الآية ١ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ١ من سورة الروم

الٓمٓ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

مكية .

قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ عينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شرا ف ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الم (1) قال أبو جعفر: قد بيَّنا فيما مضى قبلُ معنى قوله: (الم) وذكرنا ما فيه من أقوال أهل التأويل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن , ولله في كل كتاب من كتبه سر .فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه , ولا يجب أن يتكلم فيها , ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت .وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر .وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور , ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء , وأطلعكم على ما شاء , فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه , وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به , وما بكل القرآن تعلمون , ولا بكل ما تعلمون تعملون .قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم , اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد , ومن كفر وشك أثم وبعد .حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب , ثم قرأ : " الذين يؤمنون بالغيب " [ البقرة : 3 ] .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه , وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها , ويلتمس الفوائد التي تحتها , والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم , إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن , فلما سمعوا : " الم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ , فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم .وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " [ فصلت : 26 ] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله , واللام من جبريل , والميم من محمد صلى الله عليه وسلم .وقيل : الألف مفتاح اسمه الله , واللام مفتاح اسمه لطيف , والميم مفتاح اسمه مجيد .وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : " الم " قال : أنا الله أعلم , " الر " أنا الله أرى , " المص " أنا الله أفضل .فالألف تؤدي عن معنى أنا , واللام تؤدي عن اسم الله , والميم تؤدي عن معنى أعلم .واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها , كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت .وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر .وأراد : إلا أن تشاء .وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون , قالوا : ألا فاركبوا .وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ) معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها , وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ; ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف , فلا يجوز أن يكون يمينا .والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : " لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا , وتكون " لا " جواب القسم .فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح .فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى , وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق , ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم , والمكذب لا يصدق مع القسم ؟

.قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : " الم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ .وقال قتادة في قوله : " الم " قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة , ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي , ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس .وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها .واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟

فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة , ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية .هذا مذهب الخليل وسيبويه .ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ; أي هذه " الم " ; كما تقول : هذه سورة البقرة .أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل .وقال ابن كيسان النحوي : " الم " في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ " الم " أو عليك " الم " .وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"الم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الم» الله أعلم بمراده في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(الم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة الروم من السور التى افتتحت بعض حروف التهجى ، وقد ذكرنا فى أكثر من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف ، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها - سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية ، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله ، لأن الله - تعالى - قد أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون ، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة من مثله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ آلم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين ﴾ .

وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول، فنقول لما قال الله تعالى في السورة المتقدمة ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله كما قال: ﴿ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ  ﴾ وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال: ﴿ والذين ءاتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ أي أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق، بل الله تعالى قد يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في افتتاح هذه السورة بحروف التهجي؟

فنقول قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كما في قوله تعالى: ﴿ الٓمٓ  ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، ﴿ المص * كِتَابٌ  ﴾ ، ﴿ طه  مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ  ﴾ ، ﴿ الٓمٓ  تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ ﴿ حمٓ  تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴾ ، ﴿ يسٓ  وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ  ﴾ ، ﴿ صٓ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ  بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ  ﴾ إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت وقد ذكرنا ما الحكمة فيهما في موضعهما فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه في العنكبوت وهذه ذكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فِى أَدْنَى الأرض ﴾ أي أرض العرب، لأن الألف واللام للتعريف والمعهود عندهم أرضهم وقوله تعالى: ﴿ وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ أية فائدة في ذكره مع أن قوله: ﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ بعد قوله: ﴿ غُلِبَتِ الروم ﴾ لا يكون إلا من بعد الغلبة؟

فنقول الفائدة فيه إظهار القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفاً، فلو كان غلبتهم لشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم فإذا غلبوا بعدما غلبوا، دل على أن ذلك بأمر الله، فذكر من بعد غلبهم ليتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس بزحفهم، وإنما ذلك بأمر الله تعالى وقوله: ﴿ فِى أَدْنَى الأرض ﴾ لبيان شدة ضعفهم، أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هناك الرومية لبيان أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم بإذن الله.

المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ قيل هي ما بين الثلاثة والعشرة، أبهم الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم فنقول السنة والشهر واليوم والساعة كلها معلومة عند الله تعالى وبينها لنبيه وما أذن له في إظهارها لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في كلامه ولما وردت الآية ذكر أبو بكر رضي الله عنه أن الروم ستغلب وأنكره أبي بن خلف وغيره، وناحبوا أبا بكر أي خاطروه على عشرة قلائص إلى ثلاث سنين فقال عليه السلام لأبي بكر البضع ما بين الثلاثة والعشرة فزايده في الإبل وماده في الأجل فجعلا القلائص مائة والأجل سبعاً، وهذا يدل على علم النبي عليه السلام بوقت الغلبة.

قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ أي من قبل الغلبة ومن بعدها أو من قبل هذه المدة ومن بعدها، يعني إن أراد غلبهم غلبهم قبل بضع سنين وإن أراد غلبهم غلبهم بعدها، وما قدر هذه المدة لعجز وإنما هي إرادة نافذة، وبنيا على الضم لما قطعا عن الإضافة لأن غير الضمة من الفتحة والكسرة يشتبه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر، أما النصب ففي قولك جئت قبله أو بعده، وأما الجر ففي قولك من قبله ومن بعده فنياً على الضم لعدم دخول مثلهما عليه في الإعراب وهو الرفع ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون ﴾ قيل يفرحون بغلبة الروم على الفرس كما فرح المشركون بغلبة الفرس على الروم، والأصح أنهم يفرحون بغلبتهم المشركين وذلك لأن غلبة الروم كانت يوم غلبة المسلمين المشركين ببدر، ولو كان المراد ما ذكروه لما صح لأن في ذلك اليوم بعينه لم يصل إليهم خبر الكسر فلا يكون فرحهم يومئذٍ بل الفرح يحصل بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القراءة المشهورة الكثيرة ﴿ غُلِبَتِ ﴾ بضم الغين.

وسيغلبون بفتح الياء.

والأرض: أرض العرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم.

والمعنى: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام.

أو أراد أرضهم، على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أي: في أدنى أرضهم إلى عدوّهم.

قال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأردن وفلسطين.

وقريء ﴿ في أداني الأرض ﴾ والبضع ما بين الثلاث إلى العشر عن الأصمعي.

وقيل: احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر مكة فشق على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرنّ نحن عليكم، فنزلت.

فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: لا يقرر الله أعينكم، فوالله لتظهرنّ الروم على فارس بعد بضع سنين فقال له أبيّ بن خلف: كذبت يا أبا فصيل، اجعل بيننا أجلاً أُناحبك عليه.

والمناحبة: المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادّه في الأجل» فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

ومات أُبيُّ من جرح رسول الله، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين.

وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تصدّق به.

وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة النبوّة، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

وقرئ: ﴿ غلبهم ﴾ بسكون اللام.

والغلب والغلب مصدران كالجلب والجلب، والحلب والحلب.

وقريء: ﴿ غلبت الروم ﴾ بالفتح، وسيغلبون، بالضم.

ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون في بضع سنين.

وعند انقضاء هذه المدّة أخذ المسلمون في جهاد الروم، وإضافة غلبهم تختلف باختلاف القراءتين، فهي في إحداهما إضافة المصدر إلى المفعول.

وفي الثانية إضافته إلى الفاعل.

ومثالهما ﴿ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ [البقرة: 85] ، ﴿ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ ﴾ [الحج: 47] .

فإن قلت: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟

قلت: عن قتادة رحمه الله تعالى أنه كان ذلك قبل تحريم القمار.

ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد: أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار.

وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبيّ بن خلف ﴿ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ أي في أوّل الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين.

ومن بعد كونهم مغلوبين، وهو وقت كونهم غالبين، يعني أن كونهم مغلوبين أوّلاً وغالبين آخراً ليس إلا بأمر الله وقضائه ﴿ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ﴾ [آل عمران: 140] وقرئ: ﴿ من قبل ومن بعد ﴾ على الجرّ من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه.

كأنه قيل: قبلاً وبعداً، بمعنى أوّلاً وآخراً ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعده الله عزّ وجل من غلبتهم ﴿ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله ﴾ وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له.

وغيظ من شمت بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم وقيل نصر الله أنه ولي بعض الظالمين بعضاً وفرق بين كلمهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفلّ هؤلاء شوكة هؤلاء وفي ذلك قوّة للإسلام.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنين ﴿ وَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ ينصر عليكم تارة وينصركم أخرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

( 30 سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ وآيُها سِتُّونَ أوْ تِسْعٌ وخَمْسُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ الم ﴾ .

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ أرْضِ العَرَبِ مِنهم لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهم، أوْ في أدْنى أرْضِهِمْ مِنَ العَرَبِ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ.

﴿ وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ «غَلْبِهِمْ» وهو لُغَةٌ كالجَلَبِ والجَلْبِ.

﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ .

﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ فَوافُوهم بِأذْرِعاتٍ وبُصْرى، وقِيلَ بِالجَزِيرَةِ وهي أدْنى أرْضِ الرُّومِ مِنَ الفُرْسِ فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ وبَلَغَ الخَبَرُ مَكَّةَ فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وشَمِتُوا بِالمُسْلِمِينَ وقالُوا: أنْتُمْ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ ونَحْنُ وفارِسُ أُمِّيُّونَ وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا عَلى إخْوانِكم ولَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكم فَنَزَلَتْ، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ: لا يُقِرَّنَ اللَّهُ أُعِينَكم فَواللَّهِ لَتَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ بَعْدَ بِضْعِ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: كَذَبْتَ اجْعَلْ بَيْنَنا أجَلًا أُناحِبُكَ عَلَيْهِ، فَناحَبَهُ عَلى عَشْرِ قَلائِصَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وجَعَلا الأجَلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ فَزايَدَهُ في الخَطَرِ ومادَّهُ في الأجَلِ، فَجَعَلاهُ مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ وماتَ أُبَيٌّ مِن جَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ قُفُولِهِ مِن أُحُدٍ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ تَصَدَّقْ بِهِ» .

واسْتَدَلَّتْ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى جَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ، والآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِأنَّها إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ.

وقُرِئَ «غَلَبَتْ» بِالفَتْحِ و «سَيُغْلَبُونَ» بِالضَّمِّ ومَعْناهُ أنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ والمُسْلِمُونَ سَيَغْلِبُونَهم، وفي السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِهِ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ وفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ إضافَةُ الغَلَبِ إلى الفاعِلِ.

﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ أيْ لَهُ الأمْرُ حِينَ غَلَبُوا وحِينَ يُغْلَبُونَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما إلّا بِقَضائِهِ، وقُرِئَ «مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ» مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وبَعْدًا أيْ أوَّلًا وآخِرًا.

﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ ويَوْمَ تَغْلِبُ الرُّومُ.

﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ .

﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ لِما فِيهِ مِنَ انْقِلابِ التَّفاؤُلِ وظُهُورِ صِدْقِهِمْ فِيما أخْبَرا بِهِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِهِمْ في رِهانِهِمْ وازْدِيادِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِمْ في دِينِهِمْ، وقِيلَ بِنَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ صِدْقِهِمْ أوْ بِأنْ ولِيَ بَعْضُ أعْدائِهِمْ بَعْضًا حَتّى تَفانَوْا.

﴿ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ ﴾ فَيَنْصُرُ هَؤُلاءِ تارَةً وهَؤُلاءِ أُخْرى.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن عِبادِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ تارَةً ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{في أدنى الأرض} أى أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم والمعنى غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام أو أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم {وَهُمْ} أى الروم {من بعد غلبهم} أى علبة فارس إياهم وقرىء بسكون اللام فالغلب والغلب

الروم (٧ - ٤)

مصدران وقد أضيف المصدر إلى المفعول {سَيَغْلِبُونَ} فارس ولا وقف عليه لتعليق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الرُّومِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ  ﴾ ، الآيَةَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، والتَّفْسِيرِ المَرْضِيِّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ، وآيُها سِتُّونَ، وعِنْدَ بَعْضٍ تِسْعٌ وخَمْسُونَ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِالسُّورَةِ السّابِقَةِ عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّها خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا  ﴾ ، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَعْدِ مَن غَلَبَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ وفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وأنَّ الدَّوْلَةَ لِأهْلِ الجِهادِ فِيهِ، ولا يَضُرُّهم ما وقَعَ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن هَزِيمَةٍ، هَذا مَعَ تَواخِيها لِما قَبْلَها في الِافْتِتاحِ - بِــ(الم) - ولا يَخْفى أنَّ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ المُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِذَلِكَ تَضْعُفُ المُناسَبَةُ، ومَن وقَفَ عَلى أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ ما افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنًا نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ شَماتَةِ أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ، وهم لَمْ يَزالُوا مُجاهِدِينَ في اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِهِ، ولِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ جِهادِهِمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ النُّزُولِ، وهَذا في المُناسَبَةِ أوْجَهُ فِيما أرى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الجَلالُ، فَتَأمَّلْ.

﷽ ﴿ الم ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في أمْثالِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ، ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ هي قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن ولَدِ رُومِيِّ بْنِ يُونانَ بْنِ عِلْجانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن ولَدِ يافانَ بْنِ يافِثَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ رَعُوِيلَ بْنِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مِن ولَدِ رُومِ بْنِ عِيصٍ المَذْكُورِ، صارَتْ لَها وقْعَةٌ مَعَ فارِسَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَلَبَتْها، وقَهَرَتْها فارِسُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ستون آية مكية قول الله سبحانه وتعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ يعني قهرت الروم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ مما يلي فارس يعني أرض الأردن وفلسطين وَهُمْ يعني أهل الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ أهلَ فارس، وذلك أن النبيّ  كتب إلى قيصر، ملك الروم، يدعوه إلى الإسلام، فقرأ كتابه، وقبّله ووضعه على عينيه، وختمه بخاتمه، ثم أوثقه على صدره، ثم كتب جواب كتابه: إنا نشهد أنك نبي ولكنا لا نستطيع أن نترك الدين القديم الذي اصطفى الله لعيسى، فعجب النبيّ  وقال: «قَدْ ثَبَّتَ الله مُلْكَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَى أدْنَى الأَرْضِ مِنْهَا بِفَتْحِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى المُسْلِمِينَ» .

وكتب إلى كسرى ملك فارس فمزَّق كتابه، ورجع الرسول بعد ما أراد قتله، فأخبر النبي  بذلك، فقال  : «قَد مَزَّقَ الله مُلُكهم فلا مُلكَ لَهُمْ أبَداً.

إذا ماتَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَهُ» فلمّا ظهرت فارس على الروم اغتمَّ المسلمون لذلك، فنزل قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.

وقال في رواية الكلبي: إن مشركي قريش شتموا حين غلب المشركون أهل الكتاب، فقال لهم أبو بكر-  - لم تشتمون؟

فو الله ليظهرنَّ الروم عليهم.

فقال أبيُّ بن خلف: والله لا يكون ذلك أبداً فتبايعا أبو بكر وأبيّ بن خلف لتظهرن الروم على أهل فارس إلى ثلاث سنين على تسع ذود.

فرجع أبو بكر إلى النبيّ  ، وأخبره بالأمر، فقال النبي  : «انْطلِقْ فَزِدْهُ فِي الخَطَرِ، وَمُدَّهُ فِي الأجَلِ» فرجعَ أبو بكر إلى أبيّ بن خلف، فقال: أنا أبايعك إلى سبع سنين على عشرة ذَود، فبايعه فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة إلى المدينة مهاجراً أتاه فلزمه، فكفل له عبد الرحمن بن أبي بكر.

فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحدُ أتاه محمد بن أبي بكر، فلزمه، فأعطاه كفيلاً، ثم خرج إلى أحدُ فظهرت الرُّوم على فارس عام الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين، فذلك قوله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.

وروى أسباط، عن السدي، عن أصحابه، قال: اقتتلت فارس والروم، فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان بن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غلبوا على الذين لهم كتاب، فشقَّ ذلك على المسلمين، فلقي أبو بكر  أبا سفيان، فقامره على ثلاثة أبكار على أنَّ الروم ستغلب فارس إلى ثلاث سنين، ثم أتى النبيّ  فأخبره، فقال له: «انْطَلِقْ فَزِدْ فِي الجَعْلِ، وَزِدْ في السِّنِينَ» .

فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار.

فالتقى الروم وفارس، فغلبتهم الروم، وظهر عليهم هرقل، فجاءه جبريل-  - بهزيمة فارس، وظهور الرّوم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر وظهور النبيّ  على المشركين، ففرح المؤمنون بظهورهم على المشركين، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك.

ويقال إن أهل الروم كانوا أهل كتاب، وكان المسلمون يرجون إسلامهم، وأهل فارس كانوا مجوساً، فكان المسلمون لا يرجون إسلامهم، وكانوا يحزنون لغلبة فارس عليهم فنزل الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي أقرب الأرض إلى أرض فارس وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ روي عن الفراء أنه قال: يعني من بعد غلبتهم، ولكن عند الإضافة سقطت الهاء، كما قال: وَأَقامَ الصَّلاةَ [الأنبياء: 73] ولم يقل: وإقامة الصلاة.

وقال الزجاج: هذا غلط، وإنا يجوز ذلك في المعتلّ خاصة.

والغلب والغلبة كلاهما مصدر.

وسَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ يعني إلى خمس سنين، ويقال: إلى سبع سنين.

روي عن أبي عبيدة أنه قال: البضع من واحد إلى أربعة.

وقال القتبي: البضع ما فوق الثلاثة إلى دون العشرة.

وقال مجاهد: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ويقال مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ وهذا اللفظ يكون للغالبين وللمغلوبين كقولهم من بعد قتلهم.

ثم قال عز وجل: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ يعني لله الأمر حين غلبت الروم فارس وَمِنْ بَعْدُ يعني حين غلبت الروم فارس.

ولفظ القبل والبعد إذا كان في آخر الكلام يكون رفعاً على معنى الإضافة للغاية، ولو كان إضافة إلى شيء يكون خفضاً، كقولك: من بعدهم ومن قبلهم.

ثم قال: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ لما يرجون من إسلامهم، ويقال: يفرح أبو بكر  خاصة، ويقال: يفرح المؤمنون بتصديق وعد الله تعالى.

وروي عن الشعبي أنه قال: كان ذلك عام الحديبية، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبايعوه مبايعة الرضوان، ووعد لهم غنائم خيبر، وظهرت الروم على فارس، وكان تصديقاً لهذه الآية وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ وإنَّما جازت مخاطرة أبي بكر-  - لأن المخاطرة كانت مباحة في ذلك الوقت، ثم حرمت بقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [المائدة: 90] الآية، ثم قال بِنَصْرِ اللَّهِ يعني بفتح الله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ يعني نصر الله محمداً  وأصحابه وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ بالمؤمنين حين نصرهم.

قوله عز وجل: وَعْدَ اللَّهِ نصب الوعد لأنه مصدر، ومعناه وعد الله وعداً يعني انتصروا وعد الله.

ثم قال: لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ حيث وعد لهم غلبة الروم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني الكفار لا يعلمون أن الله عَزَّ وَجَلَّ لاَ يخلف وعده، ويقال: لا يعلمون الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: قد تقدم ما جاء في الفكرة في «آل عمران» .

قال ابن عطاء الله: الفكرة سِرَاجُ القَلْب فإذا ذَهَبَتْ فلا إضاءة له.

وقال: ما نفع القلبَ شيءٌ مثلُ عُزْلَةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة، انتهى وباقي الآية بيّن.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)

وقوله عزَّ وجل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ ...

الآية، يريدُ أثاروا الأرضَ بالمباني، والحرثِ، والحروبِ وسائرُ الحوادثِ التي أحدثوها هي كلُّها إثارةٌ للأرض بعضها حقيقة وبعضها بتجوُّز، والضمير في عَمَرُوها الأول للماضين، وفي الثاني للحاضرين المعاصرين.

وقوله تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ.

قرأ نافع «١» وغيره: «عَاقِبَةُ» - بالرفع- على أنها اسْمُ كانَ، والخبر يجوز أن يكون السُّواى، ويجوز أن يكونَ أَنْ كَذَّبُوا، وتكونُ السُّواى على هذا مفعولا ب أَساؤُا وإذا كان السُّواى خبراً ف أَنْ كَذَّبُوا مفعول من أجله.

وقرأ «٢» حمزة والكسائي وغيرهما «عَاقِبَةَ» بالنصب على أنها خبرٌ مقدَّم، واسم كان أحد ما تقدم، والسُّواى: مصدر كالرُّجْعَى، والشورى، والفتيا.

قال ابن عباس:

أَساؤُا هنا بمعنى: كفروا «٣» ، والسُّواى هي النار.

وعبارة البخاري: وقال مجاهد السُّواى أي: الإساءة جزاء المسيئين «٤» ، انتهى.

والإبْلاَسُ: الكون في شرّ، مع اليأس من الخير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الرُّومِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِها «أنَّهُ كانَ بَيْنَ فارِسَ والرُّومِ حَرْبٌ فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  وأصْحابَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّ فارِسَ لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ وكانُوا يَجْحَدُونَ البَعْثَ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ، والرُّومُ أصْحابُ كِتابٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  : إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا مَن أهْلِ فارِسَ عَلى إخْوانِكم مِنَ الرُّومِ، فَإنْ قاتَلْتُمُونا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ بِها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى المُشْرِكِينَ، فَقالُوا: هَذا كَلامُ صاحِبِكَ، فَقالَ: اللَّهُ أنْزَلَ هَذا، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: نُراهِنُكَ عَلى أنَّ الرُّومَ لا تَغْلِبُ فارِسَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَقالُوا: الوَسَطُ مِن ذَلِكَ سِتٌّ، فَوَضَعُوا الرِّهانَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ الرِّهانُ، فَرَجَعَ أبُو بَكْرٍ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهُمْ، فَلامُوهُ وقالُوا: هَلّا أقْرَرْتَها كَما أقَرَّها اللَّهُ؟!

لَوْ شاءَ أنْ يَقُولَ: سِتًّا، لَقالَ!

فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سِتٍّ، لَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأخَذُوا الرِّهانَ، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ.» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ناحَبَ أبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ "» .

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم ضَرَبُوا الأجَلَ خَمْسَ سِنِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثُ سِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " «إنَّما البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ» "، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ لَهُمْ: أُزايِدُكم فِي الخَطْرِ وأمُدُّ في الأجَلِ إلى تِسْعِ سِنِينَ، فَفَعَلُوا، فَقَهَرَهم أبُو بَكْرٍ، وأخَذَ رِهانَهم.

وَفِي الَّذِي تَوَلّى وضْعَ الرِّهانِ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " في أدانِي الأرْضِ " بِألِفٍ مَفْتُوحَةِ الدّالِ؛ أيْ: أقْرَبُ الأرْضِ أرْضُ الرُّومِ إلى فارِسَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي طَرَفُ الشّامِ.

وَفِي اسْمِ هَذا المَكانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجَزِيرَةُ، وهي أقْرَبُ أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي؛ أذَرِعاتٌ وكَسْكَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي الرُّومَ ﴿ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، والأعْمَشُ: " غَلْبِهِمْ " بِتَسْكِينِ اللّامِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهم.

والغَلَبُ والغَلَبَةُ لُغَتانِ، ﴿ سَيَغْلِبُونَ ﴾ فارِسَ في بِضْعِ سِنِينَ في البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ قَدْ ذَكَرْناها في (يُوسُفَ: ٤٢) قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي هاهُنا سَبْعُ سِنِينَ، وهَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ ومِن بَعْدِ ما غُلِبَتْ؛ والمَعْنى أنَّ غَلَبَةَ الغالِبِ وخِذْلانَ المَغْلُوبِ، بِأمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ غَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ ﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ لِلرُّومِ.

وكانَ التِقاءُ الفَرِيقَيْنِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن غَلَبَةِ فارِسَ إيّاهُمْ، فَغَلَبَتْهُمُ الرُّومُ، وجاءَ جِبْرِيلُ يُخْبِرُ بِنَصْرِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، فَوافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرُومِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غُلِبَتْ" بِضَمِّ الغَيْنِ.

وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ طَرَأ بِمَكَّةَ أنَّ المَلِكَ كِسْرى هَزَمَ جَيْشَ مَلِكِ الرُومِ، قالَ مُجاهِدٌ: في الجَزِيرَةِ، وهو مَوْضِعٌ بَيْنَ العِراقِ والشامِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: بِأذْرِعاتَ، وهي بَيْنَ بِلادِ العَرَبِ والشامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِفِلَسْطِينَ والأُرْدُنِّ، فَلَمّا طَرَأ ذَلِكَ سُرَّ الكُفّارُ، فَبَشَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِأنَّ الرُومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ، وتَكُونَ الدَوْلَةُ لَهم في الحَرْبِ.

وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "غَلَبَتْ" بِفَتْحِ الغَيْنِ واللامِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي طَرَأ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّما كانَ أنَّ الرُومَ غَلَبَتْ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وسُرَّ المُسْلِمُونَ، فَبَشَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِأنَّهم سَيَغْلِبُونَ أيْضًا في بِضْعِ سِنِينَ، ذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ أبُو حاتِمٍ.

والرِوايَةُ الأولى، والقِراءَةُ بِضَمِّ الغَيْنِ أصَحُّ.

وأجْمَعَ الناسُ عَلى ﴿ "سَيَغْلِبُونَ" ﴾ أنَّهُ بِفَتْحِ الياءِ، يُرِيدُ بِهِ الرُومَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ أيْضًا: "سَيُغْلَبُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ قَلْبٌ لِلْمَعْنى الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ.

و"أدْنى الأرْضِ" مَعْناهُ: أقْرَبُ الأرْضِ، فَإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ في أذْرِعاتَ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وهي الَّتِي ذَكَرَ امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ: تَنَوَّرْتُها مِن أذَرِعاتَ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِي وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُومِ، قالَ أبُو حاتِمٍ، وقُرِئَ "أدانِيِّ الأرْضِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "غَلَبِهِمْ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، كَما يُقالُ: "أحْلِبُ حَلَبًا لَكَ شَطْرُهُ"، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسُكُونِها، وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرِهِ أنَّ الكَفّارَ لَمّا فَرِحُوا بِمَكَّةَ بِغَلَبِ الرُومِ، بَشَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الرُومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ، أيْ: مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، عَلى مَشْهُورِ قَوْلِ اللُغَوِيِّينَ، كَأنَّهُ تَبْضِيعُ العَشْرَةِ، أيْ: تَقْطِيعُها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الثَلاثِ إلى الخَمْسِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، فَلَمّا بَشَّرَهم بِذَلِكَ «خَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى المَسْجِدِ، فَقالَ لَهُمْ: "أسَرَّكم أنْ غُلِبَتِ الرُومُ؟

فَإنَّ نَبِيَّنا أخْبَرَنا عَنِ اللهِ تَعالى أنَّهم سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ"، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وأُمَيَّةُ أخُوهُ - وقِيلَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ -: تَعالَ يا أبا فَصِيلٍ - يُعَرِّضُونَ بِكُنْيَتِهِ بِالبَكْرِ - فَلْنَتَناخَبْ - أيْ نَتَراهَنْ - في ذَلِكَ، فَراهَنَهم أبُو بَكْرٍ، - قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ القِمارُ - وجَعَلَ الرَهْنَ خَمْسَ قَلائِصٍ، والأجْلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ النَبِيُّ  بِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: إنَّ البِضْعَ إلى التِسْعِ، ولَكِنِ ارْجِعْ فَزِدْهم في الرِهانِ واسْتَزِدْهم في الأجَلِ، فَفَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَجَعَلُوا القَلائِصَ مِائَةً والأجْلَ تِسْعَةَ أعْوامٍ، فَغَلَبَتِ الرُومُ في أثْناءِ الأجَلِ،» فَرُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ إيقاعَ الرُومِ بِالفَرَسِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ، وأنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ وصْلَ يَوْمِ بَيْعَةِ الرِضْوانِ، رُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ، وفي كِلا اليَوْمَيْنِ كانَ نَصْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وذَكَرَ الناسُ أنَّ سَبَبَ سُرُورِ المُسْلِمِينَ بِغَلَبَةِ الرُومِ وهَمِّهِمْ أنْ تَغْلِبَ، وكَوْنِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، إنَّما هو أنَّ الرُومَ أهْلُ كُتّابٍ كالمُسْلِمِينَ، والفُرْسَ أهْلُ الأوثانِ أو نَحْوِهِ مِن عِبادَةِ النارِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِما تَقْتَضِيهِ الفِطَرُ مِن مَحَبَّةِ أنْ يَغْلِبَ العَدُوُّ الأصْغَرُ: لِأنَّهُ أيْسَرُ مُؤَوِّنَةٍ، ومَتى غَلَبَ الأكْبَرُ كَثُرَ الخَوْفُ مِنهُ، فَتَأمَّلْ هَذا المَعْنى مَعَ ما كانَ رَسُولُ اللهِ  تَرَجّاهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ وشَرْعِ اللهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ، وغَلَبَتِهِ عَلى الأُمَمِ، وإرادَةِ كَفّارِ مَكَّةَ أنْ يَرْمِيَهُ اللهُ بِمَلِكٍ يَسْتَأْصِلُهُ ويُرِيحُهم مِنهُ.

و"سِنِينَ" يُجْمَعُ كَجَمْعِ مَن يَعْقِلُ عِوَضًا مِنَ النَقْصِ الَّذِي في واحِدِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ سَنَةٍ: سَنْهَةٌ، أو سَنْوَةٌ، وكُسِرَتِ السِينُ مِنهُ دَلالَةً عَلى أنَّ جَمْعَهُ خارِجٌ عن قِياسِهِ ونَمَطَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ ، أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِانْفِرادِهِ بِالقُدْرَةِ، وأنَّ ما في العالَمِ مِن غَلَبَةٍ وغَيْرِها إنَّما هي مِنهُ وبِإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: "لِلَّهِ الأمْرُ"، أيْ: إنْفاذُ الأحْكامِ، ﴿ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، و"قَبْلُ" و"بَعْدُ" ظَرْفانِ بُنِيا عَلى الضَمِّ؛ لِأنَّهُما تَعَرَّفا بِحَذْفِ ما أُضِيفَ إلَيْهِما وصارا مُتَضَمِّنَيْنِ ما حُذِفَ، فَخالَفا مُعْرَبَ الأسْماءِ وأشْبَها الحُرُوفَ في التَضْمِينِ فَبُنِيا، وخُصّا بِالضَمِّ لِشَبَهِهِما بِالمُنادى المُفْرَدِ، في أنَّهُ إذا نُكِّرَ أو أُضِيفَ زالَ بِناؤُهُ، وكَذَلِكَ هُما، فَضُمّا كَما أنَّ المُنادى مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ، وكَذَلِكَ قِيلَ في ذَلِكَ أيْضًا: إنَّ الفَتْحَ تَعَذَّرَ فِيهِما لِأنَّهُ حالُهُما في إظْهارِ ما أُضِيفا إلَيْهِ، وتَعَذَّرَ الكَسْرُ لِأنَّهُ حالُهُما عِنْدَ إضافَتِهِما إلى المُتَكَلِّمِ، وتَعَذَّرَ السُكُونُ لِأنَّ ما قَبْلَ أحَدِهِما ساكِنٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الضَمُّ فَبُنِيا عَلَيْهِ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ بِالخَفْضِ والتَنْوِينِ، قالَ الفَرّاءُ: "وَيَجُوزُ تَرْكُ التَنْوِينِ فَيَبْقى كَما هو في الإضافَةِ وإنْ حُذِفَ المُضافُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَوْمَئِذٍ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "القَبْلِ والبَعْدِ"، كَأنَّهُ حَصَرَ الأزْمِنَةَ الثَلاثَةَ: الماضِي والمُسْتَقْبَلَ والحالَ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِالنَصْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "بَعْدُ" ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَطْفَ جُمْلَةٍ أخْبَرَ فِيها أنَّ يَوْمَ غَلَبَتِ الرُومُ الفَرَسَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ مَشى المُفَسِّرُونَ.

والنَصْرُ الَّذِي يَفْرَحُ بِهِ المُؤْمِنُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ فِيهِ إلى نَصْرِ الرُومِ عَلى فارِسٍ، وهي نُصْرَةُ الإسْلامِ بِحُكْمِ السِنِينَ الَّتِي قَدْ ذَكَرْناها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ فِيهِ إلى نَصْرٍ يَخُصُّ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهَذا أيْضًا غَيْبٌ أخْبَرَ بِهِ وأخْرَجَهُ الوُجُودَ إمّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإمّا بِبَيْعَةِ الرِضْوانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى فَرَحِ المُسْلِمِينَ بِنَصْرِ اللهِ تَعالى إيّاهم في أنْ صَدَقَ ما قالَ نَبِيُّهم عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في أنَّ الرُومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ، فَإنَّ هَذا ضَرْبٌ مِنَ النَصْرِ عَظِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَعْدَ اللهِ" ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ مِن قُرَيْشٍ والعَرَبَ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأُمُورَ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّ وعْدَهُ لا يَتَخَلَّفُ، وأنَّ ما يُورِدُهُ نَبِيُّهُ- عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَقٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو عُمْدَةُ ما قِيلَ.

وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ رِواياتٍ يَرُدُّها النَظَرُ أوَّلَ قَوْلٍ، مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّما نَزَلَتْ ﴿ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ وعْدَهُ ﴾ بَعْدَ غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ ووُصُولِ الخَبَرِ بِذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، والسُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول على نظيره في سور كثيرة وخاصة في سورة العنكبوت، وأن هذه السورة إحدى ثلاث سور مما افتتح بحروف التهجي المقطعة غير معقبة بما يشير إلى القرآن، وتقدم في أول سورة مريم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أنْ تَظْهَرَ فارِسُ عَلى الرُّومِ لِأنَّهم أهْلُ أوْثانٍ.

قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَغَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ وقالُوا لِلْمُسْلِمِينَ إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم سَتَغْلِبُونَنا لِأنَّكم أهْلُ كِتابٍ، وقَدْ غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ والرُّومُ أهْلُ كِتابٍ.

وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ آخِرَ فُتُوحِ كِسْرى أبْرَوِيزَ فَتَحَ فِيهِ القُسْطَنْطِينِيَّةَ حَتّى بَنى فِيها بَيْتَ النّارِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ فَساءَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فَلَمّا قالَ: ﴿ وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ سُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ وبادَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهم بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وأنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ الفُرْسَ.

قالَ قَتادَةُ: فاقْتَمَرَ أبُو بَكْرٍ والمُشْرِكُونَ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ مُدَّةً اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُدَّةَ ثَلاثِ سِنِينَ تَظْهَرُ الرُّومُ فِيها عَلى فارِسَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: خَمْسُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَكانَ الَّذِي تُوَلّى ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واخْتَلَفَ في الَّذِي تَوَلّاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَ أبِي بَكْرٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا أرادَ الهِجْرَةَ مَعَ النَّبِيِّ  عَلِقَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وقالَ: أعْطِنِي كَفِيلًا بِالخَطَرِ إنْ غَلَبْتُ فَكَفَلَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ العِوَضِ المَبْذُولِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أرْبَعُ قَلائِصَ، قالَهُ عامِرٌ.

الثّانِي: خَمْسُ قَلائِصَ، قالَهُ قَتادَةُ.

«فَلَمّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ  أنَّ أبا بَكْرٍ لَهم هَذِهِ المُدَّةُ أنْكَرَها وقالَ: (ما حَمَلَكَ عَلىَ ما فَعَلْتَ؟

قالَ: ثِقَةٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، قالَ: (فَكَمِ البِضْعُ قالَ: ما بَلَغَ بَيْنَ الثَّلاثِ والعَشَرِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : (زِدْهم في الخَطَرِ وزِدْ في الأجَلِ) فَزادَهم قَلُوصَيْنِ وازْدادَ مِنهم في الأجَلِ سَنَتَيْنِ فَصارَتِ القَلائِصُ سِتًّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وسَبْعًا عَلى الثّانِي، وصارَ الأجَلُ خَمْسًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وسَبْعًا عَلى الثّانِي: وتِسْعًا عَلى الثّالِثِ.

» واخْتُلِفَ في الِاسْتِزادَةِ والزِّيادَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ الأوَّلِ قَبْلَ ظُهُورِ الغَلَبَةِ، قالَهُ عامِرٌ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ، فَأظْفَرَ اللَّهُ الرُّومَ بِفارِسَ قَبْلَ انْقِضاءِ الأجَلِ الثّانِي تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ في التَّقْدِيرِ ولِرَسُولِهِ  في التَّنْزِيلِ.

واخْتُلِفَ في السَّنَةِ الَّتِي غَلَبَتِ الرُّومُ أهْلَ فارِسَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَ بَدْرٍ ظَهَرَ الرُّومُ عَلى فارِسَ فِيهِ وظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى قُرَيْشٍ فِيهِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ، قالَ: فَكانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.

الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ فارِسَ عَلى الرُّومِ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وظُهُورَ المُسْلِمِينَ عَلى قُرَيْشٍ كانَ في عامِ بَدْرٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

الثّالِثُ: عامَ الحُدَيْبِيَةِ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ وكانَ ظُهُورُ المُسْمِلِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الفَتْحِ بَعْدَ مُدَّةِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في أدْنى أرْضِ فارِسَ; حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: في أدْنى أرْضِ الرُّومِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وفي أدْنى أرْضِ الرُّومِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْرافَ الشّامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الجَزِيرَةُ وهي أقْرَبُ أرْضِ الرُّومِ إلى فارِسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أذْرَعاتُ الشّامِ وكانَتْ بِها الوَقْعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ( غَلَبَتْ ) بِالفَتْحِ أيْ ظَهَرَتْ فَقِيلَ لَهُ عَلامَ غَلَبَتْ؟

فَقالَ: في أدْنى رِيفِ الشّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشْرِ وهَذا نَصٌّ عَنِ الرَّسُولِ  .

وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ هو ما بَيْنَ العَقْدَيْنِ مِنَ الواحِدِ إلى العَشْرَةِ فَيَكُونُ مِنَ الثّانِي إلى التّاسِعِ.

وَأمّا النَّيِّفُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ الواحِدِ والتِّسْعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما بَيْنَ الواحِدِ والثَّلاثَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ أنْ تَغْلِبَ الرُّومُ ومِن بَعْدِ ما غَلَبَتْ.

الثّانِي: مِن قَبْلِ غَلَبَةِ دَوْلَةِ فارِسَ عَلى الرُّومِ ومِن بَعْدِ غَلَبَةِ دَوْلَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ.

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الخَبَرُ الَّذِي ورَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِهَلاكِ كِسْرى فَفَرِحَ ومَن مَعَهُ فَكانَ هَذا يَوْمَ فَرَحِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ لِضَعْفِ الفُرْسِ وقُوَّةِ العَرَبِ.

الثّانِي: يَعْنِي بِهِ نَصْرَ الرُّومِ عَلى فارِسَ.

وَفي فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَصْدِيقُ خَبَرِ اللَّهِ وخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّانِي: لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ مِثْلُهم.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِنَصْرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ.

﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مِن أوْلِيائِهِ لِأنَّ نَصْرَهُ مُخْتَصٌّ بِغَلَبَةِ أوْلِيائِهِ لِأعْدائِهِ فَأمّا غَلَبَةُ أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ فَلَيْسَ بِنَصْرٍ وإنَّما هو ابْتِلاءٌ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ في نِقْمَتِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ لِأهْلِ طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أمْرَ مَعايِشِهِمْ مَتى يَزْرَعُونَ ومَتى يَحْصُدُونَ وكَيْفَ يَغْرِسُونَ وكَيْفَ يَبْنُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: هو بُنْيانُ قُصُورِها وتَشْقِيقُ أنْهارِها وغَرْسُ أشْجارِها فَهَذا ظاهِرُ الحَياةِ الدُّنْيا.

الثّانِي: يَعْلَمُونَ ما ألْقَتْهُ الشَّياطِينُ لَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا عِنْدَ اسْتِراقِهِمُ السَّمْعَ مِن سَماءِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا العَمَلُ لَها، وباطِنَها عَمَلُ الآخِرَةِ.

﴿ وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَمّا أعَدَّهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ مِن ثَوابٍ عَنْ طاعَتِهِ وعِقابٍ عَلى مَعْصِيَتِهِ.

الثّانِي: عَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةٍ وألْزَمَهم إيّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قال: غلبت.

وغلبت قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنهم سيغلبون فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا.

فجعل بينهم أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الا جعلته أراه قال: دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك» فذلك قوله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ فغلبت، ثم غلبت بعد.

يقول الله: ﴿ لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم قد ظهروا عليهم يوم بدر.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان فارس ظاهرين على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم.

فلما نزلت ﴿ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ﴾ قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين.

قال: صدق قالوا: هل لك إلى أن نقامرك؟

فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء.

ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين.

وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بضع سنين عندكم؟

قالوا: دون العشر.

قال: اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل.

قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ إلى قوله: ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ » .

وأخرج أيو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما أنزلت ﴿ الم غلبت الروم...

﴾ قال المشركون لأبي بكر رضي الله عنه: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك.

يزعم أن الروم تغلب فارس؟

قال: صدق صاحبي.

قالوا: هل لك أن نخاطرك؟

فجعل بينه وبينهم أجلاً، فحل الأجل قبل أن يبلغ الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فساءه وكرهه وقال لأبي بكر: «ما دعاك إلى هذا؟

قال: تصديقاً لله ورسوله، فقال: تعرض لهم، وأعظم الخطر، واجعله إلى بضع سنين.

فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال: هل لكم في العود فإن العود أحمد؟

قالوا: نعم.

ثم لم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية، فقمر أبو بكر فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا السحت تصدق به» .

وأخرج الترمذي وصححه والدارقطني في الافراد والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإِيمان عن يسار بن مكرم السلمي قال: لما نزلت ﴿ الم غلبت الروم...

﴾ .

كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك يقول الله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة ﴿ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ﴾ فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذاك بيننا وبينكم يزعم صاحبك إن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذاك؟

قال: بلى- وذلك قبل تحريم الرهان- فارتهن أبو بكر رضي الله عنه المشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه قال: فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه فلما دخلت السنة السابعه ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه بتسميته ست سنين قال: لأن الله قال: ﴿ في بضع سنين ﴾ فأسلم عند ذلك ناس كثير.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: لما نزلت ﴿ الم غلبت الروم ﴾ ألا يغالب البضع دون العشر» .

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون: الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم، وسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قال ابن شهاب: فاخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: إنه لما نزلت هاتان الآيتان قامر أبو بكر بعض المشركين- قبل أن يحرم القمار- على شيء إن لم تغلب الروم فارس في بضع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم فعلت؟

فكل ما دون العشر بضع» فكان ظهور فارس على الروم في سبع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قرأها بالنصب إلى قوله: ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس قال الترمذي: هكذا قرأ ﴿ غلبت ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قال: قد مضى.

كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبتهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، والتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب، والتقى الروم مع فارس، فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على العجم.

قال عطية: وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال: التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين، وفرحنا بنصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة ﴿ الم غلبت الروم في أدنى الأرض ﴾ قال: غلبتهم أهل فارس على أدنى أرض: الشام.

﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ قال: لما أنزل الله هؤلاء الآيات صدق المسلمون ربهم، وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس، فاقتمروا هم والمشركون خمس قلائص، وأجلوا بينهم خمس سنين، فولي قمار المسلمين أبو بكر، وولي قمار المشركين أبي بن خلف- وذلك قبل أن ينهى عن القمار- فجاء الأجل ولم تظهر الروم على فارس، فسأل المشركون قمارهم، فذكر ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألم تكونوا أَحِقَّاءَ أن تؤجلوا أجلا دون العشر؟

فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم وما دوهم في الأجل، فأظهر الله الروم على فارس عند رأس السبع من قمارهم الأول، فكان ذلك مرجعهم من الحديبيه، وكان مما شد الله به الإِسلام، فهو قوله: ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن الزبير الكلابي قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم على الشام والعراق، كل ذلك في خمس عشرة سنة.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سيجيء أقوام يقرأون ﴿ غلبت الروم ﴾ وإنما هي ﴿ غُلبت ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل رضي الله عنه عن قول الله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ أو ﴿ غلبت ﴾ فقال: اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الم غلبت الروم ﴾ .

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قال: غلبتهم فارس، ثم غلبت الروم فارس.

وفي قوله: ﴿ في أدنى الأرض ﴾ قال: في طرف الأرض: الشام.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البضع: ما بين السبع إلى العشرة» وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن نيار بن مكرم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البضع: ما بين الثلاث إلى التسع» .

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق ابراهيم بن سعد عن أبي الحويرث رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ال ﴿ بضع سنين ﴾ ما بين خمس إلى سبع» .

وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ال ﴿ بضع ﴾ سبع سنين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الم غلبت الروم ﴾ إلى قوله: ﴿ أكثر الناس لا يعلمون ﴾ قال: ذكر غلبة فارس اياهم، وادالة الروم على فارس، وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على فارس من أهل الأوثان.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة «أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال: وأدنى الأرض يومئذ أذرعات.

بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة، فشق ذلك عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح الكفار بمكة وشتموا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم.

فأنزل الله: ﴿ الم غلبت الروم...

﴾ .

فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الكفار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم على اخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله عينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال: كذبت.

فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدو الله.

قال: إنا أحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: ما هكذا ذكرت، إنما البضع من الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، وماده في الأجل، فخرج أبو بكر رضي الله عنه فلقي أبياً فقال: لعلك ندمت قال: لا.

قال: تعال أزايدك في الخطر، وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال: قد فعلت» .

وأخرج ابن جرير عن سليط قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ ﴿ الم غلبت الروم ﴾ قيل له: يا أبا عبد الرحمن على أي شيء غلبوا؟

قال: على ريف الشام.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ لله الأمر من قبل ﴾ دولة فارس على الروم ﴿ ومن بعد ﴾ دولة الروم على فارس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الم ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة العنكبوت.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الم * غُلِبَتِ الروم ﴾ أي هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم، وسميت الروم باسم جدهم وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ وفي بعض القراءات: ﴿ غَلبت الروم ﴾ بفتح الغين على المستقبل.

يذكر أهل التأويل: أنه إنما يذكر هذا؛ لأن المشركين كانوا يجادلون وهم بمكة، يقولون: إن الروم أهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله -  - هذه الآية: ﴿ الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية، لكن يذكر في آخره: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فلا يحتمل فرح المؤمنين بغلبة الروم على فارس، ويسمى ذلك: نصر الله وهم كفار، وغلبتهم عليهم معصية، اللهم إلا أن يكون فرحهم بما يظهر الإيمان بكتب الله وتصديقها والعمل بها، وهم كانوا أهل كتاب، ورسول الله  كان بعث مصدقاً بكتب الله وبرسله أجمع، ففرحوا بذلك، فإن كان كذلك فجائز الفرح بذلك وتسميته نصر الله.

وأما على الوجه الذي يقولون هم فلا.

وعندنا: أن في ذلك آية عظيمة في إثبات رسالة نبينا محمد - صلوات الله عليه - ونبوته وصدقه ما لم يجد الكفار فيه مطعناً، ولا النسبة إلى الكذب والافتراء، على ما قالوا وطعنوا في سائر الآيات والأنباء، كقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ونحو ذلك من المطاعن التي طعنوا في القرآن والأنباء المتقدمة؛ حيث قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ مثلها لم يجدوا فيما أخبر من غلبة الروم على فارس؛ لأنه أخبر عن غلبة ستكون وستحدث لا عن غلبة قد كانت، ومثل هذا لا يدركه البشر ولا يستفاد منهم؛ إذ لا يبلغه علم البشر ولا يدرك بالقياس بالسابق من الأمور، فإذا كان على ما أخبر دل أنه بالله علم ذلك، وبوحي منه إليه عرف ذلك.

وهم جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا: تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه أخر يستدلون بذلك؛ من نحو أن يقولوا: إنهم أهل كتاب وعبادة يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما فيها لا يتفرغون للقتال والحرب.

أو أن يقولوا: إنهم نصارى - أعني: أهل الروم - وليس في سنتهم ومذهبهم القتال والحرب، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم ولا ظفر.

وأمّا أهل الإسلام ليس لهم شيء من تلك الوجوه ولا بغيرها وجه الاستدلال بغلبة أولئك، فما قالوا ذلك إلا وحيّا من الله إليه وإعلاماً منه إياه، فكان في ذلك أعظم آية لصدق رسوله وأكبرها فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر الله بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله؛ إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته.

وقوله: ﴿ غُلِبَتِ ﴾ و ﴿ غَلَبَت ﴾ : ﴿ غُلِبَتِ ﴾ على الماضي؛ لما كان من غلبة فارس على الروم، و ﴿ غَلَبَت ﴾ بالفتح على المستقبل؛ أي: تغلب الروم على فارس، وهو كقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ على الأمر في المستقبل، ﴿ بَاعَدَ بين أسفارنا ﴾ على الخبر، فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ قيل: أقرب إلى أرض فارس.

وقال بعضهم: ﴿ أَدْنَى ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدنى أرض الشام.

وقيل: الأرض التي تلي فارس، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ وجوه على المعتزلة: أحدها: يقال لهم: وعد أن يغلب الروم على فارس، وقد أراد أن يخرج ما وعد حقّاً صدقاً أم لا؟

فإن قالوا: لا، فقد أعظموا القول وأفحشوه؛ حيث زعموا أنه أراد ألا يفي بما وعد أنه يكون.

وإن قالوا: نعم، قيل: دل أنه أراد ما فعلوا، وإن كان الفعل منهم فعل معصية وخلاف؛ إذ محاربة كل فريق أصحابهم معصية؛ إذ لم يؤمروا بذلك، وإنما أمروا بالإسلام، فدل أن الله مريد لما يعلم أنه يكون منهم، وإن كان ما يكون منهم معصية.

والثاني: ما أخبر بفرح المؤمنين بغلبة هؤلاء على أولئك أيّ جهة كان فرحهم لإثبات آية عظيمة على رسالة نبيهم ونبوته؛ على ما ذكرنا أولا أنهم كانوا أهل كتب الله ودراستها أحبوا غلبتهم عليهم، وفرحوا بذلك، ولا يحتمل أن يفرحوا بذلك ولم يأمرهم بذلك، ولا أراد منهم ذلك دل أنهم إنما فرحوا بذلك لما أراد ذلك.

والثالث: في قوله: ﴿ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ دلالة: أن لله في فعل العباد صنعاً وتدبيراً حيث ذكر فعل بعضهم على بعض، ثم سمّى: نصر الله؛ دل أن له في ذلك تدبيراً.

وقوله: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ قيل: البضع: سبع.

وقيل: ما دون العشر فهو بضع، وكذلك ذكر في الخبر "أن أبا بكر -  - لما خاطر المشركين وبايعهم في ذلك بخطر في سنين ذكرها، فمضت تلك المدة ولم تغلب الروم على فارس، فقال رسول الله  لأبي بكر: أما علمت أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر، ففعل ذلك، فلم تمض تلك السنون حتى ظهرت الروم على فارس" .

وفي بعض الحديث قال: قال رسول الله  : "لم تكونوا أن تؤجلوا أجلا دون العشر؛ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزيدوهم ومادوهم في الأجل" ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس...

فذكر الحديث.

ثم المسألة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أولئك الكفرة: أحدها: أن مكة كانت يومئذ دار حرب؛ دليله: قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، وذلك كان قبل الهجرة، وما أمر بالهجرة - أيضاً - إلى المدينة، ونحوه كثير، وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس، فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب جازت المخاطرة في العقول في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز، وهذا يدل لأبي حنيفة - رحمه الله - في إجازته عقد الربا في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز.

والثاني: جاز ذلك يومئذ وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل، والجهالة في العقود إنما تبطل العقود، لخوف وقوع التنازع بينهم في الدين، فأما في الأموال فقلما يقع؛ لما ذكرنا.

ومنهم من يقول: كان جائزاً ذلك في الجاهلية، فأمّا اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه، وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار؛ فيكون النهي عن الشيء نهياً عما هو في معناه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ غلبة فارس الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ غلبة الروم فارس.

ويقال: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ حين ظهرت فارس على الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ ما ظهرت الروم على فارس.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ ﴾ في خلقه؛ أي: التدبير فيه، وله الأمر فيهم؛ أي: ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ  ﴾ : له التدبير فيهم والأمر.

وفي قراءة من قرأ ﴿ غَلَبَتِ الرُّومُ ﴾ بالنصب يكون قوله: ﴿ وهم من بعد غلبهم سَيُغْلَبُونَ ﴾ حين تظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية.

وفي حرف ابن مسعود وحفصة: ﴿ في بعض سنين قريباً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ﴾ فَرَحُ المؤمنين بنصر الله حيث نصر رسوله بإظهار الآية له في إثبات الرسالة والنبوة وصدقه، وذلك النصر له، وما يقول بعض أهل التأويل: نصر الروم على فارس - بعيد؛ لأن ما كان الفعل فعل معصية لا يقال: نصر الله، وإنما يقال ذلك فيما كان الفعل فعل طاعة، والوجه فيه ما ذكرنا: أنه نصر رسوله بما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر العزيز على إثر ما سبق؛ لأنه عزيز بذاته، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب وهناً ولا نقصاً في ملكه وسلطانه، ليس كهلاك بعض عبيد ملوك الأرض وأتباعه وحشمه؛ لأن ملوك الأرض أعزاء بهم، فإذا هلك ذلك ذهب عزهم، فأمّا الله -  وتعالى - إذ هو عزيز بذاته لا بشيء، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب نقصاً لذلك فيه.

وقوله: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ إنما يكون خلف الوعد في الشاهد لإحدى خصال ثلاث: إما لندامة استقبلته فيما وعد فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد، وحفظ الوفاء له.

وإما لحاجة وقعت له فيما وعد فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد وإنجاز ما يطمع.

وإما لعجز يكون به لا يقدر على إنجاز ما وعد، فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد وإنجازه، فإذا كان الله -  - يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا فإن ما وعد لم يحتمل الخلف منه، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لم ينظروا ولم يتفكروا في الأسباب التي هى أسباب العلم بعدما أعطاهم أسباب العلم، لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا، فلم يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بما علموا، فنفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس وإن كانت لهم هذه الحواس.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ يحتمل قوله: ظاهر الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم؟

وكيف؟

نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء، ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع، وكذلك السمع والبصر واللسان لا يعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أنه بها يسمع ويبصر ويتكلم ويفهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً ﴾ : منافع الحياة الدنيا، وعن منافع الآخرة هم غافلون، وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة.

وابن عباس والكلبي وهؤلاء يقولون: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ قالوا: يعلمون معايشهم، وتجاراتهم، وحرفهم، وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم ﴿ وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: لا يؤمنون بها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الم ﴾ سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.ok2A0"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.5 / 29.5
الإضاءة 97%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
الحمد لله