الآية ٤٦ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٤٦ من سورة الحج

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض ) أي : بأبدانهم وبفكرهم أيضا ، وذلك كاف ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " : حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر ، حدثنا مالك بن دينار قال : أوحى الله تعالى إلى موسى ، عليه السلام ، أن يا موسى ، اتخذ نعلين من حديد وعصا ، ثم سح في الأرض ، واطلب الآثار والعبر ، حتى تتخرق النعلان وتكسر العصا .

وقال ابن أبي الدنيا : قال بعض الحكماء : أحي قلبك بالمواعظ ، ونوره بالفكر ، وموته بالزهد ، وقوه باليقين ، وذلله بالموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره ما أصاب من كان قبله ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا ، وأين حلوا ، وعم انقلبوا .

أي : فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) أي : فيعتبرون بها ، ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) أي : ليس العمى عمى البصر ، وإنما العمى عمى البصيرة ، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ، ولا تدري ما الخبر .

وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة الأندلسي الشنتريني ، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة : يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان : الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ، ففيم ترى في رأسك الواعيان : السمع والبصر؟

ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان : العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ، ولا الفلك ال أعلى ولا النيران : الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا ، وإن كرها فراقها الثاويان : البدو والحضر

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: أفلم يسيروا هؤلاء المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد, فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبي رسل الله الذين خلوْا من قبلهم, كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب, وأوطانهم ومساكنهم, فيتفكَّروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها، سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله, فينيبوا من عتوّهم وكفرهم, ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ( قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) حجج الله على خلقه وقدرته على ما بيَّنا( أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ) يقول: أو آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل.وقوله: ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ ) يقول: فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها, بل يبصرون ذلك بأبصارهم; ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن أنصار الحق ومعرفته.

والهاء في قوله: ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى ) هاء عماد, كقول القائل: إنه عبد الله قائم.

وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " فإنَّهُ لا تَعْمَى الأبْصَارُ".وقيل: ( وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) والقلوب لا تكون إلا في الصدور, توكيدا للكلام, كما قيل: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدورقوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض يعني كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى فيتعظوا ، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم .

فتكون لهم قلوب يعقلون بها أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الأذن .

وقد قيل : إن العقل محله الدماغ ؛ وروي عن أبي حنيفة ؛ وما أراها عنه صحيحة .

فإنها لا تعمى الأبصار قال الفراء : الهاء عماد ، ويجوز أن يقال فإنه ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، والمعنى واحد ، التذكير على الخبر ، والتأنيث على الأبصار أو القصة ؛ أي فإن الأبصار لا تعمى ، أو فإن القصة .

لا تعمى الأبصار أي أبصار العيون ثابتة لهم .

ولكن تعمى القلوب التي في الصدور أي عن درك الحق والاعتبار .

وقال قتادة : البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة ، والبصر النافع في القلب .

وقال مجاهد : لكل عين أربع أعين ؛ يعني لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لآخرته ؛ فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا ، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا .

وقال قتادة ، وابن جبير : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى .

قال ابن عباس ، ومقاتل : لما نزل ومن كان في هذه أعمى قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله ، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى ؟

فنزلت فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .

أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

دعا الله عباده إلى السير في الأرض، لينظروا، ويعتبروا فقال: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } بأبدانهم وقلوبهم { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } آيات الله ويتأملون بها مواقع عبره، { أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أخبار الأمم الماضين، وأنباء القرون المعذبين، وإلا فمجرد نظر العين، وسماع الأذن، وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار، غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب، ولهذا قال: { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } أي: هذا العمى الضار في الدين، عمى القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات، وأما عمى البصر، فغايته بلغة، ومنفعة دنيوية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفلم يسيروا في الأرض ) يعني : كفار مكة ، فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية ، ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) يعني : ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها ، ( فإنها ) الهاء عماد ، ( لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ذكر " التي في الصدور " تأكيدا كقوله : ( يطير بجناحيه ) ( الأنعام : 38 ) معناه أن العمى الضار هو عمى القلب ، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين ، قال قتادة : البصر الظاهر : بلغة ومتعة ، وبصر القلب : هو البصر النافع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفلم يسيروا» أي كفار مكة «في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها» ما نزل بالمكذبين قبلهم «أو آذان يسمعون بها» أخبارهم بإلاهلاك وخراب الديار فيعتبروا «فإنها» أي القصة «لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» تأكيد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفلم يَسِر المكذبون من قريش في الأرض ليشاهدوا آثار المهلكين، فيتفكروا بعقولهم، فيعتبروا، ويسمعوا أخبارهم سماع تدبُّر فيتعظوا؟

فإن العمى ليس عمى البصر، وإنما العمى المُهْلِك هو عمى البصيرة عن إدراك الحق والاعتبار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد ، إلى التوبيخ والتقريع لهؤلاء المشركين ، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا .

.

.

) .والاستفهام للتوبيخ والإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام .والمعنى : إن مصارع الغابرين وديارهم ، يمر بها كفار قريش ، ويعرفونها ، فهم يرون فى طريقهم إلى الشام قرى صالح وقرى لوط .

.

.

.

قال - تعالى - : ( وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) والشأن فى هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ ، متى كان عنده قلب يعقل ما يجب فهمه ، أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه ، ولكن هؤلاء الجاهلين يرون مصارع الغابرين فلا يعقلون ، ولا يعتبرون ، ويسمعون الأحاديث عن تلك الآبار المعطلة ، والقصور الخالية من سكانها ، والمنازل المهدمة ، فلا يتعظون .وقوله - تعالى - : ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) بيان لسبب انطماس بصائرهم ، وقسوة قلوبهم .والضمير فى قوله ( فَإِنَّهَا ) للقصة : أى : فإن الحال أنه لا يعتد بعمى الأبصار ، ولكن الذى يعتد به عمى القلوب التى فى الصدور ، وهؤلاء المشركون قد أصيبوا بالعمى الذى هو أشنع عمى وأقبحه ، وهو عمى القلوب عن الفهم وقبول الحق .وذكر - سبحانه - أن مواضع القلوب فى الصدور ، لزيادة التأكيد ، ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التى حدد - سبحانه - موضعها تحديدا دقيقا .قال الآلوسى : فالكلام تذييل لتهويل ما نزل بهم من عدم فقه القلب ، وأنه العمى الذى لا عمى بعده ، بل لا عمى إلا هو ، أو المعنى : إن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها .

وإن العمى بقلوبهم ، فكأنه قيل : أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر ، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم ، وهى الآفة التى كل آفة دونها .

كأنه يحثهم على إزالة المرض وينعى عليهم تقاعدهم عنها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم.

فإن قيل: ولم قال: ﴿ وَكُذّبَ موسى ﴾ ولم يقل قوم موسى؟

فالجواب: من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ﴾ يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ استفهام تقرير (ي)، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، أليس كان واقعاً قطعاً؟

ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً؟

ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض.

فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلابد من الرضاء والتسليم، وإن شق ذلك على القلب.

واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غماً، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالاً بعد حال، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا.

وههنا بحث، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم.

قال الحسن: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند الله حد (اً) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني: أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله: ﴿ حتى إِذَا استيئس الرسل  ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن  ﴾ وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا  ﴾ أي بالعذاب نجينا هوداً، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟

قلنا إذا كان رادعاً لغيره وصادعاً له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً.

أما قوله: ﴿ فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: ﴿ فَكَأَيِّن ﴾ فكم على وجه التكثير، وقيل أيضاً معناه، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالاً وإن لم يذكر مفصلاً.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة ﴿ أهلكناها ﴾ بالنون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ أهلكتها ﴾ وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أهلكناها ﴾ أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب.

أما قوله وهي: ﴿ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟

فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله، فإن فسرنا الخاوي بالساقط، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلاً للاعتبار.

السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب.

أعني ﴿ وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال والثانية: لا محل لها لأنها معطوفة على (أهلكناها) وهذا الفعل ليس له محل.

قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية.

أما قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني: أنه المرفوع المطول، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر.

وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  ﴾ ، والله أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناها قوم صالح، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى، وعطل بئرهم وخرب قصورهم، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت.

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور ﴾ كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ﴾ هل يدل على الأمر بالسفر الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا.

السؤال الثاني: ما معنى الضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ والجواب: هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثاً ومذكراً وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره الأبصار.

السؤال الثالث: أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟

الجواب: أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت، لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً، ولكني تعمدته على اليقين.

وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر.

السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟

الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ العلم وقوله: ﴿ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يحتمل أنهم لم يسافروا فحثّوا على السفر؛ ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا.

وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا.

وقرئ: ﴿ فيكون لهم قلوب ﴾ بالياء، أي: يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد، ويسمعون ما يجب سماعه من الوحي ﴿ فَإِنَّهَا ﴾ الضمير ضمير الشأن والقصة، يجيء مذكراً ومؤنثاً، وفي قراءة ابن مسعود: فإنه.

ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره ﴿ الأبصار ﴾ وفي تعمى ضمير راجع إليه.

والمعنى: أنّ أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها.

وإنما العمى بقلوبهم.

أولا يعتدّ بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

فإن قلت: أي فائدة في ذكر الصدور؟

قلت: الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها.

واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك: (الذي بين فكيك) تقرير لمّا ادّعيته للسانه وتثبيت لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهواً مني، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ حَثٌّ لَهم عَلى أنْ يُسافِرُوا لِيَرَوْا مُصارِعَ المُهْلَكِينَ فَيَعْتَبِرُوا، وهم وإنْ كانُوا قَدْ سافَرُوا فَلَمْ يُسافِرُوا لِذَلِكَ.

﴿ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ ما يَجِبُ أنْ يُعْقَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْصارِ والِاسْتِدْلالِ.

﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن شاهَدُوا آثارَهم.

﴿ فَإنَّها ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ أوْ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ.

وفي ( تَعْمى ) راجِعٌ إلَيْهِ والظّاهِرُ أُقِيمَ مَقامَهُ.

﴿ لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ عَنِ الِاعْتِبارِ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ وإنَّما أيِفَتْ عُقُولُهم بِاتِّباعِ الهَوى والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ، وذِكْرُ الصُّدُورِ لِلتَّأْكِيدِ ونَفْيِ التَّجَوُّزِ وفَضَّلَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ العَمى الحَقِيقِيَّ لَيْسَ المُتَعارَفَ الَّذِي يَخُصُّ البَصَرُ.

قِيلَ لَمّا نَزَلَ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ «قالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى فَنَزَلَتْ ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض} هذا حث على السفر ليروا مصارع من أهلكم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يعقلون بها أو آذان يَسْمَعُونَ بِهَا} أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه ويسمعون

ما يجب سماعه من الوحي {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} الضمير في فإنها ضمير القصة أو ضمير مبهم يفسره الأبصار أي فما عميت أبصارهم عن الإبصار بل قلوبهم عن الاعتبار ولكل إنسان أربع أعين عينان في رأسه وعينان في قلبه فإذا أبصر ما في القلب وعمي ما في الرأس لم يضره وإن أبصر ما في الرأس وعمي ما في القلب لم ينفعه وذكر الصدور لبيان أن محل العلم القلب

الحج (٥٢ - ٤٧)

ولئلا يقال إن القلب يعني به غير هذا العضو كما يقال القلب لب كل شئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ حَثٌّ لَهم عَلى السَّفَرِ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ بِمَصارِعِ الهالِكِينَ هَذا إنْ كانُوا لَمْ يُسافِرُوا وإنْ كانُوا سافِرُوا فَهو حَثٌّ عَلى النَّظَرِ والِاعْتِبارِ، وذُكِرَ المَسِيرُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ، وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ ﴾ مَنصُوبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ.

وفي جَوابِ التَّقْرِيرِ عِنْدَ الحَوْفِيِّ وفي جَوابِ النَّفْيِ عِنْدَ بَعْضٍ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ أنْ ويَنْسَبِكُ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ يُعْطَفُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ.

ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الصَّرْفِ إذْ مَعْنى الكَلامِ الخَبَرُ صَرَفُوهُ عَنِ الجَزْمِ عَلى العَطْفِ عَلى ( يَسِيرُوا ) ورَدُّوهُ إلى أخِي الجَزْمِ وهو النَّصْبُ وهو كَما تَرى.

ومَذْهَبُ الجُرْمِيِّ أنَّ النَّصْبَ بِالفاءِ نَفْسِها.

وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ «فَيَكُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِنَ التَّوْحِيدِ فَمَفْعُولُ ( يَعْقِلُونَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أيْ يَسْمَعُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يُسْمَعَ مِنَ الوَحْيِ أوْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِمَّنْ يُجاوِرُهم مِنَ النّاسِ فَإنَّهم أعْرَفُ مِنهم بِحالِهِمْ ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ ضَمِيرُ ( فَإنَّها ) لِلْقِصَّةِ فَهو مُفَسَّرٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، ويَجُوزُ في مِثْلِهِ التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الشَّأْنِ، وعَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «فَإنَّهُ» وحَسَّنَ التَّأْنِيثَ هُنا وُقُوعُ ما فِيهِ تَأْنِيثٌ بَعْدَهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِالأبْصارِ، وكَأنَّ الأصْلَ فَإنَّها الأبْصارُ لا تَعْمى عَلى أنَّ جُمْلَةَ ﴿ لا تَعْمى ﴾ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ المُسْتَتِرِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَلَمّا تُرِكَ الخَبَرُ الأوَّلُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِعَدَمِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ ظاهِرًا فَصارَ فاعِلًا مُفَسِّرًا لِلضَّمِيرِ.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ بَعْدَهُ مَحْصُورٌ في أُمُورٍ وهي بابُ رُبَّ وبابُ نِعْمَ وبِئْسَ وبابُ الأعْمالِ وبابُ البَدَلِ وبابُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وما هُنا لَيْسَ مِنها.

ورُدَّ بِأنَّهُ مِن بابِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ نَحْوَ ( إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ) [الأنْعامَ: 29، المُؤْمِنُونَ: 37، الجاثِيَةَ: 24] ولا يَضُرُّهُ دُخُولُ النّاسِخِ، وفِيهِ نَظَرٌ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِعَمى الأبْصارِ وإنَّما يُعْتَدُّ بِعَمى القُلُوبِ فَكَأنَّ عَمى الأبْصارِ لَيْسَ بِعَمًى بِالإضافَةِ إلى عَمى القُلُوبِ، فالكَلامُ تَذْيِيلٌ لِتَهْوِيلِ ما بِهِمْ مِن عَدَمِ فِقْهِ القَلْبِ وأنَّهُ العَمى الَّذِي لا عَمى بَعْدَهُ بَلْ لا عَمى إلّا هو أوِ المَعْنى أنَّ أبْصارَهم صَحِيحَةٌ سالِمَةٌ لا عَمى بِها وإنَّما العَمى بِقُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَلَمْ يَسِيرُوا فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ ذاتُ بَصائِرَ فَإنَّ الآفَةَ بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ لا بِإبْصارِ عُيُونِهِمْ وهي الآفَةُ الَّتِي كَلُّ آفَةٍ دُونَها كَأنَّهُ يَحُثُّهم عَلى إزالَةِ المَرَضِ ويَنْعى عَلَيْهِمْ تَقاعُدَهم عَنْها، ووَصْفُ القُلُوبِ بِالَّتِي في الصُّدُورِ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ  ﴾ وقَوْلُكَ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ تُعُورِفَ واعْتُقِدَ أنَّ العَمى عَلى الحَقِيقَةِ مَكانُهُ البَصَرُ وهو أنْ تُصابَ الحَدَقَةُ بِما يَطْمِسُ نُورَها واسْتِعْمالُهُ في القَلْبِ اسْتِعارَةٌ ومَثَلٌ فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُ ما هو خِلافُ المُعْتَقَدِ مِن نِسْبَةِ العَمى إلى القُلُوبِ حَقِيقَةً ونَفْيُهُ عَنِ الأبْصارِ احْتاجَ هَذا التَّصْوِيرُ إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ وفَضْلِ تَعْرِيفٍ لِيَتَقَرَّرَ أنَّ مَكانَ العَمى هو القُلُوبُ لا الأبْصارُ كَما تَقُولُ: لَيْسَ المَضاءُ لِلسَّيْفِ ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ وهو في حُكْمِ قَوْلِكَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عَنِ السَّيْفِ وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ فَلْتَةً ولا سَهْوًا مِنِّي ولَكِنْ تَعَمَّدْتُ بِهِ إيّاهُ بِعَيْنِهِ تَعَمُّدًا.

وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما قِيلَ نَزَلَتْ في «ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى  ﴾ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا في الدُّنْيا أعْمى أفَأكُونُ في الآخِرَةِ أعْمى؟» ورُبَّما يُرَجَّحُ بِهَذِهِ الرِّوايَةِ إنْ صَحَّتِ المَعْنى الأوَّلُ إذْ حُصُولُ الجَوابِ بِالآيَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أنْتَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ( ومَن كانَ ) إلَخْ لِأنَّ عَمى الأبْصارِ في الدُّنْيا لَيْسَ بِعَمًى في الحَقِيقَةِ في جَنْبِ عَمى القُلُوبِ والَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ ذَلِكَ مَنِ اتَّصَفَ بِعَمى القَلْبِ، وهَذا يَكْفِي في الجَوابِ سَواءٌ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ فَهو في الآخِرَةِ كَذَلِكَ أوْ ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى البَصَرِ لِأنَّهُ فِيها تُبْلى السَّرائِرُ فَيَظْهَرُ عَمى القَلْبِ بِصُورَةِ عَمى البَصَرِ، نَعَمْ في صِحَّةِ الرِّوايَةِ نَظَرٌ.

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زائِدَةَ يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ولا يَخْفى حُكْمُ الخَبَرِ إذا رُوِيَ هَكَذا.

واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ إلَخْ عَلى اسْتِحْبابِ السِّياحَةِ في الأرْضِ وتَطَلُّبِ الآثارِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في كِتابِ التَّفَكُّرِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اتَّخِذْ نَعْلَيْنِ مِن حَدِيدٍ وعَصًا ثُمَّ سِحْ في الأرْضِ فاطْلُبِ الآثارَ والعِبَرَ حَتّى تَحْفى النَّعْلانِ وتَنْكَسِرَ العَصا، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَكُونَ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ مَحَلَّ العَقْلِ القَلْبُ لا الرَّأْسُ، قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ.

وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَقْلَ هو العِلْمُ وعَلى أنَّ مَحَلَّهُ هو القَلْبُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ العَقْلِ هو العِلْمُ هو اخْتِيارُ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُقالُ لِمَن عَقَلَ شَيْئًا عَلِمَهُ ولِمَن عَلِمَ شَيْئًا عَقَلَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّغايُرِ لا يُقالُ ذَلِكَ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالعِلْمِ كُلُّ عِلْمٍ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ عاقِلًا مَن فاتَهُ بَعْضُ العُلُومِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَصِّلًا لِما عَداهُ وإنْ أُرِيدَ بَعْضُ العُلُومِ فالتَّعْرِيفُ غَيْرُ حاصِلٍ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ وما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ العِلْمُ مُغايِرًا لِلْعَقْلِ وهُما مُتَلازِمانِ.

وقالَ الأشْعَرِيُّ: لا فَرْقَ بَيْنَ العَقْلِ والعِلْمِ إلّا في العُمُومِ والخُصُوصِ والعِلْمُ أعَمُّ مِنَ العَقْلِ فالعَقْلُ إذا عُلِمَ مَخْصُوصٌ فَقِيلَ: هو العِلْمُ الصّارِفُ عَنِ القَبِيحِ الدّاعِي إلى الحُسْنِ وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: هو العِلْمُ بِخَيْرِ الخَيْرَيْنِ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ أيْضًا ولَهم أقْوالٌ أُخَرُ، والَّذِي اخْتارَهُ القاضِي أبُو بَكْرٍ أنَّهُ بَعْضُ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ كالعِلْمِ بِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وأنَّ المَوْجُودَ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا ونَحْوَ ذَلِكَ.

واحْتَجَّ إمامُ الحَرَمَيْنِ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ وإبْطالِ ما عَداهُ بِما ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ في إبْكارِ الأفْكارِ بِما لَهُ وعَلَيْهِ.

واخْتارَ المُحاسَبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ غَرِيزَةٌ يُتَوَصَّلُ بِها إلى المَعْرِفَةِ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالغَرِيزَةِ العِلْمَ لَزِمَهُ ما لَزِمَ القائِلَ بِأنَّهُ العِلْمُ وإنْ أرادَ بِها غَيْرَ العِلْمِ فَقَدْ لا يُسَلَّمُ وُجُودُ أمْرٍ وراءَ العِلْمِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَعْرِفَةِ.

وقالَ صاحِبُ القامُوسِ بَعْدَ نَقْلِ عِدَّةِ أقْوالٍ في العَقْلِ: والحَقُّ أنَّهُ نُورٌ رُوحانِيٌّ بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ، ولَعَلَّنا نُحَقِّقُ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ في مَحَلِّيَّةِ القَلْبِ لِلْعِلْمِ خِلافًا بَيْنَ العُقَلاءِ فالمَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ المُجَرَّدَةِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ ومَحَلَّ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالجُزْئِيّاتِ المادِّيَّةِ قُوى جُسْمانِيَّةٌ قائِمَةٌ بِأجْزاءٍ خاصَّةٍ مِنَ البَدَنِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى خَمْسٍ ظاهِرَةٍ وخَمْسٍ باطِنَةٍ وتُسَمّى الأُولى الحَواسَّ الظّاهِرَةَ والثّانِيَةُ الحَواسَّ الباطِنَةَ وأمْرُ كُلٍّ مَشْهُورٌ.

وزَعَمَ بَعْضُ مُتَفَلْسِفَةِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ المُدْرِكَ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ إنَّما هو النَّفْسُ والقُوى مُطْلَقًا غَيْرُ مُدْرِكَةٍ بَلْ آلَةٌ في إدْراكِ النَّفْسِ وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنّا.

وفي أبْكارِ الأفْكارِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ وأمّا أصْحابُنا فالبِنْيَةُ المَخْصُوصَةُ غَيْرُ مُشْتَرِطَةٍ عِنْدَهم بَلْ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ إذا قامَ بِهِ إدْراكٌ وعِلْمٌ فَهو مُدْرِكٌ عالِمٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا يَقُومُ بِالقَلْبِ أوْ غَيْرِهِ مِمّا لا يَجِبُ عَقْلًا ولا يَمْتَنِعُ لَكِنْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلى القِيامِ بِالقَلْبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها  ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ عَلى مَحَلِّيَّةِ القَلْبِ لِلْعِلْمِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، نَعَمْ لا يُنْكَرُ دَلالَةُ الآياتِ عَلى أنَّ لِلْقَلْبِ الإنْسانِيِّ لِما أُودِعَ فِيهِ مَدْخَلًا تامًّا في الإدْراكِ، والوِجْدانُ يَشْهَدُ بِمَدْخَلِيَّةِ ما أُودِعَ في الدِّماغِ في ذَلِكَ أيْضًا، ومِن هُنا لا أرى لِلْقَوْلِ بِأنَّ لِأحَدِهِما مَدْخَلًا دُونَ الآخَرِ وجْهًا، وكَوْنُ الإنْسانِ قَدْ يُضْرَبُ عَلى رَأْسِهِ فَيَذْهَبُ عَقْلُهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِما أُودِعَ في الدِّماغِ لا غَيْرَ مَدْخَلًا في العِلْمِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ وذِهْنٌ مُسْتَقِيمٌ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أو لم يسافروا في الأرض فيعتبروا.

فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها التخويف.

فَإِنَّها، أي النظرة بغير عبرة.

ويقال: كلمة الشرك.

لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد.

ثم قال عز وجل: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وهو النضر بن الحارث.

وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في العذاب.

وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ، يعني: إن يوماً من الأيام التي وعد لهم في العذاب عِنْدَ رَبِّكَ في الآخرة، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في الدنيا.

ثم بيَّن لهم العذاب حيث قال: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، ووصف طول عذابهم.

ويقال: إنه أراد بذلك قدرته عليهم بحال استعجالهم، أنه يأخذهم متى شاء.

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي مّمَّا يَعْدُونَ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، فلم أعجل عليها العقوبة.

وَهِيَ ظالِمَةٌ، أي كافرة.

ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب، ولكن لم يذكر العذاب لأنه سبق ذكره.

ثم قال: وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ، يعني: المرجع في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أمكن ما هي في الملوك.

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: يعني: قريشاً، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى ...

الآية: فيها وعيد لقريش، وفَأَمْلَيْتُ معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار.

[وقوله] «١» : «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش، وقيل: على القرية وهو أصوب.

ثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.

وقوله: فَتَكُونَ: نصب بالفاء في جواب الاستفهام صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب.

وقوله سبحانه: فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَلَمْ يَسِرْ قَوْمُكَ في أرْضِ اليَمَنِ والشّامِ، ﴿ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ إذا نَظَرُوا آثارَ مَن هَلَكَ، ﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أخْبارَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّها ﴾ عِمادٌ، والمَعْنى: أنَّ أبْصارَهم لَمْ تَعْمَ، وإنَّما عَمِيَتْ قُلُوبُهم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ فَهو تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، ﴿ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ القُرَشِيِّ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو قَوْلُهم لَهُ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ  ﴾ ، ونَحْوُهُ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ.

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ في إنْزالِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن أيّامِ الآخِرَةِ، ﴿ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( تَعُدُّونَ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَعُدُّونَ ) بِالياءِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْصَرَفَ الكَلامُ مِن ذِكْرِ العَذابِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ في الدُّنْيا، فَقِيلَ لَهم: لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ في إنْزالِ العَذابِ بِكم في الدُّنْيا، وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِكم في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ؟

فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ وعْدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللَّهِ وألْفَ سَنَةٍ سَواءٌ في قُدْرَتِهِ عَلى عَذابِهِمْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وبَيْنَ تَأْخِيرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإمْهالِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ "كَأيِّنَ" هي كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيْ": قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أوعَبْتُ القَوْلَ في مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ وقِراءَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ  ﴾ ، وهي لَفْظَةُ إخْبارٍ، وقَدْ تَجِيءُ اسْتِفْهامًا، وحَكى الفِراءُ: كَأيِّنَ ما لَكَ؟

أيْ: كَمْ ما لَكَ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكْناها"، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكَتْها" بِالإفْرادِ، والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ، و"ظالِمَةٌ" مَعْناهُ: بِالكُفْرِ، و"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةً، ومِنهُ: خَوى النَجْمُ إذا خَلا مِنَ القُوَّةِ، ونَحْوَهُ "ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها"، و"العُرُوشُ": السُقُوفُ، فالمَعْنى أنَّ السُقُوفَ سَقَطَتْ ثُمْ وقَعَتِ الحِيطانُ عَلَيْها فَهي عَلى العُرُوشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ ، قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "العُرُوشِ"، وقِيلَ: عَلى "القَرْيَةِ"، وهو أصْوَبُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَبِئْرٍ" بِهَمْزَةٍ عَلى الياءِ، وسَهَّلَها الجُمْهُورُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَطَّلَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الطاءِ وتَخْفِيفِها، والجُمْهُورُ عَلى "مُعَطَّلَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتَحِ العَيْنِ وشَدِّ الطاءِ.

و"المُشَيَّدُ": المَبْنِيِ بِالشِيدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المَشِيدُ: المُعَلّى بِالآجُرِّ ونَحْوَهُ فَمِنَ المَشِيدِ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ: بَناهُ بِالشِيدِ، والأظْهَرُ في البَيْتِ أنَّهُ أرادَ: عَلاهُ بِالمَرْمَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ "مَشِيدًا مَعْناهُ: مُعَلّى مُحَصَّنًا، ومَعْنى الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ قَبْلَ خَرابِهِ.

ثُمْ وبَّخَهم عَلى الغَفْلَةِ وتَرَكَ الِاعْتِبارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ ، أيْ: في البِلادِ فَيَنْظُرُوا في أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ، ولا يُنْكِرُ أنَّ لِلدِّماغِ اتِّصالًا بِالقَلْبِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ مَتى اخْتَلَّ الدِماغُ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَكُونَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، صُرِفَ الفِعْلُ مِنَ الجَزْمِ إلى النَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ لَفْظَةُ مُبالَغَةٍ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ العَمى عَمى الأبْصارِ وإنَّما العَمى حَقُّ العَمى عَمى القَلْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ تَعْمى ولَكِنَّ المَقْصُودَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ»، و«لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ»، والضَمِيرُ في "فَإنَّها" لِلْقِصَّةِ ونَحْوَها مِنَ التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ مُبالَغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "بِأفْواهِهِمْ"، وكَما تَقُولُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، ونَحْوَ هَذا.

والضَمِيرُ في "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ" لِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ ﴾ وعِيدُ وإخْبارٍ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ إلى وقْتٍ مَحْدُودٍ، والوَعْدُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالعَذابِ فَلِذَلِكَ ورَدَ في مَكْرُوهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِ اللهِ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ مِن هَذِهِ لِطُولِ العَذابِ وبُؤْسِهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَما أجْهَلَ مَن يَسْتَعْجِلُ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللهِ لِإحاطَتِهِ فِيهِ وعِلْمِهِ وإنْفاذِ قُدْرَتِهِ كَألْفِ سَنَةٍ عِنْدَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ يَقْتَضِي أنَّ عَشَرَةَ آلافِ سَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ مِنَ العَدَدِ في حُكْمِ الألْفِ، ولَكِنَّهم قالُوا: ذَكَرَ الألْفَ لِأنَّها مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لا يُناسِبُ الآيَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللهِ تَعالى ألْفُ سَنَةٍ مِن هَذا العَدَدِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تُؤَخَّرَ أُمَّتِي نِصْفُ يَوْمٍ»، وقَوْلُهُ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِقْدارُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللهِ.

وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَكَأيِّنْ" لِأنَّهُ جَلَبَ مَعْنًى آخَرَ، ذَكَرَ أوَّلًا القُرى المُهْلَكَةَ دُونَ إمْلاءٍ بَلْ بِعَقِبِ التَكْذِيبِ، ثُمْ ثَنّى بِالمُهْمَلَةِ لِئَلّا يَفْرَحُ هَؤُلاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عنهم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَعُدُّونَ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ عَلى الغائِبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جملة ﴿ فكأين من قرية أهلكناها ﴾ [الحج: 45] وما بعدها.

والاستفهام تعجيبي من حالهم في عدم الاعتبار بمصارع الأمم المكذّبة لأنبيائها، والتعجيب متعلّق بمن سافروا منهم ورأوا شيئاً من تلك القرى المهلكة وبمن لم يسافروا، فإن شأن المسافرين أن يخبروا القاعدين بعجائب ما شاهدوه في أسفارهم كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ أو آذان يسمعون بها ﴾ .

فالمقصود بالتعجيب هو حال الذين ساروا في الأرض، ولكن جعل الاستفهام داخلاً على نفي السير لأن سير السائرين منهم لما لم يفدهم عبرة وذكرى جُعل كالعدم فكانَ التعجيب من انتفائه، فالكلام جارٍ على خلاف مقتضى الظاهر.

والفاء في ﴿ فتكون ﴾ سببية جوابية مسبب ما بعدها على السير، أي لم يسيروا سيراً تكون لهم به قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون بها، أي انتفى أن تكون لهم قلوب وآذان بهذه المثابة لانتفاء سيرهم في الأرض.

وهذا شأن الجواب بالفاء بعد النفي أن تدخل الفاء على ما هو مسبب على المنفي لو كان ثابتاً وفي هذا المعنى قال المعرّي: وقيل أفادَ بالأسفار مالاً *** فقلنا هل أفادَ بها فُؤادا وهذا شأن الأسفار أن تفيد المسافر ما لا تفيده الإقامة في الأوطان من اطلاع على أحوال الأقوام وخصائص البلدان واختلاف العادات، فهي تفيد كل ذي همّة في شيء فوائدَ تزيد هِمتَه نفاذاً فيما تتوجه إليه وأعظم ذلك فوائد العبرة بأسباب النجاح والخسارة.

وأطلقت القلوب على تقاسيم العقل على وجه المجاز المرسل لأن القلب هو مُفيض الدم وهو مادة الحياة على الأعضاء الرئيسية وأهمها الدماغ الذي هو عضو العقل، ولذلك قال: ﴿ يعقلون بها ﴾ وإنما آلة العقل هي الدماغ ولكن الكلام جرَى أوله على متعارف أهل اللغة ثم أجري عقب ذلك على الحقيقة العلمية فقال: ﴿ يعقلون بها ﴾ فأشار إلى أن القلوب هي العقل.

ونزّلت عقولهم منزلة المعدوم كما نزّل سَيْرهم في الأرض منزلة المعدوم.

وأما ذكر الآذان فلأنّ الأذن آلة السمع والسائر في الأرض ينظر آثار الأمم ويسمع أخبار فنائهم فيستدل من ذلك على ترتب المسببات على أسبابها؛ على أن حظ كثير من المتحدث إليهم وهم الذين لم يسافروا أن يتلقوا الأخبار من المسافرين فيعلموا ماعلمه المسافرون علماً سبيلُه سماع الأخبار.

وفي ذكر الآذان اكتفاء عن ذكر الأبصار إذ يعلم أن القلوب التي تعقل إنما طريق علمها مشاهدة آثار العذاب والاستئصال كما أشار إليه قوله بعد ذلك: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ﴾ .

فحصل من مجموع نظم الآية أنهم بمنزلة الأنعام لهم آلات الاستدلال وقد انعدمت منهم آثارها فلهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها وهذا كقوله تعالى: ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ [البقرة: 171].

والفاء في جملة ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ تفريع على جواب النفي في قوله: ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ ، وفذلكة للكلام السابق، وتذييل له بما في هذه الجملة من العموم.

والضمير في قوله ﴿ فإنها ﴾ ضمير القصة والشأن، أي فإن الشأن والقصة هو مضمون الجملة بعدَ الضمير، أي لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب، أي فإن الأبصار والأسماع طرق لحصول العلم بالمبصرات والمسموعات، والمدرِك لذلك هو الدماغ فإذا لم يكن في الدماغ عقل كان المبصر كالأعمى والسامع كالأصمّ، فآفة ذلك كله هو اختلال العقل.

واستعير العَمى الثاني لانتفاء إدراك المبصرات بالعقل مع سلامة حاسّة البصر لشبهه به في الحالة الحاصلة لصاحبه.

والتعريف في ﴿ الأبصار ﴾ ، و ﴿ القلوب ﴾ ، و ﴿ الصدور ﴾ تعريفُ الجنس الشامل لقلوب المتحدّث عنهم وغيرهم، والجمْع فيها باعتبار أصحابها.

وحرف التوكيد في قوله: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ لغرابة الحكم لا لأنه مما يشك فيه.

وغالب الجمل المفتتحة بضمير الشأن اقترانُها بحرف التوكيد.

والقصر المستفاد من النفي وحرف الاستدراك قصر ادعائيّ للمبالغة بجعل فقد حاسة البصر المسمى بالعمى كأنه غير عمىً، وجعل عدم الاهتداء إلى دلالة المبصرات مع سلامة حاسة البصر هو العمى مبالغة في استحقاقه لهذا الاسم الذي استعير إليه، فالقصر ترشيح للاستعارة.

ففي هذه الآية أفانين من البلاغة والبيان وبَداعة النظم.

و ﴿ التي في الصدور ﴾ صفة ل ﴿ القلوب ﴾ تفيد توكيداً للفظ ﴿ القلوب.

﴾ فوزانه وزان الوصف في قوله تعالى: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38].

ووزان القيد في قوله: ﴿ يقولون بأفواههم ﴾ [آل عمران: 167] فهو لزيادة التقرير والتشخيص.

ويفيد هذا الوصف وراء التوكيد تعريضاً بالقوم المتحدث عنهم بأنهم لم ينتفعوا بأفئدتهم مع شدّة اتصالها بهم إذ هي قارة في صدورهم على نحو قول عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم «فالآن أنت أحبّ إليّ من نفسي التي بين جنبيَّ» فإن كونها بين جنبيه يقتضي أن تكون أحبّ الأشياء إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي خالِيَةً مِن أهْلِها لِهَلاكِها.

والثّانِي: غائِرَةِ الماءِ.

والثّالِثُ: مُعَطَّلَةٍ مِن دَلالَتِها وأرْشِيَتِها.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَشِيدَ الحَصِينُ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ولا أُطُمًا إلّا مُشِيرًا بِجَنْدَلٍ والثّانِي: أنَّ المَشِيدَ الرَّفِيعُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْ ∗∗∗ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ والثّالِثُ: أنَّ المَشِيدَ المُجَصَّصُ، والشِّيدَ الجِصُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وَفِي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مَشِيدٌ مِثْلُها مُعَطَّلٌ، وقِيلَ إنَّ القَصْرَ والبِئْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مِن أرْضِ اليَمَنِ مَعْرُوفانِ، وقَصْرِ مُشْرِفٍ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ ولا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرَ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابَ القُصُورِ مَلُّوكُ الحَضَرِ، وأصْحابَ الآبارِ مُلُوكُ البَوادِي، أيْ فَأهْلَكْنا هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: عَلى أنَّ العَقْلَ عِلْمٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّهُ القَلْبُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْمَلُونَ بِها، لِأنَّ الأعْيُنَ تُبْصِرُ والقُلُوبَ تُصَيِّرُ.

﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أيْ يَفْقَهُونَ بِها ما سَمِعُوهُ مِن أخْبارِ القُرُونِ السّالِفَةِ.

﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الهُدى ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِاهْتِداءِ.

والثّانِي: فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الِاعْتِبارِ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِادِّكارِ.

قالَ مُجاهِدٌ: لِكُلِّ إنْسانٍ أرْبَعُ أعْيُنٍ: عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِآخِرَتِهِ، فَإنْ عَمِيَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وأبْصَرَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَضُرَّهُ عَماهُ شَيْئًا، وإنْ أبْصَرَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وعَمِيَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ نَظَرُهُ شَيْئًا.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زائِدَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر، عن ابن دينار قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام، أن اتخذ نعلين من حديد، وعصا ثم سح في الأرض، فاطلب الآثار والعبر، حتى تحفوا النعلان وتنكسر العصا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ قال: ما هذه الأبصار التي في الرؤوس؟

فإنها جعلها الله منفعة وبلغة، وأما البصر النافع فهو في القلب.

ذكر لنا أنها نزلت في عبد الله بن زائدة يعني ابن أم مكتوم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نصر السجزي في الإبانة في شعب الإيمان، والديلمي، في مسند الفردوس، عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس الأعمى من يعمى بصره، ولكن الأعمى من تعمى بصيرته» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم حث على الاعتبار بحال من مضى من الأمم المكذبة فقال: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: أفلم يسر قومك في أرض الشام وأرض اليمن ﴿ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ أي يعلمون بها مدلول ما يرون من العبر.

(والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم.

والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة [عالمة؛ لأن قوله) (١) ﴿ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة] (٢) ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع.

يعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا (٣) قال ابن قتيبة -في هذه الآية والتي قبلها-: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟

لأن الله تعالى أراد (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ  ﴾ .

انتهى كلامه (٩) ثم ذكر الله تعالى أنَّ (١٠) (١١) ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ﴾ .

قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى (١٢) (١٣) وقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير.

والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى.

ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة.

وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ .

وقوله: ﴿ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق (١٤) ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ  ﴾ ، وقوله ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ .

والتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفهام.

وقال غيرهما: هذا التوكيد فائدته أنه يمنع من ذهاب الوهم إلى غير معنى القلب المعروف، لأنَّه قد يذهب إلى أنَّ فيه اشتراكًا كقلب النَّخلة، فإذا (١٥) (١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٣) في (أ): (فيسمعون)، وهو خطأ.

(٤) (أراد): موضعه بياض في (ظ).

(٥) في (أ): (غلطت)، وهو خطأ.

(٦) العبارة عند ابن قتيبة: وبئرًا كانت لشُرب أهلها قد عطل رشاؤها وغار معينها، وقصرًا.

(٧) عند ابن قتيبة: ملكه.

(٨) (الذي): ساقطة من (أ).

(٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 10.

(١٠) (أن): ساقطة من (أ).

(١١) (أبصار): ساقطة من (أ).

(١٢) عند الفراء.

تُوَفّى.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 228.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 228، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 432.

(١٥) في (أ): (وإذا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية له والوعيد لهم ﴿ نَكِيرِ ﴾ مصدر بمعنى الإنكار ﴿ على عُرُوشِهَا ﴾ العروش السقف فإن تعلق الجار بخاوية: فالمعنى أن العروش سقطت ثم سقطت الحيطان عليها فهي فوقها، وإن كان الجار والمجرور في موضع الحال: فالمعنى أنها خاوية مع بقاء عروشها ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ أي لا يُسقى الماء منها لهلاك أهلها، ورُوي أن هذا البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود، والأظهر أنه لم يرد التعيين، لقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وهذا اللفظ يراد به التكثير ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ أي مبنى بالشيد وهو الجص، وقيل: المشيد المرفوع البنيان ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ﴾ دليل على أن العقل في القلب، خلافاً للفلاسفة في قولهم: العقل في الدماغ ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ أي لا تعمى الأبصار عمى يعتد به، وإنما العمى الذي يعتد به عمى القلوب، وإن هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم ولكن عميت قلوبهم، فالمعنى الأول لقصد المبالغة، والثاني خاص بهؤلاء القوم ﴿ التي فِي الصدور ﴾ مبالغة كقوله: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ﴾ [آل عمران: 167].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.

وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.

﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.

ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ضمان النصر لنبيه  والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.

قال جار لله.

إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟

والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.

قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية  ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟

فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.

وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.

وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.

يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.

يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟

قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.

ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.

ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون  ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.

والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.

ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.

وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.

ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.

قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.

قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.

والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.

قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.

والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.

ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.

"عن النبي  أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟

قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .

قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه  لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.

وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى  ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله  في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله  وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله  هذه الآية.

واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.

أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن  ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟

وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.

وقد روى البخاري في صحيحه أنه  قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول فهو أن النبي  بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟

وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.

وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.

وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.

وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك  ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.

إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".

وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.

وكيف وقعت؟

ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.

وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.

وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.

قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله  ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.

وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه  كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.

وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.

وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله  ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.

ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.

وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.

والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.

والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.

وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.

القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله  ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.

وما تلك الوسوسة؟

قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.

وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.

وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله  إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.

وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله  يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟

وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.

والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.

وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.

ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.

وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.

فقلت "تلك الغرانيق" الخ.

وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله  له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.

فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.

وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.

ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.

وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.

وأعلم أنه  ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.

وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.

وعن الكلبي: أي النسخ.

قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.

﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.

والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.

قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.

ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.

قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.

ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.

واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.

ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.

سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.

ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.

ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.

يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.

ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.

والرزق الحسن نعيم الجنة.

وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.

وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً  ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.

قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.

ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.

وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.

وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله  قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.

وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.

قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.

وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.

وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.

ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.

عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.

ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.

وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.

وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله  ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.

ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.

ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.

ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.

وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.

ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.

ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.

وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل  ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.

ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.

وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.

وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".

ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.

وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.

إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.

وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".

ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.

وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.

﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.

وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه  يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.

والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي  بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.

ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال  "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.

﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...

﴾ الآية.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...

﴾ الآية [هود: 120].

وقوله: ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: لم يعاقب الله قوماً كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيباً وعناداً، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ  ﴾ .

قال الحسن: إن الله لم يهلك قوماً بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرناً فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم على ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.

وقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ ، لم يهلك الله  أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.

وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.

وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.

ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئاً، من نحو قريات لوط وثمود وهؤلاء.

وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على [ما] ذكرنا من إهلاك أهلها.

وقوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : مجصص، والشيد: الجصّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.

قال القتبي: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجصّ، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول.

وكذلك قال أبو عوسجة أو قريباً، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصّنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.

أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...

﴾ الآية [النحل: 112]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هلا ساروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حلّ بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم، وإمّا بالسماع من الأخبار.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السّماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ ﴾ الظاهرة، ﴿ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعدّ كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهاً.

وقال بعضهم: وإن يوماً عند ربكّ من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.

ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديداً طويلا؛ لشدّة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدّة؛ إذ الآخرة ممّا لا غاية لانتهائها، وكل شيء لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الاوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي ﴿ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ : لم آخذها وقت ظلمهم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ﴾ من بعد ﴿ وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ومعاصيهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال بعضهم: سماه رزقا كريماً؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.

وقال بعضهم: سماه: كريماً؛ لأن الكريم هو الذي يقضى عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ في بعض القرآن: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.

والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنّه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ على ظن منهم أنّهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفلم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بما جاء به الرسول  في الأرض؟

ليعاينوا آثار تلك القرى المهلكة، فيتفكروا بعقولهم ليعتبروا، ويسمعوا قصصهم سماع قبول ليتعظوا، فإن العمى ليس عمى البصر، بل العمى المُهْلِك المُرْدِي هو عمى البصيرة، بحيث لا يكون لصاحبه اعتبار ولا اتعاظ.

من فوائد الآيات إثبات صفتي القوة والعزة لله.

إثبات مشروعية الجهاد؛ للحفاظ على مواطن العبادة.

إقامة الدين سبب لنصر الله لعبيده المؤمنين.

عمى القلوب مانع من الاعتبار بآيات الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.agxr2"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر