الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٦٣ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 62 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا هو ; لأن المشركين - الذين يعبدون معه غيره - معترفون أنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر ، وتسخير الليل والنهار ، وأنه الخالق الرازق لعباده ، ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم ، فمنهم الغني والفقير ، وهو العليم بما يصلح كلا منهم ، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر ، فذكر أنه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها ، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره ؟
ولم يتوكل على غيره ؟
فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته ، وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية .
وقد كان المشركون يعترفون بذلك ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم : " لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من نـزل من السماء ماء، وهو المطر الذي ينـزله الله من السحاب (فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ) يقول: فأحيا بالماء الذي نـزل من السماء الأرض، وإحياؤها: إنباته النبات فيها(مِنْ بَعْدِ مَوْتها) من بعد جدوبها وقحوطها.
وقوله: (لَيَقُولُنَّ اللهَ) يقول: ليقولنّ الذي فعل ذلك الله، الذي له عبادة كل شيء.
وقوله: (قُلِ الحَمْدُ لِلهِ) يقول: وإذا قالوا ذلك، فقل: الحمد لله ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم، وما فيه الضرّ، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الآلهة دون الله، ينالون بها عند الله زُلْفة وقربة، ولا يعلمون أنهم بذلك هالكون، مستوجبون الخلود في النار.
قوله تعالى : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء أي من السحاب مطرا .
فأحيا به الأرض من بعد موتها أي جدبها وقحط أهلها .
ليقولن الله أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة .
وإذ قدر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين ; فكرر تأكيدا .
قل الحمد لله أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته .
وقيل : الحمد لله على إقرارهم بذلك .
وقيل : على إنزال الماء وإحياء الأرض .
هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة، وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟
{ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } وحده، ولَاعْتَرَفُوا بعجز الأوثان ومن عبدوه مع اللّه على شيء من ذلك.فاعجب لإفكهم وكذبهم، وعدولهم إلى من أقروا بعجزه، وأنه لا يستحق أن يدبر شيئا، وسَجِّلْ عليهم بعدم العقل، وأنهم السفهاء، ضعفاء الأحلام، فهل تجد أضعف عقلا، وأقل بصيرة، ممن أتى إلى حجر، أو قبر ونحوه، وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق، ثم صرف له خالص الإخلاص، وصافي العبودية، وأشركه مع الرب، الخالق الرازق، النافع الضار.
وقل: الحمد لله الذي بين الهدى من الضلال، وأوضح بطلان ما عليه المشركون، ليحذره الموفقون.وقل: الحمد لله، الذي خلق العالم العلوي والسفلي، وقام بتدبيرهم ورزقهم، وبسط الرزق على من يشاء، وضيقه على من يشاء، حكمة منه، ولعلمه بما يصلح عباده وما ينبغي لهم.
( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله ) على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله ( بل أكثرهم لا يعقلون ) وقيل : قل الحمد لله على إقرارهم لزوم الحجة عليهم ( بل أكثرهم لا يعقلون ) ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه الخالق لهذه الأشياء .
«ولئن» لام قسم «سألتهم من نزَّل من السماء ماءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولنَّ الله» فكيف يشركون به «قل» لهم «الحمد لله» على ثبوت الحجة عليكم «بل أكثرهم لا يعقلون» تناقضهم في ذلك.
ولئن سألت -أيها الرسول- المشركين: مَنِ الذي نزَّل من السحاب ماء فأنبت به الأرض من بعد جفافها؟
ليقولُنَّ لك معترفين: الله وحده هو الذي نزَّل ذلك، قل: الحمد لله الذي أظهر حجتك عليهم، بل أكثرهم لا يعقلون ما ينفعهم ولا ما يضرهم، ولو عَقَلوا ما أشركوا مع الله غيره.
ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله - تعالى - فقال : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً ) أى : ماء كثيراً ( فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا ) أى : فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة .لئن سألتهم من فعل ذلك ( لَيَقُولُنَّ الله ) هو الذى فعل ذلك .( قُلِ الحمد لِلَّهِ ) أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على الله - تعالى - : الحمد لله الذى أظهر حجته ، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين ، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود .وقوله - سبحانه - : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض ، إلى بيان حقيقة حالهم ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما يعتريه بسببهم من حزن .أى : بل أكثرهم لا يعقلون شيئاً مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور ، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة .وفى التعبير بأكثرهم ، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته ، وآمن به وصدقته .
يعني هذا سبب الرزق وموجد السبب موجد المسبب، فالرزق من الله، ثم قال تعالى: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ وهو يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون كلاماً معترضاً في أثناء كلام كأنه قال: فأحيا به الأرض من بعد موتها ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ فذكر في أثناء هذا الكلام ﴿ الحمد ﴾ لذكر النعمة، كما قال القائل: إن الثمانين وبلغتها *** قد أحوجت سمعي إلى ترجمان الثاني: أن يكون المراد منه كلاماً متصلاً، وهو أنهم يعرفون بأن ذلك من الله ويعترفون ولا يعملون بما يعلمون، وأنت تعلم وتعمل فكذلك المؤمنون بك فقل الحمد لله وأكثرهم لا يعقلون أن الحمد كله لله فيحمدون غير الله على نعمة هي من الله الثالث: أن يكون المراد أنهم يقولون إنه من الله ويقولون بإلهية غير الله فيظهر تناقض كلامهم وتهافت مذهبهم فقل الحمد لله على ظهور تناقضهم وأكثرهم لا يعقلون هذا التناقض أو فساد هذا التناقض.
<div class="verse-tafsir"
استحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به؛ ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفي الأنداد والشركاء عنه، ولم يكن إقراراً عاطلاً كإقرار المشركين؛ وعلى أنهم أقروا بما هو حجة عليهم حيث نسبوا النعمة إلى الله وقد جعلوا العبادة للصنم، ثم قال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد.
أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُوَسَّعُ لَهُ والمُضَيَّقُ عَلَيْهِ واحِدًا عَلى أنَّ البَسْطَ والقَبْضَ عَلى التَّعاقُبِ وألّا يَكُونَ عَلى وضْعِ الضَّمِيرِ مَوْضِعَ مَن يَشاءُ وإبْهامُهُ لِأنَّ مَن يَشاءُ مُبْهَمٌ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ مَصالِحَهم ومَفاسِدَهم.
﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُمْكِناتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفُرُوعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى ما عَصَمَكَ مِن مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، أوْ عَلى تَصْدِيقِكَ وإظْهارِ حُجَّتِكَ.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ فَيَتَناقَضُونَ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ المُبْدِئُ لِكُلِّ ما عَداهُ ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ الصَّنَمَ، وقِيلَ لا يَعْقِلُونَ ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله} أي هم مقرون بذلك {قُلِ الحمد لِلَّهِ} على إنزاله الماء لإحياء الأرض أو على أنه ممن أقر بنحوما أقروا به ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الشركاء عنه ولم يكن إقراراً عاطلاً كإقرار المشركين {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يتدبرون بما فيهم من العقول فيما نريهم من الآيات ونقيم عليهم من الدلالات أو
العنكبوت (٦٧ - ٦٤)
لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ إلَخْ، مُعْتَرِضٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الآيَتَيْنِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ مُقِرُّونَ بِقُدْرَتِنا وبِقُوَّتِنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ ﴾ قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اعْتُرِضَ لِيُفِيدَ أنَّ الخالِقَ هو الرَّزّاقُ، وأنَّ مَن أفاضَ ابْتِداءً وأوْجَدَ أوْلى أنْ يَقْدِرَ عَلى الإبْقاءِ، وأكَّدَ بِهِ ما ضُمِّنَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .
﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُوجِدُ لِلْمُمْكِناتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفَرْعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى إظْهارِ الحُجَّةِ واعْتِرافِهِمْ بِما يَلْزَمُهُمْ، وقِيلَ: حَمِدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى العِصْمَةِ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ حَيْثُ أشْرَكُوا مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَهُما مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ، فَيَكُونُ كالحَمْدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُبْتَلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَمْدًا عَلى هَذا وذاكَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما يَقُولُونَ، وما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وصِحَّةِ التَّوْحِيدِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِمْ هَذا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، قِيلَ: إضْرابٌ عَنْ جَهْلِهِمُ الخاصِّ في الإتْيانِ بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم مَسْلُوبُو العُقُولِ، فَلا يَبْعُدُ عَنْهم مِثْلُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ) مُعْتَرِضٌ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ إلْزامًا وتَقْرِيرًا لِاسْتِحْقاقِهِ تَعالى العِبادَةَ، وقِيلَ: ( لا يَعْقِلُونَ ) ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِخَفائِهِ وقِلَّةِ جَدْواهُ، وتَكَلُّفِ تَوْجِيهِ الإضْرابِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ يعني: وكم من دابة في الأرض أو من طائر في السماء لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا معها ولا يجمع الغذاء إلا النملة والفأرة ويقال لا تخبئ زرقها.
ثم قال: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ يعني: يرزق الدواب حيث ما توجهت، وإياكم إذا هاجرتم إلى المدينة.
وَهُوَ السَّمِيعُ لمقالتكم الْعَلِيمُ بكم.
ثم قال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: كفار مكة مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله عز وجل.
ثم رجع إلى أهل الهجرة ورغبهم فيها فقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع على من يشاء مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يعني: ويقتر لمن يشاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من البسط والتقتير.
قوله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَّآءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها يعني: من بعد يبسها وقحطها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إقرارهم بذلك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ توحيد ربهم، وهم مقرون بالله عز وجل خالق هذه الأشياء.
<div class="verse-tafsir"
الهجرةُ عنها إلى بلد حق وقاله «١» مالك.
وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ تحقيرٌ لأمرِ الدنيا ومخاوفِها، كأن بعضَ المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا فحقَّر الله سبحانه شَأْنَ الدنيا، أي وأنتم لا محالة ميتون ومُحْشَرُون إلينا، فالبِدَارُ إلى طاعة الله والهجرة إليه أولى ما يُمْتَثَلُ.
ذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمى ب «بهجة النفس» قال: بينما المنصور جالسٌ في منزله في أعلى قصره إذ جاءه سهم عائر فسقط بين يديه فذُعِرَ المنصورُ منه ذُعْراً شديداً، ثم أخذه فجعل يقلّبه، فإذا مكتوبٌ عليه بين الرِّيشَتَيْنِ: [الوافر]
أَتَطْمَعُ في الحياة إلى التنادي ...
وتحسب أنّ ما لك مِنْ مَعَادِ
سَتُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِكَ وَالْخَطَايَا ...
وََتُسْأَلُ بَعْدَ ذَاكَ عَنِ الْعِبَادِ
ومن الجانب الآخر: [البسيط]
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إذْ حَسُنَتْ ...
وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَاعَدَتْكَ اللَّيَالِي فاغتررت بِهَا ...
وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ
وفي الآخر: [البسيط]
هِيَ الْمَقَادِيرُ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا ...
فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبْرٌ على حَالِ
يَوْماً تُرِيكَ خَسِيسَ القَوْمِ تَرْفَعُه ...
إلَى السَّمَاءِ وَيَوْماً تَخْفِضُ العَالِي
/ ثم قرأ على الجانب الآخر من السهم: [البسيط]
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرَ لاَ يَأْمَنْ تَصَرُّفَهُ ...
يَوْماً فَلِلدَّهْرِ إحْلاَءٌ وإمرار
لِكُلِّ شَيْءٍ وَإنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ ...
إذَا انتهى مَدُّهُ لاَ بُدَّ إقْصَارُ
انتهى.
وقرأ حمزة «١» : «لنثوينهم من الجنة غرفا» : من أثوى يُثْوِي بمعنى: أقام.
وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ...
الآية: تحريضٌ على الهجرة لأَن بعضَ المؤمنين فكَّر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، وقالوا: غربةٌ في بلد لاَ دَارَ لنا فيه ولا عقار، ولا من يطعم، فمثل لهم بأَكثر الدواب التي لا تتقوت ولا تدخر، ثم قال تعالى: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ فقوله: لاَّ تَحْمِلُ يجوز أن يريدَ مِن الحَمْلِ، أي: لا تَنْتَقِلُ ولا تنظر في ادخاره.
قاله مجاهد «٢» وغيره.
«٣»
قال ع: والادِّخار ليسَ من خُلُق الموقنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لاِبْنِ عُمَرَ: «كَيْفَ بِكَ إذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةِ منَ النَّاسِ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْف اليَقِينِ» «٤» ، ويجوز أن يريدَ من الحمالة أي: لا تتكفّل لنفسها.
قال الداوديّ: وعن علي بن الأقمر: لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي: لا تدخر شيئاً لغدٍ، انتهى.
وفي الترمذي عن عمر بْنِ الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً» «٥» .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ، وكانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّهُ الخالِقُ والرّازِقُ؛ وإنَّما أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى إقْرارِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ فَيُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّوْحِيدَ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ الخالِقُ.
والمُرادُ بِالأكْثَرِ: الجَمِيعُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ "كَأيِّنْ" بِمَعْنى "كَمْ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْرِيضٌ عَلى الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ فَكَّرَ في الفَقْرِ والجُوعِ الَّذِي يَلْحَقُهُ في الهِجْرَةِ، وقالُوا: غُرْبَةٌ في بَلَدٍ لا دارَ لَنا فِيهِ ولا عَقارَ ولا مَن يُطْعِمْ، فَمَثَّلَ لَهم بِأكْثَرِ الدَوابِّ الَّتِي تَتَقَوَّتُ ولا تَدَّخِرُ ولا تَرْوِي في رِزْقِها، والمَعْنى: فَهو يُرْزَقُكم أنْتُمْ، فَفَضَّلُوا طاعَةَ اللهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْمِلُ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الحَمْلِ، أيْ: لا تَنْقُلُ ولا تَنْظُرُ في ادِّخارِهِ، قالَهُ ابْنُ مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الأقْمَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِادِّخارُ لَيْسَ مِن خُلُقِ المُوقِنِينَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «كَيْفَ بِكَ إذا بَقِيتَ في حُثالَةٍ مِنَ الناسِ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْفِ اليَقِينِ»، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ مِنَ الحَمّالَةِ، أيْ: لا تَتَكَفَّلُ بِرِزْقِها ولا تَرْوِي فِيهِ.
ثُمْ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ في أمْرِ الكُفّارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إنْ سَألُوا عَنِ الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي هي دَلائِلُ القُدْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا التَسْلِيمُ بِأنَّها لِلَّهِ تَعالى، و"يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، ونَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ وتَسْخِيرِ الكَواكِبِ، وَذِكْرِ عِظَمِها، ونَبَّهَ تَعالى عَلى بَسْطِ الرِزْقِ وقَدْرِهِ لِقَوْمٍ، وإنْزالِ المَطَرِ مِنَ السَماءِ، وهَذِهِ عِبَرٌ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ بِالنَجاةِ والمُعْتَقَدِ الأقْوَمِ، ثُمْ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِحَمْدِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِعُقُولِهِمْ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْقِلُونَ ولا يَبْدُو مِنهم نَظَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فأَحيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾ أعيد أسلوب السؤال والجواب ليتصل ربط الأدلة بعضها ببعض على قرب.
فقد كان المشركون لا يدَّعُون أن الأصنام تُنزل المطر كما صرحت به الآية فقامت الحجة عليهم ولم ينكروها وهي تقرع أسماعهم.
وأدمج ف الاستدلال عليهم بانفراده تعالى بإِنزال المطر أن الله أحيا به الأرض بعد موتها وإن كان أكثر المشركين ينسبون المسببات غلى أسبابها العادية كما تبين في بحث الحقيقة والمجاز العقليين في قولهم: أنبت الربيع البق، أنه حقيقة عقلية في كلام أهل الشرك لأنهم مع ذلك لا ينسبون الإنبات إلى اصنامهم، وقد اعترفوا بأن سبب الإنبات وهو المطر منزل من عند الله فيلزمهم أن الإنبات من الله على كل تقدير.
وفي هذا الإدماج استدلال تقريبي لإِثبات البعث كما قال: ﴿ فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ [الروم: 50] وقال: ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ [الروم: 19].
ولما كان سياق الكلام هنا في مساق التقرير كان المقام مقتضياً للتأكيد بزيادة ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من بعد موتها ﴾ إلجاء لهم إلى الإقرار بأن فاعل ذلك هو الله دون أصنامهم فلذلك لم يكن مقتضى لزيادة (مِن) في آية البقرة، وفي الجاثية [5] ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وقد أشار قوله ﴿ من بعد موتها ﴾ إلى موت الأرض، أي موت نباتها يكون بإمساك المطر عنها في فصول الجفاف أو في سنين الجدب لأنه قابله بكون إنزال المطر لإرادته إحياء الأرض بقوله ﴿ فأحيا به الأرض ﴾ ، فلا جرم أن يكون موتها بتقدير الله للعلم بأن موت الأرض كان بعد حياة سبقت من نوع هذه الحياة، فصارت الآية دالة على أنه المتصرف بإحياء الأرض وإماتتها، ويعلم منه أن محيي الحيوان ومميته بطريقة لحن الخطاب.
فانتظم من هذه الآيات المفتتحة بقوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ﴾ [العنكبوت: 61] إلى هنا أصول صفات أفعال الله تعالى وهي: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، من أجل ذلك عقيب بأمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده بكلام يدل على تخصيصه بالحمد..
﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ يَعْقِلُونَ ﴾ لما اتضحت الحجة على المشركين بأن الله منفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ولزم من ذلك أن ليس لأصنامهم شرك في هذه الأفعال التي هي اصول نظام ما على الأرض من الموجودات فكان ذلك موجباً لإِبطال شركهم بما لا يستطيعون إِنكاره ولا تأويله بعد أن قرعت أسماعهم دلائله وهم واجمون لا يبدون تكذيباً فلزم من ذلك صدقُ الرسول عليه الصلاة والسلام فيما دعاهم إليه.
وكَذِبثهم فيما تطاولوا به عليه في أمر الله ورسوله بأن يحمده على أن نصرهُ بالحجة نصراً يؤذن بأنه سينصره بالقوة.
وتلك نعمة عظيمة تستحق أن يحمد الله عليها إذ هو الذي لقنها رسوله صلى الله عليه وسلم بكتابه وما كان يدري ما الكتاب ولا الإِيمان.
فهذا الحمد المأمور به متعلِّقه محذوف تقديره: الحمد لله على ذلك.
وهو الحجج المتقدمة، وليس خاصاً بحجة إنزال الماء من السماء، وكذلك شأن القيود الواردة بعد جعل متعددة أن ترجع غلى جميعها، وكذلك ترجع معها متعلِّقاتها-بكسر اللام- وقرينة المقام كنار على علَم، ألا ترى أن كل حجة من تلك الحجج تستأهل أن يحمد الله على إقامتها فلا تختص بالحمد حجة إنزال المطر فقد قال تعالى في سورة لقمان [25] ﴿ ولَئِن سألتَهُم مَن خَلَقَ السَّماوات والأرضَ ليقولُنَّ الله قُلْ الحمدُ لله بَلْ أكثَرهُم لا يَعْلَمون ﴾ فلذلك لا يجعل قوله ﴿ قل الحمد لله ﴾ اعتراضاً.
و ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ إضراب انتقال من حمد الله على وضوح الحجج إلى ذم المشركين بأن أكثرهم لا يتفطنون لنهوض تلك الحجج الواضحة فكأنهم لا عقل لهم لأن وضوح الحجج يقتضي أن يفطن لنتائجها كلُّ ذي مُسكة من عقل فنزلوا منزلة من لا عقول لهم.
وإنما أسند عدم العقل إلى أكثرهم دون جميعهم لأن من عقلائهم وأهل الفطن منهم من وضحت له تلك الحجج فمنهم من آمنوا، ومنهم من أصرّوا على الكفر عناداً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ جانِبُوا أهْلَ المَعاصِي بِالخُرُوجِ مِن أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ.
الثّانِي: اطْلُبُوا أوْلِياءَ اللَّهِ إذا ظَهَرُوا بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: جاهِدُوا أعْداءَ اللَّهِ بِالقِتالِ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: إنَّ رَحْمَتِي واسِعَةٌ لَكم، قالَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الخامِسُ: إنَّ رِزْقِي واسِعٌ لَكم، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُطَرِّفٍ أيْضًا.
﴿ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فارْهَبُونِ، قالَهُ بِلالُ بْنُ سَعْدٍ.
الثّانِي: فاعْبُدُونِ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: فاعْبُدُونِ بِألّا تُطِيعُوا أحَدًا في مَعْصِيَتِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ كُلَّ حَيٍّ مَيِّتٌ.
الثّانِي: أنَّها تَجِدُ كُرْبَهُ وشِدَّتَهُ، وفي إعْلامِهِمْ بِذَلِكَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: إرْهابًا بِالمَوْتِ لِيُقْلِعُوا عَنِ المَعاصِي.
الثّانِي: لِيُعْلِمَهم أنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ وإنِ اخْتَصُّوا بِكَرامَتِهِ وتَفَرَّدُوا بِرِسالَتِهِ فَحُلُولُ المَوْتِ بِهِمْ كَحُلُولِهِ بِغَيْرِهِمْ حَتّى لا يَضِلُّوا بِمَوْتِ مَن ماتَ مِنهم، ورَوى جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ «لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ ، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مَن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ ودَرَكًا مِن كُلِّ فائِتٍ; فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ.
» ﴿ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ يُرِيدُ البَعْثَ في القِيامَةِ بَعْدَ المَوْتِ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لَنَثُوِّيَنَّهم ) بِالثّاءِ مِنَ الثِّواءِ وهو طُولُ المَقامِ وقَرَأ الباقُونَ بِالباءِ ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ مَعْناهُ لِنُسْكِنَنَّهم أعالِيَ البُيُوتِ.
وَإنَّما خَصَّهم بِالغُرَفِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُرَفَ لا تَسْتَقِرُّ إلّا فَوْقَ البُيُوتِ فَصارَ فِيها جَمْعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ.
الثّانِي: لِأنَّها أنْزَهُ مِنَ البُيُوتِ لِإشْرافِها وألَذُّ سُكْنى مِنها لِرِياحِها وجَفافِها.
وَقَدْ رَوى أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرى ظاهِرُها مِن باطِنِها، وباطِنُها مِن ظاهِرِها، أعَدَّها اللَّهُ لِمَن أطْعَمَ الطَّعامَ وأطابَ الكَلامَ وتابَعَ الصَّلاةَ والصِّيامَ وقامَ بِاللِّيلِ والنّاسُ نِيامٌ» .
قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ تَأْكُلُ بِأفْواهِها ولا تَحْمِلُ شَيْئًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: تَأْكُلُ لِوَقْتِها ولا تَدَّخِرُ لِغَدِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: يَأْتِيها مِن غَيْرِ طَلَبٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ النَّبِيُّ يَأْكُلُ ولا يَدَّخِرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدَّوابُّ هو كُلُّ ما دَبَّ مِنَ الحَيَوانِ.
وَكُلُّهُ لا يَحْمِلُ رِزْقَهُ ولا يَدَّخِرُ إلّا ابْنُ آدَمَ والنَّمْلُ والفَأْرُ.
﴿ اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ ﴾ أيْ يُسَوِّي بَيْنَ الحَرِيصِ المُتَوَكِّلِ في رِزْقِهِ وبَيْنَ الرّاغِبِ القانِعِ وبَيْنَ الجَلُودِ والعاجِزِ حَتّى لا يَغْتَرَّ الجَلْدُ أنَّهُ رُزِقَ بِجَلَدِهِ ولا يَتَصَوَّرُ العاجِزُ أنَّهُ مَمْنُوعٌ بِعَجْزِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا أُذِنَ لِرَسُولِ اللَّهِ في الهِجْرَةِ وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِها خافُوا الضَّيْعَةَ والجُوعَ فَقالَ قَوْمٌ نُهاجِرُ إلى بَلَدٍ لَيْسَ فِيها مَعاشٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَهاجَرُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال يا ابن عمر مالك لا تأكل!
قلت: لا أشتهيه يا رسول الله.
قال: لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم، ويضعف اليقين؟
قال: فوالله ما برحنا، ولا رمنا حتى نزلت ﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات ألا وإني، لا أكنز ديناراً، ولا درهماً، ولا أدخر رزقاً لغد» .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ قال: الطير، والبهائم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن الأقمر في قوله: ﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ قال: لا تدخر شيئاً لغد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز في الآية قال: من الدواب لا يستطيع أن يدخر لغد، يوفق رزقه كل يوم حتى يموت.
وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ فأنى يؤفكون ﴾ قال: يعدلون.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ﴾ يعني: كفار مكة، إلى قوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ أي: الله الذي فعل هذه الأشياء (¬3).
﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ بإقرارهم بذلك.
قاله مقاتل وابن عباس (¬4).
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ توحيد ربهم مع إقرارهم بأن الله خلق الأشياء كلها وحده (¬5)، وأنزل المطر.
والمراد بالأكثر: الجميع.
وقد مر (¬6).
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ حمداً لله على ظهور الحجة، ويكون المعنى إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ إضراب عن كلام محذوف تقديره: يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعتفروا به ولكنهم لا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.
﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.
الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.
وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.
وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.
وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.
ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.
قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.
والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.
وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.
وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...
ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.
وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو واحد لا شريك له.
وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين كثرة.
وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي .
أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.
وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.
وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.
والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.
وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.
والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.
فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .
"وروي أن رسول الله قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.
فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .
وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.
واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.
وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله كما قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟
وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟
وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.
واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.
وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.
وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.
وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".
ثم إن الله كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.
ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.
وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.
وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.
وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.
وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.
قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.
وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.
والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.
وعن النبي "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .
ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.
﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.
واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.
فإذا قيل له: لم؟
قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.
فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.
فالله ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.
وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.
ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.
أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.
ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.
سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.
ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.
ولما بين الدليل من جانب النبي ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.
وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.
ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟
﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.
وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.
﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.
ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟
فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.
فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟
قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.
قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.
ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.
وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.
ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.
وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.
وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.
والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.
وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.
وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.
ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.
وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.
وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.
ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .
واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.
والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.
والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.
ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.
ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.
وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.
فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.
ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.
﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.
وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.
والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.
ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.
وقال المفسرون: لما أمر رسول الله من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.
ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.
﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.
وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.
وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!
﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.
ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟
فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.
ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.
وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.
ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.
ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.
وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.
واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.
قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.
ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.
ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.
ويحتمل أن يقال: إنه قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد" وفي "الحديد".
وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".
فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.
"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.
وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.
ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.
ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.
ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.
ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.
ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "القصص".
ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.
فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.
وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟
وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.
وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.
فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟
وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟
وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.
ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.
وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.
وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.
فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.
التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.
والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.
﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.
فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.
﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.
سأل موسى : إلهي أين أطلبك؟
فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.
ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.
ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.
ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.
قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ إنهم أعطوا جميعاً بألسنتهم: أن الذي خلق السماوات والأرض، وما سخر لهم من الشمس والقمر، وما نزل من السماء من الماء، وما أحيا به الأرض - هو الله لا غيره، فيخرج قوله: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ على أثر ما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به على وجهين: أحدهما: أَنَّي يصرفون عما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة إلى الأصنام التي يعلمون أنها لم تخلق شيئاً مما أعطوا بألسنتهم.
والثاني: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: في تسميتهم الأصنام: آلهة على علم منهم أنها ليست بآلهة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على أثر ما ذكر يخرج على وجوه: أحدها: أمره أن يحمد ربه فيما لم يبل بما بلي به أولئك من التكذيب والعناد والكفر بربهم.
والثاني: أمره أن يحمد ربّه؛ لما في ذلك إظهار سفههم؛ حيث أعطوا باللسان أن ذلك كله من الله، والله خالق ذلك كله، ثم صرفوا ذلك إلى غيره.
والثالث: يقول بعضهم: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ على إقرارهم بذلك أنه خلق لله، وأن ذلك كله منه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعقولهم؛ نفى عنهم العقول؛ لما لم ينتفعوا بها، كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان لما لم ينتفعوا بتلك الحواس؛ فعلى ذلك هذا.
والثاني: لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب التي بها تعقل الأشياء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ وقوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ لو كان الأمر على ظاهر ما نطق به الكتاب دون معان تودع فيه وحكمة تجعل فيه على ما يحمله بعض الناس - لكان لأهل الإلحاد في ذلك مطعن؛ لأنه يقول: ما الحياة إلا لهو ولعب وهو خلقها، فيقولون: لِمَ خلقها لهواً ولعباً وهو خلقها؟
ولهم دعوى التناقض فيه؛ حيث قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ فلو جمع بين هذا وبين الأول فهو في الظاهر متناقض؛ إن يذكر في بعضها: أنه لم يخلقهما وما بينهما باطلا لعباً، ويذكر في بعضها: أن الحياة الدنيا لهو ولعب، وهو خلقها.
لكن تأويل قوله: ﴿ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ ﴾ على ما تقدرون أنتم وعلى ما عندكم ﴿ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ ، فأما عند أهل التوحيد وما في تقديرهم فهي حكمة وحق.
ثم ما ذكر من اللهو واللعب عندهم يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم رأوا أنه خلق الإنسان وجعل بدأه من نطفة، ثم حولها إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى الإنسان الذي صور...
إلى آخر ما حوله؛ فلا يحتمل أن يخلقه ويحوّله من حال إلى الأحوال التي ذكر، ثم يفنيه بلا عاقبة تجعل لهم، ولا منفعة؛ فيكون كما ذكر: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ﴾ صيّر نقضها الغزل من بعد إحكامها إيّاه بلا انتفاع به لهواً ولعباً؛ فعلى ذلك خَلْقُ الحياة الدنيا، وخلق ما فيها من العالم بعد إحكامه وتحويله حالا بعد حال، وتحويلا بعد تحويل، وإحكاماً بعد إحكام للفناء خاصة على ما يقدر أولئك الكفرة بلا عاقبة تجعل لهم أو منفعة - لَهْوٌ ولعب وسفه وباطل؛ على ما ظن أولئك وقدروه، فأما في تقدير أهل التوحيد وأهل الإيمان من العاقبة لهم فهو حكمة وحق.
والثاني: معنى اللهو واللعب الذي ذكر على ما عندهم هو أن الجمع والتسوية بين العدو والولي وبين العاصي والمطيع وبين المخالف والموافق - سفه باطل، وقد سوى بينهم في هذه الدنيا، وأشركهم جميعاً في نعيمها وسعتها وشدتها، وخيرها وشرها، يتمتع الولي فيها كما يتمتع العدوّ، ويبتلى فيها المطيع كما يبتلى العاصي، فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق بين الولي والعدو، وبين المطيع والعاصي لكان خلقه إياهم في الحياة الدنيا سفهاً وباطلا؛ إذ سوى بينهم وأشركهم جميعاً في هذه.
أو أن تكون الحياة الدنيا - على ما اتخذوها هم وعملوا فيها - لهواً ولعباً.
أو أن يقال: الحياة الدنيا بحياة الآخرة لهو ولعب؛ لأنها خلقت فانية منقطعة، وخلقت حياة الآخرة باقية دائمة، فهو كما قال: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ ﴾ أي: متاع الدنيا قليل عند متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا فانٍ منقطع، ومتاع الآخرة دائم باقٍ.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ ﴾ أي: هي دار الحياة، لا موت فيها، ولا انقطاع، ولا فناء ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الدار الآخرة هي الدار التي لا موت فيها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولئن سألت -أيها الرسول- المشركين: من نزّل من السماء ماء فأنبت به الأرض بعد أن كانت قاحلة؟
ليقولنّ: أنزل المطر من السماء وأنبت به الأرض الله، قل -أيها الرسول-: الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم، بل الحاصل أن معظمهم لا يعقلون؛ إذ لو كانوا يعقلون لما أشركوا مع الله أصنامًا لا تنفع ولا تضرّ.
من فوائد الآيات استعجال الكافر بالعذاب دليل على حمقه.
باب الهجرة من أجل سلامة الدين مفتوح.
فضل الصبر والتوكل على الله.
الإقرار بالربوبية دون الإقرار بالألوهية لا يحقق لصاحبه النجاة والإيمان.
<div class="verse-tafsir" id="91.3oOEM"