الآية ٢١ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢١ من سورة النور

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) يعني : طرائقه ومسالكه وما يأمر به ، ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) : هذا تنفير وتحذير من ذلك ، بأفصح العبارة وأوجزها وأبلغها وأحسنها .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( خطوات الشيطان ) : عمله .

وقال عكرمة : نزغاته .

وقال قتادة : كل معصية فهي من خطوات الشيطان .

وقال أبو مجلز : النذور في المعاصي من خطوات الشيطان .

وقال مسروق : سأل رجل ابن مسعود فقال : إني حرمت أن آكل طعاما؟

فقال : هذا من نزعات الشيطان ، كفر عن يمينك ، وكل .

وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده : هذا من نزغات الشيطان ، وأفتاه أن يذبح كبشا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا حسان بن عبد الله المصري ، حدثنا السري بن يحيى ، عن سليمان التيمي ، عن أبي رافع قال : غضبت علي امرأتي فقالت : هي يوما يهودية ويوما نصرانية ، وكل مملوك لها حر ، إن لم تطلق امرأتك .

فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من نزغات الشيطان .

وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة ، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة ، وأتيت عاصم بن عمر ، فقال مثل ذلك .

ثم قال تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ) أي : لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودسها وما فيها من أخلاق رديئة ، كل بحسبه ، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا ( ولكن الله يزكي من يشاء ) أي : من خلقه ، ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي .

وقوله : ( والله سميع ) أي : سميع لأقوال عباده ) عليم ) بهم ، من يستحق منهم الهدى والضلال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذاعتكموها فيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، وهي الزنا، والمنكر من القول.

وقد بَيَّنَّا معنى الخطوات والفحشاء فيما مضى بشواهده، ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تَطَهَّر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهرُ من يشاء من خلقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ) يقول: ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشرّ يدفعه عن نفسه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ) قال: ما زكى: ما أسلم ، وقال: كلّ شيء في القرآن من زكى أو تَزكى، فهو الإسلام.

وقوله: ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يقول: والله سميع لما تقولون بأفواهكم، وتَلَقَّوْنه بألسنتكم، وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم، محيط به، محصيه عليكم، ليجازيكم بكل ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان يعني مسالكه ومذاهبه ؛ المعنى : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها الشيطان .

وواحد الخطوات خطوة ، هو ما بين القدمين .

والخطوة ( بالفتح ) المصدر ؛ يقال : خطوت خطوة ، وجمعها خطوات .

وتخطى إلينا فلان ؛ ومنه الحديث أنه رأى رجلا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة .

وقرأ الجمهور ( خطوات ) بضم الطاء .

وسكنها عاصم ، والأعمش .

وقرأ الجمهور ( ما زكى ) [ ص: 191 ] بتخفيف الكاف ؛ أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشدا .

وقيل : ما زكى أي ما صلح ؛ يقال : زكا يزكو زكاء ؛ أي صلح .

وشددها الحسن ، وأبو حيوة ؛ أي أن تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم .

وقال الكسائي : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان معترض ، وقوله : ما زكى منكم من أحد أبدا جواب لقوله أولا وثانيا : ولولا فضل الله عليكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه، نهى عن الذنوب عموما فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه ووساوسه.

وخطوات الشيطان، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان والبدن.

ومن حكمته تعالى، أن بين الحكم، وهو: النهي عن اتباع خطوات الشيطان.

والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه، من الشر المقتضي، والداعي لتركه فقال: { وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ } أي: الشيطان { يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه.

{ وَالْمُنْكَرِ } وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه.

فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان، لا تخرج عن ذلك، فنهي الله عنها للعباد، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه، لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم، أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها، { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا } أي: ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى، هو وجنده، في الدعوة إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى.

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: \" اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها \" ولهذا قال: { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } من يعلم منه أن يزكى بالتزكية، ولهذا قال: { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ) أي : بالقبائح من الأفعال ، ( والمنكر ) ما يكرهه الله - عز وجل - ، ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا ) قال مقاتل : ما صلح .

وقال ابن قتيبة : ما طهر ، ( منكم من أحد ) والآية على العموم عند بعض المفسرين ، قالوا : أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد .

وقال قوم : هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك ، ومعناه : ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال : ما قبل توبة أحد منكم ، ( أبدا ولكن الله يزكي ) يطهر ، ( من يشاء ) من الذنب بالرحمة والمغفرة ، ( والله سميع عليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان» أي طرق تزينه «ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه» أي المتبع «يأمر بالفحشاء» أي القبيح «والمنكر» شرعاً باتباعها «ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم» أيها العصبة بما قلتم من الإفك «من أحد أبداً» أي ما صلح وطهر من هذا الذنب بالتوبة منه «ولكن الله يزكي» يطهر «من يشاء» من الذنب بقبول توبته منه «والله سميع» بما قلتم «عليم» بما قصدتم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تسلكوا طرق الشيطان، ومَن يسلك طرق الشيطان فإنه يأمره بقبيح الأفعال ومنكراتها، ولولا فَضْلُ الله على المؤمنين ورحمته بهم ما طَهُرَ منهم أحد أبدًا مِن دنس ذنبه، ولكن الله- بفضله- يطهر من يشاء.

والله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأفعالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر .

.

.

) .والخطوات : جمع خطوة .

وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين .

والمراد بها هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه ، التى منها الإصغاء إلى حديث الإفك ، والخوض فيه .وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة .أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التى يغريكم بسلوكها الشيطان ، فإن الشيطان وظيفتها الإغراء بالشر لا بالخير ، والأمر بالفحشاء والمنكر ، وليس بالفضائل والمعروف .وجواب الشرط فى قوله : ( وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان ) محذوف ، والتقدير : ومن يتبع خطوات الشيطان يقع فى الضلال والعصيان ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر .وخاطبهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك قوة الإيمان فى قلوبهم ، ولتهييجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه - .وقوله - سبحانه - ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً .

.

.

) بيان لمظاهر فضله - تعالى - ولطفه بعباده المؤمنين .والمراد بالتزكية هنا : التطهير من أرجاس الشرك ، ومن الفسوق والعصيان .أى : ولولا فضل الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم - ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب والمعاصى طول حياته ، ولكن الله - تعال - بفضله ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس .

بأن يقبل توبته .

ويغسل حوبته ." والله " - تعالى - " سميع " لدعاء عباده ومناجاتهم إياه " عليم " بما يسرونه وما يعلنونه من أقوال وأفعال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

النوع التاسع: قرئ خطوات بضم الطاء وسكونها، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطواً، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول، والجمع يفتح أوله ويضم، والمراد بذلك السيرة والطريقة، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر ﴾ ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان ﴾ وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضاً، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه.

أما قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكياً، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقاً، بل يقال هداه الله فلم يهتد، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله: ﴿ ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَاء ﴾ فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل، قالت المعتزلة هاهنا تأويلان: أحدهما: حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني: حملها على الحكم بكون العبد زكياً، قال أصحابنا: الوجهان على خلاف الظاهر، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضاً أما الوجه الأول: فيدل على فساده وجوه: أحدها: أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفاً، وإن رجحه فنقول المرجح لابد وأن يكون منتهياً إلى حد الوجوب، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب، فإن امتنع كان مانعاً لا داعياً، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال، فليفرض تارة واقعاً وأخرى غير واقع، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد، فلا يكون الحاصل أولاً مرجحاً، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، وأما إن اللطف مرجحاً موجباً كان فاعل اللطف فاعلاً للملطوف فيه، فكان تعالى فاعلاً لفعل العبد الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَاء ﴾ علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث: أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق الألطاف واجب فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني: وهو الحكم بكونه زكياً فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذباً والكذب على الله تعالى محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟

فثبت أن قوله: ﴿ ولكن الله يُزَكّي مَن يَشَاء ﴾ نص في الباب.

أما قوله: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الفحشاء والفاحشة: ما أفرط قبحه.

قال أبو ذؤيب: ضَرَائِرُ حِرْمِيٍّ تَفَاحَشَ غَارُهَا أي: أفرطت غيرتها.

والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه.

وقرئ: ﴿ خطوات ﴾ بفتح الطاء وسكونها.

وزكّى بالتشديد، والضمير لله تعالى، ولولا أنّ الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس إثم الإفك، ولكن الله يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو ﴿ سَمِيعُ ﴾ لقولهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بضمائرهم وإخلاصهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ بِإشاعَةِ الفاحِشَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الطّاءِ وقَرَأ نافِعٌ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِسُكُونِها.

﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ بَيانٌ لِعِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِهِ، و «الفَحْشاءُ» ما أفْرَطَ قُبْحُهُ، و «المُنْكَرُ» ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ.

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِتَوْفِيقِ التَّوْبَةِ الماحِيَةِ لِلذُّنُوبِ وشَرْعِ الحُدُودِ المُكَفِّرَةِ لَها ﴿ ما زَكا ﴾ ما طَهَّرَ مِن دَنَسِها.

﴿ مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ﴾ آخِرَ الدَّهْرِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ بِحَمْلِهِ عَلى التَّوْبَةِ وقَبُولِها.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِمَقالِهِمْ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} أي آثاره ووساوسه بالإصغاء إلى الإفك والقول فيه {وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان فَإِنَّهُ} فإن الشيطان {يَأْمُرُ بالفحشاء} ما أفرط قبحه {والمنكر} ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عليكم ورحمته ما زكا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً} ولولا أن الله

النور (٢٥ - ٢١)

تفضل عليكم بالتوبة الممحصة لما طهر منكم أحد آخر الدهر من إثم الإفك {ولكن الله يُزَكّى مَن يَشَاء} يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها {والله سَمِيعٌ} لقولهم {عَلِيمٌ} بضمائرهم وإخلاصهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ  ﴾ أيْ لا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ والكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ وامْتِثالِ وساوِسِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتْبَعُوا الشَّيْطانَ في شَيْءٍ مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إشاعَةُ الفاحِشَةِ وحُبُّها.

وقَرَأ نافِعٌ والبَزِيُّ في رِوايَةِ ابْنِ رَبِيعَةَ عَنْهُ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ «خُطْواتٌ» بِسُكُونِ الطّاءِ وقُرِئَ بِفَتْحِها وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ اسْمٌ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، وأمّا الخُطْوَةُ بِفَتْحِ الخاءِ فَهو مَصْدَرُ خَطا، والأصْلُ في الِاسْمِ إذا جَمَعَ أنَّ تَحَرُّكَ عَيْنِهِ فَرِقًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّفَةِ فَيَضُمُّ اتِّباعًا لِلْفاءِ أوْ بِفَتْحٍ تَخْفِيفًا وقَدْ يَسْكُنُ ﴿ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ وُضِعَ الظّاهِرانِ مَوْضِعَ ضَمِيرِي الخُطُواتِ والشَّيْطانِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ومَن يَتْبَعُها أوْ مَن يَتَّبِعُ خُطُواتِهِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ ﴿ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ﴾ هو ما أفْرَطَ قُبْحَهُ كالفاحِشَةِ ﴿ والمُنْكَرِ ﴾ هو ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وضَمِيرُ إنَّهُ لِلشَّيْطانِ وقِيلَ لِلشَّأْنِ وجَوابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ سَدَّ ما بَعْدَ الفاءِ مَسَدَّهُ وهو في الأصْلِ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ وبَيانٌ لِعِلَّةِ النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ ارْتَكَبَ الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِهِما ومَن كانَ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ اتِّباعَهُ وطاعَتَهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ النَّسْفِيُّ وابْنُ هِشامٍ في البابِ الخامِسِ مِنَ المُغْنِي.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ مِن أنَّ الجَوابَ لا يُحْذَفُ إلّا إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا حَتّى عَدُّوا مِنَ الضَّرُورَةِ قَوْلَهُ: لَئِنْ تَكُ قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ بُيُوتُكم لِيَعْلَمَ رَبِّي أنَّ بَيْتِي أوْسَعُ وأُجِيبُ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مِن قُبَيْلِ ما ذَكَرُوهُ في البَيْتِ فَإنَّهُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ الجَوابُ رَأْسًا وهَذا مِمّا أُقِيمَ مَقامَهُ ما يَصِحُّ جَعَلَهُ جَوابًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَنِ الشَّرْطِيَّةِ ولَمْ يُعْتَبَرْ في الكَلامِ حَذْفًا أصْلًا، والمَعْنى عَلى ذَلِكَ مِن يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ فَإنَّهُ يَصِيرُ رَأْسًا في الضَّلالِ بِحَيْثُ يَكُونُ آمِرًا بِالفَحْشاءِ والمُنْكِرِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى اشْتِراطِ ضَمِيرٍ في جَوابِ الشَّرْطِ الِاسْمِيِّ يَعُودُ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ.

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِما مَن جُمْلَتُهُ إنْزالُ هاتَيْكِ الآياتِ البَيِّناتِ والتَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ المُمَحِّصَةِ مِنَ الذُّنُوبِ وكَذا شَرْعُ الحُدُودِ المُكَفِّرِ لِما عَدا الرِّدَّةُ مِنها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وأجابُوا عَنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ آنِفًا بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ  بِذَلِكَ ( ما زَكّى ) أيْ ما طَهَّرَ مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ.

وقَرَأ رُوحٌ والأعْمَشُ «ما زَكّى» بِالتَّشْدِيدِ والإمالَةِ، وكَتَبَ «زَكِيَ» المُخَفَّفِ بِالياءِ مَعَ أنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ بِالألْفِ، قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّهُ قَدْ يُمالُ أوْ حَمَلا عَلى المُشَدِّدِ، ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنكُمْ ﴾ بَيانِيَّةٌ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أحَدٍ ﴾ سَيْفُ خَطِيبٍ ( وأحَدٍ ) في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى وفي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ والفاعِلُ عَلَيْها ضَمِيرُهُ تَعالى أيْ ما زَكّى اللَّهُ تَعالى مِنكم أحَدًا ﴿ أبَدًا ﴾ لا إلى غايَةِ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي ﴾ يُطَهِّرُ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ بِإفاضَةِ آثارِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلَيْهِ وحَمْلِهِ عَلى التَّوْبَةِ وقَبُولِها مِنهُ كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِمَن سَلِمَ عَنْ داءِ النِّفاقِ مِمَّنْ وقَعَ في شَرَكِ الإفْكِ مِنكم.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِهِ الأقْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أظْهَرُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نِيّاتُهُمْ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِاسْتِدْعاءِ الأُلُوهِيَّةِ لِلسَّمْعِ والعِلْمِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ التَّذْيِيلِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني: لا تتبعوا تزيين الشيطان ووساوسه بقذف المؤمنين والمؤمنات، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ.

وفي الآية مضمر، ومعناه: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وقع في الفحشاء والمنكر.

فَإِنَّهُ، يعني: به الشيطان يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني: المعاصي وَالْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة.

وروي عن أبي مجلز قال: خُطُواتِ الشَّيْطانِ، النذور في معصية الله تعالى.

ثم قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ، يعني: ما ظهر وما صلح منكم مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، يعني: أحداً ومَنْ صلة.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي، يعني: يوفق للتوحيد مَنْ يَشاءُ، ويقال: ما زكى، أي ما وحد وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي: أي يطهر.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَقالتهم، عَلِيمٌ بهم.

ثم قال عز وجل: وَلا يَأْتَلِ، يعني: لا يحلف، وهو يفتعل من الألية وهي اليمين.

قرأ أبو جعفر المدني، وزيد بن أسلم ولا يتألّ على معنى يتفعل، ويقال: معناه ولا يدع أن ينفق ويتصدق، وهو يتفعل من ألوت أني أصنع كذا.

ويقال: ما ألوت جهدي، أي ما تركت طاقتي.

وذلك أن أبا بكر كان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فلما تكلم بما تكلم به، حلف أبو بكر  إن لا ينفق عليه، فنزلت هذه الآية: أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ يعني: أُولُوا الْفَضْلِ في دين الله، لأنه كان أفضل الناس بعد رسول الله  .

وَالسَّعَةِ يعني السعة في المال.

وهذا من مناقب أبي بكر  حيث سماه الله أُولُوا الْفَضْلِ في الإسلام.

ويقال: وَلا يَأْتَلِ يعني: ولا يحلف أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ، يعني: أولو الغنى والسعة في المال، والأول أشبه، لكي لا يكون حمل الكلام على التكرار.

أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى، يعني: لا يحلف أن لا يعطي ولا ينفق على أُولِي الْقُرْبى يعني: على ذوي القربى وهو مسطح وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وكان مسطح من فقراء المهاجرين ومن أقرباء أبي بكر (١) وَلْيَعْفُوا، يقول: ليتركوا وَلْيَصْفَحُوا يعني: وليتجاوزوا.

أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، فقال أبو بكر: أنا أحب أن يغفر الله لي، فقد تجاوزت عن قرابتي، ويقال: إن النبيّ  قال لأبي بكر: «أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكَ» ؟

قال: نعم.

فقرأ  هذه الآية، وأمره بأن ينفق على مسطح «2» .

وفي الآية دليل: على أن من حلف على أمر فرأى الحنث أفضل منه، فله أن يحنث ويكفر عن يمينه، ويكون له ثلاثة أجور: أحدها: ائتماره بأمر الله تعال والثاني: أجر بره وذلك صلته في قرابته، والثالث: أجر التكفير.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: غَفُورٌ لذنوبكم رَحِيمٌ بالمؤمنين.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2، 3) عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نُصْرَتَهُ» ، انتهى «١» ، ثم ذكر تعالى أَنَّه يزكى مَنْ شاء مِمَّنْ سبقت له السعادة، وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له.

وقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...

الآية: المشهورُ من الروايات أَنَّ هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي الله عنه ومِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه، لمسكَنَتِهِ، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أَنَّه: وقع مِسْطَحٌ مع مَنْ وقع فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح معتذرا/ ٣٦ ب وقال: إنَّما كُنْتُ أسمع ولا أقول، فنزلتِ الآية، والفضل: الزيادة في الدِّينِ، والسعة هنا:

هي المال، ثم قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ...

الآية، أي: كما تحبون عفوَ الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أنَّ أبا بكر قال: بلى، إنِّي أُحِبُّ أَنْ يغفر الله لي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ ما كان يُجْرِي عليه من النفقة والإحسان «٢» .

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الحنث إذا رآه الإنسان خيراً هو أولى من البر، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «فَرَأَى غَيْرُهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» انتهى «٣» .

وقال بعض الناس: هذه أرجى آيةٌ في كتاب الله عز وجل من

حيث لطفه سبحانه بالقَذَفَةِ العُصَاةِ بهذا اللفظ.

قال ع «١» : وإنَّما تعطى الآية تفضلاً من الله تعالى في الدنيا، وإنَّما الرجاءُ في الآخرة، أما أنَّ الرجاءَ في هذه الآية بقياسٍ، أي: إذا أُمِرَ أُولِي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رَبَّ غيره، وإنَّما آيات الرجاء: قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] .

وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: تَزْيِينَهُ لَكم قَذْفَ عائِشَةَ.

وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ " خُطُوات الشَّيْطانِ " وبَيانُ " الفَحْشاء والمُنْكِر " [البَقَرَةِ:١٦٨، ١٦٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما زَكا مِنكُمْ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: " ما زَكّى " بِتَشْدِيدِ الكافِ.

وَفِيمَن خُوطِبَ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في الخَلْقِ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ في الإفْكِ.

ثُمَّ في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما اهْتَدى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ما أسْلَمَ، قالَهُ ابْنُ زَبَدٍ.

والثّالِثُ: ما صَلَحَ، قالَهُ مُقاتِلُ.

والرّابِعُ: ما طَهَّرَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُطَهِّرُ مَن يَشاءُ مِنَ الإثْمِ بِالتَّوْبَةِ والغُفْرانِ؛ فالمَعْنى: وقَدْ شِئْتُ أنْ أتُوبَ عَلَيْكُمْ، ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ عَلِمَ ما في نُفُوسِكم مِنَ التَّوْبَةِ والنَّدامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللهِ يُزَكِّي مِن يَشاءُ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا تَمْشُوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ مِنَ الأفْعالِ الخَبِيثَةِ.

وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خُطُواتِ" جَمْعُ خَطَأٍ مِنَ الخَبِيثَةِ وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ فَنَطَقَ بِها خُطُواتِ.

وقَرَأ بِضَمِّ الطاءِ مِن "خُطُواتِ" الجُمْهُورُ، وقَرَأ بِسُكُونِها عاصِمْ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ما زَكى" بِتَخْفِيفِ الكافِ، أيْ: ما اهْتَدى ولا أسْلَمَ ولا عَرَفَ رُشْدًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والحُسْنُ، والأعْمَشُ: "ما زَكّى" بِشَدِّ الكافِ، أيْ: تَزْكِيَتُهُ لَكم وتَطْهِيرُهُ وهِدايَتُهُ إنَّما هي بِفَضْلِهِ لا بِأعْمالِكم وتَحَرُّزِكم مِنَ المَعاصِي.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ وكانَ عَمَلُهُ الصالِحُ أمارَةً عَلى سَبْقِ السَعادَةِ لَهُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ سَمِيعٌ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمْ وكَلامِهِمْ مِن قَذْفٍ وغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِحَقِّ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وهم ولا غَلَطٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية نزلت بعد العشر الآيات المتقدمة، فالجملة استئناف ابتدائي، ووقوعه عقب الآيات العشر التي في قضية الإفك مشير إلى أن ما تضمنته تلك الآيات من المناهي وظنون السوء ومحبة شيوع الفاحشة كله من وساوس الشيطان، فشبه حال فاعلها في كونه متلبساً بوسوسة الشيطان بهيئة الشيطان يمشي والعامل بأمره يتبع خطى ذلك الشيطان.

ففي قوله: ﴿ لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ﴾ تمثيل مبني على تشبيه حالة محسوسة بحالة معقولة إذ لا يعرف السامعون للشيطان خطوات حتى ينهوا على اتباعها.

وفيه تشبيه وسوسة الشيطان في نفوس الذين جاءوا بالإفك بالمشي.

﴿ وخطْوات ﴾ جمع خطوة بضم الخاء.

قرأه نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير بسكون الطاء كما هي في المفرد فهو جمع سلامة.

وقرأه من عداهم بضم الطاء لأن تحريك العين الساكنة أو الواقعة بعد فاء الاسم المضمومة أو المكسورة جائز كثير.

والخطوة بضم الخاء: اسم لنقل الماشي إحدى قدميه التي كانت متأخرة عن القدم الأخرى وجعلها متقدمة عليها.

وتقدم عند قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ في سورة البقرة (168).

و (مَن) شرطية ولذلك وقع فعل ﴿ يتبع ﴾ مجزوماً باتفاق القراء.

وجملة: ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ﴾ جواب الشرط، والرابط هو مفعول ﴿ يأمر ﴾ المحذوف لقصد العموم فإن عمومه يشمل فاعل فعل الشرط فبذلك يحصل الربط بين جملة الشرط وجملة الجواب.

وضميرا ﴿ فإنه يأمر ﴾ عائدان إلى الشيطان.

والمعنى: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر لأن الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر، أي بفعلهما: فمن يتبع خطوات الشيطان يقع في الفحشاء والمنكر لأنه من أفراد العموم.

والفحشاء: كل فعل أو قول قبيح.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).

والمنكر: ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وينهون عن المنكر ﴾ في سورة آل عمران (104).

وقوله: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ﴾ الآية، أي لولا فضله بأن هداكم إلى الخير ورحمته بالمغفرة عند التوبة ما كان أحد من الناس زاكياً لأن فتنة الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها الناس لولا إرشاد الدين، قال تعالى حكاية عن الشيطان ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [ص: 82، 83].

و ﴿ زكى ﴾ بتخفيف الكاف على المشهور من القراءات.

وقد كتب ﴿ زكى ﴾ في المصحف بألف في صورة الياء.

وكان شأنه أن يكتب بالألف الخالصة لأنه غير ممال ولا أصله ياء فإنه واوي اللام.

ورسم المصحف قد لا يجري على القياس.

ولا تعد قراءته بتخفيف الكاف مخالفة لرسم المصحف لأن المخالفة المضعِّفة للقراءة هي المخالفة المؤدية إلى اختلاف النطق بحروف الكلمة، وأما مثل هذا فمما يرجع إلى الأداء والرواية تعصم من الخطأ فيه.

وقوله: ﴿ والله سميع عليم ﴾ تذييل بين الوعد والوعيد، أي سميع لمن يشيع الفاحشة، عليم بما في نفسه من محبّة إشاعتها، وسميع لمن ينكر على ذلك، عليم لما في نفسه من كراهة ذلك فيجازي كلاً على عمله.

وإظهار اسم الجلالة فيه ليكون التذييل مستقلاً بنفسه لأنه مما يجري مجرى المثل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خَطايا الشَّيْطانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: آثارُهُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: هو تَخَطِّي الشَّيْطانِ الحَلّالَ إلى الحَرامِ والطّاعَةَ إلى المَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: هو النُّذُورُ في المَعاصِي، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ تَكُونَ خُطُواتُ الشَّيْطانِ الِانْتِقالَ مِن مَعْصِيَةٍ إلى أُخْرى مَأْخُوذٌ مِن نَقْلِ القَدَمِ بِالخَطْوِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما زكا منكم ﴾ قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ قال مقاتل: يعني تزيين الشيطان في قذف عائشة (١) ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ قال ابن عباس: بعصيان الله وكل ما يكره الله (٢) وقال مقاتل (٣) (٤) ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ ما صلح.

قاله مقاتل، وأبو زيد (٥) (٦) (٧) وقال ابن قتيبة: ما طهر (٨) وأجرى بعضهم هذه الآية على العموم وقال: معناها أن الله تعالى يخبر أنَّه لولا فضله ورحمته (٩) (١٠) والآخرون يقولون: المراد بهذا الخطاب الذين خاضوا في حديث الإفك.

وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال- في قوله: ﴿ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾ -: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا (١١) (١٢) والمعنى: ما طهر (١٣) ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: فقد شئت أن أتوب عليكم (١٤) وقال الكلبي: يصلح من يشاء (١٥) (١٦) ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لقولكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما في نفوسكم من الندامة والتوبة (١٧) (١) "تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.

(٢) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 148 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.

(٣) "تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.

(٤) في (ع): وقالا ما لا يعرف.

(٥) قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 36 ب، وقول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 320 (زكا).

(٦) (تكون) ساقطة من (أ).

(٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 319 (زكا) عن الليث وغيره.

== وانظر: "لسان العرب" 14/ 358 (زكا)، "القاموس المحيط" 4/ 399.

(٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 302.

(٩) في (ظ)، (ع): (لولا فضل الله عليكم ورحمته).

(١٠) ذكر البغوي 6/ 26 هذا القول وعزاه لبعض المفسرين.

وذكره ابن الجوزي 6/ 23 بمعناه ولم ينسبه لأحد.

وانظر هذا القول بمعناه عند الطبري 18/ 101.

(١١) في (ع) زيادة: (من أحد) قبل قوله (أبدا).

(١٢) رواه الطبراني 23/ 148 من رواية عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.

(١٣) في (أ): (ما ظهر).

(١٤) روى ابن أبي حاتم 7/ 26 ب، والطبراني في "الكبير" 23/ 148 هذا القول عن سعيد بن جبير.

وانظر: "الدر المنثور" 6/ 154.

(١٥) ذكر ابن الجوزي 6/ 24 هذا القول، ولم ينسبه لأحد.

(١٦) انظر: "الطبري" 18/ 101.

(١٧) رواه الطبراني 13/ 123 من رواية عطاء، عن ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه الطبراني <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خُطُوَاتِ الشيطان ﴾ في البقرة ﴿ بالفحشآء والمنكر ﴾ ذكر في النحل ﴿ زَكَا ﴾ أي تطهر من الذنوب، وصلح دينه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.

﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.

﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.

والباقون بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {  } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.

قال الزهري: هي غزوة المريسيع.

وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.

فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله  ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.

وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟

فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.

فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله  المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.

وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.

وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.

وقيل: هو البهتان.

والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.

قال المفسرون.

هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.

أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله  وأبا بكر وعائشة وصفوان.

ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول  وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.

وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.

وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.

وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.

﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله  مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.

ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟

فقالوا: عائشة.

فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.

ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.

فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟

فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول  رجوت له الجنة.

وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.

ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.

والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم  ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.

ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.

فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.

روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟

فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟

قال: لا.

قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله  فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.

ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.

ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.

وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.

وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.

وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.

قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.

قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.

ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.

ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.

وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.

ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.

قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.

وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.

وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.

كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟

فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.

وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.

والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا  فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.

وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.

وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.

ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.

ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.

ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.

والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.

ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.

استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.

ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.

ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.

والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.

وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.

وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله  عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.

وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.

عن رسول الله  "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي  قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله  .

وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.

قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.

وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه  غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.

ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.

ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.

وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.

وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.

عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.

ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.

وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.

قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.

ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.

قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.

فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله  على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.

تركنا العمل به في حق النبي  بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.

وأيضاً ذكره الله  في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.

وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله  بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.

وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.

وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح  ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.

وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.

وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.

عن النبي  "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه  "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله  .

وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟

أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.

قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.

استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله  ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.

ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به  ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.

وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله  في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.

وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.

قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.

وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.

قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.

ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي  .

ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.

وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.

وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.

وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.

ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله  عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.

أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.

وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله  .

ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.

ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.

وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.

وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.

والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.

فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.

ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله  طيباً.

وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.

والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.

قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.

وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله  فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً  ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.

وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.

عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل  بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها  ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي  لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟

قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.

وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله  حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".

وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.

وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضاً: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...

﴾ الآية [البقرة: 168-169] أخبر [أن] من اتبعه أمره بالفحشاء.

والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة.

أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، [وهو] أشبه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزاً عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء.

وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألواً، وهو التقصير، وترك المبالغة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أي: من له الفضل والسعة.

ويحتمل ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ ﴾ من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.

ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ .

لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...

 ﴾ ، ذكر أن قوماً كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذراً لهم في ترك الإنفاق عليهم؛ والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...

﴾ الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه.

وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية.

وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب المرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ﴾ ، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضاً؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، والله غفور رحيم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر.

وقوله: ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمن لا يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.

ثم اللعن في الدنيا هو الحدّ الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية، وإنما تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65] ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ  ﴾ أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

{ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا...

﴾ الآية [فصلت: 21] تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ﴾ يؤمنون به جميعاً يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا  ﴾ ، ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.

وقوله: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول [للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول]، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.

وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.

وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، [و] نحوه من الكلام.

ثم قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ يعني: عائشة وصفوان.

﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ مما يقول أولئك القذفة.

﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعاً ووجوداً، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.

وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كنّ طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: "إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير.

ثم تلا عبد الله ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...

﴾ الآية".

وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحدّ واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك.

ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك.

وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان.

وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد الله [بن مسعود] فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرّاً، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكاناً، فتقول: ما أجد لي موضعاً أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها.

ثم تلا كعب هذه الآية: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بشرعه، لا تتبعوا طرق الشيطان في تزيينه للباطل، ومن يتبع طرقه فإنه يأمر بالقبيح من الأفعال والأقوال، وبما ينكره الشرع، ولولا فضل الله عليكم -أيها المؤمنون- ما طهر منكم من أحد أبدًا بالتوبة إن تاب، ولكن الله يطهّر من يشاء بقبول توبته، والله سميع لأقوالكم، عليم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.RBjed"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل