الآية ١٤٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٨ من سورة البقرة

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 156 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : ( ولكل وجهة هو موليها ) يعني بذلك : أهل الأديان ، يقول : لكل قبلة يرضونها ، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون .

وقال أبو العالية : لليهودي وجهة هو موليها ، وللنصراني وجهة هو موليها ، وهداكم أنتم أيتها الأمة [ الموقنون ] للقبلة التي هي القبلة .

وروي عن مجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، والسدي نحو هذا .

وقال مجاهد في الرواية الأخرى : ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة .

وقرأ ابن عباس ، وأبو جعفر الباقر ، وابن عامر : " ولكل وجهة هو مولاها " .

وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ) [ المائدة : 48 ] .

وقال هاهنا : ( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ) أي : هو قادر على جمعكم من الأرض ، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " ولكلّ"، ولكل أهل ملة، (9) فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، كما:- 2274- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولكلِّ وِجْهة " قال، لكل صاحب ملة.

2275- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " ولكلٍّ وجهة هو موليها "، فلليهوديّ وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها, وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة للقِبلة التي هي قبلة.

(10) 2276- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال، قلت لعطاء قوله: " ولكل وجهة هو موليها " قال، لكل أهل دين، اليهودَ والنصارَى.

قال ابن جريج، قال مجاهد: لكل صاحب مِلة.

2277- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكل وجهة هو موليها " قال، لليهود قبلة, وللنصارى قبلة, ولكم قبلة.

يريد المسلمين.

2278- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها "، يعني بذلك أهلَ الأديان: يقول: لكلٍّ قبلةٌ يرضَونها, ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون.

وذلك أن الله تعالى ذكره قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 115] 2279- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولكلٍّ وجْهة هو موليها "، يقول: لكل قوم قبلة قد ولَّوْها.

* * * فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها، ومولٍّ وجهه إليها.

* * * وقال آخرون بما:- 2280- حدثنا به الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " ولكل وجهة هو موليها " قال، هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة.

* * * وتأويل قائل هذه المقالة: ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربّك يا محمد قبلة، اللهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه.

* * * وأما " الوِجهة "، فإنها مصدر مثل " القِعدة " و " المِشية "، من " التوجّه ".

وتأويلها: مُتوَجِّهٌ، يتوجَّه إليه بوَجهه في صلاته، (11) كما:- 2281- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وجهة " قبلةٌ.

2282- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2283- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " ولكل وجهة " قال، وَجْه.

2284- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وِجْهة "، قِبلة.

2285- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، قلت لمنصور: " ولكل وجْهة هو مولِّيها " قال، نحن نقرؤها، ولكلٍّ جَعلنا قِبلة يرضَوْنها.

(12) * * * وأما قوله: " هو مُولِّيها "، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها، (13) كما:- 2286- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " هو موليها " قال، هو مستقبلها.

2287- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

* * * ومعنى " التوْلية " هاهنا الإقبال, كما يقول القائل لغيره: " انصرِف إليّ" بمعنى: أقبل إليّ." والانصراف " المستعمل، إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: " انصرفَ إلى الشيء "، بمعنى: أقبل إليه منصرفًا عن غيره.

وكذلك يقال: " ولَّيت عنه "، إذا أدبرت عنه.

ثم يقال: " ولَّيت إليه "، بمعنى أقبلت إليه مولِّيًا عن غيره.

(14) * * * والفعل -أعني" التولية "- في قوله: " هو موليها " لل " كل ".

و " هو " التي مع " موليها "، هو " الكل "، وحُدَّت للفظ " الكل ".

* * * فمعنى الكلام إذًا: ولكل أهل مِلة وجهة, الكلُّ.

منهم مولُّوها وجُوهَهم.

(15) * * * وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها: " هو مُولاها "، بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها.

ويكون " الكل " حينئذ غير مسمًّى فاعله، (16) ولو سُمي فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذي ملة وجهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها, بمعنى: موجِّهه إليها.

* * * وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: " ولكُلٍّ وِجهةٍ" بترك التنوين والإضافة.

وذلك لحنٌ, ولا تجوز القراءةُ به.

لأن ذلك -إذا قرئ كذلك- كان الخبرُ غير تامٍّ, وكان كلامًا لا معنى لَه.

وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

* * * والصواب عندنا من القراءة في ذلك: " ولكلٍّ وِجهةٌ هُوَ مُولِّيها "، بمعنى: ولكلٍّ وجهةٌ وقبلةٌ، ذلك الكُلّ مُولّ وجهه نحوها.

لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها, وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره.

وما جاءَ به النقلُ مستفيضًا فحُجة, وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، (17) فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فاستبقوا "، فبادروا وسَارعوا, من " الاستباق ", وهو المبادرة والإسراع، كما:- 2288- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " فاستبقوا الخيرات "، يقول: فسارعوا في الخيرات.

(18) * * * وإنما يعني بقوله: " فاستبقوا الخيرات "، أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم, فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم, وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، (19) فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، (20) فلا عذر لكم في التفريط, وحافظوا على قبلتكم, فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، (21) فتضلُّوا كما ضلت؛ كالذي:- 2289- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فاستبقوا الخيرات "، يقول: لا تُغلَبُنَّ على قبلتكم.

2290- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فاستبقوا الخيرات " قال، الأعمال الصالحة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) قال أبو جعفر: ومعنى قوله: " أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا "، في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، (22) يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير، كما:- 2291- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أينما تكونوا يَأت بكمُ الله جميعًا "، يقول: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة.

2291م- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أينما تكونوا يَأت بكم الله جميعًا "، يعني: يومَ القيامة.

* * * قال أبو جعفر: وإنما حضَّ الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوُّد في الدنيا للآخرة, فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم, ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه, فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالفَ قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعًا يوم القيامة، من حيث كنتُم من بقاع الأرض, حتى يوفِّيَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه، (23) والمسيء عقابه بإساءته, أو يتفضّل فيصفح.

* * * وأما قوله: " إنّ الله على كل شيء قدير "، فإنه تعالى ذكره يعني: إنّ الله تعالى على جَمْعكم -بعد مماتكم- من قبوركم إليه، من حيث كنتم وكانت قبوركم ، وعلى غير ذلك مما يشاء، قديرٌ.

(24) فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليومَ بعثكم وَحشركم.

-------------- (9) في المطبوعة والمخطوطة : " .

.

.

تعالى ذكره ولكل أهل ملة" ، والصواب ما أثبت .

(10) في المطبوعة : " فلليهود وجهة هو موليها" ، و"وللنصارى قبلة هو موليها" ، والصواب من المخطوطة .

وفيها أيضًا : "التي هي قبلته" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جبد .

(11) في المطبوعة : "يتوجه إليها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

وانظر معاني القرآن للفراء : 90"وجهة" .

(12) قوله : "نقرؤها" ، لا يعني أنها قراءة في قراآت القرآن ، وإنما يعني دراستها والتفقه في معانيها .

(13) في المطبوعة : "مستقبلها" بحذف الواو ، وهي جيدة .

(14) انظر معنى"التولية" فيما سلف 2 : 535 ، وهذا الجزء 3 : 175 وانظر أيضًا 2 : 162 ، ثم هذا الجزء 3 : 115 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 85 .

(15) في المطبوعة : "لكل منهم مولوها" ، وهو كلام مختل ، والصواب من المخطوطة .

(16) في المطبوعة : "ويكون الكلام حينئذ" ، والصواب من المخطوطة .

(17) في المطبوعة : "السهو والخطأ" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(18) في المطبوعة : "يعني : فسارعوا" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(19) في المطبوعة : "لأخراكم" ، وهما سواء في المعنى .

(20) في المطبوعة : "سبيل النجاة" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(21) في المطبوعة : "ولا تضيعوها كما ضيعها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي أجود .

(22) انظر القول في تفسير"أينما" في معاني القرآن للفراء 1 : 85-89 .

(23) في المخطوطة : "حتى يؤتي المحسن منكم جزاءه" ، ولا بأس بها .

(24) في المطبوعة : "من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك" ، أسقط منها الناسخ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قديرفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولكل وجهة الوجهة وزنها فعلة من المواجهة .

والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد ، والمراد القبلة ، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم ، ولكل وجهة إما بحق وإما بهوى .الثانية : قوله تعالى : هو موليها هو عائد على لفظ كل لا على معناه ; لأنه لو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم ، فالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف ، أي هو موليها وجهه ونفسه .

والمعنى : ولكل صاحب ملة قبلة ، صاحب القبلة موليها وجهه ، على لفظ كل وهو قول الربيع وعطاء وابن عباس .

وقال علي بن سليمان : موليها أي متوليها .

وقرأ ابن عباس وابن عامر " مولاها " على ما لم يسم فاعله .

والضمير على هذه القراءة لواحد ، أي ولكل واحد من الناس قبلة ، الواحد مولاها أي مصروف إليها ، قاله الزجاج .

[ ص: 154 ] ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة هو ضمير اسم الله عز وجل وإن لم يجر له ذكر ، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك والمعنى : لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه .

وحكى الطبري : أن قوما قرءوا ولكل وجهة بإضافة كل إلى وجهة .

قال ابن عطية : وخطأها الطبري ، وهي متجهة ، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها ، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه ، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع .

وقدم قوله ولكل وجهة على الأمر في قوله : فاستبقوا الخيرات للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول ، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وسلمت الواو في وجهة للفرق بين عدة وزنة ، لأن جهة ظرف ، وتلك مصادر .

وقال أبو علي : ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم .

وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر .

وقال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة ، وقد يقال الجهة في الظرف .الثالثة : قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات أي إلى الخيرات ، فحذف الحرف ، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم ، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي .

والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها ، والله تعالى أعلم .

روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البيضة .

وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله .

وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قوله .

وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير الأعمال الصلاة في أول وقتها .

وفي حديث ابن مسعود " أول وقتها " بإسقاط " في " .

وروي أيضا عن إبراهيم بن عبد الملك عن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان [ ص: 155 ] الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله .

زاد ابن العربي : فقال أبو بكر : رضوان الله أحب إلينا من عفوه ، فإن رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين ، وهذا اختيار الشافعي .

وقال أبو حنيفة : آخر الوقت أفضل ; لأنه وقت الوجوب .

وأما مالك ففصل القول ؛ فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل ، أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس - في رواية - ( متلففات ) .

وأما المغرب فلحديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ، أخرجهما مسلم .

وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه .

روى ابن عمر قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة ، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ، فقال حين خرج : إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة .

وفي البخاري عن أنس قال : أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى .

.

.

، وذكر الحديث .

وقال أبو برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها .

وأما الظهر فإنها تأتي الناس [ على ] غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا .

قال أبو الفرج قال مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر .

وقال ابن أبي أويس : وكان مالك يكره أن يصلى الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك ، [ ص: 156 ] ويقول : تلك صلاة الخوارج .

وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر الغفاري قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبرد ) ثم أراد أن يؤذن فقال له : ( أبرد ) حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة .

وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس .

والذي يجمع بين الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد عجل .

قال أبو عيسى الترمذي : " وقد اختار قوم [ من أهل العلم ] تأخير صلاة الظهر في شدة الحر ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق .

قال الشافعي : إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان [ مسجدا ] ينتاب أهله من البعد ، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر .

قال أبو عيسى : ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع ، وأما ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس ، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال الشافعي .

قال أبو ذر : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ يا بلال ] أبرد ثم أبرد .

فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى ، لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد " .

وأما العصر فتقديمها أفضل .

ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة أفضل من تقديمها ، فإن فضل الجماعة معلوم ، وفضل أول الوقت مجهول ، وتحصيل المعلوم أولى قاله ابن العربي .الرابعة : قوله تعالى : أينما تكونوا شرط ، وجوابه : يأت بكم الله جميعا يعني [ ص: 157 ] يوم القيامة .

ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: كل أهل دين وملة, له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في استقبال القبلة, فإنه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال, ويدخلها النسخ والنقل, من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن, في امتثال طاعة الله, والتقرب إليه, وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس, حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة, وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع, وهو الذي خلق الله له الخلق, وأمرهم به.

والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها, يتضمن فعلها, وتكميلها, وإيقاعها على أكمل الأحوال, والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات, فهو السابق في الآخرة إلى الجنات, فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل, من صلاة, وصيام, وزكوات وحج, عمرة, وجهاد, ونفع متعد وقاصر.

ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير, وينشطها, ما رتب الله عليها من الثواب قال: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيجمعكم ليوم القيامة بقدرته, فيجازي كل عامل بعمله { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل، كالصلاة في أول وقتها, والمبادرة إلى إبراء الذمة, من الصيام, والحج, والعمرة, وإخراج الزكاة, والإتيان بسنن العبادات وآدابها, فلله ما أجمعها وأنفعها من آية".

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ولكل وجهة} أي لأهل كل ملة قبلة والجهة اسم للمتوجه إليه.

{هو موليها} أي مستقبلها ومقبل إليها، يقال: وليته ووليت إليه: إذا أقبلت إليه، ووليت عنه إذا أدبرت عنه.

قال مجاهد: "هو موليها وجهه"، وقال الأخفش: "هو كناية عن الله عز وجل يعني الله مولي الأمم إلى قبلتهم".

{فاستبقوا الخيرات} أي إلى الخيرات، يريد: بادروا بالطاعات، والمراد المبادرة إلى القبول.

{أينما تكونوا} أنتم وأهل الكتاب.

{يأت بكم الله جميعاً} يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم.

{إن الله على كل شيء قدير}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكل» من الأمم «وجهة» قبلة «هو موليها» وجهه في صلاته وفي قراءة مُوَلاَّهَا «فاستبقوا الخيرات» بادروا إلى الطاعات وقبولها «أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا» يجعلكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم «إن الله على كل شيء قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكل أمة من الأمم قبلة يتوجَّه إليها كل واحد منها في صلاته، فبادروا - أيها المؤمنون- متسابقين إلى فِعْل الأعمال الصالحة التي شرعها الله لكم في دين الإسلام.

وسيجمعكم الله جميعا يوم القيامة من أي موضع كنتم فيه.

إن الله على كل شيء قدير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال تعالى : ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فاستبقوا الخيرات ) .أي : ولكل أهل ملة قبله يتجهون إليها في عباداتهم ، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التي تكسبكم سعادة الدارين ، والتي من جملتها التوجه إلى البيت الحرام .ثم ساق الله - تعالى - وعداً لمن يطيع أمره ، ووعيداً لمن ينصر عن الخير .

فقال - تعالى - : ( أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً ) .أي : في أي بقعة يدرككم الأجل ، وتموتون فيها ، يجمعكم الله - تعالى - يوم القيامة .لتقفوا بين يديه للحساب ، لأنه - سبحانه - قادر على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم ، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم ، كما أنه - سبحانه - قدير على كل شيء ، وما دام الأمر كذلك ، فبادروا بالأعمال الصالحة شكراً لربكم ، وحافظوا على قبلتكم ، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم في الكفر والعناد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ وَلِكُلّ ﴾ ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الاصم، قال: لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله  ﴾ .

وثانيها: وهو قول أكثر علماء التابعين، أن المراد أهل الكتاب وهم: المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه.

وثالثها: قال بعضهم: المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ هُوَ مُوَلّيهَا ﴾ يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان.

الثاني: أن الله تعالى عقبه بقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة.

ورابعها: قال آخرون: ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين: العرش، وقبلة الروحانيين: الكرسي، وقبلة الكروبيين: البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة.

أما قوله تعالى: ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ ﴾ على الإضافة والمعنى: وكل وجهة هو موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضارب.

المسألة الثانية: قال الفاء: وجهة، وجهة، ووجه بمعنى واحد، واختلفوا في المراد فقال الحسن: المراد المنهاج والشرع، وهو كقوله تعالى: ﴿ لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً  ﴾ ، ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ  ﴾ ﴿ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضاً اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير، وقال الباقون: المراد منه أمر القبلة، لأنه تقدم قوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام  ﴾ فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك.

أما قوله: ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ ففيه وجهان.

الأول: أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولي وجهه إليها.

الثاني: أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي الله تعالى يوليها إياه، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول: أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها، أي هو مستقبلها.

ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، مع لزوم الأديان المختلفة: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله مرجعكم، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعاً في صعيد القيامة، فيفصل بين المحق منكم والمبطل، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي، ومن المصيب منكم ومن المخطئ، إنه على ذلك قادر، ومن قال بهذا التأويل قال: المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها، إما بشريعة وإما بهوى، فلستم تؤخذون بفعل غيركم، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، وإما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله: ﴿ هُوَ مُوَلّيهَا ﴾ عائداً إلى الله تعالى فهاهنا وجهان.

الأول: أن الله عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحاً فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون: ﴿ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ  ﴾ فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعاً في عرصة القيامة، فيفصل بينكم.

الثاني: أنا إذا فسرنا قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى: ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعاً ويثيبهم على أعمالهم.

أما قوله تعالى: ﴿ هُو مُوَلّيهَا ﴾ أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه، قال الفراء: أي مستقبلها وقال أبو معاذ: موليها على معنى متوليها يقال: قد تولاها ورضيها وأتبعها، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي: ﴿ هُوَ مولاها ﴾ وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين: ﴿ مُوَلّيهَا ﴾ ولقراءة ابن عامر معنيان.

أحدهما: أن ما وليته فقد ولاك، لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضاً، يلي هذا، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ و ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ والظالمون، وهذا قول الفراء.

والثاني: ﴿ هُوَ مُوَلّيهَا ﴾ أي قد زينت له تلك الجهة وحببت إليه، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها.

أما قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل، خلافاً لأبي حنيفة، واحتج الشافعي بوجوه: أولها: أن الصلاة خير لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير موضوع» وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب.

وثانيها: قوله: ﴿ سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات، ولا شك أن الصلاة من الطاعات، وقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ المقربون ﴾ يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ والمعنى: وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة، ولا شك أن الصلاة كذلك، فكانت المسارعة بها مأمورة.

وخامسها: أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات  ﴾ ولا شك أن الصلاة من الخيرات، لقوله عليه السلام: «خير أعمالكم الصلاة».

وسادسها: أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ  ﴾ وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم.

وسابعها: قوله تعالى: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات  ﴾ والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال.

وثامنها: قوله تعالى: حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  ﴾ فثبت أن الاستعجال أولى.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتلوا  ﴾ فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة.

وعاشرها: ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله» قال الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه.

قال الشافعي رضي الله عنه: رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان، والتقديم موجباً للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا: هذا ضعيف من وجوه: الأول: أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد.

الثاني: أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء.

الثالث: أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه.

الحادي عشر: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا».

الثاني عشر: عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأعمال أفضل؟

فقال: «الصلاة لميقاتها الأول».

الثالث عشر: روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله».

الرابع عشر: قال عليه السلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر.

الخامس عشر: إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاماً أم علياً، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا.

السادس عشر: قوله عليه السلام في خطبة له: «وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا».

ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة.

السابع عشر: أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق الله تعالى كذلك، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم.

الثامن عشر: أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع بها، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها، فيكون الأول أولى.

التاسع عشر: أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته، فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى.

العشرون: أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ  ﴾ فوجب أيضاً أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل: تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر، أو بما إذا حصل له رجاء إدراك الجماعة أو وجود الماء قلنا: التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة، وكلامنا في مقتضى الأصل.

الحادي والعشرون: المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».

الثاني والعشرون: صلاة كملت شرائطها فوجب أداؤها في أول الوقت، كالمغرب ففيه احتراز عن الظهر في شدة الحر، لأنه إنما يستحب التأخير إذا أراد أن يصليها في المسجد لأجل أن المشي إلى المسجد في شدة الحر كالمانع، أما إذا صلاها في داره فالتعجيل أفضل، وفيه احتراز عمن يدافع الأخبثين أو حضره الطعام وبه جوع لهذا المعنى أيضاً، وكذلك المتيمم إذا كان على ثقة من وجود الماء، وكذلك إذا توقع حضور الجماعة فإن الكمال لم يحصل في هذه الصورة، فهذه هي الأدلة الدالة على أن المسارعة أفضل، ولنذكر كل واحد من الصلوات: أما صلاة الفجر فقال محمد: المستحب أن يدخل فيها بالتغليس، ويخرج منها بالإسفار، فإن أراد الاقتصار على أحد الوقتين فالإسفار أفضل، وقال الشافعي رضي الله عنه: التغليس أفضل، وهو مذهب أبي بكر وعمر وبه قال مالك وأحمد، واحتج الشافعي رضي الله عنه بعد الدلائل السالفة بوجوه: أحدها: ما أخرج في الصحيحين برواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس قال محيي السنة في كتاب شرح السنة: متلفعات بمروطهن أي متجللات بأكسيتهن، والتلفع بالثوب الاشتمال، والمروط: الأردية الواسعة، واحدها مرط، والغلس: ظلمة آخر الليل، فإن قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرن الجماعات، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالغلس كيلا يعرفن، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يصلي بالغلس، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك قلنا: الأصل المرجوع إليه في إثبات جميع الأحكام عدم النسخ، ولولا هذا الأصل لما جاز الاستدلال بشيء من الدلائل الشرعية.

وثالثها: ما أخرج في الصحيحين عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قال قلت: كم كان قدر ذلك، قال: قدر خمسين آية، وهذا يدل أيضاً على التغليس.

وثالثها: ما روي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلس بالصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضة الله تعالى.

ورابعها: أنه تعالى مدح المستغفرين بالأسحار فقال: ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ ومدح التاركين للنوم فقال: ﴿ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ترك النوم بأداء الفرائض أفضل لقوله عليه السلام حكاية عن الله: «لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم» وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون التغليس أفضل.

وخامسها: أن النوم في ذلك الوقت أطيب، فيكون تركه أشق، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لقوله عليه السلام: «أفضل العبادات أحمزها» أي أشقها، واحتج أبو حنيفة بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر».

وثانيها: روى عبد الله بن مسعود أنه صلى الفجر بالمزدلفة فغلس، ثم قال ابن مسعود: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر، فإنه صلاها يومئذ لغير ميقاتها.

وثالثها: عن ابن مسعود قال: ما رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

ورابعها: عن أبي بكر رضي الله عنه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران، فقالوا: كادت الشمس أن تطلع، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين، وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.

وخامسها: أن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الإنتظار، وقال عليه السلام: «المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة» فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولاً ثم بها ثانياً ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار.

وسادسها: أن التأخير يفضي إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلاً لفضل الجماعة.

وسابعها: أن التغليس يضيق على الناس، لأنه إذا كان الصلاة في وقت الغليس احتاج الإنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر، والحرج منفى شرعاً.

وثامنها: أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى وقت الإسفار فإنه يقل وقت الكراهة، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت الكراهة.

والجواب عن الأول: أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق، فالفجر إنما يكون فجراً لو كانت الظلمة باقية في الهواء، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجراً، وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه، إذا ثبت هذا فنقول: ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد، فقوله: أسفروا بالفجر يجب أن يكون محمولاً على التغليس، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثواباً، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق، فوجب أن يكون أكثر ثواباً، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل، فكيف يمكن أن يقول الشارع: إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة.

والجواب عن الثاني: وهو قول ابن مسعود: حافظوا على التنوير بالفجر، فجوابه هذا الذي قررناه لأن التنوير بالفجر إنما يحصل في أول الوقت، فأما عند امتلاء العالم من النور فإنه لا يسمى ذلك فجراً، وأما سائر الوجوه فهي معارضة ببعض ما قدمناه والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا ﴾ فهو وعد لأهل الطاعة، ووعيد لأهل المعصية، كأنه تعالى قال: استبقوا أيها المحققون والعارفون بالنبوة والشريعة الخيرات وتحملوا فيها المشاق لتصلوا يوم القيامة إلى مالكم عند الله من أنواع الكرامة والزلفى، ثم إنه سبحانه حقق بقوله: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ وذلك لأن الإعادة في نفسها ممكنة وهو قادر على جميع الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على الإعادة، وأما المسائل المستنبطة من هذه الآية، فقد ذكرناها في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني.

قال: ولم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي.

فأما ولدي، فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع.

ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوماً بغير إعلام.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة.

وقوله: (كما يعرفون أبناءهم) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام.

فإن قلت: لم اختص الأبناء؟

قلت: لأنّ الذكور أشهر وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق.

وقال ﴿ فريقاً منهم ﴾ استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ [البقرة: 78] .

﴿ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف.

أي هو الحق.

أو مبتدأ خبره (من ربك) وفيه وجهان: أن تكون اللام للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق.

أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره.

يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل.

فإن قلت: إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل من ربك؟

قلت: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون حالاً.

وقرأ عليّ رضي الله عنه: ﴿ الحق من ربك ﴾ .

على الإبدال من الأوّل، أي يكتمون الحق، الحق من ربك، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم، أوفي أنه من ربك ﴿ وَلِكُلٍ ﴾ من أهل الأديان المختلفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ قبلة.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ ولكل قبلة ﴾ ﴿ هُوَ مُوَلّيهَا ﴾ وجهه، فحذف أحد المفعولين.

وقيل هو لله تعالى، أي الله موليها إياه.

وقرئ: ﴿ ولكل وجهة ﴾ على الإضافة.

والمعنى وكل وجهةٍ اللَّهُ موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك: لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه.

وقرأ ابن عامر: ﴿ هو مولاها ﴾ أي هو مولى تلك الجهة وقد وليها.

والمعنى: لكل أمّة قبلة تتوجه إليها، منكم ومن غيركم ﴿ فَاسْتَبِقُوا ﴾ أنتم ﴿ الخَيْرَاتِ ﴾ واستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره.

ومعنى آخر: وهو أن يراد: ولكل منكم يا أمة محمد وجهة أي جهة يصلّى إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستبقوا الخيرات ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا ﴾ للجزاء من موافق ومخالف لا تعجزونه.

ويجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت، أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ ولِكُلِّ أُمَّةِ قِبْلَةٌ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ وجانِبٌ مِنَ الكَعْبَةِ، والتَّنْوِينُ بَدَلُ الإضافَةِ ﴿ هُوَ مُوَلِّيها ﴾ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوِ اللَّهُ تَعالى مُوَلِّيها إيّاهُ.

وقُرِئَ: « ولِكُلٍّ وِجْهَةٍ» بِالإضافَةِ، والمَعْنى وكُلُّ وُجْهَةِ اللَّهِ مُوَلِّيها أهْلُها، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ جَبْرًا لِضَعْفِ العامِلِ.

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: « مَوْلاها» أيْ هو مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ أيْ قَدْ ولِيَها ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ مِن أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ مِمّا يُنالُ بِهِ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، أوِ الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ وهي المُسامَتَةُ لِلْكَعْبَةِ ﴿ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن مُوافِقٍ ومُخالِفٍ مُجْتَمِعِ الأجْزاءِ ومُفْتَرَقِها، يَحْشُرُكُمُ اللَّهُ إلى المَحْشَرِ لِلْجَزاءِ، أوْ أيْنَما تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ وقُلَلِ الجِبالِ، يَقْبِضُ أرْواحَكُمْ، أوْ أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ، يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ويَجْعَلْ صَلَواتِكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ والجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلِكُلٍّ} من أهل الأديان المختلفة {وِجْهَةٌ} قبلة وقرئ بها والضمير في {هُوَ} لكل وفي {مُوَلِّيهَا} للوجهة أي هو موليها وجهة فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى أي الله موليها إياه هو مولاها شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم {فَاسْتَبِقُوا} أنتم {الخَيْرَاتِ} فاستبقوا إليها غيركم من

أمر القبلة وغيره {أينما تَكُونُواْ} أنتم وأعداؤكم {يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا} يوم القيامة فيفصل بين المحق والمبطل أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهة المسامتة للكعبة وإن اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام {إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ أيْ: لِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ أوْ جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ وجانِبٌ مِنَ الكَعْبَةِ يُصَلّى إلَيْها جَنُوبِيَّةً أوْ شَمالِيَّةً أوْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً.

وتَنْوِينُ ( كُلٍّ ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و( وِجْهَةٌ ) جاءَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ (جِهَةٌ) مِثْلَ عِدَّةٍ وزِنَةٍ، وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ تَوَجَّهَ أوِ اتَّجَهَ، والمَصْدَرُ التَّوَجُّهُ أوْ الِاتِّجاهُ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ وجْهٌ كَوَعْدٍ، وقِيلَ: إنَّها اسْمٌ لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ، فَثُبُوتُ الواوِ لَيْسَ بِشاذٍّ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( ولِكُلٍّ قِبْلَةٌ ).

﴿ هُوَ مُوَلِّيها ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ( كُلٍّ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْوَصْفِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وجْهَهُ أوْ نَفْسَهُ؛ أيْ: مُسْتَقْبَلُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى؛ أيِ: اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قَرَأ ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، وقَدْ صَعُبَ تَخْرِيجُها حَتّى تَجَرَّأ بَعْضُهم عَلى رَدِّها، وهو خَطَأٌ عَظِيمٌ، وخَرَّجَها البَعْضُ أنَّ ( كُلَّ ) كانَ في الأصْلِ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مُوَلِّيها وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - قَطْعًا، ثُمَّ زِيدَتِ اللّامُ في المَفْعُولِ بِهِ صَرِيحًا لِضَعْفِ العامِلِ المُقَدَّرِ مِن جِهَتَيْنِ، كَوْنُهُ اسْمَ فاعِلٍ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلَيْهِ، والمَفْعُولُ الآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِكُلِّ وِجْهَةِ اللَّهِ مَوْلًى مُوَلِّيها، ورُدَّ بِأنَّ لامَ التَّقْوِيَةِ لا تُزادُ في أحَدِ مَفْعُولَيِ المُتَعَدِّي لِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ تُزادَ في الآخَرِ، ولا نَظِيرَ لَهُ، أوْ لا، فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ أُجِيبَ بِإطْلاقِ النُّحاةِ يَقْتَضِي جَوازَهُ، والتَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ مَدْفُوعٌ هُنا بِأنَّهُ تَرَجَّحَ بِتَقْدِيمِهِ.

وقِيلَ: إنَّ المَجْرُورَ مَعْمُولٌ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ولَهُ واللّامُ مَزِيدَةٌ، أوْ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ بِالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذَيْنِ التَّخْرِيجَيْنِ يُحْوِجُ أوَّلُهُما إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالوَصْفِ إلى التَّوْلِيَةِ، وجَعَلَهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ: هَذا سُراقَةُ لِلْقُرْآنِ يَدْرُسُهُ لِئَلّا يُقالُ: كَيْفَ يَعْمَلُ الوَصْفُ مَعَ اشْتِغالِهِ بِالضَّمِيرِ، وثانِيهُما إلى القَوْلِ: بِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ المَجْرُورُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ ﴾ والقَوْلُ: بِأنَّ اللّامَ أصْلِيَّةٌ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ ( بِصَلُّوا ) مَحْذُوفًا أوْ بِاسْتَبِقُوا، ( والفاءُ ) زائِدَةٌ بَعِيدٌ بَلْ لا أكادُ أُجِيزُهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ( مَوْلاها ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هو قَدْ ولّى تِلْكَ الجِهَةَ، فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ حِينَئِذٍ عائِدٌ إلى كُلٍّ ألْبَتَّةَ، ولا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى لِفَسادِ المَعْنى.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ مَنصُورٍ، قالَ: ”نَحْنُ نَقْرَأُ ( ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها )“.

﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ جَمْعُ خِيرَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، وهي الفاضِلَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ، ( واللّامُ ) لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَعُمُّ المُحَلّى أمْرَ القِبْلَةِ وغَيْرَهُ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والِاسْتِباقُ مُتَعَدٍّ كَما في التّاجِ، وقِيلَ: لازِمٌ، و( إلى ) بَعْدَهُ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَبادِرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ ما بِهِ يَحْصُلُ السَّعادَةُ في الدّارَيْنِ مِنَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وغَيْرِهِ، ولا تُنازِعُوا مَن خالَفَكُمْ؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى الِاجْتِماعِ عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ لِجَرْيِ العادَةِ عَلى تَوْلِيَةِ كُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةً يَسْتَقْبِلُها، وفي أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ التَّسابُقِ فِيما بَيْنَهُمْ، كَما قالَ السَّعْدُ: ”دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ سَبْقِ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى“.

وقِيلَ: الِاقْتِصارُ عَلى سَبْقِ بَعْضِهِمْ إشارَةٌ إلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ في طَرِيقِ الخَيْرِ حَتّى يَتَصَوَّرَ أمْرُ أحَدٍ بِالسَّبْقِ إلى الخَيْرِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( اللّامُ ) لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِالخَيْراتِ الفاضِلاتِ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي تَسامَتِ الكَعْبَةَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّلاةَ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي جِهَتِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها الصَّلَواتُ الفاضِلاتُ، والمُرادُ ( بِالِاسْتِباقِ ) السُّرْعَةُ فِيها والقِيامُ بِها في أوَّلِ أوْقاتِها، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى ( فاسْتَبِقُوا قِبْلَتَكم )، وعَبَّرَ عَنْها بِالخَيْراتِ إشارَةً إلى اشْتِمالِها عَلى كُلِّ خَيْرٍ.

واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الوَقْتِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ أفْضَلُ، وهي مَسْألَةٌ فَرَغَ مِنها في الفُرُوعِ، ولِبَعْضِ العارِفِينَ في الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النّاسَ في أُمُورِ دُنْياهم وأُخْراهم عَلى أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، فَجَعَلَ بَعْضَهم أعْوانَ بَعْضٍ، فَواحِدٌ يَزْرَعُ وآخَرُ يَطْحَنُ وآخَرُ يَخْبِزُ، وكَذَلِكَ في أمْرِ الدِّينِ؛ واحِدٌ يَجْمَعُ الحَدِيثَ، وآخَرُ يُحَصِّلُ الفِقْهَ، وآخَرُ يَطْلُبُ الأُصُولَ، وهم في الظّاهِرِ مُخْتارُونَ، وفي الباطِنِ مُسَخَّرُونَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“».

ولِهَذا قالَ بَعْضُ الصّالِحِينَ لَمّا سُئِلَ عَنْ تَفاوُتِ النّاسِ في أفْعالِهِمْ: ”كُلُّ ذَلِكَ طُرُقٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - أرادَ أنْ يُعَمِّرَها بِعِبادِهِ، ومَن تَحَرّى وجْهَ اللَّهِ - تَعالى - في كُلِّ طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ وصَلَ إلَيْهِ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَحَرِّي الأحْسَنَ مِن تِلْكَ الطُّرُقِ؛ إذِ المَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ والشُّؤُونُ مُخْتَلِفَةٌ، ومَظاهِرُ الأسْماءِ شَتّى“، وقِيلَ: المُرادُ بِها أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ قِبْلَةً، فَقِبْلَةُ المُقَرَّبِينَ العَرْشُ، والرُّوحانِيِّينَ الكُرْسِيُّ والكُرُوبِينَ البَيْتُ المَعْمُورُ، والأنْبِياءُ قَبْلَكَ بَيْتُ المَقْدِسِ وقِبْلَتُكَ الكَعْبَةُ، وهي قِبْلَةُ جَسَدِكَ، وأمّا قِبْلَةُ رُوحِكَ فَأنا، وقِبْلَتِي أنْتَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي“.

﴿ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ ( أيْنَ ): ظَرْفُ مَكانٍ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، و( ما ) مَزِيدَةٌ، ويَأْتِ جَوابُها، والمَعْنى في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِطَبْعِكم كالأرْضِ أوِ المُخالِفَةِ كالسَّماءِ أوِ المُجْتَمِعَةِ الأجْزاءِ كالصَّخْرَةِ أوِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي يَخْتَلِطُ بِها ما فِيها كالرَّمْلِ، يَحْشُرُكُمُ اللَّهُ - تَعالى - إلَيْهِ لِجَزاءِ أعْمالِكُمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِما قَبْلَها، وفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ ﴾ أوْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ وقُلَلِ الجِبالِ، يَقْبِضُ اللَّهُ - تَعالى - أرْواحَكم إلَيْهِ، فَهي عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ فَفِيها حَثٌّ عَلى الِاسْتِباقِ بِاغْتِنامِ الفُرْصَةِ، فَإنَّ المَوْتَ لا يُخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ، أوْ ﴿ أيْنَما تَكُونُوا ﴾ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلاتِ يُمْنَةً ويَسْرَةً وشَرْقًا وغَرْبًا، يَجْعَلُ اللَّهُ - تَعالى - صَلاتَكم مَعَ اخْتِلافِ جِهاتِها في حُكْمِ صَلاةٍ مُتَّحِدَةِ الجِهَةِ كَأنَّها إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ أوْ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ( فَيَأْتِ بِكم ) مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الصَّلاةِ مُتَّحِدَةَ الجِهَةِ، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ حِينَئِذٍ بَيانُ حُكْمِ الأمْرِ بِالِاسْتِباقِ، ومِنهم مَن قالَ: الخِطابُ فِي اسْتَبْقَوْا إمّا عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وإمّا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَعَلى الأوَّلِ يُرادُ هُنا العُمُومُ؛ أيْ في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِنَ المَواضِعِ المُوافِقَةِ لِلْحَقِّ أوِ المُخالِفَةِ لَهُ، وعَلى الثّانِي الخُصُوصُ؛ أيْ: أيْنَما تَكُونُوا في الصَّلاةِ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ الجِهاتِ المُتَقابِلَةِ شَمالًا وجَنُوبًا وشَرْقًا وغَرْبًا بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا جِهَةَ الكَعْبَةِ يَجْعَلُ اللَّهُ - تَعالى - صَلاتَكم كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ لِاتِّحادِكم في الجِهَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِالِاتِّجاهِ إلَيْها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 148﴾ ومِن ذَلِكَ إماتَتِكم وإحْياؤُكُمْ، وجَمْعُكم والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وتَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لِكُلٍّ وِجْهَةٌ ، أي قبلة.

والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد.

أي لكل ذي ملة قبلةوَ مُوَلِّيها ، أي مستقبلها.

وقيل: لكل دين وملة قبلة هو مولها.

قرأ ابن عامر: «وَهُوَ مُوَلاَّهَا» والباقون بالكسر أي هو بنفسه موليها يعني الله مولاها وقال مقاتل: لكل أهل ملة قبلة هم مستقبلوها يريدون بها وجه الله تعالى.

اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، أي قال لهذا الأمة: استبقوا بالطاعات.

وهذا كما قال في آية أخرى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48] ، أي جعلنا لكل قوم شريعة وسبيلاً، فإذا أخذوا بالسنة والمنهاج رضي عنهم.

فأمر الله تعالى أهل هذه الشرائع أن يستبقوا الخيرات في الأعمال الصالحة، فقال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا في الأرض أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ، يعني يقبض أرواحكم ويجمعكم يوم القيامة.

وقال مجاهد لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها أمر كل قوم بأن يحولوا وجوههم إلى الكعبة.

ويقال: ولكل أمة قبلكم قبلة أمرتهم بأن يستقبلوها فاستبقوا الخيرات، يقول: بادروا الأمم بالطاعات.

ثم قال تعالى: يْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ ، يعني يقبض أرواحكم ويجمعكم يوم القيامة.

نَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أي هو قادر على جمعكم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ...

الآية: الضمير في يعرفونه عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قال ابن عبَّاس وغيره «١» ، وقال مجاهدٌ وغيره:

هو عائدٌ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، أي: يعرفون صدْقَه ونبوَّته «٢» .

ت: بل وصفاتِهِ.

وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ: الفريقُ: الجماعةُ، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ظاهرٌ في صحَّة الكفر عناداً.

وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هو الحق، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:

الخطاب للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمَّته، وامترى في الشيء، إِذا شك فيه ومنه: المراء، لأن ٣٨ ب هذا يشك في قول هذا.

وقوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ

: الوجهةُ: من المواجهة كالقبلة، والمعنى: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عبّاس وغيره «٣» .

وقرأ ابن عامر «١» : «هُوَ مَولاَّهَا» ، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده أَن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ «٢» ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، متى يُغْلَقُ عَنْهُ» .

انتهى.

ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً.

ص: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان» .

انتهى.

وقوله: أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً

يعني به البعْثَ من القبور.

وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية تأكيداً من اللَّه سبحانه لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه.

وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ...

الآية: المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد ب «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [البقرة: ١٤٢] .

وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ...

الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر «٣» : وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم.

انتهى.

قال ص: إِلَّا الَّذِينَ استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل:

منقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنى: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو» ، قال ومنه: [الوافر] :

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه ...

لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ «١»

أي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ.

انتهى.

وقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أمر باستقبال القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد.

وقوله سبحانه: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله:

«وَلأُتِمَّ» ، أي: إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام/ كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ إِجابة لدعوته في قوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩] .

٣٩ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أيْ: لِكُلِّ أهْلٍ دِينٌ وجِهَةٌ.

المُرادُ بِالوِجْهَةِ: القِبْلَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: جِهَةٌ، ووِجْهَةٌ.

وفي "هُوَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى: اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهم، أيْ: أمَرَهم بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها.

والثّانِي: تَرْجِعُ إلى المُتَوَلّى، فالمَعْنى: هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ، فَيَكُونُ "هُوَ" ضَمِيرُ كُلٍّ.

والثّالِثُ: يَرْجِعُ إلى البَيْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ: أمَرَ كُلَّ قَوْمٍ أنْ يَصِلُوا إلى الكَعْبَةِ.

والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: ﴿ مُوَلِّيها ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: "هُوَ مَوْلاها" بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ، فَضَمِيرُ "هُوَ" لِكُلِّ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ أيْ: بادَرُوها.

وقالَ قَتادَةُ: لا تَغْلِبُوا عَلى قِبْلَتِكم، ﴿ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ.

فَأمّا إعادَةُ قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.

وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ.

والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ.

﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ ، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ ، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ أُمَّتُهُ.

وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى: تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ ، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ.

قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها".

وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها.

وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ ثُمَّ الصَلاةَ إلى الكَعْبَةِ، لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما وجِهَةٌ، اللهُ مُوَلِّيها إيّاهم.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَؤُوا: "لِكُلٍّ وِجْهَةٌ" بِإضافَةِ "كُلٍّ إلى وِجْهَةٍ، وخَطَّأها الطَبَرِيُّ، وهي مُتَّجِهَةٌ، أيْ: فاسْتَبْقُوا الخَيْراتِ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ولاكَمُوها، ولا تَعْتَرِضُوا فِيما أمَرَكم مِن هَذِهِ وهَذِهِ، أيْ إنَّما عَلَيْكُمُ الطاعَةَ في الجَمِيعِ، وقَدَّمَ قَوْلَهَ: "كُلٍّ وِجْهَةٌ" عَلى الأمْرِ في قَوْلِهِ: "فاسْتَبِقُوا" لِلِاهْتِمامِ بِالوِجْهَةِ كَما يُقَدَّمُ المَفْعُولُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وسَلِمَتِ الواوُ في "وِجْهَةٍ" ولَمْ تَجْرِ كَعِدَةٍ وزِنَةٍ، لِأنَّ جْهَةً ظَرْفٌ، وتِلْكَ مَصادِرُ فَسَلِمَتْ لِلْفَرْقِ، وأيْضًا فَلْيُكْمِلْ بِناءَ الهَيْئَةِ كالجِلْسَةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ شَذَّ عَنِ القِياسِ فَسَلِمَ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ اسْمٌ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ، قالَ غَيْرُ أبِي عَلِيٍّ: وإذا أرَدْتَ المَصْدَرَ قُلْتَ: جِهَةً وقَدْ يُقالُ الجِهَةُ في الظَرْفِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ نَقْرَؤُها: "وَلِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها"، ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ والبِدارِ إلى سَبِيلِ النَجاةِ، ثُمَّ وعَظَهم بِذِكْرِ الحَشْرِ مَوْعِظَةً تَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَحْذِيرًا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا ﴾ ، يَعْنِي بِهِ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ.

ثُمَّ اتَّصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ لِتَناسُبِ الصِفَةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ ﴾ مَعْناهُ: حَيْثُ كُنْتُ وأنّى تَوَجَّهْتُ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ثُمَّ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْكِيدًا مِنَ اللهِ تَعالى لِأنَّ مَوْقِعَ التَحْوِيلِ كانَ صَعْبًا في نُفُوسِهِمْ جِدًّا فَأكَّدَ الأمْرَ لِيَرى الناسُ التَهَمُّمَ بِهِ فَيَخِفُّ عَلَيْهِمْ وتَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴾ [البقرة: 146]، فهو من تمام الاعتراض، أو عطف على جملة: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ [البقرة: 145] مع اعتبار ما استؤنف عنه من الجُمل، ذلك أنه بعد أن لُقِّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجيب به عن قولهم ﴿ مَا وَلاَّهُم عن قبلتهم ﴾ ، وبعد أن بين للمسلمين فضيلة قبلتهم وأنهم على الحق وأَيْأَسَهم من ترقب اعتراف اليهود بصحة استقبال الكعبة، ذيل ذلك بهذا التذييل الجامع لمعان سامية، طَيَّاً لبساط المجادلة مع اليهود في أمر القبلة، كما يقال في المخاطبات «دَعْ هذا» أو «عَدِّ عن هذا»، والمعنى أن لكل فريق اتجاهاً من الفهم والخشية عند طلب الوصول إلى الحق.

وهذا الكلام موجه إلى المسلمين أي اتركوا مجادلة أهل الكتاب في أمر القبلة ولا يهمنكم خلافهم فإن خلاف المخالف لا يناكد حق المحق.

وفيه صرف للمسلمين بأن يهتموا بالمقاصد ويعتنوا بإصلاح مجتمعهم، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ [البقرة: 177] الآية، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ ، فقوله: ﴿ أين ما تكونوا ﴾ في معنى التعليل للأمر باستباق الخيرات.

فهكذا ترتيب الآية على هذا الأسلوب كترتيب الخُطب بذكر مقدِّمة ومقْصَد وبياننٍ لَه وتَعْلِيل وتَذْيِيل.

و (كل) اسم دال على الإحاطة والشمول، وهو مبهم يتعين بما يضاف هو إليه فإذا حذف المضاف إليه عوض عنه تنوين كل وهو التنوين المسمى تنوين العوض لأنه يدل على المضاف إليه فهو عوض عنه.

وحذف ما أضيف إليه (كل) هنا لدلالة المقام عليه وتقدير هذا المحذوف (أُمَّة) لأن الكلام كله في اختلاف الأمم في أمر القبلة، وهذا المضاف إليه المحذوف يقدر بما يدل عليه الكلام من لفظه كما في قوله تعالى: ﴿ أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله ﴾ [البقرة: 285] أو يقدر بما يدل عليه معنى الكلام المتقدم دون لفظ تقدمه كما في قوله تعالى: ﴿ ولكل جعلنا مولى ﴾ [النساء: 33] في سورة النساء، ومنه ما في هذه الآية لأن الكلام على تخالف اليهود والنصارى والمسلمين في قبلة الصلاة، فالتقدير ولكل من المسلمين واليهود والنصارى وجهة، وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى: ﴿ كل له قانتون ﴾ [البقرة: 116].

والوجهة حقيقتها البقعة التي يتوجه إليها فهي وزن فِعلة مؤنث فعل الذي هو بمعنى مفعول مثل ذبح، ولكونها اسم مكان لم تحذف الواو التي هي فاء الكلمة عند اقتران الاسم بهاء التأنيث لأن حذف الواو في مثله إنما يكون في فعلة بمعنى المصدر.

وتستعار الوجهة لما يهتم به المرء من الأمور تشبيهاً بالمكان الموجه إليه تشبيه معقول بمحسوس، ولفظ ﴿ وجهة ﴾ في الآية صالح للمعنيين الحقيقي والمجازي فالتعبير به كلام موجه وهو من المحاسن، وقريب منه قوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ [المائدة: 48].

وضمير ﴿ هو ﴾ عائد للمضاف إليه (كُل) المحذوف.

والمفعول الأول لموليها محذوف إذ التقدير هو موليها نفسه أو وجهه على نحو ما بيناه في قوله تعالى: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم ﴾ [البقرة: 142] والمعنى هو مقبل عليها وملازم لها.

وقراءة الجمهور «موليها» بياء بعد اللام وقرأه ابن عامر «هو مُوَلاَّها» بألف بعد اللام بصيغة ما لم يسم فاعله أي يوليه إياها مول وهو دينه ونظره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من الوجهة القبلة فاستبقوا أنتم إلى الخير وهو استقبال الكعبة، وقيل المراد لكل أمة قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم فإنكم على الخيرات، وقيل المراد هيكل قبلة فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة فالزموا قبلتكم التي هي قبلة إبراهيم، فإنكم على الخيرات، وقيل المراد لكل قوم قبلة فلا يضركم خلافهم واتركوهم واستبقوا إلى الخيرات إلى الكعبة، وقيل المراد لكل طائفة من المسلمين جهة من الكعبة سيستقبلونها.

ومعاني القرآن تحمل على أجمع الوجوه وأشملها.

وقوله: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ تفريع للأمر على ما تقدم أي لما تعددت المقاصد.

فالمنافسة تكون في مصادفة الحق.

والاستباق افتعال والمراد به السبق وحقه التعدية باللام إلاّ أنه توسع فيه فعدي بنفسه كقوله تعالى: ﴿ واستبقا الباب ﴾ [يوسف: 25] أو على تضمين استبقوا معنى اغتنموا.

فالمراد من الاستباق هنا المعنى المجازي وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه والخيرات جمع خير على غير قياس كما قالوا سرادقات وحمامات.

والمراد عموم الخيرات كلها فإن المبادرة إلى الخير محمودة ومن ذلك المبادرة بالتوبة خشية هاذم اللذات وفجأة الفوات قال تعالى: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿ والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم ﴾ [الواقعة: 10 12] ومن ذلك فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قال تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ [الحديد: 10] وقال موسى: ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ [طه: 84].

وقوله: ﴿ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ﴾ جملة في معنى العلة للأمر باستباق الخيرات ولذلك فصلت لأن العلة لا تعطف إذ هي بمنزلة المفعول لأجله، والمعنى فاستبقوا إلى الخير لتكونوا مع الذين يأتي بهم الله للرفيق الحسن لأن الله يأتي بالناس جميعاً خيرهم وشرهم و(كان) تامة أي في أي موضع توجدون من مواقع الخير ومواقع السوء.

والإتيان بالشيء جلبه وهو مجاز في لازم حقيقته فمن ذلك استعماله في القرب والطاعة.

قال حميد بن ثور يمدح عبد الملك بن مروان: أَتَاكَ بيَ اللَّهُ الذي نَوَّر الهُدَى *** ونُورٌ وإِسْلاَم علَيك دَليل أراد سخرني إليك، وفي الحديث: «اللهم اهْدِ دَوْساً وأْت بها» أي اهدها وقربها للإِسلام ويستعمل في القدرة على الشيء وفي العلم به كما في قوله تعالى: ﴿ إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله ﴾ [لقمان: 16].

وتجيء أقوال في تفطسير ﴿ أينما تكونوا ﴾ على حسب الأقوال في تفسير ﴿ ولكلِّ وجهة ﴾ بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم، لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يُذَكِّركم بالله فاسعوا في مرضاته بالخيرات يَعْلم الله ذلك من كل مكان، أو هو ترهيب أي في أيَّة جهة يأتتِ الله بكم فيثيت ويعاقِب، أوْ هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت، إلى غير ذلك من الوجوه.

وقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل يناسب جميع المعاني المذكورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها ﴾ يَعْنِي ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مِن سائِرِ المِلَلِ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قِبْلَةٌ يَسْتَقْبِلُونَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي صَلاةً يُصَلُّونَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ مُوَلِّيها ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ كُلِّ وِجْهَةٍ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَها ويَسْتَقْبِلُونَها.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ كُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُوَلِّيهِمْ إلَيْها ويَأْمُرُهم بِاسْتِقْبالِها، وقَدْ قُرِئَ هو مَوْلاها وهَذا حَسَنٌ يَدُلُّ عَلى الثّانِي مِنَ القَوْلَيْنِ.

﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَسارِعُوا إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ: لا تُغْلَبُوا عَلى قِبْلَتِكم بِما تَقُولُ اليَهُودُ مِن أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمْ قِبْلَتَهُمُ اتَّبَعُوكُمْ، وهَذا قَوْلُقَتادَةَ.

﴿ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يَعْنِي عَلى إعادَتِكم إلَيْهِ أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ والبِلى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكل وجهة ﴾ يعني بذلك أهل الأديان.

يقول: لكل قبلة يرضونها ووجه الله حيث توجه المؤمنون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾ مضاف قال: مواجهها قال: صلوا نحو بيت المقدس مرة ونحو الكعبة قبله.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن قتادة ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾ قال: هي صلاتهم إلى بيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في المصاحف عن منصور قال: نحن نقرأها ﴿ ولكل جعلنا قبلة يرضونها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾ قال: لكل صاحب ملة قبلة وهو مستقبلها.

وأخرج أبو داود في ناسخة عن أبي العالية ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾ قال: لليهود وجهة هو موليها، وللنصارى وجهة هو موليها فهداكم الله أنتم ايتها الأمة القبلة التي هي القبلة.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ ولكل وجهة هو مولاها ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ يقول: لا تغلبن على قبلتكم.

وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ قال: فسارعوا في الخيرات ﴿ أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ مختصر، أراد: ولكل أهل دين وِجهة (١) قال الفراء: تقول العرب: هذا أمر ليس له وِجْهَةٌ، وليس له وَجْه (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) قال أبو إسحاق: ومثله: وَضْعة وضِعَة وضَعَة (٨) وقوله تعالى: ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ ذكرنا معنى التولية في قوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هُوَ ﴾ (٩) (١٠) (١١) ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً  ﴾ .

والتقدير هاهنا: الله موليها إياه، وإياه ضمير كل الموجَّه (١٢) (١٣) وقال أبو إسحاق: قال أكثر أهل اللغة (١٤) ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ على لفظ كل، ولو قيل: هم (١٥) ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  ﴾ ، كان حسنًا، يريد: كل أهل وجهة هم الذين ولّوا وجوههم إلى تلك الجهة (١٦) والتولية في هذا الموضع: الإقبال، وفي ﴿ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ  ﴾ ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ  ﴾ نصراف، وهو كقولك في الكلام: انصرِفْ إليّ، أي: أقبِلْ إلي، وانصرف إلى أهلك، أي: اذهب إلى أهلك (١٧) ﴿ فَلَنُوَلّيَنَكَ ﴾ أنّ (ولّى) من الأضداد.

قال الزجاج: وكلا القولين جائز (١٨) ﴿ هُوَ ﴾ كناية عن الله تعالى.

وأن يكون كناية عن كلّ.

وقرأ ابن عامر (١٩) (٢٠) (٢١) وقال أبو (٢٢) ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾ فلما كان الله هو الذي يولّي القبلةَ فالإنسان مولًّى (٢٣) ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ رفع؛ لأنها جملة وقعت صفةً لقوله ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ (٢٤) وقال الحسن في هذه الآية: هو كقوله: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا  ﴾ (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ قال أهل التفسير: أراد: إلى الخيرات، فحذف حرف الجر (٢٦) ثنائي عليكم يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَنْ يَمِلْ ...

سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائل (٢٧) قال النحويون: ودعوى (٢٨) (٢٩) ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ  ﴾ وقلَّ ما تراه مستعملا مع الخافض.

وقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ ﴾ قال الفراء: إذا رأيت حروف الاستفهام قد وُصِلت بـ (ما) مثل: أينما، ومتى ما، وكيف ما ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا  ﴾ كانت جزاء ولم تكن استفهامًا.

فإذا لم توصل بـ (ما) كان الأغلب عليها الاستفهام، وجاز فيها الجزاء، فإذا كانت جزاءً جزمت الفعلين، الفعلَ الذي مع أينما وأخواتها، وجوابَه، كقوله: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ ﴾ .

فإذا أدخلت الفاء في الجواب، رفعت الجواب فقلت في مثله من الكلام: أينما تكن فآتيك، ومثله قوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ  ﴾ .

فإذا كانت استفهامًا رفعت الفعل الذي يلي: أين، وكيف، ثم تجزم (٣٠) (٣١) فإذا (٣٢) ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ (٣٣) وقال أبو إسحاق: إنما تجزم ما بعدها، لأنها إذا وصلت بما جزمت ما بعدها، وكان الكلام شرطًا، وكان الجواب جزمًا كالشرط، وإن كانت استفهامًا، نحو: أين زيد؟

فأجبته أجبت بالجزم، تقول: أين بيتُك أزرْكَ؟

المعنى: إن (٣٤) (٣٥) قال أبو علي، فيما استدرك عليه (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) أين تصرِفْ بنا الغداة تجدنا ...

نصرف العيس نحوها للتلاقي (٤٠) (٤١) وأما التفسير: فلأهل التفسير في هذه الآية طريقان: أحدهما: التعميم.

والثاني: التخصيص.

فأما التخصيص فقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ أراد: القبلة في الصلاة لكل أهل دين (٤٢) وقوله ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ قال الزجاج: أي: فبادروا إلى القبول من الله عز وجل، وولّوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا (٤٣) ﴿ الْخَيْرَاتِ ﴾ على صيغتها من العموم، وهي مخصوصة؛ لأنه أراد الابتدارَ إلى استقبال الكعبة.

وقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ قيل: إنه في المؤمنين خاصة، ومعناه: إن الذي سبق في علم الله أنه يصلي إلى الكعبة، فأينما يكونوا في شرق الأرض وغربها، وفي أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، يجمعهم الله على التوجه إلى هذه القبلة، فهذا محمول على صرف وجوه الناس إلى الكعبة للصلاة والمناسك (٤٤) وأما التعميم فقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: من أراد وجهَ الله قبِلَ اللهُ منه، ومن أراد غير ذلك فإن الله يجزيه (٤٥) ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ  ﴾ وكقوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: تنافسوا فيما رغب فيه من الخير لكل عنده ثوابه (٤٦) (٤٧) (١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1248.

(٢) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 90 زيادة: وليس له جهة.

(٣) سقطت من (م).

(٤) في "معاني القرآن" 1/ 90، وسمعتهم يقولون: وجه الحجر، جهةٌ ما له، ووجهة ما له، ووجهٌ ما له.

وينظر: "اللسان" 8/ 4775، "تهذيب اللغة" 4/ 3842 "وجه".

(٥) في (ش) لم يكرر: ما له.

وليس فيها: والضعه والضعة.

(٦) في "معاني القرآن" للفراء 1/ 90: ويقولون: ضعه غير هذه الوضعة، والضِّعة والضَّعة، ومعناه: وجِّه الحجر فله جهة، وهو مَثَلٌ.

(٧) من "معاني القرآن" للفراء 1/ 90 بتصرف، وينظر في معاني الكلمة: "المفردات" ص 529، "اللسان" 8/ 4776 (وجه).

(٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225، ونصه: وكذلك يقال: ضَعَةٌ، ووَضْعة، وضِعَة.

(٩) قال ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 159: وفي هو ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: الله موليها إياهم، أي: أمرهم بالتوجه إليها.

والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون هو ضمير كل.

والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد، أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.

(١٠) قوله: (اسم الله) سقطت من (ش).

(١١) قوله: (أحد مفعولي ..) سقطت من (ش).

(١٢) في (ش): (المؤخر).

(١٣) ينظر: "الحجة" 2/ 239.

(١٤) في "معاني القرآن" للزجاج: قال بعض أهل اللغة.

وهو أكثر القول.

(١٥) في (أ)، (م): (هو).

(١٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225، وليس عنده: وجاء قوله كان حسنًا، وقال في "البحر المحيط" 1/ 437: (وهو)، من قوله: (موليها)، عائد على (كل)، على لفظه، لا على معناه، أي: هو مستقبلها وموجه إليها صلاته التي يتقرب بها، والمفعول الثاني لموليها محذوف؛ لفهم المعنى، أي: هو موليها وجهه أو نفسه، قاله ابن عباس وعطاء والربيع، ويؤيد أن هو عائد على كل، قراءة من قرأ: هو مولاها.

(١٧) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 85 بمعناه.

(١٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 225.

(١٩) في (م): (عباس).

وعند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 85: وقرأ ابن عباس وغيره.

وكذا عند الطبري 2/ 29.

(٢٠) ينظر: "السبعة" ص 171، "الكشف" لمكي 1/ 267، "النشر" 2/ 223.

(٢١) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 240، وزاد: ألا ترى أن في (موليها) ضمير اسم الله عز وجل، فإذا أسند الفعل إلى المفعول به، وبناه له، ففاعل التولية هو الله تعالى، كما كانت القراءة الأخرى كذلك.

(٢٢) في (ش) سقطت (أبو).

(٢٣) في (ش) و (م): كتبت (مولي) بنقطتين.

(٢٤) ينظر: "التبيان" للعكبري ص 99 - 100، "البحر المحيط" 1/ 437.

(٢٥) وفي "البحر المحيط" 1/ 437: وقال الحسن: وجهة: طريقة، كما قال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

(٢٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "تفسير البغوي" 1/ 164،"البحر المحيط" 1/ 439، "الدر المصون" 1/ 407.

(٢٧) البيت للراعي النميري، في مدح يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ينظر "ديوانه" ص 191، "تفسير الثعلبي" 1/ 1249، "البحر المحيط" 1/ 439، "الدر المصون" 1/ 407 وموضع الشاهد قوله: ومن يمل سواكم، أراد: ومن يمل إلى سواكم.

(٢٨) في (ش): (ومعنى دعوى).

(٢٩) سقطت من: (ش).

(٣٠) في (م): (وجزمت).

في (أ)، (م): (فإن).

(٣١) ذكر الفراء في "معاني القرآن" 1/ 86 مثالا غير هذا، فقال: كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ثم أجاب الاستفهام بالجزم، فقال: تبارك وتعالى: (يغفر لكم ذنوبكم).

(٣٢) في (أ)، (م): (فإن).

(٣٣) من "معاني القرآن" للفراء 6/ 85 - 86.

(٣٤) في (ش): (أين).

(٣٥) بتصرف يسير من، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 226.

(٣٦) يعني في كتاب "الإغفال" لأبي علي الفارسي.

(٣٧) كرر كلام أبي إسحاق في نسخة (ش) وهو زيادة لا داعي لها.

(٣٨) "الإغفال" ص 387.

(٣٩) في (ش): (أي).

(٤٠) البيت لابن همام السلولي في "الكتاب" 3/ 58، وبلا نسبة في "الإغفال" ص 389، "شرح ابن يعيش" 4/ 105، "المقتضب" 2/ 48، "شرح الأشموني" 3/ 580، والرواية في بعض نسخ "الإغفال" وبعض المصادر: أين تضرب بنا العُداة (٤١) من "الإغفال" ص 389، باختصار.

(٤٢) ينظر أثر ابن عباس والسدي وابن أبي زيد ومجاهد والربيع وعطاء في هذا: عند ابن جرير 2/ 28، 29، وابن أبي حاتم 1/ 256 - 257.

(٤٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 226، وينظر أثر قتادة عند الطبري في "تفسيره" 2/ 30.

(٤٤) ينظر: "زاد المسير" 1/ 159، "البحر المحيط" 1/ 439.

(٤٥) تقدم الحديث عن هذه الرواية.

(٤٦) تقدم الحديث عن هذه الرواية، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 30 حيث روى عن الربيع وابن أبي زيد ما يدل على العموم، وكذا ابن أبي حاتم 1/ 257، وينظر: "زاد المسير" 1/ 159، "البحر المحيط" 1/ 439، "التفسير الكبير" 4/ 131 - 133.

(٤٧) من قوله: (وقوله تعالى: ...) ساقط من (أ)، (م).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ جهة ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لأن اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أي يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر القبلة ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ولك أي لكل أحد أو لكل طائفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ أي بادروا إلى الأعمال الصالحات ﴿ يَأْتِ بِكُمُ الله ﴾ أي يبعثكم من قبوركم ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية: معناها أن الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتحوّل إلى الكعبة، فلما صلى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.

ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة ﴿ وَلأُتِمَّ ﴾ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأتمّ، أو معطوف على لئلا يكون ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا ﴾ متعلق بقوله لأتم، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له.

قوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ .

قال بعض المُفْتُون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود.

ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف برسول الله  ؟

إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختيار، فلا يحتمل.

ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يؤمر بعد التوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن يقال: "قبلة ترضاها"؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها.

وهذا جائز في الكلام.

يقول الرجل لآخر: أعطيك شيئاً ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا التردد.

وقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .

وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم.

والثاني: أي علموا بما بُيِّن له في كتبهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه سلم، وأنه حق.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .

في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمداً  في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله  ، ودعوى الكذب عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن.

فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصاً.

وكان ظاهراً في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعاً المعنى الذي وصفنا لك.

فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له.

ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عز وجل.

وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ .

فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، أي: وما لك أن تتابعهم في القبلة، وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر الآية على الوعيد له بقوة.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي.

ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .

لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق، دليله قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

والكتمان أبداً إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان.

وروي عن عبد الله بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي.

وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث أخبر أنهم كتموا ذلك.

وقيل: ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ  ﴾ : لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفي بذهاب نفعه، وجائز أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره.

ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء.

وقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: "هو موليها" [يعني الله موليها] ومحولها.

وقيل: "هو" يعني المصلي، هو موليها.

وقيل: ولى - أقبل وأدبر - ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ هو مستقبلها.

ويقال في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت قبلتها الكعبة.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات.

وقيل: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ﴾ هو اسم الازدحام، يقول: يبادر بعضكم بعضاً بالخيرات.

ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة.

والله ورسوله أعلم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إينما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة.

وقيل: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ ﴾ أي في أي حال كنتم - عظاماً ناخرة أو بالية أو رفاتاً - يجمعكم الله ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً  قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً  أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء والإماتة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكل أمة من الأمم جهة يتجهون إليها حسية كانت أو معنوية، ومن ذلك اختلاف الأمم في قبلتهم وما شرع الله لهم، فلا يضر تنوع وجهاتهم إن كان بأمر الله وشرعه، فتسابقوا أنتم -أيها المؤمنون- إلى فعل الخيرات التي أُمرتم بفعلها، وسيجمعكم الله من أي مكان كنتم فيه يوم القيامة؛ ليجازيكم على عملكم، إن الله على كل شيء قدير، فلا يعجزه جمعكم ولا مجازاتكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ykQoe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

احتج تعالى على أهل الكتاب بقوله ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ  ﴾ وقوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ أي وإذا كان الأمر كذلك فكل ما يأتي به عن الله فهو حق فما بالهم يشاغبون في مسألة القبلة من الأحكام الفرعية خاصة؟

فالكلام من قبيل إقامة الدليل بعد إيراد الدعوى وليس اعتراضًا كما توهم بعضهم، ثم جاء بحجة أخرى على أهل الكتاب وغيرهم ترغم أنوف المعارضين، وختم بعدها الأمر بتولية الوجوه نحو المسجد الحرام وتأكيده فقال ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  ﴾ وقرأ ابن عامر"مولاها" أي لكل أمة من الأمم وجهة توليها في صلاتها فلم تكن جهة من الجهات قبلة في كل ملة بحيث تعد ركنًا ثابتًا في الدين المطلق كتوحيد الله تعالى والإيمان بالبعث والجزاء.

فإبراهيم وإسماعيل كانا يوليان الكعبة، وكان بنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس، وترك النصارى ذلك إلى استقبال المشرق، وكان الأنبياء المتقدمون يستقبلون جهات أخرى، فإذا كان الأمر كذلك ولم تكن جهة معينة ركنًا ثابتًا في الأديان، فأي شبهة من العقل أو من تقاليد الملل على فتنة المشاغبين في أمر القبلة؟

وأي وجه لما أظهروه من الشبهة والحيرة، وزجوا أنفسهم فيه من الغمة، حتى جعلوه مسوغًا للطعن في النبوة والتشريع؟

وسيأتي إيضاح لهذه الحجة في تفسير قوله تعالي ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ  ﴾ إلخ.

وإذا لم تكن مسألة القبلة المعينة من أصول الدين ولا من مخه وجوهره الذي لا يتغير، بل كانت ولا تزال من الفروع التي تختلف باختلاف حال الأمم فالواجب فيها الاتباع المحض، والتسليم لأمر الوحي، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس كما هو الشأن في أمثالها من الفروع المأخوذة بالتسليم كعدد الركعات وكون الركوع مرة والسجود مرتين في كل ركعة فكيف وقد ظهرت؟

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ  ﴾ أي ابتدروا كل نوع من أنواع الخير بالعمل وليحرص كل منكم على سبق غيره إليه باتباع الإمام المرشد لا باتباع الهوى.

وهذا الأمر عام موجه إلى أمة الدعوة لا خاص بالمؤمنين المستجيبين لله والرسول.

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا  ﴾ ذكر الجزاء يوم البعث بعد الأمر باستباق الخيرات ليفيد أن الجزاء إنما يكون على فعل الخيرات أو تركها، لا على الكون في بلد كذا أو جهة كذا، أي ففي أي جهة وأي مكان تقيمون فالله تعالى يأتي بكم ويجمعكم ليوم الحساب، إذ البلاد والجهات لا شأن لها في أمر الدين لذاتها وإنما الشأن لعمل البر واستباق الخيرات ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ ، فلا يعجزه الإتيان بالناس مهما بعدت بينهم المسافات، وتناءت بهم الديار والجهات، فالتصريح بالقدرة تذكر بالدليل على الدعوى، والأمر بالخيرات هنا بعد بيان اختلاف الملل في القبلة إجمال يفصله ذكر أنواع البر في آية ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ المشار إليها آنفًا وستأتي، كأنه يقول للفاتنين والمفتونين في مسألة القبلة إن مخ الدين وجوهره هو في المسارعة إلى الخيرات فهل رأيتم محمدًا وأتباعه قصروا عن غيرهم في ذلك أم هم السابقون إلى كل مكرمة، المسارعون إلى كل مبرة، المتصفون بكل فضيلة؟

ففي الكلام، مع بيان روح الدين ومقصده، تعريض بأهل الكتاب الذين تركوا فضائل الدين وقصروا في عمل الخير والبر، واكتفوا من علم الدين بالجدال والمراء، واستنباط الشبه للطعن في العاملين، إذ لم يكونوا من المجادلين المشاغبين، ثم ترك المسلمون فضائل سلفهم، واتبعوا سنتهم في بدعهم وجدلهم، حتى صاروا حجة على دينهم.

﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ أي ومن أي مكان خرجت وفي أي بقعة حللت فول وجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام، فهو حكم عام...

أعاد الأمر في صورة أخرى ليبيّن أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان لا يختص ببلاد دون أخرى ولا بحضر دون سفر.

وقد كان الأمر بالتحويل نزل على النبي  وهو في الصلاة فأعلمه بصيغة الأمر أنه ليس خاصًا بتلك الصلاة ولا بذلك المكان بل عليه أن يفعل ذلك من حيث خرج وأين توجه.

ومن مزايا هذه القبلة أن أصاحبها يصلون إلى جميع الجهات بتوليهم إياها من أقطار الأرض المختلفة، وقد وثق الأمر وأكده بقوله ﴿ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ  ﴾ أي وإن توليك إياه لهو الحق المحكم بوحي ربك فلا ينسخ ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ أي إنكم أيها المخاطبون باتباع النبي في كل ما يجيء به من أمر الدين تحت نظر الحق دائمًا فهو لا يغفل عن أعمالكم ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وفي الكلام التفات عن خطاب النبي  إلى خطاب جميع المكلفين، بما فيه من التعريض والتهديد للمنافقين -وقرأ أبو عمرو"يعملون"بالياء، وهو يعود إلى أولئك المجادلين في القبلة- يقول لنبيه لا يحزنك أمرهم، فإن الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم، وما هو بغافل عم فسادهم وفتنتهم.

﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ ابتدأ هذه الآية بصيغة الأمر الواردة في الآية قبلها وقرن بها صيغة الأمر السابقة وجمع فيها بين خطاب النبي وخطاب الأمة ليرتب على ذلك التعليل وبيان الحكم له وهي ثلاث: الأولى: قوله ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ  ﴾ ليس هذا الجمع والإعادة لمجرد التأكيد كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره، وإنما هو تمهيد للعلة وتوطئة لبيان الحكم الموصولة به.

وهو أسلوب معهود عند البلغاء -والمتأخرون الذين لا يذوقون طعم الأساليب البليغة يكتفون في مثل هذا المقام بقولهم: كل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة: وهو نظم غير معهود الكلام البليغ ولا سيما مقام الإطناب والتأكيد والاحتجاج وإزالة الشبه.

والمراد بالناس المحاجون في القبلة المعروفون وهم أهل الكتاب والمشركون، وتبعهما المنافقون.

ووجه انتفاء حجتهم على الطعن في النبوة بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة هو أن أهل الكتاب كانوا يعرفون من كتبهم أن النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فجعل بيت المقدس قبلة دائمة له حجة على أنه ليس هو النبي المبشر به، فلما كان التحويل عرفوا أنه الحق من ربهم، وأن المشركين كانوا يرون أن نبيًا من ولد إبراهيم جاء لإحياء ملته لا ينبغي له أن يستقبل غير بيت ربه الذي بناه وكان يصلي هو وإسماعيل إليه، فدحضت حجة الفريقين وكبت المنافقون من ورائهم.

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ أي لكن الذين ظلموا منهم يظلون يلغطون بالاحتجاج جهلًا أو عنادًا للإضلال، كقول اليهود رجع إلى قبلة قومه لإرضائهم وسيرجع إلى دينهم، وقول المشركين رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، وقول المنافقين إنه مضطرب متردد لا يثبت على قبلة، وأمثال هذه الآراء، التي يزينها الهوى للأعداء، فهم لا يهتدون بكتاب ولا يعتبرون ببرهان، ولا ينظرون إلى حكم الأمور وأسرارها، بل يجادلون في الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير، وهم الذين أثاروا الفتنة وحركوا رياح الشبه في مسألة القبلة.

ولا قيمة لما يقول هؤلاء الظالمون فإنهم هم السفهاء كما وصفوا في الآية الأولى ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ  ﴾ إذ لا مرجع لكلامهم من الحق، ولا تمكن له في النفس، لأنه لا يستند إلى برهان عقلي ولا إلى هدي سماوي ﴿ وَاخْشَوْنِي  ﴾ أنا فلا تعصوني بمخالفة ما جاءكم به رسولي عني فإنني القدير على جزائكم بما وعدتكم وأوعدتكم وقد وعدت الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن أُمكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإنني لا أخلف الميعاد.

والآية ترشدنا إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه وأن المبطل لا ينبغي أن يخشى، فإن الحق يعلو ولا يعلى، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل فيه، أما من له شبهة حق كصاحب النية السليمة يشتبه عليه الأمر فيترك الحق لأنه عمي عليه، ولو ظهر له لأخذ به، فهو أيضًا لا يخشى جانبه.

وقوله ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا  ﴾ يعم اليهود ومشركي العرب والمنافقين خلافًا لمن قالوا إنهم المشركون خاصة، مع أنهم فسروا السفهاء بما يعم الفريقين أو الثلاثة، وما هؤلاء الذين ظلموا إلا أولئك السفهاء الذين اعترضوا.

ثم ذكر العلة أو الحكمة الثانية فقال: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  ﴾ باستقبال قبلتكم في بيت ربكم الذي بناه جدكم، وجعل الأمم فيها تبعًا لكم.

وبيانه أن هذا النبي عربي من ولد إبراهيم، وبلسان العرب نزل عليه الكتاب، وهم قومه الذين بعث فيهم أولًا وظهرت دعوته فيهم وامتدت منهم وبهم إلى سائر الأمم، وكانوا، إذا آمنوا يحبون أن تكون وجهتهم في عبادتهم بيتهم الحرام، وأن يحيوا سنة إبراهيم بتطهيره من عبادة الأصنام، لأنه معبدهم، وأشرف أثر عندهم، ينسب إلى أبيهم إبراهيم الذي بناه ورفع قواعده لعبادة الله تعالى، وهو شرفهم ومجدهم، وموطن عزهم وفخرهم، فأتم الله عليهم النعمة بإعطائهم ما يحبون، وتوجيه جميع شعوب الإسلام إلى بلادهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما لا يحصى من النعم.

نعم إن كل أمر من الله تعالى فامتثاله نعمة ولكنه إذا كان فيه حكمة ظاهرة وشرف للأمة يتعلق بتاريخها الماضي، وبمجدها الآتي، وكان أثره حميدًا نافعًا فيها، تكون النعمة به أتم والمنة أكمل، ولذلك عبر بالإتمام.

ومن الحكمة في جعل القبلة في أول الأمر بيت المقدس أن الكعبة كانت في أول الإسلام مشغولة بالأصنام والأوثان، وكان سلطان أهل الشرك متمكنًا فيها والأمل في انكشافه عنها بعيدًا فصرفه الله أولًا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشرك -وقد كان الله أمر إبراهيم بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود- إلى بيت المقدس قبلة اليهود الذين هم أقرب من المشركين إلى ما جاء به من التوحيد والتنزيه.

ولما قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والأوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيين عنه، جعله الله تعالى قبلة للموحدين ليوجه النفوس إليه فيكون ذلك مقدمة لتطهيره وإتمام النعمة بالاستيلاء عليه، والسير فيه على ملة إبراهيم من التوحيد والعبادة الصحيحة لله تعالى وحده.

ثم ذكر  الحكمة الثالثة لتحويل القبلة فقال: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي وليعدكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق والرسوخ فيه، فإن المعارضات والمحاجات تظهر ضعف الباطل وزهوقه، وتبين قوة الحق وثبوته، فالحجة تتبختر اتضاحًا، والشبهة تتضاءل افتضاحًا، وقد خلت سنة الكون بأن الفتن تنير الطريق لأهل الحق، وترخي سدول ظلمته على أهل الباطل، وتمحص المؤمنين، وتمحق الكافرين.

كل إنسان يرى نفسه على الحق في الجملة، ولكن التمكن في المعرفة والثبات على الحق لا يعرف في الغالب إلا إذا وجد للمحق خصم ينازعه ويعارضه في الحق، هنالك تتوجه قواه إلى تأييد حقه وتمكينه، ويحس بحاجته إلى المناضلة دونه والثبات عليه، كثيرًا ما يظهر الباطل الحق بعد خفائه، فإن المعارضة في الحق تحمل صاحبه على تنقيحه وتحريره وتنقيته مما عساه يلتصق به أو يجاوره من غواشي الباطل، وتجعل علمه به مفصلًا بعد أن كان مجملًا، ومبرهنًا عليه بعد أن كان مسلمًا، فهي مدرجة الكمال لأهل اليقين، ومزلة الريب للمقلدين، قال بعض الصوفية: جزى الله أعداءنا عنا خيرًا إذ لولاهم ما وصلنا إلى شيء من مقامات القرب: وقال الشاعر: عداتي لهم فضل عليّ ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ذلك بأن العدو ينقب عن الزلات، ويبحث في الهفوات، وطالب الحق يتوجه دائمًا إلى الاستفادة من كل شيء، والنظر من كل أمر إلى موضع العبرة، وطريق الحقيقة، فإذا وجد في كلام العدو مغمزًا صحيحًا توقاه، أو عثارًا في طريقه نحاه، وإن ظهر له أنه باطل ثبت على حقه، وعرف منافذ الطعن فيه فسدها، فكان بذلك من الكملة الراسخين.

لهذا كله كانت الفتنة التي أثارها السفهاء على المؤمنين في مسألة القبلة مُعِدَّة للاهتداء ووسيلة إلى الثبات على الحق بعد نزول هذه الآيات البينات والحجج الناهضات في بيانه وحكمة الله تعالى فيه.

ثم قال تعالى ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ  ﴾ أي يتم نعمته عليكم باستيلائكم على بيته الذي جعله قبلة لكم، وتطهيركم إياه من عبادة الأصنام والأوثان، وهو البيت الذي في بلادكم، وموضع شرفكم وفخركم، كما أتمها عليكم بإرساله رسولًا منكم، فالقبلة في بلادكم، والرسول من أمتكم.

والخطاب للعرب كما هو ظاهر.

ثم وصف هذا الرسول بالأوصاف التي كان بها نعمة تامة، ورحمة شاملة، فقال ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا  ﴾ الدالة على أن ما جاء به من التوحيد والهداية هو الحق من عند الله، وهذه الآيات أعم من أن تكون آيات القرآن أو غيرها من الدلائل والبراهين على أصول الدين، وقد تقدم في تفسير الآيات في دعوة إبراهيم بأن الآيات يصح أن يراد بها الآيات الكونية والعقلية، وأن يراد بها آيات الوحي، والتعميم أولى، وإنما خصها بعض المفسرين بآيات القرآن بقرينة ﴿ يتلو  ﴾ على أن التلاوة أعم، فكل برهان يقيمه فقد تلا عليهم عبارته، وذكر لهم فيه آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، ووجه المنة أنه يقودهم إلى الحق بالدليل والبرهان، دون التقليد والتسليم بغير فهم ولا إذعان، والطريقة الأولى يكون بها العقل مستقلًا، والدين مؤيدًا له هاديًا، لا مرغمًا ولا معطلًا.

الآيات تتعلق بإثبات العقائد وأصول الدين وهي المقصد الأول، ويليها تهذيب الأخلاق ولذلك قال ﴿ ويزكيكم  ﴾ أي يطهر نفوسكم من الأخلاق السافلة، والرذائل الممقوتة، ويخلقها بالأخلاق الحميدة بما لكم فيه من حسن الأسوة، لا بالقهر والسطوة، وخص المفسر (الجلال) التزكية بالتطهير من الشرك.

وهذا لا يصح فإن الإسلام كما جاء بالتوحيد الماحي للشرك، جاء بالتهذيب المطهر من سَفْسَاف الأخلاق وقبائح العادات والمعاصي التي كانت فاشية في العرب، فقد كانوا يئدون بناتهم -يدفنونهن حيات- ويقتلون أولادهم للتخلص من النفقة عليهم، وذلك نهاية القسوة والشح، وكانوا يسفكون الدماء فيما بينهم لأهون سبب يثير حميتهم الجاهلية، لما اعتادوه من البغي في الثارات ومن شن الغارات ونهب بعضهم بعضًا، وكان عندهم من التسفل أن أحدهم يتزوج زوج أبيه أو يعضلها حتى تفتدي منه، إلى غير ذلك.

وقد زكاهم النبي  من ذلك كله باقتدائهم بأخلاقه العظيمة في عباداته الكاملة وآدابه العالية، وجمعهم بعد تلك الفرقة، وألف الله بينهم على يديه حتى صاروا كرجل واحد.

وجعلت شريعته ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم، فإذا أعطى مولى أو رقيق لهم أمانًا لأي إنسان محارب كان ذلك كتأمين أمير المؤمنين له، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية؟

وبعد ذكر التربية العملية بالأسوة الحسنة ذكر أمر التعليم فقال ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ أي الكتاب الإلهي أو الكتابة التي تخرجون بها من ظلمة الأمية والجهل إلى نور العلم والحضارة.

ويجوز الجمع بين المعنيين على القول الصحيح باستعمال المشترك في معنييه أو فيما يقتضيه المقام من معانيه.

وأما الحكمة فهي العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها الباعث على العمل.

وفسرنا بعضهم بالسنة.

دعا القرآن إلى التوحيد، وأمهات الفضائل، وبين أصول الأحكام، ولكنه لم يفصل سيرة الملوك والرؤساء مع السوقة والمرؤوسين، ولم يفصل سيرة الرجل مع أهل بيته في الجزئيات، وهو ما يسمونه نظام البيوت -العائلات- ولم يفصل طرق الأحكام القضائية والمدنية والحربية، وذلك أن هذه الأمور ينبغي أن تؤخذ بالأسوة والعمل بعد معرفة القواعد العامة التي جاءت في الكتاب، لذلك كانت السنة هي المبينة لذلك بالتفصيل بسيرة النبي  في بيوته ومع أصحابه في السلم والحرب والسفر والإقامة، وفي حال الضعف والقوة والقلة والكثرة، فالسنة العملية المتواترة هي المبينة للقرآن بتفصيل مجمله وبيان مبهمه، وإظهار ما في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولهذا أطلق عليها لفظ الحكمة فإنها كانت كالحَكَمة (بالتحريك) لتأديب الفرس، ولولا هذه التربية بالعمل لما كان الإرشاد القولي كافيًا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل والأمية إلى الائتلاف والاتحاد والتآخي والعلم وسياسة الأمم.

فالسنة هي التي علمتهم كيف يهتدون بالقرآن، ومرنتهم على العدل والاعتدال في جميع الأحوال.

كلنا يعرف الحلال والحرام والفضيلة والرذيلة، وقلما ترى أحدًا عاملًا بعلمه، وإنما السبب في ذلك أن الأكثرين يعرفون الحكم دون حكمته، ودون الأسوة الحسنة في العمل به، فهم لا يفقهون لم كان هذا حرامًا، ولا تنفذ أفهامهم في أعماق الحكم فتصل إلى فقهه وسره، فتعلم علمًا تفصيليًا ما وراء المحرم من الضرر لمرتكبه وللناس، وما وراء الواجبات والمندوبات من المنافع العامة والخاصة ولو علموا ذلك وفقهوه بالتربية عليه وملاحظة آثاره والاقتداء بالمعلمين والمربين في العمل به -كما أخذ الصحابة عن الرسول  - لخرجوا من ظلمة الإجمال والإبهام في المعرفة إلى نور التجلي والتفصيل، حتى تكون الجزئيات مشرقة واضحة، ولكان هذا العلم معينًا لهم على إحلال الحلال..

ربما فقدت بعض الأسطر .

ليحكم المملكة العظيمة فيقيم فيها العدل ويحسن السياسة وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، ولكنه فقهه حق فقهه.

هذا المعنى -فقه الدين ومعرفة أسرار الأحكام- غير التزكية، بيد أنه يتصل بها ويعين عليها، حتى يطابق العلم العمل، فهذه الآية نبأ عن استجابة دعوة إبراهيم  ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ  ﴾ الآية.

وقد تقدم هناك ذكر تعليم الكتاب والحكمة على التزكية، وقدم هنا ذكر التزكية على تعليم الكتاب والحكمة.

والنكتة في ذلك أن إبراهيم  لاحظ في دعوته الطريق الطبيعي وهى أن التعليم يكون أولًا ثم تكون التزكية ثمرة له ونتيجة، وههنا ذكر الترتيب بحسب الوجود والوقوع، وذلك أن أول شيء فعله النبي  هو أن دعا الناس إلى الإيمان بما تلا عليهم من آيات الله تعالى ودلائل توحيده، وإلى الاعتقاد بإعادة الناس ليوم لا ريب فيه يحاسب فيه كل نفس ويجزيها بعملها وصفاتها فأجاب الناس دعوته بالتدريج، وكل من آمن له كان يقتدي به في أخلاقه وأعماله ولم تكن هنالك أحكام ولا شرائع، ثم شرعت الأحكام بالتدريج، فالتزكية بالتأسي به  كانت متأخرة عن إقامة الآيات والدلائل على أصول الإيمان، ومقدمة على تلقي الشرائع والتفقه في الأحكام.

ثم قال تعالى ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما لم يسبق لكم به علم من شؤون العالم ونظام البيوت والمعاشرة الزوجية وسياسة الحروب والأمم.

وقال البيضاوي وغيره"ما لم تكونوا تعلمونه بالنظر والفكر، إذ لا سبيل لمعرفته سوى الوحي، وكرر الفعل ليدل على أنه جس آخر" يعني كأخبار عالم الغيب وسيرة الأنبياء، وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم وكثير منها كان مجهولًا عند أهل الكتاب أيضًا.

فإنه  صحح أغلاطهم، وبين سقاطهم.

وخص هذا بالذكر وإن كان مما اشتمل عليه الكتاب اهتمامًا به، وتنويهًا بشأنه، فكأنه قال: ويعلمكم في الكتاب ما لم تكونوا تعلمونه..

هذا ما قالوه..

ويصح أن يراد ما لم تكونوا تعلمون من شؤون أنفسكم، والسنن الإلهية الحاكمة فيكم، وقد بلغوا بتعليمة وإرشاده  مبلغًا فاقوا فيه سائر الأمم، أي فالتعليم ليس محصورًا في الكتاب بل هناك زيادة أعد الله تعالى نبيه لتبيينها، والمقابلة بين هذا التعليم وتعليم الكتاب مبينة على أن المراد بالكتاب القرآن وبالآيات الدلائل.

وقد تقدم فيه وجه آخر وهو أنه مصدر كتب أي ويعلمكم الكتابة بعد أن كنتم أميين.

﴿ فاذكروني  ﴾ في قلوبكم بما شرعت من أمر القبلة للفوائد الثلاث التي تقدم شرحها، وبما أتممت عليكم من النعمة بإرسال رسول منكم يعلمكم ويزكيكم، وبكل ما أنعمت عليكم من ثمرات ذلك، ولا تنسوا أنني أنا المتفضل بإضافة هذه النعم عليكم ﴿ أذكركم  ﴾ بإدامتها وتمكينها والزيادة عليها من النصر والسلطان وغير ذلك من أسباب السعادة -واذكروني بألسنتكم بأسمائي الحسنى، والتحدث بنعمي التي لا تحصى، والثناء علي بها سرًا وجهرًا، أذكركم في الملأ الأعلى برضائي عنكم وقربي منكم.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله  "يقول الله  : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا"إلخ الحديث.

هذه الكلمات من الله تعالى كبيرة جدًا كأنه يقول.

إنني أعاملكم بما تعاملونني به، وهو الرب ونحن العبيد، وهو الغني عنا ونحن الفقراء إليه.

أي وهذه أفضل تربية من الله تعالى لعباده: إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل.

ثم بعد أن علمهم ما يحفظ النعم أرشدهم إلى ما يوجب المزيد بمقتضى الجود والكرم فقال: ﴿ واشكروا لي  ﴾ هذه النعم بالعمل بها وتوجيهها إلى ما وجدت لأجله ﴿ ولا تكفرون  ﴾ أي لا تكفروا نعمي بإهمالها أو صرفها إلى غير ما وجدت لأجله بحسب الشرع والسنن الإلهية.

وهذا تحذير لهذه الأمة مما وقعت فيه الأمم السالفة إذ كفرت بنعم الله تعالى فحولت الدين عن قطبه الذي يدور عليه وهو الإخلاص وإسلام الوجه لله وحده والعمل الصالح المصلح للأفراد والاجتماع، وعطلت ما أعطاها الله من مواهب المشاعر والعقل والملك فلم تستعملها فيما خلقت له، وهكذا انحرفوا بكل شيء عن أصله، فسلبهم الله ما كان وهبهم تأديبًا لهم ولغيرهم، ثم رحمهم بأن أرسل إليهم خاتم النبيين بهداية عامة تعرفهم وجه تلك العقوبات الإلهية وتحذرهم العود إلى أسبابها، وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر زمنًا قصيرًا فسعدوا، ثم تركوها بالتدريج فحل بهم ما نرى كما قال ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  ﴾ فإذا عادوا عاد الله عليهم بما كان أعطى سلفهم وإلا كانوا من الهالكين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله