الآية ٤٥ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٤٥ من سورة النور

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم ، في خلقه أنواع [ المخلوقات ] .

على اختلاف أشكالها وألوانها ، وحركاتها وسكناتها ، من ماء واحد ، ( فمنهم من يمشي على بطنه ) كالحية وما شاكلها ، ( ومنهم من يمشي على رجلين ) كالإنسان والطير ، ( ومنهم من يمشي على أربع ) كالأنعام وسائر الحيوانات; ولهذا قال : ( يخلق الله ما يشاء ) أي : بقدرته; لأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن; ولهذا قال : ( إن الله على كل شيء قدير ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم: " وَاللهُ خَالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ".

وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وعاصم: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ ) بنصب كل، وخلق على مثال فَعَلَ، وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الإضافة في قراءة من قرأ ذلك " خَالِقُ" تدلّ على أن معنى ذلك المضيّ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) يعني: من نطفة، ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ) كالحيات وما أشبهها، وقيل: إنما قيل: ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ) والمشي لا يكون على البطن; لأن المشي إنما يكون لما له قوائم على التشبيه وأنه لما خالط ما له قوائم ما لا قوائم له جاز، كما قال: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ ) كالطير، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ) كالبهائم.

فإن قال قائل: فكيف قيل: ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي ) ، و " مَنْ" للناس، وكلّ هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم؟

قيل: لأنه تفريق ما هو داخلٌ في قوله: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ ) وكان داخلا في ذلك الناس وغيرهم، ثم قال: ( فمنهم ) ، لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم، فكنى عن جميعهم كنايته عن بني آدم، ثم فسرهم ب " مِنْ"، إذ كان قد كنى عنهم كناية بني آدم خاصة ( يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) يقول : يحدث الله ما يشاء من الخلق ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول: إن الله على إحداث ذلك وخلقه، وخلق ما يشاء من الأشياء غيره، ذو قدرة لا يتعذّر عليه شيء أراد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قديرقوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء قرأ يحيى بن وثاب ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ( والله خالق كل ) بالإضافة .

الباقون ( خلق ) على الفعل .

قيل : إن المعنيين في القراءتين صحيحان .

أخبر الله - عز وجل - بخبرين ، ولا ينبغي أن يقال في هذا : إحدى القراءتين أصح من الأخرى .

وقد قيل : إن ( خلق ) لشيء مخصوص ، وإنما يقال خالق على العموم ؛ كما قال الله - عز وجل - : الخالق البارئ .

وفي الخصوص الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وكذا : هو الذي خلقكم من نفس واحدة .

فكذا يجب أن يكون والله خلق كل دابة من ماء .

والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان ؛ يقال : دب يدب فهو داب ؛ والهاء للمبالغة .

وقد تقدم في ( البقرة ) .

من ماء لم يدخل في هذا الجن والملائكة ؛ لأنا لم نشاهدهم ، ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء ، بل في الصحيح أن الملائكة خلقوا من نور ، والجن من نار .

وقد تقدم .

وقال المفسرون : من ماء أي من نطفة .

قال النقاش : أراد أمنية الذكور .

وقال جمهور النظرة : أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين ؛ وعلى هذا يتخرج قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للشيخ الذي سأله في غزاة بدر : ممن أنتما ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نحن من ماء .

الحديث .

وقال قوم : لا يستثنى الجن والملائكة ، بل كل حيوان خلق من الماء ؛ وخلق النار من الماء ، وخلق الريح من الماء ؛ إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء ، ثم خلق منه كل شيء .قلت : ويدل على صحة هذا قوله تعالى : فمنهم من يمشي على بطنه المشي على [ ص: 271 ] البطن للحيات والحوت ، ونحوه من الدود وغيره .

وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى .

والأربع لسائر الحيوان .

وفي مصحف أبي ومنهم من يمشي على أكثر ؛ فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش ؛ ولكنه قرآن لم يثبته إجماع ؛ لكن قال النقاش : إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر ؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع ، وهي قوام مشيه ، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته ، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها .

قال ابن عطية : والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان ، وهي كلها تتحرك في تصرفه .

وقال بعضهم : ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع ؛ إذ لم يقل ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع .

وقيل فيه إضمار : ومنهم من يمشي على أكثر من أربع ؛ كما وقع في مصحف أبي .

والله أعلم .

و ( دابة ) تشمل من يعقل وما لا يعقل ؛ فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل ؛ لأنه المخاطب والمتعبد ؛ ولذلك قال فمنهم .

وقال : من يمشي فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع ؛ أي لولا أن للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا ، بل كانوا من جنس واحد ؛ وهو كقوله : يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات .

يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء مما يريد خلقه قدير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينبه عباده على ما يشاهدونه، أنه خلق جميع الدواب التي على وجه الأرض، { مِنْ مَاءٍ } أي: مادتها كلها الماء، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } فالحيوانات التي تتوالد، مادتها ماء النطفة، حين يلقح الذكر الأنثى.

والحيوانات التي تتولد من الأرض، لا تتولد إلا من الرطوبات المائية، كالحشرات لا يوجد منها شيء، يتولد من غير ماء أبدا، فالمادة واحدة، ولكن الخلقة مختلفة من وجوه كثيرة، { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ } كالحية ونحوها، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ } كالآدميين، وكثير من الطيور، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } كبهيمة الأنعام ونحوها.

فاختلافها -مع أن الأصل واحد- يدل على نفوذ مشيئة الله، وعموم قدرته، ولهذا قال: { يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } أي: من المخلوقات، على ما يشاؤه من الصفات، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } كما أنزل المطر على الأرض، وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف { وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( والله خلق كل دابة ) قرأ حمزة والكسائي ، " خالق كل " بالإضافة ، وقرأ الآخرون " خلق كل " على الفعل ، ( من ماء ) يعني : من نطفة ، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا ، ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن ، لأنا لا نشاهدهم .

وقيل : أصل جميع الخلق من الماء ، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحا فخلق منها الملائكة ، وبعضه نارا فخلق منها الجن ، وبعضها طينا فخلق منها آدم ، ( فمنهم من يمشي على بطنه ) كالحيات والحيتان والديدان ، ( ومنهم من يمشي على رجلين ) مثل بني آدم والطير ، ( ومنهم من يمشي على أربع ) كالبهائم والسباع ، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض ، لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع ، وإنما قال : " من يمشي " و " من " إنما تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم ، لأنه ذكر كل دابة ، فدخل فيه الناس وغيرهم ، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل .

( يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله خلق كل دابة» أي حيوان «من ماءٍ» نطفة «فمنهم من يمشي على بطنه» كالحيات والهوام «ومنهم من يمشي على رجلين» كالإنسان والطير «ومنهم من يمشي على أربع» كالبهائم والأنعام «يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله تعالى خلق كل ما يدِب على الأرض مِن ماء، فالماء أصل خلقه، فمن هذه الدواب: مَن يمشي زحفًا على بطنه كالحيَّات ونحوها، ومنهم مَن يمشي على رجلين كالإنسان، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم ونحوها.

والله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء، وهو قادر على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - دليلا ثالثا من واقع خلق كل دابة ، وبديع صنعه فيما خلقه فقال : ( والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ .

.

.

) .والدابة : اسم لكل حيوان ذى روح ، سواء أكان من العقلاء أم من غيرهم .

وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب ، بمعنى المشى الخفيف .وتطلق الدابة فى العرف على ذوات الأربع ، والمراد بها هنا ما هو أعم من ذلك .قال بعض العلماء : " وهذه الحقيقة الضخمة التى يعرضها القرآن بهذه البساطة ، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء ، قد تعنى وحدة العنصر الأساسى فى تركيب الأحياء جميعا ، وهو الماء ، وقد تعنى ما يحاول العلم الحديث أن يتبعه من أن الحياة خرجت من البحر ، ونشأت أصلا فى الماءن ثم تنوعت الأنواع وتفرعت الأجناس .ولكنا نحن على طريقتنا فى عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل .

.

.

.

لا نزيد على هذه الإشارة شيئا ، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية ، وهى أن الله - تعالى - خلق الأحياء كلها من الماء ، فهى ذات أصل واحد ، ثم هى - كما ترى العين - متنوعة الأشكال .

.

.وقال الإمام الرازى : فإن قيل لماذا نكر الماء هنا ، وجاء معرفا فى قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) والجواب : إنما جاء هنا منكرا ، لأن المعنى ، أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة ، وإنما جاء معرفا فى قوله ( وَجَعَلْنَا مِنَ المآء ) لأن المقصود هناك ، كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة .وقوله - تعالى - : ( فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ ..

.

) تفصيل لهذه المخلوقات التى خلقت من الماء .والضمير فى " منهم " يعود إلى " كل " باعتبار معناه ، وفيه تغليب العاقل على غيره .أى : فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه كالزواحف وما يشبهها ، " ومنهم من يمشى على رجلين " كالإنس والطير " ومنهم من يمشى على أربع " كالأنعام والوحوش " يخلق الله " - تعالى - " ما يشاء " خلقه من دواب وغيرها على وفق إرادته وحكمته " إن الله على كل شىء قدير " فلا يعجزه - سبحانه - خلق ما يريد خلقه ، ولا يمنعه من ذلك مانع ، بل كل شىء خاضع لقدرته - عز وجل .وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة الله - تعالى - .

منها ما يتعلق بالكائن العلوى ، ومنها ما يتعلق بالزمان ، ومنها ما يتعلق بخلق أنواع الدواب على اختلاف أشكالها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولاً بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات، واعلم أن على هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال الله تعالى: ﴿ الأبصار والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاءٍ ﴾ مع أن كثيراً من الحيوانات غير مخلوقة من الماء؟

أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عدداً وهم مخلوقون من النور، وأما الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب لقوله: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ وخلق عيسى من الريح لقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ وأيضاً نرى أن كثيراً من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه: أحدها: وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله: ﴿ مِّن مَّاءٍ ﴾ صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى.

وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه.

وثالثها: أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن، ولما كان الغالب جداً من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلاً للغالب منزلة الكل.

السؤال الثاني: لم نكر الماء في قوله: ﴿ مِّن مَّاءٍ ﴾ وجاء معرفاً في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَيّ  ﴾ والجواب: إنما جاء هاهنا منكراً لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرفاً في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَيّ ﴾ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة.

السؤال الثالث: قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ ضمير العقلاء وكذلك قوله: ﴿ مَّن ﴾ فلم استعمله في غير العقلاء؟

والجواب: أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب اللفظ اللائق بمن يعقل، لأن جعل الشريف أصلاً والخسيس تبعاً أولى من العكس، ويقال في الكلام: من المقبلان؟

لرجل وبعير.

السؤال الرابع: لم سمى الزحف على البطن مشياً؟

ويبين صحة هذا السؤال أن الصبي قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشي وإن زحف على حد ما تزحف الحية والجواب: هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، ويقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة (لذلك) الزاحف مع الماشين.

السؤال الخامس: أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثال العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة وأربعون رجلاً الذي يسمى دخال الأذن والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقاً بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع، ولأن قوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ ﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام.

السؤال السادس: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟

والجواب: قد قدم ما هو (أعجب) وهو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع، واعلم أن قوله: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاءُ ﴾ تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر، فلنذكر هاهنا بعض التقسيمات: التقسيم الأول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحماً وعصباً وعظماً، وأما التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته، أما التباين في نفس العضو فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلاً للآخر، وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني كالفرس والإنسان، فإن الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للإنسان والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلاً للثاني لا بذاته ولا بأجزائه مثل أن للسلحفاة صدفاً يحيط به وليس للإنسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ شوك وليس شيء منها للإنسان وأما التباين في صفة العضو، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال، أما الذي في الكم، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيف فكاختلافها في الألوان والأشكال والصلابة واللين، والذي في الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريباً من الصدر وثدي الفرس فإنه عند السرة.

وأما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحاً للذب مع كونه آلة للسمع وليس كذلك في الإنسان وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره.

وأما الذي في الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء وعين الخطاف بخلاف ذلك.

التقسيم الثاني: الحيوان إما أن يكون مائياً بمعنى أن مسكنه الأصلي هو الماء أو أرضياً أو يكون مائياً ثم يصير أرضياً، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه: الأول: أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائياً فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا يعيش إذا فارقه، والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي ولكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي وليس يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها الوجه الثاني: الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث: منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك ومنه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشي في قعر الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له وكالدود، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضاً من وجهين: الأول: أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور والنحل الثاني: أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه الأرض الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه، ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش.

وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع: الطير يختلف فبعضها يتعايش معاً كالكراكي وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه، ومنها ما يتعايش زوجاً ويكون معاً كالقطا، ومنه ما يجتمع تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل والكراكي تطيع رئيساً واحداً والنمل له اجتماع ولا رئيس الخامس: الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر والعنكبوت فإن غذاءه الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث: وهو الحيوان الذي يكون تارة مائياً، وأخرى برياً فيقال إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه.

التقسيم الثالث: الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان ومنه ما هو إنسي بالمولد كالهرة والفرس ومنه ما هو إنسي بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنساً كالفيل ومنه ما يبطئ كالأسد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي وصنف وحشي حتى من الناس.

التقسيم الرابع: من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً إلا الإنسان، وأيضاً لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين.

التقسيم الخامس: بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري وبعضها حليم خدوع كالبعير وبعضها رديء الحركات مغتال كالحية وبعضها جريء قوي شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد ومنها قوي مغتال وحشي كالذئب وبعضها محتال مكار رديء الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار.

التقسيم السادس: من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيواناً وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دوداً كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دوداً، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضاً.

واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لابد وأن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون.

وأحسن كلام في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿ يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء إِنَّ الله على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ لأنه هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها، بل هو الذي يخلق ما يشاء ولا يمنعه منه مانع ولا دافع.

وأما قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايات مبينات ﴾ فالأولى حمله على كل الأدلة والعبر، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد.

أما قوله: ﴿ والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فاستدلال أصحابنا به كما تقدم والجواب: أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف دون غيره، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم في نظائره، وجوابنا عن هذا الجواب أيضاً كما تقدم في نظائره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ خالق كل دابة ﴾ .

ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز، غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون، فمن ثمة قيل: فمنهم، وقيل: من يمشي في الماشي على بطن والماشي على أربع قوائم.

فإن قلت: لم نكر الماء في قوله: ﴿ مِّن مَّآء ﴾ ؟

قلت: لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء مختصّ بتلك الدابة، أو خلقها من ماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام ومنها بهائم ومنها ناس.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الاكل ﴾ [الرعد: 4] .

فإن قلت: فما باله معرّفاً في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَىّ ﴾ [الأنبياء: 30] ؟

قلت: قصد ثمة معنى آخر: وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط، قالوا: خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجنّ من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.

فإن قلت: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟

قلت: قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع: فإن قلت: لم سمي الزحف على البطن مشياً؟

قلت؛ على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمرّ: قد مشى هذا الأمر، ويقال: فلان لا يتمشى له أمر.

ونحوه استعارة الشقة مكان الجحفلة، والمشفر مكان الشفة.

ونحو ذلك.

أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ بِالمُعاقَبَةِ بَيْنَهُما أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ، أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ والظُّلْمَةِ والنُّورِ أوْ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

﴿ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ لِدَلالَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الحاجَةِ وما يُفْضِي إلَيْها لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ.

﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ ﴾ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خالِقٌ كَلَّ دابَّةٍ» بِالإضافَةِ.

﴿ مِن ماءٍ ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ، أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ إذْ مِنَ الحَيَواناتِ ما يَتَوَلَّدُ عَنِ النُّطْفَةِ، وقِيلَ ﴿ مِن ماءٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( دابَّةٍ ) ولَيْسَ بِصِلَةٍ لِـ ( خَلَقَ ) .

﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ كالحَيَّةِ وإنَّما سُمِّيَ الزَّحْفُ مَشْيًا عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ كالنَّعَمِ والوَحْشِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ فَإنَّ اعْتِمادَها إذا مَشَتْ عَلى أرْبَعٍ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ والتَّعْبِيرِ بِمَن عَنِ الأصْنافِ لِيُوافِقَ التَّفْصِيلُ الجُمْلَةَ والتَّرْتِيبَ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ.

﴿ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ بَسِيطًا ومُرَكَّبًا عَلى اخْتِلافِ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفْعالِ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله خَلَقَ كُلَّ} خالق كل حمزة وعلي {دَابَّةٍ} كل حيوان

يدب على وجه الأرض {مِن مَّاء} أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أومن ماء مخصوص وهو النطفة ثم خالف بين المخلوقات منالنطفة فمنها هوام ومنها بهائم ومنها أناسي وهو كقوله يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بعض فى الأكل وهذا دليل على أن لها خالقا ومدبرا والالم نختلف لاتفاق الأصل وإنماعرف الماء في قوله وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شئ حى لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط قالوا إن أول ما خلق الله الماء فخلق من النار والريح والطين فخلق من النارالجن ومن الريح الملائكة ومن الطين آدم ودواب الأرض ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز فأعطى ماراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم قيل {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ} كالحية والحوت وسمي الزحف على البطن مشياً استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رجلين} كالإنسان

النور (٥٠ - ٤٥)

والطير {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ} كالبهائم وقدم ما هوأعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع {يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء} كيف يشاء {إِنَّ الله على كل شيء قدير} لا يتعذر عليه شئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ ﴾ أيْ كُلِّ حَيَوانٍ يَدُبُّ عَلى الأرْضِ وأدْخَلُوا في ذَلِكَ الطَّيْرَ والسَّمَكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ يَدْخُلُونَ في عُمُومِ الدّابَّةِ، ولَعَلَّها عِنْدَهُ كُلُّ ما دَبَّ وتَحَرَّكَ مُطْلَقًا ومُعْظَمُ اللُّغَوِيِّينَ يُفَسِّرُها بِما سَمِعْتُ، والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ لا لِلتَّأْنِيثِ، وقِيلَ دابَّةٌ واحِدٌ دابٌّ كَخائِنَةٍ وخائِنٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ «خالِقٌ» اسْمُ فاعِلٍ «كُلُّ دابَّةٍ» بِالجَرِّ بِالإضافَةِ ﴿ مِن ماءٍ ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ مَزِيدِ احْتِياجِ الحَيَوانِ بَعْدَ كَمالِ تَرْكِيبِهِ إلَيْهِ وأنَّ امْتِزاجَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ أوْ ماءٍ مَخْصُوصٍ هو النُّطْفَةُ فالتَّنْكِيرُ عَلى الأوَّلِ لِلْإفْرادِ النَّوْعِيِّ، وعَلى الثّانِي لِلْإفْرادِ الشَّخْصِيِّ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما لِذَلِكَ، وكَلِمَةُ ﴿ كُلَّ ﴾ عَلى الثّانِي لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ لِأنَّ مِنَ الدَّوابِّ ما يَتَوَلَّدُ لا عَنْ نُطْفَةٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها عَلى الأوَّلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى شُمُولِ الدّابَّةِ لِلْمَلائِكَةِ المَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ ولِلْجِنِّ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، وادَّعى أيْضًا أنَّ مِنَ الإنْسِ مَن لَمْ يُخْلَقْ مِن ماءٍ أيْضًا وهو آدَمُ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّ الأوَّلَ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ والثّانِي خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يُعْتَبَرَ العُمُومُ في «كُلٍّ» ويُرادَ بِالدّابَّةِ ما يُخْلَقُ بِالتَّوالُدِ بِقَرِينَةٍ مِن ماءِ أيْ نُطْفَةٍ وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ ما مِن شَيْءٍ دابَّةٍ كانَ أوْ غَيْرِهِ إلّا وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ فَهو أصْلُ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ لِما رُوِيَ «أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةً فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ خَلَقَ مِن ذَلِكَ الماءِ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ وخَلَقَ مِنها الخَلْقَ»، وأيًّا ما كانَ فَمِن مُتَعَلِّقَةٌ بِخَلْقٍ، وقالَ القَفّالُ واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ كائِنَةً أوْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الماءِ فَعُمُومُ الدّابَّةِ عِنْدَهُ مُخَصَّصٌ بِالصِّفَةِ وعُمُومُ ﴿ كُلَّ ﴾ عَلى ظاهِرِهِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقٍ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وتَنْكِيرُ الماءِ هُنا وتَعْرِيفُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ لِأنَّ القَصْدَ هُنا إلى مَعْنى الإفْرادِ شَخْصًا أوْ نَوْعًا والقَصْدُ هُناكَ إلى مَعْنى الجِنْسِ وأنَّ حَقِيقَةَ الماءِ مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ كالحَيّاتِ والسَّمَكِ وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا مَعَ كَوْنِها زَحْفًا مَجازٌ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ القُدْرَةِ وأنَّها تَزْحَفُ بِلا آلَةٍ كَشِبْهِ المَشْيِ وأقْوى، ويَزِيدُ ذَلِكَ حَسَنًا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ لِذِكْرِ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ، ونَظِيرُ ما هُنا مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ  ﴾ عَلى رَأْيِ ﴿ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ ﴿ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ كالنِّعَمِ والوَحْشِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ المُرادُ أرْبَعُ أرْجُلٍ فَيُفِيدُ إطْلاقَ الرِّجْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوائِمِ ذَواتِ القَوائِمِ الأرْبَعِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ اليَدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ ذِكْرِ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ وأُمِّ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَشَراتِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها مَعَ الإشارَةِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرْ بَسِيطًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا عَلى ما يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفاعِيلِ.

وزَعَمَ الفَلاسِفَةُ أنَّ اعْتِمادَ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ مِنَ الحَيَوانِ إنَّما هو عَلى أرْبَعٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى ذَلِكَ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ وهو ظاهِرٌ في خِلافِ ما يَزْعُمُونَ لَكِنَّهُ لَمْ يُثْبَتْ قُرْآنًا، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في ( مِنهم ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، وبُنِيَ عَلى تَغْلِيبِهِمْ في الضَّمِيرِ التَّعْبِيرُ بِمَن واقِعَةٍ عَلى ما لا يَعْقِلُ قالَهُ الرَّضِيُّ، وظاهَرُ بَعْضِ العِباراتِ يَشْعُرُ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ في ﴿ كُلَّ دابَّةٍ ﴾ ولَيْسَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ لَمّا شَمِلَ العُقَلاءَ وغَيْرَهم عَلى طَرِيقِ الِاخْتِلاطِ لَزِمَ اعْتِبارَ ذَلِكَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلَيْهِ وتَغْلِيبُ العُقَلاءِ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ لا تَغْلِيبَ في ﴿ مِن ﴾ الأُولى والثّالِثَةِ بَلْ هو في الثّانِيَةِ فَقَطْ، وقَدْ يُقالُ: لا تَغْلِيبَ في الثَّلاثَةِ بَعْدَ اعْتِبارِهِ في الضَّمِيرِ فَتَدَبَّرْ.

وتَرْتِيبُ الأصْنافِ حَسْبَما رُتِّبَتْ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرِفُ في القُدْرَةِ ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنَ المَشْيِ عَلى البَطْنِ بِمَعْنى الزَّحْفِ مَجازًا كَما تَوَهَّمَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الخَلْقِ المَذْكُورِ والإيذانِ بِأنَّهُ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أيْ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لِذَلِكَ أيْضًا مَعَ تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ يعني: من ماء الذّكر.

قرأ حمزة والكسائي خالق كل دابة على معنى الإضافة.

وقرأ الباقون خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ على معنى فعل الماضي، ويقال: هذا معطوف على ما سبق.

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ فكأنَّه يقول: يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء، كما أنه يخلق ما يشاء من الخلق ألواناً.

ثم وصف الخلق فقال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ مثل الحية ونحو ذلك.

فإن قيل: لا يقال للدواب منهم، وإن هذا اللفظ يستعمل للعقلاء، قيل له: الدابة اسم عام، وهو يقع على ذي روح، فيقع ذلك على العقلاء وغيرهم، فإذا كان هذا اللفظ يقع على العقلاء وغيرهم فذكر بلفظ العقلاء، ولو قال: فمنه كان جائزاً، وينصرف إلى قوله كُلَّ ولكنه لم يقرأ، وإنما قال: يَمْشِي على وَجْهِ المجاز، وإن كان حقيقته المشي بالرِّجل، لأنه جمعه مع الذي يمشي على وجه التبع.

ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مثل الإنسان ونحوه وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ أي على أربع قوائم مثل الدوابّ وأشباهها، فإن قيل: إيش الحكمة في خلق كل شيء من الماء؟

قيل له: لأن الخلق من الماء أعجب، لأنه ليس شيء من الأشياء أشدّ طوعاً من الماء، لأن الإنسان لو أراد أن يمسكه بيده، أو أراد أن يبني عليه، أو يتخذ منه شيئاً لا يمكنه، والناس يتخذون من سائر الأشياء أنواع الأشياء، قيل: فالله تعالى أخبر أنه يخلق من الماء ألواناً من الخلق، وهو قادر على كل شيء.

ثم قال: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشاءُ يعني: كما يشاء، وكيف يشاء إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخلق وخلقه قَدِيرٌ أي قادر.

قوله عز وجل: لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ قرأ أبو عمرو وعاصم ونافع وابن كثير في رواية أبي بكر: مُبَيِّناتٍ بنصب الياء في جميع القرآن، يعني: مفصلات.

وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر مُبَيِّناتٍ بكسر الياء، يعني: يبين للناس دينهم.

وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يرشد من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين مستقيم وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال الزَّجَّاجُ «١» وغيره: المعنى: كُلٌّ قد علم [اللهُ] «٢» صَلاَتَهُ وتسْبِيحَهُ.

وقال الحسن «٣» : المعنى: كُلٌّ قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه.

وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاةَ اللهِ وتسبيحَ اللهِ اللَّذَيْنِ أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خَلْقٍ إلى خالقٍ، وباقي الآية وعيد، ويُزْجِي معناه: يسوق، والرُّكام، الذي يركب بَعْضُه بعضاً ويتكاثف، والودق: المطر، قال البخارِيُّ: مِنْ خِلالِهِ أي: من بين أضعاف السحاب، انتهى.

وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قيل: ذلك حقيقةٌ، وقد جعل الله في السماء جبالاً من بَرَدٍ، وقالت فرقة: ذلك مجازٌ، وإنَّما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان جبال من مال وجبال من العلم.

قلت: وحَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى إنْ لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيِّ والمُخْتَصِّينَ به- قال: أخبرنا أَبو بكر الصوليُّ عن بعض العلماء قال: رأيتُ امرأةً بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعها، فجاء الناس يعزّونها، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنتَ المَأْمُولُ لأَحْسَنِ الخَلَفِ وبيدك التعويضُ مِمَّا تَلِفَ، فافعل بنا ما أَنْتَ أهله، فإنَّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرحْ حتى مَرَّ رجل من الأَجِلاَّءِ، فحُدِّث بما كان فَوَهَبَ لها خَمْسِمائَةٍ دينارٍ، فأجاب الله دعوتها وفرّج في الحين كربتها، انتهى.

والسنا مقصوراً: الضوءُ، وبالمد: المَجْدُ، والباء في قوله بِالْأَبْصارِ يحتمل أن تكون زائدة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " واللَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ مِن ماءٍ " وفي الماءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الماءَ أصْلُ كُلِّ دابَّةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ النُّطْفَةُ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ الحَيَوانِ المُشاهَدِ في الدُّنْيا.

وإنَّما قالَ: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ تَغْلِيبًا لِما يَعْقِلُ.

وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الَّذِي يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ؛ لِأنَّهُ في رَأْيِ العَيْنِ كالَّذِي يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَعْتَمِدُ في المَشْيِ عَلى أرْبَعٍ.

وإنَّما سَمّى السّائِرَ عَلى بَطْنِهِ ماشِيًا، لِأنَّ كُلَّ سائِرٍ ومُسْتَمِرٍّ يُقالُ لَهُ: ماشٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا، حَتّى إنَّهُ يُقالُ: قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما هَذا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالماشِي، لِأنَّ المَشْيَ لا يَكُونُ عَلى البَطْنِ، إنَّما يَكُونُ لِمَن لَهُ قَوائِمُ، فَإذا خَلَطُوا ما لَهُ قَوائِمُ بِما لا قَوائِمَ لَهُ، جازَ ذَلِكَ، كَما يَقُولُونَ: أكَلْتُ خُبْزًا ولَبَنًا، ولا يُقالُ: أكَلْتُ لَبَنًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مِن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إنَّ اللهُ عَلى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمِ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واللهُ خالِقُ كُلِّ" عَلى الإضافَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واللهُ خَلَقَ كُلَّ"، و"الدابَّةُ": كُلُّ مَن يَدِبُّ مِنَ الحَيَوانِ، أيْ يَتَحَرَّكُ مُنْتَقِلًا أمامَهُ قُدُمًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الطَيْرُ إذْ قَدْ يَدِبُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .....................

دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الحُوتُ، وفي الحَدِيثِ «دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ الظَرَبِ»، وقَوْلُهُ: "مِن ماءٍ" قالَ النَقاشُ: أرادَ أمْنِيَةَ الذُكُورِ، وقالَ جُمْهُورُ النَظْرَةِ: أرادَ أنَّ خِلْقَةَ كُلِّ حَيَوانٍ أنَّ فِيها ماءً كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ الماءِ والطِينِ، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِلشَّيْخِ الَّذِي سَألَ في غُزاةِ بَدْرٍ: مِمَّنْ أنْتُما؟

فَقالَ النَبِيُّ  : نَحْنُ مِن ماءٍ»، الحَدِيثُ.

والمَشْيُ عَلى البَطْنِ لِلْحَيّاتِ والحُوتِ ونَحْوَهُ مِنَ الدُودِ وغَيْرِهِ، وعَلى الرِجْلَيْنِ لِلْإنْسانِ والطَيْرِ إذا مَشى، والأرْبَعِ لِسائِرِ الحَيَوانِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ"، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ، ولَكِنَّهُ قُرْآنٌ لَمْ يُثْبِتْهُ الإجْماعُ، لَكِنْ قالَ النَقاشُ: إنَّما اكْتَفى القَوْلُ بِذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ عن ذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ لَأنَّ جَمِيعَ الحَيَوانِ إنَّما اعْتِمادُهُ عَلى أرْبَعٍ، وهي قِوامُ مَشْيِهِ، وكَثْرَةُ الأرْجُلِ في بَعْضِهِ زِيادَةٌ في الخِلْقَةِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ الحَيَوانُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ تِلْكَ الأرْجُلَ الكَثِيرَةَ لَيْسَتْ باطِلًا، بَلْ هي مُحْتاجٌ إلَيْها في تَنَقُّلِ الحَيَوانِ، وفي كُلِّها تَتَحَرَّكُ في تَصَرُّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ يَعُمْ كُلَّ ما نَصَبَ اللهُ تَعالى مِن آيَةٍ وصَنَعَهُ لِلْعِبْرَةِ، وكُلَّ ما نَصَّ في كِتابِهِ مِن آيَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الآياتِ ثُمْ قَيَّدَ الهِدايَةَ إلَيْها لَأنَّهُ مِن قِبَلِهِ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وسَبَبُها فِيما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى التَحاكم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ المُنافِقُ مُبْطِلًا، فَأبى مِن ذَلِكَ ودَعا اليَهُودُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ»، وأسْنَدَ الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى حَكَمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمْ.

و"مُذْعِنِينَ" أيْ مُظْهِرِينَ لِلِانْقِيادِ والطاعَةِ، وهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حَيْثُ أيْقَنُوا بِالنَجْحِ، وأمّا إذا طَلَبُوا بِحَقٍّ فَهم عنهُ مُعْرِضُونَ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى أسْبابِ فِعْلِهِمْ تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ، أيْ لِيُقِرُّوا بِأحَدٍ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ أو مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، فَهو بَلِيغٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ البَيْتُ....................

ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الظالِمُونَ، وقالَ: ﴿ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ الرَسُولَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما يَحْكم بِأمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ.

والحَيْفُ: المَيْلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان الاعتبار بتساوي أجناس الحيوان في أصل التكوين من ماء التناسل مع الاختلاف في أول أحوال تلك الأجناس في آثار الخلقة وهو حال المشي إنما هو باستمرار ذلك النظام بدون تخلف وكان ذلك محققاً كان إفراغ هذا المعنى بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيداً لأمرين: التحقق بالتقديم على الخبر الفعلي.

والتجدد بكون الخبر فعلياً.

وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار للتنويه بهذا الخلق العجيب.

واختير فعل المضي للدلالة على تقرير التقوّي بأن هذا شأن متقرر منذ القدم مع عدم فوات الدلالة على التكرير حيث عقب الكلام بقوله: ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ والله خلق كل دابة ﴾ بصيغة فعل المضي ونصب ﴿ كل ﴾ .

وقرأه الكسائي ﴿ والله خالق كل دابة ﴾ بصيغة اسم الفاعل وجر ﴿ كل ﴾ بإضافة اسم الفاعل إلى مفعوله.

والدابة: ما دبّ على وجه الأرض، أي مشى.

وغُلب هنا الإنسان فأتي بضمير العقلاء مراداً به الإنسان وغيره مرتين.

وتنكير ﴿ ماء ﴾ لإرادة النوعية تنبيهاً على اختلاف صفات الماء لكل نوع من الدواب إذ المقصود تنبيه الناس إلى اختلاف النطف للزيادة في الاعتبار.

وهذا بخلاف قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ [الأنبياء: 30] إذ قُصد ثمة إلى أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من جنس الماء وهو جنس واحد اختلفت أنواعه، فتعريف الجنس هناك إشارة إلى ما يعرفه الناس إجمالاً ويعهدونه من أن الحيوان كله مخلوق من نطف أصوله.

وهذا مناط الفرق بين التنكير كما هنا وبين تعريف الجنس كما في آية ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حيّ ﴾ [الأنبياء: 30].

و ﴿ من ﴾ ابتدائية متعلقة ب ﴿ خلق ﴾ .

ورتب ذكر الأجناس في حال المشي على ترتيب قوة دلالتها على عظم القدرة لأن الماشي بلا آلة مشيٍ متمكنةٍ أعجب من الماشي على رجلين، وهذا المشي زحفاً.

أطلق المشي على الزحف بالبطن للمشاكلة مع بقية الأنواع.

وليس في الآية ما يقتضي حصر المشي في هذه الأحوال الثلاثة لأن المقصود الاعتبار بالغالب المشاهد.

وجملة: ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ زيادة في العبرة، أي يتجدد خلق الله ما يشاء أن يخلقه مما علمتم وما لم تعلموا.

فهي جملة مستأنفة.

وجملة: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تعليل وتذييل.

ووقع فيه إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار ليكون كلاماً مستقلاً بذاته لأن شأن التذييل أن يكون كالمثل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَ الخَلْقِ مِن ماءٍ ثُمَّ قُلِبَ إلى النّارِ فَخُلِقَ مِنها الجِنُّ، وإلى النُّورِ فَخُلِقَ مِنها المَلائِكَةُ، وإلى الطِّينِ فَخُلِقَ مِنهُ مَن خُلِقَ وما خُلِقَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ مِن ماءِ النُّطْفَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ كالحَيَّةِ والحُوتِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ الإنْسانُ والطَّيْرُ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ كالمَواشِي والخَيْلِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَمْشِي، وَلَمْ يَذْكُرْ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ لِأنَّهُ كالَّذِي يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ لِأنَّهُ يَعْتَمِدُ في المَشْيِ عَلى أرْبَعٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال: النطفة.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن مغفل أنه قرأ ﴿ والله خالق كل دابة من ماء ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: كل شيء يمشي على أربع إلا الإِنسان، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ ﴾ يعني بن آدم والبهائم والطير لأن ذلك كله يدب ﴿ مِّن مَّآءٍ ﴾ يعني المنيّ، وقيل: الماء الذي في الطين الذي خلق منه آدم وغيره ﴿ على بَطْنِهِ ﴾ كالحيات والحوت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ ، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، لكنه يخرج من الله على وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه.

والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم ورِه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له.

والثاني: يجعل الله -  - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ  وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ .

ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعاً سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله  أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24] وقال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20] فيفهم هؤلاء من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا.

وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أنه الله جعل في سرّية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سرّيتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحاً له وتنزيهاً؛ وإن لم يفهمه غيرهم، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ .

حرف "من" إنما يعبر به عن التمييز وحرف "ما" يعبر به [عن] المميز.

وقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ .

قال بعضهم: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ولسانه غير كفار الإنس والجن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ما ذكرنا أن كلا منهم يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه عن عبادة هؤلاء والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك عبادة هؤلاء له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر.

أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على أثر ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: عليم بجميع ما يفعلون.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ ﴾ أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو عوسجة، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ قيل: يسوق سحاباً ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: بعضه إلى بعض ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ قال: فيها تقديم وتأخير ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي: قطعاً يحمل بعضه على أثر بعض ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: يضم السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ثم يجعله ركاماً.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ وقيل: "خلله"؛ أي: من خلال السحاب ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قال بعضهم: جبال من ثلج ينزل الله على السحاب منها الثلج والبرد.

وقال بعضهم: جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل.

وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد، سوى أنه أخبر أن فيها برداً؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانياً؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...

﴾ الآية [النمل: 88]؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء والأرض؟

وقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكاناً لا يعمه، ولكن يصيب مكاناً ويخطئ مكاناً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ من بركته ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ من بركته، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره، ﴿ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر.

يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان، وتخطيه موضعاً دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف.

ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنّه تدبير واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضاً عما يريد من التدبير والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبّر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ ؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يسوق ﴿ رُكَاماً ﴾ بعضه فوق بعض ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ﴾ أي: المطر ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ و ﴿ خِلاَلِهِ ﴾ ، ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ ضوءه.

قال أبو عوسجة: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركماً: إذا جعلت بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقاً: أي: مطرت ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا مقصور، وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ هو - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة، وذكر - أيضاً - تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة.

والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر.

ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثاً ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء.

ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ ﴾ يذكر هذا - والله أعلم - لأحد وجهين: إما تذكيراً إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويّاً من غير أن كان منهم اختيار لذلك.

أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة.

أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ...

﴾ الآية [الملك: 22]؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام يمشون منتصبين مستوين ﴿ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ بسبب وبغير سبب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة بالطباع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله خلق كل ما يدبّ على وجه الأرض من الحيوان من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه زحفًا كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام، يخلق الله ما يشاء مما ذكر ومما لم يذكر، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.AM3xW"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله