الآية ٣ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣ من سورة النور

ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 209 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة .

أي : لا يطاوعه على مراده من الزنى إلا زانية عاصية أو مشركة ، لا ترى حرمة ذلك ، وكذلك : ( الزانية لا ينكحها إلا زان ) أي : عاص بزناه ، ( أو مشرك ) لا يعتقد تحريمه .

قال سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) قال : ليس هذا بالنكاح ، إنما هو الجماع ، لا يزني بها إلا زان أو مشرك .

وهذا إسناد صحيح عنه ، وقد روي عنه من غير وجه أيضا .

وقد روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعروة بن الزبير ، والضحاك ، ومكحول ، ومقاتل بن حيان ، وغير واحد ، نحو ذلك .

وقوله تعالى : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) أي : تعاطيه والتزويج بالبغايا ، أو تزويج العفائف بالفجار من الرجال .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) قال : حرم الله الزنى على المؤمنين .

وقال قتادة ، ومقاتل بن حيان : حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا ، وتقدم في ذلك فقال : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) وهذه الآية كقوله تعالى : ( محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ) [ النساء : 25 ] وقوله ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) الآية [ المائدة : 5 ] ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب ، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح ، حتى يتوب توبة صحيحة; لقوله تعالى : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، حدثنا معتمر بن سليمان قال : قال أبي : حدثنا الحضرمي ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما ، أن رجلا من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها : " أم مهزول " كانت تسافح ، وتشترط له أن تنفق عليه - قال : فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو : ذكر له أمرها - قال : فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) .

وقال النسائي : أخبرنا عمرو بن علي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحضرمي ، عن القاسم بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو قال : كانت امرأة يقال لها : " أم مهزول " وكانت تسافح ، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها ، فأنزل الله عز وجل : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) .

[ و ] قال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا روح بن عبادة بن عبيد الله بن الأخنس ، أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : كان رجل يقال له " مرثد بن أبي مرثد " وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة .

قال : وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها " عناق " ، وكانت صديقة له ، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله .

قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، قال : فجاءت " عناق " فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني ، فقالت : مرثد؟

فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة .

قال : فقلت يا عناق ، حرم الله الزنى .

فقالت يا أهل الخيام ، هذا الرجل يحمل أسراكم .

قال : فتبعني ثمانية ودخلت الحندمة فانتهيت إلى غار - أو كهف فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا ، فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني - قال : ثم رجعوا ، فرجعت إلى صاحبي فحملته ، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر ، ففككت عنه أكبله ، فجعلت أحمله ويعينني ، حتى أتيت به المدينة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أنكح عناقا؟

أنكح عناقا؟

- مرتين - فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يرد علي شيئا ، حتى نزلت ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا مرثد ، ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة [ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ] ) فلا تنكحها " ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقد رواه أبو داود والنسائي ، في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسدد أبو الحسن ، حدثنا عبد الوارث ، عن حبيب المعلم ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " .

وهكذا أخرجه أبو داود في سننه ، عن مسدد وأبي معمر - عبد الله بن عمرو - كلاهما ، عن عبد الوارث ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن أخيه عمر بن محمد ، عن عبد الله بن يسار - مولى ابن عمر - قال : أشهد لسمعت سالما يقول : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يدخلون الجنة ، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، والمرأة المترجلة - المتشبهة بالرجال - والديوث .

وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، ومدمن الخمر ، والمنان بما أعطى " .

ورواه النسائي ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن يزيد بن زريع ، عن عمر بن محمد العمري ، عن عبد الله بن يسار ، به .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، حدثنا الوليد بن كثير ، عن قطن بن وهب ، عن عويمر بن الأجدع ، عمن حدثه ، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : حدثني عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة حرم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يقر في أهله الخبث " .

وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا شعبة ، حدثني رجل - من آل سهل بن حنيف - ، عن محمد بن عمار ، عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة ديوث " .

يستشهد به لما قبله من الأحاديث .

وقال ابن ماجه : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا سلام بن سوار ، حدثنا كثير بن سليم ، عن الضحاك بن مزاحم : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] " من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا ، فليتزوج الحرائر " .

في إسناده ضعف .

قال الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتاب " الصحاح في اللغة : " الديوث القنذع وهو الذي لا غيرة له .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب " النكاح " من سننه : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية ، عن يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة وغيره ، عن هارون بن رئاب ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير - وعبد الكريم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس - عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس ، وهارون لم يرفعه - قالا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي امرأة [ هي ] من أحب الناس إلي وهي لا تمنع يد لامس قال : " طلقها " .

قال : لا صبر لي عنها قال : " استمتع بها " ، ثم قال النسائي : هذا الحديث غير ثابت ، وعبد الكريم ليس بالقوي ، وهارون أثبت منه ، وقد أرسل الحديث وهو ثقة ، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم .

.

قلت : وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث ، وقد خالفه هارون بن رئاب ، وهو تابعي ثقة من رجال مسلم ، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي .

لكن قد رواه النسائي في كتاب " الطلاق " ، عن إسحاق بن راهويه ، عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة ، عن هارون بن رئاب ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس مسندا ، فذكره بهذا الإسناد ، رجاله على شرط مسلم ، إلا أن النسائي بعد روايته له قال : " وهذا خطأ ، والصواب مرسل " ورواه غير النضر على الصواب .

وقد رواه النسائي أيضا وأبو داود ، عن الحسين بن حريث ، أخبرنا الفضل بن موسى ، أخبرنا الحسين بن واقد ، عن عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره .

وهذا إسناد جيد .

وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له ، كما تقدم ، عن النسائي ، وكما قال الإمام أحمد : هو حديث منكر .

وقال ابن قتيبة : إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا .

وحكاه النسائي في سننه ، عن بعضهم فقال : وقيل : " سخية تعطي " ، ورد هذا بأنه لو كان المراد لقال : لا ترد يد ملتمس .

وقيل : المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس ، لا أن المراد أن هذا واقع منها ، وأنها تفعل الفاحشة; فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها .

فإن زوجها - والحالة هذه - يكون ديوثا ، وقد تقدم الوعيد على ذلك .

ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد ، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها .

فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها; لأن محبته لها محققة ، ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

قالوا : فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج ، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن ابن أبي ذئب ، قال : سمعت [ شعبة ] - مولى ابن عباس ، رضي الله عنه - قال : سمعت ابن عباس وسأله رجل قال : إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز وجل علي ، فرزق الله عز وجل من ذلك توبة ، فأردت أن أتزوجها ، فقال أناس : إن الزاني لا ينكح إلا زانية .

فقال ابن عباس : ليس هذا في هذا ، انكحها فما كان من إثم فعلي .

وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب .

قال : ذكر عنده ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ) قال : كان يقال : نسختها [ الآية ] التي بعدها : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) [ النور : 32 ] قال : كان يقال الأيامى من المسلمين .

وهكذا رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له ، عن سعيد بن المسيب .

ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: نـزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح نسوة كنّ معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكن أصحاب رايات ، يكرين أنفسهنّ، فأنـزل الله تحريمهن على المؤمنين، فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، لأنهن كذلك; والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها، لأنهن كن مشركات.

( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) فحرم الله نكاحهن في قول أهل هذه المقالة بهذه الآية.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثني الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلا من المسلمين استأذن نبي الله في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه استأذن فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أمرها، قال: فقرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم: ( وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) أو قال: فأنـزلت ( الزَّانِيَةُ ).

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني هشيم، عن التيمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: كنّ نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك.

قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، قال: كنّ نساء موارد بالمدينة.

حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: ( وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: نـزلت في نساء موارد كنّ بالمدينة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد، بنحوه.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن سعيد قال: كان لمرثد صديقة في الجاهلية يقال لها عناق، وكان رجلا شديدا، وكان يقال له دلدل، وكان يأتي مكة فيحمل ضعفة المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال: إن الله قد حرّم الزنا، فقالت: أنَّى تبرز، فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها؟

قال: فأنـزل الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: كنّ نساء معلومات يدعون: القيلقيات.

(1) حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قال: كن بغايا في الجاهلية.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عمن أخبره، عن مجاهد، نحوا من حديث ابن المثنى، إلا أنه قال: كانت امرأة منهنّ يقال لها: أمّ مهزول; يعني في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قال: فكنّ نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك.

هذا في حديث التيمي.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً ) قال: رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوانٍ بغايا متعالمات، كنّ في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرّم الله عليهم نكاحهن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: بغايا معلنات، كنّ كذلك في الجاهلية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال: كنّ بغايا في الجاهلية، على أبوابهنّ رايات مثل رايات البيطار يعرفن بها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: نساء بغايا متعالمات، حرّم الله نكاحهن، لا ينكحهنّ إلا زان من المؤمنين، أو مشرك من المشركين.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) قال: كانت بيوت تسمى المَواخير في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهن، وكانت بيوتا معلومة للزنا، لا يدخل عليهنّ ولا يأتيهنّ إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فحرّم الله ذلك على المؤمنين.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: بغايا متعالمات كن في الجاهلية، بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، فأنـزل الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام.

فقال له سليمان بن موسى: أبلغك ذلك عن ابن عباس؟

فقال: نعم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في ذلك: كن بغايا متعالمات، بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، وكنّ زواني مشركات، فقال: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) قال: أحكم الله من أمر الجاهلية بهذا.

قيل له: أبلغك هذا عن ابن عباس؟

قال: نعم.

قال ابن جريج: وقال عكرمة: إنه كان يسمِّي تسعا بعد صواحب الرايات، وكنّ أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عُلِيط جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية جارية العاصي بن وائل، ومَرِية جارية مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأمّ سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لُؤَيّ، وقريبا جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقال الزهري وقتادة، قالوا: كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهنّ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ، فأنـزل الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ )...

الآية.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهريّ وقَتادة، قالوا: كانوا في الجاهلية بغايا، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بَزّة: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ على تلك الجهة، فنهوا عن ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، قال: قال القاسم بن أبي بزّة، فذكر نحوه.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا سليمان التيميّ، عن سعيد بن المسيب ، قال: كنّ نساء مَواردَ بالمدينة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير: أن نساء في الجاهلية كنّ يؤاجرن أنفسهنّ، وكان الرجل إنما ينكح إحداهنّ يريد أن يصيب منها عَرَضا، فنهوا عن ذلك، ونـزل: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) ومنهنّ امرأة يقال لها :أمّ مهزول.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: كنّ نساء يكْرِين أنفسهن في الجاهلية.

وقال آخرون: معنى ذلك: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك.

قالوا: ومعنى النكاح في هذا الموضع: الجماع.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص ، عن حُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قال: لا يزني إلا بزانية أو مشركة.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جُبير أنه قال في هذه الآية: ( وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: لا يزني الزاني إلا بزانية مثله أو مشركة.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن شُبْرُمة، عن سعيد بن جُبير وعكرمة في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قالا هو الوطء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبير ومجاهد: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قالا هو الوطء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم وشعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قالا لا يزني الزاني حين يزني إلا بزانية مثله أو مشركة، ولا تزني مشركة إلا بمثلها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: هؤلاء بغايا كنّ في الجاهلية، والنكاح في كتاب الله الإصابة، لا يصيبها إلا زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلا مثلها.

قال: وكان ابن عباس يقول: بغايا كنّ في الجاهلية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير، قال: إذا زنى بها فهو زان.

حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قال: الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله أو مشركة، قال: والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة أو مشرك من غير أهل القبلة.

ثم قال: ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ).

وقال آخرون: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية، حتى نسخه بقوله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ ، فأحل نكاح كلّ مسلمة وإنكاح كل مسلم.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قوله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) قال: يرون الآية التي بعدها نسختها: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ قال: فهن من أيامى المسلمين.

حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قال: نسختها التي بعدها: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وقال: إنهن من أيامى المسلمين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وذكر عن يحيى، عن ابن المسيب، قال: نسختها: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها قوله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى .

حدثني يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى، قال: ذكر عند سعيد بن المسيب: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قال: فسمعته يقول: إنها قد نسختها التي بعدها، ثم قرأها سعيد، قال: يقول الله: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) ثم يقول الله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ فهنّ من أيامى المسلمين.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عنى بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وأن الآية نـزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات; وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أنه لم يُعْن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة، وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحلّ الزنا أو بمشركة تستحله.

وقوله: ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وحرّم الزنا على المؤمنين بالله ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال جلّ ثناؤه: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً ) ------------------------ الهوامش: (1) كذا جاءت هذه الكلمة في الأصول .

ولعل أصلها : القلقيات ، نسبة إلى القلق ، وهو ضرب من القلائد المنظومة باللؤلؤ ، كن يلبسنه يستهوين به الرجال .

أو نسبة إلى القلق ، لكثرة اضطرابهن وتحركهن .

( انظر التاج : قلق )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنينفيه سبع مسائل :الأولى : اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه من التأويل :( الأول ) : أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنا ، وتبشيع أمره ، وأنه محرم على المؤمنين .

واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ .

ويريد بقوله لا ينكح أي لا يطأ ؛ فيكون النكاح بمعنى الجماع .

وردد القصة مبالغة وأخذا من كلا الطرفين ، ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا ؛ فالمعنى : الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين ، أو من هي أحسن منها من المشركات .

وقد روي عن ابن عباس ، وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء .

وأنكر ذلك الزجاج وقال : لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج .

وليس كما قال ؛ وفي القرآن حتى تنكح زوجا غيره وقد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بمعنى الوطء ، وقد تقدم في ( البقرة ) .

وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير ، وابن عباس ، وعكرمة ، ولكن غير مخلص ، ولا مكمل .

وحكاه الخطابي ، عن ابن عباس ، وأن معناه الوطء أي لا يكون زنى إلا بزانية ، ويفيد أنه زنا في الجهتين ؛ فهذا قول .( الثاني ) ما رواه أبو داود ، والترمذي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة ، وكان بمكة بغي يقال لها ( عناق ) وكانت صديقته ، قال : فجئت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ؛ أنكح عناق ؟

قال : فسكت عني ؛ فنزلت والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ؛ فدعاني فقرأها علي وقال : لا تنكحها .

لفظ أبي داود ، [ ص: 156 ] وحديث الترمذي أكمل .

قال الخطابي : هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة ، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ .( الثالث ) : أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضا استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نكاح امرأة يقال لها ( أم مهزول ) وكانت من بغايا الزانيات ، وشرطت أن تنفق عليه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ؛ قاله عمرو بن العاص ، ومجاهد .( الرابع ) : أنها نزلت في أهل الصفة وكانوا قوما من المهاجرين ، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ، ولا عشائر ، فنزلوا صفة المسجد ، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل ، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور ، مخاصيب بالكسوة والطعام ؛ فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن فيأووا إلى مساكنهن ، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن ؛ فنزلت هذه الآية صيانة لهم عن ذلك ؛ قاله ابن أبي صالح .( الخامس ) : ذكره الزجاج ، وغيره عن الحسن ، وذلك أنه قال : المراد الزاني المحدود ، والزانية المحدودة ، قال : وهذا حكم من الله ، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة .

وقال إبراهيم النخعي نحوه .

وفي مصنف أبي داود ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله .

وروى أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي - رضي الله عنه - بينهما .

قال ابن العربي : وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا ، وهل يصح أن يوقف نكاح من حد من الرجال على نكاح من حد من النساء فبأي أثر يكون ذلك ؟

وعلى أي أصل يقاس من الشريعة .قلت : وحكى هذا القول إلكيا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين ، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر الآية .

قال إلكيا : وإن هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوز للزاني التزوج بالمشركة ، ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك ؛ وهذا في غاية البعد ، وهو خروج عن الإسلام بالكلية ، وربما قال هؤلاء : إن الآية منسوخة في المشرك خاصة دون الزانية .( السادس ) أنها منسوخة ؛ روى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال : نسخت هذه الآية [ ص: 157 ] التي بعدها وأنكحوا الأيامى منكم ؛ وقاله ابن عمرو ، قال : دخلت الزانية في أيامى المسلمين .

قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء .

وأهل الفتيا يقولون : إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها .

وهو قول ابن عمر ، وسالم ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، وطاوس ، ومالك بن أنس ، وهو قول أبي حنيفة ، وأصحابه .

وقال الشافعي : القول فيها كما قال سعيد بن المسيب ، إن شاء الله هي منسوخة .

قال ابن عطية : وذكر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي .

قال ابن العربي : والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطء كما قال ابن عباس أو العقد ؛ فإن أريد به الوطء فإن معناه : لا يكون زنا إلا بزانية ، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة زنا من الجهتين ؛ ويكون تقدير الآية : وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك ؛ وهذا يؤثر عن ابن عباس ، وهو معنى صحيح .

فإن قيل : فإذا زنى بالغ بصبية ، أو عاقل بمجنونة ، أو مستيقظ بنائمة فإن ذلك من جهة الرجل زنى ؛ فهذا زان نكح غير زانية ، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم .

قلنا : هو زنى من كل جهة ، إلا أن أحدهما سقط فيه الحد والآخر ثبت فيه .

وإن أريد به العقد كان معناه : أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني ، إلا أنه لا حد عليه لاختلاف العلماء في ذلك .

وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعا .

وقيل : ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قط إلا زانية ؛ إذ قد يتصور أن يتزوج غير زانية ، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان ، فكأنه قال : لا ينكح الزانية إلا زان ؛ فقلب الكلام ، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راض بزناها ، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضا يزني .الثانية : في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح .

وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح ، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته ؛ وهذا على أن الآية منسوخة .

وقيل إنها محكمة .

وسيأتي .الثالثة : روي أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - فجلدهما مائة جلدة ، ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ، ونفاهما سنة .

وروي مثل ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وجابر - رضي الله عنهم - .

وقال ابن عباس : أوله سفاح وآخره نكاح .

ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمره ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمره ، فما سرق حرام وما اشترى حلال .

وبهذا أخذ الشافعي ، وأبو حنيفة ، ورأوا أن الماء لا حرمة له .

وروي عن ابن مسعود [ ص: 158 ] - رضي الله عنه - أنه قال : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا .

وبهذا أخذ مالك - رضي الله عنه - ؛ فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ؛ لأن النكاح له حرمة ، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح ؛ فيختلط الحرام بالحلال ، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة .الرابعة : قال ابن خويز منداد : من كان معروفا بالزنا ، أو بغيره من الفسوق معلنا به ، فتزوج إلى أهل بيت ستر ، وغرهم من نفسه ، فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه ؛ وذلك كعيب من العيوب ، واحتج بقوله - عليه السلام - : لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله .

قال ابن خويز منداد .

وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق ، وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره ؛ فأما من لم يشتهر بالفسق فلا .الخامسة : قال قوم من المتقدمين : الآية محكمة غير منسوخة ، وعند هؤلاء : من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته ، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها .

وقال قوم من هؤلاء : لا ينفسخ النكاح بذلك ، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت ، ولو أمسكها أثم ، ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني ، بل لو ظهرت التوبة فحينئذ يجوز النكاح .السادسة : وحرم ذلك على المؤمنين أي نكاح أولئك البغايا ؛ فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد - عليه السلام - ، ومن أشهرهن عناق .السابعة : حرم الله تعالى الزنا في كتابه ؛ فحيثما زنى الرجل فعليه الحد .

وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأبي ثور .

وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحد .

قال ابن المنذر : دار الحرب ودار الإسلام سواء ، ومن زنى فعليه الحد ، على ظاهر قوله : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى زانية، تناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ْ} أي: حرم عليهم أن ينكحوا زانيا، أو ينكحوا زانية.

ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك، أن المقدم على نكاحه، مع تحريم الله لذلك، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فذاك لا يكون إلا مشركا، وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه، فإن هذا النكاح زنا، والناكح زان مسافح، فلو كان مؤمنا بالله حقا، لم يقدم على ذلك، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب، فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد الاقترانات والازدواجات، وقد قال تعالى: { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ْ} أي: قرناءهم، فحرم الله ذلك، لما فيه من الشر العظيم، وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد، الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف للتحريم وفي هذا دليل أن الزاني ليس مؤمنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فهو وإن لم يكن مشركا، فلا يطلق عليه اسم المدح، الذي هو الإيمان المطلق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها .

فقال قوم : قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن ، وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب أناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم ، فاستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ( وحرم ذلك على المؤمنين ) أن يتزوجوا تلك البغايا ؛ لأنهن كن مشركات .

وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس .

وقال عكرمة : نزلت في نساء بمكة والمدينة ، منهن تسع لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها .

منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي ، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة ، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل الله هذه الآية .

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، وكانت بمكة بغي يقال لها : عناق ، وكانت صديقة له في الجاهلية ، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها ، فقال مرثد : إن الله حرم الزنا .

قالت : فانكحني ، فقال : حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله أنكح عناق ؟

فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد شيئا ، فنزلت : ( والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ) فدعاني فقرأها علي وقال لي : لا تنكحها .

فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس .

وقال قوم : المراد من النكاح هو الجماع ، ومعناه : الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ، والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك .

وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم .

ورواية الوالبي عن ابن عباس .

قال يزيد بن هارون : إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك ، وإن جامعها وهو محرم فهو زان ، وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول : إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا .

وقال الحسن : الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة ، والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود .

قال سعيد بن المسيب وجماعة : إن حكم الآية منسوخ ، فكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم " فدخلت الزانية في أيامى المسلمين .

واحتج من جوز نكاح الزانية بما أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي ، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، أخبرنا الحسن بن فرج ، أخبرنا عمرو بن خالد الحراني ، أخبرنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس ؟

قال : طلقها ، قال : فإني أحبها وهي جميلة ، قال : استمتع بها .

وفي رواية غيره " فأمسكها إذا " .

وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنى وحرص أن يجمع بينهما فأبى الغلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الزاني لا ينكح» يتزوج «إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك» أي المناسب لكل منهما ما ذكر «وحرم ذلك» أي نكاح الزواني «على المؤمنين» الأخيار، نزل ذلك لما همَّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بغيا المشركين وهن موسرات لينفقن عليهم فقيل التحريم خاص بهم وقيل عام ونسخ بقوله تعالى (وأنكحوا الأيامى منكم).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الزاني لا يرضى إلا بنكاح زانية أو مشركة لا تُقِرُّ بحرمة الزنى، والزانية لا ترضى إلا بنكاح زان أو مشرك لا يُقِرُّ بحرمة الزنى، أما العفيفون والعفيفات فإنهم لا يرضون بذلك، وحُرِّم ذلك النكاح على المؤمنين.

وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك تحريم إنكاح الزاني حتى يتوب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا آخر أشد وأخزى فقال : ( الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ .

.

.

) .والظاهر أن المراد بالنكاح هنا : العقد الذى تترتب عليه المعاشرة الزوجية ، لأن أكثر ورود لفظ النكاح فى القرآن .

أن يكون بمعنى العقد ، بل قال بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى .أى : أنه جرت العادة أن الشخص الزانى لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة وكذلك المرأة الزانية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية ، وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزانى .فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس فى التآلف والتزاوج ، وتبين أن المشاكلة فى الطباع علة للتلاقى ، وأن التنافر فى الطباع علة للاختلاف .وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " .وبدىء هنا بالزانى ، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح ، والرجل هو الذى يتولاه ، وهو الأصل فيه ، لأنه هو الذى يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها من خطوات توصله إلى إتمام عقد الزواج ، والمرأة - فى هذا الباب - تكون فى العادة مطلوبة لا طالبة ، ومرغوبة لا راغبة .وجمع - سبحانه - بين رغبة الزانى ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من الميل الدنىء .

والطبع الوضيع .

والسلوك الخبيث .

وأن كل واحد منهما ألعن من صاحبه فى ولوج الطريق القبيح .واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ) يعود على الزنا .

وعلى الزواج من الزوانى ، لما فيه من التشبيه بالفاسقين ، ومن التعرض للعقوبة وسوء السيرة .أى : وحرم ذلك الذى نهيناكم عنه - وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه - على المؤمنين الأطهار ، الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع فى السوء والفحشاء .هذا .

وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : كان رجل يقال له " مرثد بن أبى مرثد " كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة .

قال : وكانت امرأة بَغِىٌّ بمكة يقال لها " عناق " وكانت صديقة له - أى فى الجاهلية - وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة قال : فجاءت " عناق " فأبصرت سواد ظلى تحت الحائط ، فلما انتهت إلى عرفتنى ، فقالت : مرثد؟فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا .

هلم فبت عندنا الليلة .

فقال : فقلت : يا عناق .

حرم الله الزنا .

فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم .

قال : فتبعنى ثمانية و دخلت الخندمة - أى جبل بمكة - فانتهيت إلى غار .

.

.

فأعماهم الله - تعالى - عنى .

ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبى فحملته إلى المدينة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أنكح عناقا؟

أنكح عناقا؟

- مرتين - ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئا حتى نزلت هذه الآية : ( الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .

.

.

) فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا مرثد .

( الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .

.

.

) فلا تنكحها .هذا .

ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى :1 - ظاهر قوله - تعالى - : ( الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ .

.

.

) يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن .ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة .

حيث بينت أن هذا الحد ، إنما هو لغير المحصن .

أما المحصن - وهو المتزوج أو من سبق له الزواج - فإن حده الرجم حتى يموت .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : " هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى فى الحد " .وللعلماء فيه تفصيل ونزاع ، فإن الزانى لا يخلو إما أن يكون بكرا : وهو الذى لم يتزوج ، أو محصنا : وهو الذى قد وطىء فى نكاح صحيح ، وهو حر بالغ عاقل .فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما فى الآية .

ويزاد على ذلك أن يُغرَّب عاما عند جمهور العلماء .وحجتهم فى ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة ، " أن أعرابيين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ، إن ابنى كان عسيفا - أى أجيرا - عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابنى منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام .

وأن على امرأة هذا الرجم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : الوليدة والغنم رد عليك .

وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أُنَيس - وهو رجل من قبيلة أسلم - إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت فرجمها " " .ففى هذا دلالة على تغريب الزانى مع جلده مائة .

إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم .وثبت فى الصحيحين من حديث مالك - مطولا - ، أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قام فخطب الناس فقال : " أيها الناس ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : لا نجد آية الرجم فى كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، فالرجم فى كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف " .وقد رجم النبى صلى الله عليه وسلم مازا والغمدية ، إلا أن جمهور الفقهاء يرون أنه يكتفى بالرجم ، ولا يجلد قبل الرجم ، لأنه لم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن يرجمهم ، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك .وقال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أن رجم الزانيين المحصنين ، دلت عليه آيتان من كتاب الله - تعالى - ، إحداهما : نسخت تلاوتها وبقى حكمها ، والثانية : باقية التلاوة والحكم .أما التى نسخت تلاوتها وبقى حكمها ، فهى قوله - تعالى - : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموعما ألبتة ) - وقد ورد ذلك فى روايات متعددة - وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرأوها ووعوها .

وعقلوها .

وأن حكمها باق لأن النبى صلى الله عليه وسلم فعله ، والصحابة فعلوه من بعده .وأما الآية التى هى باقية التلاوة والحكم ، فهى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ ) على القول بأنها نزلت فى رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان ، وقد رجمهما النبى صلى الله عليه وسلم وقصة رجمه لهما مشهورة ، ثابتة فى الصحيح .

وعليه فقوله : ( ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ ) أى : عما فى التوراة من حكم الرجم ، وذم المعرض عن الرجم فى هذه الآية .

يدل على أنه ثابت فى شرعنا فدلت الآية - على هذا القول - أن الرجم ثابت فى شرعنا .وهى باقية التلاوة .

.

.2 - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله .

.

.

) أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود ، كما لا يجوز إسقاط الحد؛ لأن فى ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل .قال الآلوسى ما ملخصه : " قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله .

.

.

) أى فى طاعته وإقامة حده الذى شرعه .

والمراد النهى عن التخفيف فى الجلد .

بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم ، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة .

أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها .لما صح " أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر على حِبِّه أسامة بن زيد حين شفع فى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، التى سرقت قطيفة أو حليا ، وقال له : " يا أسامة ، أتشفع فى حد من حدود الله - تعالى - ، ثم قام صلى الله عليه وسلم فخطب فقال : " أيها الناس ، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، أيم الله - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " .وكما تحرم الشفاعة ، يحرم قبولها ، فعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال : " إذا بلغ الحد إلى الإمام ، فلا عفا الله - تعالى - عنه إن عفا " .3 - يرى كثير من الفقهاء أن التحريم فى قوله - تعالى - : ( وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ) للتنزيه ، وعبر عنه بلفظ " حُرِّمَ " للتغليظ والتنفير من الإقدام على زواج المؤمن من الزانية ، أو على زواج المؤمنة من الزانى .ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره ، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج بالزانية .

وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزانى .وقد فصل القول فى هذه المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه : اعلم أن العلماء اختلفوا فى جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزانى .فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعى - إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية .

.

.

لأن الله - تعالى - قال ( .

.

وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ .

.

) وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة .وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : لا يجوز تزويج الزانى العفيفة ، ولا عكسه ، وهو مذهب الإمام أحمد .

وقد ورى عن الحسن وقتادة .ومن أدلتهم الآية التى نحن بصددها ، وهى قوله - تعالى - : ( الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) لأنها قد حرمت فى نهايتها أن يتزوج التقى بالزانية ، أو التقية بالزانى .وعلى أية حال فالمتدبر فى هاتين الآيتين يراهما ، تشددان العقوبة على من يرتكب جريمة الزنا ، وتتنفران من الاقتراب منها وممن يقع فيها أعظم تنفير ، لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع الإسلامى ، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع فى هذه الرذيلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثاني: قرئ ﴿ لاَ يَنكِحُ ﴾ بالجزم عن النهي، وقرئ ﴿ وَحَرَّمَ ﴾ بفتح الحاء ثم إن في الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ ظاهره خبر، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر، لأنا نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف.

السؤال الثاني: أنه قال: ﴿ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ وليس كذلك، فإن المؤمن يحل له التزوج بالمرأة الزانية والجواب: اعلم أن المفسرين لأجل هذين السؤالين ذكروا وجوهاً: أحدها: وهو أحسنها، ما قاله القفال: وهو أن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا هاهنا.

وأما قوله: ﴿ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها، وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة.

ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار الثاني: وهو أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين، لأن قوله: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ معناه أن الزاني لا يرغب إلا في الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزوج بالزانية، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية: الوجه الثاني: أن الألف واللام في قوله: ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله: ﴿ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ وإن كان للعموم ظاهراً لكنه هاهنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم، قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة، قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ليس لهم أموال ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار، ليعرف أنها زانية، وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين، وقالوا نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فتقدير الآية أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحهن إلا أولئك الزواني وحرم نكاحهن على المؤمنين الوجه الثالث: في الجواب أن قوله: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ وإن كان خبراً في الظاهر، لكن المراد النهي، والمعنى أن كل من كان زانياً فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية وحرم ذلك على المؤمنين.

وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام، وعلى هذا الوجه ذكروا قولين: أحدهما: أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزوج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ويقال هذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة، ثم في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام.

فيقول كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها، ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.

والقول الثاني: أن هذا الحكم صار منسوخاً واختلفوا في ناسخه، فعن الجبائي أن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى  ﴾ قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان أما الأول: فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وأيضاً فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر وعلي فكيف يصح؟

وأما قوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ فهو لا يصح أن يكون ناسخاً، لأنه لابد من أن يشترط فيه أن لا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما، ولقائل أن يقول لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن، كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ، ونقول إن للزنا تأثيراً في الفرقة ما ليس لغيره، ألا ترى أنه إذا قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه، ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد، ولأن من حق الزنا أن يورث العار ويؤثر في الفراش ففارق غيره.

ثم احتج هؤلاء الذين يدعون هذا النسخ، بأنه سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها؟

فأجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال.

الوجه الرابع: أن يحمل النكاح على الوطء والمعنى أن الزاني لا يطأ حين يزني إلا زانية أو مشركة وكذا الزانية ﴿ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ أي وحرم الزنا على المؤمنين وعلى هذا تأويل أبي مسلم، قال الزجاج هذا التأويل فاسد من وجهين: الأول: أنه ما ورد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، ولم يرد ألبتة بمعنى الوطء الثاني: أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة، لأنا لو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد، لأنا نرى أن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها ولو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا فهذا الكلام لا فائدة فيه، وهذا آخر الكلام في هذا المقام.

السؤال الثالث: أي فرق بين قوله: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ وبين قوله: ﴿ والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ ﴾ ؟

والجواب: الكلام الأول يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية وهذا لا يمنع من أن يرغب في نكاح الزانية غير الزاني فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني.

السؤال الرابع: لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وهاهنا بالعكس الجواب: سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها، والمرأة هي المادة في الزنا، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقحب، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة، كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين.

ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنى: محرّم عليه محظور؛ لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة وأنواع المفاسد.

ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرّض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب؛ وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ [النور: 32] وقيل: كان بالمدينة موسرات من بغايا المشركين، فرغب فقراء المهاجرين في نكاحهنّ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت.

وعن عائشة رضي الله عنها أن الرجل إذا زنى بامرأة، ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانياً.

وقد أجازه ابن عباس رضي الله عنهما وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك؟

فقالَ: «أولُهُ سِفَاحٌ وآخِرُهُ نكاحٌ، والحرامُ لا يحرمُ الحلال» ، وقيل: المراد بالنكاح الوطء، وليس بقول لأمرين، أحدهما: أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلاّ في معنى العقد.

والثاني: فساد المعنى وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزني إلاّ بزانية والزانية لا يزني بها إلاّ زان.

وقيل: كان نكاح الزانية محرّماً في أول الإسلام ثم نسخ، والناسخ قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ [النور: 32] .

وقيل: الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه.

فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟

قلت: معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر.

ومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة، وهما معنيان مختلفان.

فإن قلت: كيف قدمت الزانية على الزاني أولاً، ثم قدم عليها ثانياً؟

قلت: سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن.

فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بديء بذكرها.

وأمّا الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب.

وعن عمرو بن عبيد رضي الله عنه: لا ينكح، بالجزم على النهي.

والمرفوع فيه أيضاً معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد، كما أن (رحمك الله) و (يرحمك) أبلغ من (ليرحمك) ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى: أن عادتهم جارية على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصوّن عنها.

وقرئ: ﴿ وحَرم ﴾ بفتح الحاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ﴾ إذِ الغالِبُ أنَّ المائِلَ إلى الزِّنا لا يَرْغَبُ في نِكاحِ الصَّوالِحِ والمُسافِحَةَ لا يَرْغَبُ فِيها الصُّلَحاءُ، فَإنَّ المُشاكَلَةَ عِلَّةٌ لِلْأُلْفَةِ والتَّضامِّ، والمُخالَفَةُ سَبَبٌ لِلنُّفْرَةِ والِافْتِراقِ.

وكانَ حَقُّ المُقابِلَةِ أنْ يُقالَ والزّانِيَةُ لا تَنْكِحُ إلّا مَن هو زانٍ أوْ مُشْرِكٌ.

لَكِنَّ المُرادَ بَيانُ أحْوالِ الرِّجالِ في الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ضَعَفَةِ المُهاجِرِينَ لَمّا هَمُّوا أنْ يَتَزَوَّجُوا بَغايا يَكْرِينَ أنْفُسَهُنَّ لِيُنْفِقْنَ عَلَيْهِمْ مِن أكْسابِهِنَّ عَلى عادَةِ الجاهِلِيَّةِ ولِذَلِكَ قَدَّمَ الزّانِي.

﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالفُسّاقِ وتَعَرُّضٌ لِلتُّهْمَةِ وتَسَبُّبٌ لِسُوءِ القالَةِ والطَّعْنِ في النَّسَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّنْزِيهِ بِالتَّحْرِيمِ مُبالَغَةً.

وقِيلَ النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ والحُرْمَةُ عَلى ظاهِرِها والحُكْمُ مَخْصُوصٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي ورَدَ فِيهِ، أوْ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ فَإنَّهُ يَتَناوَلُ المُسافِحاتِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «أوَّلُهُ سِفاحٌ وآخِرُهُ نِكاحٌ والحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ»، وقِيلَ المُرادُ بِالنِّكاحِ الوَطْءُ فَيُؤَوَّلُ إلى نَهْيِ الزّانِي عَنِ الزِّنا إلّا بِزانِيَةٍ، والزّانِيَةُ أنْ يَزْنِيَ بِها إلّا زانٍ وهو فاسِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} أي الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في خبيثة من شكله أو في مشركة والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أوالمشركين فالآية تزهيد في نكاح البغايا إذ الزنا عديل الشرك في القبح والإيمان قرين العفاف والتحصن وهو نظير قوله الخبيثات

للخبيثين وقيل كان نكاح الزانية محرماً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ وقيل المراد بالنكاح الوطء لأن غير الزاني يستقذر الزانية ولا يشتهيها وهو صحيح لكنه يؤدي إلى قولك الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزنى بها إلا زان وسئل صلى الله عليه وسلم عمن زنى بامرأة ثم تزوجها فقال أوله سفاح وآخره نكاح ومعنى الجملة صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف

النور (٦ - ٣)

ولكن في الفواجر ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً لأن تلك الآية سبقت لعقوبتها على ما جنيا والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلا فى ذلك بدئ بذكرها وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدء الطلب وقرئ لا ينكح بالجزم على معنى أن عادتهما جارية على ذلك وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها {وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين} أي الزنا أو نكاح البغايا لقصد التكسب بالزنا أو لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواقع التهمة والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ تَقْبِيحٌ لِأمْرِ الزّانِي أشَدَّ تَقْبِيحٍ بِبَيانِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ رَضِيَ بِالزِّنا لا يَلِيقُ بِهِ أنَّ يَنْكِحَ العَفِيفَةَ المُؤْمِنَةَ فَبَيْنَهُما كَما بَيْنَ سُهَيْلٍ والثُّرَيّا فَتَرى هَذِهِ شامِيَّةً إذا ما اسْتَقَلَّتْ وتَرى ذاكَ إذا ما اسْتَقَلَّ يَمانِيًّا وإنَّما يَلِيقُ بِهِ أنْ يَنْكِحَ زانِيَةً هي في ذَلِكَ طِبْقَهُ لِيُوافِقَ- كَما قِيلَ- شَنَّ طَبَقِهِ أوْ مُشْرِكَةٍ هي أسْوَأُ مِنهُ حالًا وأقْبَحُ أفْعالًا «فَلا يَنْكِحُ» خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَنْكِحَ كَما تَقُولُ: السُّلْطانُ لا يَكْذِبُ أيْ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكْذِبَ نَزَلَ فِيهِ عَدَمُ لِياقَةِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ عَدِمِهِ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ، ثُمَّ المُرادُ اللِّياقَةُ وعَدَمُ اللِّياقَةِ مِن حَيْثُ الزِّنا فَيَكُونُ فِيهِ مِن تَقْبِيحِ الزِّنا ما فِيهِ.

ولا يُشَكِّلُ صِحَّةُ نِكاحِ الزّانِي المُسْلِمِ الزّانِيَةَ المُسْلِمَةَ وكَذا العَفِيفَةُ المُسَلِّمَةُ وعَدَمُ صِحَّةِ نِكاحِهِ المُشْرِكَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ إذا فَسَّرَتْ بِالوَثَنِيَّةِ بِالإجْماعِ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللِّياقَةِ وعَدَمِ اللِّياقَةِ مِن حَيْثُ الزِّنا بَلْ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى يَعْلَمُها الشّارِعُ كَما لا يَخْفى، وعَلى هَذا الطَّرْزِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ﴾ أيِ الزّانِيَةِ بَعْدَ أنْ رَضِيَتْ بِالزِّنا فَوَلَغَ فِيها كَلْبٌ شَهْوَةَ الزّانِي لا يَلِيقُ أنْ يَنْكِحَها مِن حَيْثُ إنَّها كَذَلِكَ إلّا مَن هو مِثْلُها وهو الزّانِي أوْ مَن هو أسْوَأُ حالًا مِنها وهو المُشْرِكُ، وأمّا المُسْلِمُ العَفِيفُ فَإنَّ غِيرَتُهُ تَأْبى وُرُودَ جِفْرَتِها.

تَجْتَنِبُ الأسُودُ وُرُودَ ماءٍ إذا كانَ الكِلابُ يَلْغْنَ فِيهِ ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا صِحَّةِ نِكاحِهِ إيّاها وعَدَمُ صِحَّةِ نِكاحِ المُشْرِكِ سَواءً فَسَّرَ بِالوَثَنِيِّ أوْ بِالكِتابِيِّ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ وهو ظاهِرٌ والإشارَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلزِّنا المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ والتَّحْرِيمُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ وكَذا المُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ كَما عَطَفَ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ الآتِي: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ إلَخْ، وأمَرَ إشْعارَ ما تَقَدَّمَ بِالتَّحْرِيمِ سَهْلٌ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ: إنَّ الكَفّارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالفُرُوعِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِتَكْلِيفِهِمْ بِها كالأُصُولِ وإنْ لَمْ تَصِحَّ مِنهم إلّا بَعْدَ الإيمانِ فَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِنِكاحِ الزّانِيَةِ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ التَّحْرِيمِ المَنعُ وبِالمُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ، ومَعْنى مَنعِهِمْ عَنْ نِكاحِ الزَّوانِي جَعَلَ نُفُوسَهم أبِيَّةً عَنِ المَيْلِ إلَيْهِ فَلا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِمْ، ولا يَأْبى حَمْلَ الآيَةِ عَلى ما قَرَّرَ فِيها ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِمّا أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««كانَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ مَرْثَدٌ يَحْمِلُ الأسارى مِن مَكَّةَ حَتّى يَأْتِيَ بِهِمُ المَدِينَةَ وكانَتِ امْرَأةَ بَغْيٍ بِمَكَّةَ يُقالُ لَها عِناقُ وكانَتْ صَدِيقَةً لَهُ وأنَّهُ وعَدَ رَجُلًا مِن أسارى مَكَّةَ بِحَمْلِهِ قالَ فَجِئْتُ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى ظِلِّ حائِطٍ مِن حَوائِطَ مَكَّةَ في لَيْلَةً مُقْمِرَةً فَجاءَتْ عِناقُ فَأبْصَرَتْ سَوادَ ظَلٍّ تَحْتَ الحائِطِ فَلَمّا انْتَهَتْ إلى غُرْفَتِي فَقالَتْ: مَرْثَدٌ ؟

فَقُلْتُ: مَرْثَدٌ فَقالَتْ: مَرْحَبًا وأهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنا اللَّيْلَةَ قُلْتُ: يا عِناقُ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الزِّنا قالَتْ: يا أهْلَ الخِيامِ هَذا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أسْراكم قالَ فَتَبِعَنِي ثَمانِيَةٌ وسَلَكَتِ الخَنْدَمَةُ فانْتَهَيْتُ إلى غارٍ أوْ كَهْفٍ فَدَخَلَتْ فَجاؤُوا حَتّى قامُوا عَلى رَأْسِي فَطَلَّ بَوْلُهم عَلى رَأْسِي وعَماهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنِّي ثُمَّ رَجَعُوا ورَجَعْتُ إلى صاحِبِي فَحَمَلَتْهُ حَتّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْكِحُ عِناقَ؟

فَأمْسَكَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتّى نَزَلَ ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآيَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا مَرْثَدُ ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فَلا تَنْكِحُها» لِأنَّ تَفْرِيعَ النَّهْيِ فِيهِ عَنْ نِكاحِ تِلْكَ البَغِيِّ مِمّا لا شُبْهَةَ في صِحَّتِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الآيَةِ المُفَرَّعِ عَلَيْها لِتَقْبِيحِ أمْرِ الزّانِي والزّانِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتَ أمْرَ الزّانِيَةِ وأنَّها بَلَغَتْ في القُبْحِ إلى حَيْثُ لا يَلِيقُ أنْ يَنْكِحَها إلّا مِثْلُها أوْ مَن هو أسْوَأُ حالًا فَلا تَنْكِحُها.

نَعَمْ في هَذا الخَبَرِ ما هو أوْفَقُ بِجَعْلِ الإشارَةِ فِيما مَرَّ إلى نِكاحِ الزّانِيَةِ ويَعْلَمُ مِنهُ وجْهَ تَقْدِيمِ ﴿ الزّانِي ﴾ والأخْبارُ عَنِ الزّانِيَةِ بِأنَّهُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ عَلى خِلافِ ما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، هَذا ولِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ كَلامٌ كَثِيرٌ لا بَأْسَ بِنَقْلِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ وإبْداءِ بَعْضِ ما قِيلَ فِيهِ ثُمَّ انْظُرْ فِيهِ وفِيما قَدَّمْناهُ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو فَأقُولُ: نُقِلَ عَنِ الضَّحّاكِ والقَفّالِ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: إنَّهُ أحْسَنُ الوُجُوهِ في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ ﴾ إلَخْ حُكْمٌ مُؤَسَّسٌ عَلى الغالِبِ المُعْتادِ جِيءَ بِهِ لِزَجْرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِكاحِ الزَّوانِي بَعْدَ زَجْرِهِمْ عَنِ الزِّنا وذَلِكَ أنَّ الفاسِقَ الخَبِيثَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الزِّنا والتَّقَحُّبُ لا يَرْغَبُ غالِبًا في نِكاحِ الصَّوالِحِ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي عَلى خِلافِ صِفَتِهِ وإنَّما يَرْغَبُ في فاسِقَةٍ خَبِيثَةٍ مِن شَكْلِهِ أوْ في مُشْرِكَةٍ والفاسِقَةُ الخَبِيثَةُ المُسافِحَةُ كَذَلِكَ لا يَرْغَبُ في نِكاحِها الصُّلَحاءُ مِنَ الرِّجالِ ويَنْفِرُونَ عَنْها وإنَّما يَرْغَبُ فِيها مَن هو مِن شَكْلِها مِنَ الفَسَقَةِ والمُشْرِكِينَ، ونَظِيرُ هَذا الكَلامِ لا يَفْعَلُ الخَيْرَ إلّا تَقِيٌّ فَإنَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى هَذا قِيلَ التَّنْزِيهُ وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِلتَّغْلِيظِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ أنَّ نِكاحَ الزَّوانِي مُتَضَمِّنُ التَّشَبُّهِ بِالفُسّاقِ والتَّعَرُّضِ لِلتُّهْمَةِ والتَّسَبُّبِ لِسُوءِ القالَةِ والطَّعْنِ في النَّسَبِ إلى كَثِيرٍ مِنَ المَفاسِدِ، وقِيلَ: التَّحْرِيمُ عَلى ظاهِرِهِ وذَلِكَ الفِعْلُ يَتَضَمَّنُ مُحَرَّماتٍ والحُرْمَةُ لَيْسَتْ راجِعَةً إلى نَفْسِ العَقْدِ لِيَكُونَ العَقْدُ باطِلًا وعَلى القَوْلَيْنِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الزّانِي والزّانِيَةِ عَلى مَن شَأْنِهِما الزِّنا والتَّقَحُّبُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ لِأنَّهُما فِيما تَقَدَّمَ لَمْ يَكُونا بِهَذا المَعْنى والظّاهِرُ المُوافَقَةُ، وأيْضًا لا يَكادُ يُسَلِّمُ أنَّ الغالِبَ عَدَمُ رَغْبَةٍ مِن شَأْنِهِ الزِّنا في نِكاحِ العَفائِفِ ورَغْبَتِهِ في الزَّوانِي أوِ المُشْرِكاتِ فَكَثِيرًا ما شاهَدْنا كَثِيرًا مِنَ الزُّناةِ يَتَحَرَّوْنَ في النِّكاحِ أكْثَرَ مِن تَحَرِّي غَيْرِهِمْ فَلا يَكادُ أحَدُهم يَنْكِحُ مَن في أقارِبِها شُبْهَةَ زِنًا فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ فِيها وقَلِيلًا ما سَمِعْنا بِرَغْبَةِ الزّانِي في نِكاحِ زانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، وأيْضًا في حَمْلِ التَّحْرِيمِ عَلى التَّنْزِيهِ نَوْعٌ بَعْدُ وكَذا حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ مَعَ التِزامِ أنَّ الحُرْمَةَ لَيْسَتْ راجِعَةً إلى نَفْسِ العَقْدِ.

وفِي البَحْرِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ أنَّ الآيَةَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ كانُوا يَزْنُونَ في جاهِلِيَّتِهِمْ بِبَغايا مَشْهُوراتٍ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الزِّنا فَأرادُوا لِفَقْرِهِمْ زَواجَ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ إذْ كانَ مَن عادَتِهِنَّ الإنْفاقُ عَلى مَن تَزَوَّجَهُنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِذَلِكَ، والإشارَةُ بِالزّانِي إلى أحَدِ أُولَئِكَ القَوْمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الزِّنا الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ لِلتَّوْبِيخِ، ومَعْنى لا ﴿ يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ لا يُرِيدُ أنَّ يَتَزَوَّجَ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً أيْ لا تَنْزِعُ نَفْسُهُ إلّا إلى هَذِهِ الخَسائِسِ لِقِلَّةِ انْضِباطِها، والإشارَةُ- بِذَلِكَ- إلى نِكاحِ أُولَئِكَ البَغايا والتَّحْرِيمِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُرَدُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ الإجْماعَ عَلى أنَّ الزّانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها مُشْرِكٌ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُرَدُّ بَعْدَ حَمْلِ نَفْيِ النِّكاحِ عَلى نَفْيِ إرادَةِ التَّزَوُّجِ إذْ يَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ الزّانِيَةُ لا يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ولَيْسَ في الإجْماعِ ما يَأْباهُ، وفِيهِ أيْضًا كَلامٌ سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، نَعْمْ كَوْنُ ﴿ الزّانِي ﴾ إشارَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ القَوْمِ وهم مِنَ المُهاجِرِينَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ كَما جاءَ في آثارٍ كَثِيرَةٍ وقَدْ أسْلَمُوا وتابُوا مِنَ الزِّنا مَحَلَّ تَرَدُّدٍ إذْ يَبْعُدُ كُلُّ البُعْدِ أنْ يُسَمَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالزِّنا صَحابِيًّا كانَ قَدْ زَنى قَبْلَ إسْلامِهِ ثُمَّ أسْلَمَ وتابَ فَخَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ ويُطْلِقُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ الَّذِي غَفَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ بِمُجَرَّدِ أنَّهُ مالَ إلى نِكاحِ زانِيَةٍ بِسَبَبِ ما بِهِ مِنَ الفَقْرِ قَبْلَ العِلْمِ بِحَظْرِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهم كانُوا نادِينَ عَلى فِراقِ مَن يَنْكِحُونَهُنَّ إذا وجَدُوا عَنْهُنَّ غِنًى.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: «لَما قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ قَدِمُوها وهم بِجُهْدٍ إلّا قَلِيلٌ مِنهم والمَدِينَةُ غالِيَةُ السِّعْرِ شَدِيدَةُ الجُهْدِ وفي السُّوقِ زَوانٍ مُتَعالِناتٍ مِن أهْلِ الكِتابِ وإماءُ لِبَعْضِ الأنْصارِ قَدْ رَفَعَتْ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ عَلى بابِها عَلامَةً لِتُعَرِّفَ أنَّها زانِيَةٌ وكُنَّ مِن أخْصَبِ أهْلِ المَدِينَةِ وأكْثَرِهِمْ خَيْرًا فَرَغِبَ أُناسٌ مِن مُهاجِرِي المُسْلِمِينَ فِيما يَكْتَسِبْنَ لِلَّذِي فِيهِمْ مِنَ الجُهْدِ فَأشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لَوْ تَزَوَّجْنا بَعْضَ هَؤُلاءِ الزَّوانِي فَنُصِيبُ مِن فُضُولِ ما يَكْتَسِبْنَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَأْمِرُ رَسُولَ اللَّهِ  فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَقَّ عَلَيْنا الجُهْدُ ولا نَجِدُ ما نَأْكُلُ وفي السُّوقِ بَغايا نِساءِ أهْلِ الكِتابِ ووَلائِدِهُنَّ ووَلائِدُ الأنْصارُ يَكْتَسِبْنَ لِأنْفُسِهِنَّ فَيَصْلُحُ لَنا أنْ نَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ فَنُصِيبُ مِن فُضُولِ ما يَكْتَسِبْنَ فَإذا وجَدْنا عَنْهُنَّ غِنًى تَرَكْناهُنَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، وأيْضًا إطْلاقُ الزّانِي عَلَيْهِ بِهَذا المَعْنى لا يُوافِقُ إطْلاقَ الزّانِيَةِ عَلى إحْدى صاحِباتِ الرّاياتِ، وكَذا لا يُوافِقُ إطْلاقَ الزّانِيَ عَلى مَن أطْلَقَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا ﴾ إلَخْ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ وأبُو حَيّانَ وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النِّكاحَ بِمَعْنى الوَطْءِ أيِ الزِّنا و ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ، والمَعْنى الزّانِي لا يَطَأُ في وقْتِ زِناهُ إلّا زانِيَةً مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ أخَسُّ مِنها وهي المُشْرِكَةُ والزّانِيَةُ لا يَطَؤُها حِينَ زِناها إلّا زانَ مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ أخَسَّ مِنهُ وهو المُشْرِكُ وحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الزِّنا عَلى المُؤْمِنِينَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ النِّكاحَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَّزْوِيجِ وبِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَوْلِكَ الزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ والزّانِيَةُ لا تَزْنِي إلّا بِزانٍ وهو غَيْرُ مُسْلِمٍ إذْ قَدْ يَزْنِي الزّانِي بِغَيْرِ زانِيَةٍ يَعْلَمُ أحَدُهُما بِالزِّنا والآخِرُ جاهِلٌ بِهِ يَظُنُّ الحَلَّ، وإذا ادَّعى أنَّ ذَلِكَ خارِجُ مَخْرَجَ الغالِبِ كانَ مِنَ الأخْبارِ بِالواضِحاتِ، وإنَّ حَمْلَ النَّفْيِ عَلى النَّهْيِ كانَ المَعْنى نَهْيُ الزّانِي عَنِ الزِّنا إلّا بِزانِيَةٍ وبِالعَكْسِ وهو ظاهِرُ الفَسادِ.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ جُلَّ العُلَماءِ عَلى أنَّ النِّكاحَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ بِمَعْنى الوَطْءِ دُونَ العَقْدِ ورَدُّوا عَلى مَن فَسَّرَهُ بِالعَقْدِ وزَعَمَ أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا تَحِلُّ لِزَوْجِها الأوَّلِ بِعَقْدِ الثّانِي عَلَيْها دُونَ وطْءٍ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ إخْبارٌ خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ أُرِيدَ بِهِ تَشْنِيعُ أمْرِ الزِّنا ولِذَلِكَ زِيدَتِ المُشْرِكَةُ، والِاعْتِراضُ بِالوُضُوحِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

ولِلْفاضِلِ سَرِيِّ الدِّينِ المِصْرِيِّ كَلامٌ طَوِيلٌ في ذَلِكَ، وما قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ  ﴾ إلَخْ فَيَحْصُلُ التَّكْرارُ سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا في قَوْلٍ، وقِيلَ: النِّكاحُ بِمَعْنى التَّزَوُّجِ والنَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِلْمُبالَغَةِ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ «لا يَنْكِحْ» بِالجَزْمِ والتَّحْرِيمِ عَلى ظاهِرِهِ.

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: وكانَ الحُكْمُ عامًا في الزُّناةِ أنْ لا يَتَزَوَّجُ أحَدُهم إلّا زانِيَةً ثُمَّ جاءَتِ الرُّخْصَةُ ونُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ  ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ  ﴾ ورُوِيَ القَوْلُ بِالنُّسَخِ عَنْ مُجاهِدٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ قالَ في الأُمِّ: اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ إلَخِ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا، قِيلَ: هي عامَّةٌ ولَكِنَّها نُسِخَتْ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَنْ يَحْيى عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَتْها ﴿ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ فَهي أيُ الزّانِيَةِ مِن أيامى المُسْلِمِينَ كَما قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَنا دَلائِلُ مِنَ الكِتابِ والسَّنَةِ عَلى فَسادِ غَيْرِ هَذا القَوْلِ وبَسْطِ الكَلامِ، وقَدْ نَقَلَ هَذا عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ البِقاعِيُّ ثُمَّ قالَ: إنَّ الشّافِعِيَّ لَمْ يَرُدَّ أنَّ هَذا الحُكْمَ نُسِخَ بِآيَةِ الأيامى فَقَطْ بَلْ مَعَ ما انْضَمَّ إلَيْها مِنَ الإجْماعِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ بِحَيْثُ صَيَّرَ ذَلِكَ دَلالَتَها عَلى ما تَناوَلَتْهُ مُتَيَقِّنًا كَدَلالَةِ الخاصِّ عَلى ما تَناوَلَهُ فَلا يُقالُ: إنَّهُ خالَفَ أصْلَهُ في أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بِالعامِّ بَلِ العامُّ المُتَأخِّرُ مَحْمُولٌ عَلى الخاصِّ لِأنَّ ما تَناوَلَهُ الخاصُّ مُتَيَقِّنٌ وما تَناوَلَهُ العامُّ مَظْنُونٌ اهْـ.

والجِبائِيُّ يَزْعُمُ أنَّ النُّسَخَ بِالإجْماعِ ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ كاشِفٌ عَنْ ناسِخٍ وإلّا فالإجْماعُ لا يَكُونُ ناسِخًا كَما بَيَّنَ في عِلْمِ الأُصُولِ، نَعْمَ في تَحَقُّقُ الإجْماعِ هُنا كَلامٌ، واعْتُرِضَ هَذا الوَجْهِ بِأنَّهُ يُلْزِمُ عَلَيْهِ حَلُّ نِكاحِ المُشْرِكِ لِلْمُسْلِمَةِ، وأقُولُ: إنَّ نِكاحَ الكافِرِ لِلْمُسَلَّمَةِ كانَ حَلالًا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها إلى سَنَةِ السِّتِّ وفِيها بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ نَزَلَتْ آيَةُ التَّحْرِيمِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ وغَيْرُهُ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ النَّبِيَّ  زَوَّجَ بِنْتَهُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِأبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ قَبْلَ البَعْثَةِ وبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ هاجَرَ وهاجَرَتْ مَعَهُ وهي في نِكاحِ أبِي العاصِ ولَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا إذْ ذاكَ واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ إلى سَنَةِ السِّتِّ فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ وأظْهَرَ إسْلامَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَرَدَّها  لَهُ بِنِكاحِهِ الأوَّلِ».

فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ المَذْكُورُ حَلالًا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي مِن فِيها بِأنْ يَكُونَ نُزُولُها قَبْلَ سَنَةِ السِّتِّ ثُمَّ نَسَخَ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ آياتٌ نَصُّوا عَلى أنَّ نُزُولَها كانَ قَبْلَ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ  ﴾ إلَخْ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ عامَ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ وكانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَعْبانَ فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا القَبِيلِ بَلْ في أثَرٍ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وذَكَرَهُ العِراقِيُّ وابْنُ حَجَرٍ ما ظاهَرَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ فَإذا انْضَمَّ هَذا إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ وقالَ بِهِ الشّافِعِيُّ يَكُونُ فِيها نَسْخانِ لَكِنْ لَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ، وإذا صَحَّ كانَ هَذا الوَجْهُ أقَلَّ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ مُؤْنَةً وكَأنِّي بِكَ لا تُفَضِّلُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ بِالزّانِيَةِ أوْ مِنَ الزّانِي إنْ لَمْ تَظْهَرِ التَّوْبَةُ مِنَ الزِّنا باقِيَةً إلى الآنِ، وعِنْدَهم أنَّهُ إنْ زَنى أحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَفْسُدُ النِّكاحُ بَيْنَهُما، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَنْفَسِخُ إلّا أنَّ الرَّجُلَ يُؤْمَرُ بِطَلاقِ زَوْجَتِهِ إذا زَنَتْ فَإنْ أمْسَكَها أثِمَ، وعِنْدَ بَعْضٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ الزِّنا عَيْبٌ مِنَ العُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِها الخَبارُ فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فَبانَ لَها أنَّهُ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالزِّنا ثَبَتَ لَها الخِيارُ في البَقاءِ مَعَهُ أوْ فِراقِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ حُرْمَةَ نِكاحِ الزّانِي لِلْعَفِيفَةِ إنَّما هي فِيما إذا كانَ مَجْلُودًا وكَذا حُرْمَةُ نِكاحِ العَفِيفِ لِلزّانِيَةِ إنَّما هي إذا كانَتْ مَجْلُودَةً فالمَجْلُودُ عِنْدَهُ لا يَتَزَوَّجُ إلّا مَجْلُودَةً والمَجْلُودَةُ لا يَتَزَوَّجُها إلّا مَجْلُودٌ وهو مُوافِقٌ لِما في بَعْضِ الأخْبارِ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا يَنْكِحُ الزّانِي المَجْلُودُ إلّا مِثْلَهُ»» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ «أنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ إنَّهُ زَنى فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ فَجاؤُوا بِهِ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ وقالَ لَهُ: لا تَتَزَوَّجْ إلّا مَجْلُودَةً مِثْلَكَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ مَن زَنى بِاِمْرَأةٍ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها أصْلًا، وأبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ والأئِمَّةِ عَلى خِلافِهِ.

واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ««سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ رَجُلٍ زَنى بِاِمْرَأةٍ وأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها فَقالَ: الحَرامُ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ»» هَذا ومِن أضْعَفِ ما قِيلَ في الآيَةِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناها ما في الحَدِيثِ مِن أنَّ مَن زَنى تَزْنِي امْرَأتُهُ ومَن زَنَتْ يَزْنِي زَوْجُها فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذاكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَوَلّى سُداكَ.

وقَرَأ أبُو البَرْهَسَمِ «( وحَرَّمَ)» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «وحَرَّمَ» بِفَتْحِ الحَرَمِ وضَمِّ الرّاءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً.

روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن رجلاً يقال له مرثد بن أبي مرثد قال للنبي  : أأنكح عناقاً، يعني: امرأة بغيَّة كانت بمكة؟

قال: فسكت عنه رسول الله  ، حتى نزلت هذه الآية الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً، أَوْ مُشْرِكَةً، فقال: «يا مَرْثَدُ لا تَنْكِحْهَا» (١)  بأن يتزوجوا الزواني، وكانت لهن رايات كعلامة البيطار لتعرف أنها زانية، وقالوا: لنا في تزويجهن مراد، فأذن لنا فإنهن أخصب أهل المدينة وأكثرهم خيراً، والمدينة غالية السعر، وقد أصابنا الجهد.

فإذا جاءنا الله تعالى بالخير طلقناهن وتزوجنا المسلمات» ، فنزلت الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.

وقال سعيد بن جبير، والضحاك: الزانى لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله في الزنى، والزانية لا تزني إلا بزان مثلها في الزنى.

وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني: الزنى.

وقال الحسن البصري: الزَّانِي المجلود بالزنى، لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً مجلودة مثله في الزنى.

وروي عن علي بن أبي طالب  : «أن مجلوداً تزوج امرأة غير مجلودة، ففرق بينهما» (٢)  : إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: «طَلِّقْهَا» .

قال: إني أحبها، فقال: «أَمْسِكْهَا» (٣) كانوا يرون أن الآية التي بعدها نسختها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور: 32] الآية.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، يعني: يقذفون العفائف من النساء، الحرائر المسلمات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ على صدق مقالتهم، فَاجْلِدُوهُمْ يقول: للحكام ويقال: هذا الخطاب لجميع المسلمين، ثم إن المسلمين فوضوا الأمر إلى الإمام وإلى القاضي، ليقيم عليهم الحد.

ثَمانِينَ جَلْدَةً، يعني: ثمانين سوطاً.

وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، أي: لا تقبلوا لهم شهادة بعد إقامة الحد عليهم.

وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، يعني: العاصين.

قال عز وجل: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، يعني: القذف.

وَأَصْلَحُوا، يعني: العمل بعد توبتهم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم بعد التوبة، رَحِيمٌ بهم بعد التوبة.

وقال شريح: «يقبل توبته فيما بينه وبين الله تعالى، فأما شهادته فلا تقبل أبداً» وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: «إذا تاب ذهب عنه الفسق، ولا تقبل شهادته أبداً» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا «تاب الله عليهم من الفسق وأما الشهادة فلا تقبل أبداً» وهكذا عن سعيد بن جبير ومجاهد.

وروي عن جماعة من التابعين: أن شهادته تقبل إذا تاب مثل: عطاء، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وغيرهم، وهو قول أهل المدينة، والأول قول أهل العراق وبه نأخذ.

(١) أخرجه الترمذي (3177) وقال: حديث حسن غريب وأبو داود (2051) والنسائي: 6/ 65 وعزاه السيوطي: 6/ 128 إلى الترمذي والنسائي وأبي داود وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي.

(٢) عزاه السيوطي 6/ 126 إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه.

(٣) حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (2049) وبلفظ «غرّبها» و «فاستمتع بها» والنسائي 6/ 170 والبيهقي 7/ 155.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة النّور

وهي مدنيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها ...

الآية معنى «فرضنا» : أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: فَرَضْناها أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ «١» : قال ابن عباس «٢» : سُورَةٌ أَنْزَلْناها: بَيَّنَّاها، انتهى.

وما تقدم أَبْيَنُ.

ص: فَرَضْناها الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى.

والآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها.

وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ...

الآية، هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور «٣» : «رَأْفَةٌ» بهمزة ساكنة من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي [في] «٤» إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بدّ، وهذا تأويل ابن عمر «٥» وغيره.

وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ «١» ، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا.

وقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: إغلاظاً على الزناة، وتوبيخاً لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِىءُ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعداً «٢» ، وقال عطاء: لا بُدَّ من اثنين «٣» ، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة.

وقوله تعالى: الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً مَقْصِدُ الآية تشنيع الزنا وتشنيع ٣٥ أأمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين/ ويريد بقوله: لاَ يَنْكِحُ أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع كقوله تعالى: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .

وقد بيّنه صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ...

» «٤» الحديث، وتحتمل الآية وجوها هذا أحسنها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النُّورِ وَهِيَ مَدَنيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ رَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «لا تُنْزِلُوهُنَّ الغُرَفَ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ الكِتابَةَ، وعَلِّمُوهُنَّ المِغْزَلَ وسُورَةَ النُّورِ " يَعْنِي: النِّساءَ.» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُورَةٌ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " سُورَةً " بِالنَّصْبِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَبِيحٌ، لِأنَّها نَكِرَةٌ، و ﴿ أنْزَلْناها ﴾ صِفَةٌ لَها، وإنَّما الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ: هَذِهِ سُورَةٌ، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ،أحَدُهُما عَلى مَعْنى: أنْزَلْنا سُورَةً، وعَلى مَعْنى: اتْلُ سُورَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَرَضْناها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والزُّهْرِيُّ ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ يَعْمُرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، أيْ إنَّنا فَرَضْنا فِيها فُرُوضًا، والثّانِي: عَلى مَعْنى: بَيِّنًا وفَصَّلْنا ما فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَمَعْناهُ: ألْزَمْناكُمُ العَمَلَ بِما فَرَضَ فِيها.

وقالَ غَيْرُهُ: مِن شَدَّدَ، أرادَ: فَصَّلْنا فَرائِضَها، ومَن خَفَّفَ، فَمَعْناهُ: فَرَضْنا ما فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: " الزّانِيَةَ " بِالنَّصْبِ.

واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ الرَّفْعَ اخْتِيارَ الأكْثَرِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والرَّفْعُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ مَعْناهُ مَن زَنى فاجْلِدُوهُ، فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى: اجْلِدُوا الزّانِيَةَ.

فَأمّا الجَلْدُ فَهو ضَرْبُ الجِلْدِ؛ يُقالُ: جَلَدَهُ: إذا ضَرَبَ جِلْدَهُ، كَما يُقالُ: بَطَّنَهُ: إذا ضَرَبَ بَطْنَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِيَةُ والزّانِي إذا كانا حُرَّيْنِ بالِغَيْنِ بِكْرَيْنِ، ﴿ فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي وُجُوبَ الجَلْدِ عَلى البِكْرِ والثَّيِّبِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَقِّ البِكْرِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِتَغْرِيبٍ عامٍ، وفي حَقِّ الثَّيِّبِ زِيادَةٌ عَلى الجَلْدِ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ.

فَرَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ» " .

ومِمَّنْ قالَ بِوُجُوبِ النَّفْيِ في حَقِّ البِكْرِ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلَيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، ومِمَّنْ بَعْدَهم عَطاءُ، وطاوُوسُ، وسُفْيانُ، ومالِكُ وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، ومِمَّنْ قالَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الجَلْدِ والرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، قالَ: وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ بِالجَلْدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ: البِكْرُ، فَأمّا الثَّيِّبُ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وإنَّما يَجِبُ الرَّجْمُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكُ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْخُذْكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يُعْمُرٍ، والأعْمَشُ: " يَأْخُذْكم " بِالياءِ، ﴿ بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ قَرَأ نافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " رَأْفَةٌ " بِإسْكانِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، ومُجاهِدُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها عَلى وزْنِ رَعْفَةٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: " رَآفَةٌ " مِثْلَ سَآمَةٍ وكَآبَةٍ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ، فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، ولَكِنْ أوْجِعُوهُما، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: لا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ فَتُعَطِّلُوا الحُدُودَ ولا تُقِيمُوها، قالَهُ مُجاهِدُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في شِدَّةِ الضَّرْبِ في الحُدُودِ، فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ضَرْبُ الزِّنا أشَدُّ مِنَ القَذْفِ، والقَذْفُ أشَدُّ مِنَ الشُّرْبِ، ويُضْرَبُ الشّارِبُ أشَدَّ مِن ضَرْبِ التَّعْزِيرِ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ أصْحابِنا وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أشَدُّ الضَّرْبِ، وضَرْبُ الزّانِي أشَدُّ مِن ضَرْبِ الشّارِبِ، وضَرْبُ الشّارِبِ أشَدُّ مِن ضَرْبِ القَذْفِ.

وقالَ مالِكُ: الضَّرْبُ في الحُدُودِ كُلِّها سَواءً غَيْرُ مُبَرِّحٍ.

* فَصْلٌ فَأمّا ما يُضْرَبُ مِنَ الأعْضاءِ، فَنَقَلَ المَيْمُونِيُّ عَنْ أحْمَدَ في جَلْدِ الزّانِي، قالَ: يُجَرَّدُ، ويُعْطى كُلُّ عُضْوٍ حَقُّهُ، ولا يُضْرَبُ وجْهُهُ ولا رَأْسُهُ.

ونَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتانَ: لا يُضْرَبُ الرَّأْسُ ولا الوَجْهُ ولا المَذاكِيرُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

وقالَ مالِكُ: لا يُضْرَبُ إلّا في الظَّهْرِ وقالَ الشّافِعِيُّ: يُتَّقى الفَرْجُ والوَجْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في حُكْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في طاعَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الزَّجاجُ: القِراءَةُ بِإسْكانِ اللّامِ، ويَجُوزُ كَسْرُها.

والمُرادُ بِعَذابِهِما ضَرْبُهُما.

وَفِي المُرادِ بِالطّائِفَةِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرَّجُلُ فَما فَوْقَهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ وقالَ النَّخَعِيُّ: الواحِدُ طائِفَةٌ.

والثّانِي: الِاثْنانِ فَصاعِدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والقَوْلُ الأوَّلُ عَلى غَيْرِ ما عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ الطّائِفَةَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وأقَلُّ الجَماعَةِ اثْنانِ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أرْبَعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «كانَتِ امْرَأةٌ تُسافِحُ، وتَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُها أنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ فَأرادَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ يَتَزَوَّجَها، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في بَغايا، كُنَّ بِمَكَّةَ، ومِنهُنَّ تِسْعٌ صَواحِبُ راياتٍ، وكانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ: المَواخِيرُ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إلّا زانٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، أوْ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ الأوْثانِ، فَأرادَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نِكاحَهُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الزّانِي مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَتَزَوَّجُ مِن أُولَئِكَ البَغايا ﴿ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ لِأنَّهُنَّ كَذَلِكَ كُنَّ ﴿ والزّانِيَةُ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ ﴾ ، ومَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ إذا زَنى بِامْرَأةٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: " وحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ " بِزِيادَةِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ فَتْحِ حُرُوفِ " حَرَّمَ " .

وَقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: " وحَرُمَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نِكاحُ الزَّوانِي؛ قالَهُ مُقاتِلُ.

والثّانِي: الزِّنا، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أوجَهٍ مِنَ التَأْوِيلِ: أحَدُها أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ تَشْنِيعَ وتَبْشِيعَ أمْرِهِ، وأنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، واتِّصالُ هَذا المَعْنى بِما قَبْلُ حَسَنٌ بَلِيغٌ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا يَنْكِحُ" أيْ لا يَطَأُ، فَيَكُونُ النِكاحُ بِمَعْنى الجِماعِ، ورَدَّدَ القِصَّةَ مُبالِغَةً وأخْذًا مِن كِلا الطَرَفَيْنِ، ثُمْ زادَ تَقْسِيمَ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ مِن حَيْثُ الشِرْكُ أعَمُّ في المَعاصِي مِنَ الزِنى، فالمَعْنى: الزانِي لا يَطَأُ في وقْتِ زِناهُ إلّا زانِيَةً مِنَ المُسْلِمِينَ أو مَن هي أخَسُّ مِنها مِنَ المُشْرِكاتِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابِهِ أنَّ النِكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ الوَطْءُ، وأنْكَرَ الزَجاجُ وقالَ: لا يُعْرَفُ النِكاحُ في كِتابِ اللهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَزْوِيجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ، وفي القُرْآنِ ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنَهُ النَبِيُّ  أنَّهُ بِمَعْنى الوَطْءِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ما يَنْحُو إلى هَذا التَأْوِيلِ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ولَكِنْ غَيْرَ مُخَلَّصٍ ولا مُكَمَّلٍ.

والثانِي أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ مَعْناهُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، قالُوا: وهم قَوْمٌ كانُوا يَزْنُونَ في جاهِلِيَّتِهِمْ بِبَغايا مَشْهُوراتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الزِنى، فَأرادُوا لِفَقْرِهِمْ- زَواجَ أُولَئِكَ النِسْوَةِ؛ إذْ كانَ مَن عادَتِهِنَّ الإنْفاقُ عَلى مَنِ ارْتَسَمَ بِزَواجِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِنَّ، والإشارَةُ بِـ "الزانِي" إلى أحَدِ أُولَئِكَ، حَمَلَ عَلَيْهِ اسْمُ الزِنى الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَنْكِحُ ﴾ أيْ لا يَتَزَوَّجُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْنى التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ مُصابٍ؟

الزانِي لا يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً، أيْ: تَنْزِعُ نُفُوسُهم إلى هَذِهِ الخَسائِسِ لِقِلَّةِ انْضِباطِهِمْ.

ويَرُدُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الإجْماعُ عَلى أنَّ الزانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها مُشْرِكٌ، ثُمْ قَوْلُهُ: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا، فَيَزْعُمْ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ نِكاحَ أُولَئِكَ البَغايا حَرَّمَهُ اللهُ تَعالى عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ومِن أشْهَرِهِنَّ عَناقُ البَغْيُّ، وكانَ الَّذِي هَمَّ بِتَزَوُّجِها دُلْدُلٌ، كانَ يَسْتَخْرِجُ ضَعْفَةَ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ سِرًّا، فَفَطِنَتْ لَهُ ودَعَتْهُ إلى نَفْسِها فَأبى الزِنى وأرادَ التَزْوِيجَ، واسْتَأْذَنَ النَبِيَّ  فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولَمّا دَعَتْهُ وأبى قالَتْ لَهُ: أنّى تَبْرُزُ؟

واللهِ لَأفْضَحَنَّكَ؟، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ البَغايا المَذْكُوراتِ أمَّ مَهْزُولٍ جارِيَةَ السائِبِ المَخْزُومِيِّ، ويُقالُ فِيها: أمُّ مَهْزُومٍ، وأُمْ غَلِيظٍ جارِيَةَ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ، وحَنَّةَ القِبْطِيَّةَ جارِيَةَ العاصِي بْنِ وائِلٍ، ومُزْنَةَ جارِيَةَ مالِكِ بْنِ عَمِيلَةَ بْنِ سَبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدارِ، وجَلالَةَ جارِيَةَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وأُمْ سُوَيْدٍ جارِيَةَ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ المَخْزُومِيِّ، وشُرَيْفَةَ جارِيَةَ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدَ، وفَرَسَةَ جارِيَةَ هِشامِ بْنِ رَبِيعَةَ، وقُرَيْبا جارِيَةَ هِلالِ بْنِ أنَسٍ، وغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ كانَتْ لَهُنَّ راياتٌ تُعْرَفُ مَنازِلُهُنَّ بِها، وكَذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ إماءُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِيٍّ وغَيْرِهِ مَشْهُوراتٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ في سِياقِ هَذا التَأْوِيلِ: كانَتْ بُيُوتٌ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمّى المَواخِيرَ، كانُوا يُؤَجِّرُونَ فِيها فَتَياتِهِمْ، وكانَتْ مَعْلُومَةً لِلزِّنى، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْتُهُ قَبْلَ هَذا.

وواحِدُ المَواخِيرِ: ماخُورٌ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُحْدَثِينَ: في كُلِّ وادٍ هَبَطْنا فِيهِ دَسْكَرَةً في كُلِّ نَشَزٍ صَعَدْنا فِيهِ ماخُورُ والتَأْوِيلُ الثالِثُ ذَكَرَهُ الزُجاجُ وغَيْرُهُ عَنِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ الزانِي المَحْدُودُ والزانِيَةُ المَحْدُودَةُ، قالَ: وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، فَلا يَجُوزُ لِزانٍ مَحْدُودٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا مَحْدُودَةً، ورُوِيَ أنَّ مَحْدُودًا تَزَوَّجَ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ فَرَدَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ نِكاحَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ الزِنى، وحَكى الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لا يَنْكِحُ الزانِي المَجْلُودُ إلّا مِثْلَهُ»، وهَذا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وقَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، وإدْخالُ "المُشْرِكِ" في الآيَةِ يَرُدُّهُ، وألْفاظُ الآيَةِ تَأْباهُ وإنْ قُدِّرَتِ "المُشْرِكَةُ" بِمَعْنى الكِتابِيَّةِ فَلا حِيلَةَ في لَفْظِ المُشْرِكِ.

والرابِعُ قَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هَذا حُكْمٌ كانَ في الزُناةِ عامَّةً، ألّا يَتَزَوَّجَ زانٍ إلّا زانِيَةً، ثُمْ جاءَتِ الرُخْصَةُ ونُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ  ﴾ ، ورُوِيَ تَرْتِيبُ هَذا النَسْخِ أيْضًا عن مُجاهِدٍ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ التَحْرِيمَ كانَ في أُولَئِكَ النَفَرِ خاصَّةً لا في الزُناةِ عامَّةً، ذَكَرَ ذَلِكَ عنهُما أبُو عُبَيْدَةَ في ناسِخِهِ، وذَكَرَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا عَلى أُولَئِكَ النَفَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ "الإشْراكِ" في الآيَةِ يُضَعِّفُ هَذِهِ المَناحِي.

وقَرَأ أبُو البُرْهَشِيمِ: "وَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ".

واخْتُلِفَ فِيمَن زَنى بِامْرَأةٍ ثُمْ أرادَ نِكاحَها فَأجازَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وطاوُسُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكٌ، والثَوْرِيُّ، والشافِعِيُّ.

ومَنَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعائِشَةُ، وقالُوا: لا يَزالانِ زانِيَيْنِ ما اجْتَمَعا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية نزلت مستقلة بأولها ونهايتها كما يأتي قريباً في ذكر سبب نزولها، سواء كان نزولها قبل الآيات التي افتتحت بها السورة أم كان نزولها بعد تلك الآيات.

فهذه الجملة ابتدائية.

ومناسبة موقعها بعد الجملة التي قبلها واضحة.

وقد أعضل معناها فتطلب المفسرون وجوها من التأويل وبعض الوجوه ينحل إلى متعدد.

وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود وما رواه الترمذي وصححه وحسنه: «أنه كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد (الغنوي من المسلمين) كان يخرج من المدينة إلى مكة يحمل الأسرى فيأتي بهم إلى المدينة.

وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق.

وكانت خليلة له، وأنه كان وعد رجلاً من أسارى مكة ليحمله.

قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة.

قال: فجاءت عناق فقالت: مرثد؟

قلت: مرثد.

قالت: مرحباً وأهلاً هلم فبت عندنا الليلة.

قال فقلت: حرم الله الزنى.

فقالت عناق: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعني ثمانية (من المشركين)..

إلى أن قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته ففككت عنه كبله حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟

فأمسك رسول الله فلم يرد عليَّ شيئاً حتى نزلت ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ فقال رسول الله: يا مرثد لا تنكحها».

فتبيّن أن هذه الآية نزلت جواباً عن سؤال مرثد بن أبي مرثد هل يتزوج عناق.

ومثار ما يشكل ويعضل من معناها: أن النكاح هنا عقد التزوج كما جزم به المحققون من المفسرين مثل الزجاج والزمخشري وغيرهما.

وأنا أرى لفظ النكاح لم يوضع ولم يستعمل إلا في عقد الزواج وما انبثق زعم أنه يطلق على الوطء إلا من تفسير بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ [البقرة: 230] بناء على اتفاق الفقهاء على أن مجرد العقد على المرأة بزوج لا يحلها لمن بَتَّها إلا إذا دخل بها الزوج الثاني.

وفيه بحث طويل، ليس هذا محله.

وأنه لا تردد في أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الزنى إذ كان تحريم الزنى من أول ما شرع من الأحكام في الإسلام كما في الآيات الكثيرة النازلة بمكة، وحسبك أن الأعشى عدّ تحريم الزنى في عداد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من التشريع إذ قال في قصيدته لما جاء مكة بنية الإسلام ومدح النبي صلى الله عليه وسلم فصده أبو جهل فانصرف إلى اليمامة ومات هناك قال: أجدَّك لم تسمع وصاة محمد *** نبيءِ الإله حين أوصى وأشهدا إلى أن قال: ولا تقربنّ جارة إنّ سرها *** عليك حرام فانكحن أو تأبدا وقد ذكرنا ذلك في تفسير سورة الإسراء.

وأنه يلوح في بادئ النظر من ظاهر الآية أن صدرها إلى قوله أو ﴿ مشرك ﴾ إخبارٌ عن حال تزوج امرأة زانية وأنه ليس لتشريع حكم النكاح بين الزناة المسلمين، ولا نكاح بين المشركين.

فإذا كان إخباراً لم يستقم معنى الآية إذ الزاني قد ينكح الحصينة والمشرك قد ينكح الحصينة وهو الأكثر فلا يستقيم لقوله تعالى: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ معنى، وأيضاً الزانية قد ينكحها المسلم العفيف لرغبة في جمالها أو لينقذها من عهر الزنى وما هو بزان ولا مشرك فلا يستقيم معنى لقوله: ﴿ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ وإننا لو تنازلنا وقبلنا أن تكون لتشريع حكم فالإشكال أقوى إذ لا معنى لتشريع حكم نكاح الزاني والزانية والمشرك والمشركة فتعين تأويل الآية بما يفيد معنى معتبراً.

والوجه في تأويلها: أن مجموع الآية مقصود منه التشريع دون الإخبار لأن الله تعالى قال في آخرها ﴿ وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ .

ولأنها نزلت جواباً عن سؤال مرثد تزويجه عناق وهي زانية ومشركة ومرثد مسلم تقي.

غير أن صدر الآية ليس هو المقصود بالتشريع بل هو تمهيد لآخرها مشير إلى تعليل ما شُرع في آخرها، وفيه ما يفسر مرجع اسم الإشارة الواقع في قوله: ﴿ وحرم ذلك ﴾ .

وأن حكمها عام لمرثد وغيره من المسلمين بحق عموم لفظ ﴿ المؤمنين ﴾ .

وينبني على هذا التأصيل أن قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ تمهيد للحكم المقصود الذي في قوله: ﴿ وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ وأنه مسوق مساق الإخبار دون التشريع فيتعين أن المراد من لفظ ﴿ الزاني ﴾ المعنى الإسمي لاسم الفاعل وهو معنى التلبس بمصدره دون معنى الحدوث؛ إذ يجب أن لا يُغفل عن كون اسم الفاعل له شائبتان: شائبة كونه مشتقاً من المصدر فهو بذلك بمنزلة الفعل المضارع، فضارب يشبه يضرب في إفادة حصول الحدث من فاعل، وشائبةُ دلالته على ذات متلبسة بحدث فهو بتلك الشائبة يقْوى فيه جانب الأسماء الدالة على الذوات.

وحمله في هذه الآية على المعنى الإسمي تقتضيه قرينة السياق إذ لا يفهم أن يكون المعنى أن الذي يحدث الزنى لا يتزوج إلا زانية لانتفاء جدوى تشريع منع حالة من حالات النكاح عن الذي أتى زنى.

وهذا على عكس محمل قوله: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [النور: 2] فإنه بالمعنى الوصفي، أي التلبس بإحداث الزنى حسبما حملناه على ذلك آنفاً بقرينة سياق ترتب الجلد على الوصف إذ الجلد عقوبة إنما تترتب على إحداث جريمة توجبها.

فتمحض أن يكون المراد من قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ إلخ: مَن كان الزنى دأباً له قبل الإسلام وتخلق به ثم أسلم وأراد تزوج امرأة ملازمة للزنى مثل البغايا ومتخذات الأخدان (ولا يكن إلا غير مسلمات لا محالة) فنهى الله المسلمين عن تزوج مثلها بقوله ﴿ وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ .

وقدم له ما يفيد تشويهه بأنه لا يلائم حال المسلم وإنما هو شأن أهل الزنى، أي غير المؤمنين، لأن المؤمن لا يكون الزنى له دأباً، ولو صدر منه لكان على سبيل الفلتة كما وقع لماعز بن مالك.

فقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ تمهيد وليس بتشريع، لأن الزاني بمعنى مَن الزنى له عادة لا يكون مؤمناً فلا تشرع له أحكام الإسلام.

وهذا من قبيل قوله تعالى: ﴿ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ﴾ [النور: 26] وهذا يتضمن أن المسلم إذا تزوج زانية فقد وضع نفسه في صف الزناة، أي المشركين.

وعطف قوله: ﴿ أو مشركة ﴾ على ﴿ زانية ﴾ لزيادة التفظيع فإن الزانية غير المسلمة قد تكون غير مشركة مثل زواني اليهود والنصارى وبغاياهما.

وكذلك عطف ﴿ أو مشرك ﴾ على ﴿ إلا زان ﴾ لظهور أن المقام ليس بصدد التشريع للمشركات والمشركين أحكام التزوج بينهم إذ ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة.

فتمحض من هذا أن المؤمن الصالح لا يتزوج الزانية.

ذلك لأن الدربة على الزنى يتكون بها خلق يناسب أحوال الزناة من الرجال والنساء فلا يرغب في معاشرة الزانية إلا من تروق له أخلاق أمثالها، وقد كان المسلمون أيامئذ قريبي عهد بشرك وجاهلية فكان من مهم سياسة الشريعة للمسلمين التباعد بهم عن كل ما يستروح منه أن يذكرهم بما كانوا يألفونه قصد أن تصير أخلاق الإسلام ملكات فيهم فأراد الله أن يبعدهم عما قد يجدد فيهم أخلاقاً أوْشَكُوا أن ينسوها.

فموقع هذه الآية موقع المقصود من الكلام بعد المقدمة ولذلك جاءت مستأنفة كما تقع النتائج بعد أدلتها، وقدم قبلها حكم عقوبة الزنى لإفادة حكمه وما يقتضيه ذلك من تشنيع فعله.

فلذلك فالمراد بالزاني: مَن وصْف الزنى عادته.

وفي «تفسير القرطبي» عن عمرو بن العاص ومجاهد: أن هذه الآية خاصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت من بغايا الزانيات وشرطت له أن تنفق عليه (ولعل أم مهزول كنية عناق ولعل القصة واحدة) إذ لم يرو غيرها.

قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ.

وابتدئ في هذه الآية بذكر الزاني قبل ذكر الزانية على عكس ما تقدم في قوله ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [النور: 2] فإن وجه تقديم الزانية في الآية السابقة هو ما عرفته، فأما هنا فإن سبب نزول هذه الآية كان رغبة رجل في تزوج امرأة تعودت الزنى فكان المقام مقتضياً الاهتمام بما يترتب على هذا السؤال من مذمة الرجل الذي يتزوج مثل تلك المرأة.

وجملة ﴿ وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ تكميل للمقصود من الجملتين قبلها، وهو تصريح بما أريد من تفظيع نكاح الزانية وببيان الحكم الشرعي في القضية.

والإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى المعنى الذي تضمنته الجملتان من قبل وهو نكاح الزانية، أي وحرم نكاح الزانية على المؤمنين، فلذلك عطفت جملة ﴿ وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ لأنها أفادت تكميلاً لما قبلها وشأن التكميل أن يكون بطريق العطف.

ومن العلماء من حمل الآية على ظاهرها من التحريم وقالوا: هذا حكم منسوخ نسختها الآية بعدها ﴿ وأنكحوا الأيامي منكم ﴾ [النور: 32] فدخلت الزانية في الأيامى، أي بعد أن استقر الإسلام وذهب الخوف على المسلمين من أن تعاودهم أخلاق أهل الجاهلية.

وروي هذا عن سعيد بن المسيب وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، ولم يؤثر أن أحداً تزوج زانية فيما بين نزول هذه الآية ونزول ناسخها، ولا أنه فسخ نكاح مسلم امرأة زانية.

ومقتضى التحريم الفساد وهو يقتضي الفسخ.

وقال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ.

ومنهم من رأى حكمها مستمراً.

ونسب الفخر القول باستمرار حكم التحريم إلى أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم ونسبه غيره إلى التابعين ولم يأخذ به فقهاء الأمصار من بعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ مَخْصُوصَةً في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ  في امْرَأةٍ يُقالُ لَها: أُمُّ مَهْزُولٍ كانَتْ مِن بَغايا الجاهِلِيَّةِ مِن ذَواتِ الرّاياتِ، وشَرَطَتْ لَهُ أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِيهِ وفِيها قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، وكانُوا قَوْمًا مِنَ المُهاجِرِينَ فَقُرّاءُ ولَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَساكِنُ ولا عَشائِرُ، فَنَزَلُوا صُفَّةَ المَسْجِدِ، وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ يَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ بِالنَّهارِ ويَأْوُونَ إلى الصُّفَّةِ في اللَّيْلِ، وكانَ بِالمَدِينَةِ بَغايا مُتَعالِناتٌ بِالفُجُورِ مِمّا يُصِيبُ الرِّجالَ بِالكُسْوَةِ والطَّعامِ، فَهَمَّ أهْلُ الصُّفَّةِ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ لِيَأْوُوا إلى مَساكِنِهِنَّ ويَنالُوا مِن طَعامِهِنَّ وكُسْوَتِهِنَّ فَنَزَلَتْ فِيهِنَّ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ الزّانِيَ لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ والزّانِيَةَ لا يَزْنِي بِها إلّا زانٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الزّانِيَةِ عَلى العَفِيفِ ونِكاحِ العَفِيفَةِ عَلى الزّانِي ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ  ﴾ قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ.

الخامِسُ: أنَّها مَخْصُوصَةٌ في الزّانِي المَحْدُودِ لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً مَحْدُودَةً ولا يَنْكِحُ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ ولا عَفِيفَةً، والزّانِيَةُ المَحْدُودَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ مَحْدُودٌ، ولا يَنْكِحُها غَيْرُ مَحْدُودٍ ولا عَفِيفٌ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الزِّنى.

الثّانِي: نِكاحُ الزَّوانِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو داود في ناسخه والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ قال: ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين، يعني الزنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بجهد إلا قليل منهم، والمدينة غالية السعر، شديدة الجهد، وفي السوق زوان متعالنات من أهل الكتاب، وأما الأنصار منهن أمية وليدة عبد الله بن أبي، ونسيكة بنت أمية لرجل من الأنصار، في بغايا من ولائد الأنصار قد رفعت كل إمرأة منهن علامة على بابها ليعرف أنها زانية، وكن من أخصب أهل المدينة وأكثره خيراً، فرغب أناس من مهاجري المسلمين فيما يكتسبن للذي هم فيه من الجهد، فاشار بعضهم على بعض لو تزوّجنا بعض هؤلاء الزواني فنصيب من فضول أطعامهنَّ فقال بعضهم: نستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه فقالوا: يا رسول الله قد شق علينا الجهد ولا نجد ما نأكل، وفي السوق بغايا نساء أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهن فيصلح لنا أن نتزوّج منهن، فنصيب من فضول ما يكتسبن، فإذا وجدنا عنهن غنى تركناهن؟

فأنزل الله: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فحرم على المؤمنين أن يتزوّجوا الزواني المسافحات العالنات زناهن.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية او مشركة ﴾ قال: كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم مهزول، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج إحداهن فتنفق عليه من كسبها، فنهى الله أن يتزوّجهن أحد من المسلمين.

وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن يسار في قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ قال: كن نساء في الجاهلية بغيات، فنهى الله المسلمين عن نكاحهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء قال: كانت بغايا في الجاهلية بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ فأحكم الله ذلك من أمر الجاهلية بالإسلام.

قيل له: أعن ابن عباس؟

قال: نعم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ قال: رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زَوانٍ بغايا متعالنات كن كذلك في الجاهلية.

قيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان في بدء الإِسلام قوم يزنون قالوا: أفلا نتزوّج النساء التي كنا نفجر بهن؟

فأنزل الله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية...

﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك ﴿ الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ قال: إنما عني بذلك الزنا ولم يعن به التزويج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ قال: لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله أو مشركة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في هذه الآية قال: الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين.

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال: لما حرم الله الزنا فكان زوان عندهن جمال ومال فقال الناس حين حُرِّم الزنا: لتُطَلَّقْنَ فلنتزوّجهن.

فأنزل الله في ذلك ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية...

﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه وأبو داود في ناسخه عن عبد الله بن عمر قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجها، فأنزل الله: ﴿ الزاني لا ينكحها إلا زان أو مشرك ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه وجد رجلاً من أسارى مكة يحمله قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: مرثد.

!

فقلت: مرثد.

فقالت: مرحباً وأهلاً هلم فَبِتْ عندنا الليلة قلت: يا عناق حرّم الله الزنا قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال: فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، وظل بولهم على رأسي ونحاهم الله أنكح عني، ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاًً؟

فأمسك فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ﴾ فلا تنكحها.

وأخرج ابن أبي جرير عن عبد الله بن عمر في قوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ قال: كان نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس.

أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية، وكن زوان مشركات، فحرم الله نكاحهن على المؤمنين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق سعيد مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرّم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة، فأردت أن أتزوّجها فقال الناس ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء بغايا متعالنات، يجعلن على أبوابهن رايات، يأتيهن الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية.

تزوجها فما كان فيها من اثم فعلي.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: كن نساء بغايا في الجاهلية كان الرجل ينكح المرأة في الإسلام فيصيب منها، فحرم ذلك في الإسلام، فأنزل الله: ﴿ الزانية لا ينكحها إلا زان....

﴾ .

وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن عدي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ قال: المحدود لا يتزوج إلا محدودة مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاؤوا به إلى علي ففرق بينه وبين زوجته وقال له: لا تتزوّج إلا مجلودة مثلك.

وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث» .

وأخرج ابن ماجة عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أراد أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوّج الحرائر» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وأبو عبيد معاً في التاريخ وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن المسيب في هذه الآية ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ قال: يرون أن هذه الآية التي بعدها نسختها ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ فهن من أيامى المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

كثر الاختلاف من المفسرين والعلماء وأهل المعاني في معنى الآية وسبب نزولها وتأويلها، وسأذكر فيها بعون الله تعالى ما يفتح الغَلَق ويُسيغ الشرق (١) روى القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال: كانت نساء بالمدينة بغايا، فكان الرجل المسلم يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهوا عن ذلك (٢) وقال الزهري: كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهن، فأراد ناسٌ من المسلمين نكاحهن، فأنزل الله هذه الآية (٣) وقال القاسم بن أبي بزَّة: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة فنهوا عن ذلك (٤) وروى الكلبي بإسناد عن ابن عباس في نزول هذه الآية: أن المهاجرين لما قدموا المدينة لم يكن لهم مساكن ينزلونها ولا عشائر يؤوونهم وكان في المدينة بغايا متعالمات بالفجور، ولهن علامات كعلامات البياطرة (٥) (٦)  - فذكروا ذلك له من شأنهم.

فنزلت هذه الآية (٧) ونحو هذا روى العوفي (٨) (٩) وهو قول عكرمة، ومجاهد، وعطاء بن أي رباح (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وعلى هذا القول حرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا المعلنات بزناهن وذكر أن من فعل ذلك وتزوج واحدة منهن فهو زان.

والآية خاصة في تحريم نكاح المعلنة بزناها.

وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١٦) وروى عطاء عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: يريد لا يحل لمؤمن أن يتزوج زانية مشهورة بالزنّا ولا عابد صنم، ولا يحل لمؤمنة أن تتزوج مشركًا من عبدة الأصنام ولا مشهورًا بالزنا.

ومذهب مجاهد -في هذه الآية- أنَّ التحريم لم يكن إلا على أولئك خاصة دون الناس (١٧) ومذهب سعيد بن المسيب: أن هذه الآية منسوخة، نسختها التي بعدها وهي قوله: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ  ﴾ قال: فيقال إن الزواني من أيامى المسلمين (١٨) قال أبو عبيد: فمذهب (١٩) (٢٠) وقد جاءت أخبار فيها دلائل على جواز تزوج الزانية: وهي ما رُوي أن رجلاً ضاف رجلاً، فافتض أخته، فرفع إلى أبي بكر -  - فسألهما، فاعترفا، فجلدهما مائة مائة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة (٢١) وروي أنّ غلامًا فجر بجارية، فسئلا، فاعترفا، فجلدهما عمر بن الخطاب، ثم حرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام (٢٢) وروي عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يريد أن يتزوجها؟

قال: لا بأس بذلك (٢٣) وقال جابر بن عبد الله في مثل هذا: أوله حرام وآخره حلال (٢٤) وبين ابن عباس فيما روى عنه عكرمة لهذا تمثيلًا حسنًا فقال: إنَّما مثل ذلك مثل رجل أتى حائطًا فسرق منه، ثم أتى صاحبه فالشترى منه (٢٥) (٢٦) والإجماع اليوم على هذا، وهو أن تزوج الزانية يصح (٢٧) (٢٨) قال الضحاك: إذا فجرت لم يفرق بينهما، كما أنه لو فجر لم يفرق بينهما (٢٩) قال أبو عبيد: فهذا مذهب من رأى أن الآية منسوخة غير معمول بها، ولهذا ترخصوا في تزويج البغايا وإمساكهن.

وهي عند آخرين من العلماء على غير ذلك يرونها محكمة قائمة، ويفسدون النكاحَ فجورُها (٣٠) روي أن عليًّا -  - فرّق بين زوجين بزنا أحدهما (٣١) وروي مثل هذا عن الحسن (٣٢) (٣٣) قال أبو عبيد: إذا عاين منها الفجور لم يكن ذلك تحريمًا بينهما ولا طلاقًا، غير أنَّه يؤمر بطلاقها أمرًا ويخاف عليه الإثم في إمساكها (٣٤) ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ  ﴾ .

ومع هذا لا يأمنها أن توطئ فراشه غيره، فتلحق به نسبًا ليس منه فيرث ماله، ويطلع على حرمته، فأي ذنب أعظم من هذا؟

بأن (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) قال (٣٩)  -: إنَّ امرأته لا ترد يد لامس.

فأمره النبي -  - بالاستمتاع منها (٤٠) (٤١) (٤٢) وتأولوا قوله: "لا تمنع يد لامس" على البغاء.

وهذا عندنا بخلاف الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى إنَّما أذن في نكاح المحصنات خاصة، ثم أنزل في القاذف لامرأته آية اللعان، وسن رسول الله -  - التفريق بينهما فلا يجتمعان أبدًا.

فكيف يأمره (٤٣) هذا (٤٤) (٤٥)  -، إنما يحدثه هارون بن رئاب (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) هذا عندنا مذهب الحديث.

وإن كان الآخر مقولًا (٥٢) وهو (٥٣)  -، وأحرى أن يظن بحديثه.

ولو كان في الحديث أنها لا تمنع لامسًا أو فرج لامس؛ كان اللمس محمولًا على الجماع، ولكنه قال: يد لامس.

ويحمل على ما تأوّلنا، وقد وجدنا له شاهدًا في أشعار العرب، قال جرير بن الخطفى: ألستم لئامًا إذ ترومون جاركم (٥٤) (٥٥) (٥٦) وعلى ما ذكرنا المراد بالنكاح في الآية: التزويج.

[وروي عن] (٥٧) (٥٨) (٥٩) ونحو هذا روى سلمة (٦٠) (٦١) وروي عن يزيد بن هارون أنه قال: هذا عندي إن جامعها وهو (٦٢) (٦٣) (٦٤) وهذا التأويل لا يعترض النسخ على الآية.

قال أبو عبيد: يذهب (٦٥) (٦٦) ﴿ لَا يَنْكِحُ ﴾ إنما هو الجماع، ولا يذهب به إلي التزويج، والكلمة محتملة للمعنيين جميعًا في كلام العرب، والله أعلم (٦٧) وقال أبو إسحاق: قول من قال: إنَّ معنى النكاح هاهنا: الوطء يبعد؛ لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج كقوله ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى  ﴾ ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، ولو كان المعنى على الوطء لما كان في الكلام فائدة؛ لأن القائل إذا قال: "الزانية لا تزني إلا بزان، والزاني لا يزني إلا بزانية" فليست فيه فائدة إلا على وجهة التغليظ للأمر، كما تقول للرجل الذي قد عرف بالكذب: هذا كذاب، تريد به تغليظ (٦٨) (٦٩) وروي عن الحسن أنه قال -في تفسيره هذه الآية- الزاني إذا أقيم عليه الحدّ لا يزوج إلا بامرأة قد أقيم عليها الحد، وذلك المرأة إذا أقيم عليها الحد لا تزوج إلا برجل مثلها (٧٠) وهذا الذي ذكرنا هو ما روي عن الأئمة والمتقدمين في هذه الآية.

والاختيار هو القول الأول الذي منع المسلمون من مناكحة أولئك الزواني والمشركات المعلنات بالزنا.

ومعنى قوله ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ أن من تزوج زانية أو مشركة من أولئك فهو زان؛ لأن ذلك النكاح فاسد وحكمه حكم السفاح، وذكر بلفظ التأكيد وليس المعنى على ظاهر اللفظ؛ لأن الزاني يجوز أن يتزوج غير زانية ولا مشركة، ولكن المعنى أنّ من تزوج واحدة منهن فهو زان، كأنه قيل: لا ينكح الزانية والمشركة إلا زان.

فقلت الكلام، ثم ذكر غير مقلوب إعادة للبيان والتأكيد وهو قوله ﴿ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ  ﴾ .

قوله ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) وتخبط صاحب النظم في هذه الآية، وأتى بكلام مستكره (٧٥) ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ  ﴾ [على تأويل: ما كان الله ليتخذ من ولد] (٧٦) ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ أي الناكح (٧٧) (٧٨) (١) الشَّرَق: الشَّجا والغصة.

"الصحاح" للجوهري 4/ 1501 (شرق).

(٢) رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 71، والحاكم في "مستدركه" 2/ 396 من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر وبنحوه.

وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" 9/ 194 - 195، والنسائي في "تفسيره" 2/ 110، والحاكم في "مستدركه" 2/ 193 - 194، والطبري 18/ 71، وابن أبي حاتم 7/ 11 أمن طريق آخر عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر: "أن رجلاً من المسلمين استأذن رسول الله -  - في امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه.

قال فاسأذن رسول الله -  -، أو ذكر له أمرها.

قال: فقرأ عليه رسول الله -  - ﴿ الزَّانِيَةُ ﴾ الآية.

وقد ضعَّف العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" 9/ 194 - 195 إسناد الطريقين.

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 499: حديث القاسم عن عبد الله مضطرب الإسناد.

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50، 51، والطبري في "تفسيره" 18/ 73.

(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 51، والطبري في "تفسيره" 18/ 73.

(٥) البياطرة: جمع بيطار، وهو معالج الدواب.

"لسان العرب" 4/ 69 (بطر).

(٦) في (أ): (مخاطيب الرحال)، وفي (ظ): (مخاصيب الرجال)، وفي (ع): (مخاضيب الرجال)، ولعلها: مخاصيب الرِّحال.

ففي "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 8 ب، و"الدر المنثور" 6/ 129 عن مقاتل بن حيّان: وكنَّ من أخصب أهل المدينة.

قال ابن منظور في "لسان العرب" 1/ 356 "خصب" والرجل إذا كان كثير خير المنزل يقال: إنه خصيب الرَّحل.

(٧) لم أجده من هذه الرواية، وقد تقدم أنَّ رواية الكلبي عن ابن عباس باطل.

(٨) رواية العوفي عن ابن عباس رواها الطبري 18/ 72، وابن أبي حاتم 7/ 9 أوهي ضعيفة.

(٩) هو: شعبة بن دينار -وقيل: اسم أبيه يحيى- الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله ويقال: أبو يحيى، مولى عبد الله بن عباس.

روى عن مولاه.

وروى عن ابن أبي ذئب وعدد من أهل المدينة توفي في خلافة هشام بن عبد الملك.

قال أحمد: ما أرى به بأسًا.

وقال ابن معين -في رواية-: ليس به بأس.

وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به.

وقال العجلي: جائز الحديث.

وضعَّفه آخرون: فقد سئل عنه مالك فقال: ليس بثقة.

وقال ابن معين -في رواية-: لا يكتب حديثه.

وقال أبو حاتم والنسائي والجوزجاني: == ليس بالقوي.

وقال أبو زرعة والساجي: ضعيف.

وقال البخاري: يتكلم فيه مالك، ويحتمل منه.

وقال ابن سعد: ولا يحتج به.

وقال ابن حيان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر.

وقال ابن حجر: صدوق سيء الحفظ.

انظر: "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد بن حنبل 2/ 35، و"الجرح والتعديل" 4/ 367، "طبقات ابن سعد" 5/ 294، "أحوال الرجال" للجوزجاني ص 133، "الضعفاء والمتروكين" للنسائي ص (256)، "المجروحين" لابن حبان 2/ 361، "الكامل" و"الضعفاء" لابن عدي 4/ 1339، "ميزان الاعتدال" للذهبي 2/ 274، "تهذيب التهذيب" 4/ 346، "تقريب التهذيب" 1/ 351.

ورواية شعبة عن ابن عباس رواها ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 272، والطبري 18/ 72، وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 129 هذه الرواية من طريق شعبة وتصحفت في المطبوع إلى سعيد عن ابن عباس، ونسبها أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية، وليس عند ابن أبي حاتم 7/ 9 أذكر سبب النزول.

وهذه الرواية عن ابن عباس ضعيفة، لسوء حفظ شعبة.

(١٠) ذكره الثعلبي 3/ 68 أعن عكرمة ومجاهد وعطاء.

وعن عكرمة رواه الطبري 18/ 73.

وعن مجاهد رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 50 - 51، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 272 - 273، والطبري 18/ 72، وابن أبي حاتم 7/ 8 ب.

وعن عطاء رواه الطبري 18/ 72، وابن أبي حاتم 7/ 11 أ.

(١١) رواه ابن أبي حاتم 7/ 9 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 127 وعزاه لابن أبي حاتم.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 34 أ - ب.

(١٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 68 أ، ورواه الطبري 18/ 73.

(١٤) انظر: "الطبري" 71/ 18 - 73، والثعلبي 3/ 68 أ، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 127 - 130.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 245، و "معاني القرآن" للزجاج 4/ 29.

(١٦) روى الطبري 18/ 72 معنى هذا عن عطاء وفي آخره: قيل له -يعني لعطاء- أبلغك عن ابن عباس؟

قال: نعم.

(١٧) ذكر هذا القول عن مجاهد: أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 101 بعد أن روى عنه أنَّه قال -في قوله ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ ﴾ الآية-: كان رجالٌ يريدون الزنا بنساء زوان بغايا معلنات، كنَّ كذلك في الجاهلية، فقيل لهم: هذا حرام، فأرادوا نكاحهن فحرم عليهم نكاحهن.

(١٨) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 100، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 ب)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 271، والطبري 18/ 74 - 75، == والبيهقي في "سننه" 7/ 154، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 130 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وغيرهما.

(١٩) في (أ): (ذهب).

(٢٠) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 101.

(٢١) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 101.

102، والبيهقي في "السنن "الكبرى" 8/ 223 عن ابن عمر أو صفية وهي بنت أبي عبيد.

ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 249 عن الزهري.

(٢٢) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 102، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 216، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 248، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 155.

(٢٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 103، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 156.

وقد جاء خلاف هذا القول عن ابن مسعود، فقد روى سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 218، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 156 عنه في الرجل يفجر == بالمرأة ثم يتزوجها؟

قال: لا يزالان زانيين ما اجتمعا.

قال البيهقي: ومع من رخص فيه دلائل الكتاب والسنة.

(٢٤) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 103.

وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 249، 250 عن جابر -  - قال: إذا تابا وأصلحا فلا بأس.

(٢٥) في (ع) زيادة: ما سرق.

بعد قوله: (فاشترى منه).

(٢٦) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 104 عن ابن عباس.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 249 عن عكرمة قال: لا بأس هو بمنزلة رجل سرق نخلة ثم أشتراها.

(٢٧) في (ظ)، (ع): (فيصح) مهملف (٢٨) انظر: "الحاوي" 9/ 188 - 190، "المغني" 9/ 561 - 565، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 170.

(٢٩) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 105.

(٣٠) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 105.

(٣١) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 105 وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 263 - 264 من طريق سماك عن حنش -وتصحف في المطبوع من ابن أبي شيبة إلى حسن- بن المعتمر.

وذكره البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 156 بغير إسناد.

ثم قال: وحنش غير قوي.

(٣٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 264.

(٣٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 106، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 264.

(٣٤) في (أ): (إمساكه)، والمثبت من (ظ)، (ع) والناسخ والمنسوخ.

(٣٥) في "الناسخ والمنسوخ": (أنْ).

(٣٦) في (ع): (له).

(٣٧) في "الناسخ والمنسوخ": (إلا بتوبة).

(٣٨) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 107 من طريق أبي صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّه بلغه عن ابن عباس، فذكره.

وهو مقطع.

(٣٩) يعني أبا عبيد.

(٤٠) في (1): (معها)، والمثبت من (ظ)، (ع) والناسخ والمنسوخ.

(٤١) وإمساكها: ليست في الناسخ والمنسوخ.

(٤٢) رواه النسائي في "سننه" (كتاب: النكاح- باب: تزويج الزانية 6/ 67) من طريق حمّاد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد الليثي، عن ابن عباس عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس، وهارون لم يرفعه.

قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله -  - فقال: إنَّ عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس قال: "طلقها" قال: لا أصبر عنها.

قال: "استمتع بها".

قال النسائي بعد روايته: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.

قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 3/ 264 بعد ذكره لكلام النسائي المتقدم-: عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي.

اهـ.

لكن قد جاءت الرواية عن ابن عباس مسندة من وجه آخر غير طريق عبد الكريم.

فقد رواه أبو داود في "سننه" (كتاب: النكاح- باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء 6/ 45)، والنسائي في "سننه" (كتاب: الطلاق- باب: ما جاء في الخلع 6/ 169 - 170)، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 154 - 155 من طريق عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله -  -، فذكره بنحوه.

== قال الحافظ المنذري في "مختصر أبي داود" 3/ 6: ورجال إسناده محتج بهم في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 264: وهذا الإسناد جيِّد.

وقال ابن حجر في "بلوغ المرام" ص 203: ورجاله ثقات.

وصحَّح إسناده الألباني كما في تعليقه على "سنن النسائي" 2/ 731.

وخالف في ذلك ابن الجوزي فحكم عليه بالوضع، وأوردوه في "الموضوعات" 2/ 272.

وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير" 3/ 253 بعد نقله عن النووي تصحيح هذا الحديث-: نقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد بن حنبل أنَّه قال: لا يثبت عن النبي -  - في هذا الباب شيء، وليس له أجل.

وتمسَّك بهذا ابن الجوزي فأورده في "الموضوعات" مع أنه أورده بإسناد صحيح.

اهـ.

ونقل الشوكاني في كتابه "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" ص 129 كلام ابن الجوزي في وضع الحديث، ثم ذكر من صحَّحه، ثم قال: وبالجملة فإدخال هذا الحديث في الموضوعات مجازفة ظاهرة.

وقال السندي في حاشيته على "سنن النسائي" 6/ 68: وقيل هذا الحديث موضوع، وردَّ بأنه حسن صحيح ورجال سنده رجال الصحيحين، فلا يلتفت إلى قول من حكم عليه الوضع.

اهـ.

وقد ورد هذا الحديث عن جابر -  -، رواه الطبري في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" للهيثمي 4/ 201 - 202، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 155، والبغوي في "شرح السنَّة" 9/ 288.

وفي "تفسيره" أيضًا 6/ 10، والخلاَّل كما في "تلخيص الحبير" لابن حجر 3/ 253 من طريق عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، بنحو حديث ابن عباس.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 335: رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح.

(٤٣) (يأمره) ساقطة من (أ).

(٤٤) في (ظ)، (ع): (هذه إلا وجه).

(٤٥) في (أ): (يحصل).

(٤٦) هو: هارون بن رئاب التميمي، الأسدي، البصري، أبو بكر أو أبو الحسن، أحد العلماء الربانيين العبّاد.

روى عن أنس وابن المسيب، وعنه الأوزاعي وشعبه.

قال الذهبي وابن حجر: ثقة.

"الكاشف" للذهبي 3/ 213، "تقريب التهذيب" 2/ 311.

(٤٧) هو: محمد بن مسلم بن تدرس، أبو الزبير المكي، تقدم.

(٤٨) تقدّم أثناء تخريج الحديث روايات موصولة صحَّحها العلماء.

(٤٩) الخُرق: عدم إحسان العمل والتصرف في الأمور، والحُمْق.

انظر: "القاموس المحيط" 3/ 226.

(٥٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (ع).

(٥١) ما اختاره أبو عبيد هنا منقول أيضًا عن الإمام أحمد والأصمعي وغيرهما.

وضعَّف أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 32/ 11 هذا القول.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 264 وردَّ هذا بأنَّه لو كان المراد لقال: لا تردّ يد ملتمس.

ونقل ابن حجر في "تلخيص الحبير" 3/ 54 عن بعض أهل العلم أنه قال: السخاء == مندوب إليه؛ فلا يكون موجبًا لقوله طلّقها، ولأن التبذير إن كان من مالها فلها التصرف فيه وإن كان من ماله فعليه حفظه، ولا يوجب شيء من ذلك الأمر بطلاقها.

وذكر الصنعاني في "سبل السلام" 3/ 360 هذا القول واستبده، وذكر نحو ما تقدم ثم قال: على أنَّه لم يتعارف في اللغة أن يقال: فلان لا يرد يد لامس، كناية عن الجود.

(٥٢) يعني القول بان المراد بقول الرجل: لا ترد يد لامس هو الفجور.

وبهذا القول قال جماعة من العلماء، منهم: الخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي وغيرهم.

وقد ردّ الإمام أحمد وغيره هذا القول، فقال الإمام أحمد -كما نقل عنه- لم يكن النبي -  - ليأمره بإمساكها وهي تفجر.

وتقدّم ردّ أبي عبيد لهذا القول.

واستبعده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 264 وبيِّن أن رسول الله -  - لا يأذن في مصاحبة من هذا صفتها؛ لأنَّ زوجها -والحالة هذه- يكون ديوثًا.

وقال عنه الصنعاني في "سبل السلام" 3/ 360: إنَّه في غاية البعد، وذلك للآية (الزاني ..

وحرم ذلك على المؤمنين)؛ ولأنَّه -  - لا يأمر الرجل أن يكون ديوثًا.

اهـ وأقرب الأقوال في توجيه "لا ترد يد لامس": أنَّ الرجل أراد أن سجيّتها لا ترد يد لامس، فهي سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب، لا أن هذا الأمر واقع منها وأنها تفعل الفاحشة.

قال أبو العباس ابن تيمية في "الفتاوى" 32/ 116: لفظ اللامس قد يراد به من مسَّها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرّج، وإذا نظر إليها رجلٌ أو وضع عليها يده لم تنفر عنه، ولا تمكنه من وطئها، ومثل هذه نكاحها مكروه، ولهذا أمره النبي -  - بفراقها ولم يوجب ذلك عليه لما ذكر أنَّه يحبّها؛ فإن هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات؛ ولهذا قال: لا ترد يد لامس فجعل اللمس باليد فقط، ولفظ اللمس والملامسة إذا عني الجماع لا يخص باليد، بل إذا قرن باليد فهو كقوله ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ  ﴾ اهـ.== وبنحو ذلك مختصرًا قال الذهبي كما في "بذل المجهود" في حل أبي داود 10/ 13 للسَّهانفوري.

وقال ابن كثير 3/ 265: المراد إن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، ولما كان سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله -  - بفراقها احتياطًا، فلما ذكر له أنَّه يحبّها ولا يقدر على فراقها، وأنَّه لا يصبر على ذلك ويخشى أن تتبعها نفسه رخَّص به في البقاء معها؛ لأنَّ محبَّته لها متحققة ووقوع الفاحشة منها متوهَّم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل.

اهـ.

وبمثله قال السندي في "حاشيته على النسائي" 6/ 67.

وقال الصنعاني في "سبل السلام" 3/ 360: المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة من الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد عن الفاحشة.

(٥٣) سياق الكلام: هذا عندنا مذهب الحديث، وهو أشبه بالنبي -  -.

وجملة: وإن كان الآخر مقولًا.

معترضة.

(٥٤) في جميع النسخ: (جارهم)، والتصويب من "الديوان" و"الناسخ والمنسوخ" ص 111.

(٥٥) البيت في "ديوانه" 2/ 901 من قصيدة يجيب بها عن جنباء أحمد بن عليم وقد حدثت بينه وبين غسان بن ذهيل السليطي ملاحاة، فهجاه غسَّان فأجاب عنه جرير، وروايته في الديوان: ألستم لئامًا إذ ترومون جاركم.

ولولاهم لم تدفعوا كفَّ لامس.

وانظر: "النقائص" ص 26.

(٥٦) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص (108 - 111) مع اختلاف يسير، وتصرف.

(٥٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٥٨) (سعيد) ساقط من (ع).

(٥٩) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 51، وابن أبي حاتم 7/ 8 أ - ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 154، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 68 أ - ب من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.

ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 221، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 ب)، من طريق سعيد، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا.

وذكره ابن كثير 3/ 262 من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس بلفظ ابن أبي حاتم وقال: وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي من غير وجه أيضًا.

(٦٠) هو: سلمة بن نبيط بن شريط الأشجعي، أبو فراس الكوفي.

روى عن الضحاك بن مزاحم وغيره.

وعنه الثوري وابن المبارك وغيرهما.

ثقة، يقال اختلط بآخرة "الكاشف" للذهبي 1/ 387، "تهذيب التهذيب" 4/ 158، "تقريب التهذيب" 1/ 319.

(٦١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 272، والطبري 18/ 74 من طريق سلمة، عن الضحاك به.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 128 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد.

(٦٢) في (أ): (فهو).

(٦٣) في (أ): (فإن).

(٦٤) رواه الثعلبي 3/ 68 ب بإسناده عن يزيد، به.

(٦٥) في جميع النسخ: (فذهب)، والمثبت من "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد.

(٦٦) قوله "في رواية سعيد بن جبير": من كلام الواحدي.

(٦٧) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 112.

(٦٨) في (أ): (تغليظًا).

(٦٩) "معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 29 - 30 مع تقديم وتأخير وحذف.

(٧٠) ذكر هذه الرواية بهذا اللفظ عن الحسن: الزَّجَّاج في "معاني القرآن" 4/ 30.

وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 273 عن الحسن قال: المحدود لا يتزوج إلا محدودة.

وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 130 ونسبها أيضًا لعبد بن حميد.

(٧١) في (أ): (إذه).

(٧٢) (معنى) ليست في (ظ)، (ع).

(٧٣) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 12 أ.

(٧٤) انظر: "معانى القرآن" للنحاس 4/ 501، "تفسير ابن كثير" 3/ 262.

(٧٥) في (أ): (مستكو).

(٧٦) ساقط من (ع).

(٧٧) في (ع): (التناكح).

(٧٨) ساقط من (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ الزانية والزاني يراد بهما الجنس، وقدم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر، فإنه كان منهنّ إماء وبغايا يجاهرن بذلك، وإعراب الزاني والزانية كإعراب: السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، وقد ذكر في [المائدة: 38] وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة [النساء: 14] من الإمساك في البيوت، في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى، ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه، فإن جلد المائدة إنما هو حدّ الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حرين غير محصنين، فيخرج منها الكفار، فيردّون إلى أهل دينهم، ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة، فأما العبد والأمة: فحدّهما خمسون جلدة سواء كان محصنين أو غير محصنين، وأما المحصنان الحران فحدّهما الرجم هذا على مذهب مالك.

وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب، فاعلم أن لفظ هذه الآية ظاهرة العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء وفي المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصصوا من هذا العموم أشياء منها باتفاق، ومنها باختلاف، فأما الكفار فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدّهم جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا: أخذاً بعموم الآية، ورأى الشافعي أن حدهم كحد المسلمين الجلد إن لم يحصنوا، والرجم إن أحصنوا أخذاً بالآية، وبرجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية إذا زنيا، ورأى مالك أن يردّوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى: في سورة النساء ﴿ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ [النساء: 15] فخص نساء المسلمين على أنها قد نسختها هذه.

ولكن بقيت في محلها، وأما العبد والأمة: فرأى أهل الظاهر أن حدّ الأمة خمسون جلدة لقوله تعالى: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ [النساء: 25] وأن حدّ العبد الجلد مائة لعموم الآية، وقال غيرهم: يجلد العبد خمسين بالقياس على الأمة، إذا لا فرق بينهما، وأما المحصن فقال الجمهور: حدّه الرجم فهو مخصوص في هذه الآية، وبعضهم يسمي هذا التخصيص نسخاً، ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ، فقيل: الآية التي ارتفع لفظها وبقي حكمها وهي قوله: الشيخ والشيخة إذ زنيا فراجموهما البتة ﴿ نكالاً من الله والله عزيز حكيم ﴾ وقيل: الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم، وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب: يجلد المحصن بالآية، ثم يرجم بالسنة فجعوا عليه الحدّين، ولم يجعلوا الآية منسوخة، ولا مخصصة، وقال الخوارج: لا رجم أصلاً فإن الرجم ليس في كتاب الله، ولا يعتد بقولهم، وظاهر الآية الجلد دون تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة، وقال مالك: الجلد والتغريب سنة للحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ، ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك، وصفة الجلد عند مالك في الظهر والمجلود جالس وقال الشافعي: يفرق على جميع الأعضاء والمجلود قائم، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب، ويجرّد الرجل عند مالك وقال قوم يجلد على قميص ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ قيل: يعني في إسقاط الحدّ: أي أقيموه ولا بد، وقيل: في خفيف الضرب، وقيل: في الوجهين.

فعلى القول الأول: يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرح، وهو مذهب مالك والشافعي، وعلى القول الثاني والثالث: يكون الضرب في الزنا أشد، واختلف: هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة؟

فمنعه مالك وأجازه أبو حنيفة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام، وأجازه الشافعي للمريض لورود ذلك في الحديث.

﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين ﴾ المراد بذلك توبيخ الزناة والغلظة عليهم، واختلف في أقل ما يجزىء من الطائفة فقيل: أربعة اعتباراً بشهادة الزنا وهو قول أبي زيد، وقيل: عشرة، وقيل: اثنين وهو مشهور مذهب مالك، وقيل: واحد ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية: معناها ذم الزناة وتشنيع الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زان أو مشرك ولا يوافقه عليه من النساء إلا زانية أو مشركة، وينكح على هذا بمعنى يجامع، وقيل: معناها لا يحل لزان أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، ولا يحل لزانية أن تتزوج إلا زانياً أو مشركاً، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهما التزوج ممن شاؤوا، والأول هو الصحيح ﴿ وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ الإشارة إلى الزنا أي حرم على المؤمنين وقيل: الإشارة إلى تزويد المؤمن غير الزاني بزانية، فإن قوماً منعوا أن يتزوجها، وهذا على القول الثاني في الآية قبلها وهو بعيد، وأجاز تزويجها مالك وغيره، وروي عنه كراهته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فرضناها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ورأفة ﴾ بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر.

وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون.

وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿ أربع شهادات ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون بالتشديد والنصب ﴿ والخامسة ﴾ الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة.

﴿ أن ﴾ مخففاً ﴿ غضب ﴾ فعلاً ماضياً ﴿ الله ﴾ بالرفع: نافع والمفضل ﴿ أن ﴾ بالتخفيف ﴿ غضب الله ﴾ بالرفع: سهل ويعقوب.

الباقون ﴿ أن غضب الله ﴾ بالتشديد والنصب.

الوقوف: ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جلدة ﴾ ص ﴿ الآخر ﴾ ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ مشركة ﴾ ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ مشرك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ ج للفاء وإن ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه.

التفسير: لما أمر رسول الله  في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال ﴿ سورة ﴾ أي هذه سورة ﴿ أنزلناها وفرضناها ﴾ أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير.

وعلى هذا لا يكون لقوله ﴿ أنزلناها ﴾ محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.

ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة.

والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها.

ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة.

ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف.

وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله  بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر.

وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا ﴿ رب اجعل لي آية  ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.

وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله  لأجل التذكر.

فمن جملة الأحكام حكم الزنا.

قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر ﴿ فاجلدوا ﴾ والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا.

وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب ﴿ سورة أنزلناها ﴾ لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم.

فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.

فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو.

والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله ﴿ ولا يزنون  ﴾ وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير.

وعن النبي  "اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول.

قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.

قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين.

والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة.

وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه  قال "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقوله "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً.

لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً.

واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب.

والثاني قتل الفاعل والمفعول.

والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه.

ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق.

ويروى عن علي  وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل  ﴾ وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح.

ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي.

وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر.

حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري.

فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم.

وأيضاً إنه  قال "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وقال صلى الله عيه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول.

وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر.

وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء.

حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب.

وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل.

وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله  قال " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟

قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها.

وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً.

والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه  نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.

ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.

البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله  : "الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام" والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال  ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي.

وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات.

وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون.

سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي  م وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة.

وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي  أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي  فجلد، ثم أخبر النبي  أنه كان محصناً فأمر به فرجم.

وقوله  "الثيب بالثيب جلد مائة" ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.

ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره.

وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية.

وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله  فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله  وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي  ورجمنا بعده.

فأخبر أن الذي فرضه الله  هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره.

قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر.

وقال أبو حنيفة: يجلد.

وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام.

وقوله  "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب.

وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب.

حجة الشافعي حديث عبادة "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وقد ورد مثله في قصة العسيف.

حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد.

بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله  "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي  توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر.

وقد روى أبو هريرة "أن النبي  قال في الأمة إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي  فقال: اجلدوه مائة.

فقالوا: إنه اضعف من ذلك.

فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله.

لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها.

ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك.

وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي  أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة.

وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها.

وأيضاً النفي نظير القتل لقوله  ﴿ اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم  ﴾ فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب.

وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية.

فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام.

ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه  جلد وغرّب.

ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف.

وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة.

وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله  "لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب.

وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها.

واعلم أن قولنا ﴿ الزانية والزاني ﴾ إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف.

هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع.

ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد.

ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ.

ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول.

وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام.

ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل.

وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال.

وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟

الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان.

والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟

قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً.

وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه.

ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" دون الشافعي لقوله  "إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي  رجم يهوديين زنيا.

فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه.

ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وعورض بأن الإسلام من كسب العبد.

وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة.

قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة.

وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض.

والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله  "وزنا بعد إحصان" وبقوله "عليهم ما على المسلمين" قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس.

ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله ﴿ فإذا أحصن  ﴾ أي تزوّجن ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات  ﴾ فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله ﴿ الزانية ﴾ واتفاق الجمهور على حذف هذين.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه  رجم يهوديين فالجلد أولى.

وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟

رجح كلاً مرجحون.

وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى.

ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده.

وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا "قال النبي في قضية اللعان لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما.

وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا.

الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة.

وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس.

وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً.

حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين.

حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه  عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله  والقياس على الشهادة.

وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها.

والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط.

الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله  ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولقوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة.

وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان.

البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك.

حجة الشافعي أنه  قال "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة أنه  قال "ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر.

وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى.

وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى.

حجة أبي حنيفة في قوله ﴿ فاجلدوا ﴾ الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد.

وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه.

وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد.

أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه.

فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها.

وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق.

وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير.

وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف.

البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه  قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم.

وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف.

والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود.

وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان.

وفي الحديث "يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟

فيقول: رحمة لعبادك.

فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا.

فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا.

فأتي بسوط بين السوطين.

وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص.

فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه.

ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة.

وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه.

وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة.

وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة.

وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "إن الله  خلق آدم على صورته" وهذا المعنى مفقود في الرأس.

ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك.

ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه.

وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط.

وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي  فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة.

والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره.

وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط.

ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن "ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال  :هلا تركتموه" .

وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه.

ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب.

ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له".

وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.

ومن تغليظات حد الزنا قوله  ﴿ وليشهد ﴾ ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد.

وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ ولهم عذاب عظيم  ﴾ ومعنى الطائفة قد مر في التوبة.

فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد.

وعن عطاء وعكرمة اثنان.

وعن الزهري وقتادة ثلاثة.

وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا.

وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد.

وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه  لم يحضر رجم ماعز والغامدية.

وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس.

ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد ﴿ لا ينكح ﴾ بالجزم.

ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك.

وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟

والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك.

وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة.

والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟

والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله  بالجملة الثانية عن هذا الانحصار.

الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية.

الجواب للمفسرين فيه وجوه.

أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي".

وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي.

وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا.

الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله ﴿ المؤمنين ﴾ للعهد.

روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن.

فاستأذنوا رسول الله  فنزلت الآية.

والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين.

الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر.

وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام.

ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس.

ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة.

ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها.

ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.

وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم  ﴾ وهو قول الجبائي.

وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها.

وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.

وعن النبي  أنه سئل عن ذلك فقال: "أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين.

قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها.

الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿ لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان.

وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك.

والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة.

والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.

وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه.

والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال مالك: يجب الحد فيه.

وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال  "ادرؤا الحدود بالشبهات" والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.

حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.

فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه.

وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا.

فجلده عمر ثمانين.

وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد.

ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني.

وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد.

وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي.

وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه  قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته.

ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر.

وأجيب بأن قوله ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع وقوله ﴿ المحصنات ﴾ كذلك.

وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه.

وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد.

ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة.

وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله  .

هذا كله هو البحث عن الرمي.

وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ.

قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر.

والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار.

وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما.

وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب  ﴾ وعند الشيعة ويروى عن علي  أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين.

ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص.

وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله  "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا.

ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه.

قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه.

فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.

وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.

ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً.

واعلم أنه  حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب.

فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا.

وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته.

وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.

أما الاستثناء في قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال.

هذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوهم ﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه.

ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق.

إلا أن تابوا.

بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف.

ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.

وقوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.

قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب.

قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة.

هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله  "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى.

وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى.

وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر.

لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله  "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله  "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يذكر التوبة.

وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله  قال "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً.

ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح.

ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته.

فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.

وقد بقي في الآية مسائل.

الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين.

وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة.

حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية.

وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ.

وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة.

وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر.

حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع.

وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك.

فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر.

فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط.

الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي.

الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول.

وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم.

الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم.

ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟

فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف.

الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب.

إلا أنه عوقب صيانة للأعراض.

السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي.

وقد قال  "من ترك حقاً فلورثته" والأصح أنه يرثه جميع الورثة.

وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل.

وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب.

السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي  أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.

قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال ﴿ ولا تجسسوا  ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله.

الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه.

وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله.

وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.

ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله ﴿ واصلحوا ﴾ وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع.

وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما.

أما قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح.

الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة.

القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به.

وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة.

ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس.

قال: طلقها.

قال: إني أحبها.

قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه.

قال رسول الله  "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.

وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل.

وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما "روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي  : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم.

قال:ما لونها؟

قال: حمر.

قال: فهل فيها أورق؟

قال: نعم قال: فكيف ذاك؟

قال: نزعه عرق.

قال: فلعل هذا نزعه عرق" .

وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟

فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح.

وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله  في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي.

أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم.

فدعاهم رسول الله  جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها.

فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري.

فقال لها رسول الله  : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت.

فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله  هذه الآيات.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ إلى آخرها.

فأمر رسول الله  حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.

ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله.

ثم قال: اقعد.

وقال لخولة: قومي فقامت.

وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين.

وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين.

وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين.

وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين.

وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله.

ففرق رسول الله  بينهما.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله  والحديث كما تقدم.

وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب.

فقال  : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟

قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.

فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه.

فقال  : فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله  ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً.

فقال رسول الله  : إما البينة وإما إقامة الحد عليك.

فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد.

فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين.

اي ضخمهما فهو لصاحبه.

فجاءت به خدلج الساقين فقال  : لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه" واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان.

وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر.

وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان.

ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا.

وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة.

حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد.

وايضاً قوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب ﴾ ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله  لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله.

وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله.

حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.

الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله ﴿ والذين يرمون ﴾ وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها.

الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين.

وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة.

فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات.

دليل الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ والإجماع.

على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار.

دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر.

وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.

وأيضاً اللعان شهادة لقوله  ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ وقد جاء مثله في أحاديث اللعان.

وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر.

أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله  لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق.

وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.

وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة.

لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار.

ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية.

ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها.

الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها.

وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم.

وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد.

وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان.

وأما تفريق النبي  بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان.

وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها.

وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما.

وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها.

ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه  فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما.

وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه  أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات.

وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم.

وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.

ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة.

ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله  على ذلك بقوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ﴾ ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب.

وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش".

الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود.

ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه  قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها.

ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله  كما قال  ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وقوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ .

السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان.

وخالف بعضهم مستدلاً بقوله  "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها.

السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم.

الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر.

وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة.

وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب.

ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان.

وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام.

ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة.

التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد.

العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان.

ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار.

أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب.

ثم أخبر عن كمال رافته بقوله ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة.

وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد.

وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به.

التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات.

ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل  ﴾ والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله  أعلم.

﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد.

﴿ وحرم ذلك ﴾ الذي قلنا من اختلاط الأشرار ﴿ على المؤمنين ﴾ ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله { ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها.

الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل ﴿ فاجلودهم ثمانين جلدة ﴾ مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة.

﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال.

﴿ والخامسة ﴾ وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه.

والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدّاً بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فيقول: الله أمرني بذلك بقوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ، أو أن يضربوا جميعاً واحدا من الزنا بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ؛ فيزداد الضرب والحدّ على ما حدّ الله أضعافاً مضاعفة؛ فدل أن اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج.

أو أن يقول قائل: روي عن النبي  أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" : سمى الناظر إلى ما لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ فيلزمه الحدّ بظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ ما ذكرنا كله؛ دل أن الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه.

ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا جميعاً أحكام الإحصان.

فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حدّه الرجم على اتفاق القول منهم جميعاً، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر مع الجلد تغريب عام.

والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما.

ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به سرق: وهو اليد؛ فهو - والله أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، وبها يقبض؛ لذلك افترقا.

أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل يبقى حيّاً في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت زواجر عن المعاودة؛ لذلك افترقا.

وفي قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ دلالة على أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا من عقوبتهما؛ لأنه قال: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ فدل أنه ليس من عذابهما.

ويدل عليه - أيضاً - قوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات.

أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد به قطع الشَّيْن الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من الإجرام أكثر شيناً وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس.

أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة الغربة.

أو صار منسوخاً لما شدد في الضرب بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله -  -: "أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام" ؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر -  - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبداً.

وكذلك روي عن علي -  - والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - والله أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين.

ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ قالوا: إن الله وصف نفسه بالرحمة بقوله: ﴿ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحدّ عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما.

لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الإيمان والدين في تعطيل الحدّ أو تخفيفه.

أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحدّ، وإلا: لم ينتفع به في الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحدّ؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: الطائفة: واحد واثنان فصاعداً، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ  ﴾ ، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  ﴾ ، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحداً.

وقال بعضهم الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعداً.

ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله.

والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله.

والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحدّ ويجاوزه على الحدّ الذي جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي.

والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه الحدّ بلا سبب كان منه، ولا جرم.

فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون جماعة؛ لأن الواحد غير كاف لذلك.

وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه بحضور ذلك الحدّ؛ ليتألم به.

وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا بما روي عن رسول الله  أنه قال: "الثيب بالثيب: جلد مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام" : فأما الجلد فلا خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا [فيه]: فمنهم من رآه واجباً، ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحدّ.

ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد - أيضاً - نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدوداً؛ لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحدّ الدارين أنه منتهاها وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهي الزاني إليه دل أنه ليس بحدّ؛ ولكن أراد به الوجوه التي ذكرنا، إما حبساً كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع الشين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخاً بما يشدد فيه الضرب، والله أعلم.

وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصناً؛ بقول النبي  حيث قال: "اغد يا أُنَيْسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ، ولم يذكر جلداً.

وذهبوا أيضاً إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي -  - باعترافه، ولم يذكر جلداً، وروي أن أبا بكر -  - قال له - لما اعترف ثلاثاً -: "لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك"، ولم يقل: جلدك: علم أنه ينفي الرجم الجلد.

وما روي عن عمر -  - أنه أمر برجم امرأة زنت، ولم يجلدها.

وروي عن ابن عمر عن عمر مثله.

إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم الله، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدّان: الجلد والرجم جميعاً؛ كما لا يجتمع في غيره من الإجرام في فعل واحد حدّان أو عقوبتان.

وقوله -  -: "الثيب بالثيب: يجلد ويرجم" يحتمل الجلد جلد البكر المحصن، ويرجم ثيباً آخر محصناً، أو يجلد ثيباً في حال ويرجم ثيباً في حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء.

[وقوله:] ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ .

في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها الزاني منهم والمشرك.

وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ  ﴾ إلا الزناة منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ  ﴾ إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل للمؤمن - وإن كان زانياً - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج بالزاني من أهل الإيمان.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويله: قال مقاتل: ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة [من] غير أهل الكتاب، والزانية من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب يزنين علانية.

وعن ابن عباس -  ما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهَمَّ أولئك المهاجرون أن يتزوجوا بأولئك البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول الله واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: ﴿ ٱلزَّانِي ﴾ من أهل القبلة المعلن به ﴿ لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ من اليهود ﴿ أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

لكن هذا يصلح أن لو كان أولئك المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ ، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا يفعل ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ ﴾ ، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو قول الضحاك وهؤلاء.

وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ ، قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...

﴾ الآية.

وسئل ابن مسعود -  - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟

قال: هما زانيان ما اصطحبا.

وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهياً عن الزنا نفسه لا عن النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن تنكحوا إلا زانية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ  ﴾ ، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن النهي عن السكر وشرب المسكر.

وكذلك ما روي أنه قال: "لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" : إنما نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ : إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو المشركة.

أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك.

أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وحرم الزنا على المؤمنين.

أو إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ وَحُرِّمَ ﴾ أي: منع عن ذلك المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة.

قال أبو عوسجة: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنأ يزنأ زنئا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف.

ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: ﴿ لاَ يَنكِحُ ﴾ : على التزويج - لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ذكرنا بدءاً، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: الوطء، فهو كما قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل الآية غير هذين الحالين، والله أعلم بما أراد.

وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي زوجة.

لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أولئك بما وصفنا؛ فلا وجه لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعاً من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ [امرأة] رجل بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت على النكاح مخالفة للنكاح في العدة.

واحتجوا - أيضاً - بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لتفظيع الزنى ذكر الله أن الَّذي اعتاده لا يرغب في الزواج إلا من زانية مثله أو مشركة لا تتوقى الزنى مع عدم جواز نكاحها، والذي اعتادت الزنى لا ترغب في الزواج إلا من زان مثلها أو مشرك لا يتوقاه مع حرمة زواجها منه، وحُرِّم نكاح الزانية وإنكاح الزاني على المؤمنين.

<div class="verse-tafsir" id="91.bbgrl"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 97%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
اللهم صل على محمد