الآية ٥٥ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٥٥ من سورة الروم

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان ، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا ، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة ، ومقصودهم هم بذلك عدم قيام الحجة عليهم ، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم .

قال الله تعالى : ( كذلك كانوا يؤفكون)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء ساعة البعث، فيبعث الخلق من قبورهم، يقسم المجرمون، وهم الذين كانوا يكفرون بالله في الدنيا، ويكتسبون فيها الآثام، وإقسامهم: حلفهم بالله (ما لَبِثُوا غيرَ ساعَةٍ) : يقول: يقسمون بأنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة، يقول الله جلّ ثناؤه: كذلك في الدنيا كانوا يؤفكون: يقول: كذبوا في قيلهم وقَسَمِهِم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الكذب وهم يعلمون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ) أي: يكذبون في الدنيا، وإنما يعني بقوله: (يُؤفَكُونَ) عن الصدق، ويَصُدُّون عنه إلى الكذب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون .قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون أي يحلف المشركون .

ما لبثوا غير ساعة ليس في هذا رد لعذاب القبر ; إذ كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه تعوذ منه ، وأمر أن يتعوذ منه ; فمن ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي تقول : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله ، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية ; فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر في أحاديث مشهورة خرجها مسلم والبخاري وغيرهما .

وقد ذكرنا منها جملة في كتاب ( التذكرة ) .

وفي معنى : ما لبثوا غير ساعة قولان : أحدهما : أنه لا بد [ ص: 45 ] من خمدة قبل يوم القيامة ; فعلى هذا قالوا : ما لبثنا غير ساعة .

والقول الآخر : أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها ، كما قال الله تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون .

كذلك كانوا يؤفكون أي كانوا يكذبون في الدنيا ; يقال : أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والخير .

وأرض مأفوكة : ممنوعة من المطر .

وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه ، والقرآن يدل على غير ذلك ، قال الله عز وجل : كذلك كانوا يؤفكون أي كما صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا ; وقال جل وعز : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون وقال : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه وأنه إذا قامت الساعة { يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ } باللّه أنهم { مَا لَبِثُوا } في الدنيا إلَا { سَاعَة } وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا.ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى: { كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } أي: ما زالوا -وهم في الدنيا- يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ) يحلف المشركون ( ما لبثوا ) في الدنيا ( غير ساعة ) إلا ساعة ، استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة .

وقال مقاتل والكلبي : ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال : " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " ( الأحقاف - 35 ) .

( كذلك كانوا يؤفكون ) يصرفون عن الحق في الدنيا ، قال الكلبي ومقاتل : كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث .

والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه ، وكان ذلك بقضاء الله وبقدره بدليل قوله : " يؤفكون " ، أي : يصرفون عن الحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويوم تقوم الساعة يُقسم» يحلف «المجرمون» الكافرون «ما لبثوا» في القبور «غير ساعة» قال تعالى: «كذلك كانوا يؤفكون» يصرفون عن الحق: البعث كما صرفوا عن الحق الصدق في مدة اللبث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويوم تجيء القيامة ويبعث الله الخلق من قبورهم يقسم المشركون ما مكثوا في الدنيا غير فترة قصيرة من الزمن، كذبوا في قسمهم، كما كانوا يكذبون في الدنيا، وينكرون الحق الذي جاءت به الرسل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يقوله المجرمون عندما يبعثون من قبورهم للحساب فقال : ( وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ) .والمراد بالساعة : يوم القيامة ، وسميت بذلك لأنها تقوم فى آخر ساعة من عمر الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة ، والمراد بقيامها : حصولها ووجودها ، وقيام الخلائق فى ذلك الوقت للحساب أى : وحين تقوم الساعة؛ ويرى المجرمون أنفسهم وقد خرجا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة ، يقسمون بأنهم ما لبثوا فى قبورهم أو فى دنياهم ، غير وقت قليل من الزمان .قال ابن كثير : يخبر الله - تعالى - عن جهل الكفار فى الدنيا والآخرة ، ففى الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام ، وفى الآخرة يكون منهم جهل عظيم - أيضاً - فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا فى الدنيا إلا ساعة واحدة .

ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم ، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم .وقوله : ( كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ) تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه من كذب .ويؤفكون من الافك بمعنى الكذب .

يقال : أفك الرجل ، إذا صرف عن الخير والصدق أى : مثل هذا الكذب الذى تفوهوا به فى الاخرة كانوا فعلون فى الدنيا ، فهم فى الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قيل ما لبثوا في الدنيا غير ساعة.

وقيل ما لبثوا في القبور، وقيل ما لبثوا من وقت فناء الدنيا إلى وقت النشور ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ يصرفون من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الساعة ﴾ القيامة، سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعة الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وبديهة.

كما تقول: (في ساعة) لمن تستعجله، وجرت علماً لها كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة.

وأرادوا: لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث.

وفي الحديث: «ما بينَ فناءِ الدُّنيا إلى وقتِ البعثِ أربعَونَ» قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة؟

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم، وإنما يقدّرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له.

أو ينسون أو يكذبون أو يخمنون ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحق.

أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً وَصارَتْ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ كالكَوْكَبِ لِلزُّهْرَةِ.

﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا ﴾ في الدُّنْيا أوْ في القُبُورِ أوْ فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ وانْقِطاعِ عَذابِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «ما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ أرْبَعُونَ» وهو مُحْتَمِلٌ لِلسّاعاتِ والأيّامِ والأعْوامِ.

﴿ غَيْرَ ساعَةٍ ﴾ اسْتَقَلُّوا مُدَّةً لُبْثِهِمْ إضافَةً إلى مُدَّةِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أوْ نِسْيانًا.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّرْفِ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ.

﴿ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ يُصْرَفُونَ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة} أي القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدينا أو لأنها تقع بغية كما تقوم في ساعة لمن تستعجله وجرت علماً لها كالنجم للثريا {يُقْسِمُ المجرمون} يحلف الكافرون ولا وقف عليه لأن {مَا لَبِثُواْ} في القبور أو فى الدينا {غَيْرَ سَاعَةٍ} جواب القسم استقلوا مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لهول يوم

الروم (٦٠ - ٥٥)

القيامة وطول مقامهم في شدائدها أو ينسون أو يكذبون {كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق إلى الكذب في الدنيا ويقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ أيِ القِيامَةُ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقُومُ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الدُّنْيا، أوْ لِأنَّها تَقَعُ بَغْتَةً، وصارَتْ عَلَمًا لَها بِالغَلَبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، والكَوْكَبِ لِلزُّهَرَةِ، والمُرادُ بِقِيامِها وُجُودُها، أوْ قِيامُ الخَلائِقِ فِيها، ﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا ﴾ أيْ ما أقامُوا في القُبُورِ كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، والمُرادُ بِهِ ما أقامُوا بَعْدَ المَوْتِ ﴿ غَيْرَ ساعَةٍ ﴾ أيْ قِطْعَةٍ مِنَ الزَّمانِ قَلِيلَةٍ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم يَعْنُونَ: ما لَبِثُوا في الدُّنْيا كَذَلِكَ، وقِيلَ: يَعْنُونَ ما لَبِثُوا فِيما بَيْنَ فَناءِ الدُّنْيا والبَعْثِ، وهو ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قِيلَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا يا أبا هُرَيْرَةَ؟

قالَ: أبَيْتُ، قِيلَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟

قالَ: أبَيْتُ، قِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟

قالَ: أبَيْتُ»» وعَنى بِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أبَيْتُ: امْتَنَعْتُ مِن بَيانِ ذَلِكَ لَكُمْ، أوْ أبَيْتُ أنْ أسْألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، ولِهَذا الحَدِيثِ قِيلَ: لا يُعْلَمُ أهِيَ أرْبَعُونَ سَنَةً؟

أمْ أرْبَعُونَ ألْفَ سَنَةٍ؟

وحَكى السَّفارِينِيُّ في البُحُورِ الزّاخِرَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ دَعْوى اتِّفاقِ الرِّواياتِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ عامًا، وأنا أقُولُ: الحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ودَعْوى الِاتِّفاقِ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَيْها.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ذَلِكَ وقْتٌ يَنْقَطِعُ عَذابُهم فِيهِ، واسْتَقَلُّوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَذِبًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أوْ نِسْيانًا لِما عَراهم مِن هَوْلِ المَطْلَعِ عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِقْلالُهم تِلْكَ المُدَّةَ بِالإضافَةِ إلى مُدَّةِ عَذابِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ولا يَبْعُدُ عِلْمُهم بِها سَواءٌ كانَ هَذا القَوْلُ في أوَّلِ وقْتِ الحَشْرِ، أوْ في أثْنائِهِ، أوْ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا عَدُّوا مُدَّةَ بَقائِهِمْ في الدُّنْيا ساعَةً لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها، والكَثِيرُ بِلا نَفْعٍ قَلِيلٌ، كَما أنَّ القَلِيلَ مَعَ النَّفْعِ كَثِيرٌ فالكَلامُ تَأسُّفٌ وتَحَسُّرٌ عَلى إضاعَتِهِمْ أيّامَ حَياتِهِمْ، وبَيْنَ (السّاعَةُ)، (وساعَةٍ) جِناسٌ تامٌّ مُماثِلٌ، كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ البُلَغاءُ إلّا مَن لا يَعْتَدُّ بِهِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ اخْتِلافَ الحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ، ولا وُجُودُ (ألْ) في إحْدى الكَلِمَتَيْنِ لِزِيادَتِها عَلى الكَلِمَةِ، وكَذا لا يَضُرُّ اتِّحادُ مَدْلُولِهِما في الأصْلِ لِأنَّ المُعَرَّفَ فِيهِ كالمُنَكَّرِ بِمَعْنى القِطْعَةِ مِنَ الزَّمانِ لِمَكانِ النَّقْلِ في المُعَرَّفِ وصَيْرُورَتِهِ عَلَمًا عَلى القِيامَةِ، كَسائِرِ الأعْلامِ المَنقُولَةِ، وأخْذُ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ لا يَضُرُّ أيْضًا، كَما يُوَضِّحُ ذَلِكَ ما قَرَّرُوهُ في جِناسِ الِاشْتِقاقِ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّ السّاعَةَ في القِيامَةِ مَجازٌ، ولِذا أُنْكِرَ التَّجْنِيسُ هُنا، إذِ التَّجْنِيسُ المَذْكُورُ لا يَكُونُ بَيْنَ حَقِيقَةٍ ومَجازٍ، فَلا تَجْنِيسَ في نَحْوِ: رَكِبْتُ حِمارًا، ولَقِيتُ حِمارًا مَعَهُما، تَعْنِي رَجُلًا بَلِيدًا، واشْتُهِرَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ هَذا النَّوْعُ مِنَ الجِناسِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، واسْتَنْبَطَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مَوْضِعًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ﴾ ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ  ﴾ ، لِأنَّ الأبْصارَ الأوَّلَ جَمْعُ بَصَرٍ، والأبْصارَ الثّانِيَ مُرادٌ بِهِ ما هو جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ الأبْصارُ الثّانِي مُرادٌ بِهِ ما هو جَمْعُ بَصِيرَةٍ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ الحَقِيقَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ ما تُجْمَعُ عَلى أبْصارٍ، بَلْ عَلى بَصائِرَ، فَقَدْ قالَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ صِيغَةَ أفْعالٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، لا تَطَّرِدُ إلّا في اسْمٍ ثُلاثِيٍّ مَفْتُوحِ الفاءِ كَبَصَرٍ وأبْصارٍ، أوْ مَكْسُورِها كَعِنَبٍ وأعْنابٍ، أوْ مَضْمُومِها كَرُطَبٍ وأرْطابٍ، ساكِنِ العَيْنِ، كَثَوْبٍ وأثْوابٍ، أوْ مُحَرَّكِها، كَما تَقَدَّمَ، وكَعَضُدٍ وأعْضادٍ وفَخِذٍ وأفْخاذٍ، وصِيغَةُ فَعائِلَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ لا تَطَّرِدُ إلّا في اسْمٍ رُباعِيٍّ مُؤَنَّثٍ بِالتّاءِ، أوْ بِالمَعْنى ثالِثُهُ مَدَّةٌ كَسَحابَةٍ وسَحائِبَ، وبَصِيرَةٍ وبَصائِرَ، وحَلُوبَةٍ وحَلائِبَ، وشِمالٍ وشَمائِلَ، وعَجُوزٍ وعَجائِزَ، وسَعِيدٍ عَلَمِ امْرَأةٍ وسَعائِدَ، فاسْتُعِيرَتِ الأبْصارُ لِلْبَصائِرِ بِجامِعِ ما بَيْنَهُما مِنَ الإدْراكِ، والتَّمْيِيزِ، وقَدْ سَمِعْتُ أنَّ هَذا النَّوْعَ لا يَكُونُ بَيْنَ حَقِيقَةٍ ومَجازٍ، فَلْيُحْفَظْ، ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ، ﴿ كانُوا ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ أيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الصِّدْقِ والتَّحْقِيقِ، والغَرَضُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الإغْراقُ في وصْفِ المُجْرِمِينَ بِالتَّمادِي في التَّكْذِيبِ والإصْرارِ عَلى الباطِلِ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ كانُوا يُؤْفَكُونَ في الِاغْتِرارِ بِما تَبَيَّنَ لَهُمُ الآنَ أنَّهُ ما كانَ إلّا ساعَةً، فَسَوْقُ الكَلامِ لِلتَّعَجُّبِ مِنِ اغْتِرارِهِمْ بِلامِعِ السَّرابِ، والغَرَضُ أنْ يُحَقِّرَ عِنْدَهم ما فِيهِ مِنَ التَّمَتُّعاتِ وزَخارِفِ الدُّنْيا كَيْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويَرْجِعُوا إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، فَكَأنَّهُ: قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الشَّأْنِ كانُوا يُؤْفَكُونَ في الدُّنْيا اغْتِرارًا بِما عَدَّدَهُ ساعَةً اسْتِقْصارًا، والصّارِفُ لَهم هو اللَّهُ تَعالى أوِ الشَّيْطانُ أوِ الهَوى، وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ ذاكَ إلّا لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وخَباثَةِ اسْتِعْدادِهِمْ، وفي الآيَةِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الكَذِبِ في الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ.

واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشّبه الكفار بالموتى.

فكما لا يسمع الموتى النداء، فكذلك لا يجيب، ولا يسمع الكفار الدعاء، إذا دعوا إلى الإيمان وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ يعني: أن الأصم إذا كان مقبلاً لا يسمع، فكيف إذا ولى مدبراً؟

فكذلك الكافر لا يسمع إذا كان يتصامم عند القراءة، والقراءة ذكرناها في سورة النمل.

ثم قال عز وجل: وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ إلى الإيمان عَنْ ضَلالَتِهِمْ يعني: لا تقدر أن توفقه وهو لا يرغب عن طاعتي في طلب الحق إِنْ تُسْمِعُ يعني: ما تسمع إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يعني: بالقرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ يعني: مخلصون.

ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليعتبروا ويتفكروا فيه فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ يعني: من نطفة.

ويقال: صغيراً لا يعقل ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً يعني: شدة بتمام خلقه ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً يعني: بعد الشباب الهرم وَشَيْبَةً أي: شمطاً.

قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة: من ضعف بنصب الضاد.

وقرأ الباقون: من ضعف بالضم.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يَخْلُقُ مَا يَشاءُ أي: يحول الخلق كما يشاء من الصورة وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الْعَلِيمُ بتحويل الخلق، الْقَدِيرُ يعني: القادر على ذلك.

قوله عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ يعني: يحلف المشركون مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ في الدنيا.

يقول الله عز وجل: كذلك كانوا يكذبون بالبعث كما أنهم كذبوا حيث قالوا مَا لَبِثُوا يعني في القبور غير ساعة ويقال: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ لأنهم يقولون مرة: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً [طه: 103] ومرة يقولون: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: 119] ومرة يقولون: مَا لَبِثْنَا غَيْرَ سَاعَةٍ فيقول الله تعالى: هكذا كانوا في الدنيا.

ثم قال عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ يعني: أكرموا بالعلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي: في علم الله.

ويقال: فيما كتب الله عز وجل.

وقال مقاتل: في الآية تقديم.

يعني: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ في كتاب الله وَالْإِيمانَ وهو ملك الموت لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ.

ويقال: الذين أوتوا العلم بالكتاب وأوتوا الْإِيمانَ وهم العلماء.

ثم قال: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ يعني: لا تصدقون بهذا اليوم في الدنيا.

ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا مَعْذِرَتُهُمْ قرأ ابن كثير وأبو عمر: وَلاَ تَنفَعُ بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ المعذرة مؤنثة.

وقرأ الباقون: بالياء، فينصرف إلى المعنى يعني: عذرهم وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يقال: عتب يعتب إذا غضب عليه، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه، واستعتب إذا طلب منه الرجوع.

يعني: أنه لا يطلب منهم الرجوع في ذلك اليوم ليرجعوا.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ يعني: وصفنا وبيّنّا فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: شبه وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ كما سألوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المشركون من أهل مكة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ يعني: يقولون ما أنت إلا كاذب، وليس هذا من الله عز وجل، كما كذبوا بانشقاق القمر.

يقال: أبطل الرجل إذا جاء بالباطل.

وأكذب إذا جاء بالكذب.

فقال: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ يعني: كاذبون.

ثم قال: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: يختم الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون بالقرآن وبمحمد  فَاصْبِرْ يا محمد إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فيما وعد لكم من النصر على عدوكم، وإظهار دين الإسلام حق.

ويقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: صدق في العذاب وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يعني: يستنزلنك عن البعث الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ أي: لا يصدقون.

ويقال: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يعني: لا يحملنك تكذيبهم على الخفة.

يعني: كن حليماً، صبوراً، وقوراً.

ويقال: لا يَسْتَخِفَّنَّكَ فتدعو عليهم بتعجيل العذاب، فيهلك الذين لا يوقنون بالعذاب، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وتجري بها السفن في البحر.

ثم آنسَ سبحانه نبيه عليه السلام بقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ...

الآية، ثم وعد تعالى محمداً عليه السلام وأمّته النصر بقوله: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ

وحقاً خبرَ كانَ قدّمه اهتماما.

وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ...

الآية.

الإثارةُ: تَحْريكُها من سكونِها، وتَسْييرُها، وبَسْطُه في السماءِ هو نَشْرهُ في الآفاقِ، والكِسَفُ: القِطَع.

وقوله: مِنْ قَبْلِهِ: تأكيدٌ أفادَ الإعلامَ بسرعةِ تقلبِ قُلوبِ البَشَرِ من الإبلاس إلى الاستبشارِ، والإبْلاسُ: الكَوْنُ فِي حالِ سُوءٍ مَعَ اليأسِ من زوالها.

وقوله تعالى: كَيْفَ يُحْيِ الضمير في يُحْيِ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للأثرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يعودَ عَلَى الله تعالى وهو أظهر.

ثم أخْبَرَ تعالى عَن حالِ تقلب بني إدمَ، في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إن بعثَ الله ريحاً فاصفرَّ بها النباتُ ظلوا يكْفرونَ قلقاً منهم وقِلَّةٌ تسليمٍ للَّه تعالى، والضمير في فَرَأَوْهُ للنباتِ واللامُ في لَئِنْ مؤذِنة بمجيءِ القَسَمِ وفي لَظَلُّوا لاَمُ القَسَم.

وقوله تعالى: فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى ...

الآية: استعارةٌ للكُفَّارِ وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النمل» .

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)

كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)

.

وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال كثير من اللغويين: ضَمُّ الضادِ في البدن، وفتحها في العقل، وهذه الآية إنما يراد بها حال الجِسم، والضُّعْفُ الأول هو: كونُ الإنسان من ماءٍ مهينٍ، والقوة بعد ذلك: الشَّبِيْبَةُ وشدة الأسْر، والضُّعْف الثَّانِي هوَ الهَرَمُ والشَيْخُوخَةُ، هذا قولُ قتادةَ وغيره «١» ورَوَى أبُو داودَ فِي «سننه» بسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لاَ تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الإسْلاَمِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٢» .

وفي رواية «إلاَّ كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بها خطيئة» «٣» انتهى.

ثم أخبر عز وجل عن يوم القيامة فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا أي: تحت التراب غَيْرَ ساعَةٍ وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها.

كَذلِكَ كانُوا في الدنيا يُؤْفَكُونَ أي: يُصْرَفُونَ عن الحق.

قال ص: مَا لَبِثُوا: جوابُ القسمِ على المعنى، ولو حُكِي قولهم لَكَانَ ما لبِثْنَا انتهى.

ثم أخْبَر تعالى أن الكفَرَة لاَ يَنْفَعْهُمْ يومئذ اعتذارٌ ولا يُعْطَوْنَ عتبى، وهي الرِّضا وباقي الآية بيّن، ولله الحمد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرْسِلُ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والنَّخَعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: " يُرْسِلُ الرِّيحَ " بِغَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ ﴿ فَيَبْسُطُهُ ﴾ اللَّهُ ﴿ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ إنْ شاءَ بَسَطَهُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ ﴿ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ﴾ أيْ: قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً.

والأكْثَرُونَ فَتَحُوا سِينَ " كِسَفًا "؛ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِتَسْكِينِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونُ مِثْلَ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا ﴿ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ: " مِن خَلَلِهِ "؛ وقَدْ شَرَحْناهُ في (النُّورِ: ٤٣) ﴿ فَإذا أصابَ بِهِ ﴾ أيْ: بِالوَدْقِ؛ ومَعْنى ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يَفْرَحُونَ بِالمَطَرِ، ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ المَطَرُ ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ  ﴾ ، قالَهُ الأخْفَشُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ " قَبْلَ " الأُولى لِلتَّنْزِيلِ، والثّانِيَةَ لِلْمَطَرِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهَذا مِثْلَما يَقُولُ القائِلُ: آتِيكَ مِن قَبْلِ أنْ تَتَكَلَّمَ، مِن قَبْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ في مَجْلِسِكَ، فَلا تُنْكَرُ الإعادَةُ، لِاخْتِلافِ الشَّيْئَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِهِ ﴾ تَرْجِعُ إلى الهُدى وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: كانُوا يَقْنَطُونَ مِن قَبْلِ نُزُولِ المَطَرِ، مِن قَبْلِ الهُدى، فَلَمّا جاءَ الهُدى والإسْلامُ زالَ القُنُوطُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ وأبِي جَعْفَرِ بْنِ قادِمٍ.

والمُبْلِسُونَ: الآيِسُونَ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا [الأنْعامِ: ٤٤] .

﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " إلى أثَرِ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " إلى آثارِ " عَلى الجَمْعِ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هاهُنا: المَطَرُ، وأثَرُها: النَّبْتُ؛ والمَعْنى: انْظُرْ إلى حُسْنِ تَأْثِيرِهِ في الأرْضِ ﴿ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ ﴾ أيْ: كَيْفَ يَجْعَلُها تُنْبِتُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَبْتٌ.

وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ.

" كَيْفَ تُحْيِي " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مَكْسُورَةَ الياءِ " الأرْضَ " بِفَتْحِ الضّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا ﴾ \[أيْ: رِيحًا\] بارِدَةً مُضِرَّةً، والرِّيحَ إذا أتَتْ عَلى لَفْظِ الواحِدِ أُرِيدَ بِها العَذابُ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَقُولُ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» " ﴿ فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا ﴾ يَعْنِي النَّبْتَ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى الأثَرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَرَأوُا النَّبْتَ قَدِ اصْفَرَّ وجَفَّ ﴿ لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ومَعْناهُ: لَيَظَلُّنَّ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الشَّرْطُ والجَزاءُ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِالغَيْثِ، ويَكْفُرُونَ إذا انْقَطَعَ عَنْهُمُ الغَيْثُ وجَفَّ النَّبْتُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ: المَطَرُ.

و " ظَلُّوا " بِمَعْنى صارُوا " مِن بَعْدِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ اصْفِرارِ النَّبْتِ يَجْحَدُونَ ما سَلَفَ مِنَ النِّعْمَةِ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٨٠، ٨١) إلى قَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ فِيهِ في (الأنْفالِ: ٦٦) قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: خَلَقَكم مِن ماءٍ ذِي ضَعْفٍ، وهو المَنِيُّ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ ﴾ يَعْنِي ضَعْفَ الطُّفُولَةِ قُوَّةَ الشَّبابِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةِ الشَّبابِ ضَعْفَ الكِبَرِ، وشَيْبَةً، ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: مِن ضَعْفٍ وقُوَّةٍ وشَبابٍ وشَيْبَةٍ ﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ ﴿ القَدِيرُ ﴾ عَلى ما يَشاءُ.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السّاعَةُ في القُرْآنِ عَلى مَعْنى السّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْرَفْ أيُّ ساعَةٍ هي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: يَحْلِفُ المُشْرِكُونَ ﴿ ما لَبِثُوا ﴾ في القُبُورِ ﴿ غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أُفِكَ الرَّجُلُ: إذا عُدِلَ بِهِ عَنِ الصِّدْقِ، فالمَعْنى أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا في هَذا الوَقْتِ كَما كَذَّبُوا في الدُّنْيا.

وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْضَحَهم يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَلَفُوا عَلى شَيْءٍ يَبِينُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَذِبُهم فِيهِ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.

ثُمَّ ذَكَرَ إنْكارَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِكِتابِ اللَّهِ والإيمانَ بِاللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ في جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى نَظْمِهِ.

ثُمَّ في مَعْناهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في خَبَرِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ أيِ: اليَوْمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ ﴿ وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ في الدُّنْيا أنَّهُ يَكُونُ.

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لا تَنْفَعُ " بِالتّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُقْبَلُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا عُذْرٌ ولا تَوْبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى والرُّجُوعُ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةً ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمِ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا آيَةٌ بَيَّنَ فِيها أنَّ الأوثانَ لا مَدْخَلَ لَها في هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ بِضَمِّ الضادِ في "ضَعْفٍ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي رَجاءَ، والضَمُّ أُصْوَبُ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِالفَتْحِ فَرَدَّها عَلَيْهِ بِالضَمِّ،» وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: ضَمُّ الضادِ في البَدَنِ وفَتْحُها في العَقْلِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ، والجَحْدَرِيِّ، والضَحّاكِ أنَّهم ضَمُّوا الضادَ في الأوَّلِ والثانِي، وفَتَحُوا "ضَعْفًا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "مِن ضُعُفٍ" بِضَمَّتَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةِ إنَّما يُرادُ بِها حالُ الجِسْمِ، والضَعْفُ الأوَّلُ هو كَوْنُ الإنْسانِ مِن ماءٍ مَهِينٍ، والقُوَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَبِيبَةُ وشَدَّةُ الأمْرِ، والضَعْفُ الثانِي الهَرَمُ والشُحُّ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ المُجْرِمِينَ يُقْسِمُونَ لِجاجًا مِنهم ونُشُوزًا عَلى ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ أنَّهم ما لَبِثُوا تَحْتَ التُرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وهَذا إتِّباعٌ لِتَخَيُّلِهِمُ الفاسِدِ، ونَظَرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى نَحْوِ ما كانُوا في الدُنْيا يَتَّبَعُونَ، فَيُؤْفَكُونَ عَنِ الحَقِّ، أيْ: يُصْرَفُونَ.

وقِيلَ: المَعْنى: ما لَبِثُوا في الدُنْيا، كَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوها لَمّا عايَنُوا مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ إذْ لَوْ أرادَ تَقْلِيلَ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ لَكانَ مَنزَعًا شَدِيدًا، وكانَ قَوْلُهُمْ: ﴿ "غَيْرَ ساعَةٍ" ﴾ تَجُوُّزًا، أيْ: في القَدْرِ والمُوازَنَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ أنَّهم يَقِفُونَ في تِلْكَ الحالِ عَلى الحَقِّ، ويَعْرِفُونَ أنَّهُ الوَعْدُ المُتَقَرِّرُ في الدُنْيا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما أرادَ: "أُوتُوا الإيمانَ والعِلْمَ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، بَلْ ذِكْرُ العِلْمِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ، ولا يَصِفُ اللهُ بِعِلْمٍ مَن لَمْ يَعْلَمْ كُلَّ ما يُوجِبُ الإيمانَ، ثُمَّ ذَكَرَ الإيمانَ بَعْدَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ وتَشْرِيفًا لِأمْرِهِ، كَما قالَ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ ، فَنَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى مَكانِ الإيمانِ وخَصَّهُ تَشْرِيفًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر عدم انتفاع المشركين بآيات القرآن وشبهوا بالأموات والصم والعمي فظهرت فظاعة حالهم في العاجلة أتبع ذلك بوصف حالهم حين تقوم الساعة في استصحاب مكابرتهم التي عاشوا عليها في الدنيا، بأن الله حين يعيد خلقهم وينشئ لهم أجساماً كأجسامهم ويعيد إليهم عقولهم يكون تفكيرهم يومئذ على وفاق ما كانوا عليه في الدنيا من السفسطة والمغالطة والغرور، فإذا نُشروا من القبور وشعروا بصحة أجسامهم وعقولهم وكانوا قد علموا في آخر أوقات حياتهم أنهم ميتون خامرتهم حينئذ عقيدة إنكار البعث وحجتُهم السفسطائية من قولهم ﴿ هل نَدُلُّكم عَلى رَجُل يُنْبِئكُم إذَا مُزِقْتم كُلَّ مُمزق إنكُّم لَفِي خَلْقٍ جَدِيد ﴾ [سبأ: 7]، هنالك يريدون أن يقنعوا أنفسهم بصحة دليلهم القديم ويلتمسون اعتلالاً لتخلف المدلول بعلة أن بعثهم ما كان إلا بعد ساعة قليلة من وقت الدفن قبل أن تنعدم أجزاء أجسامهم فيخيل إليهم أنهم مُحِقُّون في إنكاره في الدنيا إذ كانوا قد أخبروا أن البعث يكون بعد فناء الأجسام، فهم أرادوا الاعتذار عن إنكارهم البعث حين تحققوه بما حاصله: أنهم لو علموا أن البعث يكون بعد ساعة من الحُلول في القبر لأقروا به.

وقد أنبأ عن هذا تسمية كلامهم هذا معذرة بقوله عقبه: ﴿ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ﴾ [الروم: 57].

وهذه فتنة أصيبوا بها حين البعث جعلها الله لهم ليكونوا هُزأة لأهل النشور.

ويتضح غلطهم وسوء فهمهم كما دل عليه قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ﴾ الآية [الروم: 56] وقد أومأ إلى أن هذا هو المراد من الآية أنه قال عقب ذلك: ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ أي كهذا الخطأ كانوا في الدنيا يُصرفون عن الحق بمثل هذه الترهات.

وتقدم شيء من هذا في المعنى عند قوله تعالى: ﴿ يَتَخافتون بَيْنهُم إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشراً نَحْنُ أعْلَم بِمَا يَقُولون إذْ يَقُول أمْثَلهم طَرِيقَة إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يوماً ﴾ في سورة طه (103، 104).

وبلغ من ضلالهم في ذلك أنهم يُقسمون عليه، وهذا بعدَ ما يجري بينهم من الجدال من قول بعضهم: ﴿ إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشْراً ﴾ وقول بعضهم: ﴿ إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يَوْماً ﴾ ، وقول آخرين: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْض يَوْم ﴾ [الكهف: 19] وبعض اليوم يصدق بالساعة، كما حكي عنهم في هذه الآية.

والظاهر أن هذا القسم يتخاطبون به فيما بينهم كما اقتضته آية سورة طه، أو هو حديث آخر أعلنوا به حين اشتد الخلاف بينهم لأن المصير إلى الحلف يؤذن بمشادة ولجاج في الخلاف.

وفي قوله: ﴿ السَّاعَة ﴾ و ﴿ ساعة ﴾ الجناس التام.

وجملة ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ استئناف بياني لأن غرابة حالهم من فساد تقدير المدة والقسم عليه مع كونه توهماً يثير سؤال سائل عن مثار هذا الوهَم في نفوسهم فكان قوله ﴿ كذلك كَانُوا يُؤْفَكُون ﴾ بياناً لذلك.

ومعناه: أنهم لا عجب في صدور ذلك منهم فإنهم كانوا يجيئون بمثل تلك الأوهام مدة كونهم في الدنيا، فتصرفهم أوهامهم عن اليقين، وكانوا يقسمون على عقائدهم كما في قوله: ﴿ وأقْسَموا بالله جَهْدَ أيْمَانِهم لاَ يَبْعَث الله مَنْ يَمُوت ﴾ [النحل: 38] استخفافاً بالأيمان، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث.

والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه، والتقدير: إفكاً مثل إفكهم هذا كانوا يُؤفكون به في حياتهم الدنيا.

والمقصود من التشبيه المماثلة والمساواة.

والإفك بفتح الهمزة: الصرف وهو من باب ضرب، ويُعدى إلى الشيء المصروف عنه بحرف (عن)، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ ليقولُنّ الله فأنَّى يُؤْفَكون ﴾ في سورة العنكبوت (60).

ولم يسند إفكهم إلى آفك معين لأن بعض صرفهم يكون من أوليائهم وأيمة دينهم، وبعضَه من طبع الله على قلوبهم.

وإقحام فعل ﴿ كانُوا ﴾ للدلالة على أن المراد في زمان قبلَ ذلك الزمن، أي في زمن الحياة الدنيا.

والمعنى: أن ذلك خلُق تخلقوا به وصار لهم كالسجية في حياتهم الدنيا حتى إذا أعاد الله إليهم أرواحهم صدر عنهم ما كانوا تخلقوا به وقال تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَني أعماى وقَد كُنْت بَصِيراً قَال كذلك أتَتْكَ آياتُنا فنسِيْتَها وكذلك اليَوْم تُنْسى وكذلك نَجْزِي مَنْ أسْرَف ﴾ الآية [طه: 125 127] وفي هذا الخبر أدب عظيم للمسلمين أن يتَحامَوْا الرذائل والكبائر في الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقاً فيحشروا عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكُفّارُ.

﴿ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا اسْتِقْلالًا لِأجْلِ الدُّنْيا لِما عايَنُوا مِنَ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في قُبُورِهِمْ ما بَيْنَ مَوْتِهِمْ ونَشُورِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ هَكَذا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَصُدُّونَ في الدُّنْيا عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أهْلُ الكِتابِ.

﴿ والإيمانَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الإيمانُ بِالكِتابِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ ولا تَبْدِيلٍ فِيهِ.

الثّانِي: الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ  .

﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَقَدْ لَبِثْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: لَقَدْ لَبِثْتُمْ بِما بَيانُهُ في كِتابِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنْ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ في كِتابِ اللَّهِ والإيمانَ ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي ﴿ لَبِثْتُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَبِثُوا في قُبُورِهِمْ.

الثّانِي: في الدُّنْيا أحْياءٌ وفي قُبُورِهِمْ أمْواتٌ.

﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ يَعْنِي الَّذِي كَذَّبْتُمْ بِهِ في الدُّنْيا.

﴿ وَلَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لا تَعْلَمُونَ في الدُّنْيا أنَّ البَعْثَ حَقٌّ وقَدْ عَلِمْتُمُ الآنَ أنَّهُ حَقٌّ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أيْ عُذْرُهُمُ الَّذِي اعْتَذَرُوا بِهِ في تَكْذِيبِهِمْ.

﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُعاتَبُونَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: لا يُسْتَتابُونَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّالِثُ: لا يَطْلُبُ مِنهُمُ العُتْبى وهو أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا لِيُعْتَبُوا أيْ لِيُؤْمِنُوا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ قال: يعنون في الدنيا، استقل القوم أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ قال: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا ﴿ وقال الذين أوتوا العلم..

﴾ الآية.

قال: هذا من تقاديم الكلام وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإِيمان والعلم في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ قال: لبثوا في علم الله في البرزخ إلى يوم القيامة، لا يعلم متى علم وقت الساعة إلا الله، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ [ طه: 129] .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه أن رجلاً من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لا يوقنون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد يوم القيامة ﴿ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ يحلف المشركون ﴿ مَا لَبِثُوا ﴾ في القبور ﴿ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ إلا ساعة واحدة (١) وقال قتادة: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة (٢) (٣) ﴿ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ قال الزجاج: مثل هذا الكذب كذبهم؛ لأنهم أقسموا على غير تحقيق (٤) وقال الكلبي: كذبوا في قولهم: ﴿ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ كما كذبوا في الدنيا (٥) وقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة (٦) وقال ابن قتيبة: أي: كَذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، ويقال: أُفِك فلانٌ؛ إذا عُدِل به عن الصدق وعن الخير (٧) وذكر مقاتل وغيره في سبب كذبهم: أنهم استقلوا قدر لبثهم في الدنيا في القبور لَمَّا عاينوا الآخرة (٨) ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: يُصرفون، يعني: كما صُرفوا عن الصدق في حلفهم حتى حلفوا كاذبين، صرفوا في الدنيا عن الإيمان، ولو أراد: كذلك كانوا يكذبون؛ لقال: يَأفكون، فلما قال: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ دلَّ على إثبات القَدَر.

ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله: (١) "تفسير مقاتل" 81 أ.

وتفسير ابن جرير 21/ 57.

وهو قول الزجاج 4/ 191.

والثعلبي 8/ 170 ب.

(٢) ذكره عنه السيوطي، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر، وعبد بن حميد.

"الدر المنثور" 6/ 502.

(٣) وهي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 192.

(٥) "تنوير المقباس" ص 343.

(٦) "تفسير مقاتل" 81 أ.

(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 343.

(٨) "تفسير مقاتل" 81 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ هذا جواب القسم، ومعناه أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلا ساعة، أي ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة، وذلك لاستقصار تلك المدة ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي مثل هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق، والتحقيق حتى يروا الأشياء على ما هي عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.

الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.

والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.

ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.

التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.

وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.

ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟

وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.

و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.

وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.

والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.

والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون  ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.

ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا  ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم  ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.

وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.

وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.

وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.

وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.

فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك  ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.

وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.

ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.

فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات  ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.

وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله  أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.

وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.

قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.

وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.

قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله  يعطيه عشرة قصور تفضلاً.

ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.

قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.

ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.

وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.

وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.

ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.

أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة  ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.

خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.

ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.

ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.

وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.

ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.

وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.

قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.

وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.

قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.

أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.

فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.

وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.

ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.

قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته  ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.

وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.

وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.

وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.

وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله  يجب أن تقابل بالشكر.

وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي  بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.

وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.

ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.

وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.

ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.

وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.

ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .

ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.

ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.

وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.

ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.

ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.

وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل  ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.

وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.

وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء  ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.

ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.

وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.

ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.

ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.

ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.

وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.

قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.

وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.

والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.

ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".

ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.

ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: يقسم المجرمون: إنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة، وكذلك يقولون: في قوله: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ...

﴾ الآية [المؤمنون: 112-113].

لكن الأشبه أن يكون قوله: ﴿ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ : الدنيا في المحنة، لا في القبور، استقصروا مقامهم في الدنيا؛ تكذيباً لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي أنواع الكفر؛ يقولون: إنا لبثنا في الدنيا وقتا لا يكون منا في مثل ذلك الوقت وتلك المدة الزلل والمعاصي؛ ألا ترى أنهم قد كذبوا في إنكارهم طول المقام فيها؛ حيث قال: ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا أن لا بعث ولا حياة بعد الموت ولا حساب، ولولا هذا التكذيب لهم على أثر قولهم: ﴿ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ ، وإلا كان الظاهر أنهم قد استقصروا المقام في الدنيا؛ لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك وهوله، لكنه - والله أعلم - ما ذكرنا أنهم يقسمون: إنهم ما لبثوا غير ساعة في الدنيا؛ إنكارا وجحوداً لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي، يقولون: إنا لم نلبث في الدنيا إلا ساعة، فكيف عملنا فيها هذا الزلل وأنواع الشرك والكفر؛ فأخبر أنهم ﴿ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ ، أي: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا ويقسمون؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ فذلك القسم منهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذب وإنكار للمقام، كما كذبوا وأنكروا الشرك؛ حيث قالوا ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه: قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، أي: أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان به: لقد لبثتم إلى يوم البعث فهذا يوم البعث.

وقال بعضهم: قال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في علم الله في الدنيا إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث.

وبعضهم يقول: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم فيما كتب الله لكم من الآجال إلى انقضاء آجالكم وفنائها.

وقوله: ﴿ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ ﴾ الذي كنتم تنكرونه وتكذبونه.

﴿ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على حقيقة نفي العلم عنهم، لكنهم لا يعذرون لجهلهم بذلك؛ لما أعطوا أسباب العلم لو تفكروا وتأملوا لعلموا.

والثاني: على نفي الانتفاع بعلمهم؛ على ما نُفي عنهم حواس كانت لهم؛ لما لم ينتفعوا بها؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم بذلك لما لم ينتفعوا بما علموا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ .

ليس على أن يكون لهم عذر فلا ينفعهم ذلك، ولكن لا عذر لهم ألبتة.

أو أن يكون معذرتهم ما ذكروا: ﴿ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ فذلك معذرتهم؛ فلا ينفعهم ذلك؛ لأنهم كذبة في ذلك.

وقوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ .

الاستعتاب: هو الاسترجاع عما كانوا فيه، فهم لا يطلب منهم الرجوع عما كانوا عليه في ذلك الوقت، والعتاب في الشاهد: أن يعاتب؛ ليترك ما هو عليه ويرجع عما كان منه فيما مضى، وذلك لا ينفع للكفرة في ذلك اليوم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً ﴾ .

أي: رأوا ذلك الزرع والنبات مصفرا، أي: يابساً؛ لما أصابه من الريح والبرد.

﴿ لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

قيل: لأقاموا، وقيل: لصاروا، وقيل: لمالوا، وكله يرجع إلى معنى واحد، وهو ما تقدم ذكره من القنوط، أي: يقنطون وييئسون من رحمته، ويكفرون رب هذه النعم.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ إنك لا تسمع الموتى إنك لا تبعث الموتى ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للكفار خاصة، يقول: قد بينا لهم ما يعظهم ويزجرهم عما هم فيه، ويدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، لكنهم اعتقدوا العناد والمكابرة.

وقوله: ﴿ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ .

أي: لو جئتهم بالآية التي سألوك - أيضاً - فلا يصدقوك ولا يقبلوا الهدى، ويقولون ما ذكر: ﴿ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ﴾ .

ويشبه أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للفريقين جميعاً للمؤمن والكافر، ويكون التأويل - والله أعلم -: ولقد ضربنا وبينا للناس لأفعالهم وأحوالهم من القبيح والحسن مثلا وشبها ما يعرفون به قبح كل قبيح، وحسن كل حسن، وما بين لهم الحق من الباطل، والعدل من الجور؛ لأن أولئك الكفرة لم يعتبروا ولم يتأملوا، ثم رجع إلى وصف أولئك الكفرة، فقال: ﴿ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ ، أي: بزيادة في البيان، والوضوح، ﴿ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع أن قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لم يعلموا؛ لما لم يتأملوا ولم ينظروا في أسباب العلم لكي يعلموا، ولا عذر لهم في جهلهم ذلك؛ لما أعطوا أسباب العلم، لكنهم لم يستعملوها فمنهم جاء ذلك؛ فلم يعذروا.

والثاني: نفى عنهم العلم على وجوده لهم وكونه؛ لما لم ينتفعوا بما علموا، على ما ذكرنا من نفي الحواس عنهم، مع وجود تلك الحواس وكونها لهم؛ لما لم ينتفعوا بها ولم يستعملوها فيما جعلت تلك وأنشئت لها؛ فعلى ذلك العلم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

قال بعضهم: فاصبر على تكذيبهم إياك بالعذاب الذي وعدت لهم؛ إن وعد الله حق في العذاب بأنه نازل بهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ ؛ أي: اصبر على أذاهم الذي يؤذونك؛ إن وعد الله حق في النصر لك والمعونة.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ .

كأنه يقول: لا يحملنك أذاهم إياك حتى تدعو عليهم بالعذاب والهلاك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ﴾ ، أي: لا يستفزوك، ويقول: لا يستجهلنك، وأصله ما ذكرنا: ألا يحملنك أولئك الكفرة على الخفة والعجلة والجهل؛ حتى تدعو عليهم بإنزال العذاب والهلاك لهم، وهو - والله أعلم - كأنه من الاستخفاف.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويوم تقوم القيامة يحلف المجرمون ما مكثوا في قبورهم إلا ساعة، كما صُرِفوا عن معرفة قدر ما لبثوا في قبورهم كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.4JxGE"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر