الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٣٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام : ( قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا ) أي : خالفوا عن أمره ( فإن الله لا يحب الكافرين ) فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر ، والله لا يحب من اتصف بذلك ، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه ، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء - بل المرسلون ، بل أولو العزم منهم - في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه ، والدخول في طاعته ، واتباع شريعته ، كما سيأتي تقريره عند قوله : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) الآية [ آل عمران : 31 ] [ إن شاء الله تعالى ] .
القول في تأويل قوله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولَّوا فاستدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحبُّ من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره بعد علمه، (15) وأنهم منهم، (16) بجحودهم نبوّتك، وإنكارهم الحقّ الذي أنت عليه، بعد علمهم بصحة أمرك، وحقيقة نبوتك، كما:- 6850 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قل أطيعوا الله والرسول "، فأنتم تعرفونه - يعني الوفد من نصارى نجران - وتجدونه في كتابكم=" فإن تولوا " على كفرهم =" فإن الله لا يحبّ الكافرين ".
(17) ------------------- الهوامش : (15) في المطبوعة: "من كفر بجحد ما عرف..." ، وأثبت ما في المخطوطة.
(16) قوله: "وأنهم منهم" ، معطوف على قوله: "فأعلمهم أن الله لا يحب من كفر..." ، "وأنهم منهم" ، أي من هؤلاء الذين لا يحبهم الله ، بجحودهم نبوتك.
(17) الأثر: 6850- سيرة ابن هشام 2: 228 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 6849.
قوله تعالى : قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين قوله تعالى : قل أطيعوا الله والرسول يأتي بيانه في " النساء " .
فإن تولوا شرط ، إلا أنه ماض لا يعرب .
والتقدير فإن تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله .
فإن الله لا يحب الكافرين أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدم .
وقال فإن الله ولم يقل " فإنه " لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره ; وأنشد سيبويه :لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر، وهو طاعته وطاعة رسوله التي يدخل بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه، لأن اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك هم المفلحون { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فليس ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر وطاعة كل شيطان مريد { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } فلهذا قال: { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، وكأن في هذه الآية الكريمة بيانا وتفسيرا لاتباع رسوله، وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله، هذا هو الاتباع الحقيقي،
فنزل قوله تعالى : ( قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا ) أعرضوا عن طاعتهما ( فإن الله لا يحب الكافرين ) لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن سنان ، أنا فليح ، أنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا : ومن يأبى؟
قال " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن عبادة ، أنا يزيد نا سليم بن حيان [ وأثنى عليه ] ، أنا سعيد بن ميناء قال : حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول : جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا : مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا : أولوها له يفقهها ، فقالوا : أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس " .
«قل» لهم «أطيعوا الله والرسول» فيما يأمركم به من التوحيد «فإن تولَّوا» أعرضوا عن الطاعة «فان الله لا يحب الكافرين» فيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لا يحبهم بمعني أنه يعاقبهم.
قل -أيها الرسول-: أطيعوا الله باتباع كتابه، وأطيعوا الرسول باتباع سنته في حياته وبعد مماته، فإن هم أعرضوا عنك، وأصروا على ما هم عليه مِن كفر وضلال، فليسوا أهلا لمحبة الله؛ فإن الله لا يحب الكافرين.
ثم كرر - سبحانه - الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحض الناس على اتباع ما يسعدهم فقال له : { قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } .أى قل لهم يا محمد أطيعوا الله وأطيعوا رسوله في جميع الأوامر والنواهى ، وإن من يدعى أنه مطيع لله دون أن يتبع رسوله فإنه يكون كاذبا في دعواه ، ولذا لم يقل - سبحانه - أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، للإشعار بأن الطاعة واحدة وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى ، كما قال سبحانه : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } ثم ذكر - سبحانه - عاقبة العصاة المعاندين فقال : { فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } أى : فإن أعرضوا عما تأمرهم به يا محمد ولم يستجيبوا لك واستمروا على كفرهم ، فإنهم لا ينالون محبة الله ، لأنهم كافرون .ففى هذه الجملة الكريمة دلالة على أن محبة الله لا ينالها إلا من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه - سبحانه - نفى حبه عن الكافرين ، ومتى نفى حبه عنهم فقد أثبت بغضه ، و لأنه عبر عن تركهم اتباع رسوله بالتولى وهو أفحش أنواع الإعراض ، ومن أعرض عن طاعة رسول الله كان بعيداً عن محبة الله .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت للناس من التوجيهات السامية ، والآداب العالية ما من شأنه أن يغرس في النفوس إخلاص العبادة لله ، والخشية من عقابه ، والأمل في ثوابه ، والإكثار من العلم الصالح الذى يؤدى إلى رضا الله ومحبته .وبعد هذا الحديث الحكيم المتنوع - من أول السورة إلى هنا - عن وحدانية الله ، وقدرته النافذة وعلمه المحيط ، وعن أحقيته للعبادة والخضوع ، وعن الكتب السماوية وما اشتملت عليه من هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه ، وعن رعاية الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، وعن تهديد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم ، وعن الشهوات الذى ارتضاه الله لعباده ، وعن بعض الرذائل التى عرفت عن أكثر أهل الكتاب ، وعن حث الناس على مراقبة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا في دينهم ودنياهم وآخرتهم .
.
.
بعد كل ذلك تحدث القرآن - في أكثر من ثلاثين آية - عمن اصطفاهم الله من عباده ، وعن جانب من قصة مريم ، وقصة زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - وعن قصة ولادة عيسى - عليه السلام - وما صاحبها من خرق للعادات ، وما منحه - سبحانه - من معجزات وعن محاجة الكافرين من أهل الكتاب في شأنه وكيف رد القرآن عليهم .
.
.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : { إِنَّ الله .
.
.
} .
يروى أنه لما نزل قوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله ﴾ الآية قال عبد الله بن أُبي: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين، وهي أن محمداً يدعي لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك الشبهة، فقال: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول ﴾ يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها المنافق في الدين.
ثم قال تعالى: ﴿ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين ﴾ يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم محبة الله، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة، وذلك ضد المحبة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها.
ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم.
والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة الله على الحقيقة ﴿ فاتبعونى ﴾ حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته، يرض عنكم ويغفر لكم.
وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه.
وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله.
وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق تصوّرها، وربما رأيت المنيَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله.
وقرئ: ﴿ تحبون ﴾ .
و ﴿ يحببكم ﴾ و ﴿ يحبكم ﴾ ، من حبه يحبه.
قال: أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِه ** وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالجَارِ أَرْفَقُ وَوَاللَّهِ لَوْلاَ تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ** وَلاَ كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقُ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون مضارعاً بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ المَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ لِكَمالٍ أدْرَكَتْهُ فِيهِ، بِحَيْثُ يَحْمِلُها عَلى ما يُقَرِّبُها إلَيْهِ، والعَبْدُ إذا عَلِمَ أنَّ الكَمالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَراهُ كَمالًا مِن نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَهو مِنَ اللَّهِ وبِاللَّهِ وإلى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّهُ إلّا لِلَّهِ وفي اللَّهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إرادَةَ طاعَتِهِ والرَّغْبَةَ فِيما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ بِإرادَةِ الطّاعَةِ وجُعِلَتْ مُسْتَلْزَمَةً لِاتِّباعِ الرَّسُولِ في عِبادَتِهِ والحِرْصِ عَلى مُطاوَعَتِهِ.
﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ أيْ يَرْضَ عَنْكم ويَكْشِفِ الحُجُبَ عَنْ قُلُوبِكم بِالتَّجاوُزِ عَمّا فَرَطَ مِنكم فَيُقَرِّبُكم مِن جَنابِ عِزِّهِ ويُبَوِّئُكم في جِوارِ قُدْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُقابَلَةِ.
﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واتِّباعِ نَبِيِّهِ .
رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَتِ اليَهُودُ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ لَمّا قالُوا: إنَّما نَعْبُدُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ.
وقِيلَ: في أقْوامٍ زَعَمُوا عَلى عَهْدِهِ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنَ العَمَلِ.
﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ يَحْتَمِلُ المُضِيَّ والمُضارَعَةَ بِمَعْنى فَإنْ تَتَوَلَّوْا.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لا يَرْضى عَنْهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ لا يُحِبُّهم لِقَصْدِ العُمُومِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوَلِّيَ كُفْرٌ، وإنَّهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَنْفِي مَحَبَّةَ اللَّهِ وأنَّ مَحَبَّتَهُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول} قيل هي علامة المحبة {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن قبول الطاعة ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإن تتولوا {فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين} أي لا يحبهم
﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ أيْ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَعْيِينِ حَيْثِيَّةِ الإطاعَةِ والإشْعارِ بِعِلَّتِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّ شُبْهَةِ المُنافِقِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم مُتابَعَتِي لا لِما يَقُولُ النَّصارى في عِيسى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا أوْ تَعَرَّضُوا عَلى أنْ تَكُونَ إحْدى التّائَيْنِ مَحْذُوفَةً فَيَكُونُ حِينَئِذٍ داخِلًا في حَيِّزِ المَقُولِ، وفي تَرْكِ ذِكْرِ اِحْتِمالِ الإطاعَةِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّها غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ مِنهم ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ أيْ لا يُقَرِّبُهم أوْ لا يَرْضى عَنْهم بَلْ يُبْعِدُهم عَنْ جُوارِ قُدْسِهِ وحَظائِرِ عِزِّهِ ويَسْخَطُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ مَن تَوَلّى، ولَمْ يُعَبِّرْ بِضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّوالِيَ عَنِ الطّاعَةِ كُفْرٌ وبِأنَّ مَحَبَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ نَفْيَها عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُسْتَلْزِمَ لِنَفْيِها عَنْ سائِرِهِمْ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ يَقْتَضِي الحَصْرَ في ضِدِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وذلك أن رسول الله دعا كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، يعني نحن في المنزلة بمنزلة الأبناء، ولنحن أشدّ حباً لله.
فقال الله لنبيه: قل إن كنتم تحبون الله تعالى: فَاتَّبِعُونِي على ديني، فإني رسول الله أؤدي رسالته يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
قال الزجاج: تحبون الله، أي تقصدون طاعته، فافعلوا ما أمركم الله عز وجل، لأن محبة الإنسان لله وللرسول طاعته له، ورضاه بما أمر، والمحبة من الله عفوه عنهم، وإنعامه عليهم برحمته.
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ويقال: الحب من الله عصمته وتوفيقه، والحب من العباد طاعة كما قال القائل: تَعْصي الإله وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّه ...
هَذَا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بديعُ لَوْ كَانَ حبك صادقا لأطعته ...
إن المحب لمن يحب مطيع فلما نزلت هذه الآية قالوا: إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً، كما اتخذت النصارى عيسى حناناً فنزلت هذه الآية: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فقرن طاعته بطاعة رسوله رغماً لهم، ويقال: أطيعوا الله فيما أنزل، والرسول فيما بَيّن فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني إن أعرضوا عن طاعتهما فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي لا يغفر لهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: نَفْسَهُ: نائبةٌ عن «إيَّاهُ» ، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: / ويحذِّركم اللَّه عقابه «١» .
وقوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ...
الآية: الضميرُ في «تُخْفُوا» هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
وقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْنِي» : «يَوْم» : نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ل «يحذِّركم» كما زعم بعضُهم لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة.
اهـ.
وقوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يحتمل أنْ تكون «مَا» معطوفةً على «مَا» الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون «تَوَدُّ» في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ «٢» وغيره، ويحتملُ أنْ تكون «مَا» رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: «تَوَدُّ» .
وما بعده، والأَمَدُ:
الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك: التأنيسُ لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!.
وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار «٣» أنه قال: أعقلُ النّاس محسن خائف، وأجهل النّاس مسيء
آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان «١» منْه هذا الكلامَ بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له:
اتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ...
الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ.
اهـ.
وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ...
الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ حتى حُكِيَ عن بعضهم أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن.
انتهى.
قال ع «٢» : قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جريج: إنّ قوما على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآية، وقيل: أمر صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان.
قال ع «٣» : ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم.
قال عِيَاضٌ: اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادق في حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ...
الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جاء مع القرآن، ومن
تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، / خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ...
» الحديثَ «١» ، وعن أبي هريرةَ (رضي اللَّه عنه) ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» «٢» ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا ...
» الحديث.
قال عياض: ومن علامات محبّته صلّى الله عليه وسلّم: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: «إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ» «٣» ، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «٤» : «قال رجُلٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: انظر مَا تَقُولُ؟
قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ» ثَلاَثَ مَرَّات قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً» ، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه «٥» اهـ من «الشّفا» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ: ويَأْمُرُنا أنَّ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى بْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَتْ هَذا الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ ، دَعا اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، ونَحْنُ أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أُمِرَ مُحَمَّدٌ أنْ يَقُولَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ: «إنَّ قَوْمًا عَلى عَهْدِ النَبِيِّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا نُحِبُّ رَبَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِمْ،» جَعَلَ اللهُ فِيها اتِّباعَ مُحَمَّدٍ عَلَمًا لِحُبِّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ الزُبَيْرِ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم في عِيسى وغُلُوُّكم في أمْرِهِ حُبًّا لِلَّهِ، فاتَّبِعُونِي.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً لِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَصارى لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهم.
ألا تَرى أنَّ جَمِيعَهم قالُوا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، ولَفْظُ "أحِبّاؤُهُ" إنَّما يُعْطِي أنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ، لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم "وَمُحِبُّوهُ" فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ ﴾ .
وقَرَأ الزُهْرِيُّ "فاتَّبِعُونِي" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يَحْبُبْكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الباءِ الأُولى مِن "حَبَّ" وهي لُغَةٌ، قالَ الزَجّاجُ: حَبُبْتُ قَلِيلَةٌ في اللُغَةِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ، وعَلَيْها اسْتُعْمِلَ مَحْبُوبٌ.
والمَحَبَّةُ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها إقْبالٌ مِنَ النَفْسِ ومَيْلٌ بِالمُعْتَقَدِ.
وقَدْ تَكُونُ الإرادَةُ المُجَرَّدَةُ فِيما يَكْرَهُ المُرِيدُ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُقُوعَ الكُفْرِ ولا يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى يَلْزَمُ عنها ولا بُدَّ أنْ يُطِيعَهُ، وتَكُونُ أعْمالُهُ بِحَسَبِ إقْبالِ النَفْسِ، وقَدْ تَمَثَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ حِينَ رَأى الكَعْبَةَ فَأنْشَدَ: هَذِهِ دارُهُ وأنْتَ مُحِبٌّ ∗∗∗ ما بَقاءُ الدُمُوعِ في الآماقِ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أمارَتُها لِلْمُتَأمِّلِ؛ أنْ يَرى العَبْدَ مَهْدِيًّا مُسَدَّدًا ذا قَبُولٍ في الأرْضِ، فَلُطْفُ اللهِ بِالعَبْدِ ورَحْمَتُهُ إيّاهُ، هي ثَمَرَةُ مَحَبَّتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ يَتَفَسَّرُ لَفْظُ المَحَبَّةِ حَيْثُ وقَعَتْ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وذَكَرَ الزَجّاجُ: أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَيَغْفِر لَّكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، وخَطَّأ القُرّاءَ، وغَلَّطَ مَن رَواها عن أبِي عَمْرٍو فِيما حَسِبْتُ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ ﴾ خِطابٌ لِنَصارى نَجْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ وعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصَدْعِ بِالقِتالِ.
<div class="verse-tafsir"
عودة إلى الموعظة بطريق الإجمال البحت: فَذْلَكَةً للكلام، وحرصاً على الإجابة، فابتدأ الموعظة أولاً بمقدمة وهي قوله: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ [آل عمران: 10] ثم شرع في الموعظة بقوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ [آل عمران: 12] الآية.
وهو ترهيب ثم بذكر مقابله في الترغيب بقوله: ﴿ قل أؤنبّئكم بخير من ذلكم ﴾ [آل عمران: 15] الآية ثم بتأييد ما عليه المسلمون بقوله: ﴿ شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 18] الآية وفي ذلك تفصيل كثير.
ثم جاء بطريق المجادلة بقوله: ﴿ فإن حاجّوك ﴾ [آل عمران: 20] الآية ثم بترهيب بغير استدلال صريح ولكن بالإيماء إلى الدليل وذلك قوله: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات اللَّه ويقتلون النبيين بغير حق ﴾ [آل عمران: 21] ثم بطريق التهديد والإنذار التعريضي بقوله: ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ [آل عمران: 26] الآيات.
ثم أمر بالقطيعة في قوله: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ﴾ [آل عمران: 28].
وختم بذكر عدم محبة الكافرين ردّاً للعجز على الصدر المتقدم في قوله: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ﴾ [آل عمران: 10] الآية ليكون نفي المحبة عن جميع الكافرين، نفياً عن هؤلاء الكافرين المعيَّنين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.
والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير من طريق بكر بن الأسوف عن الحسن قال: «قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنا نحب ربنا.
فأنزل الله: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ فجعل أتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علماً لحبه، وعذاب من خالفه» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي عبيدة الناجي عن الحسن قال: قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد إنا لنحب ربنا، فأنزل الله: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق عباد بن منصور قال إن أقواماً كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل فقال: ﴿ إن كنتم تحبون الله...
﴾ الآية.
فكان اتباع محمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولهم.
وأخرج الحكيم الترمذي عن يحيى بن أبي كثير قال: قالوا إنا لنحب ربنا، فامتحنوا.
فأنزل الله: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: كان أقوام يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربنا.
فأمرهم الله أن يتبعوا محمداً، وجعل أتباع محمد صلى الله عليه وسلم علماً لحبه.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رغب عن سنتي فليس مني، ثم تلا هذه الآية ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله...
﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ أي إن كان هذا من قولكم في عيسى حباً لله وتعظيماً له ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ أي ما مضى من كفركم ﴿ والله غفور رحيم ﴾ .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال: على البر والتقوى، والتواضع، وذلة النفس.
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو نعيم والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ قال: على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس.
وأخرج ابن عساكر عن عائشة في هذه الآية ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قالت: على التواضع، والتقوى، والبر، وذلة النفس.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحب على شيء من الجور، ويبغض على شيء من العدل.
وهل الدين إلا الحب والبغض في الله» ؟
قال الله تعالى ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حوشب عن الحسن في قوله: ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ قال: فكان علامة حبهم إياه اتباع سنة رسوله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة، أنه سئل عن قوله «المرء مع من أحب فقال: ألم تسمع قول الله: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ يقول: بقربكم.
والحب هو القرب، والله لا يحب الكافرين، لا يقرب الكافرين» .
وأخرج أبي جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإنهم يعرفونه.
يعني الوفد من نصارى نجران، ويجدونه في كتابهم ﴿ فإن تولوا ﴾ على كفرهم ﴿ فإن الله لا يحب الكافرين ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري...
ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ قيل: لمّا نزل (١) ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ ، الآية، قال عبد الله بن أُبَي (٢) (٣) : كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله ، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به في كتابه، ونهى عنه (٤) قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ ، يريد: محمداً فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ .
قال الزجَّاج (٨) (٩) (١٠) ، فقد تَوَلَّى عن الله عز وجل.
ومعنى ﴿ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ : لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيراً (١١) (١) في (ب): (نزلت).
(٢) هو: عبد الله بن أبَيِّ بن سَلُول، العَوْفي الخزرجي.
رأس المنافقين بالمدينة، وكان سَيِّد أهل المدينة قبل هجرة النبي إليها، وقد اجتمعت الأوس والخزرج على أن يُتَوِّجوه عليهم مَلِكًا، فجاء الإسلامُ وهدى الله الحَيِّيْن له، ففَرَطَ منه هذا الشرفُ، فدخل في الإسلام مُكرَها، وأبطن النفاق والضَّغينة.
انظر أخباره في "سيرة ابن هشام" 2/ 173، 234، 236 - 238، 3/ 51 - 53، 68، 200، 303.
(٣) ورد هذا الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 37 ب، "تفسير البغوي" 2/ 27، "زاد المسير" 1/ 373 - 374، وقال: (هذا قول ابن عباس)، كما ذكره الرازي 8/ 20.
(٤) لم أجد نصَّ قول الشافعي، فيما اطلعت عليه من مصادر، ولكن وردت أقوال كثيرة له تدل على هذا المعنى.
انظر: "الرسالة" للشافعي 73، 76، 78، 84، 85، 88، "أحكام القرآن" للشافعي، (جامع البيهقي): 1/ 28.
(٥) في (ج): (طاعتكم).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٧) لم أهتد إلى مصدر هذه الرواية (٨) في "معاني القرآن" له 1/ 398.
(٩) (أي): ساقطة من (د).
(١٠) في (ج): (لا يحبكم).
(١١) هذا من تمام قول الزجاج، وقد سبق أن بيَّنت أن عدم المغفرة، وعدم الثناء بالخير عليهم، إنَّما هو من لوازم، ومُقتضيات عدم المحبة، وليس هو حقيقة عدم المحبة، وحقيقة ذلك وكنهه وكيفيَّته، لا تحيط بها عقولنا، ونكلها إلى الحق عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون ﴾ الآية.
عامة في جميع الأعصار، وسببها ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش ﴿ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ ﴾ تبرؤ ممن فعل ذلك.
ووعيد على موالاة الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ ، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ﴾ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن ﴿ تقاة ﴾ وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين.
وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في تتقوا ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ تخويف ﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا أو خافوا وقيل: العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء ﴾ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف ﴿ أَمَدَاً ﴾ أي مسافة ﴿ والله رَؤُوفٌ ﴾ ذُكر بعد التحذير تأنيساً لئلا يفرط في الخوف، أو لأن التحذير والتنبيه رأفة ﴿ فاتبعوني ﴾ جعل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، وقيل إنّ الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون بالتخفيف على "فيل".
﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.
الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.
﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.
﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".
/التفسير: إنه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.
وإنما أخرت تبركاً باسم الله وهذا من خصائص اسم الله.
كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.
وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.
وخففت الهمزة من أمّ.
وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.
ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.
وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.
﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.
فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.
وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".
عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟
هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.
وعن عمرو بن عون "أن رسول الله لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله ، يخبره ، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.
فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.
وقال الحسن: إن الله أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.
وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.
﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله .
ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.
فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.
وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.
والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.
ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟
﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.
وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي بكثرة عددهم وعددهم فرد الله على جميع هؤلاء الطوائف بأنه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.
ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.
وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.
ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله .
فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.
فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.
والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.
في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.
وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.
وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.
وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.
﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.
ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.
أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.
فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.
والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.
فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.
وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.
ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.
بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.
قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.
والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.
وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.
عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.
فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.
فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.
فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.
وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله فأنزل الله هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.
فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.
قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".
ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.
رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.
وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.
ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال: نعم.
- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
فقال: نعم نعم نعم.
فقال: أتشهد أني رسول الله؟
فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.
فبلغ ذلك رسول الله : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .
ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.
وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.
ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.
ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.
قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.
وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.
وهذا أرجح عند الأئمة.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.
وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.
وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.
وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.
ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.
ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.
وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.
والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.
والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.
والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.
ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.
ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.
ثم إنه دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.
فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .
فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.
وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.
والحاصل أن كل من يدعي محبة الله من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد وجبت متابعته.
فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.
فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله عبارة عن إعطاء الثواب.
وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.
﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.
يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.
ثم إنه لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.
وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.
أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.
أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.
ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.
وقال : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.
ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.
وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.
ومثله ما يروى أن النبي تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة أيام.
وقال " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.
وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟
بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.
وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.
وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟
وأما القوة المحركة فكعروج النبي وعروج عيسى إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.
وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.
ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.
ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحق.
فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.
فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد .
فلما ظهر محمد نقل نور النبوة ونور الملك إليه وبقي الدين والملك في أمته إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.
وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يده.
فالله يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ .
﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.
وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.
وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.
وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.
ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.
﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.
ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.
ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.
التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.
﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.
﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.
تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.
لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.
فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.
واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.
أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.
وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.
وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.
وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.
قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.
والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.
والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.
وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.
وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.
﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.
﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً ﴾ : قيل: تجد ثواب ما عملت من خير حاضراً؛ لأن عمله إنما كان للثواب لا لنفس العمل.
﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : يحتمل: ما عملت من سوء تجده مكتوباً يتجاوز عنه؛ لأن الله - عز وجلّ - وعد المؤمنين، وأطمع لهم قبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ؛ فيجد المؤمن ثواب ما عمل من خير حاضراً، ويتجاوز عن مساوئه.
وأمّا الكافر: فيجد عقاب ما عمل من سوء في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً ﴾ فلا يتجاوز عنهم، ويبطل خيراتهم.
وقوله: ﴿ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : قيل: بعيداً من حيث لا يرى.
وقيل: بعيداً تودّ: ليت أن لم يكن، وما من نفس مؤمنة ولا كافرة إلا ودّوا البعد عن ذنبه، وأنه لم يكن.
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : إن أراد رأفة الآخرة - يعني بالمؤمنين خاصّة، وإن أراد رأفة الدينا - فهو بالكل.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : فالرحمة من الله - جلّ ثناؤه - والرأفة نوعان: أحَدهما: في حق الابتداء، أن خلق خلقاً ركب فيهم ما يميزون بين مختلف الأمور، ويجمعون بين المؤتلف، ثم لم يأخذ كلا منهم بما استحق من العقوبة؛ بل رحم وأمهل للتوبة والرجوع إليه، وهذه الرحمة رحمة عامة لا يخلو عنها عبد.
ورحمة في حق الجزاء؛ من التجاوز والمغفرة وإيجاب الثواب للفعل، فهذه لا ينالها أعداؤه؛ لما يوجب التجهيل في التفريق بين الذي جعل في العقول التفريق؛ ولما يكون وضع الإحسان في غير أهله، والإكرام لمن لا يصرف الكرم به؛ ولما في الحكمة تعذيبهم تخويفاً وزجراً عما يختارون، وينالها من تقرب واعتقد الموالاة، وكان هو أعظم في قلوبهم وطاعته من جميع لذَّات الدارين، وإن كانوا يبلون بالمعاصي على الجهالة، أو على رجاء الرحمة والعفو؛ إذ هو كذلك في شرطهم الذي به والوه، وبالغلبة، والله أعلم، فهي رحمة خاصّة، أي: هي بالمؤمنين، وبالعباد الذين بذلوا أنفسهم له بالعبودة بحق الاختيار، وإن كان يغلبون على ذلك في أحوال، والله الموفق.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ قيل: إن ناساً كانوا يقولون في عهد رسول الله : إنا نحبُّ الله حبّاً شديداً؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية، وبين فيها لمحبته علماً.
وقيل: إنّ اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه؛ فأنزل الله - تبارك وتعالى -" قل يا محمد: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ وذلك أنّ من أَحبّ ملكاً من الملوك يحبّ رسوله، ويتبعه في أمره، ويؤثر طاعته لحبّه، فإذا أظهرتم أنتم بغضكم لرسولي، وتركتم اتباعه في أمره، وإيثار طاعته - ظهر أنكم تكذبون في مقالتكم: نحن أبناء الله وأحبَّاؤه؛ لأن من أحبَّ آخر يحب المتصلين به ورسله وحشمه، والمحبّة - ههنا -: الإيثار بالفعل طاعة من يحبّه فيما أحبّه وكرهه، والطاعة له في جميع أمره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ...
﴾ الآية: قد تقدم ذكرها.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فإن أعرضوا عن ذلك فإن الله لا يحب الكافرين المخالفين لأمره وأمر رسوله.
<div class="verse-tafsir" id="91.npPDe"
جاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.
وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.
وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.
الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.
وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.
وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.
ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).
ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.
وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.
وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.
وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.
ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.
<div class="verse-tafsir"