الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٦٨ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 138 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٨ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟
قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " .
قال : ثم أي؟
قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " .
قال : ثم أي؟
قال : " أن تزاني حليلة جارك " .
قال عبد الله : وأنزل الله تصديق ذلك : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) .
وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري ، عن أبي معاوية ، به .
وقد أخرجه البخاري ومسلم ، من حديث الأعمش ومنصور - زاد البخاري : وواصل - ثلاثتهم عن أبي وائل ، شقيق بن سلمة ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل ، عن ابن مسعود ، به ، فالله أعلم ، ولفظهما عن ابن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم؟
الحديث .
طريق غريب : وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، حدثنا عامر بن مدرك ، حدثنا السري - يعني ابن إسماعيل - حدثنا الشعبي ، عن مسروق قال : قال عبد الله : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته ، فجلس على نشز من الأرض ، وقعدت أسفل منه ، ووجهي حيال ركبتيه ، واغتنمت خلوته وقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أي الذنوب أكبر؟
قال : " أن تدعو لله ندا وهو خلقك " .
قلت : ثم مه؟
قال : " أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك " .
قلت : ثم مه؟
قال : " أن تزاني حليلة جارك " .
ثم قرأ : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) .
[ إلى آخر ] الآية .
وقال النسائي : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن سلمة بن قيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " ألا إنما هي أربع - فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم - : لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن المديني ، رحمه الله ، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان ، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري ، سمعت أبا طبية الكلاعي ، سمعت المقداد بن الأسود ، رضي الله عنه ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ما تقولون في الزنى " ؟
قالوا : حرمه الله ورسوله ، فهو حرام إلى يوم القيامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره " .
قال : " ما تقولون في السرقة " ؟
قالوا : حرمها الله ورسوله ، فهي حرام .
قال : " لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره " .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا عمار بن نصر ، حدثنا بقية ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له " .
وقال ابن جريج : أخبرني يعلى ، عن سعيد بن جبير أنه سمعه يحدث عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) ، ونزلت : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [ إنه هو الغفور الرحيم ] ) [ الزمر : 53 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن أبي فاختة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل : " إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق ، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك ، وينهاك أن تزني بحليلة جارك " .
قال سفيان : وهو قوله : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) .
وقوله : ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) .
روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال : ( أثاما ) واد في جهنم .
وقال عكرمة : ( يلق أثاما ) أودية في جهنم يعذب فيها الزناة .
وكذا روي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد .
وقال قتادة : ( يلق أثاما ) نكالا كنا نحدث أنه واد في جهنم .
وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول : يا بني ، إياك والزنى ، فإن أوله مخافة ، وآخره ندامة .
وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره ، عن أبي أمامة الباهلي - موقوفا ومرفوعا - أن " غيا " و " أثاما " بئران في قعر جهنم أجارنا الله منها بمنه وكرمه .
وقال السدي : ( يلق أثاما ) : جزاء .
وهذا أشبه بظاهر الآية; ولهذا فسره بما بعده مبدلا منه ، وهو قوله :
يقول تعالى ذكره: والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر, فيشركون في عبادتهم إياه, ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة ( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) قتلها( إِلا بِالْحَقِّ ) إما بكفر بالله بعد إسلامها, أو زنا بعد إحصانها, أو قتل نفس, فتقتل بها( وَلا يَزْنُونَ ) فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يقول: ومن يأت هذه الأفعال, فدعا مع الله إلها آخر, وقتل النفس التي حرّم الله بغير الحق, وزنى ( يَلْقَ أَثَامًا ) يقول: يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا كما وصفه ربنا جلّ ثناؤه, وهو أنه ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا )، ومن الأثام قول بَلْعَاءَ بن قيس الكناني: جَـزَى اللـهُ ابْـنَ عُـرْوَةَ حيْثُ أمْسَى عُقُوقـــا والعُقُــوقُ لَــهُ أثــامُ (1) يعني بالأثام: العقاب.
وقد ذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين أرادوا الدخول في الإسلام, ممن كان منه في شركه هذه الذنوب, فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلام, فاستفتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك, فأنـزل الله تبارك وتعالى هذه الآية, يعلمهم أن الله قابل توبة من تاب منهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: ثني يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قَتَلُوا فأكثروا, فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسن, لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة, فنـزلت ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) ونـزلت: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال ابن جُرَيج: وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء.
حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي, قال: ثنا سفيان, عن أبي معاوية, عن أبي عمرو الشيباني, عن عبد الله, قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟
قال: أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأَكُلَ مَعَكَ, وأنْ تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ , وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الله (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ).
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا سفيان عن الأعمش ومنصور, عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل, عن عبد الله, قال: قلت: يا رسول الله, أي الذنب أعظم؟
أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ، قلت: ثم أي؟
قال: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأَكُلَ مَعَكَ, قلت: ثم أي؟
قال: أنْ تُزَاني حَلِيلَةِ جَارِكَ" فأنـزل تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) " ...
الآية.
حدثنا سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا عليّ بن قادم, قال: ثنا أسباط بن نصر الهمداني, عن منصور, عن أبي وائل, عن أبي ميسرة, عن عبد الله بن مسعود, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, نحوه.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي, قال: ثني عمي يحيى بن عيسى, عن الأعمش, عن سفيان, عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الذنب أكبر؟
ثم ذكر نحوه.
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: ثنا عامر بن مدرك, قال: ثنا السريّ - يعني ابن إسماعيل - قال: ثنا الشعبي, عن مسروق, قال: قال عبد الله: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم, فاتبعته, فجلس على نشَز من الأرض, وقعدت أسفل منه, ووجهي حيال ركبتيه, فاغتنمت خلوته وقلت: بأبي وأمي يا رسول الله, أي الذنوب أكبر؟
قال : " أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدّا وهُوَ خَلَقَكَ.
قلت: ثم مه؟
قال: " أنْ تَقْتَلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ".
قلت: ثم مه؟
قال: " أنْ تُزَانِي حَلِيلَةِ جَارِكَ", ثم تلا هذه الآية: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ...
إلى آخر الآية.
حدثنا أبو كريب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جُبير, أو حُدثت عن سعيد بن جُبير, أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...
إلى آخر الآية, والآية التي في الفرقان (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) إلى ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فلا توبة له، والتي في الفرقان لما أنـزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله, وقتلنا النفس التي حرّم الله بغير الحقّ, فما ينفعنا الإسلام؟
قال: فنـزلت ( إِلا مَنْ تَابَ ) قال: فمن تاب منهم قُبل منه.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, قال: ثني سعيد بن جبير, أو قال: حدثني الحكم عن سعيد بن جُبير, قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي, فقال: سل ابن عباس, عن هاتين الآيتين, ما أمرهما عن الآية التي في الفرقان ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ) الآية, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ فسألت ابن عباس عن ذلك, فقال: لما أنـزل الله التي في الفرقان, قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله, ودعونا مع الله إلها آخر, فقال: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) الآية.
فهذه لأولئك.
وأما التي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ...
الآية, فإن الرجل إذا عرف الإسلام, ثم قتل مؤمنا متعمدا, فجزاؤه جهنم, فلا توبة له.
فذكرته لمجاهد, فقال: إلا من ندم.
حدثنا محمد بن عوف الطائي, قال: ثنا أحمد بن خالد الذهني, قال: ثنا شيبان, عن منصور بن المعتمر, قال: ثني سعيد بن جُبير, قال لي سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: سل ابن عباس، عن هاتين الآيتين عن قول الله: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ...
إلى ( مَنْ تَابَ ) وعن قوله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...
إلى آخر الآية، قال: فسألت عنها ابن عباس, فقال: أنـزلت هذه الآية في الفرقان بمكة إلى قوله ( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) فقال المشركون: فما يغني عنا الإسلام, وقد عدلنا بالله, وقتلنا النفس التي حرّم الله, وأتينا الفواحش, قال: فأنـزل الله ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ...
إلى آخر الآية, قال: وأما من دخل في الإسلام وعقله, ثم قتل, فلا توبة له.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال في هذه الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ...
الآية, قال: نـزلت في أهل الشرك.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن سعيد بن جُبير, قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي أن أسأل ابن عباس عن هذه الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) فذكر نحوه.
حدثني عبد الكريم بن عمير, قال: ثنا إبراهيم بن المنذر, قال: ثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان, مَولى لبني الديل من أهل المدينة, عن فليح الشماس, عن عبيد بن أبي عبيد, عن أبي هريرة, قال: " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العَتَمة, ثم انصرفت فإذا امرأة عند بابي, ثم سلمت, ففتحت ودخلت, فبينا أنا في مسجدي أصلي, إذ نقرت الباب, فأذنت لها, فدخلت فقالت: إني جئتك أسألك عن عمل عملت, هل لي من توبة؟
فقالت: إني زنيت وولدت, فقتلته, فقلت : ولا لا نعمت العين ولا كرامة، فقامت وهي تدعو بالحسرة تقول: يا حسرتاه, أخُلق هذا الحسن للنار؟
قال: ثم صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة, ثم جلسنا ننتظر الإذن عليه, فأذن لنا, فدخلنا, ثم خرج من كان معي, وتخلفت, فقال: مَا لَكَ يا أبا هُرَيْرَةَ, ألَكَ حَاجَة؟
فقلت له: يا رسول الله صليت معك البارحة ثم انصرفت.
وقصصت عليه ما قالت المرأة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قُلْت لَهَا؟
قال: قلت لها: لا والله، ولا نعمت العين ولا كرامة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بِئسَ مَا قُلتَ، أمَا كُنْتَ تَقْرَأ هذِهِ الآية ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) ...
الآية ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) فقال أبو هريرة: فخرجت, فلم أترك بالمدينة حصنا ولا دارًا إلا وقفت عليه, فقلت: إن تكن فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة الليلة, فلتأتني ولتبشر; فلما صليت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم العشاء, فإذا هي عند بابي, فقلت: أبشري, فإني دخلت على النبيّ, فذكرت له ما قلت لي, وما قلت لك, فقال: وبئس ما قلت لها, أما كنت تقرأ هذه الآية؟
فقرأتها عليها, فخرّت ساجدة, فقالت: الحمد لله الذي جعل مخرجًا وتوبة مما عملت, إن هذه الجارية وابنها حرَّان لوجه الله, وإني قد تبت مما عملت ".
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة, فما شيء من القرآن إلا سألته عنه, ورسولي يختلف إلى عائشة, فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول: إن الله يقول لذنب: لا أغفره.
وقال آخرون: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني المغيرة بن عبد الرحمن الحراني, عن أبي الزناد, عن خارجة بن زيد أنه دخل على أبيه وعنده رجل من أهل العراق, وهو يسأله عن هذه الآية التي في تبارك الفرقان, والتي في النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فقال زيد بن ثابت: قد عرفت الناسخة من المنسوخة, نسختها التي في النساء بعدها بستة أشهر.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال الضحاك بن مزاحم: هذه السورة بينها وبين النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثمان حجج.
وقال ابن جُرَيج: وأخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جُبير: هل لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟
فقال: لا فقرأ عليه هذه الآية كلها, فقال سعيد بن جُبير: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها علي, فقال: هذه مكية, نسختها آية مدنية, التي في سورة النساء، وقد أتينا على البيان عن الصواب من القول في هذه الآية التي في سورة النساء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وبنحو الذي قلنا في الأثام من القول, قال أهل التأويل, إلا أنهم قالوا: ذلك عقاب يعاقب الله به من أتى هذه الكبائر بواد في جهنم يُدعى أثاما.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: سمعت أبي يحدّث, عن قتادة, عن أبي أيوب الأزدي, عن عبد الله بن عمرو, قال: الأثام: واد في جهنم.
حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: واديا في جهنم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, في قوله: ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) قال: واديا في جهنم فيه الزناة.
حدثني العباس بن أبي طالب, قال: ثنا محمد بن زياد, قال: ثنا شرقي بن قطاميّ, عن لقمان بن عامر الخزاعيّ, قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهلي, فقلت: حدثني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فدعا لي بطعام, ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ أَنَّ صَخْرَةً زِنَةَ عَشْر عَشْرَوَاتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَهَا خَمْسِينَ خَرِيفا, ثُمَّ تَنْتَهِي إلى غَيٍّ وأثامٍ".
قلت: وما غيّ وأثام؟
قال: بِئْرَان فِي أَسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِمَا صَدِيدُ أهْلِ النَّار, وهما اللذان ذكر الله في كتابه أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وقوله في الفرقان ( وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ).
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: الأثام الشرّ, وقال: سيكفيك ما وراء ذلك: ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ).
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال: نكالا قال: وقال: إنه واد في جهنم.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن هشيم, قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا بحجر يهوي فيها أو بصخرة تهوي, عظمها كعشر عشراوات سمان, فقال له رجل: فهل تحت ذلك من شيء؟
قال: نعم غيّ وأثام.
------------------- الهوامش : (1) البيت لبلعام بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر ، واسمه حميضة وهو من كنانة بن خزيمة ، وكان بلعاء رأس بني كنانة في أكثر حروبهم ومغازيهم ، وكان كثير الغارات على العرب ، وله أخبار في حروب الفجار .
وهو شاعر محسن ، قال في كل فن أشعاراً جيادًا ( انظر المؤتلف والمختلف 106 ومعجم الشعراء للمرزباني 357 ) .
والبيت أنشده صاحب ( اللسان : أثم ) ونسبه إلى شافع الليثي .
ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن إلى بلعاء بن قيس الكناني ، وعنه أخذ المؤلف قال في اللسان : " قال أبو إسحاق : تأويل الأثام : المجازاة وفال أبو عمرو الشيباني : لقي فلان أثام ذلك : أي جزاء ذلك ، فإن الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن معناه : يلقى جزاء الأثام .
وقول شافع الليثي في ذلك جــزى اللــه ابـن عـروة ......
..............
لــــه أثــــام" أي عقوبة مجازاة العقوق ، وهي قطيعة الرحم .
وقال الليث : الأثام في جملة التفسير عقوبة الإثم .
وقيل في قوله تعالى {يلق أثاما} قيل : هو واد في جهنم .
قال ابن سيده: والصواب عندي : أن معناه : يلق عقاب الأثام.
ا هـ .
قوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان ، وقتلهم النفس بوأد البنات ; وغير ذلك من الظلم والاغتيال ، والغارات ، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحا .
وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني : لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص ، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها عنهم لأنهم أعلى وأشرف ، فقال : معناها لا يدعون الهوى إلها ، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلا لها .
ومعنى إلا بالحق أي إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا ، بل بالضرورة فيكون كالنكاح .
قال شيخنا أبو العباس : وهذا كلام رائق غير أنه عند السبر مائق .
وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية وإنما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة ، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لهم ، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدا لها ; والله أعلم .
قلت : ومما يدل على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها [ ص: 73 ] ما روى مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟
قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك .
قال : ثم أي ؟
قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم .
قال : ثم أي ؟
قال : أن تزاني حليلة جارك .
فأنزل الله تعالى تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما .
والأثام في كلام العرب العقاب ، وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية .
ومنه قول الشاعر :جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثامأي جزاء وعقوبة .
وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد : إن أثاما واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة .
قال الشاعر :لقيت المهالك في حربنا وبعد المهالك تلقى أثاماوقال السدي : جبل فيها .
قال :وكان مقامنا ندعو عليهم بأبطح ذي المجاز له أثاموفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ; فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ، وهو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة ، فنزلت : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما .
ونزل : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية .
وقد قيل : إن هذه الآية ، يا عبادي الذين أسرفوا نزلت في وحشي قاتل حمزة ; قاله سعيد بن جبير وابن عباس .
وسيأتي في الزمر بيانه .قوله تعالى : إلا بالحق أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان ; على ما تقدم بيانه في ( الأنعام ) .
ولا يزنون فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا ملك يمين .
ودلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ثم الزنى ; ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصنا أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن .
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } بل يعبدونه وحده مخلصين له الدين حنفاء مقبلين عليه معرضين عما سواه.
{ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } وهي نفس المسلم والكافر المعاهد، { إِلَّا بِالْحَقِّ } كقتل النفس بالنفس وقتل الزاني المحصن والكافر الذي يحل قتله.{ وَلَا يَزْنُونَ } بل يحفظون فروجهم { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: الشرك بالله أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق أو الزنا فسوف { يَلْقَ أَثَامًا }
قوله - عز وجل - : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) الآية .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف بن جريج أخبرهم قال : قال يعلى وهو يعلى بن مسلم ، أن سعيد بن جبير ، أخبره عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة ، فنزلت : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ( ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) ونزل : قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ( الزمر - 53 ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله ؟
قال : " أن تدعو لله ندا وهو خلقك " قال " ثم أي ؟
قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " ، قال : ثم أي ؟
قال : " أن تزاني حليلة جارك " ، فأنزل الله تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما قوله - عز وجل - : ( ومن يفعل ذلك ) أي : شيئا من هذه الأفعال ) ( يلق أثاما ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما يريد جزاء الإثم .
وقال أبو عبيدة : " الآثام " : العقوبة .
وقال مجاهد : " الآثام " : واد في جهنم ، يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى في الحديث : " الغي والآثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار " .
«والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله» قتلها «إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك» أي واحدا من الثلاثة «يلق أثاما» أي عقوبة.
والذين يوحدون الله، ولا يدعون ولا يعبدون إلهًا غيره، ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بما يحق قتلها به: من كفر بعد إيمان، أو زنى بعد زواج، أو قتل نفس عدوانًا، ولا يزنون، بل يحفظون فروجهم، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، ومن يفعل شيئًا من هذه الكبائر يَلْقَ في الآخرة عقابًا.
يُضاعَفْ له العذاب يوم القيامة، ويَخْلُدْ فيه ذليلا حقيرًا.
(والوعيد بالخلود لمن فعلها كلَّها، أو لمن أشرك بالله).
لكن مَن تاب مِن هذه الذنوب توبة نصوحًا وآمن إيمانًا جازمًا مقرونًا بالعمل الصالح، فأولئك يمحو الله عنهم سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات؛ بسبب توبتهم وندمهم.
وكان الله غفورًا لمن تاب، رحيمًا بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بأكبر المعاصي.
ومن تاب عمَّا ارتكب من الذنوب، وعمل عملا صالحا فإنه بذلك يرجع إلى الله رجوعًا صحيحًا، فيقبل الله توبته ويكفر ذنوبه.
وبعد أن بين - سبحانه - ما هم عليه من طاعات ، أتبع ذلك ببيان اجتنابهم للمعاصى والسيئات فقال : ( والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ ) أى : لا يشركون مع الله - تعالى - إلها آخر لا فى عبادتهم ولا فى عقائدهم .
وإنما يخلصون وجوههم لله - تعالى - وحده .( وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ) أى : ولا يقتلون النفس التى حرم الله - تعالى - قلتها لأى سبب من الأسباب ، إلا بسبب الحق المزيل والمهدر لعصمتها وحرمتها ، ككفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير ذنب يوجب قتلها .( وَلاَ يَزْنُونَ ) أى : ولا يرتكبون فاحشة الزنا ، بأن يستحلوا فرجا حرمه الله - تعالى - عليهم .روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أى الذنب أكبر؟
قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أى : قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أى؟
قال : أن تزانى حليلة جارك .
.
.
" " .وقوله - تعالى - : ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً .
.
.
) بيان لسوء عاقبة من يرتكب شيئا من تلك الفواحش السابقة .أى : ومن يفعل ذلك الذى نهينا عنه من الإشراك والقتل والزنا ، يلق عقابا شديدا لا يقادر قدره .
الصفة السادسة: اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب، ثم استثنى من جملتهم التائب، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا، أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى؟
الجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمسكاً بالشرك تديناً ومقدماً على قتل الموءودة تديناً وعلى الزنا تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر وأنت تدعون ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ وأنتم تقتلون الموءودة، ﴿ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ وأنتم تزنون.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ ومعلوم أنه من يحل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟
الجواب: المقتضى لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله: ﴿ حَرَّمَ الله ﴾ إشارة إلى المقتضى وقوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ إشارة إلى المعارض.
السؤال الثالث: بأي سبب يحل القتل؟
الجواب: بالردة وبالزنا بعد الإحصان، وبالقتل قوداً على ما في الحديث، وقيل وبالمحاربة وبالبينة، وإن لم يكن لما شهدت به حقيقة.
السؤال الرابع: منهم من فسر قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ بالردة فهل يصح ذلك؟
الجواب: لفظ القتل عام فيتناول الكل.
وعن ابن مسعود قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي؟
قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت ثم أي؟
قال أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديقه.
السؤال الخامس: ما الأثام؟
الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن الأثام جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال.
وثانيها: وهو قول أبي مسلم: أن الأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وثالثها: قال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم وقال مجاهد: ﴿ أَثَاماً ﴾ واد في جهنم، (وقرأ ابن مسعود ﴿ أَثَاماً ﴾ أي شديداً، يقال يوم ذو أثام لليوم العصيب).
أما قوله: ﴿ يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يضاعف ﴾ بدل من ﴿ يَلْقَ ﴾ لأنهما في معنى واحد، وقرئ (يضعف) و(نضعف له العذاب) بالنون ونصب العذاب، وقرئ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك (يخلد) (وقرئ) (ويخلد) على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً من الإخلاد والتخليد، وقرئ (وتخلد) بالتاء على الالتفات.
المسألة الثانية: سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
المسألة الثالثة: قال القاضي: بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما في الدوام كحال الأصل، فقوله: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أي ويخلد في ذلك التضعيف، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفرداً والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح، فكذا هاهنا.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين، وإنما الدال عليه قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ .
المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل غير مقبولة، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء.
المسألة الثالثة: فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشواً، قلنا: أفردهما بالذكر لعلو شأنهما، ولما كان لابد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ على وجوه: أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب.
وثانيها: قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وثالثها: قال قوم: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات»، قيل من هم يا رسول الله؟
قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» وعلى هذا التبديل في الآخرة.
ورابعها: قال القفال والقاضي: أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صالحا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما فائدة هذا التكرير؟
الجواب: من وجهين: الأول: أن هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها في صحة التوبة منها.
الثاني: أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصي، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة كقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ أي مرجعي.
السؤال الثاني: هل تكون التوبة إلا إلى الله تعالى فما فائدة قوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ ؟
الجواب: من وجوه: الأول: ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم الله تعالى وثوابه الثاني: معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث: قوله: ﴿ وَمَن تَابَ ﴾ يرجع إلى الماضي فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل، وهذا من أعظم البشارات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَرَّمَ الله ﴾ أي حرّمها.
والمعنى: حرّم قتلها.
و ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ متعلق بهذا القتل المحذوف.
أوب (لا يقتلون)، ونفي هذه المقبحات العظام على الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين، للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
والقتل بغير الحق: يدخل فيه الوأد وغيره.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم؟
قال: «أن تجعل لله ندّاً هو خلقك» قلت: ثم أيّ؟
قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قلت: ثم أي؟
وقال: «أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقه.
وقرئ: ﴿ يلق فيه أثاماً ﴾ .
وقرئ: ﴿ يلقى ﴾ بإثبات الألف، وقد مرّ مثله.
والآثام: جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال ومعناهما، قال: جَزَي اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ** عَقُوقاً وَالْعُقُوقُ لهُ أثَامُ وقيل هو الإثم.
ومعناه: يلق جزاء أثام.
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ أياماً ﴾ ، أي شدائد.
يقال: يوم ذو أيام: لليوم العصيب.
﴿ يضاعف ﴾ بدل من يلق؛ لأنهما في معنى واحد.
كقوله: مَتَى تَأْتِنَا تُلَمِم بِنَا فِي دِيَارِنَا ** تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا وقرئ: ﴿ يضعف ﴾ ، و ﴿ نضعف له العذاب ﴾ ، بالنون ونصب العذاب.
وقرئ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك ﴿ وَيَخْلُدْ ﴾ وقرئ: ﴿ ويخلد ﴾ ، على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً، من الإخلاد والتخليد.
وقرئ: ﴿ وتخلد ﴾ ، بالتاء على الالتفات ﴿ يُبَدِّلُ ﴾ مخفف ومثقل، وكذلك سيئاتهم.
فإن قلت: ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال السيئات حسنات؟
قلت: إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه.
وإبدال السيئات حسنات: أنه يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها الحسنات: الإيمان، والطاعة، والتقوى.
وقيل: يبدّلهم بالشرك إيماناً.
وبقتل المسلمين: قتل المشركين، وبالزنا: عفة وإحصاناً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ حَرَّمَها بِمَعْنى حَرَّمَ قَتْلَها.
﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقُ القَتْلِ المَحْذُوفِ، أوْ بِلا يَقْتُلُونَ ﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ نَفى عَنْهم أُمَّهاتِ المَعاصِي بَعْدَ ما أثْبَتَ لَهم أُصُولَ الطّاعاتِ إظْهارًا لِكَمالِ إيمانِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّ الأجْرَ المَذْكُورَ مَوْعُودٌ لِلْجامِعِ بَيْنَ ذَلِكَ، وتَعْرِيضًا لِلْكَفَرَةِ بِأضْدادِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِالوَعِيدِ تَهْدِيدًا لَهم فَقالَ: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ جَزاءَ إثْمٍ أوْ إثْمًا بِإضْمارِ الجَزاءِ، وقُرِئَ «أيّامًا» أيْ شَدائِدَ يُقالُ يَوْمٌ ذُو أيّامٍ أيْ صَعْبٌ.
﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَدَلٌ مَن ﴿ يَلْقَ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْناهُ كَقَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا.
.
.
تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوِ الحالِ وكَذَلِكَ: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا ﴾ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ ( يُضَعِّفْ ) بِالجَزْمِ وابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ فِيهِما مَعَ التَّشْدِيدِ وحَذْفِ الألِفِ في «يُضَعِّفْ»، وقُرِئَ «وَيُخْلَدْ» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وقُرِئَ مُثَقَّلًا وتَضْعِيفُ العَذابِ مُضاعَفَتُهُ لِانْضِمامِ المَعْصِيَةِ إلى الكَفْرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"
{والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر} أي لا يشركون {ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله} أي حرمها يعني حرم قتلها {إلاّ بالحقّ} بقود أو رجم أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد وهو متعلق بالقتل المحذوف أو بلا يقتلون {ولا يزّنون} ونفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريض لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم كانه قيل والذين طهرهم الله مما أنتم عليه {ومن يفعل ذلك} أي المذكور {يلق أثاماً} جزاء الإثم
﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ أيْ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ ﴿ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ: حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، بِمَعْنى: حَرَّمَ قَتْلَها؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ دُونَ الذَّواتِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ مُبالَغَةً في التَّحْرِيمِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يَقْتُلُونَ) والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ المُزِيلِ لِحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، كالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها نَوْعًا مِنَ القَتْلِ إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وأنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: لا يَقْتُلُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالقَتْلِ المَحْذُوفِ، والِاسْتِثْناءُ أيْضًا مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى قَتْلَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا في الإثْباتِ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى بِإرادَةِ العُمُومِ، أوْ لِكَوْنِ (حَرَّمَ) نَفْيًا مَعْنًى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ﴿ ولا يَزْنُونَ ﴾ ولا يَطَؤُونَ فَرْجًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِن نَفْيِ هَذِهِ القَبائِحِ العَظِيمَةِ التَّعْرِيضُ بِما كانَ عَلَيْهِ أعْداؤُهم مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ، وإحْياءِ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ، ومَزِيدِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ اسْتِدْعائِها نَفْيَ ما ذُكِرَ عَنْهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ حَلُّ ما قِيلَ: الظّاهِرُ عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، وتَقْدِيمُ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهم سُبْحانَهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ - كالمَوْؤُدَةِ - والزِّنا.
وقِيلَ: إنَّ التَّصْرِيحَ بِنَفْيِ الإشْراكِ - مَعَ ظُهُورِ إيمانِهِمْ - لِهَذا، أوْ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ والإخْلاصِ وتَهْوِيلِ أمْرِ القَتْلِ والزِّنا بِنَظْمِهِما في سِلْكِهِ، وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟
قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ««أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ»».
وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ ذِكْرَ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ قَدْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الأُمُورَ تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُكَلَّفَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِلالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ حَتّى يَنْضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ في وجْهِ تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ: كَوْنُ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّحْلِيَةِ أوْفَقَ بِالعُبُودِيَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِظُهُورِ دَلالَتِها عَلى تَرْكِ الأنانِيَّةِ، ومَزِيدِ الِانْقِيادِ، والخَوْفِ والِاقْتِصادِ في التَّصَرُّفِ بِما أذِنَ المَوْلى بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، ولا يَأْبى هَذا قَصْدَ التَّعْرِيضِ بِما ذُكِرَ في التَّخْلِيَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَصْدَ التَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ أيْ ومَن يَفْعَلْ ما ذُكِرَ يَلْقَ في الآخِرَةِ عِقابًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَفْسِيرُ الأثامِ بِالعِقابِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عَقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ جَزاءٌ أخْرُجُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ بِالجَزاءِ، وأنْشَدَ قَوْلَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ورَوَيْنا الأسِنَّةَ مِن صَداهُ ∗∗∗ ولاقَتْ حِمْيَرُ مِنّا أثاما والفَرْقُ يَسِيرٌ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأثامُ الإثْمُ، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: جَزاءَ أثامٍ، أوْ هو مَجازٌ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ، وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: اسْمُ بِئْرٍ فِيها، وقِيلَ: اسْمُ جَبَلٍ.
ورَوى جَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: فِيهِ قَيْحٌ ودَمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ) عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ أنَّ فِيهِ حَيّاتٍ وعَقارِبَ في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِن سُمٍّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوَكَّفَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: اسْمٌ لِأوْدِيَةٍ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ.
وقُرِئَ: «يُلَقَّ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ «يُلْقى» بِألِفٍ كَأنَّهُ نَوى حَذْفَ الضَّمَّةِ المُقَدَّرَةِ عَلى الألِفِ فَأُقِرَّتِ الألِفُ، وقَرَأ أبُو مَسْعُودٍ أيْضًا «أيّامًا» جَمْعَ يَوْمٍ يَعْنِي شَدائِدَ، واسْتِعْمالُ الأيّامِ بِهَذا المَعْنى شائِعٌ، ومِنهُ: يَوْمٌ ذُو أيّامٍ، وأيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: لا يشركون بالله.
ويقال: الشرك ثلاثة: أولها أن يعبد غير الله تعالى، والثاني أن يطيع مخلوقاً بما يأمره من المعصية، والثالث أن يعمل لغير وجه الله تعالى.
فالأول كفر، والآخران معصية.
ثم قال: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا بإحدى خصال ثلاث وقد ذكرناه.
وَلا يَزْنُونَ يعني: لا يستحلون الزنى، ولا يقتلون النفس وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني: الشرك والقتل والزنى يَلْقَ أَثاماً قال الكلبي يعني: عقاباً في النار، وذكر عن سيبويه والخليل أنهما قالا: معناه جزاء الآثام.
ويقال: الآثام العقوبة وقال الشاعر: جَزَى الله ابْنَ عُرْوَةَ حِينَ أَمْسَى ...
عَقُوقاً فَالْعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ أي: عقوبة.
ثم قال عز وجل: يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً يعني: في العذاب صاغراً يهان فيه.
قرأ عاصم يُضاعَفْ لَهُ بالألف، وضم الفاء.
وقرأ ابن عامر وابن كثير: يضعّف بغير ألف، والتشديد، وجزم الفاء.
وقرأ الباقون بالألف، وجزم الفاء.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر، وَيَخْلُدْ بضم الدال.
وروى حفص عن عاصم وابن كثير، وَيَخْلُدْ بالإشباع، وقرأ الباقون يَخْلُدْ بجزم الدال.
فمن قرأ يُضاعَفْ ويَخْلُدْ بالرفع فالوقف هنا على قوله: أَثاماً ومن قرأهما بالجزم فلا يقف على أَثاماً لأنهما جوابا الشرط، والشرط والجواب هما مجزومان.
ثم قال عز وجل: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: تاب من الشرك والزنى والقتل، وصدَّق بتوحيد الله تعالى: وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ يعني: مكان الشرك الإيمان، ومكان القتل الكف، ومكان الزنى العفاف، ومكان المعصية العصمة والطاعة.
ويقال: إنه يبدل في الآخرة مكان عمل السيئات الحسنات.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: «إن يوم القيامة إذا أعطي الإنسان كتابه في الآخرة فيرى في أوله معاصي، وفي الآخر الحسنات، فلما رجع إلى أول الكتاب، رآه كله حسنات» .
روى أبو ذر عن النبيّ أنه قال: «يُعْرَضُ عَلَيْهِ صغار ذُنُوبِهِ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الكتاب أَنْ تَجِيءَ ذُنُوبُهُ العِظَامُ، فإذا أريد به خير قِيلَ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً.
فَيَقُولُ: يَا ربّ إِنَّ لِي ذُنُوباً ما أراها هانا» .
قال: ولقد رأيت رسول الله يضحك (١) ، فسألتني امرأة في الطريق فقالت: زنيت، ثم قتلت الولد، فهل لي من توبة؟
فقلت: لا توبة لك أبداً.
ثم قلت: أفتيتها ورسول الله بين أظهرنا؟
فرجعت إليه فأخبرته بذلك فقال: «هَلِكْتَ وَأهْلَكْتَ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ هذه الآية؟
وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فخرجت وقلت: من يدلني على امرأة سألتني مسألة، والصبيان يقولون: جن أبو هريرة حتى أدركتها وأخبرتها بذلك فسرت وقالت: إن لي حديقة جعلتها لله ولرسوله» (٢) من المدينة إلى وحشي ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعني: غَفُوراً لما فعلوا قبل التوبة لمن تاب، رَحِيماً بالمؤمنين بعد التوبة.
(١) حديث أبي ذر: أخرجه مسلم (190) (314) (315) والترمذي (2596) وأحمد: 5/ 170 والبغوي (4360) .
(٢) عزاه السيوطي: 6/ 279 إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة.
<div class="verse-tafsir"
والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» بلفظ واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ...
الآية: عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقّاً عليه وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والوجه أَنْ يقال: إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقّاً آخر أو عيالا ونحو هذا، وألّا يضيّق أيضا ويقتر حتى يجمع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك.
وقال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة: مَا نَفَقَتُكَ؟
فقال له عمر: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية «٢» ، وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: كفى بالمرء سَرَفاً أَلاَّ يشتهيَ شيئاً إلاَّ اشتراه فأكله «٣» .
وقَواماً: خبر كانَ واسمها مقدّر، أي: الإنفاق.
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية: في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مسعود:
قَلْتُ يَوْماً: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ؟
قال: «أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ:
ثُمَّ أَي قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟
قَالَ: أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» ثُمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه «١» الآية والأثام في كلام العرب: العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية.
قال ع «٢» : يُضاعَفْ: بالجزم بدل من يَلْقَ قال سيبويه: مضاعفة العذاب هو لقي الأثام.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ: لا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء» .
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ أي: بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً قاله ابن عباس «٣» وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات تَكَرُّماً منه سبحانه وتعالى كما جاء في «صحيح مسلم» «٤» ، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ.
ص: والأَوْلَى: ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعاً، أي: لكن من تاب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟
قالَ: " أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ " قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: " أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ "، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: " أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ "، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ» .
والثّانِي: «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ » أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: «أنْ وحْشِيًّا أتى النَّبِيَّ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَيْتُكَ مُسْتَجِيرًا فَأجِرْنِي حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أنْ أراكَ عَلى غَيْرِ جِوارٍ، فَأمّا إذا أتَيْتَنِي مُسْتَجِيرًا فَأنْتَ في جِوارِي حَتّى تَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، قالَ: فَإنِّي أشْرَكْتُ بِاللَّهِ وقَتَلْتُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وزَنَيْتُ، فَهَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِّي تَوْبَةً؟
فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: أرى شَرْطًا، فَلَعَلِّي لا أعْمَلُ صالِحًا، أنا في جِوارِكَ حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَدَعاهُ فَتَلاها عَلَيْهِ، فَقالَ: ولَعَلِّي مِمَّنْ لا يَشاءُ [اللَّهُ]، أنا في جِوارِكَ حَتّى أسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الآيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، فَقالَ: نَعَمْ، الآنَ لا أرى شَرْطًا، فَأسْلَمَ»، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهَذا وحْشِيٌّ هو قاتِلُ حَمْزَةَ؛ وفي هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورِ عَنْهُ نَظَرٌ، وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ، والمَحْفُوظُ في إسْلامِهِ غَيْرُ هَذا، وأنَّهُ قَدِمَ مَعَ رُسُلِ الطّائِفِ فَأسْلَمَ مِن غَيْرِ اشْتِراطٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَعْبُدُونَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ قَتْلِ النَّفْسِ بِالحَقِّ في (الأنْعامِ: ١٥١) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " يُلَقَّ " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةً.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْقَ جَزاءً.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: وهو وادٍ في جَهَنَّمَ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَلْقَ عُقُوبَةً، وأنْشَدَ: [جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا] والعُقُوقُ لَهُ أثامُ؟؟؟
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ جَزْمًا عَلى الجَزاءِ.
قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: يُقالُ: قَدْ لَقِيَ أثامَ ذَلِكَ، أيْ: جَزاءَ ذَلِكَ، وسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ يَذْهَبانِ إلى أنَّ مَعْناهُ: يَلْقَ جَزاءَ الأثامِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وإنَّما جَزَمَ " يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ " لِأنَّ مُضاعَفَةَ العَذابِ لُقِيُّ الآثامِ، فَلِذَلِكَ جُزِمَتْ، كَما قالَ الشّاعِرُ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا لِأنَّ الإتْيانَ هو الإلْمامُ، فَجَزَمَ " تُلْمِمْ " لِأنَّهُ بِمَعْنى " تَأْتِي.
وقَرَأ الحَسَنُ: " يُضَعَّفْ "، وهو جَيِّدٌ بالِغٌ؛ تَقُولُ: ضاعَفْتُ الشَّيْءَ وضَعَّفْتُهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ: " يُضاعَفُ " بِالرَّفْعِ عَلى تَفْسِيرِ " يَلْقَ أثامًا " كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما لُقِيُّ الأثامِ؟
فَقِيلَ: يُضاعَفُ لِلْآثِمِ العَذابُ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وقَتادَةُ، وأبُو حَيَوَةَ: " يُضْعَفْ " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الضّادِ وفَتْحِ العَيْنِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ أبُو حُصَيْنٍ الأسَدِيُّ، والعُمَرِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّ العَيْنَ مَكْسُورَةٌ، و " العَذابَ " بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْلُدْ ﴾ وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: " ويُخْلَدْ " بِرَفْعِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ اللّامِ مُخَفَّفَةً.
وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا اللّامَ.
* فَصْلٌ وَلِعُلَماءِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ وفي ناسِخِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وكانَ يَقُولُ " هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، والَّتِي في " النِّساءِ " مَدَنِيَّةٌ.
والثّانِي: أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ الآيَةَ [النِّساء: ٤٨] .
والثّالِثُ: أنَّ الأُولى نُسِخَتْ بِالثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةٌ؛ والخُلُودُ إنَّما كانَ لِانْضِمامِ الشِّرْكِ إلى القَتْلِ والزِّنا.
وفَسادُ القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ لا يُوجِبُ تَخْلِيدًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ وقَدْ بَيَّناهُ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٩٣)، والشِّرْكُ لا يُغْفَرُ إذا ماتَ المُشْرِكُ عَلَيْهِ، والِاسْتِثْناءُ لَيْسَ بِنَسْخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «قَرَأْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ سَنَتَيْنِ.
﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحَهُ بِها، وبِـ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّبْدِيلِ وفي زَمانِ كَوْنِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهم إيمانًا وقَتْلَهم إمْساكًا، وزِناهم إحْصانًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَكُونُ في الدُّنْيا، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي أنَّ هَذا يَكُونُ في الآخِرَةِ، قالَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ.
وَقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِ المُؤْمِنِ إذا غَفَرَها لَهُ حَسَناتٍ، حَتّى إنَّ العَبْدَ يَتَمَنّى أنْ تَكُونَ سَيِّئاتُهُ أكْثَرَ مِمّا هي.
وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ودَّ قَوْمٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا اسْتَكْثَرُوا مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَقِيلَ: مَن هُمْ؟
قالَ: هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ ، ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ : " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُ ذُنُوبِهِ وتُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا، كَذا وكَذا، وهو مَقَرٌّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً» "، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهِ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا ﴾ ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في الإنْفاقِ، فَعِبارَةُ أكْثَرِهِمْ أنَّ الَّذِي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعَةِ وإنْ أفْرَطَ، والمُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في المَعْصِيَةِ وإنْ قَلَّ إنْفاقُهُ، وأنَّ المُقْتِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ حَقًّا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ: الإسْرافُ: أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.
وغَيْرُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِلَفْظِ الآيَةِ.
وخَلْطُ الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِالإسْرافِ والتَقْتِيرِ فِيهِ نَظَرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَفَقَةَ في مَعْصِيَةٍ أمْرٌ قَدْ حَظَرَتِ الشَرِيعَةُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وكَذَلِكَ التَعَدِّي عَلى مالِ الغَيْرِ، وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مُنَزَّهُونَ عن ذَلِكَ، وإنَّما التَأْدِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو في نَفَقَةِ الطاعاتِ في المُباحاتِ، فَأدَبُ الشَرْعِ فِيها ألّا يُفَرِّطَ الإنْسانُ حَتّى يُضَيِّعَ حَقًّا آخَرَ أو عِيالًا ونَحْوَ هَذا، وألّا يُضَيِّقَ أيْضًا ويُقَتِّرَ حَتّى يُجِيعَ العِيالَ ويُفْرِطَ في الشُحِّ، والحَسَنُ في ذَلِكَ هو القَوامُ، أيِ: العَدْلُ، والقَوامُ في كُلِّ واحِدٍ بِحَسْبِ عِيالِهِ وحالِهِ، وخِفَّةِ ظَهْرِهِ وصَبْرِهِ وجَلَدِهِ عَلى الكَسْبِ، أو ضِدِّ هَذِهِ مِنَ الخِصالِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها، ولِهَذا «تَرَكَ رَسُولُ اللهِ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِهِ» ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وسَطٌ بِنِسْبَةِ جِلَدِهِ وصَبْرِهِ في الدِينِ، ومَنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ، ونِعْمَ ما قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يُجِيعُ ولا يُعْرِي، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ الناسُ: قَدْ أسْرَفَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَلْبَسُونَ الثِيابَ لِلْجَمالِ، ولا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلَّذَّةِ.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟
فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمْ واللَذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثِيابًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَعامِ ما يَسُدُّ عنهُمُ الجُوعَ، ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ومِنَ اللِباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ، ويُكِنُّهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ وأكَلَهُ»، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : «إنَّ مِنَ السَرَفِ أنْ تَأْكُلَ ما اشْتَهَيْتَهُ»، وقالَ الشاعِرُ: ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصَدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يَقْتِرُوا" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ -، وعاصِمْ بِخِلافٍ-.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والناسُ: "قَوامًا" بِفَتْحِ القافِ، أيْ: مُعْتَدِلًا، وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بِكَسْرِ القافِ، أيْ: مُبَلِّغًا وسِدادًا ومِلاكَ حالٍ.
و "قَوامًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها مُقَدَّرٌ، أيِ: الإنْفاقُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ اسْمُها قَوْلَهُ: "بَيْنَ ذَلِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ، إخْراجٌ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِن صِفاتِ الكَفَرَةِ فِي: عِبادَتِهِمُ الأوثانَ، وقَتْلِهِمُ النَفْسَ بِوَأْدِ البَناتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُلْمِ والِاغْتِيالِ والغاراتِ، وبِالزِنى الَّذِي كانَ عِنْدَهم مُباحًا، وفي نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قَلَتْ يَوْمًا لِرَسُولِ اللهِ : أيُّ الذَنْبِ أعْظَمُ؟
قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، ثُمْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالقَتْلِ والزِنى يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ العُصاةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَهم مِنَ الوَعِيدِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو قَتْلُ النَفْسِ، والكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، والزِنى بَعْدَ الإحْصانِ، والكُفْرُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيمانٌ في الحَرْبِيِّينَ.
و "الأثامُ" في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَزى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى ∗∗∗ عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ أيْ: جَزاءٌ وعُقُوبَةٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ: إنَّ "أثامًا" وادٍ في جَهَنَّمَ، هَذا اسْمُهُ، وقَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى عِقابًا لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعَفْ" و "يَخْلُدْ" جَزْمًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعَّفْ" بِشَدِّ العَيْنِ وطَرْحِ الألِفِ، وبِالجَزْمِ في "يُضَعَّفْ"، "وَيَخْلُدْ".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نُضَعِّفْ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" بِالنَصْبِ، "وَيَخْلُدْ" بِالجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَتَخْلُدْ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى مُخاطَبَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُخْلَدْ" بِضَمِّ الياءِ مِن تَحْتِ، وفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، و "يُضاعَفْ" بِالجَزْمِ بَدَلٌ مِن "يَلْقَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: مُضاعَفَةُ العَذابِ لُقِيُّ الأثامِ، قالَ الشاعِرُ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامَلٌ في الكافِرِ والزانِي، واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: لَهُ التَوْبَةُ، وَجَعَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ قاعِدَتَها قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَحُصِّلَ القاتِلُ في المَشِيئَةِ كَسائِرِ التائِبِينَ مِن ذُنُوبٍ، ويَتَأوَّلُونَ الخُلُودَ الَّذِي في آيَةِ القَتْلِ في سُورَةِ النِساءِ بِمَعْنى الدَوامِ إلى مُدَّةٍ كَخُلُودِ الدُوَلِ ونَحْوِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ لِمَن قَتَلَ: حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ .
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما أُرِيدَ بِالتَوْبَةِ فِيها المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ طَوائِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ: كَيْفَ لَنا بِالدُخُولِ في الإسْلامِ ونَحْنُ قَدْ فَعَلْنا جَمِيعَ هَذا؟
فَنَزَلَتْ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ ، فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحِهِ بِها وبِسُورَةِ الفَتْحِ».
وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ قالَ بِأنْ لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ النِساءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ورَواهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَما رَأيْتُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا سَألْتُهُ عنهُ، فَما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ لِذَنْبٍ: لا أغْفِرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ .
مَعْناهُ: يَجْعَلُ أعْمالَهم بَدَلَ مَعاصِيهِمُ الأُولى طاعَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ورَدُّوا عَلى مَن قالَ: هو في يَوْمِ القِيامَةِ لِمَن يُرِيدُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ، يُبَدِّلُ السَيِّئاتِ حَسَناتٍ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ المُسَيَّبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ مَعْنى كَرَمِ العَفْوِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُبْدِلُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا قسم آخر من صفات عباد الرحمان، وهو قسم التخلّي عن المفاسد التي كانت ملازمة لقومهم من المشركين؛ فتنزه عباد الرحمن عنها بسبب إيمانهم، وذكر هنا تنزههم عن الشرك وقتل النفس والزنا، وهذه القبائح الثلاث كانت غالبة على المشركين.
ووَصْفُ النفس ب ﴿ التي حرم الله ﴾ بيانٌ لحُرمة النفس التي تقررت من عهد آدم فيما حكى الله من محاورة ولدَيْ آدم بقوله ﴿ قال لأقتلنّك ﴾ [المائدة: 27] الآيات، فتقرر تحريم قتل النفس من أقدم أزمان البشر ولم يجهله أحد من ذرية آدم، فذلك معنى وصف النفس بالموصول في قوله ﴿ التي حرم الله ﴾ .
وكان قتل النفس متفشياً في العرب بالعداوات، والغارات، وبالوأْد في كثير من القبائل بناتهم، وبالقتل لفرط الغَيرة، كما قال امرؤ القيس: تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً *** عليَّ حراصاً لو يُسِرُّون مقتلي وقال عنترة: عُلّقْتُها عَرضاً وأقتُلُ قومها *** زعماً لعمرُ أبيك ليس بمزعم وقوله ﴿ إلا بالحق ﴾ المراد به يومئذ: قتل قاتل أحدهم، وهو تهيئة لمشروعية الجهاد عقب مدة نزول هذه السورة.
ولم يكن بيد المسلمين يومئذ سلطان لإقامة القصاص والحدود.
ومضى الكلام على الزنا في سورة سبحان.
وقد جُمع التخلّي عن هذه الجرائم الثلاث في صلة موصول واحد ولم يكرر اسم الموصول كما كرّر في ذكر خصال تحلّيهم، للإشارة إلى أنهم لما أقلعوا عن الشرك ولم يَدْعُوا مع الله إلهاً آخر فقد أقلعوا عن أشد القبائح لصوقاً بالشرك وذلك قتل النفس والزِنا.
فجعل ذلك شَبيهَ خصلةٍ واحدة، وجُعل في صلة موصول واحد.
وقد يكون تكرير ﴿ لا ﴾ مجزئاً عن إعادة اسم الموصول وكافياً في الدلالة على أن كل خصلة من هذه الخصال موجبة لمضاعفة العذاب، ويؤيدّه ما في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أيُّ الذنب أكبر؟
قال: " أن تدعوَ لله نِدًّا وهو خَلَقَك.
قلتُ: ثم أيُّ؟
قال: أن تقتل ولدك خِيفةَ أن يطْعَم معَك.
قلت: ثم أيّ: قال: أن تُزانيَ حليلةَ جارك " فأنزل الله تعالى تصديقها ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخراً ﴾ إلى ﴿ أثاماً ﴾ ، وفي رواية ابن عطية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
وقد علمت أن هذه الآيات الثلاث إلى قوله ﴿ غفوراً رحيماً ﴾ [الفرقان: 68 70] قيل نزلت بالمدينة.
والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى ما ذكر من الكبائر على تأويله بالمذكور، كما تقدم في نظيره آنفاً.
والمتبادر من الإشارة أنها إلى المجموع، أي من يفعل مجموع الثلاث.
ويُعلم أن جزاء من يفعل بعضها ويترك بعضاً عدا الإشراك دون جزاء من يفعل جميعها، وأنَّ البعض أيضاً مراتب، وليس المراد من يفعل كل واحدة مما ذكر يلقَ آثاماً لأن لُقِيَّ الآثام بُيّن هنا بمضاعفة العذاب والخلودِ فيه.
وقد نهضتْ أدلةٌ متظافرة من الكتاب والسنة على أن ما عدا الكفر من المعاصي لا يوجب الخلود، مما يقتضي تأويلَ ظواهر الآية.
ويجوز أن تكون مضاعفة العذاب مستعملة في معنى قوته، أي يعذب عذاباً شديداً وليست لتكرير عذاب مقدر.
والآثام بفتح الهمزة جزاء الإثم على زنة الوَبال والنَكال، وهو أشد من الإثم، أي يجازى على ذلك سُوءاً لأنها آثام.
وجملة: ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ بدلُ اشتمال من ﴿ يلق أثاماً ﴾ ، وإبدال الفعل من الفعل إبدال جملة فإن كان في الجملة فعل قابلٌ للإعراب ظهر إعراب المحل في ذلك الفعل لأنه عِماد الجملة.
وجُعل الجزاء مضاعفة العذاب والخلود.
فأما مضاعفة العذاب فهي أن يعذّب على كل جُرم مما ذكر عذاباً مناسباً ولا يكتفَى بالعذاب الأكبر عن أكبر الجرائم وهو الشرك، تنبيهاً على أن الشرك لا ينجي صاحبه من تبعة ما يقترفه من الجرائم والمفاسد، وذلك لأن دعوة الإسلام للناس جاءت بالإقلاع عن الشرك وعن المفاسد كلها.
وهذا معنى قول من قال من العلماء بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة يَعنون خطاب المؤاخذة على ما نُهوا عن ارتكابه، وليس المراد أنهم يُطلب منهم العمل إذ لا تقبل منهم الصالحات بدون الإيمان، ولذلك رام بعض أهل الأصول تخصيص الخلاف بخطاب التكليف لا الاتلاف والجنايات وخطاب الوضع كله.
وأما الخلود في العذاب فقد اقتضاه الإشراك.
وقوله: ﴿ مهاناً ﴾ حال قصد منها تشنيع حالهم في الآخرة، أي يعذّب ويُهان إهانة زائدة على إهانة التعذيب بأن يشتم ويحقر.
وقرأ الجمهور: ﴿ يضاعفْ ﴾ بألف بعد الضاد وبجزم الفعل.
وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقُوب ﴿ يضعَّف ﴾ بتشديد العين وبالجزم.
وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ يضاعفُ ﴾ بألف بعد الضاد وبرفع الفعل على أنه استئناف بياني.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ يَعْنِي لا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا، ولا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في العِبادَةِ وسِيطًا.
﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي حَرَّمَ قَتْلَها، وهي نَفْسُ المُؤْمِنِ والمَعاهِدِ.
﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ والحُقُّ المُسْتَباحُ بِهِ قَتْلُها، ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ والزِّنى إتْيانُ النِّساءِ المُحَرَّماتِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، واللِّواطُ زِنًى في أحَدِ القَوْلَيْنِ وهو في القَوْلِ الثّانِي مُوجِبٌ لِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وفي إتْيانِ البَهائِمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كالزِّنى في الفَرْقِ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ قَتْلَ البَهِيمَةِ ومَن أتاها لِلْخَبَرِ المَأْثُورِ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ ثَلاثٍ مِنَ الكَبائِرِ: الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنى، رَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ (أوْ قالَ غَيْرِي): أيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟
قالَ: (أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ ؟
قالَ: (أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ) قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ.
» ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ أوْ بَعْضَها ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: : أحَدُها: أنَّ الأثامَ العُقُوبَةُ قالَهُ بَلْعامُ بْنُ قَيْسٍ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ الثّانِي: أنَّ الأثامَ اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَقِيتُ المَهالِكَ في حَرْبِنا ∗∗∗ وبَعْدَ المَهالِكِ تَلْقى أثامًا الثّالِثُ: الجَزاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنَّ مَقامَنا نَدْعُو عَلَيْكم ∗∗∗ بِأبْطَحَ ذِي المَجازِ لَهُ أثامُ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُضاعَفَةَ عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها الجَمْعُ بَيْنَ عُقُوباتِ الكَبائِرِ المُجْتَمِعَةِ.
الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدامَةُ العَذابِ بِالخُلُودِ.
﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُدُ في العَذابِ بِالشِّرْكِ.
﴿ مُهانًا ﴾ بِالعُقُوبَةِ.
﴿ إلا مَن تابَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الزِّنى.
﴿ وَآمَنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ وَعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ السَّيِّئاتِ.
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في الدُّنْيا يُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِالزِّنى إحْصانًا وبِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، وبِطاعَتِهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ فِيمَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُبَدِّلُ اللَّهُ عِقابَ سَيِّئاتِهِ إذا تابَ مِنها بِثَوابِ حَسَناتِهِ إذا انْتَقَلَ إلَيْها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما تَقَدَّمَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
﴿ رَحِيمًا ﴾ لِما بَعْدَها.
وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ وحْشِيًّا وهو عَبْدُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوانَ كَتَبَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ وقَتْلِ حَمْزَةَ إلى النَّبِيِّ : هَلْ مِن تَوْبَةٍ؟
فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ بِمَكَّةَ إياسِي مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ وإنَّ وحْشِيًّا قَدْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ، وقَدْ زَنى وأشْرَكَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ أيْ مِنَ الزِّنى وآمَنَ بَعْدَ الشِّرْكِ وعَمِلَ صالِحًا بَعْدَ السَّيِّئاتِ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلَيْهِ فَقالَ وحْشِيٌّ: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ ولَعَلِّي لا أبْقى بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتّى أعْمَلَ صالِحًا، فَكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ : هَلْ مِن شَيْءٍ أوْسَعَ مِن هَذا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ.
فَأرْسَلَ وحْشِيٌّ إلى النَّبِيِّ : إنّى لَأخافُ أنْ لا أكُونَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ الآيَةَ.
فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ إلى النَّبِيِّ فَأسْلَمَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟
قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك قلت: ثم أي؟
قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟
قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾ .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر...
﴾ ونزلت ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ [ الزمر: 53] .
وأخرج البخاري وابن المنذر من طريق القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟
فقرأت عليه ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ فقال سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليَّ فقال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء.
وأخرج ابن المبارك عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم جبلاً يدعى: صعوداً.
يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه، وإن في جهنم قصراً يقال له: هوى.
يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله.
قال تعالى ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ [ طه: 81] وأن في جهنم وادياً يدعى: أثاماً.
فيه حيات وعقارب في فقار احداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة، وإن في جهنم وادياً يدعى: غياً.
يسيل قيحاً ودماً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟
قال: الصلوات لمواقيتهن.
قلت: ثم أي؟
قال: بر الوالدين قلت: ثم أي؟
قال: ثم الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني.
وسألته أي الذنب أعظم عند الله؟
قال: الشرك بالله قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك» فما لبثنا إلا يسيراً حتى أنزل الله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عون بن عبد الله قال: سألت الأسود بن يزيد هل كان ابن مسعود يفضل عملاً على عمل؟
قال: نعم.
سألت ابن مسعود قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت «يا رسول الله أي الأعمال أحبها إلى الله وأقربها من الله؟
قال: الصلاة لوقتها قلت: ثم ماذا على اثر ذلك؟
قال: ثم بر الوالدين قلت: ثم ماذا على أثر ذلك؟
قال: الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني قلت: فأي الأعمال أبغضها إلى الله وأبعدها من الله؟
قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك أن يأكل معك، وإن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر..
﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل «إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتذر الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغدو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر في قوله: ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: واد في جهنم.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ﴿ أثام ﴾ أودية في جهنم فيها الزناة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: نكالاً.
وكنا نحدث أنه واد في جهنم، وذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة، وآخره ندامة.
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم وادياً يدعى: أثاماً.
فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة.
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يلق أثاماً ﴾ ما الأثام؟
قال: الجزاء قال فيه عامر بن الطفيل: وروّينا الأسنة من صداء ** ولاقت حمير منا أثاما وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ «يضاعف» بالرفع «له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه» بنصب الياء ورفع اللام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ويخلد فيه ﴾ يعني في العذاب ﴿ مهاناً ﴾ يعني يهان فيه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ اشتد ذلك على المسلمين فقالوا: ما منا أحد إلا أشرك، وقتل، وزنى، فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا...
﴾ [ الزمر: 53] .
يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت بعده ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فأبدلهم الله بالكفر الإِسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالانكار المعرفة، وبالجهالة العلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون: انا لنعرف الإِسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الأوثان، وقتلنا أصحاب محمد، وشربنا الخمور، ونكحنا المشركات؟!
فأنزل الله فيهم ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر..
﴾ الآية.
ثم أنزلت توبتهم ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فأبدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين، ونكاح المشركات نكاح المؤمنات، وبعبادة الأوثان عبادة الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ .
قال: هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا، وقتلوا وزنوا.
فقالوا: لن يغفر الله لنا.
فأنزل الله: ﴿ إلا من تاب ﴾ .
قال: كانت التوبة والإِيمان والعمل الصالح، وكان الشرك والقتل والزنا.
كانت ثلاث مكان ثلاث.
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنين ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ ثم نزلت ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه بأنا ﴿ فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [ الفتح: 1] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: لما نزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كنا أشركنا في الجاهلية، وقتلنا، فنزلت ﴿ إلا من تاب ﴾ .
وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ ثم استثنى ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت، فاذا امرأة عند بابي فقالت: جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة؟
قلت: وما هو؟
قالت: زنيت وولد لي وقتلته قلت: لا..
ولا كرامة.
فقامت وهي تقول: واحسرتاه..
!
أيخلق هذا الجسد للنار؟
فلما صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال: ما قلت لها؟
قلت لا..
ولا كرامة قال: بئس ما قلت.
أما كنت تقرأ هذه الآية!
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا من تاب ﴾ الآية.
قال أبو هريرة: فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت: إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر.
فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت: ابشري إني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي، وما قلت لك فقال: بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية!
وقرأتها عليها فخرجت ساجدة وقالت: أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجاً، أشهد أن هذه الجارية لجارية معها وابن لها حران لوجه الله، وإني قد تبت مما عملت» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: هم المؤمنون؛ كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه.
﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: فيما بينه وبين ربه ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: إنما التبديل طاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير تعمله بعد الشر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيء العمل الصالح، وبالشرك اخلاصاً، وبالفجور عفافاً، ونحو ذلك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: الإِيمان بعد الشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: إذا تابوا جعل الله ما عملوا من سيئاتهم حسنات.
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: في الآخرة وقال الحسن: في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي قال: إن المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدِّلَتْ حسنات فعند ذلك يقول ﴿ هاؤم اقرأوا كتابيه ﴾ [ الحاقة: 19] .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وأخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر، وهو مُشْفِقٌ من الكبار أن تجيء فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: حتى يتمنى العبد أن سيئاته كانت أكثر مما هي.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قيل له: إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك؟
قال: يتأوّلون هذه الآية ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب.
ثم تلا هذه الآية ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: «جاء شيخ كبير فقال: يا رسول الله رجل غدر وفجر فلم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، ولو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم.
فهل له من توبة؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت..؟
قال: نعم.
قال: فإن الله غافر لك، ومبدل سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي...
وفجراتي..
قال: وغدراتك وفجراتك» .
وأخرج الطبراني عن سلمة بن كهيل قال: «جاء شاب فقال: يا رسول الله أرأيت من لم يدع سيئة إلا عملها، ولا خطيئة إلا ركبها، ولا أشرف له سهم فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه، ومن لو قسمت خطاياه على أهل المدينة لغمرتهم؟
فقال النبي: صلى الله عليه وسلم أأسلمت...؟
قال: أما أنا فاشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قال: اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي..
وفجراتي..
قال: وغدراتك وفجراتك ثلاثاً» فولى الشاب وهو يقول: الله أكبر.
وأخرج البغوي وابن قانع والطبراني عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها؟
فذكر نحوه.
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: التبديل يوم القيامة إذا وقف العبد بين يدي الله والكتاب بين يديه ينظر في السيئات والحسنات فيقول: قد غفرت لك ويسجد بين يديه فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول الخلائق: طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل سيئة قط.
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: اعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في قوله: ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: يجعل مكان السيئات الحسنات قال: فرأيت مكحولاً غضب حتى جعل يرتعد.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ (١) - فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟
فنزلت هذه الآيات [[أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، رقم: 4810، فتح الباري 8/ 549.
ومسلم 1/ 113، كتاب الإيمان، رقم 122.
وابن جرير 19/ 41، وابن أبي حاتم 8/ 2728.
وأخرجه الثعلبي 8/ 103 أ.
وأخرجه الواحدي، بسنده في "أسباب النزول" 335، وذكر تخريج مسلم له فقط.
وأخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم 4764، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ فسألته فقال: لما نزلت قال أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش.
فأنزل الله: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى قوله: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فتح الباري 8/ 494.
قال ابن حجر: ابن أبزى.
بموحدة وزاي مقصورة، واسمه: عبد الرحمن، وهو صحابي صغير.
وذكر هذا الخبر الواحدى في "الوسيط" 3/ 346.
ذكر الواحدي في "أسباب == النزول" 334، ثلاثة أسباب لنزول هذه الآية؛ منها هذا، والثاني: حديث ابن مسعود، أي الذنب أعظم ..
الخ.
والثالث: أنها نزلت في وحشي، قاتل حمزة ما، وذكر هذه الأقوال الثلاثة: ابن الجوزي 6/ 103، ثم قال: وهذا وحشي قاتل حمزة، وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط.
فائدة في بيان ما ورد عن ابن عباس - ما- حول توبة القاتل المتعمد.
قال ابن حجر: وحاصل ما في هذه الروايات، أن ابن عباس - ما- كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرةُ المؤمن القتل متعمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من القول: إنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس - ما- بأن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً لا توبة له مشهور عنه.
ومثل هذا أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2731، عن عمر بن عبد العزيز: كل شيء في القرآن خلود، فإنه لا توبة له.
ثم ذكر ابن حجر قول جمهور السلف، وأهل السنة، في تصحيح توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أي: إن شاء الله أن يجازيه، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ \[النساء 48، 116\] ومن أدلتهم حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، فقال له العالِم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟
وإذا ثبت ذلك لمن قبلُ من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى؛ لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم.
"فتح الباري" 8/ 496.
وجعل ابن كثير 6/ 127، آية النساء مطلقة، محمولة على من لم يتب، وآية الفرقان مقيدة بالتوبة.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن تمسك ابن عباس ما بظاهر الآية لما اشتهر في زمنه من الفتن، وما يحدث فيها من سفك الدماء، ويشهد لهذا قول سعيد بن جبير: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه على ابن عباس - ما- فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء.
أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4763، الفتح 8/ 493.
قال ابن جرير 9/ 69، (تح: محمود شاكر): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، =]].
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقوله: ﴿ وَمَن يَقعَل ذَلِكَ ﴾ قال مقاتل: هذه الخصال جميعًا [["تفسير مقاتل" ص 47 أ.
وبه قال ابن جزي 488، وأبو حيان 6/ 472، ثم قال: فيكون التضعيف مرتباً على مجموع هذه المعاصي، ولا يلزم ذلك التضعيف على كل واحد منها؛ ولا شك أن عذاب الكفار يتفاوت بحسب جرائمهم.
وجعل ابن عاشور 19/ 74، ذلك هو المتبادر من الآية، واستدل على صحته بتضعيف العذاب الذي لا يكون إلا على مجموع هذه الأفعال.
وفي "تنوير المقباس" ص 305: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ استحلالاً.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2730، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ من هذه الآيات الثلاث.
فظاهر من كلام سعيد بن جبير تعليق الأثام على من فعل هذه المنكرات، أو بعضها، خلافاً لما ذكره الواحدي عن مقاتل، وذهب إلى قول ابن جبير الماوردي 4/ 157، والبغوي 6/ 96، ولم ينسباه، ويدل عليه ما ورد من الوعيد على من فعل بعض هذه المعاصي استقلالاً، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا ﴾ \[النساء 93\].
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ .
فالجمع بين هذه المعاصي الثلاث في الآية، وفي حديث ابن مسعود - - المتقدم يدل على عظم هذه المعاصي الثلاث وشناعتها، فتحريم القتل فيه حفظ للنفس، وتحريم الزنا فيه حفقاللآعراض والأنساب، وينشأ عن تساهل الناس في == القتل والزنا فساد كبير ظاهر.
والله أعلم.
وقد جعل الطوسي 7/ 508، عودَ الضمير إلى كل واحد من المعاصي المذكورة قولَ أهل الوعيد، وأما أهل الإرجاء فيجعلونه راجعاً إلى الجميع، ويجوز أن يكون راجعاً إلى الكفر وحده.
ا.
هـ ولا ينافي رجوع الضمير لكل واحدة من هذه المعاصي قبول التوبة.
والله أعلم.]].
﴿ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ قال يونس وأبو عبيدة: يلق عقوبة (٢) جزى الله ابنَ عروةَ حيثُ أمسى ...
عَقُوقًا والعُقوق له أثام (٣) أي: عقوبة مجازاة العقوق (٤) وقال أبو عمرو الشيباني: يقال: لقي فلان آثام ذلك، أي: جزاء ذلك (٥) (٦) معناه: هل يجزيني الله جزاء إثمي بأن ذكرت هذه المرأة في غنائي (٧) وقال أبو إسحاق: تأويل الأثام: المجازاة، قال: وسيبويه، والخليل، يذهبان إلى أن معناه: يلق جزاء الأثام [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 76.
وذكره في "تهذيب اللغة" 15/ 160 (أثم).
قال سيبويه "الكتاب" 3/ 87: وسألته [يعني الخليل] عن قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لُقيُّ الأثام.]].
واختار أبو علي، هذا القول، وجعله من باب حذف المضاف؛ قال: ومثله مِن حذف الجزاء الذي هو مضاف، قوله تعالى: ﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ أي: من جزاء ما كسبوا (٨) ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ هذا قول أهل اللغة، في معنى الأثام؛ وهو قول ابن عباس، لما سأله نافع بن الأزرق، عن الأثام، قال: الجزاء، وأنشد لعامر بن الطفيل: وروَّينَا الأسنَّة من صُداءٍ ...
ولاقتْ حمير منا أثاما (٩) (١٠) وأما المفسرون، فإنهم يقولون: أثام: واد في جهنم من دم وقيح.
وهو قول مجاهد، ومقاتل (١١) وقال شفي بن ماتع (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (١٦) (١٧) (١) أخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم 4761، عن عبد الله بن مسعود - - قال: سالت رسول الله - - أي الذنب عند الله أكبر؟
قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك".
قلت: ثم أي؟
قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك".
قلت: ثم أي؟
قال: "أن تزاني بحليلة جارك".
قال: ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ "فتح الباري" 8/ 492.
(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 81، وذكر قول يونس، الأزهري "تهذيب اللغة" 15/ 160.
وقال به ابن قتيبة "غريب القرآن" 315.
والغزنوي "وضح البرهان" 2/ 162.
(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 81 ونسب البيت لبلعاء بن قيس الكناني.
وأنشده ابن قتيبة، في الغريب 315، ولم ينسبه.
وذكره ابن جرير 19/ 40، منسوبًا لبلعاء.
وذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" 15/ 160 (أثم)، ولم ينسبه، ولم يذكر أبا عبيدة، ولا إنشاده البيت.
وذكره أبو علي، في "الحجة" 5/ 351، من إنشاد أبي عبيدة، لكنه نسبه لمسافع العبسي، وفي نسخة أخرى: مسافع الليثي، وهي موافقة لما عند الثعلبي 8/ 103 ب.
قال أبو علي: وابن عروة: رجل من بني ليث كان دل عليهم ملكاً من غسان فأغار عليهم.
(٤) "تهذيب اللغة" 15/ 161 (أثم)، بنصه.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 76.
وفيه: إثام، بكسر الهمزة.
وذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" 15/ 160 (أثم)، وأبو على، في "الحجة" 5/ 352، منسوبًا عندهم لأبي عمرو الشيباني.
(٦) لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، عند هذه الآية، وإنما ذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" 15/ 161 (أثم)، من إنشاد الفراء، ولم ينسبه.
وقال المحقق: في نسبة البيت خلاف، والمرجح أنه لنصيب بن رياح الأسود الحكمي.
يقال: يوم النفر وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من مني، وأنشد البيت للدلالة على ذلك ابن منظور، "لسان العرب" 5/ 225 (نفر)، ونسبه لنُصَيب بن الأسود.
(٧) لم أجده في معاني القرآن، عند كلامه عن هذه الآية.
وقد ذكره بنصه، الأزهري، في "تهذيب اللغة" 15/ 160.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 351، بمعناه.
(٩) لم أجده في "غريب القرآن في شعر العرب"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرق.
وقد أنشده ابن الأنباري، "الدر المنثور" 6/ 278.
الأسنة: جمع سنان، وهو: == الرمح.
"تهذيب اللغة" 12/ 302 (سنن).
وصداء: حي من اليمن.
"تهذيب اللغة" 12/ 219 (صدي).
وحمير: اسم، وقيل هو أبو ملوك اليمن، وإليه تنتهي القبيلة، ومدينة ظفار كانت لحمير.
"تهذيب اللغة" 12/ 60 (حمر).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2730.
وذكر ابن كثير 6/ 126، عنه بدون إسناد.
ثم قال ابن كثير: وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلاً منه، وهو قوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .
(١١) "تفسير مجاهد" 2/ 456.
وأخرجه عنه ابن جرير 19/ 44.
وتفسير مقاتل 47 أ.
وأخرجه ابن جرير 19/ 44 عن عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وقتادة.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2730، عن عبد الله بن عن مجاهد، وسعيد بن جبير، فبي إحدى الروايات، وعكرمة مثل ذلك.
ثم أخرجه بسنده عن قتادة.
وأما الهواري 3/ 218، فقال: كنا نحدث أنه راد في جهنم.
وذكر فيه قولًا آخر، وهو: نكالًا.
(١٢) شفي، بالتصغير، ابن ماتع الأصبحي، من التابعين، ثقة، أرسل حديثًا كثيرًا، مات في خلافة هشام بن عبد الملك، سنة 105 هـ."جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ص 238، "تقريب التهذيب" ص 439.
(١٣) الفقار: خرز الظهر.
تهذيب اللغة 9/ 114 (فقر).
(١٤) في (ج): (منه)، وفي "الدر المنثور" 6/ 276: منهن.
(١٥) أخرجه ابن المبارك في "الزهد"، كما في "الدر المنثور" 6/ 276.
وقد بحثت عنه في كتاب الزهد، لابن المبارك، فلم أجده.
وقوله: الموكفة الوكف: الثقل والشدة.
يقال: شاه وكوف، أي: غزيرة اللبن، وكذلك: متحة وكوف ونافة وكوف، أي: غزيرة.
"تهذيب اللغة" 1/ 393، و"اللسان" 9/ 363 (وكف).
(١٦) أخرجه ابن جرير 19/ 44، بلفظ: الأثام: واد في جهنم.
(١٧) أخرجه ابن جرير 19/ 44.
مرفوعًا للنبي - -.
وأخرجه 19/ 45، موقوفًا على أبي أمامة، بنحو سياقه.
وأخرجه مرفوعًا الطبراني، "المعجم الكبير" 8/ 175، رقم: 7731، وكذا الثعلبي 8/ 103 ب، كلهم من طريق محمد بن زياد الكلبي، عن شرقي بن القطامي، عن لقمان بن عامر.
قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ضعفا، قد وثقهم ابن حبان، وقال: يخطئون.
"مجمع الزوائد" 10/ 389.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي عقاباً، وقيل الأثام الإثم فمعناه يلق جزاء أثام؛ وقيل الأثام: واد في جهنم، والإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكر من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.
﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الباقون بفتح الياء وكسر التاء.
﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.
الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.
﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.
وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.
النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه لم يترك طاعة الله طرفة عين.
ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.
وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.
يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.
وسمى المائين الكثيرين بحرين.
والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.
سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله ؟
والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.
وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.
الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.
ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.
يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.
﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.
ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.
يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.
والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.
والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.
وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".
إذا نبذها وراء ظهره.
والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.
قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.
ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.
فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.
وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.
ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.
وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.
ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.
ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".
ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.
وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.
قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.
والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله .
وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.
وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".
قال ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع ﴾ .
وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.
وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.
والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.
وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.
قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".
ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.
ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.
ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.
والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.
ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.
ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.
فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.
شبهت بالقصور العالية.
واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.
ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ في أحد تفاسيره.
وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.
وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.
ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.
أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.
قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.
وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.
والشكور مصدر كالكفور.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.
وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.
وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.
ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.
وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.
وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.
وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.
والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.
وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.
ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.
والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.
عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.
وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.
ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.
وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.
وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.
وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.
"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.
قلت: ثم أي؟
قال أن تزاني حليلة جارك" .
فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.
والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.
وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.
ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.
هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.
وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.
وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.
وقال الزجاج.
السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .
وقال القاضي والقفال: إنه يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.
ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.
والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.
فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.
وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.
وعن مجاهد: أعياد المشركين.
وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله وعلى رسوله.
والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.
وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.
وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.
ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.
وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.
وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.
قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.
ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.
عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.
وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.
وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.
والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.
والثالث حصول الرضا.
وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.
وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.
ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.
قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله .
وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.
وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.
وقيل: الغرفة اسم للجنة.
وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.
ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.
ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.
وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟
والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.
قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.
﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.
والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.
وقيل: يكون العقاب لزاماً.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.
ويروى أن موسى سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.
فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.
وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.
فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.
والرزخ هو القلب.
وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.
وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.
ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.
﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.
﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.
﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.
وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.
وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.
﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.
﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.
وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.
ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.
وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.
وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.
وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.
وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.
وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.
وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...
﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .
عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.
ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.
ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.
وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.
وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.
وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.
والغرام: الهلاك.
وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.
وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.
وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .
قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.
وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.
وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.
وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.
والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.
وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ولكن بين ذلك.
وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.
ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.
﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.
ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.
وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.
قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.
وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.
وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.
وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.
وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.
﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.
قال: والقوام: الوسط.
ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.
قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.
وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...
﴾ الآية [الأنفال: 2].
وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟
قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.
والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.
ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...
﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.
وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.
والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟
قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].
والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.
وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.
وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.
وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.
﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.
وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...
﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.
قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.
وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.
وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.
وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ .
أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.
﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.
وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.
وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.
وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.
والذين لا يدعون مع الله سبحانه معبودًا آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بما أذن الله به من قتل القاتل أو المرتد أو الزاني المحصن، ولا يزنون، ومن يفعل هذه الكبائر يَلْقَ يوم القيامة عقوبةَ ما ارتكبه من الإثم.
<div class="verse-tafsir" id="91.6ADdz"