الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨٨ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( خالدين فيها ) أي : في اللعنة ( لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) أي : لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة .
=" خالدين فيها " يعني: ماكثين فيها، يعني في عقوبة الله (15) =" لا يخفَّف عنهم العذاب "، لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه (16) =" ولا هم ينظرون "، يعني: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون.
(17) وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة.
(18) ---------------- الهوامش : (15) انظر تفسير"خالدين" فيما سلف 1: 397 ، 398 / 2: 287 / 4: 317 ، وفهارس اللغة.
(16) انظر تفسير"يخفف" فيما سلف 2: 316 ، 317 ، والتنفيس: والترفيه والتفريج هنا.
(17) انظر تفسير"ينظرون" في نظيرة هذه الآية فيما سلف 3: 264 ، 265 ، وقبله 2: 467 ، 468.
(18) في المخطوطة والمطبوعة: "وذلك كله أعني الخلود في العقوبة في الآخرة" ، وهي جملة فاسدة البناء والمعنى ، أخطأ الناسخ فهم مراد أبي جعفر ، فكتب ما كتب ، والصواب هو ما أثبت.
فإن أبا جعفر قد لجأ إلى الاختصار في مواضع كثيرة من تفسيره ، منها هذا الموضع ، فلم يبين إعراب قوله تعالى: "لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون" ، وأهل الإعراب يعربونها حالا متداخلة - أي حالا من حال - لأن"خالدين" حال من الضمير في"عليهم".
وأما أبو جعفر ، فهو يعدها جملة مستأنفة ، وهي بذلك بيان عن الخلود في النار.
والدليل على صحة ذلك ، وعلى صحة ما أثبت من الصواب في نص أبي جعفر هنا ، أنه قال في تفسير نظيرة هذه الآية من"سورة البقرة: 162" في الجزء 3: 264 ما نصه.
"وأما قوله: " لا يخفف عنهم العذاب" ، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف".
فهذا نص قاطع في أن إعراب الطبري لهذا الموضع من الآية هو ما ذهبت إليه ، وفي أنه يرى أن معنى هذه الجملة من الآية ، هو معنى"الخلود" بعينه.
والحمد لله أولا وآخرًا.
أي لا يؤخرون ولا يؤجلون .
ثم أخبر عن عقوبة هؤلاء المعاندين الظالمين الدنيوية والأخروية، فقال { أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي: لا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا لحظة، لا بإزالته أو إزالة بعض شدته، { ولا هم ينظرون } أي: يمهلون، لأن زمن الإمهال قد مضى، وقد أعذر الله منهم وعمرهم ما يتذكر فيه من تذكر، فلو كان فيهم خير لوجد، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.
( خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) وذلك : أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم ، فأرسل إلى قومه : أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لي من توبة؟
ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى :
«خالدين فيها» أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها «لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون» يمهلون.
ماكثين في النار، لا يُرفع عنهم العذاب قليلا ليستريحوا، ولا يُؤخر عنهم لمعذرة يعتذرون بها.
ثم أكد - سبحانه - تلك العقوبة بعقوبة أخرى لازمة لها ما داموا على تلك الحالة الشنيعة فقال - تعالى - { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } بسبب إصرارهم على الكفر فى الدنيا ، وانعماسهم فيما يغضب الله { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أى ولا هم يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب بل عذابهم عاجل لا يقبل الإمهال أو التأخير بسبب ما ارتكبوه فى الدنيا من شرور وآثام .
اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأخرة مِنَ الخاسرين ﴾ أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام، فقال: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول أقوال الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ الثاني: نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال: نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، وكانوا يشهدون له بالنبوّة، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً والثالث: نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة؟
فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته، قال القفال رحمه الله: للناس في هذه الآية قولان: منهم من قال إن قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا ﴾ وما بعده من قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون ﴾ نزل جميع ذلك في قصة واحدة، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله: ﴿ إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما: أنها في أهل الكتاب والثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه.
المسألة الثانية: اختلف العقلاء في تفسير قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ﴾ أما المعتزلة فقالوا: إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف، ووضع الدلائل وفعل الألطاف، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذوراً، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار، فلابد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى ﴾ وقال تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ وقال: ﴿ يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام ﴾ فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدىً الثاني: أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ﴾ وقال: ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ والثالث: أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضاً من الله تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمناً مهتدياً، وإذا لم يخلقها كان كافراً ضالاً، ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم يصح أن يضاف الكفر إليهم، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم فاعلين للكفر فإنه تعالى قال: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ﴾ فضاف الكفر إليهم وذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية، وأما أهل السنة فقالوا: المراد من الهداية خلق المعرفة، قالوا: وقد جرت سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد، فكأنه تعالى قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ واشهدوا ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق، لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الاسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل الثاني: أن الواو للحال بإضمار (قد) والتقدير: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق.
المسألة الرابعة: تقدير الآية: كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم، وبعد الشهادة بأن الرسول حق، وقد جاءتهم البينات، فعطف الشهادة بأن الرسول حق، على الإيمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للإيمان وجوابه: إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والشهادة هو الإقرار باللسان، وهما متغايران فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان وأنه معنى قائم بالقلب.
المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث أحدها: بعد الإيمان.
وثانيها: بعد شهادة كون الرسول حقاً.
وثالثها: بعد مجيء البينات، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل.
أما قوله تعالى: ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: قال في أول الآية ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا ﴾ وقال في آخرها ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ وهذا تكرار.
والجواب: أن قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله ﴾ مختص بالمرتدين، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال: ﴿ والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ .
السؤال الثاني: لم سمي الكافر ظالماً؟.
الجواب: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر، فكان ظالماً لنفسه.
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ خالدين فِيهَا ﴾ والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة، على سبيل التأبيد والخلود.
واعلم أن لعنة الله، مخالفة للعنة الملائكة، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول، وكذلك من الناس، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه؟.
قلنا: فيه وجوه: الأول: قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني: أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ وقال: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث: كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال: ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾ الرابع: وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافراً، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك.
السؤال الثاني: قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي خالدين في اللعنة، فما خلود اللعنة؟.
قلنا: فيه وجهان الأول: أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني: أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن، لأن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وِزْرًا خَٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ حِمْلًا ﴾ الثالث: قال ابن عباس قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور، واعلم أن قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ نصب على الحال مما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله ﴾ .
ثم قال: ﴿ لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ معنى الانظار التأخير قال تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين: إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة، نعوذ منه بالله.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ والمعنى إلا الذين تابوا منه، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال: ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها.
ثم قال: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وفيه وجهان الأول: غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني: غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ودخلت الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لأنه الجزاء، وتقدير الكلام: إن تابوا فإن الله يغفر لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا ﴾ كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف، لما علم الله من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق، وبعدما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة وهم اليهود كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به؛ وذلك حين عاينوا ما يوجب قوّة إيمانهم من البينات.
وقيل: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم طعمة بن أبيرق، وَوَحْوَحُ بن الأسلت، والحرث بن سويد بن الصامت.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿ وَشَهِدُواْ ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان: أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، كقوله تعالى: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن ﴾ [المنافقين: 10] وقول الشاعر: ...
لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ** وَلاَ نَاعِبٍ............
ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار (قد) بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق ﴿ والله لاَ يَهْدِى ﴾ لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم.
﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ الكفر العظيم والارتداد ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا أو ودخلوا في الصلاح.
وقيل: نزلت في الحرث بن سويد بعد أن ندم على ردّته وأرسل إلى قومه أن سلوا: هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية.
فأقبل إلى المدينة فتاب وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى نَفْيِ جَوازِ لَعْنِ غَيْرِهِمْ.
ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الكُفْرِ مَمْنُوعُونَ عَنِ الهُدى مُؤَيَّسُونَ عَنِ الرَّحْمَةِ رَأْسًا بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالنّاسِ المُؤْمِنُونَ أوِ العُمُومُ فَإنَّ الكافِرَ أيْضًا يَلْعَنُ مُنْكِرَ الحَقِّ والمُرْتَدَّ عَنْهُ ولَكِنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ بِعَيْنِهِ.
﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ في اللَّعْنَةِ، أوِ العُقُوبَةِ، أوِ النّارِ وإنْ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُما لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِما.
﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{خالدين} حال من الهاء والميم في عليهم {فِيهَا} في اللعنة {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}
﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّعْنَةِ أوْ لِلْعُقُوبَةِ أوْ لِلنّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ اِكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلَيْها ﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُمُ العَذابُ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ آخَرَ، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي بعد ما ظهر لهم العلامات وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فإن قيل في ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه، لا يهديه الله، ومن كان ظالماً لا يهديه الله، وقد رأينا كثيراً من المرتدين، أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم.
قيل له: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم، ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام، فأما إذا جاهدوا، وقصدوا الرجوع، وفقهم الله لذلك لقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [سورة العنكبوت: 69] وتأويل آخر: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ يقول: كيف يرشدهم إلى الجنة؟
كما قال في آية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [سورة النساء: 168، 169] ويقال: كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة؟
ويقال: كيف يغفر الله لهم؟
وقالت المعتزلة: كَيْفَ يَهْدِي الله؟
معناه: كيف يكونون مهتدين، لأنهم لا يرون الهداية، والاهتداء في الابتداء إلا على سبيل الجزاء، ويرون ذلك من كسب العبد.
ثم قال: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ يعني أهل هذه الصفة التي ذكر أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ أي سخط الله.
ويقال: الطرد والتبعيد من رحمة الله والخذلان.
ويقال: يلعنهم بالقول: وَالْمَلائِكَةِ يعني عليهم لعنة الله والملائكة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ إذا لعن رجل رجلاً، فإن لم يكن أهلاً لذلك، رجعت اللعنة إلى الكفار، ويقال: من لم يكن على دينهم، يلعنهم في الدنيا، ومن كان على دينهم، يلعنهم في الآخرة.
لقوله تعالى: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [سورة العنكبوت: 25] فذلك قوله تعالى: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
ثم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها يعني في اللعنة فيما توجبه اللعنة، وهو عذاب النار خالدين فيها لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أي لا يهون عليهم العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يؤجلون.
ثم استثنى التوبة فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا يقول: من بعد الكفر، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة.
ويقال: أصلحوا لمن أفسدوا من الناس فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما كان منهم في الكفر رَّحِيمٌ بهم بعد التوبة.
قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية، أي الرخصة بالتوبة، كتب أخو الحارث بن سُوَيْد، إلى الحارث: إن الله قد عرض عليكم التوبة، فرجع وتاب.
وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة، فقالوا: إن محمداً تتربص به ريب المنون.
فقالوا: نقيم بمكة على الكفر، متى بدا لنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحارث، فتقبل توبتنا فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما أقاموا على الكفر.
قال الزجاج: كانوا كلما نزلت آية كفروا بها، فكان ذلك زيادة كفرهم.
وقوله: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، أي توبتهم الأولى، وحبط أجر عملهم.
ويقال: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، معناه أنهم لن يتوبوا.
كما قال: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [سورة البقرة: 48] ، أي لا يشفع لها أحد، ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ عن الإسلام، وهم الذين لم يتوبوا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال الكلبي: يعني وزن الأرض ذهباً.
وقال مقاتل: إن الكافر إذا عاين النار في الآخرة، يتمنى أن يكون له الأرض ذهباً، فيقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب، لافتدى به ولو افتدى به ما تقبل منه، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، ونظيرها في سورة المائدة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ [المائدة: 36] .
قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ الآية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ...
الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟
فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ «١» ، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ «٢» ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا «٣» به، ورجَّحه الطبري «٤» .
وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ «٥» .
قال ع «٦» : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.
وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.
قال الفَخْر «٧» : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل.
اهـ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ...
الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك «١» .
قال ع «٢» : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم.
وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت «٣» به.
قال ع «٤» : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه «٥» ، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:
المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم «٦» .
قال ع «٧» : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [آل عمران: ٨٦] ، فأخبر عنهم أنَّه لا
تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج «١» : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.
قال ع «٢» : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.
وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ...
الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.
قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: «مِنْ» : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:
«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» «٣» اهـ.
قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له» «٤» اهـ من «الإحياء» .
قال ع «١» : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به «٢» .
قال الفَخْر «٣» : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ.
اهـ.
وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.
وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.
وقال الفَخْر «٤» : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون.
اهـ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: في عَذابِ اللَّعْنَةِ ﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ: يُؤَخَّرُونَ عَنِ الوَقْتِ.
قالَ: ومَعْنى: (أصْلَحُوا) أيْ: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وأصْلَحُوا ما كانُوا أفْسَدُوهُ، وغَرُّوا بِهِ مَن تَبِعَهم مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ اسْتَثْنَتْ مَن تابَ مِمَّنْ لَمْ يَتُبْ وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها نَسَخَتْ ما تَضَمَّنَتْهُ الآَياتُ قَبْلَها مِنَ الوَعِيدِ، ولَيْسَ بِنَسْخٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟
قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ ...
الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ ﴾ .
وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ.
وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ.
واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ.
"والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ وكَذَلِكَ: ﴿ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ ، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ ﴾ قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.
وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ.
وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ أنَّها الأرْضُ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ : إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ.
و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".
<div class="verse-tafsir"
الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرد بعد اسم الإشارة من الحُكم عليهم.
وتقدم معنى ﴿ أجمعين ﴾ في سورة البقرة (161).
وتقدم أيضاً معنى ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا ﴾ في سورة البقرة (160)، ومعنى فإن الله غفور رحيم } الكناية عن المغفرة لهم.
قيل نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتدّ ولحق بقريش وقيل بنصارى الشام، ثم كتب إلى قومه ليسألهم هل من توبة، فسألوا رسول الله فنزلت هذه الآية فأسلم ورجع إلى المدينة وقوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ علة لكلام محذوف تقديره الله يغفر لهم لأنه غفور رحيم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِالمَسِيحِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن ذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها مَعَ الإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ ارْتَدُّوا ثُمَّ عَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ عَلى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى سَرِيرَتِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا إلى حُضُورِ آجالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النسائي وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار فأسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟
فنزلت ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم.
وأخرج عبد الرزاق ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر والباوردي في معرفة الصحابة قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وأن الله عز وجل لأصدق الثلاثة.
فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ كيف يهدي الله قوماً ﴾ الآية قال: أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كفر بعد إيمانه.
فأنزلت فيه هذه الآيات، ثم نزلت ﴿ إلا الذين تابوا...
﴾ الآية.
فتاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ كيف يهدي الله قوماً...
﴾ الآية.
قال: نزلت في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه فجاء الشام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن مجاهد في الآية قال: هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه قال: قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: لحق بأرض الروم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: أرسلوا هل لي من توبة؟
فنزلت ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فآمن ثم رجع.
قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت، في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش.
ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟!
فنزلت ﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك...
﴾ الآيات.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس، أن الحارث بن سويد قتل المجدر بن زياد، وقْيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد، ثم لحق بقريش فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه.
فأنزل الله فيه ﴿ كيف يهدي الله قوماً ﴾ إلى آخر القصة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح مولى أم هانئ، أن الحرث بن سويد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بأهل مكة، وشهد أحداً فقاتل المسلمين، ثم سقط في يده فرجع إلى مكة، فكتب إلى أخيه جلاس بن سويد يا أخي إني ندمت على ما كان مني، فأتوب إلى الله وأرجع إلى الإسلام؟
فاذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن طمعت لي في توبة فاكتب إليَّ.
فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأنزل الله: ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ﴾ فقال قوم من أصحابه ممن كان عليه يتمنع ثم يراجع الإسلام.
فأنزل الله: ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب عرفوا محمداً ثم كفروا به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد في كتابهم، وأقرُّوا به، وشهدوا أنه حق.
فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه وكفروا بعد اقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ نصبٌ على الحال مما قبله، وهو قوله: ﴿ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ فِيهَا ﴾ قال ابن عباس (٢) فعلى هذا؛ الكنايةُ (٣) (٤) (٥) وقال الزجاج (٦) (٧) وقال بعضهم (٨) ومعنى (خلودهم في اللعنة): استحقاقهم دائمًا لها، مع ما (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ معنى (الإنظار): تأخير العبد، ليُنظَرَ في أمره (١٠) (١١) (١٢) (١) انظر: "المشكل" لمكي 1/ 169، "التبيان" للعكبري: 200.
(٢) لم أقف على مصدر قوله، وقد ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 142.
(٣) الكناية؛ هي: الضمير.
(٤) في (ج): (من).
(٥) قال ابن عطية: (وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم، فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع.).
"المحرر الوجيز" 3/ 207.
(٦) في "معاني القرآن" له: 1/ 440.
نقله عنه بتصرف.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٨) ممن قال بذلك: مقاتل، في "تفسيره" 1/ 288.
(٩) في (أ)، (ب)، (ج): (معما).
وما أثبتُّه هو الموافق للرسم الإملائي؛ لأن (ما) اسمية موصولة، ولا توصل بـ (مع)، وإنما قيل: إن (ما) الحرفية الزائدة توصل بـ (مع).
انظر: "كتاب الإملاء".
لحسين والي: 106، 110.
(١٠) الإنظار -لغة-: التأخير والإمهال.
يقال: (أنْظَرتُه، أُنْظِرُه).
وتقول: (أنْظِرْني): أمهلني.
انظر: "نزهة القلوب" للسجستاني: 72، "العمدة في غريب القرآن" لمكي: 81، "اللسان" 7/ 4467 (نظر).
قال ابن عطية: (ولا يجوز أن يكون ﴿ يُنْظَرون ﴾ -هنا- نظر العين، إلا على توجيه غير فصيح، لا يليق بكتاب الله -تعالى-).
"المحرر الوجيز" 3/ 207.
(١١) في (ب): (ما).
(١٢) في (ب): (الوقت).
<div class="verse-tafsir"
﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ عموم بمعنى الخصوص في المؤمنين، أو على عمومه وتكون اللعنة في الآخرة ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ الضمير عائد على اللعنة، وقيل: على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأنّ المعنى يقتضيها ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ قيل: هم اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بعداوتهم له وطعنهم عليه؛ وقيل هم الذين ارتدّوا ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ قيل: ذلك عبارة عن موتهم على الكفر: أي ليس لهم توبة فتقبل، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر، وقيل: لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر، فذلك عامّ ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ﴾ جزْمٌ بالعذاب لكل من مات على الكفر.
والواو في قوله: ﴿ وَلَوِ افتدى بِهِ ﴾ ، قيل: زيادة وقيل: للعطف على محذوف، كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو تصدّق به ﴿ ولو افتدى به ﴾ وقيل: نفى أولاً القبول جملة على الوجوه كلها، ثم خص الفدية بالنفي كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلاً ولو رغبت إليّ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.
الباقون بفتحها.
﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.
وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.
الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.
روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.
الباقون بالهمز فيهما.
الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.
التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.
قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.
وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.
وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.
أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.
وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.
وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.
والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.
و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.
فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.
ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.
ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".
وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.
أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.
وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.
قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.
ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.
ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.
و "من " للبيان أو للتبعيض.
وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.
والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.
فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد ليس الاشرعه .
ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.
الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.
وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.
أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.
﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟
والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.
وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال : ﴿ لا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل.
ويأخذ الصدقات أي يقبلها.
سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.
ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.
وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.
وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.
وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.
ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.
ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.
والأصل أفتبتغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.
وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.
فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.
ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.
ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.
ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.
فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.
وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.
وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.
أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.
وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.
فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.
ثم إنه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.
أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.
وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.
ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.
واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.
فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.
وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.
﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.
والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.
وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.
وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.
وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.
قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.
ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.
وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟
وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.
وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله : ﴿ فأصدق وأكن ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.
وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.
وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.
وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.
﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.
ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.
﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.
أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.
قوله ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.
ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.
وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن.
وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.
وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.
وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.
وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.
وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.
أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.
وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.
ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.
والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.
وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.
وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.
وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.
فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.
ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.
هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.
وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟
ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.
والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.
أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.
وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.
وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.
وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.
وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.
أي مثل ضربه.
و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.
كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.
وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟
فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.
والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.
ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ...
﴾ الآية.
فالآية تحتمل وجوهاً: تحتمل: ألا يهدي الله قوماً هم معاندون مكابرون فيه، غير خاضعين له ولا متواضعين؛ إنما يهدي من خضع له وتواضع، فأما من عاند وكابر: فلا يهديه.
ويحتمل: أن هذا في قوم مخصوصين، علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فأخبر الله - - أنه لا يهديهم، وأما من علم الله أنه يؤمن وتاب: فإنه يهديهم بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ ﴾ الآية: أطمع من تاب وأصلح أن يهديه ويغفر له.
ويحتمل: ألا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل: لا يهديهم في وقت اختيارهم الضلالة.
وقيل: بما اختاروا من الضلالة لا يهديهم، أي: لا يعينهم: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: ودل قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ - أن دين الإسلام هو الإيمان، وأن الكفر مقابله من الأضداد، وكيف يهدي قبل كفرهم؟!.
وقيل: في وقت اختيارهم.
وقيل: ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت همتهم التعنت والمخالفة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم قالوا: إن الهدى: البيان، والبيان للكل، قالوا: بتقدم الفعل، فلو كان متقدماً لكان في ذلك إعطاء الهدى للظالم؛ فأخبر - عز وجلّ - أنه لا يهدي الظالم، وهم يقولون: لا، بل يهدي الظالم؛ فذلك خروج عليه، وأمّا على قولنا: فإن التوفيق والقدرة إنما تكون معه؛ فكان قولنا موافقاً للآية.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ﴾ من ذكر -: فلو لم يكن الهدي غير البيان، فلقد هداهم إذن؛ على قول المعتزلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ ﴾ : [قيل: ﴿ لَعْنَةَ ٱللَّهِ ﴾ ] عذاب الله.
[وقيل:]: لعنة الله : هي الإياس من رحمته وعفوه، واللعن: هو الطرد في اللغة، ولعنة الملائكة: ما قيل في آية أخرى قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ * قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ ﴾ الآية [غافر: 49-50].
وقيل: لعنة الملائكة قولهم لهم: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ إلى آخره.
وقيل: يدعون عليهم باللعن.
وقيل: لعنة المؤمنين قوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فذلك لعنهم عليهم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : ملحق على قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ : ذكر الكفر بعد الإيمان، ثم ذكر التوبة فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...
﴾ الآية: أطمع لهم المغفرة والرحمة بالتوبة بعد الكفر بقوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وما قيل: في القصّة - أيضاً - أن نفراً ارتدُّوا عن [دين] الإسلام، ثم تاب بعضهم، ولم يتب البعض؛ فنزل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ الآية.
وفي الآية دلالة قبول توبة المرتدين؛ لأن قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ الآية - قيل في القصّة.
<div class="verse-tafsir"
خالدين في النار لا يخرجون منها، ولا يُخَفف عنهم عذابها، ولا هم يُؤخَّرون ليتوبوا ويعتذروا.
<div class="verse-tafsir" id="91.naLB7"
نزلت في أهل الكتاب..
والكلام من أول السورة معهم..
وفي تفسير الآية طريقتان: إحداهما: شهادتهم بأن الرسول حق، هي أنهم كانوا يعرفون بشارات الأنبياء بمحمد وكانوا عازمين على اتباعه إذا جاء في زمنهم وانطبقت عليه العلامات وظهرت فيه البشارات ثم إنهم كفروا به وعاندوا بعد مجيئه بالبينات لهم وظهور الآيات على يديه، والله لا يهدي أمثال هؤلاء الظالمين لأنفسهم والجانين عليها.
ووضع الوصف "الظالمين" مكان الضمير لبيان سبب الحرمان من الهداية، فإن الظلم هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه لأجل الوصول إلى الحق في كل شيء بحسبه، فذكره من قبيل ذكر الدليل على الشيء بعد ادعائه وما كان من تنكب هؤلاء باختيارهم لطريق الحق وهو العقل وهدي النبوة بعدما عرفوه بالبينات هو نهاية الظلم.
والهداية هنا هي التي أمرنا بطلبها في سورة الفاتحة وهي الايصال إلى الحق، لأن سائر معاني الهداية عام لهم ولغيرهم.
والطريقة الثانية: هي أنهم كفروا بعدما سبق لهم من الايمان بالرسل -فالرسول على هذا القول للجنس- وجاءهم البينات على ألسنتهم وذلك بتركهم ما اتفق عليه أولئك الرسل من التوحيد الخالص وإسلام الوجه لله وإخلاصه له بالبراءة من حظوظ النفس وأهوائها في الدين واستبدالهم بهذه الهداية ما وضعوا لأنفسهم من التقاليد والبدع.
وحاصل المعنى على هذه الطريقة: كيف ترجو يا محمد هداية هؤلاء المعاندين لك ظنًا أن معرفتهم بالكتاب والإيمان جعلتهم أقرب الناس إلى معرفة حقيقة ما جئت به بعد ما علمت من كفرهم بحقيقة ما كانوا عليه من الإسلام بنقضهم الميثاق وتحريفهم الكلم.
﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ لعنة الله عبارة عن سخطه ولعنة الملائكة والناس إما سخطهم وهو الظاهر هنا وإما الدعاء عليهم باللعنة أي أنهم متى عرفوا حالهم فإنهم يلعنونهم.
وقد استشكلوا قوله تعالى ﴿ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ مع العلم بأن من على عقيدتهم لا يعلنونهم...
والجواب: أن كل الناس يلعنونهم متى عرفوا حقيقة حالهم فالمعنى أن هذه الحالة التي هم عليها مجلبة للعنة بطبعها من كل من عرفها.
﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ : عطف الإصلاح على التوبة لأن التوبة التي لا أثر لها في العمل لا شأن لها ولا قيمة في نظر الدين ولذلك جرى القرآن على عطف العمل الصالح عليها عند ذكرها أو وصفها بالنصوح.
<div class="verse-tafsir"