الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( تلك أمة قد خلت ) أي : مضت ( لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) أي : إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرا يعود نفعه عليكم ، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم : ( ولا تسألون عما كانوا يعملون ) وقال أبو العالية ، والربيع ، وقتادة : ( تلك أمة قد خلت ) يعني : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط [ ولهذا جاء ، في الأثر : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ } إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَوَلَدهمْ .
يَقُول لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : يَا مَعْشَر الْيَهُود وَالنَّصَارَى دَعَوْا ذِكْر إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوْلَادهمْ بِغَيْرِ مَا هُمْ أَهْله وَلَا تَنْحَلُوهُمْ كُفْر الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة فَتُضِيفُوهَا إلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ أُمَّة - وَيَعْنِي بِالْأُمَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع الْجَمَاعَة , وَالْقَرْن مِنْ النَّاس - قَدْ خَلَتْ : مَضَتْ لِسَبِيلِهَا .
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلَّذِي قَدْ مَاتَ فَذَهَبَ : قَدْ خَلَا , لِتَخَلِّيهِ مِنْ الدُّنْيَا , وَانْفِرَاده بِمَا كَانَ مِنْ الْأُنْس بِأَهْلِهِ وَقُرَنَائِهِ فِي دُنْيَاهُ , وَأَصْله مِنْ قَوْلهمْ : خَلَا الرَّجُل , إذَا صَارَ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا أَنِيس لَهُ فِيهِ وَانْفَرَدَ مِنْ النَّاس , فَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَمُوت عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : إنَّ لِمَنْ نَحَلْتُمُوهُ بِضَلَالِكُمْ وَكُفْركُمْ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي مَا كَسَبَتْ .
وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { لَهَا } عَائِدَة إنْ شِئْت عَلَى " تِلْكَ " , وَإِنْ شِئْت عَلَى " الْأُمَّة " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { لَهَا مَا كَسَبَتْ } أَيْ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر , وَلَكُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِثْل ذَلِكَ مَا عَمِلْتُمْ .
وَلَا تُؤَاخَذُونَ أَنْتُمْ أَيّهَا النَّاحِلُونَ مَا نَحَلْتُمُوهُمْ مِنْ الْمِلَل , فَسَأَلُوا عَمَّا كَانَ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَوَلَدهمْ يَعْمَلُونَ فَيَكْسِبُونَ مِنْ خَيْر وَشَرّ ; لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْس مَا كَسَبَتْ , وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ .
فَدَعَوْا انْتِحَالهمْ وَانْتِحَال مِلَلهمْ , فَإِنَّ الدَّعَاوَى غَيْر مُغْنِيَتكُمْ عِنْد اللَّه , وَإِنَّمَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْده مَا سَلَف لَكُمْ مِنْ صَالِح أَعْمَالكُمْ إنْ كُنْتُمْ عَمِلْتُمُوهَا وَقَدَّمْتُمُوهَا .
قوله تعالى : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون قوله تعالى : تلك أمة قد خلت تلك مبتدأ ، وأمة خبر ، قد خلت نعت لأمة ، وإن شئت كانت خبر المبتدأ ، وتكون أمة بدلا من تلك .
لها ما كسبت ما في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة على قول الكوفيين .
ولكم ما كسبتم مثله ، يريد من خير وشر .
وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب ، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك ، إن [ ص: 131 ] كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله ، وهذا مذهب أهل السنة ، والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة .
فالعبد مكتسب لأفعاله ، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل ، يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا ، وذلك التمكن هو مناط التكليف .
وقال الجبرية بنفي اكتساب العبد ، وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح .
وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين ، وإن العبد يخلق أفعاله .قوله تعالى : ولا تسألون عما كانوا يعملون أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، مثل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى ، وسيأتي .
ثم قال تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } أي: مضت { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ } أي: كُلٌّ له عمله, وكل سُيجَازى بما فعله, لا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانه وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم, أنكم على ملتهم, والرضا بمجرد القول, أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم, أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها, هل تصلح للنجاة أم لا؟
{تلك أمة } جماعة.
{قد خلت} مضت {لها ما كسبت} من العمل.
{ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} يعني: يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره.
«تلك» مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبينهما وأُنِّث لتأنيث خبره «أمة قد خلت» سلفت «لها ما كسبت» من العمل أي جزاؤه استئناف «ولكم» الخطاب لليهود «ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعلمون» كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها.
تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم، ولكم أعمَالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم، وكلٌّ سيجازى بما فعله، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفعُ أحدًا إلا إيمانُه وتقواه.
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب من ترك طاعته اتكالا على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين فقال تعالى : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .الإِشارة ب ( تِلْكَ ) إلى إبراهيم وبنيه ، أي أن إبراهيم وذريته ، أمة قد مضت وانقرضت ، لها جزاء ما كسبت من خير أو شر ، ولا تسألون يوم القيامة عن أعمالهم في الدنيا فلا يقال لكم على وجه المحاسبة لم عملوا كذا وإنما ستسألون عن أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها ، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي هو دعوة إبراهيم - عليه السلام - وعلى دينه وملته .فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة في خلقه وهي أن لكل نفس وحدها ثواب ما كسبت من خير وعليها وحدها يقع عقاب ما اكتسبت من شر .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت بوضوح لبني إسرائيل وغيرهم أن ملة إبراهيم الإِسلام وأنه هو ويعقوب - عليهما السلام - قد أوصيا أبناءهما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى الموت ، وأن أبناء يعقوب قد عاهدوه عند موته أن يستمروا على ملته وملة إبراهيم عليهما السلام .وهذا الذي بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإِيمان بالله - تعالى - وتصديق رسوله واتباع تعاليم الإِسلام .وفي القرآن الكريم آيات أخرى صرحت بأن الإِسلام اسم للدين الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وانتسب إليه أتباعهم فنوح قال لقومه : ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ) وموسى قال لقومه : ( ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) والحواريون قالوا لعيسى - عليه السلام - ( آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) بل إن فريققا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا : ( آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) وإلى هنا تكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التي أرشدت إلى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يطابق ما جاء به الأنبياء السابقون ، فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوا ، لأن كفرهم به كفر بجميع الرسل السابقين .وقبل أن نختم هذا الموضوع ننبه إلى مسألة مهمة .
وهي أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يطابق - كما قلنا - ما جاء به الأنبياء قبله في أصول الدين وكلياته كتوحيد الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة ، وتصديق الأنبياء السابقين فيما أتوا به عن الله - تعالى - والإيمان بالبعث وما يكون فيه من نعيم وعذاب والحض على مكارم الأخلاق ، أما ما عدا ذلك مما يتعلق بتفاصيل العبادات وأحكام المعاملات فإن الشرائع تختلف فيه بوجه عام حسب ما يتناسب وحالة الأمة التي بعث الله لها رسولا من كما قال تعالى ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) ومن هنا جاءت الشريعة الإِسلامية بما لم يكن موجوداً في الشرائع السابقة ، ومن مظاهر ذلك أن القرآن الكريم أعلن للناس ، أن محمداً صلى الله عليه وسلم من مميزات شريعته أنها أحلت للناس كل الطيبات وحرمت عليهم كل الخبائث ووضعت عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وشرعت لهم أموراً تتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف .ويعجبني في هذا المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز : ( يجب أن يفهم - أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة - ليس نفضاً لها ، وإنما وقوفاً بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر .مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور الأول من حياته ، فقصر غذاءه على اللبن ، وجاء الثاني من مرحلته التالية فقرر له طعاماً ليناً ، وطعاما نشوياً خفيفاً ، وجاء الثالث في المرحلة التي بعدها فأمر له بغذاء قوي كامل .لا ريب أن ها هنا اعترافاً ضمنياً من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقاً كل التوفيق في علاج الحالة التي عرضت عليه ، نعم إن هناك قواعد صحية عامة في النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها ، لا تختلف باختلاف الأسنان فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل ، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين .هكذا الشرائع السماوية ، كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها ، وكلها يصدق بعضها بعضاً من ألفها إلى يائها ، ولكن هذا التصديق على ضربين .تصديق للقديم مع الإِذن ببقائه واستمراره ، وتصديق له مع إبقائه في حدود ظروفه الماضية ، ذلك أن التشريعات السماوية تحتوي على نوعين من التشريعات .( تشريعات خالدة ) لا تتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع ( كالوصايا التسع ونحوها ) .و ( تشريعات موقوتة ) بآجال طويلة أو قصيرة ، فهذه تنتهي بانتهاء وفنها .
وتجيء الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة .فشريعة التوراة - مثلا - عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك ( لا تقبل ) .
( لا تسرق ) فطابعها البارزتحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة .وشريعة الإِنجيل تجيء بعدها فتقرر هذه الأمور ، ثم تترقى فتزيد آداباً مكملة ( أحسن إلى من أساء إليك ) .وأخيراً تجئ شريعة القرآن فتراها تقرر كلا المبدأين في نسق واحد ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ، ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع .
وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أن أكملت البنيان وملأت ما بقي فيه من فراغ وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء .وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صور الرسالات السماوية في جملتها أحسن تصوير فقال : " مثلى ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتاً فأحسن وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة .
فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " .وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة إنما هي في الأصول والكليات ، لا في الفروع والجزئيات .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن ﴿ أم ﴾ معناها حرف الاستفهام، أو حرف العطف، وهي تشبه من حروف العطف أو وهي تأتي على وجهين: متصلة بما قبلها ومنقطعة منه، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟
فأنت لا تعلم كون أحدهماعنده فتسأل هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم، أما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت: أزيد عندك أم عمرو؟
أي اعلم أن أحدهما عندك لكن أهو هذا أو ذاك؟
وأما المنقطعة فقالوا: إنها بمعنى بل مع همزة الاستفهام، مثاله: إذا قال إنها لا بل أم شاء، فكأن قائل هذا الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الإبل، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم لا، فالإضراب عن الأول هو معنى بل والاستفهام عن أنها شاء هو المراد بهمزة الاستفهام، فقولك: إنها لا بل أم شاء جار مجرى قولك: إنها لا بل أهي شاء فقولك: أهي شاء كلام مستأنف غير متصل بقوله: إنها لا بل، وكيف وذلك قد وقع الإضراب عنه بخلاف المتصلة فإن قولك: أزيد عندك أم عمرو؟
بمعنى أيهما عندك ولم يكن ما بعد أم منقطعاً عما قبله بدليل أن عمراً قرين زيد وكفى دليلاً على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول: أيهما عندك؟
وقد جاء في كتاب الله تعالى من النوعين كثير، أما المتصلة فقوله تعالى: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا ﴾ أي أيكما أشد، وأما المنقطعة فقوله تعالى: ﴿ الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ والله أعلم بل يقولون افتراه، فدل على الإضراب عن الأول والاستفهام عما بعده، إذ ليس في الكلام معنى، أي كما كان في قولك: أزيد عندك أم عمرو؟
ومن لا يحقق من المفسرين يقولون إن أم هاهنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن أم هذه المنقطعة: تتضمن معنى بل، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول أم في هذه الآية منفصلة أم متصلة؟
فيه قولان الأول: أنها منقطعة عما قبلها، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي: بل ما كنتم شهداء، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت، والخطاب مع أهل الكتاب، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل: كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده.
فإن قيل: الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاًما باطلاً بل حقاً، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه؟
قلنا: الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى.
فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى ﴾ فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية.
القول الثاني: في أن ﴿ أم ﴾ في هذه الآية متصلة، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء.
أما قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال القفال قوله: ﴿ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ ﴾ أن ﴿ إذ ﴾ الأولى وقت الشهداء، والثانية وقت الحضور.
المسألة الثانية: الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره.
أما قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لفظة ﴿ ما ﴾ لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق؟
وجوابه من وجهين: الأول: أن ﴿ ما ﴾ عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون.
والثاني: قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان؟
المسألة الثانية؛ قوله: ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ أما قوله: ﴿ قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل.
الأول: المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف.
الثاني: التعليمية.
قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم.
والجواب: كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلاً على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال: فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال.
والجواب عنه من وجوه، أولها: أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله.
وثانيها: أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له.
وثالثها: لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُم ﴾ وهاهنا مرادهم بقولهم: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ ﴾ أي: نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد.
المسألة الثانية: قال القفال: وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسك بعبادة الله تعالى.
وحكى القاضي عن ابن عباس: أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تعبدون من بعدي؟
قالوا: نعبد إهلك وإله آبائك ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين: الأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين.
الثاني: أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوماً صالحين وذلك لا يليق بحالهم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴾ عطف بيان لآبائك.
قال القفال: وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه: الأخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وزيد رضي الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: إنهم يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء، أما الأولون وهم الذين يقولون: إنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان.
أحدهما: أن الجد خير الأمرين: إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه.
والثاني: أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد، وإنما قلنا: إن الجد أب للآية والأثر.
أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴾ فأطلق لفظ الأب على الجد.
فإن قيل: فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب.
قلنا: الاستعمال دليل الحقيقة ظاهراً ترك العمل به في حق العم لدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبراً عن يوسف عليه السلام: ﴿ واتبعت مِلَّةَ ءابَاءِىَ إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ ﴾ .
وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، إن الجد أب، وقال أيضاً: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمّهِ الثلث ﴾ في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقياً، قال الشافعي رضي الله عنه: لا نسلم أن الجد أب، والدليل عليه وجوه: أحدها: أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى: ﴿ ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾ فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم، فلو كان الصاعد في الأبوة أباً لكان النازل في البنوة ابناً في الحقيقة، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب.
وثانيها: لو كان الجد أباً على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أباً، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة.
فإن قيل: اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي.
قلنا: لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعاً لم يكن الترتيب في الوجود سبباً لنفي اسم الأب عنه.
وثالثها: لو كان الجد أباً على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أماً وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير.
ورابعها: لو كان الجد أباً ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد، ولو كان الجد أباً لكانت الجدة أماً، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب.
وخامسها: قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ فلو كان الجد أباً لكان ابن الابن ابناً لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه: أولها: أنه قرأ أبي: ﴿ وإله إِبْرَاهِيمَ ﴾ بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة، بل الجواب أن يقال: إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس: هذا بقية آبائي وقال: ردوا على أبي فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل المجاز، والدليل عليه ما قدمناه أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد، ولو كان حقيقة لما كان كذلك، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظراً إلى الحكم الشرعي لا إلى الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ إلها واحدا ﴾ فهو بدل ﴿ إِلَهٍ آبَائِكَ ﴾ كقوله: ﴿ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ أو على الاختصاص، أي تريد بإله آبائك إلهاً واحداً، أما قوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في ﴿ له ﴾ .
وثانيها: يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد.
وثالثها: أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون.
أما قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون.
و ﴿ الأمة ﴾ الصنف.
﴿ خلت ﴾ سلفت ومضت وانقرضت، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم، والآية دالة على مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق.
المسألة الثانية: الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتحذيرهم من مخالفته.
المسألة الثالثة: الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال: «يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بنت محمد، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً».
وقال: «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» وقال الله تعالى: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ وقال: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ ﴾ .
المسألة الرابعة الآية تدل على بطلان قول من يقول الأبناء يعذبون بكفر آبائهم وكان اليهود يقولون إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك.
المسألة الخامسة الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسباً دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات أحدها وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب.
وثانيها أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة وهو قول أبي بكر الباقلاني.
وثالثها أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين.
أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة فهم فريقان الأول الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به.
الفريق الثاني من المعتزلة وهم الذين يقولون القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا الفعل والكسب قالت المعتزلة للأشعري إذا كان مقدور العبد واقعاً بخلق الله تعالى فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل وإذا لم يخلقه فيه استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكناً من الفعل والترك ولا معنى للقادر إلا ذلك فالعبد ألبتة غير قادر وأيضاً فهذا الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله أو لم يقع ألبتة بقدرة الله أو وقع بالقدرتين معاً فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثراً فكيف يكون مكتسباً له وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب وإن وقع بالقدرتين معاً فهذا محال لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع فعند تعلق قدرة الله تعالى به فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر وأما قول الباقلاني فضعيف لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة قال أهل السنة كون العبد مستقلاً بالإيجاد والخلق محال لوجوه أولها أن العبد لو كان موجداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وهو غير عالم بتلك التفاصيل فهو غير موجد لها.
وثانيها لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل.
وثانيها لو كان العبد موجداً لفعل نفسه لكان كونه موجداً لذلك الفعل زائداً على ذات ذلك الفعل وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجداً له والمعقول غير المغفول عنه ثم تلك الموجدية حادثة فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ولزم التسلسل وهو محال وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم فكانت موجديته قديمة فلا يلزم افتقار تلك الموجودية إلى موجودية أخرى.
هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقن في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون.
والمعنى: أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم.
وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم.
ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» ، ﴿ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ولا تؤاخذون بسيآتهم كما لا تنفعكم حسناتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِما، والأُمَّةُ في الأصْلِ المَقْصُودُ وسَمِّيَ بِها الجَماعَةُ، لِأنَّ الفِرَقَ تَؤُمُّها.
﴿ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ﴾ لِكُلٍّ أجْرُ عَمَلِهِ، والمَعْنى أنَّ انْتِسابَكم إلَيْهِمْ لا يُوجِبُ انْتِفاعَكم بِأعْمالِهِمْ، وإنَّما تَنْتَفِعُونَ بِمُوافَقَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَأْتِينِي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكم» ﴿ وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{تِلْكَ} إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون {أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لا فتخار هم بآبائهم {ولا تسألون عما كانوا يعملون} ولا تؤاخذون بسيآتهم
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ الإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأوْلادِهِ، والأُمَّةُ أتَتْ بِمَعانٍ، والمُرادُ بِها هُنا الجَماعَةُ مِن أمَّ بِمَعْنى قَصَدَ، وسُمِّيَتْ كُلُّ جَماعَةٍ يَجْمَعُهم أمْرٌ ما إمّا دِينٌ واحِدٌ أوْ زَمانٌ واحِدٌ أوْ مَكانٌ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَقْصِدُهُ، والخُلُوُّ المُضِيُّ وأصْلُهُ الِانْفِرادُ.
﴿ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ، أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (خَلَتْ) لِأنَّها بِمَعْنى لا تُشارِكُونَهُمْ، وهي كَغَيْرِ الوافِيَةِ، وهَذِهِ وافِيَةٌ بِتَمامِ المُرادِ أوِ الأُولى صِفَةٌ أُخْرى (لِأُمَّةٌ)، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خَلَتْ) والثّانِيَةُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، إذْ لا رابِطَ فِيها، ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ لِكُلٍّ أجْرُ عَمَلِهِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمَعْنى أنَّ انْتِسابَكم إلَيْهِمْ لا يُوجِبُ انْتِفاعَكم بِأعْمالِهِمْ، وإنَّما تَنْتَفِعُونَ بِمُوافَقَتِهِمْ، واتِّباعِهِمْ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ أوْلى أُناسٍ بِالنَّبِيِّ المُتَّقُونَ، فَكُونُوا بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ، فانْظُرُوا أنْ لا يَلْقانِي النّاسُ يَحْمِلُونَ الأعْمالَ وتَلْقَوْنِي بِالدُّنْيا فَأصُدُّ عَنْكم بِوَجْهِي)،» ولَكَ أنْ تَحْمِلَ الجُمْلَةَ الأُولى عَلى مَعْنى: لَها ما كَسَبَتْهُ، لا يَتَخَطّاها إلى غَيْرِها، والثّانِيَةَ عَلى مَعْنى: ولَكم ما كَسَبْتُمُوهُ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُهُمْ، فَيَخْتَلِفُ القَصْرانِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ.
﴿ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبَّبُهُ أعْنِي الجَزاءَ فَهو تَذْيِيلٌ لِتَتْمِيمِ ما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ، وقَطْعُ أطْماعِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ مَن مَضى مِنهُمْ، وإنَّما أطْلَقَ العَمَلَ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ عَلى مَعْنى: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ، كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ، كَيْفَ لا، وهم مُنَزَّهُونَ عَنْ كَسْبِ السَّيِّئاتِ، فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ، حَتّى يَتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفائِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ سَوْقَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ كُلِّيٍّ بُرْهانِيٍّ لا يُتَوَهَّمُ ما ذُكِرَ.
هَذا ومِنَ الغَرِيبِ حَمْلُ الإشارَةِ عَلى كُلٍّ مِن إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، وأنَّ المَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِنهم أُمَّةٌ، أيْ بِمَنزِلَتِها في الشَّرَفِ والبَهاءِ، ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ مَضَتْ، ولَسْتُمْ مَأْمُورِينَ بِمُتابَعَتِهِمْ ﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ وهو ما أمَرَها اللَّهُ تَعالى بِهِ، ﴿ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ﴾ مِمّا يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَنْفَعُكم مُكْتَسَبُهم لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْبُولًا مِنكُمْ، لِأنَّهُ لَيْسَ في حَقِّكُمْ، إنَّما يَنْفَعُكم ما يَجِبُ عَلَيْكم كَسْبُهُ، ﴿ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَلْ عَمِلْتُمْ بِهِ؟
وإنَّما تُسْألُونَ عَمّا كانَ يَعْمَلُ نَبِيُّكُمُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِمُتابَعَتِهِ، فَإنَّ أعْمالَهُ ما هو كَسْبُكُمُ المَسْؤُولُ عَنْهُ، فَدَعُوا أنَّ هَذا ما أمَرَ بِهِ إبْراهِيمُ أوْ غَيْرُهُ وتَمَسَّكُوا بِما أمَرَ بِهِ نَبِيُّكُمْ، واعْتَبِرُوا إضافَةَ العَمَلِ إلَيْهِ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كَلامَ هَذا المُفَسِّرِ لَأمْكَنَ حَمْلُها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي لا فَرْعَ ولا أصْلَ لَهُ، لَكِنَّها كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ الحَمْلِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآياتِ السّابِقَةِ إلى هُنا، ﴿ وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ أيْ بِمَراتِبِ الرُّوحانِيّاتِ كالقَلْبِ، والسِّرِّ، والرُّوحِ، والخَفاءِ، والوَحْدَةِ، والأحْوالِ، والمَقاماتِ الَّتِي يَعْبُرُ بِها عَلى تِلْكَ المَراتِبِ كالتَّسْلِيمِ، والتَّوَكُّلِ، والرِّضا، وعُلُومِها، ﴿ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ بِالسُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي اللَّهِ تَعالى، حَتّى الفَناءِ فِيهِ، ﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ تَؤُمُّهم وتَهْدِيهِمْ سُلُوكَ سَبِيلِي، ويَقْتَدُونَ بِكَ فَيَهْتَدُونَ، ﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ فَلا يَكُونُونَ خُلَفائِي مَعَ ظُلْمِهِمْ، وظُلْمَتِهِمْ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ ومُجاوَزَةِ الحُدُودِ، ﴿ وإذْ جَعَلْنا ﴾ بَيْتَ القَلْبِ مَرْجِعًا لِلنّاسِ، ومَحَلَّ أمْنٍ وسَلامَةٍ لَهم إذا وصَلُوا إلَيْهِ، وسَكَنُوا فِيهِ، مِن شَرِّ غَوائِلِ صِفاتِ النَّفْسِ، وفَتْكِ قِتالِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ، وإفْسادِها، وتَخْيِيلِ شَياطِينِ الوَهْمِ والخَيالِ، وإغْوائِهِمْ، ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ ﴾ الَّذِي هو مَقامُ الرُّوحِ والخُلَّةِ مَوْطِنًا لِلصَّلاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هي المُشاهَدَةُ والخُلَّةُ الذَّوْقِيَّةُ، ﴿ وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ أمَرْناهُما بِتَطْهِيرِ بَيْتِ القَلْبِ مِن قاذُوراتِ أحادِيثِ النَّفْسِ، ونَجاساتِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، وأرْجاسِ دَواعِي الهَوى، وأدْناسِ صِفاتِ القُوى لِلسّالِكِينَ المُشْتاقِينَ الَّذِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ القَلْبِ في سَيْرِهِمْ، والواصِلِينَ إلى مَقامِهِ بِالتَّوَكُّلِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ الأفْعالِ والخاضِعِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا إلى مَقامِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ الرِّضا الغائِبِينَ في الوَحْدَةِ الفانِينَ فِيها، ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا ﴾ الصَّدْرَ الَّذِي هو حَرِيمُ القَلْبِ ﴿ بَلَدًا آمِنًا ﴾ مِنَ اسْتِيلاءِ صِفاتِ النَّفْسِ، واغْتِيالِ العَدُوِّ اللَّعِينِ وتَخَطُّفِ جِنِّ القُوى البَدَنِيَّةِ ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ ﴾ ثَمَراتِ مَعارِفِ الرُّوحِ مَن وحَّدَ اللَّهَ تَعالى مِنهم وعَلِمَ المَعادَ إلَيْهِ، قالَ ومَنِ احْتَجَبَ أيْضًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الصَّدْرَ ولا يُجاوِزُونَ حَدَّهُ بِالتَّرَقِّي إلى مَقامِ العَيْنِ لِاحْتِجاجِهِمْ بِالعِلْمِ الَّذِي وِعاؤُهُ الصَّدْرُ ﴿ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ مِنَ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، والمَعْلُوماتِ الكُلِّيَّةِ النّازِلَةِ إلَيْهِمْ مِن عالَمِ الرُّوحِ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ، ﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ ﴾ نارِ الحِرْمانِ والحِجابِ، ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ مَصِيرُهم لِتَعْذِيبِهِمْ بِنُقْصانِهِمْ، وعَدَمِ تَكْمِيلِ نَشْأتِهِمْ، ﴿ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ ﴾ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلُ، وإسْماعِيلُ كَذَلِكَ قائِلِينَ ﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ مُجاهَداتِنا ومَساعِيَنا في السُّلُوكِ إلَيْكَ بِإمْدادِ التَّوْفِيقِ ﴿ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ ﴾ لِهَواجِسِ خَواطِرِنا فِيكَ، ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِنِيّاتِنا وأسْرارِنا، ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ لا تَكِلْنا إلى أنْفُسِنا، ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِنا ﴾ المُنْتَمِينَ إلَيْنا ﴿ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا ﴾ طُرُقَ الوُصُولِ إلى نَفْيِ ما سِواكَ، ﴿ وتُبْ عَلَيْنا ﴾ لِنَفْنى فِيكَ عَنْ أنْفُسِنا وفَنائِنا، ﴿ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ ﴾ المُوَفِّقُ لِلرُّجُوعِ إلَيْكَ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِمَن عَوَّلَ دُونَ السِّوى عَلَيْكَ، ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ وهو الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ، ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ﴾ الدّالَّةَ عَلَيْكَ، ﴿ ويُعَلِّمُهُمُ ﴾ كِتابَ العَقْلِ الجامِعِ لِصِفاتِكَ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ غَيْرِكَ، ﴿ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ ويُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ فَأنّى يَظْهَرُ سِواكَ، المُحْكِمُ لِما ظَهَرْتَ فِيهِ، فَلا يُرى إلّا إيّاكَ، ﴿ ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ وهي التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ إلّا مَنِ احْتَجَبَ عَنْ نُورِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ، وبَقِيَ في ظُلْمَةِ نَفْسِهِ، ﴿ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ ﴾ فَكانَ مِنَ المَحْبُوبِينَ المُرادِينَ بِالسّابِقَةِ الأزَلِيَّةِ في عالَمِ المُلْكِ، وأنَّهُ في عالَمِ المَلَكُوتِ مِن أهْلِ الِاسْتِقامَةِ الصّالِحُ لِتَدْبِيرِ النِّظامِ، وتَكْمِيلِ النَّوْعِ، ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ ﴾ أيْ وحِّدْ، وأسْلِمْ لِلَّهِ تَعالى ذاتَكَ ﴿ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ وفَنِيتُ فِيهِ، ووَصّى بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إبْراهِيمُ بَنِيهِ السّالِكِينَ عَلى يَدِهِ، وكَذَلِكَ يَعْقُوبُ ﴿ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ ﴾ دِينَهُ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ، ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ ﴾ بِالمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ ومَوْتِ الجَهْلِ بَلْ كُونُوا مَيِّتِينَ بِأنْفُسِكم أحْياءَ بِاللَّهِ أبَدًا، فَيُدْرِكُكم مَوْتُ البَدَنِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ فَلا تَكُونُوا مُقَيَّدِينَ بِالتَّقْلِيدِ البَحْتِ لَهُمْ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ إلّا ما كَسَبَ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، والِاعْتِقادِ والسِّيرَةِ، فَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ في أمْرِكُمْ، واطْلُبُوا ما طَلَبُوا لِتَنالُوا ما نالُوا، ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا ﴾ ومَن دَقَّ بابَ الكَرِيمِ ولَجَّ ولَجَ.
<div class="verse-tafsir"
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ أي جماعة قد مضت.
لَها مَا كَسَبَتْ، أي جزاء ما عملت من خير أو شر.
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، فقال لهم: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء.
<div class="verse-tafsir"
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)
وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ...
الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى، وقولهم: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١] ، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ.
قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: هذا الخطاب لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا: يعني القرآن، والْأَسْباطِ هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ:
ذان، وتفثالا، وجاد، واشر.
والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سبط.
ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي: لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما تفعلون، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم، فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارى، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير.
وهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.
والسَّمِيعُ لقول كل قائل، والْعَلِيمُ بما ينفذه في عباده، وصِبْغَةَ اللَّهِ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ، : ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ يَوْمَ ماتَ بِاليَهُودِيَّةِ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ: مَضَتْ، يُشِيرُ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ، ويَعْقُوبُ وبَنِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ انْتَحَلُوا الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ونَسَبُوهم إلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَذَّبَهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهم كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ والإسْلامِ، وقالَ لَهم -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ-: أشْهَدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوصى فَتَدَّعُونَ عن عِلْمٍ؟
أيْ: لَمْ تَشْهَدُوا، بَلْ أنْتُمْ تَفْتَرُونَ.
و"أمْ" تَكُونُ بِمَعْنى ألِفٍ الِاسْتِفْهامِ في صَدْرِ الكَلامِ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها في وسَطِ كَلامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وهَذا مِنهُ، ومِنهُ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ وقالَ قَوْمٌ: "أمْ" بِمَعْنى بَلْ والتَقْدِيرُ: بَلْ شَهِدَ أسْلافُكم يَعْقُوبَ، وعَلِمْتُمْ مِنهم ما أوصى بِهِ ولَكِنَّكم كَفَرْتُمْ جَحْدًا، ونَسَبْتُمُوهم إلى غَيْرِ الحَنِيفِيَّةِ عِنادًا.
والأظْهَرُ أنَّها الَّتِي بِمَعْنى بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَعًا.
و"شُهَداءَ": جَمْعُ شاهِدٍ أيْ حاضِرٍ.
ومَعْنى الآيَةِ: حَضَرَ يَعْقُوبُ مُقَدِّماتِ المَوْتِ، وإلّا فَلَوْ حَضَرَ المَوْتُ لَما أمْكَنَ أنْ يَقُولَ شَيْئًا.
وقَدَّمَ "يَعْقُوبَ" عَلى جِهَةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ، والعامِلُ في "إذْ" "شُهَداءَ".
و"إذْ قالَ" بَدَلٌ مِن "إذِ" الأُولى، وعَبَّرَ عَنِ المَعْبُودِ بِـ "ما" تَجْرِبَةً لَهُمْ، ولَمْ يَقُلْ: "مِن" لِئَلّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِداءَ، وإنَّما أرادَ أنْ يَخْتَبِرَهُمْ، وأيْضًا فالمَعْبُوداتُ المُتَعارَفَةُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى جَماداتٌ كالأوثانِ والنارِ والشَمْسِ والحِجارَةِ، فاسْتَفْهَمَهم عَمّا يَعْبُدُونَ مِن هَذِهِ، و"مِن بَعْدِي" أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وحُكِيَ أنَّ يَعْقُوبَ حِينَ خُيِّرَ كَما يُخَيَّرُ الأنْبِياءُ اخْتارَ المَوْتَ وقالَ: أمْهِلُونِي حَتّى أُوصِيَ بَنِيَّ وأهْلِي، فَجَمَعَهم وقالَ لَهم هَذا فاهْتَدَوْا، و ﴿ قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ ﴾ الآيَةُ، فَأرَوْهُ ثُبُوتَهم عَلى الدِينِ ومَعْرِفَتَهم بِاللهِ تَعالى.
ودَخَلَ إسْماعِيلُ في الآباءِ لِأنَّهُ عَمَّ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ في العَبّاسِ: "رُدُّوا عَلِيَّ أُبَيَّ، إنِّي أخافَ أنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ ما فَعَلَتْ ثَقِيفُ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ عنهُ في مَوْطِنٍ آخَرَ: هَذا بَقِيَّةُ آبائِي» ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ»، عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ في أنَّ إسْحاقَ هو الذَبِيحُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "وَإلَهُ أبِيكَ" واخْتَلَفَ بَعْدُ فَقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ أرادُوا بِهِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ سَلامَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ: أبٌ وأبَوْنَ وأبَيْنَ، قالَ الشاعِرُ: فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبْيَنا وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُقالُ: قَدِمَ إسْماعِيلُ لِأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ، و"إلَهُ" بَدَلٌ مِن "إلَهَكَ"، وكَرَّرَهُ لِفائِدَةِ الصِفَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ.
وقِيلَ: "إلهًا" حالٌ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ، ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، أيْ كَذَلِكَ كُنّا نَحْنُ ونَكُونُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "نَعْبُدُ"، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أمْدَحُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ ، في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِأُمَّةٍ، ومَعْناهُ: ماتَتْ وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ، ويَعْنِي بِالأُمَّةِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ، والمُخاطَبُ في هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ والنَصارى، أيْ أنْتُمْ أيُّها الناحِلُوهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ، ذَلِكَ لا يَنْفَعُكُمْ، لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَخَيْرُهم لا يَنْفَعُكم إنْ كَسَبْتُمْ شَرًّا.
وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ القائِلِينَ: لا اكْتِسابَ لِلْعَبْدِ، ﴿ وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فَتَنْحَلُوهم دِينًا.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ كُونُوا هُودًا أو نَصارى تَهْتَدُوا ﴾ ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى ﴾ .
ونُصِبَ "مِلَّةَ" بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ، وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الإغْراءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ مِلَّةُ" بِالرَفْعِ، والتَقْدِيرُ: بَلِ الهُدى مِلَّةٌ، و"حَنِيفًا" حالٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لِأنَّ الحالَ تَعَلَّقَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
والحَنَفُ: المَيْلُ، ومِنهُ الأحْنَفُ لِمَن مالَتْ إحْدى قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى.
والحَنِيفُ في الدِينِ: الَّذِي مالَ عَنِ الأدْيانِ المَكْرُوهَةِ إلى الحَقِّ، وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وسُمِّيَ المُعْوَجُّ القَدَمَيْنِ أحْنَفُ تَفاؤُلًا كَما قِيلَ: سَلِيمٌ ومَفازَةٌ.
ويَجِيءُ الحَنِيفُ في الدِينِ المُسْتَقِيمِ عَلى جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ قَوْمٌ: الحَنِيفُ الحاجُّ، وقالَ آخَرُونَ: المُخْتَتِنُ، وهَذِهِ أجْزاءُ الحَنَفِ.
ونَفى عنهُ الإشْراكَ فانْتَفَتْ عِبادَةُ الأوثانِ واليَهُودِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، والنَصْرانِيَّةُ لِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ.
<div class="verse-tafsir"
عقبت الآيات المتقدمة من قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ [البقرة: 124] بهذه الآية لأن تلك الآيات تضمنت الثناء على إبراهيم وبنيه والتنويه بشأنهم والتعريض بمن لم يقتف آثارهم من ذريتهم وكأن ذلك قد ينتحل منه المغرورون عذراً لأنفسهم فيقولون نحن وإن قصرنا فإن لنا من فضل آبائنا مسلكاً لنجاتنا، فذكرت هذه الآية لإفادة أن الجزاء بالأعمال لا بالاتكال.
والإشارة بتلك عائدة إلى إبراهيم وبنيه باعتبار أنهم جماعة وباعتبار الإخبار عنهم باسم مؤنث لفظه وهو أمة.
والأمة تقدم بيانها آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ [البقرة: 128].
وقوله: ﴿ قد خلت ﴾ صفة لأمة ومعنى خلت مضت، وأصل الخلاء الفراغ فأصل معنى خلت خلا منها المكان فأسند الخلو إلى أصحاب المكان على طريقة المجاز العقلي لنكتة المبالغة، والخبر هنا كناية عن عدم انتفاع غيرهم بأعمالهم الصالحة وإلا فإن كونها خلت مما لا يحتاج إلى الإخبار به، ولذا فقوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ الآية بدل من جملة ﴿ قد خلت ﴾ بدل مفصل من مجمل.
والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ تمهيد لقوله: ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه.
ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب.
وتقديم المسندين على المسند إليهما في ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ لقصر المسند إليه على المسند أي ما كسبت الأمة لا يتجاوزها إلى غيرها وما كسبتم لا يتحاوزكم، وهو قصر إضافي لقلب اعتقاد المخاطبين فإنهم لغرورهم يزعمون أن ما كان لأسلافهم من الفضائل يزيل ما ارتكبوه هم من المعاصي أو يحمله عنهم أسلافهم.
وقوله: ﴿ ولا تسألون عما كانوا يعملون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ وهو من تمام التفصيل لمعنى خلت، فإن جعلت ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ خاصاً بالأعمال الصالحة فقوله: ﴿ ولا تسألون ﴾ إلخ تكميل للأقسام أي وعلى كل ما عمل من الإثم ولذا عبر هنالك بالكسب المتعارف في الادخار والتنافس وعبر هنا بالعمل.
وإنما نفى السؤال عن العمل لأنه أقل أنواع المؤاخذة بالجريمة فإن المرء يؤخذ بجريمته فيسأل عنها ويعاقب وقد يسأل المرء عن جريمة غيره ولا يعاقب كما يلام على القوم فعل بعضهم ما لا يليق وهو شائع عند العرب قال زهير: لعمري لنِعْمَ الحيُّ جَرَّ عليهم *** بما لا يُواتيهم حُصَين بن ضَمْضمِ فنفي أصل السؤال أبلغ وأشمل للأمرين، وإن جعلت قوله: ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ مراداً به الأعمال الذميمة المحيطة بهم كان قوله: ﴿ ولا تسألون ﴾ إلخ احتراساً واستيفاء لتحقيق معنى الاختصاص أي كل فريق مختص به عمله أو تبعته ولا يلحق الآخر من ذلك شيء ولا السؤال عنه، أي لا تحاسبون بأعمال سلفكم وإنما تحاسبون بأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا ﴾ يَعْنِي أنَّ اليَهُودَ قالُوا: كُونُوا هُودًا تَهْتَدُوا، وقالَتِ النَّصارى: كُونُوا نَصارى تَهْتَدُوا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المَحْذُوفَ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ولِذَلِكَ جاءَ بِهِ مَنصُوبًا.
والثّانِي: أنَّ المَحْذُوفَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، صارَ مَنصُوبًا، والمِلَّةُ: الدِّينُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإمْلاءِ، أيْ ما يُمْلُونَ مِن كُتُبِهِمْ.
وَأمّا الحَنِيفُ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُخْلِصُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ المُتَّبِعُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: الحاجُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
والرّابِعُ: المُسْتَقِيمُ.
وَفي أصْلِ الحَنِيفِ في اللُّغَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَيْلُ، والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ حَنَفَ إلى دِينِ اللَّهِ، وهو الإسْلامُ فَسُمِّيَ حَنِيفًا، وقِيلَ لِلرَّجُلِ أحْنَفُ لِمَيْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن قَدَمَيْهِ إلى أُخْتِها.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ (الحَنِيفِيَّةَ) لِاسْتِقامَتِهِ، وقِيلَ لِلرَّجُلِ: أحْنَفُ، تَطَيُّرًا مِنَ المَيْلِ وتَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ، ولِلْمَهْلَكَةِ مِنَ الأرْضِ: مَفازَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ قال: يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ ﴾ قال الأخفش: التاء في تلك: اسم المؤنث، واللام عمادٌ للتاء، والكاف خطاب، وهذا كما ذكرنا في ذلك قال: وكُسرت التاء من (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أي: مضت (٣) (٤) ﴿ الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ .
وقول لبيد: حِجَجٌ خلون حلالُها وحرامُها (٥) والمراد بقوله: (تلك أمة) إبراهيم وبنوه ويعقوب وبنوه الذين تقدم ذكرهم، (لها ما كسبت) من العمل، ثم قال لليهود: ﴿ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ أي: حسابهم عليهم، وإنما تسألون عن أعمالكم (٦) (١) في (ش): (في).
(٢) ينظر: "شرح التصريح على التوضيح" للشيخ خالد الأزهري 1/ 128.
(٣) كذا قال الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 150، "تفسير الثعلبي" 1/ 1212.
(٤) "تهذيب اللغة" 1/ 1074 (خلا).
(٥) مطلع البيت: دمن تجرم بعد عهد أنيسها وهو من الكامل، للبيد بن ربيعة من معلقته، ينظر: "ديوانه" ص 163.
(٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 1/ 1212، "تفسير ابن كثير" 1/ 199.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أم هنا منقطعة معناها الاستفهام والإنكار، وإسماعيل كان عمه، والعم يسمى أباً ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ ﴾ أي قالت اليهود كونوا هوداً وقالت النصارى كونوا نصارى ﴿ بَلْ مِلَّةَ ﴾ منصوب بإضمار فعل ﴿ لاَ نُفَرِّقُ ﴾ أي لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهان، لأن كل من أتى بالمعجزة فهو نبيّ فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرنا ﴾ وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ".
وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ ويعلمهم ﴾ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع.
وروى ابن رومي عن ابن عباس ﴿ يكلمنا ﴾ و ﴿ تعدنا ﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿ في أعينكم ﴾ ﴿ وأسلحتكم ﴾ ﴿ وأمتعتكم ﴾ و ﴿ أوصى ﴾ من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ وصى ﴾ بالتشديد.
﴿ شهداء إذ ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
والباقون ﴿ شهداء يذ ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.
الوقوف: ﴿ وإسماعيل ﴾ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿ منا ﴾ (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿ العليم ﴾ (ه) ﴿ مسلمة لك ﴾ (ص) لعطف المتفقين ﴿ علينا ﴾ (ط) وقد ذكر ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ ويزكيهم ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ نفسه ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿ في الدنيا ﴾ (ج) لعطف الجملتين ﴿ الصالحين ﴾ (ه) ﴿ أسلم ﴾ (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ويعقوب ﴾ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿ مسلمون ﴾ (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ الموت ﴾ (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف ﴿ شهدا ﴾ و "اذ" الثانية ظرف ﴿ حضر ﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿ قالوا ﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿ بعدي ﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿ من بعدي ﴾ (ط) ﴿ واحداً ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ قد خلت ﴾ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ عليها ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يعلمون ﴾ (ه).
التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟
فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس.
وروي أن الله أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي.
وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور.
ثم إن الله أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه.
وعن علي : البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.
وعن عبد الله بن عمر أن النبي قال "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك.
وأما قصة إسماعيل وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال "لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.
فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر.
قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم.
فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.
قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب.
وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة.
فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟
فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟
قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.
ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ حتى بلغ ﴿ يشكرون ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس: قال النبي "فلذلك سعى الناس بينهما" .
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي : "يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" .
قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.
فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء.
قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" .
فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم.
وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟
قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟
قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك.
قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها.
وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟
وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي وقولي له يثبت عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟
قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير.
قال: فأوصاك بشيء؟
قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.
قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك.
قال: وتعينني؟
قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله فوضعه.
واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "أنه قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً" ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش.
ولنعد إلى المقصود فنقول ﴿ يرفع ﴾ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث.
وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما ﴿ تقبل منا ﴾ وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله عليه ورضاه به بالقبول.
وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً.
وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما ﴿ إنك أنت السميع ﴾ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا.
النوع الثاني ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط.
وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب.
وقوله ﴿ واجعلنا ﴾ إما معطوف على ﴿ تقبل ﴾ وقوله ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ ﴿ ربنا ﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا.
﴿ ومن ذريتنا ﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ ومن ذريتي ﴾ .
والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد ﴿ مسلمة ﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً.
وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي.
طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة.
فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً.
وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم.
ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة.
ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿ وأرنا ﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً.
فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج.
قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟
قال: نعم، فسميت عرفات.
فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات.
وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح.
غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح.
فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟
﴿ وتب علينا ﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما.
قال "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم.
وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم.
وأما الرسول فهو محمد بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله في موضع آخر ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ ولقوله "أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي" أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله في سورة الصف ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين.
وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ فلا جرم قضى الله حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه.
ومنها أن إبراهيم أبو الملة ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ ومحمد أبو الرحمة ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية.
ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ ومحمد منادي الدين ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان.
ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ ثم إن إبراهيم ذكر لذلك الرسول صفات أولاها ﴿ يتلو عليهم آياتك ﴾ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام.
وثالثتها قوله ﴿ والحكمة ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.
وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله "تخلقوا بأخلاق الله" وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟
قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له.
وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى.
وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم.
وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات.
وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح.
ورابعتها ﴿ ويزكيهم ﴾ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية.
فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق.
وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القادر الذي لا يغلب ﴿ الحكيم ﴾ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿ ومن يرغب ﴾ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد.
يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده.
ومحل ﴿ من سفه ﴾ الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يرغب ﴾ وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس" لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة.
وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد .
وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها.
وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين.
فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة.
وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص.
فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد ؟
قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم .
والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد راغباً عنها لأنه أمر باتباعها ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.
فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت.
ثم إنه لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال ﴿ ولقد اصطفيناه في الدنيا ﴾ أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق.
ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ﴿ اصطفينا ﴾ في ﴿ إذ قال ﴾ أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ﴿ إذ قال له ربه ﴾ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه.
ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ أو المقصود الانقياد لأوامر الله والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان.
وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم كان عارفاً بالله بقلبه فكلفه الله بعد ذلك بعمل الجوارح.
وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ والأول طريق حسن ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ لكن الطريق الثاني أحسن ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ ومن هنا يعرف أكملية محمد .
وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة.
وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ فألف إبليس دليل عدم الاستقامة ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر ﴾ والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ تركيب الخلة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر ﴿ وكان من الكافرين ﴾ اسم الشدة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد ﴾ ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم واسطة في الطريقة ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "أول ما خلق الله نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر" محمد أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره.
ولنعد إلى ما كنا فيه ﴿ ووصى ﴾ التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم.
أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه.
وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية.
والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله ﴿ وجعلها كلمة باقية ﴾ إلى قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ﴾ وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي.
وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد.
ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك.
ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما ﴿ يا بني ﴾ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء ﴿ إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به ﴿ فلا تموتن ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته.
والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد.
فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.
﴿ أم كنتم شهداء ﴾ يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد ؟
ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ قيل: أي إن أوائلكم من بنيإسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه نص على بطلانها بقوله ﴿ إذ قال لبنيه ﴾ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار ﴿ ما تعبدون ﴾ أي شيء تعبدون.
و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل.
و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ﴾ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال "عم الرجل صنو أبيه" أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.
وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء.
ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم.
وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته.
وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ ﴿ إلهاً واحداً ﴾ بدل من ﴿ إله آبائك ﴾ مثل ﴿ بالناصية ناصية كاذبة ﴾ أو نصب على الاختصاص والمدح ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل ﴿ نعبد ﴾ أو من مفعوله لرجوع الضمير في ﴿ له ﴾ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على ﴿ نعبد ﴾ أو جملة معترضة مؤكدة ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، ﴿ خلت ﴾ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل ﴿ لها ما كسبت ﴾ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل.
وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال "يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟
وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد.
وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب.
وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير.
ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله هو الخالق للكل بمعنى أنه هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة.
وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب.
فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك.
التأويل: من قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿ وإذ ابتلى ﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات.
وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ وعداوة غير الخليل ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ﴾ ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟
فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿ فلما أسلما وتله للجبين ﴾ بخلاف ما قال نوح ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ بيت القلب كما جاء "أن الله أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟
فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان.
وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿ يوسوس في صدور الناس ﴾ ﴿ واتخذوا ﴾ عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿ من مقام إبراهيم ﴾ وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ في الميثاق ﴿ أن طهرا ﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿ للطائفين ﴾ وهي واردات الأحوال ﴿ والعاكفين ﴾ وهي الملكات والمقامات ﴿ والركع السجود ﴾ وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل.
وجملة هذه الصفات العبودية ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ منوراً بنور جواب ﴿ بلى ﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها.
فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي.
ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته.
وفي الآيات إشارة إلى أنه إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدين.
وقيل: الملة السنة.
وقيل: الإسلام.
وكله واحد.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ .
بما يعمل من عمل السفه.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض.
وقيل: جهل نفسه فيضعها في غير موضعها.
وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .
بالنبوة والرسالة والعصمة.
ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
فى المنزلة والثواب.
ويحتمل: ﴿ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : لمن المرسلين.
ويحتمل: أَن يكو بشِّره في الدنيا؛ أَنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون - في ذلك - وعدٌ له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمداً مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأَخر.
وفي ذلك أيضاً: وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأَخبر بما كان بشَّره.
ويجوز: تفاضُلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قيل: أَخْلِصْ.
ويحتمل: أَن يكون أَمراً بابتداءِ إِسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد.
ثم يحتمل: أَن يكون وحياً أوحى إليه، أَن قل كذا، فقال به.
فإِن كان وحياً فهو على أَن يُسلم نفسه لله.
ويحتمل: أَن يكون إِسلام القلب - بتغاضي الخلقة بالإسلام - فإن كان على هذا؛ فهو على الإسلام دون توحيده.
ويحتمل: أَن يكون إٍسلام خِلقة؛ كقوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ ، بالخلْقة.
وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ ؛ فدعاهم، فأَجابوه في أَصلاب آبائهم إِجابة الخِلقة وقت كونهم.
وقيل: يحتمل: أَن يكون أَمر بابتداءِ الإسلام، كقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ...
﴾ إلى آخره.
ثم قال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً ﴾ يكون جواب قوله: ﴿ أَسْلِمْ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ ﴾ .
يعني بالملة.
والملةُ تحتمل ما ذكرنا.
وقوله ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .
وهو الإسلام؛ ردّاً على قول أولئك الكفرة: إِن إبراهيم كان على دينهم؛ لأَن اليهود زعمت أَنه كان على دينهم يهوديّاً.
وقالت النصارى: بل كان على النصرانية.
وعلى ذلك قالوا لغيرهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ .
فلما ادَّعى كلُّ واحد من الفريقين: أَنه كان على دينهم، أَكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، ورد عليهم في ذلك فقال: قل يا محمد: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .
أَخبر - عز وجل - أَن دينه كان دينَ الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله : ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ ﴾ أي ليس له.
وقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .
يقول أَكنتم شهداءَ إِذ حضر يعقوب الموت؟!
أَي: ما كنتم شهداءَ حين حضر يعقوب الموت.
قيل: ويحتمل: أَن اليهود قالوا للنبي : أَلست تعلم أَن يعقوب يوم مات أوصى بَنِيه بدين اليهودية؟
فأَنزل الله : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أَي: أَكنتم شهداءَ وصية يعقوب بنيه؟!
أَي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ذلك؟!
ثم أَخبر - عز وجل - عن وصية يعقوبَ بنيه فقال: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ .
يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ثم يدعون: أَن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه.
ثم في الآية دلالة رسالة محمد ؛ لأَنه أخبر عن الأَخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، دل: أَنه بالله علم، وعنه أَخْبر.
وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
كان - والله أعلم - لما ادعَوْا أَن إِبراهيم ومن ذكر من الأَنبياءِ كانوا على دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تُسْأَلون أَنتم عن دينهم وأَعمالهم، ولا هم يُسْأَلون عن دينكم وأَعمالكم، بل كلٌّ يُسْأَل عن دينه وما يعمل به.
<div class="verse-tafsir"
تلك أمة قد مضت فيمن مضى قبلكم من الأمم، وأفضت إلى ما قدمت من عمل، فلها ما كسبت من حَسن أو سيئ ولكم ما كسبتم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، ولا يُسْألون عن أعمالكم، ولا يؤاخَذ أحدٌ بذنب غيره، بل يُجازَى كل واحد بما قدم، فلا يشغلكم عمل من مضى قبلكم عن النظر في عملكم، فإن أحدًا لن ينفعه بعد رحمة الله غير عمله الصالح.
من فوائد الآيات المؤمن المتقي لا يغتر بأعماله الصالحة، بل يخاف أن ترد عليه، ولا تقبل منه، ولهذا يُكْثِرُ سؤالَ الله قَبولها.
بركة دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ، حيث أجاب الله دعاءه وجعل خاتم أنبيائه وأفضل رسله من أهل مكة.
دين إبراهيم هو الملة الحنيفية الموافقة للفطرة، يرغب عنها ولا يزهد فيها إلا الجاهل المخالف لفطرته.
مشروعية الوصية للذرية باتباع الهدى، وأخذ العهد عليهم بالتمسك بالحق والثبات عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.VoWRv"
الكلام في هذه الآيات متصل بما سبقه من ابتداء قوله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ فقد ذكر أنه تعالى ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن وأنه جعله إمامًا للناس وجعل من ذريته أئمة وأنه عهد إليه ببناء بيته وتطهيره لعبادته ففعل، وكان يومئذٍ يدعو بما علم منه ما هي ملته، وإن هي إلا توحيد الله وإسلام القلب إليه والإخلاص له بالأعمال، وتعظيم البيت بتطهيره وإقامة المناسك فيه عن بصيرة بأسرارها تجعل المعنى المتصور كالمحسوس المبصر.
ثم قال بعد هذا ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي امتهنها واستخف بها.
كأنه تعالى يقول: هذه هي ملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه وتفخرون به، فكيف ترغبون عنها وتنتحلون لأنفسكم أولياء لا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا لا بالذات ولا بالوساطة.
قال ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ بهذه الملة فجعلناه إمامًا للناس وجعلنا في ذريته الكتاب والنبوة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ لجوار الله بعمله بهذه الملة ودعوته إليها وإرشاده الناس بها.
فملة جعلت لإبراهيم هذه المكانة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وجنى على إدراك عقله، فاستحب العمى على الهدى، وإن خسر الآخرة والأولى.
ومن مباحث اللفظ في الآية قول الجلال في تفسير آية ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي جهل أنها مخلوقة لله.
ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم، والسياق لا يقتضيه، وسفه يستعمل لازمًا ومتعديًا ومعنى المعتدي استخف وامتهن وأخره "الجلال" وهو الراجح.
وفي الكشاف أن "نفسه" تمييز لفاعل "سفه" ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت.
وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله.
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾ أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته، ونصب له من بيناته، فأجاب الدعوة و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ و"الجلال" قدر كلمة "اذكر" متعلقًا للظرف "إذا" كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به كقوله هنا ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ ﴾ وقد نشأ إبراهيم في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام، فأراه الله حجته، وأنار بصيرته فنفذت أشعتها من العالم الشمسي، وأدركت أن لجميع العالمين ربًا واحدًا منفردًا بالخلق والتدبير، وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه، وأفحمهم ببيانه، وقد قص الله تعالى خبره معهم في سورة الأنعام وسيأتي تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.
﴿ وَوَصَّى بِهَا ﴾ أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرًا ﴿ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾ بنيه أيضًا إذ قال كل منهما لولده ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركون ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير.
ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفًا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره.
وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريًا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة "الأولى" في خطاب العرب و"الثانية" في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف.
وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائها معًا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
ذكر ملة إبراهيم وحُكْم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه أيضًا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق.
وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة.
ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائه لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا ﴿ آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب كما في حديث "عم الرجل صنو أبيه".
والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقًا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافًا لجمهور الأصوليين ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ أي نعبده حال كونه إلهًا واحدًا، أو نخص بالعبادة إلهًا واحدًا لا نشرك معه أحدًا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف "له".
خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له.
وتكرار لفظ ﴿ الإِسْلامُ ﴾ في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين، ذلك أن العرب كانت تدعي لها دينًا خاصًا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم، على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينًا خاصًا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء، وبهذا كان يوصي أولئك النبيون أبناءهم وأممهم.
فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرؤوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.
وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققًا بهذا المعنى فليس بمسلم، أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله.
وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى.
ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعًا مستسلمًا لدين الله مخلصًا له أعماله، بل يطلقونه أيضًا على من ابتدع فيه ما ليس منه أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه.
ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها.
وبهذا يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن ﴿ أَمْ ﴾ تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيًا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الإشعار بالانتقال، ففيها معنى الإضراب.
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكًا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم.
فبين الله في هذه الآيات أن سنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله.
وقد بيّن في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ إلخ، وبيّن في آيات متعددة، في سور متفرقة أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيًا وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكًا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب، ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر "بالمحسوبية" ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم: "المحسوب كالمنسوب" وما أحسن قول الإمام الغزالي: "إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب، فالعاصي ينجو بصلاح والده "والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدًا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.
<div class="verse-tafsir"