الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٤٠ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ) أي : هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوى ، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك ، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن سلام أبي شرحبيل ، عن حبة وسواء ابني خالد قالا دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعناه ، فقال : " لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما; فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ، ثم يرزقه الله عز وجل " .
وقوله : ( ثم يميتكم ) ، أي : بعد هذه الحياة ( ثم يحييكم ) أي : يوم القيامة .
وقوله : ( هل من شركائكم ) أي : الذين تعبدونهم من دون الله .
( من يفعل من ذلكم من شيء ) أي : لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك ، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق ، والإحياء والإماتة ، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة; ولهذا قال بعد هذا كله : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي : تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو ، أو ولد أو والد ، بل هو الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) يقول تعالى ذكره للمشركين به، معرّفهم قبح فعلهم، وخبث صنيعهم: الله أيها القوم الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره، هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا، ثم رزقكم وخوّلكم، ولم تكونوا تملكون قبل ذلك، ثم هو يميتكم من بعد أن خلقكم أحياء، ثم يحييكم من بعد مماتكم لبعث القيامة.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) للبعث بعد الموت.
وقوله: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) يقول تعالى ذكره: هل من آلهتكم وأوثانكم التي تجعلونهم لله في عبادتكم إياه شركاء من يفعل من ذلكم من شيء، فيخلق، أو يرزق، أو يميت، أو ينشر، وهذا من الله تقريع لهؤلاء المشركين.
وإنما معنى الكلام أن شركاءهم لا تفعل شيئا من ذلك، فكيف يعبد من دون الله من لا يفعل شيئا من ذلك، ثم برأ نفسه تعالى ذكره عن الفرية التي افتراها هؤلاء المشركون عليه بزعمهم أن آلهتهم له شركاء، فقال جلّ ثناؤه (سبحانه) أي تنـزيها لله وتبرئة (وَتَعالى) يقول: وعلوّا له (عَمَّا يُشْرِكُونَ) يقول: عن شرك هؤلاء المشركين به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) لا والله (سُبْحانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان.
قوله تعالى : الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون .[ ص: 38 ] الله الذي خلقكم ابتداء وخبر .
وعاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين ، وأنه الخالق الرازق المميت المحيي .
ثم قال على جهة الاستفهام : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء لا يفعل .
سبحانه وتعالى عما يشركون ثم نزه نفسه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والأولاد ، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء ، ويجعلون لهم من أموالهم .
يخبر تعالى أنه وحده المنفرد بخلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم، وأنه ليس أحد من الشركاء التي يدعوهم المشركون من يشارك اللّه في شيء من هذه الأشياء.فكيف يشركون بمن انفرد بهذه الأمور من ليس له تصرف فيها بوجه من الوجوه؟!فسبحانه وتعالى وتقدس وتنزه وعلا عن شركهم، فلا يضره ذلك وإنما وبالهم عليهم.
"الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون".
«الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم» ممن أشركتم بالله «من يفعل من ذلكم من شيء» لا «سبحانه وتعالى عما يشركون» به.
الله وحده هو الذي خلقكم -أيها الناس- ثم رزقكم في هذه الحياة، ثم يميتكم بانتهاء آجالكم، ثم يبعثكم من القبور أحياء للحساب والجزاء، هل من شركائكم مَن يفعل من ذلكم من شيء؟
تنزَّه الله وتقدَّس عن شرك هؤلاء المشركين به.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على الناس فقال : ( الله الذي خَلَقَكُمْ ) على غير مثال سابق ( ثُمَّ رَزَقَكُمْ ) من فضله بأنواع من الرزق الذى لا غنى لكم عنه فى معاشكم ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) بعد انقضاء أعماركم فى هذه الحياة ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) يوم القيامة للحساب والجزاء .والاستفهام فى قوله - سبحانه - : ( هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ) للانكار والنفى .
أى : ليس من شركائكم الذني عبدتموهم من يستطيع أن يفعل شيئاً من ذلك ، فكيف اتخذتموهم آلهة وأشركتموهم معى فى العبادة؟
إن الله - تعالى - وحده هو الخالق وهو الرازق وهو المحيى وهو الميت .( سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزه وتقس عن شرك هؤلاء المشركين وعن جهل أولئك الجاهلين .
قوله تعالى: ﴿ الله الذي خَلَقَكُمْ ﴾ أي أوجدكم ﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ أي أبقاكم، فإن العرض مخلوق وليس بمبقي ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيء ﴾ جمع في هذه الآية بين إثبات الأصلين الحشر والتوحيد، أما الحشر فبقوله: ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ والدليل قدرته على الخلق ابتداء، وأما التوحيد فبقوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيء ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فقوله سبحانه أي سبحوه تسبيحاً أي نزهوه ولا تصفوه بالإشراك، وقوله: ﴿ وتعالى ﴾ أي لا يجوز عليه ذلك وهذا لأن من لا يتصف بشيء قد يجوز عليه فإذا قال سبحوه أي لا تصفوه بالإشراك، وإذا قال وتعالى فكأنه قال ولا يجوز عليه ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الله ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ الذى خَلَقَكُمْ ﴾ أي الله هو فاعل هذه الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيء منها أحد غيره، ثم قال: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ ﴾ الذين اتخذتموهم أنداداً له من الأصنام وغيرها ﴿ مَّن يَفْعَلُ ﴾ شيئاً قط من تلك الأفعال؛ حتى يصح ما ذهبتم إليه، ثم استبعد حاله من حال شركائهم.
ويجوز أن يكون ﴿ الذى خَلَقَكُمْ ﴾ صفة للمبتدأ، والخبر: هل من شركائكم، وقوله: ﴿ مِن ذلكم ﴾ هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ، لأن معناه: من أفعاله ومن الأولى والثانية والثالثة: كل واحدة منهنّ مستقلة بتأكيد، لتعجيز شركائهم، وتجهيل عبدتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ ﴾ أثْبَتَ لَهُ لَوازِمَ الأُلُوهِيَّةِ ونَفاها رَأْسًا عَمّا اتَّخَذُوهُ شُرَكاءَ لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ والعِيانُ ووَقَعَ عَلَيْهِ الوِفاقُ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ مِن ذَلِكَ تَقَدُّسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ فَقالَ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ المَوْصُولَةُ صِفَةً والخَبَرُ ﴿ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ ﴾ والرّابِطُ ﴿ مِن ذَلِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، و ﴿ مِن ﴾ الأُولى والثّانِيَةُ تُفِيدُ أنَّ شُيُوعَ الحُكْمِ في جِنْسِ الشُّرَكاءِ والأفْعالِ والثّالِثَةُ مَزِيدَةٌ لِتَعْمِيمِ المَنفِيِّ وكُلٌّ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِتَأْكِيدٍ لِتَعْجِيزِ الشُّرَكاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{الله الذى خَلَقَكُمْ} مبتدأ وخبر {ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أي هو المختص بالخلق والرزق والإماتة والإحياء {هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء لله {مَّن
يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ} أي من الخلق والرزق والإماتة والإحياء {مِن شَىْءٍ} أي شيئاً من تلك الأفعال فلم يجيبوا عجزاً فقال إستبعادا {سبحانه وتعالى عما يشركون} ومن الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ ( والَّذِي ) خَبَرُهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ ( ومِن شُرَكائِكم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( ومَن ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، ( ومِن ذَلِكم ) صِفَةُ ( شَيْءٍ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَأُعْرِبَتْ حالًا، ( ومِن ) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أيْضًا، ( وشَيْءٍ ) مَفْعُولُ يَفْعَلُ، ( ومِنَ ) الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأً، ( والَّذِي ) صِفَتَهُ، والخَبَرُ ﴿ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ ﴾ إلَخْ، والرّابِطُ اسْمُ الإشارَةِ المُشارُ بِهِ إلى أفْعالِهِ تَعالى السّابِقَةِ - فَمِن ذَلِكم - بِمَعْنى مِن أفْعالِهِ، ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ خَبَرًا لِأنَّها خَبَرٌ مَنفِيٌّ مَعْنًى، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً ظاهِرًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ المُمِيتُ المُحْيِي لا يُشارِكُهُ شَيْءٌ مِمَّنْ لا يَفْعَلُ أفْعالَهُ هَذِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَها خَبَرًا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ المَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ خالِقًا ورازِقًا ومُمِيتًا ومُحْيِيًا مَقُولٌ في حَقِّهِ: هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن هو مَوْصُوفٌ بِما هو مَوْصُوفٌ بِهِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَكُونُ رابِطًا إلّا إذا أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَإ، وهو هُنا لَيْسَ إشارَةً إلَيْهِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ ﴾ ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهُمْ، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ ( الَّذِينَ )، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ.
وكَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكُمْ) بِمِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُبْتَدَإ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ الإضافَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وعَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِها يَلْزَمُ تَقْدِيرُ مُضافٍ آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى لِبَيانِ مَن يَفْعَلُ، ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ، ( ومَن يَفْعَلُ ) فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَلْ حَصَلَ واسْتَقَرَّ مَن يَفْعَلُ كائِنًا مِن شُرَكائِكُمْ، وكَذا جُوِّزَ في ( مِنَ ) الثّانِيَةِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ المُسْتَغْرَقِ، وقِيلَ: إنَّ (مِنَ) الأُولى (ومِنَ) الثّانِيَةَ زائِدَتانِ كالثّالِثَةِ، وهو كَما تَرى، والآيَةُ عَلى ما قُلْناهُ أوَّلًا مُتَضَمِّنَةٌ جُمْلَتَيْنِ دَلَّتِ الأُولى عَلى إثْباتِ ما هو مِنَ اللَّوازِمِ المُساوِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأفادَتِ الثّانِيَةُ بِواسِطَةٍ عَكْسَ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ نَفْيَها رَأْسًا عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مُؤَكَّدًا بِالإنْكارِ، والعَقْلُ حاكِمٌ بِأنَّ ما يُتَّخَذُ شَرِيكًا كالَّذِي اتُّخِذَ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، أعْنِي نَفْيَ تِلْكَ الأفْعالِ مِنهُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ( شُرَكائِكم ) شامِلًا لِلصِّنْفَيْنِ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ، إذْ لا يُعْقَلُ شَرِكَةُ ما لَيْسَ بِإلَهٍ لِعَدَمِ وُجُودِ لازِمِ الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ لِمَن هو إلَهٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولِتَأْكِيدِ ذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ عَنْ شِرْكِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِما في الشِّرْكِ مِنَ الغَرابَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِاسْتِمْرارِهِ وتَجَدُّدِهِ مِنهُمْ، وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ يُؤْخَذُ مِنهُما مُقَدِّمَتانِ مُوجَبَةٌ وسالِبَةٌ كُلِّيَّةً، مُرَتَّبَتانِ عَلى هَيْئَةِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، يُؤْخَذُ مِنهُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةً، هي نَتِيجَةُ ذَلِكَ القِياسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حُكْمِ قِياسٍ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ( سُبْحانَهُ ) إلَخْ، في حُكْمِ النَّتِيجَةِ لَهُ، ولا يَخْفى احْتِياجُ ذَلِكَ إلى تَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ «تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها يعني: المطر والسعة وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني: الجوع والشدة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: جزاء لذنوبهم إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ يعني: آيسين من الرزق.
قرأ أبو عمرو الكسائي: يَقْنَطُونَ بكسر النون.
وقرأ الباقون بالنصب.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم وعظهم ليعتبروا ويطمئنوا بالرزق فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع، وكان يرى صلاح العبد في ذلك.
وَيَقْدِرُ يعني: يضيق العيش.
ويكون صلاحه في ذلك من البسط والتقتير إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في البسط والتقتير لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني يصدقون.
قوله عز وجل: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ يعني: فأعط ذا القربى حقه، وحق القرابة هو الصلة وَالْمِسْكِينَ يعني: أعطي السائل حقه، وحقه أن يتصدق عليه بشيء وَابْنَ السَّبِيلِ يعني: الضيف النازل، وحقه أن تحسن إليه ذلِكَ خَيْرٌ يعني: الذي وصف من صلة القرابة، والمسكين، وابن السبيل، ذلك خير لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ يعني: أي يريدون بذلك رضاء الله، خير من الإمساك عندهم.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجون.
ويقال: الباقون في النعمة.
ويسمى السحور فلاحاً لأنه يبقي للصائم قوة وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً يعني: ما أعطيتم من عطية لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ يعني: ليزدادوا في أموال.
ومعناه: ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي: فلا تضاعف تلك العطية عند الله عز وجل، ما أعطيتم عند الله ولا يأثم فيه.
وروى معمر عن قتادة عن ابن عباس قال: هي هبة يريد أن يثاب أفضل منها.
فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه.
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ قال: هي الصدقة تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
وقال عكرمة: الربا ربوان: ربا حلال، وربا حرام.
فأما الحلال فهو هبة الرجل يريد أن يثاب ما هو أفضل منها.
وأما الحرام فزيادة خالية عن العوض في عقد المعاوضة.
وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النساء.
عرف ذلك في كتب الفقه.
قرأ ابن كثير وَما آتَيْتُمْ بغير مد يعني: ما جئتم.
وقرأ الباقون: بالمد يعني: ما أعطيتم.
واتفقوا في الثاني أنه بالمد.
وقرأ نافع لتربو بالتاء والضم، والباقون بالياء والنصب.
فمن قرأ بالنصب.
فمعناه: لتستزيدوا أنتم زيادة في المال.
يعني: لتكثروا أموالكم بما أعطيتم.
ومن قرأ: لِيَرْبُوَا بالياء معناه: ليربو المعطي فيكثر حتى يرد ما هو أكثر منه.
ثم بيّن ما يربو فيه فقال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ يعني: ما أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله يعني: رضا الله.
ففيه الإضعاف.
فأولئك هم المضعفون للواحد عشرة فصاعداً.
ويقال: الْمُضْعِفُونَ أي: الواجدين من الضعف.
كما يقال: أكذبته إذا وجدته كاذباً.
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئاً ثُمَّ رَزَقَكُمْ يعني: أطعمكم ما عشتم في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث بعد الموت، لينْبّئكم بما عملتم في الدنيا ويجازيكم هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: يفعل كفعله.
ثم نزّه نفسه فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ وقد ذكرناه.
ويقال: الله الذي خلقكم وطلب منكم العبادة، ثم رزقكم وطلب الطمأنينة، ثم يميتكم وطلب منكم الاستعداد للموت، ثم يحييكم وطلب منكم الحجة والبرهان.
<div class="verse-tafsir"
فِطْرَتَ اللَّهِ ...
الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.
وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.
وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:
لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.
انتهى.
والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .
والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...
الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.
قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.
والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.
وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.
ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...
الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.
ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.
فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.
قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.
وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:
وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.
قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.
قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.
وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.
ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.
وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:
انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.
ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:
لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.
وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.
ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الرِّبا هاهُنا: أنْ يَهْدِيَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ الشَّيْءَ يَقْصِدُ أنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، [والضَّحّاكُ]، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ.
قالَ الضَّحّاكُ: فَهَذا لَيْسَ فِيهِ أجْرٌ ولا وِزْرٌ.
وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ الَّذِي لا يَقْبَلُهُ اللَّهُ ولا يَجْزِي بِهِ.
ولَيْسَ فِيهِ وِزْرٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّبا المُحَرَّمُ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ يُعْطِي قَرابَتَهُ المالَ لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يُعْطِي مَن يَخْدِمُهُ لِأجْلِ خِدْمَتِهِ، لا لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ: [ " لِتَرْبُو " ] بِالتّاءِ وسُكُونِ الواوِ، أيْ: [فِي] اجْتِلابِ أمْوالِ النّاسِ، واجْتِذابِها ﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَزْكُو ولا يُضاعَفُ، لِأنَّكم قَصَدْتُمْ زِيادَةَ العِوَضِ، ولَمْ تَقْصِدُوا القُرْبَةَ.
﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ ﴾ أيْ: ما أعْطَيْتُمْ مِن صَدَقَةٍ لا تَطْلُبُونَ بِها المُكافَأةَ، إنَّما تُرِيدُونَ بِها ما عِنْدَ اللَّهِ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّذِينَ يَجِدُونَ التَّضْعِيفَ والزِّيادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذَوُو الأضْعافِ مِنَ الحَسَناتِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ مُقْوٍ، أيْ: صاحِبُ قُوَّةٍ، ومُوسِرٌ: صاحِبُ يَسارٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي الناسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَما آتَيْتُمْ" ﴾ بِمَعْنى: أعْطَيْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما أتَيْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، بِمَعْنى: ما فَعَلْتُمْ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُ صَوابًا وأتَيْتُ خَطَأً، وأجْمَعُوا عَلى المَدِّ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا".
﴾ والرِبا: الزِيادَةُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: هَذِهِ آيَةٌ نَزَلَتْ في هِباتِ الثَوابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما جَرى مَجْراها مِمّا يَصْنَعُهُ الإنْسانُ لِيُجازى عَلَيْهِ؛ كالسَلامِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى تَمْوِيلِهِمْ ونَفْعِهِمْ والتَفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَفْعِ لَهُمْ، وقالَ الشَعْبِيُّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ ما خَدَمَ الإنْسانُ بِهِ أحَدًّا، وخَفَّ بِهِ لِيَنْتَفِعَ في دُنْياهُ، فَإنَّ ذَلِكَ النَفْعَ الَّذِي يُجْزى بِهِ الخَدَمَةُ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ قَرِيبُ جُزْءٍ مِنَ التَأْوِيلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ النَهْيَ عَنِ الرِبا في التِجاراتِ.
لَمّا حَضَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَفْعِ ذَوِي القُرْبى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ أعْلَمَ أنَّ ما فَعَلَ المَرْءُ مِن رِبًا لِيَزْدادَ بِهِ مالًا - وفِعْلُهُ ذَلِكَ إنَّما هو في أمْوالِ الناسِ - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ تَعالى ولا يَزْكُو، بَلْ يَتَعَلَّقُ فِيهِ الإثْمُ ومَحْقُ البَرَكَةِ، وما أعْطى الإنْسانُ مِن زَكاةٍ تَنْمِيَةً لِمالِهِ وتَطْهِيرًا، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ تَعالى، فَذَلِكَ هو الَّذِي يُجازى بِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً عَلى ما شاءَ اللهُ تَعالى لَهُ.
وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رِبا ثَقِيفٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِبا وتَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ السَبْعَةِ: ﴿ "لِيَرْبُوَ" ﴾ بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِبا، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لِتُرْبُوا" بِضَمِّ التاءِ والواوُ ساكِنَةٌ، بِمَعْنى: تَكُونُوا ذَوِي زِياداتٍ، وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلِ المَدِينَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَعْبِيُّ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: هي قِراءَتُنا، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "لِتُرْبُوها" بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ، و"المُضْعْفُ" الَّذِي هو ذُو أضْعافٍ مِنَ التُراثِ، كَما المُؤَلِّفُ الَّذِي لَهُ آلافٍ، وكَما تَقُولُ: أخْصَبُ إذا كانَ ذا خِصْبٍ، وهَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ أرْبى المُتَقَدِّمُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِتُرْبُوا" بِضَمِّ التاءِ.
ثُمَّ كَرَّرَ مُخاطَبَةَ الكَفَرَةِ في أمْرِ أوثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَ اللهِ تَعالى الَّتِي لا شَرِيكَ لَهُ فِيها، وهي الخْلْقُ والرِزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ عاقِلٌ، ووَقَفَ الكُفّارُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ - ( هَلْ مِن شُرَكائِهِمْ ) أيِ: الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ، مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؟
وهَذا التَرْتِيبُ بِـ"ثُمَّ" هو في الإيجادِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِن هُنا أدْخَلَ الفُقَهاءُ الوَلَدَ مَعَ أبِيهِ في تَعَقُّبِ الأجْناسِ إذا كانَ اللَفْظُ: "عَلى أعْقابِهِمْ، ثُمَّ عَلى أعْقابِ أعْقابِهِمْ".
ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عن مَقالَتِهِمْ في الإشْراكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ العِبْرَةِ - ما ظَهَرَ مِنَ الفَسادِ بِسَبَبِ المَعاصِي في قَوْلِهِ: ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "البَرِّ والبَحْرِ" - في هَذِهِ الآيَةِ - فَقالَ مُجاهِدٌ: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَواحِلُ والمُدُنُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ الكِبارِ.
وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ والصَحارِي والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ «قَوْلُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: "وَلَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ"» الحَدِيثُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "فِي البَرِّ والبُحُورِ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ظُهُورُ الفَسادِ في البَرِّ قَتْلُ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لِأخِيهِمْ، وفي البَحْرِ أخْذُ السُفُنِ غَصْبًا، وقالَ بَعْضُ العُبّادِ: البَحْرُ: القَلْبُ، البَرُّ: اللِسانُ، وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ والبَحْرُ هُما المَعْرُوفانِ المَشْهُورانِ في اللُغَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ صَحِيحٌ.
وَظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما هو بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَغَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَسادُ في البَحْرِ: انْقِطاعُ صَيْدِهِ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ، وقَلَّما تُوجَدُ أُمَّةٌ فاضِلَةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعْمالِ إلّا يَدْفَعُ اللهُ عنها هَذِهِ، والأمْرُ بِالعَكْسِ في أهْلِ المَعاصِي وبَطَرِ النِعْمَةِ، وكَذَلِكَ كانَ أمْرُ البِلادِ في وقْتِ مَبْعَثِ النَبِيِّ ، قَدْ كانَ الظُلْمُ عَمَّ الأرْضَ بَرًّا وبَحْرًا، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ لِيُجازِيَ بِها عَلى المَعاصِي، فَيُذِيقُ الناسَ عاقِبَةَ إذْنابِهِمْ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويُراجِعُونَ بَصائِرَهم في طاعَةِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كَسَبَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ"ظَهَرَ"، أيْ: كَسَبُهُمُ المَعاصِي في البَرِّ والبَحْرِ، هو نَفْسُ الفَسادِ الظاهِرِ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" هو بِحَسْبِ مُعْتَقَدِنا، وبِحَسْبِ نَظَرِنا في الأُمُورِ.
وقَرَأتْ عامَّةُ القُرّاءِ والناسُ: ﴿ "لِيُذِيقَهُمْ" ﴾ بِالياءِ، وقَرَأ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ بِالنُونِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ، وقَرَأ أيْضًا أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لِتُذِيقَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
<div class="verse-tafsir"
هذا الاستئناف الثاني من الأربعة التي أقيمت عليها دلائل انفراد الله تعالى بالتصرف في الناس وإبطال ما زعموه من الإشراك في الإلهية كما أنبأ عنه قوله ﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ [يونس: 34] واطَّرد الافتتاح بمثله في الآيات التي أريد بها إثبات البعث كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ ، وسيأتي في الآيتين بعد هذه.
و ﴿ ثم ﴾ مستعمل في معنيي التراخي الزمني والرتبي.
و ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ استفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك زيدت ﴿ مِن ﴾ الدالة على تحقيق نفي الجنس كله في قوله ﴿ مِن شيء.
﴾ والمعنى: ما من شركائكم من يفعل شيئاً من ذلكم.
ف ﴿ من ﴾ الأولى بيانية هي بيان للإبهام الذي في ﴿ من يفعل، ﴾ فيكون ﴿ من يفعل ﴾ مبتدأ وخبره محذوف دل عليه الاستفهام، تقديره: حصل، أو وجد، أو هي تبعيضية صفة لمقدر، أي هل أحد مِن شركائكم.
و ﴿ من ﴾ الثانية في قوله ﴿ من ذلكم ﴾ تبعيضية في موضع الحال ﴿ من شيء.
ومن ﴾ الثالثة زائدة لاستغراق النفي.
وإضافة (شركاء) إلى ضمير المخاطبين من المشركين لأن المخاطبين هم الذين خلعوا على الأصنام وصف الشركاء لله فكانوا شركاء بزعم المخاطبين وليسوا شركاء في نفس الأمر، وهذا جار مجرى التهكم، كقول خالد بن الصعق لعمرو بن معديكرب في مجمع من مجامع العرب بظاهر الكوفة فجعل عمرو يحدثهم عن غاراته فزعم أنه أغار على نهد فخرجوا إليه يقدمهم خالد بن الصَعق وأنه قتله، فقال له خالد بن الصعق: «مهلاً أبا ثور قتيلُك يسمع» أي القتيل بزعمك.
والقرينة قوله «يسمع» كما أن القرينة في هذه الآية هي جملة التنزيه عن الشريك.
والإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، وهي مصادر الأفعال المذكورة.
وأفرد اسم الإشارة بتأويل المذكور.
وجملة ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ مستأنفة لإنشاء تنزيه الله تعالى عن الشريك في الإلهية.
وموقعها بعد الجملتين السابقتين موقع النتيجة بعد القياس، فإن حاصل معنى الجملة الأولى أن الإله الحق وهو مسمى اسم الجلالة هو الذي خَلَق ورزق ويُميت ويُحيي، فهذا في قوة مقدمة هي صغرى قياس، وحاصل الجملة الثانية أن لا أحد من الأصنام بفاعل ذلك، وهذه في قوة مقدمة هي كبرَى قياسسٍ وهو من الشكل الثاني، وحاصل معنى تنزيه الله عن الشريك أن لا شيء من الأصنام بإله.
وهذه نتيجة قياس من الشكل الثاني.
ودليل المقدمة الصغرى إقرار الخصم، ودليل المقدمة الكبرى العقل.
وقرأ الجمهور ﴿ تشركون ﴾ بفوقية على الخطاب تبعاً للخطاب في ﴿ ءاتيتم ﴾ [الروم: 39].
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَرابَةُ الرَّجُلِ، أنْ يَصِلَ رَحِمَهم بِمالِهِ ونَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهم ذَوُو قُرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ وعَلى آلِهِ وهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ يُعْطَوْنَ حَقَّهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ والمِسْكِينَ ﴾ هو الَّذِي لا يَجِدُ كِفايَتَهُ.
﴿ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُسافِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ فَإنْ كانَ مُحْتاجًا فَحَقُّهُ في الزَّكاةِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ فَبِرًّا وصِلَةً.
الثّانِي: أنَّهُ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ، فَإنْ أطْعَمَهُ كانَ بِرًّا وصِلَةً ولَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مِنَ الزَّكاةِ مُحْتاجًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْتاجٍ.
وَإنْ دَفَعْتَ إلَيْهِ مالًا جازَ إذا كانَ فَقِيرًا أنْ يَكُونَ مِنَ الزَّكاةِ، ولَمْ يَجُزْ إنْ كانَ غَنِيًّا.
قَوْلُهُ: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَهْدِي هَدِيَّةً لِيُكافَأ عَلَيْها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ في رَجُلٍ صَحِبَهُ في الطَّرِيقِ فَخَدَمَهُ فَجَعَلَ لَهُ المَخْدُومُ بَعْضَ الرِّبْحِ مِن مالِهِ جَزاءً لِخِدْمَتِهِ لا لِوَجْهِ اللَّهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ في رَجُلٍ يَهَبُ لِذِي قَرابَةِ لَهُ مالًا لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا ذا مالٍ ولا يَفْعَلُهُ طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ فَلا يَكُونُ لَهُ ثَوابٌ عِنْدَ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما رِبَوانِ أحَدُهُما حَلالٌ والآخِرُ حَرامٌ، فَما تَعاطَيْتُمْ بَيْنَكم حَلالٌ ولا يَصِلُ إلى اللَّهِ.
﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ ﴾ أيْ ثَوابَ اللَّهِ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وهو الظّاهِرُ.
الثّانِي: أنَّها الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُضاعَفُ لَهُمُ الحَسَناتُ لِأنَّ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: تُضاعَفُ أمْوالُهم في الدُّنْيا بِالزِّيادَةِ فِيها، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَقِلُّ مالُ رَجُلٍ مِن زَكاةٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ منيبين إليه ﴾ قال: تائبين إليه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وفي قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً ﴾ قال: يأمرهم بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ يقول: أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه، مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ قال: الضيف ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله أولئك هم المضعفون ﴾ قال: هذا الذي يقبله الله، ويضاعفه لهم عشر أمثالها وأكثر من ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا...
﴾ قال: الربا رباآن.
ربا لا بأس به.
وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به؛ فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها، أو اضعافها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: هي الهدايا.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ﴾ قال: يعطي ما له يبتغي أفضل منه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال: ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا، فليس فيها أجر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتيتم من رباً...
﴾ قال: هو الربا الحلال.
أن تهدي أكثر منه، وليس له أجر ولا وزر، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال: ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه ﴿ وما آتيتم رباً...
﴾ قال: الرجل يعطي الشيء ليكافئه به، ويزداد عليه ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله، ولا يريد من صاحبه جزاء ولا مكافأة، فذلك الذي يضعف عند الله تعالى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما آتيتم من زكاة ﴾ قال: هي الصدقة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس ﴾ الآية: معناها كقوله: ﴿ يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات ﴾ [البقرة: 276] أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات: هو الذي يزكو عند الله وينفعكم به، وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك، فهذا وإن كان جائزاً فإنه لا ثواب فيه.
وقرئ ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ ﴾ بالمد بمعنى أعطيتم وبالقصر يعني: جئتم أي فعلتموه، ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ بالتاء المضمومة ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ بالياء مفتوحة ونصب الواو ﴿ فأولئك هُمُ المضعفون ﴾ المضعف ذو الإضعاف من الحسنات، وفي هذه الجملة التفات لخروجه من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون، وفيه أيضاً حذف، لأنه لابد من ضمير يرجع إلى ما، وتدقيره المضعفون به أو فمؤتوه هم المضعفون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.
الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.
والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.
ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.
التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.
وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.
ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟
وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.
و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.
وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.
والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.
والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.
ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.
وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.
وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.
وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.
وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.
فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.
وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.
ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.
فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.
وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.
وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.
قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.
وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.
قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله يعطيه عشرة قصور تفضلاً.
ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.
قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.
ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.
وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.
وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.
ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.
أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.
خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.
ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.
ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.
وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.
ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.
وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.
قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.
وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.
قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.
أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.
فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.
وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.
ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.
قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.
وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.
وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.
وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.
وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله يجب أن تقابل بالشكر.
وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.
وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.
ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.
وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.
ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.
وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.
ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .
ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.
ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.
وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.
ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.
ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.
وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.
وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.
وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.
ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.
وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.
ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.
ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.
ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.
وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.
قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.
وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.
والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.
ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".
ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.
ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.
قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .
ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك.
﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ .
وأنتم تعلمون ذلك أن [لا يقدِّر] الأرزاق لكم غيره.
﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ .
وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من الأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه.
وقوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟!
والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة الله وألوهيته تملك ما ذكر، يقول: لا تملك شيئاً مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف تشركونها في ألوهيته؟
ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
لأن حرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ حرف تنزيه عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره.
وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، وهو الشرك والكفر، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذلك هو سبب شركهم وكفرهم بالله، وبذلك كان شركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان؛ كقوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ...
﴾ الآية [التوبة: 77] ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب.
والثاني: أن يكون ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ كقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ، ولعله لم يقدم شيئاً، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم.
وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق؛ ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ : هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ : قال بعضهم: البر: هو المفاوز التي لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار.
وقال بعضهم: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف.
وقال بعضهم: البر: قتل ابن آدم وأخاه، والبحر: ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ .
وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال نفسها، على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من الشرك والكفر.
﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ .
وهو الشرك، هذا أشبه.
وعن الحسن قال: (أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم).
وقتادة يقول: لعل راجعاً يرجع، لعل تائباً يتوب، لعل مستغيثاً يستغيث، وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله.
وقال بعضهم: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: أجدب البر وانقطعت مادة البحر؛ بذنوب الناس.
قال أبو عوسجة: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ ، أي: ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر.
والقتبي: يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة.
وقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك بالله.
أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك؟
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ ﴾ .
قد ذكرناه فيما تقدم في قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: لا مرد له من الله، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ الآية [الأنعام: 27]، وقولهم: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يردون إلى ما يسألون الرد.
والثاني: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا إقالة لهم من الله ولا عفو ولا توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...
﴾ الآية [الأنعام: 158].
وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ .
أي: يتفرقون؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ، هو يوم الافتراق، ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ .
أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحاً، فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عز وجل - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية [الإسراء: 7]، وهو ما ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَمْهَدُونَ ﴾ ، قال بعضهم: يفترشون.
وقال أبو عوسجة والقتبي: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، والمهاد في الأصل: الفراش.
وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الله وحده هو الذي انفرد بخلقكم، ثم رِزْقِكم، ثم إماتتكم ثم إحيائكم للبعث، هل من أصنامكم التي تعبدونها من دونه من يفعل شيئًا من ذلك؟!
تنزه سبحانه وتقدس عما يقول ويعتقد المشركون.
<div class="verse-tafsir" id="91.mB5lr"