الآية ٣٥ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٣٥ من سورة الروم

أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًۭا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أم أنزلنا عليهم سلطانا ) أي : حجة ( فهو يتكلم ) أي : ينطق ( بما كانوا به يشركون ) ؟

وهذا استفهام إنكار ، أي : لم يكن [ لهم ] شيء من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) يقول تعالى ذكره: أم أنـزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان كتابا بتصديق ما يقولون، وبحقيقة ما يفعلون (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) يقول: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم، وإنما يعني جلّ ثناؤه بذلك: أنه لم ينـزل بما يقولون ويفعلون كتابا، ولا أرسل به رسولا وإنما هو شيء افتعلوه واختلقوه؛ اتباعا منهم لأهوائهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( أَمْ أَنـزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) يقول: أم أنـزلنا عليهم كتابا فهو ينطق بشركهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركونقوله تعالى : أم أنزلنا عليهم سلطانا وهو استفهام فيه معنى التوقيف .

قال الضحاك : سلطانا أي كتابا ; وقاله قتادة والربيع بن أنس .

وأضاف الكلام إلى الكتاب توسعا .

وزعم الفراء أن العرب تؤنث السلطان ; تقول : قضت به عليك السلطان .

فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح ، وبه جاء القرآن ، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة ; أي حجة تنطق بشرككم ; قاله ابن عباس والضحاك أيضا .

وقال علي بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد قال : سلطان جمع سليط ; مثل رغيف ورغفان ، فتذكيره على معنى الجمع وتأنيثه على معنى الجماعة .

والسلطان : ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة ; كما قال تعالى : أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا } أي: حجة ظاهرة { فَهُوَ } أي: ذلك السلطان، { يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ } ويقول لهم: اثبتوا على شرككم واستمروا على شككم فإن ما أنتم عليه هو الحق وما دعتكم الرسل إليه باطل.فهل ذلك السلطان موجود عندهم حتى يوجب لهم شدة التمسك بالشرك؟

أم البراهين العقلية والسمعية والكتب السماوية والرسل الكرام وسادات الأنام، قد نهوا أشد النهي عن ذلك وحذروا من سلوك طرقه الموصلة إليه وحكموا بفساد عقل ودين من ارتكبه؟.فشرك هؤلاء بغير حجة ولا برهان وإنما هو أهواء النفوس، ونزغات الشيطان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم أنزلنا عليهم سلطانا ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : حجة وعذرا .

وقال قتادة : كتابا ( فهو يتكلم ) ينطق ( بما كانوا به يشركون ) أي : ينطق بشركهم ويأمرهم به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أَم» بمعنى همزة الإنكار «أنزلنا عليهم سلطاناً» حجة وكتاباً «فهو يتكلم» تكلم دلالة «بما كانوا به يشركون» أي يأمرهم بالإشراك!

لا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أم أنزلنا على هؤلاء المشركين برهانًا ساطعًا وكتابًا قاطعًا، ينطق بصحة شركهم وكفرهم بالله وآياته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ) التفات من الخطاب إلى الغيبة ، على سبيل التحقير لهم ، والتهوين من شأنهم .

والاستفهام للنفى والتوبيخ .والسلطان : الحجة والبرهان .أى : هؤلاء الذين أشركوا معنا غيرنا فى العبادة ، هل نحن أنزلنا عليهم حجة ذات قوم وسلطان تشهد لهم بأن شركهم لا يخالف الحق ، وتنطق بأن كفرهم لا غبار عليه؟كلا ، إننا ما أنزلنا عليهم شيئا من ذلك ، وإنما هم الذين وقعوا فى الشرك ، بغير علم ، ولا هدى ولا كتاب منير .فالآية الكريمة تتهكم بهم لسفههم وجهلهم ، وتنفى أن يكون شركهم مبنيا على دليل أو ما شبه الدليل ، أو أن يكون هناك من أمرهم به سوى تقاليدهم الباطلة ، وأهوائهم الفاسدة وأفكارهم الزائفة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ قد تقدم تفسيره في العنكبوت بقي بيان فائدة الخطاب هاهنا في قوله: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ وعدمه هناك في قوله: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ﴾ فنقول لما كان الضر المذكور هناك ضراً واحداً جاز أن لا يكون في ذلك الموضع من المخلصين من ذلك الضر أحد، فلم يخاطب ولما كان المذكور هاهنا مطلق الضر ولا يخلو موضع من المخلصين عن الضر، فالحاضر يصح خطابه بأنه منهم فخاطب.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ لما سبق قوله تعالى: ﴿ بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ  ﴾ أي المشركون يقولون ما لا علم لهم به بل هم عالمون بخلافه فإنهم وقت الضر يرجعون إلى الله حقق ذلك بالاستفهام بمعنى الإنكار، أي ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أم للاستفهام ولا يقع إلا متوسطاً، كما قال قائلهم: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل *** وبين النقا آأنت أم أم سالم فما الاستفهام الذي قبله؟

فنقول تقديره إذا ظهرت هذه الحجج على عنادهم فماذا نقول، أهم يتبعون الأهواء من غير علم؟

أم لهم دليل على ما يقولون؟

وليس الثاني فيتعين الأول.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ مجاز كما يقال إن كتابه لينطق بكذا، وفيه معنى لطيف وهو أن المتكلم من غير دليل كأنه لا كلام له، لأن الكلام هو المسموع وما لا يقبل فكأنه لم يسمع فكأن المتكلم لم يتكلم به، وما لا دليل عليه لا يقبل، فإذا جاز سلب الكلام عن المتكلم عند عدم الدليل وحسن جاز إثبات التكلم للدليل وحسن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السلطان: الحجة، وتكلمه.

مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن.

ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشد بشركهم وبصحته.

وما في ﴿ بِمَا كَانُواْ ﴾ مصدرية أي: بكونهم بالله يشركون.

ويجوز أن تكون موصولة ويرجع الضمير إليها.

ومعناه: فهو يتكلم بالأمر الذي يسببه يشركون، ويحتمل أن يكون المعنى: أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أي: ملكاً معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ ﴾ شِدَّةٌ.

﴿ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِ.

﴿ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ.

﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم بِالإشْراكِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي عافاهم.

﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ وقِيلَ لِلْأمْرِ بِمَعْنى التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ غَيْرَ أنَّهُ التَفَتَ فِيهِ مُبالَغَةً وقُرِئَ و «لْيَتَمَتَّعُوا» .

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَمَتُّعِكم، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ تَمَتَّعُوا ماضٍ.

﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ حُجَّةً وقِيلَ ذا سُلْطانٍ أيْ مَلَكًا مَعَهُ بُرْهانٌ.

﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿ كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ أوْ نَطَقَ.

﴿ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ بِإشْراكِهِمْ وصِحَّتِهِ، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يُشْرِكُونَ بِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا} حجة {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} وتكلما مجاز كما تقول كتابه ناطق بكذا وهذا مما نطق به القرآن ومعناه الشهادة كأنه قال فهو يشهد بشركهم وبصحته {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} ما مصدرية أي بكونهم بالله يشركون أو موصولة ويرجع الضمير إليها أي فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون أو معنى الآية أم أنزلنا عليهم ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدًا لِجِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ( وأمْ ) مُنْقَطِعَةٌ، والسُّلْطانُ الحُجَّةُ، فالإنْزالُ مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيمِ أوِ الإعْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ بِمَعْنى فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مَجازٌ عَنِ الدِّلالَةِ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ هُنا جَمِيعَ ما اعْتَبَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: نَطَقَتِ الحالُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ(سُلْطانًا) ذا سُلْطانٍ أيْ مَلِكًا مَعَهُ بُرْهانٌ، فَلا مَجازَ أوَّلًا وآخِرًا.

وجُمْلَةُ ( هو يَتَكَلَّمُ ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ )، إذِ المَعْنى: بَلْ أأنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ ﴿ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ بِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِحَّتُهُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَهُ تَعالى، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي يُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَها، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم مُسْتَمْسَكٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في شِرْكِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي: أخلص دينك الإسلام للدين حنيفاً.

يعني: للتوحيد مخلصاً.

ويقال: يذكر الوجه ويراد به هو، فكأنه يقول: فأقم الدين مخلصاً.

ويقال: معناه فأقبل بوجهك إلى الدين، وأقم عليه حنيفاً، أي: مخلصاً، مائلاً إليه.

ويقال: أخلص دينك وعملك لله تعالى، وكن مخلصا.

ثم قال: فِطْرَتَ اللَّهِ يعني: اتبع دين الله.

ويقال: اتبع ملة الله.

ويقال: الفطرة الخلقة يعني: خلقة الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي: خلق البشر عليها كما قال النبيّ  : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» .

وروي عن أبي هريرة أنه قال: اقرءوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها يعني: خلق الناس عليها.

وفي الخبر أنه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» لأنه شهد يوم الميثاق.

ثم قال: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يعني: لا تغيير لدين الله.

ويقال: لا تبديل لخلق الله عند ما خلق الله الخلق، لم يكن لأحد أن يغير خلقته.

ثم قال: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ يعني: التوحيد هو الدين المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار مكة لاَ يعلمون بتوحيد الله.

قوله عز وجل: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ انصرف إلى قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ يعني: فأقبل بوجهك منيباً إليه.

ويجوز أن يخاطب الرئيس بلفظ الجماعة، لأن له أتباعاً.

وإنما يراد به هو وأتباعه كما قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: 10] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد.

وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وأتموا الصلوات الخمس وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ على دينهم مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ يعني: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به.

وَكانُوا شِيَعاً فجعلوه أدياناً يعني: تركوا دينهم وصاروا فرقاً اليهود والنصارى والمجوس، قرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف.

وقرأ الباقون فَرَّقُوا بغير ألف.

فمن قرأ: فارقوا يعني: تركوا دينهم.

ومن قرأ فَرَّقُوا دينهم يعني: افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون ثلاثة وسبعين فرقة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يعني: كل أهل دين بما عندهم من الدين راضون.

قوله عز وجل: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ يعني: إذا أصاب الكفار شدة دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني: منقلبين إليه بالدعاء عند الشدة والقحط ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً يعني: إذا أصابهم من الله نعمة، وهي السعة في الرزق والخصب إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ يعني: تركوا توحيد ربهم في الرخاء، وقد وحّدوه في الضراء.

قوله عز وجل: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ قال مقاتل: تقول أذاقهم رحمة لئلا يكفروا بالذي أعطاهم من الخير.

ويقال: كانت النعمة سبيلاً للكفر فكأنه أعطاهم لذلك، كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] وقرئ في الشاذ يشركون ليكفروا، بجزم اللام فيكون أمراً على وجه الوعيد والتهديد.

ثم قال: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: فتمتعوا قليلاً إلى آجالكم فسوف تعلمون ما يفعل بكم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: كتاباً من السماء فَهُوَ يَتَكَلَّمُ يعني: ينطق بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يعني: بما كانوا يقولون من الشرك.

اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به النفي يعني: لم ينزل عليهم حجة بذلك.

وقال القتبي: فهو يتكلم فهو من المجاز ومعناه: أنزلنا عليهم برهاناً يستدلون به، فهو يدلهم على الشرك.

ويقال: أم أنزلنا عليهم عذراً بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فِطْرَتَ اللَّهِ ...

الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.

وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.

وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:

لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.

انتهى.

والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .

والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.

فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)

وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...

الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.

قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.

والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.

وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.

ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...

الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.

ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.

فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.

ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.

قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.

وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:

وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.

قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.

قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.

وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.

ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.

وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:

انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.

ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:

لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.

وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.

ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أخْلِصْ دِينَكَ الإسْلامَ ﴿ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: لِلتَّوْحِيدِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: اسْتَقِمْ بِدِينِكَ نَحْوَ الجِهَةِ الَّتِي وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها.

وقالَ غَيْرُهُ: سَدِّدَ عَمَلَكَ.

والوَجْهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وعَمَلُ الإنْسانِ ودِينُهُ: ما يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِتَسْدِيدِهِ وإقامَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَنِيفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَنِيفُ: الَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ ولا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَقْدِرُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ، بِمَعْنى: اتَّبِعَ فِطْرَةَ اللَّهِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ : اتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ، واتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ.

والفِطْرَةُ: الخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» "، أيْ: عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴾ قالَ: الإسْلامُ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.

والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أصَحُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: فَرْقُ ما بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ في هَذا الحَدِيثِ، أنَّ الفِطْرَةَ عِنْدَهُمُ: الإسْلامُ، والفِطْرَةَ عِنْدَنا: الإقْرارُ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةُ بِهِ، لا الإسْلامُ، ومَعْنى الفِطْرَةِ: ابْتِداءُ الخِلْقَةِ، والكُلُّ أقَرُّوا حِينَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا بَلى  ﴾ ولَسْتَ واجِدًا أحَدًا إلّا وهو مُقِرٌّ بِأنَّ لَهُ صانِعًا ومُدَبِّرًا وإنْ عَبَدَ شَيْئًا دُونَهُ وسَمّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ؛ فَمَعْنى الحَدِيثِ: إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ في العالَمِ عَلى ذَلِكَ العَهْدِ وذَلِكَ الإقْرارِ الأوَّلِ، وهو لِلْفِطْرَةِ، ثُمَّ يُهَوِّدُ اليَهُودُ أبْناءَهُمْ، أيْ: يُعَلِّمُونَهم ذَلِكَ، ولَيْسَ الإقْرارُ الأوَّلُ مِمّا يَقَعُ بِهِ حُكْمٌ ولا ثَوابٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذا أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ النّاسَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المُسْلِمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ إذا ماتَ لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ وِرَثَهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ والمَجُوسِيُّ، ولَوْ كانَ مَعْنى الفِطْرَةِ الإسْلامُ، ما ورِثَهُ إلّا المُسْلِمُونَ، ولا دُفِنَ إلّا مَعَهُمْ؛ وإنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " أيْ: عَلى تِلْكَ البِدايَةِ الَّتِي أقَرُّوا لَهُ فِيها بِالوَحْدانِيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن صُلْبِ آدَمَ، فَمِنهم مَن جَحَدَ ذَلِكَ بَعْدَ إقْرارِهِ.

ومِثْلُ هَذا الحَدِيثِ حَدِيثُ عِياضِ بْنِ حِمارٍ «عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: " قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ "»، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم يَوْمَ المِيثاقِ إلّا إلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأجابُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْناهُ النَّهْيُ؛ والتَّقْدِيرُ: لا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ.

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِصاءُ البَهائِمِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: دِينُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ في آخَرِينَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ المُسْتَقِيمَ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ  تَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ ومَعْنى " مُنِيبِينَ ": راجِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ ما أمَرَ، فَلا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [البَقَرَةِ: ٣، الأنْعامِ: ١٥٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القَحْطُ، والرَّحْمَةُ: المَطَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ، والرَّحْمَةُ: العافِيَةُ، ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُشْرِكُونَ.

والمَعْنى: أنَّ الكُلَّ يَلْتَجِؤُونَ إلَيْهِ في شَدائِدِهِمْ، ولا يَلْتَفِتُ المُشْرِكُونَ حِينَئِذٍ إلى أوْثانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في آخِرِ (العَنْكَبُوتِ: ٦٧)، وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ خِطابٌ لَهم بَعْدَ الإخْبارِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةً وكِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَأْمُرُهم بِالشِّرْكِ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، مَعْناهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ رَحْمَةً ﴾ وهي المَطَرُ.

والسَّيِّئَةُ: الجُوعُ والقَحْطُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّحْمَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: المُصِيبَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الفَرَحُ المَذْكُورُ هاهُنا، هو فَرَحُ البَطَرِ الَّذِي لا شُكْرَ فِيهِ، والقُنُوطُ: اليَأْسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو خِلافُ وصْفِ المُؤْمِنُ، فَإنَّهُ يَشْكُرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، ويَرْجُو عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٦) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إعْطاءَ الحَقِّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ أيْ: أفْضُلُ مِنَ الإمْساكِ ﴿ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِأعْمالِهِمْ ثَوابَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ إنْحاءٍ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَهُ، بَيَّنَ اللهِ تَعالى لَهم أنَّهم كَسائِرِ البَشَرِ في أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعَوُا اللهَ سُبْحانَهُ، وتَرَكُوا الأصْنامَ مَطْرُوحَةُ، ولَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، فَإذا أذاقَهم رَحْمَتَهُ، أيْ: باشَرَهم أمْرُهُ بِها، والذَوْقُ مُسْتَعارٌ، إذا طائِفَةٌ تُشْرِكُ بِهِ أصْنامًا ونَحْوَ هَذا، و"إذا" لِلْمُفاجَأةِ، فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ في جَوابِ "إذا" الأولى، بِمَنزِلَةِ الفاءِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ هي عَبَدَةُ الأصْنامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ، أو بِحِذْقِ آرائِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فِيهِ قِلَّةُ شُكْرٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُسَمّى تَشْرِيكًا مَجازًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَكْفُرُوا" ﴾ اللامُ لامُ كَيْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لامُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَتَمَتَّعُوا" ﴾ فَأمْرٌ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَقْرِيرِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: فَتَمَتَّعُوا.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "فَيَتَمَتَّعُوا" بِياءٍ قَبْلَ التاءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "لِيَكْفُرُوا"، أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلْيَتَمَتَّعُوا"، ورُوِيَ عن أبِي العالِيَةِ: "فَيُمَتِّعُوا" بِضَمِّ الياءِ دُونَ تاءٍ أُولى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "تَمَتَّعُوا"، كَذا قالَ هارُونُ.

وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" بِمَعْنى (بَلْ) وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهُ أضْرَبَ عن صَدْرِ الكَلامِ ورَجَعَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ.

و"السُلْطانُ" هاهُنا: البُرْهانُ، مِن رَسُولٍ أو كِتابٍ ونَحْوِهِ، والسُلْطانُ في كَلامِ العَرَبِ جَمْعُ سَلِيطٍ، كَرَغِيفٍ ورُغْفانٍ، وغَدِيرٍ وغُدْرانٍ، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَسَلُّطِ والتَغَلُّبِ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ في العَرَبِ الرَئِيسَ؛ لِأنَّهُ سَلِيطٌ بِوَجْهِ الحَقِّ، وهو اسْمُ جَمْعٍ مِن حَيْثُ أنْواعِ الغَلَبَةِ والمُلْكِ عِنْدَهُ، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ وزْنُهُ فُعْلانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ مَعْناهُ أنْ يُظْهِرَ حُجَّتَهُمْ، ويُغَلِّبَ مَذْهَبَهُمْ، ويَنْطِقَ بِشِرْكِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أمْ ﴾ منقطعة، فهي مثل (بَل) للإضراب هو إضراب انتقالي.

وإذ كان حرف ﴿ أم ﴾ حرفَ عطف فيجوز أن يكون ما بعدها إضراباً عن الكلام السابق فهو عطف قصة على قصة بمنزلة ابتداءٍ، والكلام توبيخ ولوم متصل بالتوبيخ الذي أفاده قوله ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ [الروم: 34].

وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتكم إلى مخاطبة المسلمين تعجيباً من حال أهل الشرك.

ويجوز أن يكون ما بعدها متصلاً بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ﴾ [الروم: 29] فهو عطف ذَم على ذم وما بينهما اعتراض.

وحيثما وقعت ﴿ أمْ ﴾ فالاستفهام مقدَّر بعدها لأنها ملازمة لمعنى الاستفهام.

فالتقدير: بل أأنزلنا عليهم سلطاناً وهو استفهام إنكاري، أي ما أنزلنا عليهم سلطاناً، ومعنى الاستفهام الإنكاري أنه تقرير على الإنكار كأن السائل يسأل المسؤول ليقر بنفي المسؤول عنه.

والسلطان: الحجة.

ولما جعل السلطان مفعولاً للإنزال من عند الله تعين أن المراد به كتاب كما قالوا ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نَقرؤه ﴾ [الإسراء: 93].

ويتعين أن المراد بالتكلم الدلالة بالكتابة كقوله تعالى ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ [الجاثية: 29]، أي تدل كتابته، أي كتب فيه بقلم القدرة أن الشرك حق كقوله تعالى ﴿ أم ءاتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون ﴾ [الزخرف: 21].

وقدم ﴿ به ﴾ على ﴿ يشركون ﴾ للاهتمام بالتنبيه على سبب إشراكهم الداخل في حيز الإنكار للرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي كِتابًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عُذْرًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بُرْهانًا، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ وعَطاءٍ.

الرّابِعُ: رَسُولًا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى مُحْتَمَلًا.

﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُخْبِرُ بِهِ.

الثّانِي: يَحْتَجُّ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العافِيَةُ والسَّعَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: النِّعْمَةُ والمَطَرُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيُحْتَمَلُ أنَّها الأمْنُ والدَّعَةُ.

﴿ فَرِحُوا بِها ﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ.

﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها الخَوْفُ والحَذَرُ.

﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِذُنُوبِهِمْ.

﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُنُوطَ اليَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ والفَرَجِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: أنَّ القُنُوطَ تَرْكُ فَرائِضِ اللَّهِ في اليُسْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ منيبين إليه ﴾ قال: تائبين إليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وفي قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً ﴾ قال: يأمرهم بذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ يقول: أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ قال: الضيف ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله أولئك هم المضعفون ﴾ قال: هذا الذي يقبله الله، ويضاعفه لهم عشر أمثالها وأكثر من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا...

﴾ قال: الربا رباآن.

ربا لا بأس به.

وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به؛ فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، أو اضعافها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: هي الهدايا.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ﴾ قال: يعطي ما له يبتغي أفضل منه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا، فليس فيها أجر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من رباً...

﴾ قال: هو الربا الحلال.

أن تهدي أكثر منه، وليس له أجر ولا وزر، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم رباً...

﴾ قال: الرجل يعطي الشيء ليكافئه به، ويزداد عليه ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله، ولا يريد من صاحبه جزاء ولا مكافأة، فذلك الذي يضعف عند الله تعالى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من زكاة ﴾ قال: هي الصدقة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا ﴾ قال ابن عباس: حجة (١) قال قتادة ومقاتل: كتابًا من السماء ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا ﴾ يقولون؛ يعني: من الشرك (٢) (٣) (١) ذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن ابن عباس، والضحاك.

(٢) أخرج ابن جرير 21/ 44، عن قتادة.

و"تفسير مقاتل" 79 أ.

وذكره الثعلبي 8/ 169 أ، عن قتادة والربيع.

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 169 أ.

واقتصر عليه الفراء، ولم ينسبه.

"معاني القرآن" 2/ 325.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ أم هنا منقطعة بمعنى بل، والسلطان الحجة، وكلامه مجاز كما تقول نطق: بكذا، والمعنى ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.

الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.

والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.

ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.

التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.

وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.

ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟

وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.

و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.

وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.

والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.

والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون  ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.

ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا  ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم  ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.

وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.

وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.

وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.

فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.

وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.

ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.

فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات  ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.

وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله  أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.

وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.

قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.

وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله  يعطيه عشرة قصور تفضلاً.

ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.

قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.

ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.

وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.

وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.

ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.

أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة  ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.

خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.

ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.

ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.

وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.

ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.

وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.

قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.

قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.

أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.

فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.

وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.

ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.

قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته  ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.

وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.

وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.

وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله  يجب أن تقابل بالشكر.

وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي  بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.

وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.

ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.

وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.

ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.

وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.

ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .

ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.

ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.

وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.

ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.

ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.

وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل  ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.

وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.

وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء  ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.

ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.

وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.

ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.

ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.

ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.

وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.

قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.

والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.

ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".

ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.

ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .

قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ .

وقال قائلون: مطيعين.

وقال قائلون: موحدين.

وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك، وتنبيه وعظة للمؤمنين.

أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته.

والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله، وأخلصوا له الدين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله،  .

والثالث: تصديقاً لقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا  ﴾ ، فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر.

وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكراً له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين.

وفيه دلالة: شدة سفه أولئك الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة.

وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً ﴾ .

أي: السعة والرخاء.

﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ .

فإن قيل: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها.

قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه.

أو أن ينظر في ذلك فريق منهم ويعرفونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل.

وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا.

ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح للعباد لهم في الدين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك الوقت لكان هو المانع إيمانه.

فيقال: إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدين، بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين.

وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقاً، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه.

وقوله: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ هو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ ، وقد ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلِيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ ؛ فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا ﴾ : بل أنزلنا عليهم سلطاناً وحججاً، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام ﴿ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: ما أنزلنا عليهم سلطاناً فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ أي: لم ننزل عليهم سلطاناً يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر الله؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، ففيه وجهان على أولئك الكفرة.

أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة في قولهم بأن الله أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك.

والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من الآية ما أعلمهم وأنبأهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟!

وقال بعضهم: ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ : كتاباً فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون.

وقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ .

إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...

﴾ إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ ، وفي الأولى يقول: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون القنوط من الأصنام، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ : عندما امتد بهم الضرّ والشدة؛ حينئذ ييئسون من رحمة الله، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه وأنابوا له.

أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقاً وأحزاباً في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ  وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يخلص الدين حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة والرخاء؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين.

أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول.

أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله؛ كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ .

وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الكافرين؛ كقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، [و] في إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله؛ لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله؛ فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا.

فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا؛ كقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 33\]؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة.

والثاني: ذكر مقابلا لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى الله  ، يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعاً يتمنون السعة ويحبونها، ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى الله  كله.

والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم.

وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضاً: أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعاً، وضيق على الولي ووسع على العدو، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، والله الموفق.

والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه.

والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضييق الرزق وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم.

وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك أنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو متناقض وسفه وسرف في القول.

وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعاً حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار.

والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من كفر بها فلا ينتفع.

وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب.

أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها: أن يرى حرمانها من الله، لا من ذلك الرجل.

وقوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ  ﴾ ، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل.

ويحتمل قوله: ﴿ فَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ﴾ : الحق الذي كان لهم، لكن لم يبين ذلك الحق في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وما ذكر من المواريث قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ...

﴾ الآية [النساء: 11]، ونحو ذلك من الحقوق.

وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات والزكاة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم.

أو أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه الله - خير مما لا يراد به.

وقوله: ﴿ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله.

وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: آت من ليست له عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافاة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، والله أعلم.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة.

قال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقِيِّمِ ﴾ المستقيم، ﴿ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: تائبين، ﴿ يَقْنَطُونَ ﴾ : ييئسون.

وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح للناس عامة لا بأس به.

وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ  ﴾ فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطى أكثر منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة.

ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، يقول: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند الله، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور؛ حيث قال: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ  ﴾ : ذكر المحق وهاهنا ذكر: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يزداد ولا يتضاعف.

لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ كقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ : إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ  ﴾ ؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - والله أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة" ثم بين ما الذي يربو عند الله، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ﴾ .

ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه الله؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه.

ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله.

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ﴾ .

وكان يجيء أن يقال: فأولئك هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف.

وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة، بتصديقهم ابتغاء وجه الله؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك.

ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس؛ لأنه أجاز الهدية والعطية على قصد الفضل والزيادة.

وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان على قصد أولئك طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر، ولا يكافئون بعضاً ويحرمون بعضاً؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن رسول الله  : "من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره وليثن عليه" ، أو كلام نحو هذا.

والثاني: أن أهل المعاملة يشترطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون تعريضاً؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما الذي دعاهم إلى الشرك بالله ولا حجة لهم؟!

فما أنزلنا عليهم حجة من كتاب يحتجون بها على شركهم بالله، وليس معهم كتاب يتكلم بشركهم، ويقرر لهم صحة ما هم عليه من الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.ajR82"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 97%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
سبحان الله