الآية ١٣٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٠ من سورة البقرة

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله ، المخالف لملة إبراهيم الخليل ، إمام الحنفاء ، فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى ، فلم يدع معه غيره ، ولا أشرك به طرفة عين ، وتبرأ من كل معبود سواه ، وخالف في ذلك سائر قومه ، حتى تبرأ من أبيه ، فقال : ( يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [ الأنعام : 78 ، 79 ] ، وقال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) [ الزخرف : 26 ، 27 ] ، وقال تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) [ التوبة : 114 ] وقال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) [ النحل : 120 ، 122 ] ، ولهذا وأمثاله قال تعالى : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم ) أي : عن طريقته ومنهجه .

فيخالفها ويرغب عنها ( إلا من سفه نفسه ) أي : ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال ، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد ، من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء فترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي ، فأي سفه أعظم من هذا ؟

أم أي ظلم أكبر من هذا ؟

كما قال تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وقال أبو العالية وقتادة : نزلت هذه الآية في اليهود ; أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبراهيم فيما أخذوه ، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) [ آل عمران : 67 ، 68 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم } وَأَيّ النَّاس يَزْهَد فِي مِلَّة إبْرَاهِيم وَيَتْرُكهَا رَغْبَة عَنْهَا إلَى غَيْرهَا .

وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِاخْتِيَارِهِمْ مَا اخْتَارُوا مِنْ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة عَلَى الْإِسْلَام ; لِأَنَّ مِلَّة إبْرَاهِيم هِيَ الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { مَا كَانَ إبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا } 3 67 فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : وَمَنْ يَزْهَد عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه .

كَمَا : 1719 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه } رَغِبَ عَنْ مِلَّته الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَاِتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِدْعَة لَيْسَتْ مِنْ اللَّه , وَتَرَكُوا مِلَّة إبْرَاهِيم - يَعْنِي الْإِسْلَام - حَنِيفًا , كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِلَّةِ إبْرَاهِيم .

1720 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه } قَالَ : رَغِبَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم وَابْتَدَعُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّه , وَتَرَكُوا مِلَّة إبْرَاهِيم الْإِسْلَام .

إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه } .

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه } إلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسه , وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى السَّفَه : الْجَهْل .

فَمَعْنَى الْكَلَام : وَمَا يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة إلَّا سَفِيه جَاهِل بِمَوْضِعِ حَظّ نَفْسه فِيمَا يَنْفَعهَا وَيَضُرّهَا فِي مُعَادهَا .

كَمَا : 1721 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه } قَالَ : إلَّا مَنْ أَخْطَأَ حَظّه .

وَإِنَّمَا نُصِبَ " النَّفْس " عَلَى مَعْنَى الْمُفَسَّر ; ذَلِكَ أَنَّ السَّفَه فِي الْأَصْل لِلنَّفْسِ , فَلَمَّا نُقِلَ إلَى " مَنْ " نُصِبَتْ " النَّفْس " بِمَعْنَى التَّفْسِير , كَمَا يُقَال : هُوَ أَوْسَعكُمْ دَارًا , فَتَدْخُل " الدَّار " فِي الْكَلَام عَلَى أَنَّ السِّعَة فِيهِ لَا فِي الرَّجُل .

فَكَذَلِكَ النَّفْس أُدْخِلَتْ , لِأَنَّ السَّفَه لِلنَّفْسِ لَا ل " مَنْ " ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال سَفِهَ أَخُوك , وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُفَسَّر بِالنَّفْسِ وَهِيَ مُضَافَة إلَى مَعْرِفَة لِأَنَّهَا فِي تَأْوِيل نَكِرَة .

وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : إنَّ قَوْله : { سَفِهَ نَفْسه } جَرَتْ مَجْرَى " سَفِهَ " إذَا كَانَ الْفِعْل غَيْر مُتَّعَد .

وَإِنَّمَا عَدَّاهُ إلَى " نَفْسه " و " رَأْيه " وَأَشْبَاه ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْو سَفِهَ , إذَا هُوَ لَمْ يَتَعَدَّ .

فَأَمَّا " غَبَنَ " و " خَسِرَ " فَقَدْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْره , يُقَال : غَبَنَ خَمْسِينَ , وَخَسِرَ خَمْسِينَ .

وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } .

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَا إبْرَاهِيم , وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { اصْطَفَيْنَاهُ } مِنْ ذِكْر إبْرَاهِيم .

وَالِاصْطِفَاء : الِافْتِعَال مِنْ الصَّفْوَة , وَكَذَلِكَ اصْطَفَيْنَا افْتَعَلْنَا مِنْهُ , صُيِّرَتْ تَاؤُهَا طَاء لِقُرْبِ مَخْرَجهَا مِنْ مَخْرَج الصَّاد .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { اصْطَفَيْنَاهُ } اخْتَرْنَاهُ وَاجْتَبَيْنَاهُ لِلْخِلَّةِ , وَنَصِيرهُ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ بَعْده إمَامًا .

وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَ إبْرَاهِيم فِيمَا سَنَّ لِمَنْ بَعْده فَهُوَ لِلَّهِ مُخَالِف , وَإِعْلَام مِنْهُ خَلْقه أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ لِإِبْرَاهِيم مُخَالِف ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّهُ اصْطَفَاهُ لِخِلَّتِهِ , وَجَعَلَهُ لِلنَّاسِ إمَامًا , وَأَخْبَرَ أَنَّ دِينه كَانَ الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة .

فَفِي ذَلِكَ أَوْضَح الْبَيَان مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ لِلَّهِ عَدُوّ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَام الَّذِي نَصَبَهُ اللَّه لِعِبَادِهِ .

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ } .

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ } وَإِنَّ إبْرَاهِيم فِي الدَّار الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ .

وَالصَّالِح مِنْ بَنِي آدَم هُوَ الْمُؤَدِّي حُقُوق اللَّه عَلَيْهِ .

فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ إبْرَاهِيم خَلِيله أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَهُ صَفِيّ , وَفِي الْآخِرَة وَلِيّ , وَإِنَّهُ وَارِد مَوَارِد أَوْلِيَائِهِ الْمُوفِينَ بِعَهْدِهِ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه من استفهام في موضع رفع بالابتداء ، ويرغب صلة من .

إلا من سفه نفسه في موضع الخبر .

وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي ، أي وما يرغب ، قاله النحاس .

والمعنى : يزهد فيها وينأى بنفسه عنها ، أي عن الملة وهي الدين والشرع .

إلا من سفه نفسه قال قتادة : هم اليهود والنصارى ، رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى .

قال الزجاج : سفه بمعنى جهل ، أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها .

وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه .

وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها .

وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة .

وقال الأخفش : سفه نفسه أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها .

وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه ، حكاه المهدوي ، والأول ذكره الماوردي .

فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى ، قاله المبرد وثعلب .

وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه ، فحذفت " في " فانتصب .

قال الأخفش : ومثله عقدة النكاح ، أي على عقدة النكاح .

وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم : ضرب فلان الظهر والبطن ، أي في الظهر والبطن .

الفراء : هو تمييز .

قال ابن بحر : معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء ، فيعلم به توحيد الله وقدرته .قلت : وهذا هو معنى قول الزجاج فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما ، ورجلين يمشي عليهما ، وعين يبصر بها ، وأذن يسمع بها ، ولسان ينطق به ، وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ، ومعدة أعدت لطبخ الغذاء ، وكبد يصعد إليها صفوه ، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف ، وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن ، فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما ، وهذا معنى قوله تعالى : [ ص: 126 ] وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى .

وسيأتي له مزيد بيان في سورة " والذاريات " إن شاء الله تعالى .وقد استدل بهذه الآية من قال : إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها وهذا كقوله : ملة أبيكم إبراهيم أن اتبع ملة إبراهيم .

وسيأتي بيانه .قوله تعالى : ولقد اصطفيناه في الدنيا أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس والأصل في اصطفيناه اصتفيناه ، أبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق .

واللفظ مشتق من الصفوة ، ومعناه تخير الأصفى .قوله تعالى : وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، الصالح في الآخرة هو الفائز .

ثم قيل : كيف جاز تقديم في الآخرة وهو داخل في الصلة ، قال النحاس : فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة ، فتكون الصلة قد تقدمت ، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ، ثم حذف .

وقيل : في الآخرة متعلق بمصدر محذوف ، أي صلاحه في الآخرة .

والقول الثالث : أن الصالحين ليس بمعنى الذين صلحوا ; ولكنه اسم قائم بنفسه ، كما يقال الرجل والغلام .قلت : وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين ، فالكلام على حذف مضاف .

وقال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ، مجازه : ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين .

وروى حجاج بن حجاج - وهو حجاج الأسود ، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل - قال : سمعت معاوية بن قرة يقول : اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم ، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا ، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك ، وارض عنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ما يرغب { عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } بعد ما عرف من فضله { إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } أي: جهلها وامتهنها, ورضي لها بالدُّون, وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل, ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال: { وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } أي: اخترناه ووفقناه للأعمال, التي صار بها من المصطفين الأخيار.

{ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } الذين لهم أعلى الدرجات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} وذلك أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله عز وجل قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله عز وجل {من يرغب عن ملة إبراهيم} أي يترك دينه وشريعته يقال رغب في الشيء إذا أراده، ورغب عنه إذا تركه.

وقوله (من) لفظه استفهام معناه التقريع والتوبيخ يعني: ما يرغب عن ملة إبراهيم.

{إلا من سفه نفسه} قال ابن عباس: "من خسر نفسه"، وقال الكلبي: "ضل من قبل نفسه"، وقال أبو عبيدة: "أهلك نفسه"، وقال ابن كيسان والزجاج: "معناه جهل نفسه والسفاهة: الجهل وضعف الرأي: وكل سفيه جاهل"، وذلك أن من عبد غيرالله فقد جهل نفسه لأنه لم يعرف أن الله خلقها، وقد جاء: ((من عرف نفسه عرف ربه)).

وفي الأخبار: (( إن الله تعالى أوحى إلى داود اعرف نفسك واعرفني، فقال: يارب كيف أعرف نفسي؟

وكيف أعرفك؟

فأوحى الله تعالى اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء)).

وقال الأخفش:"معناه سفه في نفسه"، ونفسه على هذا القول نصب بنزع حرف الصفة وقال الفراء: نصب على التفسير، وكان الأصل سفهت نفسه فلما أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس المفسرة ليعلم موضع السفه، كما يقال: ضقت به ذرعاً، أي ضاق ذرعي به.

{ولقد اصطفيناه في الدنيا} اخترناه في الدنيا.

{وإنه في الآخرة لمن الصالحين} يعني مع الأنبياء في الجنة، وقال الحسين بن الفضل: "فيه تقديم وتأخير، تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن» أي لا «يرغب عن ملة إبراهيم» فيتركها «إلا من سفه نفسه» جهل أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنها «ولقد اصطفيناه» اخترناه «في الدنيا» بالرسالة والخلة «وإنه في الآخرة لمن الصالحين» الذين لهم الدرجات العلى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا أحد يُعرض عن دين إبراهيم -وهو الإسلام- إلا سفيه جاهل، ولقد اخترنا إبراهيم في الدنيا نبيًّا ورسولا وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرجات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله تعالى : ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) معناه : لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله ، إلا من امتهن نفسه ، واستخف بها وظلمها بسوء رأيه حيث ترك طريق الحق إلى طريق الضلالة .يقال رغب في كذا إذا أراده ، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه والملة في الأصل الطريقة ، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار السلام وسفه نفسه امتهنا واستخف بها .ثم بين الله - تعالى - منزلة نبيه إبراهيم - عليه السلام - وخطأ من يرغب عن طريقته المثلى فقال تعالى : ( وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين ) أي : ولقد اخترناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى .

فمن يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد في سفهه وسوء رأيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر أمر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على يده من شرائف شرائعه التي ابتلاه بها، ومن بناء بيته وأمره بحج عباد الله إليه وما جبله الله تعالى عليه من الحرص على مصالح عباده ودعائه بالخير لهم، وغير ذلك من الأمور التي سلف في هذه الآية السالفة عجب الناس فقال: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم ﴾ والإيمان بما أتى من شرائعه فكان في ذلك توبيخ اليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به ويوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه من نسب إسرائيل، والنصارى فافتخارهم ليس بعيسى وهو منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله، وسائر العرب وهم العدنانيون فمرجعهم إلى إسماعيل وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان وهو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام ومطلوبه بالتضرع لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه.

أما قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: رغبت من الأمر إذا كرهته، ورغبت فيه إذا أردته.

(ومن) الأول استفهام بمعنى الإنكار، والثانية بمعنى الذي، قال صاحب الكشاف: (من سفه) في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وإنما صح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول هاهنا سؤال وهو أن المراد بملة إبراهيم هو الملة التي جاء بها محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس في قبول هذا الدين فلا يخلو إما أن يقال: إن هذه الملة عين ملة إبراهيم في الأصول والفروع، أو يقال: هذه الملة هي تلك الملة في الأصول أعني التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، ولكنهما يختلفان في فروع الشرائع وكيفية الأعمال.

أما الأول: فباطل لأنه عليه السلام كان يدعي أن شرعه نسخ كل الشرائع، فكيف يقال هذا الشرع هو عين ذلك الشرع.

وأما الثاني: فهو لا يفيد المطلوب لأن الاعتراف بالأصول أعني التوحيد والعدل ومكارم الأخلاق والمعاد لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يتمسك بهذا الكلام في هذا المطلوب.

وسؤال آخر وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما اعترف بأن شرع إبراهيم منسوخ، ولفظ الملة يتناول الأصول والفروع، فيلزم أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام راغباً أيضاً عن ملة إبراهيم فيلزم ما ألزم عليهم.

وجوابه: أنه تعالى لما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله تعالى وطلب منه بعثه هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه السلام محقاً في مقاله، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص الذي هو مطلوب إبراهيم عليه السلام.

قال السائل: إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله تعالى، وإنما محمد عليه الصلاة والسلام روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه السلام ليبني على هذه الرواية إلزام أنه يجب عليهم الاعتراف بنبوة محمد عليه السلام، فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه الرواية، ولا تثبت هذه الرواية ما لم تثبت نبوته، فيفضي إلى الدور وهو ساقط، سلمنا أن القوم سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله تعالى أن يبعث رسولاً من ذريته وذرية إسماعيل، فكيف القطع بأن ذلك الرسول هو هذا الشخص؟

فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا الدعاء بمقدار ألفي سنة، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما السلام، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب بهذا الدعاء شخصاً آخر سوى هذا الشخص المعين؟

والجواب عن السؤال الأول: لعل التوراة والإنجيل شاهدان بصحة هذه الرواية، ولولا ذلك لكان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلى تكذيبه في هذه الدعوى.

وعن الثاني: أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام: ظهور المعجز على يده، وهو القرآن وإخباره عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل هذه الحكايات، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد للمقصود والمطلوب والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثة: في انتصاب (نفسه) قولان.

الأول: لأنه مفعول، قال المبرد: سفه لازم، وسفه متعد، وعلى هذا القول وجوه: الأول: امتهنها واستخف بها، وأصل السفه الخفة، ومنه زمام سفيه، والدليل عليه ما جاء في الحديث: «الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس» وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقلة.

والثاني: قال الحسن: إلا من جهل نفسه وخسر نفسه، وحقيقته أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

والثالث: أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة.

والرابع: أضل نفسه.

القول الثاني: أن نفسه ليست مفعولاً وذكروا على هذا القول وجوهاً.

الأول: أن نفسه نصب بنزع الخافض تقديره سفه في نفسه.

والثاني: أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفساً ثم أضاف وتقديره إلا السفيه، وذكر النفس تأكيد كما يقال: هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في سفهه.

الثالث: قرئ: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال: ﴿ وَلَقَدْ اصطفيناه فِي الدنيا ﴾ والمراد به أنا إذا اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع والإمامة الباقية إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله بهذا اللقب الذي فيه نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك الملوك والشرائع فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه، ثم بين أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة، وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى، قال الحسن: من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَن يَرْغَبُ ﴾ إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم.

و ﴿ مَن سَفِهَ ﴾ في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب، وصحّ البدل لأنّ من يرغب غير موجب، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ امتهنها واستخف بها.

وأصل السفه: الخفة.

ومنه زمام سفيه.

وقيل: انتصاب النفس على التمييز، نحو: غبن رأيه وألم رأسه.

ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله: وَلاَ بِفَزَارَةَ الشُّعُرِ الرِّقَابَا ** أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ وقيل معناه: سفه في نفسه، فحذف الجار، كقولهم: زيد ظني مقيم، أي في ظني.

والوجه هو الأوّل.

وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث: «الكبر أن تَسَفِّهَ الحق وتغمص الناس» وذلك أنه إذا رغب عمَّا لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقبة ﴿ وَلَقَدِ اصطفيناه ﴾ بيان لخطأِ رأي من رغب عن ملته، لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين، بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا وكان مشهوداً له بالاستقامة على الخير في الآخرة، لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه ﴿ إِذْ قَالَ ﴾ ظرف لاصطفيناه، أي: اخترناه في ذلك الوقت.

أو انتصب بإضمار (اذكر) استشهاداً على ما ذكر من حاله.

كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله.

ومعنى قال له: أسلم، أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام.

و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ ﴾ أي فنظر وعرف، وقيل: أسلمْ: أي أَذعنْ وأَطعْ.

وروي: أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أنّ الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.

فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم، فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ اسْتِبْعادٌ وإنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ، أيْ لا يَرْغَبُ أحَدٌ مِن مِلَّتِهِ.

﴿ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ إلّا مَنِ اسْتَمْهَنَها وأذَلَّها واسْتَخَفَّ بِها.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: سَفِهَ بِالكَسْرِ مُتَعَدٍّ وبِالضَّمِّ لازِمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ، وتَغْمِصَ النّاسَ» .

وقِيلَ: أصْلُهُ سَفُهَ نَفْسُهُ عَلى الرَّفْعِ، فَنُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ غَبُنَ رَأْيُهُ وألِمَ رَأْسُهُ، وقَوْلِ جَرِيرٍ: ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذَنابِ عَيْشٍ...

أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سِنامُ أوْ سَفِهَ في نَفْسِهِ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ.

والمُسْتَثْنى في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المُخْتارِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ.

﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ حُجَّةٌ وبَيانٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ مَن كانَ صَفْوَةَ العِبادِ في الدُّنْيا مَشْهُودًا لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ والصَّلاحِ يَوْمَ القِيامَةِ، كانَ حَقِيقًا بِالِاتِّباعِ لَهُ لا يَرْغَبُ عَنْهُ إلّا سَفِيهٌ، أوْ مُتَسَفِّهٌ أذَلَّ نَفْسَهُ بِالجَهْلِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)

{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم} استفهام بمعنى الجحد وإنكار أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم والملة السنة والطريقة كذا عن الزجاج {إِلاَّ مَنْ} في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك هل جاءك أحد إلا زيد والمعنى وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من {سَفِهَ نَفْسَهُ} أي جهل نفسه أي لم يفكر في نفسه فوضع سفه موضع جهل وعدي كما عدي أو معناه سفه في نفسه فحذف في كما حذف من في قوله واختار موسى قومه أي من قومه وعلى في قوله وَلا تعزموا عقدة النكاح أي على عقدة النكاح والوجهان عن الزجاج وقال الفراء هو منصوب على التمييز وهو ضعف لكونه معرفة {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين} بيان الخطأ رأي من يرغب عن ملته لأن من جمع كرامة الدارين لم يكن أحد أولى بالرغبة فى طريقته منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، وهي الحَقُّ الواضِحُ غايَةَ الوُضُوحِ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ ذَلِكَ أحَدٌ ﴿ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أيْ جَعَلَها مُهانَةً ذَلِيلَةً، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ، ومِنهُ زِمامٌ سَفِيهٌ أيْ خَفِيفٌ، وسَفِهَ بِالكَسْرِ كَما قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، (ونَفْسَهُ) مَفْعُولٌ بِهِ، وأمّا سَفُهَ بِالضَّمِّ فَلازِمٌ، ويَشْهَدُ لَهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «(الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِطَ النّاسَ)،» وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ أيْضًا، وتَعَدّى إلى المَفْعُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ما يَتَعَدّى إلَيْهِ، أيْ جَهِلَ نَفْسَهُ لِخِفَّةِ عَقْلِهِ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، أوْ أهْلَكَها، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ في نَفْسِهِ، فَلا يُنافِي اللُّزُومَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ كَما في قَوْلِ نابِغَةَ الذُّبْيانِيِّ: ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ وقِيلَ: عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، واعْتَرَضَ الجَمِيعَ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ التَّضْمِينَ والنَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ لا يَنْقاسانِ، وإنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَفْعُولِ بِهِ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ بِالصِّفَةِ، كَما قِيلَ بِهِ في البَيْتِ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ مَنَعُوا مَجِيءَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَدّى، القَوْلُ بِالتَّعَدِّي، (ومَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المُخْتارِ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ ومُهاجِرًا إلى الإسْلامِ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْتُما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في التَّوْراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ، فَمَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى ورَشَدَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ وأبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ، ﴿ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ بِالرِّسالَةِ بِتِلْكَ المِلَّةِ واجْتَبَيْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ، وأصْلُهُ اتِّخاذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ، أيْ خالِصِهِ، ﴿ وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيِ المَشْهُودِ لَهم بِالثَّباتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ، والخَيْرِ والصَّلاحِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى دَلِيلٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ الرّاغِبِ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ سَفِيهًا، إذِ الِاصْطِفاءُ والعِزُّ في الدُّنْيا غايَةُ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والصَّلاحُ جامِعٌ لِلْكَمالاتِ الأُخْرَوِيَّةِ، ولا مَقْصِدَ لِلْإنْسانِ الغَيْرِ السَّفِيهِ سِوى خَيْرِ الدّارَيْنِ، وأمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإنْكارِ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، أيْ أيَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ، ومَعَهُ ما يُوجِبُ عَكْسَ ذَلِكَ، وهو الظّاهِرُ لَفْظًا لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، وارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، وهو الظّاهِرُ مَعْنًى، لِأنَّ الأصْلَ في الجُمَلِ الِاسْتِقْلالُ، ولِإفادَةِ زِيادَةِ التَّأْكِيدِ المَطْلُوبِ في المَقامِ والإشْعارِ بِأنَّ المُدَّعِيَ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ، والمَقْصُودُ مَدْحُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الأُولى ماضَوِيَّةً لِمُضِيِّها مِن وقْتِ الإخْبارِ، والثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِعَدَمِ تَقْيِيدِها بِالزَّمانِ، لِأنَّ انْتِظامَهُ في زُمْرَةِ صالِحِي أهْلِ الآخِرَةِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ، لا أنَّهُ يَحْدُثُ في الآخِرَةِ، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ، واللّامِ لِما أنَّ الأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ خَفِيَّةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَحاجَتُها إلى التَّأْكِيدِ أشَدُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نُشاهِدُ آثارَها، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ (بِالصّالِحِينَ)، عَلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا مَوْصُولَةٌ، لِيَلْزَمَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصِّلَةِ عَلَيْها، عَلى أنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ صالِحٍ، أوْ أعْنِي، وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِاصْطَفَيْناهُ)، وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الوَصْفِ بَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، يقول: عن سنته ودينه وهو الإسلام.

ويقال لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ، وَمَنْ هاهنا بمعنى (ما) ، فكأنه يقول: وما يرغب عن دين إبراهيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.

قال أبو عبيدة: إلا من أهلك نفسه.

وقال الأخفش: معناه إلا من سفه من نفسه.

هذا كما قال في آية أخرى وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [البقرة: 235] أي على عقدة النكاح.

ويقال: إلا من جهل أمر نفسه، فلا يتفكر فيه، كما قال في آية أخرى وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] ، قال الكلبي: ومن يرغب عن دين إبراهيم الإسلام والحج والطواف، إلا من خسر نفسه.

ثم: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا، يقول: اخترناه في الدنيا للنبوة والرسالة والإسلام والخلة.

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، أي في الجنة.

ويقال: مع الصالحين في الجنة وهو أفضل الصالحين ما خلا محمدا  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: ونقل عِيَاضٌ في «مداركه» عن مالك أن الْحِكْمَةَ نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضاً: يقع في قلبي أنَّ الْحِكْمَةَ الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضاً: الْحِكْمَةَ التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به.

انتهى.

وقد أشار ع: إلى هذا عند قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ «١» [البقرة: ٢٦٩] .

ت: والظاهر أن المراد ب الْحِكْمَةَ هنا: ما قاله قتادة، فتأمَّله.

وَيُزَكِّيهِمْ: معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، والْعَزِيزُ: الّذي يغلب، ويتم مراده، والْحَكِيمُ: المصيب مواقع الفعل، المحكم لها.

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)

وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ...

الآية: «من» : استفهام، والمعنى:

ومن يزهد منها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، واصطفى من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصفى، ومعنى هذا الاِصطفاءِ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً.

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضافٍ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كان هذا القول من اللَّه تعالى حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ لأنه أقرب مذكور.

وَيَعْقُوبُ: قيل: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: يَا بَنِيَّ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بنيّ/.

٣٦ ب

واصْطَفى هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان.

وقوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتى بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً.

وقوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين انتحلوا الأنبياءَ- صلوات اللَّه عليهم- ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصى، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم» «١» : للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم

بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدّمات الموت.

ومِنْ بَعْدِي، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ.

وقد أطلق النبيُّ صلّى الله عليه وسلم على العَبَّاس اسم الأب، فقال: «هذا بقية آبائي» «١» ، وقال:

«رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي» الحَدِيثَ «٢» ، وقال: «أَنَا ابن الذِّبِيحَيْنِ» «٣» ، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ.

ت: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل على ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ مُهاجِرًا وسَلَمَةَ إلى الإسْلامِ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ، ورَغِبَ عَنِ الإسْلامِ مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: و "مِن" لَفْظِها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ.

والمَعْنى: ما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ.

ويُقالُ: رَغِبْتُ في الشَّيْءِ: إذا أرَدْتُهُ.

ورَغِبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ.

ومِلَّةُ إبْراهِيمَ: دِينُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ.

قالَ يُونُسَ: ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى النَّفْسِ فَنَصَبَها، وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَتِ النَّفْسُ لِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ المَعْنى: إلّا مَن سَفِهَ في نَفْسِهِ.

قالَ الشّاعِرُ: نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا ونُرَخِّصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورَ والثّانِي: إلّا مَن أهْلَكَ نَفْسَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: إلّا مَن سَفِهَتْ نَفْسُهُ، كَما يُقالُ: غَبَنَ فُلانٌ رَأْيَهُ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: نَقَلَ الفِعْلَ عَنِ النَّفْسِ إلى ضَمِيرِ "مَن" ونُصِبَتِ النَّفْسُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالتَّفْسِيرِ، كَما يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا، يُرِيدُونَ: ضاقَ ذَرْعِي بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ .

والرّابِعُ: إلّا مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمِنَ الصّالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ في الآَخِرَةِ: الفائِزُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ ﴾ وذَلِكَ حِينَ وُقُوعِ الِاصْطِفاءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأى الكَوْكَبَ والقَمَرَ والشَّمْسَ، قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، أيْ: أخْلِصْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصّى ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأهْلُ المَدِينَةِ: (وَأوْصى) بِألِفٍ، مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ، والباقُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ مُشَدَّدَةِ الصّادِ، وهَذا لِاخْتِلافِ المَصاحِفِ.

أخْبَرَنا ابْنُ ناصِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا ثابِتٌ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ قُشَيْشٍ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ حَيُّويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: أخْبَرْنا ثَعْلَبٌ، قالَ: أمْلى عَلَيَّ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ قالَ: اخْتَلَفَ مُصْحَفا أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ العِراقِ في اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا: كَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: (وَأوْصى) وأهْلُ العِراقِ: (وَوَصّى) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: سارَعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم [ آَلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ] .

بِغَيْرِ واوٍ، وأهْلُ العِراقِ: (وَسارَعُوا) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [ المائِدَةِ: ٥٦ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَيَقُولُ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: مِن يَرْتَدِدْ [ المائِدَةِ: ٥٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (مَن يَرْتَدُّ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا [ التَّوْبَةِ: ١٠٨ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (والَّذِينَ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلِبًا [ الكَهْفِ: ٣٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ (مِنها) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فَتَوَكُّل عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ [ الشُّعَراءِ: ٢١٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَتَوَكَّلْ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ [ المُؤْمِنِ: ٢٦ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (أوْ أنْ يُظْهِرَ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ في "حم عسق": (بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ) بِغَيْرِ فاءٍ، وأهْلُ العِراقِ: (فَبِما) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ ما تَشْتَهِيه الأنْف [ الزُّخْرُفِ: ٧١ ] .

بِالهاءِ.

وأهْلُ العِراقِ: (ما تَشْتَهِي) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيَّ الحَمِيدَ [ الحَدِيدِ: ٢٦ ] وأهْلُ العِراقِ: (إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فُلًّا يَخافُ عُقْباها [ الشَّمْسِ: ١٥ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَلا يَخافُ) .

وَوَصّى أبْلَغُ مَن أوْصى، لِأنَّها تَكُونُ لِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ، وهاءُ "بِها" تَعُودُ عَلى المَسْألَةِ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ والزَّجّاجُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وبَنُوهُ أرْبَعَةٌ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدِينُ، ومَدائِنُ.

وذَكَرَ غَيْرُ مُقاتِلٍ أنَّهم ثَمانِيَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ يُرِيدُ: الزَمُوا الإسْلامَ، فَإذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ صادَفَكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عن مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ "مَنِ" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"يَرْغَبُ" خَبَرُهُ، والمَعْنى يَزْهَدُ فِيها ويَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عنها، والمِلَّةُ: الشَرِيعَةُ والطَرِيقَةُ، و"سَفِهَ" مِنَ السَفَهِ الَّذِي مَعْناهُ الرِقَّةُ والخِفَّةُ.

واخْتُلِفَ في نَصْبِ "نَفْسَهُ" فَقالَ الزَجّاجُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى جَهِلَ، وعَدّاهُ بِالمَعْنى، وقالَ غَيْرُهُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى أُهْلِكَ.

وحَكى ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ: أنْ "سَفِهَ" بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَهٍ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، وحُكِيَ عن أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: نَصْبُها عَلى التَمْيِيزِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ السَفَهَ يَتَعَلَّقُ بِالنَفْسِ والرَأْيِ والخُلُقِ، فَكَأنَّهُ مَيَّزَها بَيْنَ هَذِهِ، ورَأْيِي أنَّ هَذا التَعْرِيفَ لَيْسَ بِمَحْضٍ لِأنَّ الضَمِيرَ فِيهِ الإبْهامُ الَّذِي في "مَن"، فَكَأنَّ الكَلامَ: إلّا مَن سَفِهَ نَفْسًا.

وقالَ البَصْرِيُّونَ: لا يَجُوزُ التَمْيِيزُ مَعَ هَذا التَعْرِيفِ، وإنَّما النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "فِي"، فَلَمّا انْحَذَفَ حَرْفُ الجَرِّ قَوِيَ الفِعْلُ، وهَذا يَجْرِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الظَهْرَ والبَطْنَ أيْ في الظَهْرِ والبَطْنِ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ التَقْدِيرَ "إلّا مَن سَفِهَ قَوْله نَفْسَهُ"، عَلى أنَّ نَفْسَهُ تَأْكِيدٌ، حُذِفَ المُؤَكَّدُ وأُقِيمَ التَوْكِيدُ مَقامَهُ قِياسًا عَلى النَعْتِ والمَنعُوتِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَحامِلٌ.

واصْطَفى: افْتَعَلَ مِنَ الصَفْوَةِ، مَعْناهُ: تَخَيَّرَ الأصْفى، وأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتَناسُبِها مَعَ الصادِ في الإطْباقِ.

ومَعْنى هَذا الِاصْطِفاءِ أنَّهُ نَبَّأهُ واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، و ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ باسِمِ فاعِلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الصَلاحِ، ولا يَصْلُحُ تَعَلُّقُهُ بِـ "الصالِحِينَ" لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الألِفُ واللامُ هُنا لِلتَّعْرِيفِ، ويَسْتَقِيمُ الكَلامُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ في عَمَلِ الآخِرَةِ ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ ﴾ ، العامِلُ في ( إذِ اصْطَفَيْناهُ )، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ حِينَ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَمْسِ.

والإسْلامُ هُنا عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَأوصى".

وقَرَأ الباقُونَ ووَصّى، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ وصّى يَقْتَضِي التَكْثِيرَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: ﴿ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقِيلَ: عَلى المِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: ويَعْقُوبَ بِالنَصْبِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ فِيمَن أوصى.

واخْتُلِفَ في إعْرابِ رَفْعِهِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ النُحاةِ: التَقْدِيرُ، ويَعْقُوبُ أوصى بَنِيهِ أيْضًا، فَهو عَطْفٌ عَلى " إبْراهِيمُ ".

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَقْطُوعٌ مُنْفَرِدٌ بِقَوْلِهِ: "يا بَنِيَّ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ "وَيَعْقُوبَ قالَ: يا بَنِيَّ".

واصْطَفى هُنا مَعْناهُ تَخَيَّرَ صَفْوَةَ الأدْيانِ، والألِفُ واللامُ في "الدِينَ" لِلْعَهْدِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهُ.

وكُسِرَتْ "إنَّ بَعْدَ وصّى"؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ، ولِذَلِكَ سَقَطَتْ "أنِ" الَّتِي تَقْتَضِيها "أوصى" في قَوْلِهِ: "أنْ يا بَنِيَّ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ: "أنْ يا بَنِيَّ" بِثُبُوتٍ أنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ إيجازٌ بَلِيغٌ، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أمْرُهم بِالإسْلامِ والدَوامِ عَلَيْهِ فَأتى ذَلِكَ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ يَقْتَضِي المَقْصُودَ ويَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَذْكِيرًا بِالمَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَمُوتُ ولا يَدْرِي مَتى، فَإذا أمَرَ بِأمْرٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا وهو عَلَيْهِ فَقَدْ تُوَجِّهَ مِن وقْتِ الأمْرِ دائِبًا لازِمًا.

وحَكى سِيبَوَيْهِ -فِيما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى- قَوْلَهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، ولَيْسَ إلى المَأْمُورِ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الأمْرِ عنهُ، فَإنَّما المَقْصُودُ: اذْهَبْ وزِلْ عن هاهُنا، فَجاءَ بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَزِيدُ مَعْنى الغَضَبِ والكَراهِيَةِ.

﴿ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هاته الآيات من سوابقها موقع النتيجة بعد الدليل، فإنه لما بين فضائل إبراهيم من قوله: ﴿ وإذ ابتلى ﴾ [البقرة: 124] إلى هنا علم أن صاحب هاته الفضائل لا يعدل عن دينه والاقتداء به إلا سفيه العقل أفن الرأي، فمقتضى الظاهر أن تعطف على سوابقها بالفاء وإنما عدل من الفاء إلى الواو ليكون مدلول هذه الجملة مستقلاً بنفسه في تكميل التنويه بشأن إبراهيم وفي أن هذا الحكم حقيق بملة إبراهيم من كل جهة لا من خصوص ما حكي عنه في الآيات السالفة وفي التعريض بالذين حادوا عن الدين الذي جاء متضمناً لملة إبراهيم، والدلالة عن التفريع لا تفوت لأن وقوع الجملة بعد سوابقها متضمنة هذا المعنى دليل على أنها نتيجة لما تقدم كما تقول أحسن فلان تدبير المهم وهو رجل حكيم ولا تحتاج إلى أن تقول فهو رجل حكيم.

والاستفهام للإنكار والاستبعاد، واستعماله في الإنكار قد يكون مع جواز إرادة قصد الاستفهام فيكون كناية، وقد يكون مع عدم جواز إرادة معنى الاستفهام فيكون مجازاً في الإنكار ويكون معناه معنى النفي، والأظهر أنه هنا من قبيل الكناية فإن الإعراض عن ملة إبراهيم مع العلم بفضلها ووضوحها أمر منكر مستبعد.

ولما كان شأن المنكر المستبعد أن يسأل عن فاعله استعمل الاستفهام في ملزومه وهو الإنكار والاستبعاد على وجه الكناية مع أنه لو سئل عن هذا المعرض لكان السؤال وجيهاً، والاستثناء قرينة عن إرادة النفي واستعمال اللفظ في معنيين كنائيين، أو ترشيح للمعنى الكنائي وهما الإنكار.

والاستفهام لا يجيء فيه ما قالوا في استعمال اللفظ المشترك في معنييه واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو في مجازيه لأن الدلالة على المعنى الكنائي بطريق العقل بخلاف الدلالة على المعنيين الموضوع لهما الحقيقي وعلى المعنى الحقيقي والمجازي إذ الذين رأوا ذلك منعوا بعلة أن قصد الدلالة باللفظ على أحد المعنيين يقتضي عدم الدلالة به على الآخر لأنه لفظ واحد فإذا دل على معنى تمت دلالته وأن الدلالة على المعنيين المجازيين دلالة باللفظ على أحد المعنيين فتقضى أنه نقل من مدلوله الحقيقي إلى مدلول مجازي وذلك يقتضي عدم الدلالة به على غيره لأنه لفظ واحد، وقد أبطلنا ذلك في المقدمة التاسعة، أما المعنى الكنائي فالدلالة عليه عقلية سواء بقي اللفظ دالاً على معناه الحقيقي أم تعطلت دلالته عليه.

ولك أن تجعل استعمال الاستفهام في معنى الإنكار مجازاً بعلاقة اللزوم كما تكرر في كل كناية لم يرد فيها المعنى الأصلي وهو أظهر لأنه مجاز مشهور حتى صار حقيقة عرفية فقال النحاة: الاستفهام الإنكاري نفي ولذا يجيء بعده الاستثناء، والتحقيق أنه لايطرد أن يكون بمعنى النفي ولكنه يكثر فيه ذلك لأن شأن الشيء المنكر بأن يكون معدوماً ولهذا فالاستثناء هنا يصح أن يكون استثناء من كلام دل عليه الاستفهام كأنَّ مجيباً أجاب السائل بقوله: «لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه.

والرغبة طلب أمر محبوب، فحق فعلها أن يتعدى بفي وقد يعدى بعن إذا ضمن معنى العدول عن أمر وكثر هذا التضمين في الكلام حتى صار منسياً.

والملة الدين وتقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتي تتبع ملتهم ﴾ [البقرة: 120].

وسفه بمعنى استخف لأن السفاهة خفة العقل واضطرابه يقال تسفهه استخفه قال ذو الرمة: مَشَيْن كما اهتزت رماحٌ تسفَّهَتْ *** أَعاليَها مَرُّ الرياح النَّوَاسم ومنه السفاهة في الفعل وهو ارتكاب أفعال لا يرضى بها أهل المروءة.

والسفه في المال وهو إضاعته وقلة المبالاة به وسوء تنميته.

وسفهه بمعنى استخفه وأهانه لأن الاستخفاف ينشأ عنه الإهانة وسفه صار سفيهاً وقد تضم الفاء في هذا.

وانتصاب ﴿ نفسه ﴾ إما على المفعول به أي أهملها واستخفها ولم يبال بإضاعتها دنيا وأخرى ويجوز انتصابه على التمييز المحول عن الفاعل وأصله سَفِهَتْ نفسُه أي خفت وطاشت فحُوِّل الإسنادُ إلى صاحب النفس على طريقة المجاز العقلي للملابسة قصداً للمبالغة وهي أن السفاهة سرت من النفس إلى صاحبها من شدة تمكنها بنفسه حتى صارت صفة لجثمانه، ثم انتصب الفاعل على التمييز تفسيراً لذلك الإبهام في الإسناد المجازي، ولا يعكر عليه مجيء التمييز معرفةً بالإضافة لأن تنكير التمييز أغلبي.

والمقصود من قوله: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ﴾ تسفيه المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام بعد أن بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام مُقام على أساس الحنيفية وهي معروفة عندهم بأنها ملة إبراهيم قال تعالى: ﴿ ثم أوحينا إليك أَننِ اتَّبع ملةَ إبراهيم حنيفاً ﴾ [النحل: 123] وقال في الآية السابقة ﴿ ربنا واجعلنا مُسْلِمَيْننِ لك ومن ذريتنا أُمَّةً مُسْلِمةً لك ﴾ [البقرة: 128] وقال: ﴿ وأوْصَى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ ﴾ [البقرة: 132] إلى قوله: ﴿ فلا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132].

وجملة ﴿ ولقد اصطفيناه ﴾ معطوفة على الجمل التي قبلها الدالة على رفعة درجة إبراهيم عند الله تعالى إذ جعله للناس إماماً وضمن له النبوءة في ذريته وأَمَرَهُ ببناء مسجد لتوحيده واستجاب له دعواته.

وقد دلت تلك الجمل على اختيار الله إياه فلا جرم أعقبت بعطف هذه الجملة عليها لأنها جامعة لفذلكتها وزائدة بذكر أنه سيكون في الآخرة من الصالحين.

واللام جواب قسم محذوف وفي ذلك اهتمام بتقرير اصطفائه وصلاحه في الآخرة.

ولأجل الاهتمام بهذا الخبر الأخير أكد بقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فقوله: ﴿ وإنه في الآخرة إلى آخره اعتراض بين جملة اصطفيناه ﴾ وبين الظرف وهو قوله: ﴿ إذْ قال له ربه أَسلم ﴾ ، إذ هو ظرف لاصطفيناه وما عطف عليه، قصد من هذه الظرفية التخلُّص إلى منقبة أخرى، لأن ذلك الوقت هو دليل اصطفائه حيث خاطبه الله بوحي وأمره بما تضمنه قوله ﴿ أسْلِم ﴾ من معاننٍ جماعها التوحيدُ والبراءةُ من الحول والقوة وإخلاصُ الطاعة، وهو أيضاً وقتُ ظهور أن الله أراد إصلاح حاله في الآخرة إذ كلٌّ مُيسَّر لما خلق له.

وقد فهم أن مفعول ﴿ أسلم ﴾ ومتعلقه محذوفان يعلمان من المقام أي أسلم نفسك لي كما دل عليه الجواب بقوله: ﴿ ولكن كان حنيفاً مُسلماً ﴾ [آل عمران: 67].

وقوله: ﴿ قال أسلمت ﴾ فصلت الجملة على طريقة حكاية المحاورات كما قدمناه في ﴿ وإذْ قال ربك للملائكة إِني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

وقوله: ﴿ قال أسلمت ﴾ مشعر بأنه بادر بالفور دون تريث كما اقتضاه وقوعه جواباً، قال ابن عرفة: إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله اه.

يعني أن إبراهيم كان قد علم أن لهذا العالم خالقاً عالماً حصل له بإلهام من الله فلما أوحى الله إليه بالإيمان صادف ذلك عقلاً رشداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ سَفَّهَ نَفْسَهُ، أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى سَفَهٍ في نَفْسِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ﴾ أيْ عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ وأوْبَقَها، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى، وسَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ لا يَتَعَدّى.

﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ، ولَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفْوَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا لِلرِّسالَةِ.

﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ لِنَفْسِهِ في إنْجائِها مِنَ الهَلَكَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى المِلَّةِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ ووَصّى أبْلَغُ مِن أوْصى، لِأنَّ أوْصى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَهُ مَرَّةً واحِدَةً، ووَصّى لا يَكُونُ إلّا مِرارًا.

﴿ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ وصّى، ثُمَّ وصّى بَعْدَهُ يَعْقُوبُ بَنِيهِ، فَقالا جَمِيعًا: ﴿ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ يَعْنِي اخْتارَ لَكُمُ الدِّينَ، أيِ الإسْلامِ، ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُنْهَوْنَ عَنِ المَوْتِ ولَيْسَ مِن فِعْلِهِمْ، وإنَّما يُماتُونَ؟

قِيلَ: هَذا في سَعَةِ اللُّغَةِ مَفْهُومُ المَعْنى، لِأنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إلى مُفارَقَةِ الإسْلامِ، لا إلى المَوْتِ، ومَعْناهُ: الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ إلى المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإِسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ إلا من سفه نفسه ﴾ قال: إلا من أخطأ حظه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ ولقد اصطفيناه ﴾ قال: اخترناه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يقال: رغبت عن الشيء أي: تركته عمدًا، وهو ضدُّ قولك: رغبتُ فيه (١) قال أبو إسحاق: معنى (مَنْ) التقريرُ والتوبيخُ، ولفظُها لفظُ الاستفهام والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَه (٢) (٣) واختلف النحويون في نصب (نفسَه).

فقال الفرَّاءُ: العرب توقع (٤) ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  ﴾ وهو في المعرفة كالنكرة؛ لأنه مفسِّر، والمفسِّر في أكثر الكلام نكرة، كقولك: ضِقْتُ به ذَرْعًا، المعنى: ضاق به ذرعي، فالفعل للذرع، فلما جعلتَ الضيق مسندًا إليك فقلت: ضقت، جاء الذرع مفسرًا؛ ليدل على أنَّ (٥) (٦) (٧) واعترض الزجاج على هذا بأن قال: معنى التمييز لا يحتمل التعريفَ؛ لأنَّ التمييزَ إنما هو واحدٌ يدل على جنس أو خَلَّة يخلص من خِلال، فإذا عَرَّفته صار مقصودًا قصده، وهذا لم يقُلْهُ أحدٌ ممن تقدَّمَ (٨) (٩) ثم حكى أقوالًا، فحكى عن الأخفش (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري: لا يعرف (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو بكر: على هذا القول أهلكت في معنى سفه معنًى، وليس بتفسير، وإذا كان كذلك لم يجز نصبُ النفس به، وإيقاعُه عليه؛ لأن سَفِهَ يخالف أهلَكَ في التعدِّي، وإن كان بمعنى خِفْتُ.

وحكى الزجّاج أيضًا عن الأخفش نفسه (١٧) ﴿ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ  ﴾ ، المعنى: أن تسترضعوا لأولادكم (١٨) ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ  ﴾ ، أي: عليها، ومثلُه قول الشاعر: نغالي اللحم للأضياف نِيئًا ...

ونبذُلُه إذا نَضجَ القُدُورُ (١٩) (٢٠) قال: ومثله: قول العرب: ضُرِبَ زيدٌ الظَهَر والبَطنَ، المعنى (٢١) قال: وهذا عندي مذهَبٌ صالح، ثم اختار أن يكون معنى سفِه نفسَه: جَهِلَ نفسه، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه، أي: لم يفكر في نفسه، فوضع سَفِهَ موضع جَهِل، وعُدِّى كما عُدَي (٢٢) (٢٣) ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ : إلا من جهِل نفسه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث (٣٠) (٣١) (٣٢) وحُكي عن أبي بكر الوراق [[الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: 6].]] أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (٣٣) (٣٤) (٣٥) ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (٣٦) (٣٧) فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ...

ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ [[البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: 44].]] أراد: صبرتُ نفسًا عارفة.

وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ و ﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا  ﴾ ، ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ  ﴾ ، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب كأنها فعل واقع في هذا المكان، ولا يقولون: وجعتُ عبدَ الله، ولا خسرتُ عبدَ الله (٣٨) قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ قال: خسر نفسه (٣٩) وقال بعضهم: سفِه حقَّ نفسه، أي: جهِلَ (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ معنى اصطفيناه: اخترناه للرسالة، وهو افتعلنا من الصفوة، قلبت التاءُ طاءً؛ لأنها أشبه بالصاد (٤١) ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ ﴾ أخذناه صافيًا من غير شائب (٤٢) ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ : يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو (٤٣) (٤٤) ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريدُ من نوح وآدم (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقال الزجاج: يريد من الفائزين؛ لأن الصالح في الآخرة فائز (٤٨) وقال الحسينُ بن الفضل (٤٩) ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ (٥٠) (١) "تهذيب اللغة" 2/ 1432، "تفسير الثعلبي" 1/ 1194.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج بتصرف، 1/ 209 "البحر المحيط" 1/ 394.

(٣) تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ  ﴾ .

(٤) في (م): (ترفع).

(٥) في (م): (أن المعنى الضيق فيه).

(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 79، ونقله في "تفسير الثعلبي" 1/ 199.

(٧) ساقطة من (ش)، (م).

(٨) في (م): (من المتقدمين).

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 79، وينظر: "التبيان" للعكبري 93.

(١٠) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148.

(١١) نقله عنه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 148.

(١٢) هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، البصري أبو عبد الرحمن، تقدمت ترجمته.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج.

(١٤) في (ش): (نعرف).

(١٥) "مجاز القرآن" 1/ 56.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210.

(١٧) ساقطة من (م).

(١٨) ساقطة من (ش).

(١٩) البيت لرجل من قيس، في "جمهرة اللغة" ص 1317، "أساس البلاغة" (غلو) == ص 171 وبلا نسبة في "لسان العرب" 6/ 3290.

ونسب للحطيئة في "أمالي المرتضي".

انظر: حاشية "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، "معاني القرآن" للفراء 2/ 382، "المعجم المفصل" 3/ 327.

(٢٠) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 148 - 149، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1385.

(٢١) في (ش): (والمعنى).

(٢٢) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 210، وعنده: فحذف حرف الجر في غير الظرف.

(٢٣) ينظر: "التبيان" 93، "البحر المحيط" 1/ 394.

(٢٤) الثعلبي 1/ 1200، والبغوي في "تفسيره" 1/ 152.

والواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وهو اختيار الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 211.

(٢٥) في (ش): (ضيًا).

(٢٦) في (م): (ولا يعلم).

(٢٧) في (أ) و (م): (الكبير).

(٢٨) أي: تحقر وتزدري، ينظر: "القاموس" ص 625.

(٢٩) رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 69، عن ثابت بن قيس، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 133، في طريق عبد الله بن عمرو: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات.

اهـ.

ورواه أحمد 4/ 134 عن أبي ريحانة بلفظ: "إنما الكبر من سفه الحق وغمض الناس" ورواه مسلم (91) كتاب الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه ولفظه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".

(٣٠) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1200، وقال: كما جاء في الخبر فذكره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 153.

(٣١) ساقطة من (أ).

(٣٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره"، وعنه البغوي 1/ 153، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214 قال النووي: ليس بثابت، ينظر: "المقاصد الحسنة" ص 490 (1149)، وقال ابن تيمية: موضوع، ينظر: "المصنوع في معرفة الموضوع" ص 189 (349)، وقال السمعاني: إنه لا يعرف مرفوعًا، ينظر: "المقاصد" ص490، "الموضوعات" ص 351.

وقال العجلوني في "كشف الخفاء" 2/ 262: وقال أبو المظفر ابن السمعاني في "القواطع": إنه لا يُعرف مرفوعًا وإنما يُحْكى عن يحيى بن معاذ الرازي، يعني من قوله.

وقال ابن الفرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت، قال: لكن كُتبُ الصوفية مشحونة به، يسوقونه مساق الحديث، كالشيخ محيي بن عربي، وغيره.

قال: وللحافظ السيوطي فيه تأليف سماه "القول الأشبه في الحديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه" والكتاب ضمن الكتب الموجودة في "الحاوي للفتاوى" للسيوطي، وذكره أبو نعيم في "الحلية" 10/ 208، عن سهل التستري.

(٣٣) ذكره في "الوسيط" 1/ 214.

(٣٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي 1/ 153.

(٣٥) في (م): (حتى يذهب يرغب).

(٣٦) في (م): (سفهت نفسه زيدًا).

(٣٧) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية.

ينظر: "الشعر والشعراء" ص 149، "الأعلام" 5/ 91.

(٣٨) تقدم شيء منه قبل قليل.

(٣٩) ذكره الثعلبي 1/ 1191، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 152، والخازن 1/ 112، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 394.

(٤٠) ذكره الثعلبي 1/ 1200، عن المفضل بن سلمة عن بعضهم.

وانظر: "البحر المحيط" 1/ 394.

(٤١) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 239 - 240، "تفسير الطبري" 1/ 559، "تفسير الثعلبي" 1/ 1195، "تفسير القرطبي" 2/ 122.

(٤٢) ينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 215.

(٤٣) في (م): (إلا ويذكره).

(٤٤) لعله من رواية عطاء.

(٤٥) في "الوسيط" عزاه لعطاء، فلعله من رواية عطاء عن ابن عباس التي تقدم الحديث عنها في المقدمة، ولفظه: يريد: نوح وآدم.

(٤٦) ذكره الثعلبي 1/ 1201، والبغوي 1/ 153، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 395.

(٤٧) ذكره في "الوسيط" 1/ 215، "البحر المحيط" 1/ 395.

(٤٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.

(٤٩) هو الحسين بن الفضل بن عمير البجلي، تقدمت ترجمته.

(٥٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 201، والبغوي 1/ 153، والقرطبي 2/ 122، وأبو حيان 1/ 395 وقال: وهذا الذي ذهب إليه خطاء ينزه القرآن عنه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ منصوب على التشبيه بالمفعول به، وقيل: الأصل؛ في نفسه ثم حذف الجار فانتصب وقيل: تمييز ﴿ ووصى بِهَآ ﴾ أي بالكلمة والملة ﴿ وَيَعْقُوبُ ﴾ : بالرفع عطف على إبراهيم، فهو موصي، وقرئ بالنصب عطفاً على نبيه فهو موصى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرنا ﴾ وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ".

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ ويعلمهم ﴾ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع.

وروى ابن رومي عن ابن عباس ﴿ يكلمنا ﴾ و ﴿ تعدنا ﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿ في أعينكم ﴾ ﴿ وأسلحتكم ﴾ ﴿ وأمتعتكم ﴾ و ﴿ أوصى ﴾ من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ وصى ﴾ بالتشديد.

﴿ شهداء إذ ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ شهداء يذ ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.

الوقوف: ﴿ وإسماعيل ﴾ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿ منا ﴾ (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿ العليم ﴾ (ه) ﴿ مسلمة لك ﴾ (ص) لعطف المتفقين ﴿ علينا ﴾ (ط) وقد ذكر ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ ويزكيهم ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ نفسه ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿ في الدنيا ﴾ (ج) لعطف الجملتين ﴿ الصالحين ﴾ (ه) ﴿ أسلم ﴾ (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ويعقوب ﴾ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿ مسلمون ﴾ (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ الموت ﴾ (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف ﴿ شهدا ﴾ و "اذ" الثانية ظرف ﴿ حضر ﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿ قالوا ﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿ بعدي ﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿ من بعدي ﴾ (ط) ﴿ واحداً ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ قد خلت ﴾ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ عليها ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم  لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟

فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي  وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس.

وروي أن الله  أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي.

وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور.

ثم إن الله  أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه.

وعن علي  : البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.

وعن عبد الله بن عمر أن النبي  قال "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك.

وأما قصة إسماعيل  وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله  قال "لم يكذب إبراهيم  قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر.

قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم.

فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.

قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب.

وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة.

فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟

فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟

قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت فانطلق إبراهيم  حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ حتى بلغ ﴿ يشكرون  ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي  "فلذلك سعى الناس بينهما" .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف.

قال ابن عباس: قال النبي  : "يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" .

قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.

فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟

قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء.

قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي  : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" .

فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟

قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟

قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها.

وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟

وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يثبت عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟

قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير.

قال: فأوصاك بشيء؟

قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك.

قال: وتعينني؟

قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله  يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله  أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله  فوضعه.

واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله  بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم  ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "أنه  قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً" ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش.

ولنعد إلى المقصود فنقول ﴿ يرفع ﴾ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث.

وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله  حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما ﴿ تقبل منا ﴾ وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله  أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله  عليه ورضاه به بالقبول.

وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً.

وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما ﴿ إنك أنت السميع ﴾ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا.

النوع الثاني ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط.

وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب.

وقوله ﴿ واجعلنا ﴾ إما معطوف على ﴿ تقبل ﴾ وقوله ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ ﴿ ربنا ﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا.

﴿ ومن ذريتنا ﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ ومن ذريتي  ﴾ .

والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد  ﴿ مسلمة ﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً.

وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي.

طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة.

فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً.

وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم.

ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة.

ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله  على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿ وأرنا ﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً.

فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج.

قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟

قال: نعم، فسميت عرفات.

فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات.

وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح.

غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح.

فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال  "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟

﴿ وتب علينا ﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما.

قال  "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم.

وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم.

وأما الرسول فهو محمد  بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله  في موضع آخر ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين  ﴾ ولقوله  "أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي" أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله  في سورة الصف ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين.

وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ فلا جرم قضى الله  حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين  ﴾ أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد  ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه.

ومنها أن إبراهيم أبو الملة ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ومحمد  أبو الرحمة ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  ﴾ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية.

ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة ﴿ وأذن في الناس بالحج  ﴾ ومحمد منادي الدين ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان  ﴾ ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان.

ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ثم إن إبراهيم  ذكر لذلك الرسول صفات أولاها ﴿ يتلو عليهم آياتك ﴾ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام.

وثالثتها قوله ﴿ والحكمة ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.

وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله  "تخلقوا بأخلاق الله" وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟

قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له.

وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله  لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى.

وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم.

وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات.

وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح.

ورابعتها ﴿ ويزكيهم ﴾ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية.

فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي  سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق.

وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  ﴾ وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القادر الذي لا يغلب ﴿ الحكيم ﴾ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿ ومن يرغب ﴾ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد.

يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده.

ومحل ﴿ من سفه ﴾ الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يرغب ﴾ وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس" لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة.

وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله  وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد  .

وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها.

وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين.

فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة.

وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص.

فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد  ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد  ؟

قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد  من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم  .

والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد  راغباً عنها لأنه أمر باتباعها ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.

فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت.

ثم إنه  لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال ﴿ ولقد اصطفيناه في الدنيا ﴾ أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق.

ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ﴿ اصطفينا ﴾ في ﴿ إذ قال ﴾ أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ﴿ إذ قال له ربه ﴾ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه.

ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال  ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ أو المقصود الانقياد لأوامر الله  والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان.

وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم  كان عارفاً بالله  بقلبه فكلفه الله  بعد ذلك بعمل الجوارح.

وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد  عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ والأول طريق حسن ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق  ﴾ لكن الطريق الثاني أحسن ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ ومن هنا يعرف أكملية محمد  .

وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة.

وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ فألف إبليس دليل عدم الاستقامة ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ تركيب الخلة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً  ﴾ ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر ﴿ وكان من الكافرين  ﴾ اسم الشدة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد  ﴾ ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم  واسطة في الطريقة ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد  خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "أول ما خلق الله  نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر" محمد  أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم  أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره.

ولنعد إلى ما كنا فيه ﴿ ووصى ﴾ التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم.

أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه.

وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية.

والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله ﴿ وجعلها كلمة باقية  ﴾ إلى قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  ﴾ وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي.

وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد.

ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك.

ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.

وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما ﴿ يا بني ﴾ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء ﴿ إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به ﴿ فلا تموتن ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته.

والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد.

فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.

﴿ أم كنتم شهداء ﴾ يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد  ؟

ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ قيل: أي إن أوائلكم من بنيإسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه  نص على بطلانها بقوله ﴿ إذ قال لبنيه ﴾ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار ﴿ ما تعبدون ﴾ أي شيء تعبدون.

و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل.

و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب  لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ﴾ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال  "عم الرجل صنو أبيه" أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.

وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء.

ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله  إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم.

وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته.

وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ إلهاً واحداً ﴾ بدل من ﴿ إله آبائك ﴾ مثل ﴿ بالناصية ناصية كاذبة  ﴾ أو نصب على الاختصاص والمدح ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل ﴿ نعبد ﴾ أو من مفعوله لرجوع الضمير في ﴿ له ﴾ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على ﴿ نعبد ﴾ أو جملة معترضة مؤكدة ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، ﴿ خلت ﴾ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل ﴿ لها ما كسبت ﴾ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل.

وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال  "يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله  ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟

وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله  ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد.

وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله  فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب.

وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير.

ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله  هو الخالق للكل بمعنى أنه  هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة.

وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب.

فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك.

التأويل: من قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿ وإذ ابتلى ﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات.

وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ وعداوة غير الخليل ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  ﴾ ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿ فلما أسلما وتله للجبين  ﴾ بخلاف ما قال نوح ﴿ إن ابني من أهلي  ﴾ فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به ﴿ وإذ جعلنا البيت  ﴾ بيت القلب كما جاء "أن الله  أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟

فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان.

وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ واتخذوا  ﴾ عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿ من مقام إبراهيم  ﴾ وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ في الميثاق ﴿ أن طهرا ﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿ للطائفين  ﴾ وهي واردات الأحوال ﴿ والعاكفين  ﴾ وهي الملكات والمقامات ﴿ والركع السجود  ﴾ وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل.

وجملة هذه الصفات العبودية ﴿ وإذ قال إبراهيم  ﴾ الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله  ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ منوراً بنور جواب ﴿ بلى ﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها.

فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي.

ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته.

وفي الآيات إشارة إلى أنه  إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدين.

وقيل: الملة السنة.

وقيل: الإسلام.

وكله واحد.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ .

بما يعمل من عمل السفه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض.

وقيل: جهل نفسه فيضعها في غير موضعها.

وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

بالنبوة والرسالة والعصمة.

ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

فى المنزلة والثواب.

ويحتمل: ﴿ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : لمن المرسلين.

ويحتمل: أَن يكو بشِّره في الدنيا؛ أَنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون - في ذلك - وعدٌ له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمداً  مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأَخر.

وفي ذلك أيضاً: وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأَخبر بما كان بشَّره.

ويجوز: تفاضُلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

قيل: أَخْلِصْ.

ويحتمل: أَن يكون أَمراً بابتداءِ إِسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد.

ثم يحتمل: أَن يكون وحياً أوحى إليه، أَن قل كذا، فقال به.

فإِن كان وحياً فهو على أَن يُسلم نفسه لله.

ويحتمل: أَن يكون إِسلام القلب - بتغاضي الخلقة بالإسلام - فإن كان على هذا؛ فهو على الإسلام دون توحيده.

ويحتمل: أَن يكون إٍسلام خِلقة؛ كقوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ  ﴾ ، بالخلْقة.

وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ ؛ فدعاهم، فأَجابوه في أَصلاب آبائهم إِجابة الخِلقة وقت كونهم.

وقيل: يحتمل: أَن يكون أَمر بابتداءِ الإسلام، كقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ...

 ﴾ إلى آخره.

ثم قال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً  ﴾ يكون جواب قوله: ﴿ أَسْلِمْ ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ ﴾ .

يعني بالملة.

والملةُ تحتمل ما ذكرنا.

وقوله ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .

وهو الإسلام؛ ردّاً على قول أولئك الكفرة: إِن إبراهيم كان على دينهم؛ لأَن اليهود زعمت أَنه كان على دينهم يهوديّاً.

وقالت النصارى: بل كان على النصرانية.

وعلى ذلك قالوا لغيرهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ .

فلما ادَّعى كلُّ واحد من الفريقين: أَنه كان على دينهم، أَكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، ورد عليهم في ذلك فقال: قل يا محمد: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .

أَخبر - عز وجل - أَن دينه كان دينَ الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله  : ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ  ﴾ أي ليس له.

وقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يقول أَكنتم شهداءَ إِذ حضر يعقوب الموت؟!

أَي: ما كنتم شهداءَ حين حضر يعقوب الموت.

قيل: ويحتمل: أَن اليهود قالوا للنبي  : أَلست تعلم أَن يعقوب يوم مات أوصى بَنِيه بدين اليهودية؟

فأَنزل الله  : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أَي: أَكنتم شهداءَ وصية يعقوب بنيه؟!

أَي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ذلك؟!

ثم أَخبر - عز وجل - عن وصية يعقوبَ بنيه فقال: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ .

يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ثم يدعون: أَن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ؛ لأَنه أخبر عن الأَخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، دل: أَنه بالله علم، وعنه أَخْبر.

وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .

كان - والله أعلم - لما ادعَوْا أَن إِبراهيم ومن ذكر من الأَنبياءِ كانوا على دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تُسْأَلون أَنتم عن دينهم وأَعمالهم، ولا هم يُسْأَلون عن دينكم وأَعمالكم، بل كلٌّ يُسْأَل عن دينه وما يعمل به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا أحد ينصرف عن دين إبراهيم  إلى غيره من الأديان إلا من ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، ورضي لها بالهوان.

ولقد اخترناه في الدنيا رسولًا وخليلًا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم، فنالوا أعلى الدرجات.

<div class="verse-tafsir" id="91.rzLmM"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في هذه الآيات متصل بما سبقه من ابتداء قوله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  ﴾ فقد ذكر أنه تعالى ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن وأنه جعله إمامًا للناس وجعل من ذريته أئمة وأنه عهد إليه ببناء بيته وتطهيره لعبادته ففعل، وكان يومئذٍ يدعو بما علم منه ما هي ملته، وإن هي إلا توحيد الله وإسلام القلب إليه والإخلاص له بالأعمال، وتعظيم البيت بتطهيره وإقامة المناسك فيه عن بصيرة بأسرارها تجعل المعنى المتصور كالمحسوس المبصر.

ثم قال بعد هذا ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي امتهنها واستخف بها.

كأنه تعالى يقول: هذه هي ملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه وتفخرون به، فكيف ترغبون عنها وتنتحلون لأنفسكم أولياء لا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا لا بالذات ولا بالوساطة.

قال ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  ﴾ بهذه الملة فجعلناه إمامًا للناس وجعلنا في ذريته الكتاب والنبوة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ لجوار الله بعمله بهذه الملة ودعوته إليها وإرشاده الناس بها.

فملة جعلت لإبراهيم هذه المكانة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وجنى على إدراك عقله، فاستحب العمى على الهدى، وإن خسر الآخرة والأولى.

ومن مباحث اللفظ في الآية قول الجلال في تفسير آية ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي جهل أنها مخلوقة لله.

ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم، والسياق لا يقتضيه، وسفه يستعمل لازمًا ومتعديًا ومعنى المعتدي استخف وامتهن وأخره "الجلال" وهو الراجح.

وفي الكشاف أن "نفسه" تمييز لفاعل "سفه" ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت.

وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله.

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ  ﴾ أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته، ونصب له من بيناته، فأجاب الدعوة و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ و"الجلال" قدر كلمة "اذكر" متعلقًا للظرف "إذا" كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به كقوله هنا ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ  ﴾ وقد نشأ إبراهيم  في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام، فأراه الله حجته، وأنار بصيرته فنفذت أشعتها من العالم الشمسي، وأدركت أن لجميع العالمين ربًا واحدًا منفردًا بالخلق والتدبير، وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه، وأفحمهم ببيانه، وقد قص الله تعالى خبره معهم في سورة الأنعام وسيأتي تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.

﴿ وَوَصَّى بِهَا  ﴾ أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرًا ﴿ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  ﴾ بنيه أيضًا إذ قال كل منهما لولده ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ  ﴾ أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركون ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير.

ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفًا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره.

وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريًا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة "الأولى" في خطاب العرب و"الثانية" في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف.

وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائها معًا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ .

ذكر ملة إبراهيم وحُكْم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه أيضًا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق.

وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة.

ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ  ﴾ عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائه لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا ﴿ آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ  ﴾ وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب كما في حديث "عم الرجل صنو أبيه".

والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقًا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافًا لجمهور الأصوليين ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا  ﴾ أي نعبده حال كونه إلهًا واحدًا، أو نخص بالعبادة إلهًا واحدًا لا نشرك معه أحدًا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف "له".

خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له.

وتكرار لفظ ﴿ الإِسْلامُ  ﴾ في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين، ذلك أن العرب كانت تدعي لها دينًا خاصًا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم، على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينًا خاصًا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء، وبهذا كان يوصي أولئك النبيون أبناءهم وأممهم.

فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرؤوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.

وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققًا بهذا المعنى فليس بمسلم، أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله.

وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى.

ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعًا مستسلمًا لدين الله مخلصًا له أعماله، بل يطلقونه أيضًا على من ابتدع فيه ما ليس منه أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه.

ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي  ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها.

وبهذا يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن ﴿ أَمْ  ﴾ تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيًا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الإشعار بالانتقال، ففيها معنى الإضراب.

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ .جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكًا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم.

فبين الله في هذه الآيات أن سنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله.

وقد بيّن في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى  ﴾ إلخ، وبيّن في آيات متعددة، في سور متفرقة أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيًا وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكًا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب، ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر "بالمحسوبية" ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم: "المحسوب كالمنسوب" وما أحسن قول الإمام الغزالي: "إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب، فالعاصي ينجو بصلاح والده "والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدًا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد