الآية ٤٦ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤٦ من سورة العنكبوت

۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال قتادة وغير واحد : هذه الآية منسوخة بآية السيف ، ولم يبق معهم مجادلة ، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف .

وقال آخرون : بل هي باقية أو محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين ، فيجادل بالتي هي أحسن ، ليكون أنجع فيه ، كما قال تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) [ النحل : 125 ] ، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) [ طه : 44 ] .

وهذا القول اختاره ابن جرير ، وحكاه عن ابن زيد .

وقوله : ( إلا الذين ظلموا منهم ) أي : حادوا عن وجه الحق ، وعموا عن واضح المحجة ، وعاندوا وكابروا ، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ، ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم ، قال الله تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) [ الحديد : 25 ] .

قال جابر : أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف .

قال مجاهد : ( إلا الذين ظلموا منهم ) يعني : أهل الحرب ، ومن امتنع منهم عن أداء الجزية .

وقوله : ( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ) ، يعني : إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه ، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا ، ولا على تصديقه ، فلعله أن يكون باطلا ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا .

وقال البخاري ، رحمه الله : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ، ونحن له مسلمون " .

وهذا الحديث تفرد به البخاري .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن عمر ، أخبرنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره ، أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل من اليهود ، فقال : يا محمد ، هل تتكلم هذه الجنازة ؟

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله أعلم " .

قال اليهودي : أنا أشهد أنها تتكلم .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله ورسله وكتبه ، فإن كان حقا لم تكذبوهم ، وإن كان باطلا لم تصدقوهم " قلت : وأبو نملة هذا هو : عمارة .

وقيل : عمار .

وقيل : عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري ، رضي الله عنه .

ثم ليعلم أن أكثر ما يحدثون به غالبه كذب وبهتان ; لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل ، وما أقل الصدق فيه ، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا .

قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان ، عن سليمان بن عامر ، عن عمارة بن عمير ، عن حريث بن ظهير ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية ، تدعوه إلى دينه كتالية المال .

وقال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد ، أخبرنا ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أحدث تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله ، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ، ليشتروا به ثمنا قليلا ؟

ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟

لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم .

وقال البخاري : وقال أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن : أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة - وذكر كعب الأحبار - فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب .

قلت : معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد ; لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن ، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة ; لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة ، ومع ذلك وقرب العهد وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة ، لا يعلمها إلا الله ، ومن منحه الله علما بذلك ، كل بحسبه ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) يقول تعالى ذكره: (وَلا تُجَادِلُوا) أيها المؤمنون بالله وبرسوله اليهود والنصارى، وهم (أَهْلَ الكِتابِ إلا بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) يقول: إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُججه.

وقوله: (إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: إلا الذين أبوا أن يقرّوا لكم بإعطاء الجزية، ونصبوا دون ذلك لكم حربا، فإنهم ظلمة، فأولئك جادلوهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد في قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) قال: من قاتل ولم يُعط الجزية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، بنحوه.

إلا أنه قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: إن قالوا شرّا؛ فقولوا خيرا، ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فانتصروا منهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) قال: قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير، أو آذوا محمدا صلى الله عليه وسلم، قال: هم أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) قال: أهل الحرب، من لا عهد له جادله بالسيف.

وقال آخرون: معنى ذلك: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتابِ) الذين قد آمنوا به، واتبعوا رسوله فيما أخبروكم عنه مما في كتبهم ( إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فأقاموا على كفرهم، وقالوا: هذه الآية محكمة، وليست بمنسوخة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: ليست بمنسوخة، لا ينبغي أن تجادل من آمن منهم، لعلهم يحسنون شيئا في كتاب الله، لا تعلمه أنت فلا تجادله، ولا ينبغي أن تجادل إلا الذين ظلموا، المقيمَ منهم على دينه.

فقال: هو الذي يُجادَلُ، ويقال له بالسيف (1) قال: وهؤلاء يهود.

قال: ولم يكن بدار الهجرة من النصارى أحد، إنما كانوا يهودا هم الذي كلَّموا وحالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدرت النضير يوم أُحد، وغدرت قُريظة يوم الأحزاب.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية قبل أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقتال، وقالوا: هي منسوخة، نسخها قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ثم نسخ بعد ذلك، فأمر بقتالهم في سورة براءة، ولا مجادلة أشدّ من السيف، أن يقاتلوا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقرّوا بالخراج.

وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: عني بقوله: (إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) : إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب.

فإن قال قائل: أو غير ظالم من أهل الكتاب إلا من لم يؤدّ الجزية؟

قيل: إن جميعهم، وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ظلمة، فإنه لم يعن بقوله: (إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .

ظلم أنفسهم.

وإنما عنى به: إلا الذين ظلموا منهم أهل الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك جادلوهم بالقتال.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب، بغير الذي هو أحسن بقوله: (إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمن؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ، لأنه إذا جاء بغير الحق، فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك، تبين أن ألا معنى لقول من قال: عنى بقوله: ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ ) أهل الإيمان منهم، وكذلك لا معنى لقول من قال: نـزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال، وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل.

وقد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل.

وقوله: ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن: إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم، وأخبروكم عنها بما يمكن ويجوز أن يكونوا فيه صادقين، وأن يكونوا فيه كاذبين، ولم تعلموا أمرهم وحالهم في ذلك، فقولوا لهم ( آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ ) مما في التوراة والإنجيل، ( وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ) يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) يقول: ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر الرواية بذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عليّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ وَلا تُكَذّبُوُهْم، (وَقُولُوا آمَنَّا بالَّذِي أُنـزلَ إلَيْنا وأُنـزلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ وَنحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)".

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: كان ناس من اليهود يحدثون ناسا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا تُصَدِّقُوهُمْ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، (وَقُولُوا آمَنَّا بالَّذِي أُنـزلَ إلَيْنا وأُنـزلَ إلَيْكُمْ)".

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحقّ أو تصدّقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال (2) .

وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ).

قال: قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير، أو آذوا محمدا، ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ ) لمن لم يقل هذا من أهل الكتاب.

--------------------- الهوامش : الهوامش: (1) يقال له بالسيف: أي يرفع عليه السيف.

قال في (اللسان: قول): والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مشى.

وقال الشاعر وقـالت لـه العينـان سـمعًا وطاعـةً أي أومأت.

وقال بثوب: أي رفعه.

وكل ذلك على المجاز والاتساع.

وفي الأصل: و"يقال له: السبت" تحريف من الناسخ.

(2) تالية اسم فاعل من تلاه يتلوه: إذا تبعه.

يريد: داعية تدعوه إلى الاستمساك بدينه.

وتالية المال: لعل المراد به: التابعة التي تتبع أمهاتها من صغار الإبل ونحوها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمونفيه مسألتان :الأولى : اختلف العلماء في قوله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب فقال مجاهد : هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه على حججه وآياته ; رجاء إجابتهم إلى الإيمان ، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة .

وقوله على هذا : إلا الذين ظلموا منهم معناه : ظلموكم ، وإلا فكلهم ظلمة [ ص: 323 ] على الإطلاق .

وقيل : المعنى : لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سلام ومن آمن معه .

إلا بالتي هي أحسن أي بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك .

وقوله على هذا التأويل : إلا الذين ظلموا يريد به من بقي على كفره منهم ، كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم .

والآية على هذا أيضا محكمة .

وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال ; قوله تعالى : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قاله قتادة إلا الذين ظلموا أي جعلوا لله ولدا ، وقالوا : يد الله مغلولة و إن الله فقير فهؤلاء المشركون الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا الجزية فانتصروا منهم .

قال النحاس وغيره : من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك وقول مجاهد حسن ; لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها : إنها منسوخة ، إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول .

واختار هذا القول ابن العربي .قال مجاهد وسعيد بن جبير : وقوله : إلا الذين ظلموا منهم معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية .الثانية : قوله تعالى : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم روى البخاري عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم .

وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدقوا بباطل .

وفي البخاري : عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع.{ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } أي: ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم، وعلى الإيمان برسولكم ورسولهم، وعلى أن الإله واحد، ولا تكن مناظرتكم إياهم [على وجه] يحصل به القدح في شيء من الكتب الإلهية، أو بأحد من الرسل، كما يفعله الجاهل عند مناظرة الخصوم، يقدح بجميع ما معهم، من حق وباطل، فهذا ظلم، وخروج عن الواجب وآداب النظر، فإن الواجب، أن يرد ما مع الخصم من الباطل، ويقبل ما معه من الحق، ولا يرد الحق لأجل قوله، ولو كان كافرا.

وأيضا، فإن بناء مناظرة أهل الكتاب، على هذا الطريق، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن، وبالرسول الذي جاء به، فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية التي اتفقت عليها الأنبياء والكتب، وتقررت عند المتناظرين، وثبتت حقائقها عندهما، وكانت الكتب السابقة والمرسلون مع القرآن ومحمد صلى اللّه عليه وسلم قد بينتها ودلت عليها وأخبرت بها، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها، والرسل كلهم، وهذا من خصائص الإسلام.فأما أن يقال: نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني، دون الكتاب الفلاني وهو الحق الذي صدق ما قبله، فهذا ظلم وجور، وهو يرجع إلى قوله بالتكذيب، لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها، المصدق لما بين يديه من التوراة، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن.وأيضا، فإن كل طريق تثبت به نبوة أي: نبي كان، فإن مثلها وأعظم منها، دالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن مثلها أو أعظم منها، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره، فإذا ثبت بطلانها في غيره، فثبوت بطلانها في حقه صلى اللّه عليه وسلم أظهر وأظهر.وقوله: { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون مستسلمون لأمره.

ومن آمن به، واتخذه إلها، وآمن بجميع كتبه ورسله، وانقاد للّه واتبع رسله، فهو السعيد، ومن انحرف عن هذا الطريق، فهو الشقي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب ) لا تخاصموهم ( إلا بالتي هي أحسن ) أي : بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد من قبل الجزية منهم ( إلا الذين ظلموا منهم ) أي : أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب ، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ، ومجاز الآية : إلا الذين ظلموكم ، لأن جميعهم ظالم بالكفر .

وقال سعيد بن جبير : هم أهل الحرب ومن لا عهد له .

قال قتادة ومقاتل : صارت منسوخة بقوله : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " ( التوبة - 29 ( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ) يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه ، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم .

( وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن بشار ، أخبرنا عثمان بن عمر ، أخبرنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم " .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أخبرنا عبد الرازق ، أخبرنا معمر عن الزهري ، أخبرنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره : أنه بينا هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة ، فقال : يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله أعلم " ، فقال اليهودي : إنها تتكلم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا لم تكذبوه " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي» أي: المجادلة التي «هي أحسن» كالدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه «إلا الذين ظلموا منهم» بأن حاربوا وأبوا أن يقرّوا بالجزية فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية «وقولوا» لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم «آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم» ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك «وإلهنا وإلهكم واحدٌ ونحن مسلمون» مطيعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تجادلوا -أيها المؤمنون- اليهودَ والنصارى إلا بالأسلوب الحسن، والقول الجميل، والدعوة إلى الحق بأيسر طريق موصل لذلك، إلا الذين حادوا عن وجه الحق وعاندوا وكابروا وأعلنوا الحرب عليكم فجالدوهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقولوا: آمنا بالقرآن الذي أُنزل إلينا، وآمنا بالتوراة والإنجيل اللذَيْن أُنزلا إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا به، ونهانا عنه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله والمؤمنين .

أن يجادلوا أهل الكتاب بالتى هى أحسن ، ما داموا لم يرتكبوا ظلماً ، وأقام - سبحانه - الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده ، فقال : ( وَلاَ تجادلوا أَهْلَ .

.

.

إِلاَّ الظالمون ) .والمجادلة : المخاصمة .

يقال : جادل فلانٌ فلاناً : إذا خاصمه ، وحرص كل واحد منها على أن يغلب صاحبه بقوة حجته .

أى : ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - غيركم من أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، إلا بالطريقة التى هى أحسن ، بأن ترشدوهم إلى طريق الحق بأسلوب لين كريم ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ) وقوله : ( إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ) استثناء من الذين يجادلون بالتى هى أحسن .أى : ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتى هى أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم .

بأن أساءوا إليكم ، ولم يستعملوا الأدب فى جدالهم ، فقابلوهم بما يليق بحالهم من الإِغلاظ والتأديب .وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة ، دعوة المؤمنين إلى استعمال الطريقة الحسنى فى مجادلتهم لأهل الكتاب عموماً .

ما عدا الظالمين منهم فعلى المؤمنين أن يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم .وقيل : المرد بأهل الكتاب هنا : المؤمنون منهم ، والمرد بالذين ظلموا : من بقى على الكفر منهم .فيكون المعنى : ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - من آمن من أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن ، إلا لاذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من التأديب والإِغلاظ عليهم .ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر ، لأن الآية مسوقة لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقى على دينه من أهل الكتاب ، ولأن من ترك كفره منهم ودخل فى الإِسلام أصبح مسلما وليس من أهل الكتاب ، وما دام الأمر كذلك فليس المسلمون فى حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ ) يرجح أن المراد بأهل الكتاب هنا من بقى على دينه منهم .أى : جادلوهم بالطريقة الحسنى ما داموا لم يظلموكم ، وقولوا لهم على سبيل التعليم والإِرشاد ( آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا ) وهو القرآن ، وآمنا بالذى أنزل إليكم من التوراة والإِنجيل .قال الشوكانى : أى : آمنا بأنهما منزلان من عند الله ، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإِسلامية ، والبعثة المحمدية ولا يدخل فى ذلك ما حرفوه وبدلوه .( وإلهكم وَاحِدٌ ) لا شريك له لا فى ذاته ولا فى صفاته ( وَنَحْنُ ) جميعاً معاشر المؤمنين ( لَهُ مُسْلِمُونَ ) أى : مطيعون وعابدون له وحده ، ولا نتخذ أربابا من دونه - عز وجل - .قال القرطبى ما ملخصه : اختلف العلماء فى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب .

.

.

) فقال مجاهد : هى محكمة ، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتى هى أحسن ، على معنى الدعاء لهم إلى الله - عز وجل - ، والتنبيه على حججه وآياته .

.

وقوله : ( إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ) أى ظلموكم .

.وقيل : هذه الآية منسوخة بآية القتال وهى قوله :( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله .

.

) وقول مجاهد : حسن ، لأن أحكام الله - عز وجل - لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخير يقطع العذر ، أو حجة من معقول .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس ممن امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ قال بعض المفسرين المراد منه لا تجادلوهم بالسيف، وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا، أي إذا ظلموا زائداً على كفرهم، وفيه معنى ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه، ولهذا قال تعالى في حقهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ  ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولهم آذان لا يسمعون بها  ﴾ إلى غير ذلك.

وأما أهل الكتاب فجاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب الضلال آباؤهم، بخلاف المشرك، ثم على هذا فقوله: ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تبيين له حسن آخر، وهو أن يكون المراد إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة فإنهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظالمون، لأن الشرك ظلم عظيم، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم، ثم إنه تعالى بين ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله: ﴿ وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء، ثم بعد ذلك ذكر دليلاً قياسياً فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا قياس، ثم قال: ﴿ فالذين ءاتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ لوجود النص ومن هؤلاء كذلك، واختلف المفسرون فقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ أي من أهل مكة وقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً من أهل الكتاب، ومن هؤلاء الذين هم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب، فإن قوله: ﴿ هَؤُلاء ﴾ صرفه إلى أهل الكتاب أولى، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين هاهنا، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر، وهاهنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل، وأقرب إلى الأحسن من الجدال المأمور به، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ أي من أهل الكتاب وهو أقرب، لأن الذين آتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء، كما قال تعالى: ﴿ أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب  ﴾ وقال: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً  ﴾ وقال: ﴿ وَءاتَانِي الكتاب  ﴾ وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص، لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عدداً قليلاً، ويكون المراد بقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ غير المذكورين، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم، والوقت وقت جريان ذكرهم، فإذا قال هؤلاء يكون منصرفاً إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم، وإذا قال أولئك يكون منصرفاً إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن الوجوه، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان، فلا معنى لنزاعكم فكذلك هاهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا، ثم قال تعالى: ﴿ وما يجحد بآياتنا إِلاَّ الكافرون ﴾ تنفيراً لهم عما هم عليه، يعني أنكم آمنتم بكل شيء، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة، إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ بالخصلة التي هي أحسن: وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم.

والسورة بالأناة، كما قال: ﴿ ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ [المؤمنون: 96] ، ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق.

فاستعملوا معهم الغلظة، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقيل إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا: يد الله مغلولة.

وقيل: معناه ولا تجادلوا الداخلين في الذمّة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمّة ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف.

وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر ﴾ [التوبة: 29] ولا مجادلة أشد من السيف: وقوله: ﴿ وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾ من جنس المجادلة بالتي هي أحسن.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدّقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُعارَضَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ والغَضَبِ بِالكَظْمِ والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ، وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ إذْ لا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنهُ وجَوابُهُ أنَّهُ آخِرُ الدَّواءِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ ذُو العَهْدِ مِنهم.

﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ بِالإفْراطِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ أوْ بِإثْباتِ الوَلَدِ وقَوْلِهِمْ ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ أوْ بِنَبْذِ العَهْدِ ومَنعِ الجِزْيَةِ.

﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ هو مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنًّا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ فَإنْ قالُوا باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم وإنْ قالُوا حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهم» .

﴿ وَإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ.

﴿ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ وحْيًا مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وهو تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ الرَّسُولِ  مِن أهْلِ الكِتابِ.

﴿ وَمِن هَؤُلاءِ ﴾ ومِنَ العَرَبِ أوْ أهْلِ مَكَّةَ أوْ مِمَّنْ في عَهْدِ الرَّسُولِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ.

﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ﴾ مَعَ ظُهُورِها وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْها.

﴿ إلا الكافِرُونَ ﴾ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ فَإنَّ جَزْمَهم بِهِ يَمْنَعُهم عَنِ التَّأمُّلِ فِيما يُفِيدُ لَهم صِدْقُها لِكَوْنِها مُعْجِزَةً بِالإضافَةِ إلى الرَّسُولِ  كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ} بالخصلة التي هي

أحسن للثواب وهي مقابلة الخشونة باللين والغضب بالكظم كما قال ادفع بالتى هى أحسن (إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ) فأفرطوا في الاعتداء والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة وقيل إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا يد الله مغلولة أو معناه ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسيف والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي به تتحقق المجادلة وقوله {وقولوا آمنا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} من جنس المجادلة بالأحسن وقال عليه السلام ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان باطلاً لم تصدقوهم وإن كان حقاً لم تكذبوهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ: مِن نَصارى نَجْرانَ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُقابَلَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ، والغَضَبِ بِالكَظْمِ، والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ، والسَّوْرَةِ بِالأناةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ) [المُؤْمِنُونَ: 96، فُصِّلَتْ: 34]، ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ بِالإفْرادِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ، ولَمْ يَقْبَلُوا النُّصْحَ، ولَمْ يَنْفَعْ فِيهِمُ الرِّفْقُ، فاسْتَعْمَلُوا مَعَهُمُ الغِلْظَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَلَدَ والشَّرِيكَ أوْ قالُوا: يَدُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُولَةٌ، أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقِيرٌ، أوْ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ الغِلْظَةُ الَّتِي تُفْهِمُ الآيَةُ الإذْنَ بِها لا تَصِلُ إلى القِتالِ لِأُولَئِكَ الظّالِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَلى أيِّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ كانَ ظُلْمُهُمْ، لِأنَّ ظاهِرَ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والقِتالُ في المَشْهُورِ لَمْ يُشْرَعْ بِمَكَّةَ، ولَيْسَتِ الغِلْظَةُ مَحْصُورَةً فِيهِ، كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المَعْنى: ولا تُجادِلُوا في الدّاخِلِينَ في الذِّمَّةِ المُؤَدِّينَ لِلْجِزْيَةِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَنَبَذُوا الذِّمَّةَ ومَنَعُوا الجِزْيَةَ، فَإنَّ أُولَئِكَ مُجادَلَتُهم بِالسَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ما يَقْرُبُ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والحَرْبَ والجِزْيَةَ مِمّا شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، وكَوْنُ الآيَةِ بَيانًا لِحُكْمٍ آتٍ بُعْدٌ بَعِيدٌ، وأيْضًا لا قَرِينَةَ عَلى التَّخْصِيصِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ ذاهِبًا إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ومَكِّيَّةَ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ أغْلَبِ آياتِها، أوْ مِمَّنْ يَقُولُ: بِأنَّ الحَرْبَ شُرِعَ بِمَكَّةَ في آخِرِ الأمْرِ، والسُّورَةُ آخِرُ ما نَزَلَ بِها، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وعَدَمُ الوُقُوعِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَشْرُوعِيَّةِ.

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِأهْلِ الكِتابِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وبِالَّتِي هي أحْسَنُ: مُوافَقَتُهم فِيما حَدَّثُوا بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وبِالَّذِينِ ظَلَمُوا: مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وهو كَما تَرى، واخْتُلِفَ في نَسْخِ الآيَةِ.

فَأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ  ﴾ الآيَةَ، ولا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وقالَ في مَجْمَعِ البَيانِ: الصَّحِيحُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّ المُرادَ بِالجِدالِ المُناظَرَةُ، وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ هو الواجِبُ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ المُجادَلَةَ بِالحُسْنى في أوائِلِ الدَّعْوَةِ، لِأنَّها تَتَقَدَّمُ القِتالَ، فَلا يَلْزَمُ النَّسْخُ، ولا عَدَمُ القِتالِ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الأزْمانِ فَيَلْزَمُ النَّسْخُ، فَلا يَتِمُّ ما ذُكِرَ، فَيَدْفَعُهُ أنَّ مَن يُقاتِلُ كَمانِعِ الجِزْيَةِ داخِلٌ في المُسْتَثْنى، فَلا نَسْخَ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ بِمُتَّصِلٍ، وكَوْنُ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَشْرُوعِيَّةَ القِتالِ بِمَكَّةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ «ألا بِالَّتِي» إلَخْ، عَلى أنَّ «ألا» حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، والتَّقْدِيرُ، ألا جادِلُوهُمُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ﴿ وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿ وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ أيْ وبِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وهَذا القَوْلُ نَوْعٌ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ مُجادَلَتُهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ الكِتابَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ، ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا، وأُنْزِلَ إلَيْكُمُ» الآيَةَ».

والتَّصْدِيقُ والتَّكْذِيبُ لَيْسا نَقِيضَيْنِ، فَيَجُوزُ ارْتِفاعُهُما.

﴿ وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُطِيعُونَ خاصَّةً كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ ( لَهُ )، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ يعني: اقرأ عليهم ما أنزل إليك مِنَ الْكِتابِ يعني: من القرآن.

ويقال: هو أمره بتلاوة القرآن، يعني: اقرءوا القرآن، واعملوا بما فيه.

وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: وأتمّ الصلاة إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ يعني: ما دام العبد يصلي لله عز وجل انتهى عن الفحشاء والمعاصي.

ويقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني: وأدِّ الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها وسجودها والتضرع بعدها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ يعني: إذا صلى العبد لله صلاة خاشع يمنعه من المعاصي، لأنه يرق قلبه، فلا يميل إلى المعاصي.

وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله  أنه قال: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَمْ تَزِدْهُ صَلاتُهُ عِنْدَ الله إلاَّ مَقْتاً» وروي عن الحسن البصري رحمه الله عن رسول الله  أنه قال: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتَهُ عَن فَحْشَاءَ وَلاَ مُنْكَرٍ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ الله إلاَّ بُعْداً» (١) «إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمُصَلٍ.

ثم قال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني: أفضل من سائر العبادات.

وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا يكون فيها كثير القراءة، ثم قرأ هذه الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال مقاتل: ولذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة، وقال الكلبي: يقول: ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه، والله يذكر من ذكره بالخير.

قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الماسرخسي قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، قال سألني ابن عباس عن قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فقلت: «هو التسبيح والتهليل والتقديس» ، فقال: «لقد قلت شيئاً عجيباً، وإنما هو ذكر الله العباد أكثر من ذكر العباد إياه» .

وقال قتادة: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أي: ليس شيء أفضل من ذكر الله.

وسئل سلمان الفارسي: أي العمل أفضل؟

قال: «ذكر الله» .

ويقال: ذكر الله أفضل من الاشتغال بغيره.

ويقال: ذكر الله حين كتبكم في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل.

ويقال: ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ بالمغفرة أفضل من ذكرك إياه.

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ ذَكَرَ الله فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ الله في نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَهُ في مَلإٍ ذَكَرَهُ الله عزّ وجلّ في مَلإٍ أَكْبَرَ مِنَ المَلإِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِمْ وَأَطْيَبَ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنَ الله شِبْراً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ ذِرَاعاً يعني: بإجابته وتوفيقه ورحمته وَمَنْ تَقَرَّبَ إلى الله تَعَالَى ذِرَاعاً تَقَرَّبَ الله مِنْهُ باعاً، وَمَنْ أتَى الله مَاشِياً الله أتاهُ هَرْوَلةً» (٢) ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ من الخير والشر فيجازيكم به.

قوله عز وجل: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ قال مقاتل: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ يعني: مؤمنيهم، ثم استثنى كفارهم، فقال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فيها تقديم، ثم نسخته آية قتال أهل الكتاب.

وقال الكلبي: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إن الله عز وجل أمر المسلمين إذ كانوا بمكة قبل أن يأمرهم بالقتال، فقال: وَلا تُجادِلُوا من أتاكم من أهل الكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالقرآن تعظونهم به، وتدعونهم إلى الإسلام، وهي التي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ في الملاعنة، وهم أهل نجران.

ويقال: لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ يعني: لا تخاصموهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: إلا بالكلمة التي هي أحسن يعني: كلمة التوحيد إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: ولا الذين ظلموا منهم.

ويقال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فلا بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد.

ثم بيّن الكلمة التي هي أحسن، فقال: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني: القرآن والتوراة.

وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ يعني: ربنا وربكم وَاحِدٌ.

وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصين بالتوحيد.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 465 إلى عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي.

(٢) حديث أبي هريرة صحيح سبق تخريجه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] .

وعبارة الشيخ ابن أبي جمرة: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ معناه: ذكره لك في الأزل أن جعلك من الذاكرينَ له أكبرٌ من ذكرِك أنت الآن له، انتهى.

قال القُشَيْريُّ في «رسالته» : الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وهو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله سبحانه إلا بدوام الذكر، ثم الذكرُ على ضربين: ذكر باللسان، وذكرٌ بالقلب، فذكر اللسان: به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب، والتأثيرُ لذكر القلب، فإذا كان العبد ذاكراً بلسانه، وقلبه فهو الكامل في وصفه، سمعتُ أبا علي الدقاق يقول: الذكر منشورُ الولاية، فمن وُفِّقَ للذكر فقد وُفِّقَ للمنشور ومن سُلِبَ الذكرَ فقد عُزِلَ، والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات.

وأسند القشيريُّ عن المظفر الجصاص قال: كنت أنا ونصرَ الخراط ليلةً في موضع فتذاكرنا شَيْئاً من العلم فقال الخراط:

الذاكر للَّه تعالى فائدته في أول ذكره: أنْ يعلمَ أنَّ الله ذكَره فبذكر الله له ذِكرُه، قال:

فخالفته، فقال: لو كان الخضرُ هاهنا لشهد لصحته، قال: فإذا نحن بشيخٍ يجيء بين السماء والأرض، حتى بلغ إلينا وقال: صدق الذاكر للَّه بفضل الله، وذكره له ذكرَه، فعلمنا أنه الخضر عَليه السلام، انتهى.

وباقي الآيةِ ضَرْبٌ من التَوعُّدِ وحثٌّ على المراقبةِ، قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» : / قال بعض العلماء: إن الله عز وجل يقول: «أيّما عبد ٦٣ أاطّلعت عَلَى قَلْبِهِ فَرَأَيْتُ الغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكَ بِذِكْرِي تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ، وَكُنْتُ جَلِيسَهُ وَمُحَادِثَهُ وَأَنِيسَهُ» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذه الآية مَكيةٌ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ، وكانتِ اليهودُ يومئذٍ بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدالٌ واحتجاجٌ في أمر الدينِ وتكذيب، فأَمر الله المؤمنين ألا يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن دعاءً إلى الله تعالى وملاينةً، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين وحصلت منه أذية فإن هذه الصنيفة استُثْنِيَ لأهل الإسلام معارضَتُهَا بالتغيير عليها،

والخروج معها عن التي هي أحسن.

ثم نُسِخَ هذا بَعْدُ بآية القتال وهذا قول قتادة «١» وهو أحسن ما قيل في تأويل الآية.

ت: قال عزُّ الدين بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ في «اختصاره لقواعد الأحكام» «٢» : فائدة: لا يجوز الجدال والمناظرة إلا لإظهار الحقِّ ونُصْرَتِهِ ليُعْرَفَ ويُعْمَلَ به، فمن جادل لذلك فقد أطاع، ومن جادَلَ لغرضٍ آخر، فقد عصى وخَابَ، ولا خير فيمن يتحيَّلُ لِنُصْرَةِ مذهبه مع ضعفه وبُعْدِ أدلته من الصواب، انتهى.

تنبيه: رَوَى الترمذيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «الحَيَاءُ وَالْعِيُّ: شُعْبَتَانِ مِنَ الإيمَانِ، والبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النَّفَاقِ» «٣» .

وروى أبو داود والترمذيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ بلسانها» حديث «٤»

غريب، انتهى وهما في «مصابيح البغوي» .

وروى أبو داودَ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكَلاَمِ لِيَسْبِيَ بِه قُلُوبَ الرِّجَالِ، أَوِ النَّاسِ- لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً» «١» انتهى.

وقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا الآية، قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانيةِ ويفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ «٢» » ، وقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» وَرَوَى ابنُ مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوْكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا: إمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ» «٣» .

وقوله تعالى: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريدُ: التوراة والإنجيل كانوا في وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرآن.

ثم أخبر عن معاصري نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم أن منهم أيضاً مَنْ يؤمن به ولم يكونوا آمنوا بَعْدُ، ففي هذا إخبارٌ بغيب بَيَّنَه الوجودُ بَعْدَ ذلك.

قوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ يُشْبِهُ أَن يُرَادَ بهذا الانحناءِ كفارُ قريش.

ثم بيَّن تَعَالى الحجةَ وأوضحَ البرهانَ: أَن مما يقوى أَنَّ نزولَ هذا القرآن مِن عِنْدِ الله أن محمداً- عليه السلام- جاء به في غاية الإعجاز والطُّول والتَّضَمُنِ للغيوب، وغير ذلك؟

وهو أمِّيَّ لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتاباً/ ولا يخط حروفاً ولا سبيلَ له إلى ٦٣ ب التعلم، ولو كان ممن يقرأ أو يخط، لارتاب المبطلون، وكان لهم في ارتيابهم مُعَلَّق، وأما ارتيابهُم مع وضوحِ هذهِ الحجةِ فظاهرٌ فساده.

قوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ يعني: القرآن، ويحتمل أن يعودَ على أمر محمد صلى الله عليه وسلّم والظَّالِمُونَ والْمُبْطِلُونَ يعمّ لفظهما كلّ مكذّب للنبي صلى الله عليه وسلّم، ولكنّ عظم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ في الَّتِي هي أحْسَنُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الكَفُّ عَنْهم إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها القُرْآنُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ بِالآياتِ والحُجَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ نَصَبُوا الحَرْبَ وأبَوْا أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَجادِلُوا هَؤُلاءِ بِالسَّيْفِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ ﴿ وَقُولُوا ﴾ لِمَن أدّى الجِزْيَةَ مِنهم إذا أخْبَرَكم بِشَيْءٍ مِمّا في كُتُبِهِمْ ﴿ آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ \[الآيَةُ\] وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم ﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ " [الآيَةُ] .» * فَصْلٌ واخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم صاغِرُونَ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا" عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناها: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ  مِن أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ"، ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيْ بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ مِنهُمْ، كَمَن كَفَرَ وغَدَرَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ وغَيْرِهِمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَصارى الباقُونَ عَلى دِينِهِمْ.

أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم إلّا بِالأحْسَنِ: مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، والتَنْبِيهِ عَلى آياتِهِ؛ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإيمانِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ مَعْناهُ: ظَلَمُوكُمْ، وإلّا فَكُلُّهم ظَلَمَةٌ عَلى الإطْلاقِ، فَيُرادُ بِهِمْ مَن لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً، ونَصْبَ الحَرْبِ، ومَن قالَ وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، أو لَهُ شَرِيكٌ، أو يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَ قَتادَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ  ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَوَجَّهُ في مَعْنى الآيَةِ إنَّما يَتَّضِحُ في مَعْرِفَةِ الحالِ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ مِن بَعْدِ الآياتِ العَشْرِ الأُوَلِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ، ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَتِ اليَهُودُ بِمَكَّةَ وفِيما جاوَرَها، فَرُبَّما وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ جِدالٌ واحْتِجاجٌ في أمْرِ الدِينِ وتَكْذِيبٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم بِالمُحاجَّةِ إلّا بِالحُسْنى دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى ومُلايَنَةٌ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن ظَلَمَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، إمّا بِفِعْلٍ وإمّا بِقَوْلٍ، وإمّا بِإذايَةِ مُحَمَّدٍ  ، وإمّا بِإعْلانِ كُفْرٍ فاحِشٍ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، ونَحْوُ هَذا، فَإنَّ هَذِهِ الصِفَةَ اسْتُثْنِيَ لِأهْلِ الإسْلامِ مُعارَضَتُها بِالخُرُوجِ مَعَها عَنِ الَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمْ نُسِخَ هَذا بَعْدُ بِآيَةِ القِتالِ والجِزْيَةِ.

وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا آمَنّا ﴾ الآيَةُ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَيُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: ﴿ آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ "».

ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عن شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ وإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ [العنكبوت: 45] الآية، باعتبار ما تستلزمه تلك من متاركة المشركين والكف عن مجادلتهم بعد قوله تعالى ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعْقِلُها إلا العالمون ﴾ [العنكبوت: 43] كما تقدم آنفاً.

وقد كانت هذه توطئة لما سيحدث من الدعوة في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لأن مجادلة أهل الكتاب لا تَعرِض للنبيء صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين في مكة، ولكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في إبان نزول أواخِر هذه السورة على وشْك الهجرة إلى المدينة وكانت الآيات السابقة مجادلةً للمشركين غليظة عليهم من تمثيل حالهم بحال العنكبوت، وقوله ﴿ وما يعقِلُها إلى العالمون ﴾ هَيأ الله لرسوله عليه الصلاة والسلام طريقة مجادلة أهل الكتاب.

فهذه الآية معترضة بين محاجّة المشركين والعود إليها في قوله تعالى ﴿ وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ﴾ [العنكبوت: 47] الآيات.

وجيء في النهي بصيغة الجمع ليعمّ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إذ قد تعرض للمسلمين مجادلات مع أهل الكتاب في غير حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو قبل قدومه المدينة.

والمجادلة: مفاعلة من الجَدل، وهو إقامة الدليل على رأي اختلَف فيه صاحبه مع غيره، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يَخْتانون أنفسهم ﴾ في سورة النساء (107).

وبهذا يعلم أن لا علاقة لهذه الآية بحكم قتال أهل الكتاب حتى ينتقل من ذلك إلى أنها هل نسخت أم بقي حكمها لأن ذلك خروج بها عن مهيعها.

والمجادلة تعرض في أوقات السلم وأوقات القتال.

وأهل الكتاب}: اليهود والنصارى في اصطلاح القرآن.

والمقصود هنا اليهود فهم الذين كانوا كثيرين في المدينة والقرى حولَها.

ويشمل النصارى إن عرضت مجادلتهم مثل ما عرض مع نصارى نجران.

و ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ مستثنى من محذوف دل عليه المستثنى، تقديره: لا تجادلوهم بجدال إلا بجدال بالتي هي أحسن.

و ﴿ أحسن ﴾ اسم تفضيل يجوز أن يكون على بابه فيقدر المفضّل عليه مما دلت عليه القرينة، أي بأحسن من مجادلتكم المشركين، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة المفاعلة.

ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن، أي إلا بالمجادلة الحُسنى كقوله تعالى ﴿ وجادِلْهم بالتي هي أحسن ﴾ في آخر سورة النحل (125).

فالله جعل الخيار للنبيء في مجادلة المشركين بين أن يُجادلهم بالحسنى كما اقتضته آية سورة النحل، وبين أن يجادلهم بالشدة كقوله: ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلُظ عليهم ﴾ [التوبة: 73]، فإن الإغلاظ شامل لجميع المعاملات ومنها المجادلات ولا يختص بخصوص الجهاد فإن الجهاد كله إغلاظ فلا يكون عطف الإغلاظ على الجهاد إلاّ إغلاظاً غير الجهاد.

ووجه الوصاية بالحسنى في مجادلة أهل الكتاب أن أهل الكتاب مؤمنون بالله غير مشركين به فهم متأهّلون لقبول الحجة غير مظنون بهم المكابرة ولأن آداب دينهم وكتابهم أكسبتهم معرفة طريق المجادلة فينبغي الاقتصار في مجادلتهم على بيان الحجة دون إغلاظ حذراً من تنفيرهم، بخلاف المشركين فقد ظهر من تصلبهم وصَلفهم وجلافتهم ما أيأس من إقناعهم بالحجة النظرية وعيَّن أن يعاملوا بالغلظة وأن يبالغ في تهجين دينهم وتفظيع طريقتهم لأن ذلك أقرب نجوعاً لهم.

وهكذا ينبغي أن يكون الحال في ابتداء مجادلة أهل الكتاب، وبقدر ما يسمح به رجاء الاهتداء من طريق اللين، فإن هم قابلوا الحسنى بضدها انتقل الحكم إلى الاستثناء الذي في قوله: ﴿ إلا الذين ظلموا منهم ﴾ .

و ﴿ الذين ظلموا منهم ﴾ هم الذين كابروا وأظهروا العداء للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين وأبوا أن يتلقوا الدعوة فهؤلاء ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين حسداً وبغضاً على أن جاء الإسلام بنسخ شريعتهم، وجعلوا يكيدون للنبيء صلى الله عليه وسلم ونشأ منهم المنافقون وكل هذا ظلم واعتداء.

وقد كان اليهود قبل هجرة المسلمين إلى المدينة مسالمين الإسلام وكانوا يقولون: إن محمداً رسول الأميين كما قال ابن صياد لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " أتشهد أني رسول الله؟

فقال: أشهد أنك رسول الأميين " فلما جاء المدينة دعاهم في أول يوم قدم فيه وهو اليوم الذي أسلم فيه عبد الله بن سَلام فأخذوا من يومئذ يتنكرون للإسلام.

وعطف ﴿ وقولوا ءامنا ﴾ إلى آخر الآية تعليم لمقدمة المجادلة ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ .

وهذا مما يسمى تحرير محل النزاع وتقريب شقة الخلاف وذلك تأصيل طرق الإلزام في المناظرة وهو أن يقال قد اتفقنا على كذا وكذا فلنحتجّ على ما عدا ذلك، فإن ما أمروا بقوله هنا مما اتفق عليه الفريقان فينبغي أن يكون هو السبيل إلى الوفاق وليس هو بداخل في حيّز المجادلة لأن المجادلة تقع في موضع الاختلاف ولأن ما أمروا بقوله هنا هو إخبار عمّا يعتقده المسلمون وإنما تكون المجادلة فيما يعتقده أهل الكتاب مما يخالف عقائد المسلمين مثل قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لِمَ تحاجّون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بَعْده ﴾ إلى قوله: ﴿ وما كان مِنَ المُشْركين ﴾ آل عمران: (65 67).

ولأجل أن مضمون هذه الآية لا يدخل في حيّز المجادلة عطفت على ما قبلها ولو كانت مما شملته المجادلة لكان ذلك مقتضياً فصلها لأنها مثل بدل الاشتمال.

ومعنى ﴿ بالذي أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ القرآن.

والتعبير عنه بهذه الصلة للتنبيه على خطأ أهل الكتاب إذ جحدوا أن ينزل الله كتاباً على غير أنبيائهم، ولذلك عقب بقوله: ﴿ وأنزل إليكم ﴾ .

وقوله: ﴿ وأنزل إليكم ﴾ عطف صلة اسم موصول محذوف دل عليه ما قبله.

والتقدير: والذي أنزل إليكم، أي الكتاب وهو «التوراة» بقرينة قوله ﴿ إليكم ﴾ .

والمعنى: إننا نؤمن بكتابكم فلا ينبغي أن تنحرفوا عنا وهذا كقوله تعالى: ﴿ قُلْ يأهل الكِتَاب هل تَنْقِمون مِنَّا إلاّ أنْ ءامنّا بالله وما أُنْزِل إليْنَا ومَا أُنْزِلَ مِن قَبْل ﴾ [المائدة: 59]، وكذلك قوله: ﴿ وإلهَنا وإلهكُم واحِد ﴾ تذكير بأن المؤمنين واليهود يؤمنون بإله واحد.

فهذان أصلان يختلف فيهما كثير من أهل الأديان.

وقوله: ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون ﴾ مراد به كلاَ الفريقين، فريق المتكلمين وفريق المخاطبين.

فيشمل المسلمين وأهلَ الكتاب فيكون المراد بوصف ﴿ مسلمون ﴾ أحد إطلاقيه وهو إسلام الوجه إلى الله، أي عدم الإشراك به، أي وكلانا مسلمون لله تعالى لا نشرك معه غيره.

وتقديم المجرور على عامله في قوله: ﴿ لَهُ مُسْلِمُون ﴾ لإفادة الاختصاص تعريضاً بالمشركين الذين لم يفردوا الله بالإلهية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ﴿ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الكَفُّ عَنْهم عِنْدَ بَذْلِ الجِزْيَةِ مِنهم وقِتالُهم إنْ أبَوْا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم إنْ قالُوا شَرًّا فَقُولُوا لَهم خَيْرًا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: وهو أنْ يَحْتَجَّ لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ ولا يَذُمَّ ما تَقَدَّمَها مِنَ الشَّرائِعِ.

﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَن مَنَعَ الجِزْيَةَ مِنهم، رَواهُ خُصَيْفٌ.

الثّالِثُ: ظَلَمُوا بِالإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: ظَلَمُوا في جِدالِهِمْ فَأغْلَظُوا لَهم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

واخْتُلِفَ في نَسْخِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ; قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ.

﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ، فَرَوى سَلَمَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَأُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ فَيُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ)» ﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَقُولُهُ لِأهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَقُولُهُ لِمَن آمَنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ﴾ قال: الذين قالوا: مع الله إله أو له ولد أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير ونحن أغنياء، أو آذى محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب.

وفي قوله: ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ﴾ قال: لمن يقول هذا منهم.

يعني من لم يقل مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقيراً، وآذى محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: إن قالوا شراً فقولوا خيراً ﴿ إلا الذين ظلموا منهم ﴾ فانتصروا منهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ﴾ قال: لا تقاتلوا إلا من قاتل ولم يعط الجزية، ومن أدى منهم الجزية فلا تقولوا لهم إلا حسناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: بلا إله إلا الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في الآية قال: ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ قولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ فهذه مجادلتهم بالتي هي أحسن.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: نهى عن مجادلتهم في هذه الآية.

ثم نسخ ذلك فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...

﴾ ولا مجادلة أشد من السيف.

وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: كانت اليهود يحدثون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسبحون كأنهم يعجبون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد والبيهقي في سننه عن أبي نملة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال لجنازة: أنا أشهد أنها تتكلم.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم» .

وأخرج البيهقي في سننه وفي الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في الابانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا هل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» .

وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أنفسهم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، لتكذبوا بحق وتصدقوا بباطل.

فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حُجَجه (١) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ إلا من أبى أن يقرَّ بالجزية، ونَصَب العرب، فأولئك فجادلوهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ الآية، وهذا معنى قول (٢) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ أهل العرب، ومن لا عهد له فجادلوا هؤلاء بالسيف (٣) قال ابن زيد: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم (٤) وقال آخرون: كان هذا قبل أن أُمر النبي -  - بالقتال، قيل له: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا ﴾ من أتاكم من أهل الكتاب ﴿ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ يعني: تعظونهم بالقرآن، وتدعوهم إلى الإسلام ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ وهم الذين قالوا: مع الله إله، أو له ولد، أو شريك، أو يد الله مغلولة، وأن الله فقير، أو آذوا محمدًا فهؤلاء انتصروا منهم (٥) قوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا ﴾ يعني: لأهل الكتاب سوى هؤلاء الظلمة.

ثم نُسخ هذا بالقتال.

وهذا معنى قول الكلبي وقتادة ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح (٦) وقال آخرون: المراد بأهل الكتاب هاهنا: عبد الله بن سلام، ومن آمن منهم يقول: لا تجادلوهم وأخبروهم عما في القرآن ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ يعني: مشركيهم يقول: جادلوا الذين كفروا حتى تردوهم عن كفرهم.

وهذا معنى قول مقاتل وابن عباس في رواية عطاء (٧) (١) تفسير ابن جرير 21/ 1، بنصه.

و "تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.

(٢) هنا بياض.

ولعله: مجاهد؛ لإخراج ابن جرير ذلك عند والله أعلم.

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ.

(٤) أخرجه ابن جرير 21/ 2.

عن ابن زيد، ومجاهد، وسعيد بن جبير.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 أ، عن ابن زيد.

(٥) أخرج ابن جرير 21/ 2، عن قتادة بنحوه، وآخره من قوله: قالوا: مع الله إله أخرجه ابن جرير 21/ 1، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن مجاهد.

(٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن أبي حاتم 9/ 3068، والنحاس، في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577، عن قتادة.

ورواية ابن أبي نجيح عن مجاهد أخرجها ابن جرير 21/ 1، وليس فيها ذكر النسخ، بل يدل كلامه على أنها محكمة يراد بها ذوو العهد لا يجادلوا، وإنما يجادل من لا عهد له ويقاتل حتى يعطي الجزية.

"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"، لمكي بن أبي طالب (387).

لكن ذَكَر النسخ عن مجاهد الثعلبي 8/ 161 ب، وممن ذهب إلى أن الآية منسوخة بآية السيف مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ.

وهذا يقال فيه مثل ما قيل فيما سبق عند قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)  ﴾ .

وقد رجح ابن جرير 21/ 2، أن أولى الأقوال: إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب.

ورد ردًا حسنًا على من ذهب إلى أن الآية منسوخة.

وحاصل الأقوال في هذه الآية ثلاثة: 1 - الآية منسوخة.

2 - الآية محكمة يراد بها من آمن منهم.

3 - الآية محكمة يراد بها ذوو العهد منهم.

قال النحاس بعد ذكره هذه الأقوال: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله -عز وجل- لا ينغي أن يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر "الناسخ والمنسوخ" 2/ 577.

(٧) "تفسير مقاتل" 74 أ.

وذكره النحاس عن ابن زيد، ولفظه: لا يجادل المؤمنون منهم إذا أسلموا، لعلهم يحدثون بالشيء، فيكون كما قالوا ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ من أقام على الكفر يجادل، ويقال له الشر.

"الناسخ والمنسوخ" 2/ 577.

وعلى هذا تكون الآية محكمة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلا بالتي هي أحسن، لا بضرب ولا قتال، وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نسخ بالسيف، ومعنى ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ : أي ظلموكم، وصرحوا بإذاية نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: معنى الآية؛ لا تجادلوا من أسلم من أهل الكتاب فيما حدثوكم به من الأخبار إلا بالتي هي أحسن، ومعنى إلا الذين ظلموا على هذا من بقي منهم على كفره، والمعنى الأول أظهر ﴿ وقولوا آمَنَّا ﴾ هذا وما بعده يقتضي مواعدة ومسالمة، وهي ومنسوخة بالسيف، ويقتضي أيضاً الأعراض عن مكالمتهم، وفي الحديث: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمناً بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.

﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.

الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.

وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.

وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.

وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.

ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.

قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.

والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.

وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.

وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...

ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.

وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو  واحد لا شريك له.

وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين  كثرة.

وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله  بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي  .

أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.

وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.

وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي  كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.

والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.

وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.

والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.

فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .

"وروي أن رسول الله  قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.

فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي  فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .

وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.

واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.

وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله  كما قال ﴿ واسجد واقترب  ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟

وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟

وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.

واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.

وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً  ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.

وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.

وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".

ثم إن الله  كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد  ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.

ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.

وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.

وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.

وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.

وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.

قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.

وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.

والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد  فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.

وعن النبي  "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .

ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.

﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي  وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.

واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.

فإذا قيل له: لم؟

قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.

فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.

فالله  ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.

وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.

ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.

أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.

ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.

سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.

ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.

ولما بين الدليل من جانب النبي  ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.

وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.

ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟

﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.

وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه  بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله  بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟

فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.

فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟

قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد  وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد  فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.

قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.

ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.

وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.

ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.

وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.

وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.

والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.

وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.

وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.

ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.

وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.

وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.

ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله  "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .

واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.

والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون  ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.

والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.

ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.

ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.

وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.

فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.

ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.

﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.

وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.

والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.

ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.

وقال المفسرون: لما أمر رسول الله  من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.

ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.

﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.

عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.

وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.

وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!

﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.

ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟

فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.

ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.

وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.

ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.

ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.

وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.

واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله  أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.

قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.

ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.

ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا  ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.

ويحتمل أن يقال: إنه  قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد"  وفي "الحديد".

وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".

فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.

"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب  ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو  ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة  ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر  ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر  ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.

وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.

ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير  ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.

ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.

ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.

ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون  ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.

ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "القصص".

ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.

فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.

وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟

وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.

وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.

فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟

وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟

وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.

ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.

وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.

وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه  أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.

فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.

والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.

﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.

فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي  ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.

سأل موسى  : إلهي أين أطلبك؟

فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.

ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.

ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.

ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ الآية تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ إلا الذين ظلموا منهم فلا تجادلوهم بالتي هي أحسن ولا غيره، وهم الذين لا يقبلون الحجة، ولا يؤمنون إذا لزمتهم الحجة، وهم أهل عناد ومكابرة، والأوّلون يقبلون الحجة، ويؤمنون بها.

والثاني: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ؛ فقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ ليس على الثنيا من الأوّل، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ قولوا: ﴿ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: قولوا لهم هذا، ولا تجادلوهم؛ فإنكم وإن جادلتم إياهم فلا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي  ﴾ قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ ليس على الثنيا من الأول، ولكن ابتداء نهي؛ أي: لا تخشوهم واخشوني، فعلى ذلك يحتمل الأول مثله.

والثالث: جائز أن يكون قوله: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: هي المجادلة الحسنة التي أمروا بها؛ لأن تلك مما يقبلها العقل والطبع، وبها جاءت الكتب والرسل، فلا سبيل إلى ردّ ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: جادلوا الذين يصدّقون منهم ولا يكتمون نعت محمد وما في كتبهم من الحق، فأمّا الذين تعلمون أنهم يكتمون ولا يصدّقون فلا تجادلوهم، وهو كقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ والأوّل كقوله: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 64]، والمجادلة الحسنة هي التي جاء بها الكتاب ويوجبها العقل.

ثم فيه دلالة جواز المناظرة والمجادلة مع الكفرة في الدين، وكذلك - قوله  -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يجوز معهم المناظرة، وذلك لجهلهم بحجج الإسلام وبراهينه؛ [على] ما ينهون عن المجادلة والمناظرة معهم.

وقال بعضهم: من لا عهد معهم فجادلهم بالسيوف، ومن كان معه عهد وكتاب فجادلهم بالحجج.

وقال بعضهم: هو منسوخ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ومنهم من يقول: من أدّى إليكم الجزية فلا تغلظوا له القول وقولا لهم قولا حسناً، ومن لم يؤدّ فاغلظوا لهم وجادلوهم بالسيوف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: كما أخبرناك في الكتاب، فقل لهم، أو جادلهم.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: الذين آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته، فهم يؤمنون به؛ على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ #1649;لَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ فتكون هذه الآية تعريفاً للأولى، وأمّا من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون به.

والثاني: فالذين آتيناهم الكتاب وانتفعوا به؛ أي: يؤمنون بالذى أوتوا من الكتاب.

﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: من أهل مكة من يؤمن به، وقد آمن كثير منهم.

وجائز أن يكون ذلك إلى قوم كانوا بحضرته، فقال: ﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ ، والله أعلم.

﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ ﴾ قال قتادة: لا يكون الجحد إلا بعد معرفة أن اليهود والنصارى عرفوه كما عرفوا أبناءهم، لكنهم جحدوه، وكل من أنكر شيئاً فقد جحده؛ عرفه أو لم يعرفه.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أي: ما كنت تتلو من قبله - أي: من قبل هذا الكتاب - من كتاب، ولو كنت تتلو لارتاب المبطلون فيقولون: إن ما أنبأتهم من الأنباء المتقدمة أو كلام الحكمة إنما تلقفت وأخذت من تلك الكتب المتقدمة أو كتب الحكماء، ولو كنت تخطه بيمينك يقولون: إن ذلك من تأليفك ووصفك؛ لأن القرآن حجة عليهم من وجهين: أحدهما: ما ذكر فيه من الأنباء المتقدمة المترجمة بغير لسان المتقدم ما علموا بأجمعهم أن رسول الله - صلوات الله عليه - كان لا يعرفها بمترجم ولا شهدها هو، ثم أنبأهم على ما كان، فعلموا أنه بالله عرفها.

والثاني: هو آية معجزة نظماً ووصفاً ما يعملون أنه ليس من نظم البشر ولا وصفه، فيقول: ما كنت تتلو من قبله كتاباً فيه تلك الأنباء والحكمة ولا تخطه بيمينك؛ فيقولون: هو من تأليفك أو من نظمك، فلو كنت كذلك إذن لارتاب المبطلون بما ذكرنا على عناد منهم ومكابرة، ولا يرتاب المحقون، وإن كان كما ذكر؛ لما عرفوا صدقه بأشياء وبآيات كانت فيه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ﴾ يقول: قبل القرآن ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ أي: لا تكتبه بيدك، ولو كنت تقرأ كتاباً من قبله أو كنت تكتب بيدك إذن لارتاب المبطلون؛ يقول: لاتهموك؛ هذا قد ذكرناه، ولكن نقول في قوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ بل هو اليقين أنك لا تقرؤه، أو لا تكتبه عند الذين أوتوا العلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب من نحو عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ يحتمل القرآن؛ إذ فيه آيات وحدانية الله وحججه، وآيات البعث وحججه وآياته.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ رسول الله  كان من أول ما نشأ إلى آخر أمره آية؛ لما ذكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه؛ إذا وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي ولد فيها، ثم من ظل السحاب الذي أظله وقت ما خرج من وطنه، وأمثال ذلك كثير ما لا يقدر إحصاؤه، والله أعلم.

فذلك كله يدل على رسالته ونبوته، لا يرتاب فيه إلا المبطل المعاند المكابر.

وقوله: ﴿ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم، أي: هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا منافع العلم، فأمّا من لم يؤت منافع العلم فلا.

وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ يحتمل: الظلم: ظلم الآيات، لم يضعوها في موضعها.

ويحتمل: الظالمون: الكافرون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تحاوروا -أيها المؤمنون- ولا تخاصموا اليهود والنصارى إلا بالأسلوب الأحسن والطريقة المثلى وهي الدعوة بالموعظة والحجج البينة، إلا الذين ظلموا منهم بالعناد والمكابرة، وأعلنوا الحرب عليكم، فقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقولوا لليهود والنصارى: آمنا بالذي أنزل الله إلينا من القرآن، وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وإلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وكماله، ونحن له وحده منقادون متذللون.

<div class="verse-tafsir" id="91.vZ3An"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده