثره، وهو قول الحسن، وأمثال هذا قد أكثروا فيه، وقد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر، أي: اذكر لهم رحمة ربك عبده زكريا بالإجابة له عند سؤاله الولد في الوقت الذي أيس عن الولد في ذلك الوقت؛ فيكون فيه دلالة رسالته، حيث ذكر لهم رحمة ربه على زكريا، وأخبرهم على ما في كتبهم.

والثاني: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ : هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا في دعائه، وعلى هذا التأويل يكون الذكر هو القرآن، وقد سمى الله القرآن: ذكراً في غير آي من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: نداءً خفيّاً في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق به.

وقال بعضهم: نداءً خفيّاً عن قومه ومن حضره.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أخفاه وأسرّه منهم إخلاصاً لله وإصفاء له.

والثاني: أخفاه وأسره منهم حياء أن يعيبوه أن سأل ربه الولد في وقت كبره وإياسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ﴾ أي: ضعف ورق ﴿ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ﴾ : اعتذر إليه، وقدم زكريا ما حل به من الكبر وبلوغه الوقت الذي لا يطمع في ذلك الوقت الولد، أي: بلغت المبلغ الذي ضعف بدني، ورق عظمي، ثم سأل ربه الولد ليس على أنه كان لا يعرف قدرة الله أنه قادر على هبة الولد، وإنشائه في كل وقت في وقت الكبر والضعف، وبالسبب وبغير السبب؛ لكنه لأنه لا يعرف أنه [لا] يسع ويصلح سؤال الولد وهبته في الوقت الذي كان بلغ هو، وهو الوقت الذي لا يطمع فيه الولد في الأغلب، وهو ما ذكر في سورة آل عمران: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ فعند ذلك عرف زكريا أنه يسعه دعاء هبته الولد وسؤاله في وقت الإياس، حيث رأى [عند] مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء غير متغيرة عن حالها، فسأل عند ذلك ربه الولد، وهو قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 38]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى.

وقال بعضهم: أي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك، وهما واحد، ذكر مننه وفضله [الذي] كان منه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ .

قال الحسن: خاف مواليه أن يرثوا ماله، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يصح، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله مواليه؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله، ولكن خاف أن يُضَيِّعَ مواليه دينه وسننه من بعده؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه.

وقال: لا يحتمل وراثة المال؛ لما روي في الخبر: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، فلا يخلو هذا من أحد وجهين: إمّا أن كان هذا في المال له خاصّة دون سائر الأنبياء، وإما إذَنْ لم يكن زكريا نبيّاً فدلّ هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدلّ أنه على العلم: أن يضيع الموالي علمي من ورائي.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ ، وسؤاله الولد وجهاً آخر، وهو أنه سأل ربه الولد الرضى الطيب؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع الذي كان منه في حياته، ويُدْعَى له، لئلا ينقطع ذكره، ودعاء الخلق له، وهذا هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال حياتهم، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ أي: لا تلد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي ﴾ أي: يلي أمري.

وقوله: ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ما ذكرنا: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وقيل: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ وارثاً يرثني مكاني، ونبوتي، ويرث من آل يعقوب الملك؛ لأنهم كانوا ملوكاً، وكانوا أخواله، وهو كان حَبْراً، والله أعلم بذلك.

ولكن قوله: ﴿ يَرِثُنِي ﴾ ما كان له من العلم والحكمة والدّين وغيره، ويرث من آل يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله، ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يرث النبوّة عني، ويرثها من آل يعقوب  ، وصيِّره -يا رب- مرضيًّا في دينه وخلقه وعلمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.7dLnx"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر