الآية ٤٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٧ من سورة آل عمران

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك ، عن الله ، عز وجل ، قالت في مناجاتها : ( رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ) تقول : كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج ، ولست بغيا ؟

حاشا لله .

فقال لها الملك - عن الله ، عز وجل ، في جواب هذا السؤال - : ( كذلك الله يخلق ما يشاء ) أي : هكذا أمر الله عظيم ، لا يعجزه شيء .

وصرح هاهنا بقوله : ( يخلق ) ولم يقل : " يفعل " كما في قصة زكريا ، بل نص هاهنا على أنه يخلق ، لئلا يبقى شبهة ، وأكد ذلك بقوله : ( إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) أي : فلا يتأخر شيئا ، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة ، كقوله تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] أي : إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها ، فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح بالبصر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، قالت مريم = إذ قالت لها الملائكة أنّ الله يبشرك بكلمة منه =: " ربِّ أنَّى يكون لي ولد "، من أيِّ وجه يكون لي ولد؟

(12) أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، (13) ومن غير أن يمسَّني بشر؟

فقال الله لها =" كذلك الله يخلق ما يشاء "، يعني: هكذا يخلق الله منك ولدًا لك من غير أن يمسَّك بشر، فيجعله آيةً للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد، فيعطي الولد &; 6-421 &; من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعلٍ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئًا ما أراد [خلقه] فيقول له: (14) " كن فيكون " ما شاء، مما يشاء، وكيف شاء، كما:- 7079 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء "، يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء، من بشر أو غير بشر =" إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن "، مما يشاء وكيف يشاء =" فيكون " ما أراد.

(15) --------------------- الهوامش: (12) انظر تفسير"أنى" فيما سلف 4: 398-416 / 5: 312 ، 447 / 6: 358.

(13) في المخطوطة: "أي تبتدئ" ، وهو خطأ ، وفي المطبوعة: "أو تبتدئ" وآثرت الذي أثبت.

(14) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من السياق.

(15) الأثر: 7079- سيرة ابن هشام 2: 230 من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7072 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أي: إذا قضى أمرًا..." ، وظاهر أن"أي" لا مكان لها هنا ، ونص ابن هشام عن ابن إسحاق دال على صواب ذلك ، فحذفتها.

وكان في المخطوطة والمطبوعة أيضًا"فإنما يقول له كن فيكون ، مما يشاء...".

وظاهر أيضًا زيادة"فيكون" هنا ، لأن السياق يقتضي إغفالها هنا ، ولأنها ستأتي بعد ، كما هو في نص رواية ابن هشام عن ابن إسحاق ، فرفعتها من هذا المكان أيضًا.

وفي سيرة ابن هشام"فيكون ، كما أراد" ، وكلاهما صواب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكونقوله تعالى : قالت رب أي يا سيدي .

تخاطب جبريل عليه السلام ; لأنه لما تمثل لها قال لها : إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا .

فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت [ ص: 88 ] عن طريق الولد فقالت : أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟

أي بنكاح .

في سورتها ولم أك بغيا ذكرت هذا تأكيدا ; لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحرام والحلال .

تقول : العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلا عن نكاح أو سفاح .

وقيل : ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد : أمن قبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء ؟فروي أن جبريل - عليه السلام - حين قال لها : كذلك الله يخلق ما يشاء ، قال كذلك قال ربك هو علي هين .

نفخ في جيب درعها وكمها ; قال ابن جريج .

قال ابن عباس : أخذ جبريل ردن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى .

وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالى .

وقال بعضهم : وقع نفخ جبريل في رحمها فعلقت بذلك .

وقال بعضهم : لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس ، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولدا ، وأن الله تعالى جعل الماءين جميعا في مريم بعضه في رحمها وبعضه في صلبها ، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها ; لأن المرأة ما لم تهج شهوتها لا تحبل ، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك ; فذلك قوله تعالى : إذا قضى أمرا يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فإنما يقول له كن ، وقد تقدم في " البقرة " القول فيه مستوفى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } والولد في العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك في قدرة الله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين أبوين أحدهما كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى عليه السلام من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالت رب ) يا سيدي تقوله لجبريل .

وقيل : تقول لله عز وجل ( أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ) يصبني رجل ، قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له ( قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا ) أي كون الشيء ( فإنما يقول له كن فيكون ) كما يريد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالت ربِّ أنَّى» كيف «يكون لي ولد ولم يمسني بشر» بتزوج ولا غيره «قال» الأمر «كذلك» من خلق ولد منك بلا أب «الله يخلق ما يشاء إذا قضي أمرا» أراد خلقه «فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت مريم متعجبة من هذا الأمر: أنَّى يكون لي ولد وأنا لست بذات زوج ولا بَغِيٍّ؟

قال لها المَلَك: هذا الذي يحدث لكِ ليس بمستبعد على الإله القادر، الذي يوجِد ما يشاء من العدم، فإذا أراد إيجاد شيء فإنما يقول له: "كُن" فيكون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها ، وشدة تأثرها فقال - تعالى - { قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } .أى : قالت مريم على سبيل التعجب والاستغراب : يا رب كيف يكون لى ولد والحال أنى لم يمسسنى بشر ، أى لست بذات زوج ، ولم يحصل منى قط ما يكون بين الرجل والمرأة مما يسبب عنه وجود الولد .والجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل : فماذا كان منها بعد أن قالت لها الملائكة ذلك؟

فكان الجواب : { قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ } .

.

.

الخ .وصدرت إجابتها بالنداء لله - تعالى - للإشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهة وأن استغرابها وتعجبها إنما هو من الكيفية لا إنكارا لقدرة الله - تعالى - وجملة { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } حالية محققة لما مر ومقوية له .والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن المباشرة التي تقع بين الرجل والمرأة ولاتي يترتب عليها وجود النسل غذا شاء الله ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد به حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل ، لأنها كانت معتكفة في بيت الله ومنصرفة لعبادته ، ولم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط .

وبذلك ينتفى بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس ، فموضع عجبها واستنكارها إنما هو وجود ولد منها مع أنها لم يمسسها بشر .وهنا يحكى القرىن أن الله - تعالى - قد أزال عجبها واستنكارها بقوله : { قَالَ كَذَلِكَ الله يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } .أى قال الله - تعالى - لها بلا واسطة أو بواسطة ملائكته : كهذا الخلق الذى تجدينه ، بأن يكون لك ولد من غير أن يمسسك بشر وهو إبداع ، يخلق الله - تعالى - ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه .وبعضهم يجعل الوقوف على " كذلك " فتكون خبرا لمبتدأ محذوف أى قال - سبحانه - فى إجابته على مريم : الأمر كذلك أى يأتى الولد منك على الحالة التى أنت عليها لأن الله - تعالى - يخلق ما يشاء أن يخلقه بدون احتياج إلى وجود الأسباب والمسببات لنه هو خالقه وخالق كل شىء ، ولا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء .وصرح ههنا بقوله { يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } ولم يقل " يفعل " كما في قصة زكريا ، لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير ، فكان الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل .ثم أكد - سبحانه - عظيم قدرته ونفاذ إرادته بقوله : { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .وقضى هنا بمعنى أراد ، أى إذا اراد - سبحانه - شيئاً ، فإنما يقول لهذا الشىء كن فيكون من غير تأخر ومن غير وجود أسباب ، فهو كقوله - تعالى - { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر } أى إنما نأمره مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشىء سريعا كلمح البصر .قال الآلوسى : وقوله { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } هذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة ، فالممثل الشىء المكون بسرعة من غير عمل وآلة ، والممثل به أمر الآمر المطاع - المأمور المطيع على الفور ، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه .وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة ، بأن يراد تعلق الكلام النفسى بالشىء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه .وعلى كلا التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن الله - تعالى - لا يعجزه أن يخلق ولدا من غير أب ، لأنه أمر ممكن في نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التي بشرت بها الملائكة مريم وبعض الصفات التي وصف الله - تعالى - بها عيسى ، وبينت جانباً من مظاهر قدرة الله - تعالى - ونفاذ إرادته ، وفى ذلك ما فيه من العظات والعبر لأولى الألباب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام، وقوله: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُعَلّمُهُ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع، وعاصم ﴿ وَيُعَلّمُهُ ﴾ بالياء والباقون بالنون، أما الياء فعطف على قوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة، وكذا وكذا ﴿ وَيُعَلّمُهُ الكتاب ﴾ ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها: قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله ﴿ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ فهذا وإن كان إخباراً على وجه المغايبة، فقال: ﴿ ونعلمه ﴾ لأن معنى قوله: ﴿ قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ معناه: كذلك نحن نخلق ما نشاء ونعلمه الكتاب والحكمة والله أعلم.

المسألة الثانية: في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف، والأقرب عندي أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار عالماً بالخط والكتابة، ومحيطاً بالعلوم العقلية والشرعية، يعلمه التوراة، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة، لأن التوراة كتاب إلهي، وفيه أسرار عظيمة، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلهية، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتاباً آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى، والمرتبة العليا في العلم، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المسيح ﴾ لقب من اولقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ [مريم: 31] وكذلك ﴿ عِيسَى ﴾ معرب من أيشوع.

ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء.

فإن قلت: ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: هو بدل من ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ ويجوز أن يبدل من ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا.

فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟

قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.

فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟

قلت لأن المسمى بها مذكر.

فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟

قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة ﴿ وَجِيهاً ﴾ حال من ﴿ كلمة ﴾ وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم) (وَمِنَ الصالحين).

أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة.

والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس.

وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.

وكونه ﴿ مِنَ المقربين ﴾ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر.

و ﴿ فِى المهد ﴾ في محل النصب على الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً.

ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.

ومن بدع التفاسير أن قولها: رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي ﴿ ونعلمه ﴾ عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ.

وقرأ عاصم ونافع: ﴿ ويعلمه ﴾ ، بالياء.

فإن قلت: علام تحمل: ورسولاً، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ و ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يأبى حمله عليها؟

قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له ﴿ وأرسلت ﴾ على إرادة القول؛ تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم.

ومصدقاً لما بين يدي.

والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و ﴿ أَنِى أَخْلُقُ ﴾ نصب بدل من ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرئ: ﴿ إني ﴾ ، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً.

وقرأ عبد الله: ﴿ فأنفخها ﴾ قال: كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا وقيل: لم يخلق غير الخفاش ﴿ الاكمه ﴾ الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده.

وكرر ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية.

وروي: أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا.

وقرئ ﴿ تذخرون ﴾ ، بالذال والتخفيف ﴿ وَلأُحِلَّ ﴾ ردّ على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون ﴿ مُصَدّقاً ﴾ مردوداً عليه أيضاً، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً.

وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك.

قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له.

واختلفوا في إحلاله لهم السبت.

وقرئ ﴿ حرم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو ما بين يديّ من التوراة، أو الله عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوماً عندهم.

وقرئ: ﴿ حرم ﴾ ، بوزن كرم ﴿ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرئ بالفتح على البدل من ﴿ ءايَةً ﴾ .

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟

قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك.

وقرأ عبد الله.

﴿ وجئتكم بآيات من ربكم ﴾ ، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ....

فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ [قريش: 1 3] ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ تَعَجُّبٌ، أوِ اسْتِبْعادٌ عادِيٌّ، أوِ اسْتِفْهامٌ عَنْ أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ.

قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ القائِلُ جِبْرِيلُ، أوِ اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلُ حَكى لَها قَوْلَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى كَما يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ مُدْرَجًا بِأسْبابٍ ومَوادَّ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً مِن غَيْرِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

آل عمران (٤٧ _ ٥١)

{إذا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} أي إذا قدر تكون شيء كونه من غرتأخير لكنه عبر بقوله كن إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَتْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنها حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مَجازِيًّا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ والِاسْتِبْعادُ العادِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اِسْتِفْهامًا عَنْ أنَّهُ مِن أيِّ شَخْصٍ يَكُونُ، وإعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما مَرَّ ومُقَوِّيَةٌ لَهُ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ وهَذا نَفْيٌ عامٌّ لِلتَّزَوُّجِ وغَيْرِهِ، والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والتَّنْكِيرُ لِلْعُمُومِ، والمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى باشَرَ أباهُ وخَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.

(قالَ) اِسْتِئْنافٌ كَسابِقِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الرَّبِّ والمَلَكُ حَكى لَها المَقُولَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ إمّا بِلا تَغْيِيرٍ فَيَكُونُ فِيهِ اِلْتِفاتٌ، وإمّا بِتَغْيِيرٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها ذَلِكَ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، والأوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّمْ غَيْرَ الأنْبِياءِ بَلْ غَيْرَ خاصَّتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ، وحَمْلُ ﴿ قالَتْ رَبِّ ﴾ فِيما تَقَدَّمَ عَلى ذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، وقَدْ مَرَّ عَلَيْكَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَلا أنَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِ يَخْلُقُ وهُناكَ بِ يَفْعَلُ لِاخْتِلافِ القِصَّتَيْنِ في الغَرابَةِ فَإنَّ الثّانِيَةَ أغْرَبُ، فالخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الِاخْتِراعِ أنْسَبُ بِها ولِهَذا عَقَّبَهُ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، والقَضاءُ في الأصْلِ الأحْكامُ، وأُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإيجادِ المَعْدُومِ وإعْدامِ المَوْجُودِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإيجابِها ما تَعَلَّقَتْ بِهِ البَتَّةَ ويُطْلَقُ عَلى الأمْرِ، ومِنهُ ﴿ وقَضى رَبُّكَ ﴾ .

﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ أيْ فَهو يَكُونُ أيْ يَحْدُثُ، وهَذا عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في مُرادِهِ بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ في حُصُولِ المَأْمُورِ مِن غَيْرِ اِمْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ وافْتِقارٍ إلى مُزاوَلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، فالمُمَثِّلُ الشَّيْءُ المُكَوِّنُ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ عَمَلٍ وآلَةٍ، والمُمَثَّلُ بِهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ لِمَأْمُورٍ بِهِ مُطِيعٍ عَلى الفَوْرِ، وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يُرادَ تَعَلُّقَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالشَّيْءِ الحادِثِ عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن هَذا الجَوابِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ ولَدًا بِلا أبٍ لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ كَيْفَ لا وكَثِيرًا ما نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ كَحُدُوثِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ المُتَعَفِّنِ والعَقارِبِ عَنِ البادُورَجِ والذُّبابِ عَنِ الباقِلاءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ غايَتُهُ الِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُوجِبُ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ عِلْمٍ، وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ عَنْ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ يَجِبُ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المادَّةَ فِيما عُدَّ ونَحْوُهُ مَوْجُودَةٌ وبَعْدَ وُجُودِها لا رَيْبَ في الإمْكانِ دُونَ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ مادَّةَ الآدَمِيِّ مَنِيّانِ ولَيْسَ هُناكَ إلّا مَنِيٌّ واحِدٌ أوْ لا مَنِيٌّ أصْلًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ الخَلْقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلِأنَّ الإيجادَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ المادَّةِ وإلّا لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُنْكِرِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنِيُّ الأُنْثى بِنَفْسِهِ أوْ بِما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِحالَةٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً، وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادُ وهو لا يُجْدِي نَفْعًا في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقِيمَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ المَنِيِّ مَقامَ المَنِيِّ، وأيُّ مُحالٍ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ، ألّا تَرى كَيْفَ أُقِيمَ التُّرابُ مَقامَ المَنِيِّ في أصْلِ النَّوْعِ ودَعْوى أنَّ الإقامَةَ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ خارِجَ الرَّحِمِ، وأمّا الإقامَةُ في الرَّحِمِ فَمِمّا لا إمْكانَ لَها غَيْرَ بَيِّنَةٍ ولا مُبَيِّنَةٍ بَلِ العَقْلُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الإمْكانِ وإنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُما في مُوافَقَةِ العادَةِ وعَدَمِها وهو أمْرٌ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن بَيَّنَ هَذا المَطْلَبَ بِأنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ كَتَصَوُّرِ حُضُورِ المُنافِي لِلْغَضَبِ وكَتَصَوُّرِ السُّقُوطِ بِحُصُولِ السُّقُوطِ لِلْماشِي عَلى جِذْعٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ فَضاءٍ بِخِلافِهِ لَوْ كانَ عَلى قَرارٍ مِنَ الأرْضِ، وقَدْ جَعَلَتِ الفَلاسِفَةُ هَذا كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَةَ جِبْرِيلَ كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها لِأنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ العَقْدِ فَإذا حَصَلَ الِانْعِقادُ لِمَنِيِّ المَرْأةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أمْكَنَ عُلُوقُ الوَلَدِ، اِنْتَهى.

ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْصِ لِحَضْرَةِ البَتُولِ وأنَّها لَتُنَزِّهُ ساحَتَها عَنْ مَثَلِ هَذا التَّخَيُّلِ كَما لا يَخْفى، وفي جَوابِ هَذِهِ الطّاهِرَةِ لِيُوسُفَ النَّجّارِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا اِسْتَقَرَّ حَمْلُ مَرْيَمَ وبَشَّرَها جِبْرِيلُ وثِقَتْ بِكَرامَةِ اللَّهِ تَعالى واطْمَأنَّتْ وطابَتْ نَفْسًا، وأوَّلُ مَنِ اِطَّلَعَ عَلى حَمْلِها اِبْنُ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، واهْتَمَّ لِذَلِكَ وأحْزَنَهُ وخَشِيَ البَلِيَّةَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها فَلَمّا رَأى تَغَيُّرَ لَوْنِها وكَبِرَ بَطْنِها عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَرِّضًا لَها: هَلْ يَكُونُ زَرْعٌ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟!

قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ نَباتٍ وأنْبَتَ الزَّرْعَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لِمَ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ إلّا بِالبَذْرِ؟

ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا أنِ اِسْتَعانَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالبَذْرِ لَغَلَّبَهُ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخْلُقَهُ ولا يُنْبِتَهُ؟

قالَ يُوسُفُ: أعُوذُ بِاَللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَّقْتُ وقُلْتُ بِالنُّورِ والحُكْمِ، وكَما قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ ويُنْبِتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ زَرْعًا مِن غَيْرِ بَذْرٍ فَأخْبِرِينِي هَلْ يَنْبُتُ الشَّجَرُ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا مَطَرٍ؟

قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِلْبِذْرِ والماءِ والمَطَرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحِدًا فَلَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا الماءُ والمَطَرُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَ؟

قالَ أعُوذُ بِاَللَّهِ تَعالى أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَقْتِ، فَأخْبِرِينِي خَبَرَكِ، قالَتْ: بَشَّرَنِي اللَّهُ تَعالى بِكَلِمَةٍ مِنهُ اِسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ الصّالِحِينَ ﴾ فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسَبَبِ خَيْرٍ أرادَهُ بِمَرْيَمَ فَسَكَتَ عَنْها فَلَمْ تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَرَبَها الطَّلْقُ فَنُودِيَتْ أنِ اُخْرُجِي مِن المِحْرابِ فَخَرَجَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره، ولم تكن حاضراً، وفي الآية دليل نبوة محمد  ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك، وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي.

فقال: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمر مريم إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ يعني جبريل-  - وحده إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قرأ نافع وعاصم وابن عامر يُبَشِّرُكِ بالتشديد في جميع القرآن.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم، عسق ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد، فهو من المباشرة، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مَرْيَمَ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة، فلما دخلت المغتسل، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17] ، فخافت مريم، ثم قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18] ، لأن التقي يخاف الرحمن.

فقال لها جبريل: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: 19] ، وذكرها هنا بلفظ آخر.

ومعناه واحد قال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 45] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله، وهو قوله كن فكان اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ويقال إنما سمي المسيح، لأنه يسيح في الأرض.

ويقال: المسيح بمعنى الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر.

وقال الكلبي: المسيح الملك.

ثم قال وَجِيهاً أي ذا جاه فِي الدُّنْيا وَله منزلة فِى الْآخِرَةِ وقال مقاتل: فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الآخرة عند ربه.

وقال الكلبي: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا يعني في أهل الدنيا بالمنزلة، وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في جنة عدن وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي في حال صغره، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً، يعني إذا اجتمع عقله وكبر، فإن قيل: ما معنى قوله كهلاً؟

والكلام من الكهل لا يكون عجباً.

قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة.

ويقال: كهلاً بعد نزوله من السماء، وهو قول الكلبي وَمِنَ الصَّالِحِينَ مع آبائه في الجنة قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ يعني من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهو كناية عن الجماع ف قالَ جبريل كَذلِكِ يعني هكذا كما قلت إنه لم يمسسك بشر ولكن اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة، وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك إن الله تعالى لما خلق آدم-  - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها، لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها، فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: إِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بغير أب، ثم قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول ونعلمه الْكِتابَ يعني كتب الأنبياء.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام وَالْحِكْمَةَ يعني الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.

وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة.

وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة.

ثم قال: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ نصب رسولاً لمعنيين: أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، والثاني ويكلم الناس ورسولاً.

أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وذكر الزجاج- فالمعنى والله أعلم- ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

ثم أخبر عن أداء رسالته بعد ما أوحى إليه في حال الكبر، حيث قال لقومه: أنى قد جئتكم بآية من ربكم، يعني علامة لنبوتي، ثم بيّن العلامة فقال: أَنِّي أَخْلُقُ أي أقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفَّاشاً، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك، فأخذ طيناً، وجعل منه خفاشاً، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، فكأن تسوية الطين، والنفخ من عيسى-  - والخلق من الله- عز وجل- كما أن النفخ من جبريل-  - والخلق من الله- عَزَّ وَجَلَّ- ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه لبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا: إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس، وأخبروه بذلك فقال جالينوس: إذا ولد أعمى، لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج، فرجعوا إلى عيسى-  - وجاءوا بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما، فأبصر الأعمى، وبرأ الأبرص، فآمن به بعضهم، وجَحَد بعضهم.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأَخْبَروا بذلك جالينوس.

فقال: الميت لا يعيش، ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى، فهو نبي، وليس بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى، فأحيا أربعة نفر، أحدهم عازر، وكان صديقاً له، فبلغه أنه مات، فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر، فعاش وَوُلد له.

والثاني ابن العجوز، مَرّ به وهو يحمل على سرير، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.

والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت، وأتى عليها ليلة، فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك، وولد لها.

والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريباً، فلعلهم لم يموتوا، وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح.

فقال: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره، فدعا الله تعالى، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه.

فقال له عيسى: كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟

فقال: يا روح الله إنك لما دعوتني، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن النَّزْع.

فقال له: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، ثم قال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم، وكذب به بعضهم.

وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما نَدَّخر للغد، فأخبرهم.

فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا، فذلك قوله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر.

ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى-  - الغالب عليهم السحر، فبيَّن لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر، وأنه من الله تعالى، وكان الغالب في زمن عيسى-  - علم الطب، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب، وكان في زمن نبينا-  - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ يعني فيما صنع عيسى-  - علامة لنبوته إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين أنه نبي، قرأ نافع: فيكون طائراً، وكذلك في سورة المائدة.

وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد.

ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة.

ثم قال: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومعناه جئتكم مصدقاً، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ يعني أرخص لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ذي ظفر، وأما الميت، ولحم الخنزير، فهو حرام أبداً.

قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان، فحقيق عليكم اتباعي، لأني أتيتكم ببرهان، وأتيتكم بتحليل الطيبات فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم ونهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم وأنهاكم، وأنصح لكم إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح.

وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، فاعبدوه، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم.

وقال ص: قوله: وَارْكَعِي، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدّما في شرعهم.

اهـ.

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)

وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ...

الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ.

وفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلّى الله عليه وسلّم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ:

من أعلمه الله بها، وهو ذاك صلّى الله عليه وسلّم، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ.

وقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ...

الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» «١» اهـ، وإِذا ثبت الحديث،

فلا نظر لأحد معه.

ويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها.

وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذا سافر، أقرع بين نسائه» «١» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» «٢» .

واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟

ووَجِيهاً: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ.

وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ:

الحليمُ قال ع «٣» : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.

وقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و «يَمْسَسْ» : معناه: يَطَأ ويُجَامِع.

ص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع.

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ في عِلَّةِ قَوْلِها هَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها قالَتْ هَذا تَعَجُّبًا واسْتِفْهامًا، لا شَكًّا وإنْكارًا، عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، وعَلى هَذا الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي خاطَبَها كانَ جِبْرِيلُ، وكانَتْ تَظُنُّهُ آَدَمِيًّا يُرِيدُ بِها سُوءًا، ولِهَذا قالَتْ: ﴿ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا  ﴾ ، فَلَمّا بَشَّرَها لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ، لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مَلَكٌ، فَلِذَلِكَ قالَتْ: ﴿ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي ﴾ أيْ: ولَمْ يُقَرِّبْنِي زَوْجٌ، والمَسُّ: الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ.

وسُمِّيَ البَشَرُ بَشَرًا، لِظُهُورِهِمْ، والبَشْرَةُ: ظاهِرُ جِلْدِ الإنْسانِ، وأبْشَرَتِ الأرْضُ: أخْرَجَتْ نَباتَها.

وبَشَّرَتِ الأدِيمَ: إذا قَشَرَتْ وجْهَهُ، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ: أوائِلُهُ.

قالَ: يَعْنِي جِبْرِيلَ: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: بِسَبَبٍ، وبِغَيْرِ سَبَبٍ، وباقِي الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في "البَقَرَةِ" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:.

بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ فِي المَهْدِ ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فِي المَهْدِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ.

والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ.

وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا.

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،.

وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ.

وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها.

و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ.

ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَضى ﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ.

وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَغَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لِأنَّ الأمْرَ المُتَقَدِّمَ خِطابٌ لِلْمَقْضِيِّ وقَوْلُهُ: "فَيَكُونَ" خِطابٌ لِلْمُخْبَرِ، فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: قُمْ فَأُحْسِنْ إلَيْكَ، لَكِنَّ وجْهَها أنَّهُ راعى الشَبَهَ اللَفْظِيَّ في أنْ يُقَدَّمَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ كَما قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ إنَّهُ مَجْرى جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوابًا في الحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَيَكُونُ" بِمَنزِلَةِ جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوابًا.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى أنَّ القَوْلَ فِيها لَيْسَ بِالمُخاطَبَةِ المَحْضَةِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَجازِيٌّ كَما قالَ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي...

∗∗∗.........................

وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ: لِأنَّ المُنْتَفِيَ لَيْسَ بِكائِنٍ فَلا يُخاطَبُ كَما لا يُؤْمَرُ، وإنَّما المَعْنى: فَإنَّما يَكُونُهُ فَهو يَكُونُ، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، رَحِمَهُ اللهُ وغَفَرَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قوله: ﴿ قالت رب ﴾ جملة معترضة، من كلامها، بين كلام الملائكة.

والنداء للتحسر وليس للخطاب: لأنّ الذي كلمها هو الملك، وهي قد توجهت إلى الله.

والاستفهام في قولها ﴿ أنى يكون لي ولد ﴾ للإنكار والتعجّب ولذلك أجيب جوابين أحدهما كذلك الله يخلق ما يشاء فهو لرفع إنكارها، والثاني إذا قضى أمراً إلخ لرفع تعجّبها.

وجملة ﴿ قال كذلك الله يخلق ﴾ إلخ جواب استفهامها ولم تعطف لأنّها جاءت على طريقة المحاورات كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها ومابعدها ﴾ في سورة البقرة (30) والقائل لها هو الله تعالى بطريق الوحي.

واسم الإشارة في قوله: كذلك } راجع إلى معنى المذكور في قوله: ﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه إلى قوله وكهلا ﴾ [آل عمران: 45، 46] أي مثل ذلك الخلق المذكور يخلق الله ما يشاء.

وتقديم اسم الجلالة على الفعل في قوله: ﴿ الله يخلق ﴾ لإفادة تقوى الحكم وتحقيق الخبر.

وعبر عن تكوين الله لعيسى بفعل يَخْلق: لأنّه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة لإيجاد مثله، فهو خلْق أنُفٌ غيرُ ناشئ عن أسباب إيجاد الناس، فكان لفعل يخلُق هنا موقعٌ متعين، فإنّ الصانع إذا صنع شيئاً من موادّ معتادة وصنعة معتادة، لا يقول خلَقْت وإنما يقول صَنَعت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ بِالمَسِيحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ ﴾ وفي سَبَبِ كَلامِهِ في المَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَنْزِيهِ أُمِّهِ مِمّا قُذِفَتْ بِهِ.

والثّانِي: لِظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ كانَ في وقْتِ كَلامِهِ في المَهْدِ نَبِيًّا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا لِظُهُورِ المُعْجِزَةِ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ نَبِيًّا وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ.

والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمْهِيدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَهْلا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكَهْلِ الحَلِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الكَهْلَ في السِّنِّ.

واخْتَلَفُوا: بُلُوغُ أرْبَعٍ وثَلاثِينَ سَنَةً.

والثّانِي: أنَّهُ فَوْقَ حالِ الغُلامِ ودُونَ حالِ الشَّيْخِ، مَأْخُوذٌ مِنَ القُوَّةِ مِن قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَ البَيْتَ إذْ طالَ وقَوِيَ.

فَإنْ قِيلَ: فَما المَعْنى في الإخْبارِ بِكَلامِهِ كَهْلًا وذَلِكَ لا يُسْتَنْكَرُ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ يُكَلِّمُهم كَهْلًا بِالوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ يَتَكَلَّمُ صَغِيرًا في المَهْدِ كَلامَ الكَهْلِ في السِّنِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج قال: بلغني عن ابن عباس قال: ﴿ المهد ﴾ مضجع الصبي في رضاعه.

وأخرج البخاري وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى عليه السلام، وكان من بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي؟

فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات.

وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فامكنته من نفسها، فولدت غلاماً فقالت: من جريج0000 فأتوه فكسروا صومعته، وانزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟

قال: الراعي0000فقالوا له: نبني صومعتك من ذهب قال: لا.

إلا من طين.

وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني اسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله.

فترك ثديها واقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله.

ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مرا بأمة تجزر ويلعب بها فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فترك ثديها فقال: اجعلني مثلها فقالت: لم ذاك0000؟!

فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون لها زنَيْت وتقول حسبي الله، ويقولون سرَقْتِ وتقول حسبي الله» .

وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة فرعون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ويكلم الناس في المهد وكهلاً ﴾ قال: يكلمهم صغيراً وكبيراً.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ وكهلاً ﴾ قال: في سن كهل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: (الكهل)الحليم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب قال: (الكهل)منتهى الحلم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: قد كلمهم عيسى عليه السلام في المهد، وسيكلمهم إذا أقبل الدجال، وهو يومئذ كهل.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ أي يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ مما يشاء، فيكون كما أراد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى (١) ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ قال أهل المعاني (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وأصله من (البَشَرَة) التي هي ظاهر الجِلْدِ؛ لأنه الذي من شأنه أن يَظْهَرَ الفرحُ والغمُّ في بشَرَته (٨) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ .

أي: يخلق الله (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ .

إلى آخر الآية.

ذكرنا ما فيه في سورة البقرة، عند قوله: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا  ﴾ .

الآية.

(١) في (د): (عزَّ وجل).

(٢) لم أقف عليه.

وقد أورد هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 390، ونسبه للجمهور.

(٣) (بشر): ساقطة من (ج).

(٤) انظر (بشر) في "تهذيب اللغة" 1/ 338.

(٥) من قوله: (نحو ..) إلى (..

في المصدر): ساقط من (د).

(٦) في (ج): (يقول).

(٧) (وهؤلا خلق): ساقط من (ج).

(٨) انظر (مادة: بشر) في: "التهذيب" 1/ 338، "اللسان" 1/ 286.

(٩) لفظ الجلالة (الله): ليس في: (ج)، (د).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اقنتي ﴾ القنوت هنا بمعنى الطاعة والعبادة، وقيل: طول القيام في الصلاة وهو قول الأكثرين ﴿ واسجدي واركعي ﴾ أمرت بالصلاة فذكر القنوت والسجود لكونها من هيئة الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: اركعي مع الراكعين بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أو في الجماعة؛ فلا يقتضي الكلام على هذا تقديم السجود على الركوع، لأنه لم يرد الركوع والسجود المنضمين في ركعة واحدة، وقيل أراد ذلك، وقدم السجود لأن الواو لا ترتب، ويحتمل أن تكون الصلاة في ملتهم بتقديم السجود على الركوع ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من القصص وهو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ احتجاجاً على نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم ﴿ يُلْقُون أقلامهم ﴾ أي أزلامهم، وهي قداحهم، وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة؛ اقترعوا بها على كفالة مريم، حرصاً عليها وتنافساً في كفالتها، وتدل الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت أيضاً من السنة ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب بفعل تقديره: ينظرون أيهم ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ يختلفون فيمن يكفلها منهم ﴿ إِذْ قَالَتِ الملائكة ﴾ إذ بدل من إذ قالت، أو من إذ يختصمون، والعمل فيه مضمر ﴿ اسمه ﴾ أعاد الضمير المذكر على الكلمة، لأن المسمى بها ذُكر ﴿ المسيح ﴾ قيل: هو مشتق من ساح في الأرض، فوزنه مفعل، وقال الأكثرون: من مسح لأنه مسح بالبركة فوزنه فعيل وإنما قال: عيسى بن مريم والخطاب لمريم لينسبه إليها، إعلاماً بأنه يولد من غير والد ﴿ وَجِيهاً ﴾ نصب على الحال، ووجاهته في الدنيا النبوة والتقديم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلوّ الدرجة في الجنة ﴿ فِي المهد ﴾ في موضع الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه، والمعنى أنه يكلم الناس صغيراً؛ أيةً تدل على براءة أمّه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته، ويكلمهم أيضاً كبيراً؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة، وأوله: ثلاث وثلاثون سنة وقيل: أربعون ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ﴾ عطف على يبشرك أو ويكلم ﴿ الكتاب ﴾ هنا جنس، وقيل الخط باليد، والحكمة هنا العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.

الباقون بالنون.

﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.

وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.

الباقون بالياء والهمزة.

﴿ الطائر ﴾ يزيد.

الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.

المفضل.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.

الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.

﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.

فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.

﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.

﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.

﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.

﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.

﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.

والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ لمكان العطف.

والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا  ﴾ .

واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله  : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.

ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ .

ثم إنه  مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.

وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي  وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً  ﴾ .

وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.

وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.

قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه  قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.

فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود  ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله  " "أقرب ما يكون العبد من الله  وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.

وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.

وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.

وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.

اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.

وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم  ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً  ﴾ فلما كان الله  ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه  فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي  ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور  ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.

وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.

ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.

وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.

وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.

وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.

فمن خرج له السهم سلم له الأمر.

قال  : ﴿ فساهم فكان من المدحضين  ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.

وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.

﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.

قيل: هم خزنة البيت.

وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.

ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.

ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.

وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.

القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.

ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .

قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.

فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.

ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.

واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.

ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.

ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.

كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.

وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.

فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.

قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه  غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.

وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.

وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.

وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".

أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.

عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.

وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.

وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.

وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.

وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.

وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.

قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.

وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.

وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.

وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.

قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.

وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.

/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.

وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.

وذلك من جملة ما اصطفيت به.

وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.

وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.

﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.

وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.

ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.

وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد قيل: حجر أمه.

وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.

وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.

والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.

روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.

ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.

وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.

فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟

فالجواب من وجوه.

قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.

وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.

وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.

ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.

وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.

فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.

والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.

ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.

وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.

فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.

فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.

ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.

وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.

وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.

ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.

وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.

ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.

وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.

ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.

﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.

وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.

وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.

وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.

أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.

وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.

ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب  ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.

والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.

﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.

وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.

قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.

وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.

وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه  أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟

أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله  كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى  فيه على سبيل إظهار المعجزات؟

وهذا هو الحق لقوله  ﴿ الذي خلق الموت والحياة  ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.

وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.

وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.

وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.

وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.

وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.

وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.

والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.

والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.

يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.

قال الكلبي: كان عيسى  يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.

روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان  يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.

كان  يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.

فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.

فجاء عيسى  يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.

فقال  : فمن في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

فقال عيسى  : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.

وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.

والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.

واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.

ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.

ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى  تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.

ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.

وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.

ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.

والثاني أن الله  كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.

كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.

﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله  جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.

﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.

ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.

القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.

قال السدي: لما بعثه الله  رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد  بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.

وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.

فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.

فقال  : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.

فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.

فقال عيسى  : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.

فلما فعل دعا الله  فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.

فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟

فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى  وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى  ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى  مشهوراً وقصد اليهود قتله  وأظهروا الطعن فيه.

/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا  بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا  فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى  : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى  بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.

وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟

فأجابه إلى ذلك بعضهم.

ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى  أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.

والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه  .

وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟

وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.

فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.

وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟

أو حال التجائي إليه؟

وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟

وفي الحديث أنه  كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.

فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.

وقيل: "إلى" بمعنى اللام.

وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.

وهذا قول الحسن.

﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.

وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.

والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.

عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.

وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.

وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.

وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.

وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.

فطبخ عيسى  حباً واحداً وجعل الجميع فيه.

وقال: كوني بإذن الله كما أريد.

فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.

فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.

فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.

وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟

فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.

وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى  على قصعة.

فكانت القصعة لا تنقص.

فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟

قالوا: نعم.

فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟

قال: عيسى ابن مريم.

قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.

فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.

قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.

﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله  فيه.

أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.

ثم تضرعوا إلى الله  بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.

فقال ابن عباس: أي مع محمد  وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.

قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.

وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.

فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.

أما مكرهم بعيسى  فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى  وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.

فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.

وأخرى قالت: كان ابن الله.

وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.

وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى  .

وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.

فسمع بذلك ملك الروم.

وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى  فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.

وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.

ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله  على تكذيب المسيح والهم بقتله.

وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله  محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ أو بأنه  عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.

وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.

﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.

وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.

وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.

ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.

وقال محمد بن إسحق.

توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.

وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.

أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  ﴾ .

وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.

وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.

وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.

وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.

فإن الواو لا تقتضي الترتيب.

والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.

ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه  يتوفاه بعد ذلك.

أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله  وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.

والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.

ولئن سلم أنه  يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى  إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.

ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.

فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.

وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.

ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.

على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد  بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.

واعلم أن نص القرآن دل على أنه  حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم  ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.

الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.

ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.

فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟

وأنه  كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟

الثالث أنه  كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟

الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.

الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.

فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.

والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه  قادر على خلق مثل زيد.

وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.

وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.

والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.

وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.

إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.

وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.

على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد  في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.

قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.

وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.

وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى  وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.

جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.

﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.

ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.

ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .

والذكر الحكيم القرآن.

وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.

وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه  أنزل هذه القصص مما كتب هناك.

قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله  : مالك تشتم صاحبنا؟

قال  : وما أقول؟

قالوا: تقول إنه عبد.

قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟

فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.

ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.

لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.

ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.

قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.

وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".

والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.

وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.

ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".

وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه  بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.

والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.

قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه  هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.

وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً  ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.

ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب  ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون  ﴾ .

عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى  ؟

قالوا: / لأنه لا أب له.

قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.

قالوا: كان يحيي الموتى.

قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.

فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.

قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.

﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.

﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.

قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.

وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.

التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم  ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد  على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .

وقال  : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس  ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.

﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله  .

والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.

وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.

قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال  " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.

وسمي المسيح لأنه حين مسح الله  ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله  أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.

﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي  آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.

ولما كان روح عيسى  وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.

ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.

﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله  .

ثم قال له كن فيكون.

هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ ﴾ : قال أهل التفسير: هو جبريل -  - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صحّ الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ ﴾ : أن صفاها لعبادة نفسه، وخصّها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها.

وقيل: اصطفاها بولادة عيسى -  - إذ أخرج منها نبيّاً مباركاً تقيّاً، على خلاف ولادة البشر.

وقوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ : قيل: من الآثام والفواحش.

وقيل: وطهرك من مسّ الذكور، وما قذفت به.

﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصاً، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر.

وعن ابن عباس -  - قال: "خَطَّ رَسُولُ الله  أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟

قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ" .

وكذلك روى أنس -  - عن النبي  قال: "خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  " وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ : يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، هل ما هو علينا؛ لأنه قال: ﴿ وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي في الخبر: "أنه سئل عن أفضل الصّلاة؟

فقال: طُولُ القُنُوتُ" ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدماً ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك.

وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ  ﴾ أي: خاضعين مطيعين.

فإن قيل: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟!

قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمّها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟!

دلَّ أن بينهم وبينها رحماً وقرابة.

وقيل في قوله: ﴿ ٱقْنُتِي ﴾ : أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل: ﴿ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ : أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ : أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا محمّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك.

ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك.

والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنَّه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل.

والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، والله أعلم.

وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ الآية.

قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء.

وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عالياً مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمّها زكريا إلى نفسه.

ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي.

والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبداً.

ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله أعلم.

أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل - آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ : يحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أن قال: "كن" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العقلة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى -  - على خلاف ذلك.

ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [مريم: 30].

وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ ؛ والكهل: مما يكلم الناس؟

قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية [النور: 24]، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبداً، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة.

والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: "المسيح: المبارك"، أي: مسح بالبركة.

وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يسمح عين الأعمى والأعور فيبصر.

وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنّه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم.

وقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : بالمنزلة، ومكيناً في الآخرة، ﴿ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ في الدرجة والرفعة، ومن كان وجيهاً في الدينا والآخرة مقرب فيهما.

وقوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ : عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر، وعلمت - أيضاً - أنها لا تتزوج، ولا يمسّها بشر أبداً؛ لأنها قالت: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسّها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبداً؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ ﴾ .

أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولداً، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ ؟

ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ الآية [مريم: 20] الآية، ثم قال: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ أي: خلق الخلق عليَّ هين: بأبٍ، وبغير أب، وبمسِّ بشر، وبغير مسّ، [وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض]؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولداً من غير أب ولا مسّ بشر، وبالله الحول والقوة.

وقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : أي: إذا قضى أمراً بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فأمّا الله -  وتعالى - عن أن يشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني [كلام] الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز جل - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت مريم مستغربةً أن يكون لها ولد من غير زوج: كيف يكون لي ولد لم يقربني بشر لا في حلالٍ ولا في حرام؟!

قال لها الملَك: مِثلُ ما خلق الله لك ولدًا من غير أب، يخلق ما يشاء مما يخالف المألوف والعادة، فإذا أراد أمرًا قال له: "كن" فيكون، فلا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.MqOzD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد عرف بكلمة الله أي بوحيه لأنبيائه.

والكلمة تطلق على الكلام كقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

إن الناس إنما يولون الملك عليهم لأجل تقرير العدل فيهم ورفع أثقال الظلم عنهم، وقد فعل المسيح ذلك، فإن اليهود كانوا عند بعثته فيهم متمسكين بظواهر ألفاظ الكتاب، وخاضعين لأفهام الكتبة والفريسيين وأوهامهم، حتى أرهقهم ذلك عسرًا، وتركهم يئنون من الظلم وأثقال التكاليف، فرفع المسيح ذلك عنهم بإرجاعهم إلى مقاصد الدين وحملهم على الأخوة الرافعة للظلم.

﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر، وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقره وضعف عصبيته...

والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنًا طويلًا أو غير طويل، ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدًا، وأن ما جاء به من الإصلاح هو من الحق الثابت، وقد بقي أثره بعده، فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظاهر لظلمهم واتقاء شرهم ولدهائهم والتزلف إليهم رجاء الانتفاع بشيء مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا، لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاض، وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب.

وحقيقة الوجاهة في الآخرة هي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلّونه ويعلمون أنه مقرب من الله تعالى، ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون.

فإن قال قائل: إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة.

فالجواب: إن الآية لم تبين ذلك.

على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم صالح فما هي مزية المسيح إذن؟.

﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا  ﴾ الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم، والكهل الرجل التام السوي من غير تقييد بسن معينة، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ذلك وهو آية على كل تقدير، لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم، وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة.

وفي قوله: ﴿ وَكَهْلًا  ﴾ بشارة بأنه يعيش على أن يكون رجلًا سويًا كاملًا ﴿ وَمِنْ الصَّالِحِينَ  ﴾ الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم.

﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فألمس؟

كناية ظاهرة، والاستفهام على حقيقته في وجه، ومعناه هل يكون بزواج يطرأ أم بمحض القدرة؟

وفي وجه آخر للتعجب من قدرة الله والاستعظام لشأنه ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  ﴾ أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء فإن من شأنه الاختراع والإبداع.

﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ : إن الرسول هنا بمعنى الرسالة والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع قال كُثَيّر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول وفي رواية "برسيل" وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق، أي ناطقًا إلى بني إسرائيل ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ : الخلق والتقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع، ويقرب أن يكون هذا إجماعًا من المفسرين، وفسره (الجلال) هنا بالتصوير، لأنه من التقدير، ولقد ذكر -كغيره- أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده.

وقال بعضهم بل تطير قليلًا ثم تسقط.

ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به، وكذلك يقال في قوله: ﴿ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ  ﴾ فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي  بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.

﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله