الآية ٢٧ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٢٧ من سورة السجدة

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) : يبين تعالى لطفه بخلقه ، وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح ، وهو : ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته; ولهذا قال : ( إلى الأرض الجرز ) ، وهي [ الأرض ] التي لا نبات فيها ، كما قال تعالى : ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) [ الكهف : 8 ] ، أي : يبسا لا تنبت شيئا وليس المراد من قوله : ( إلى الأرض الجرز ) أرض مصر فقط ، بل هي بعض المقصود ، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست [ هي ] المقصودة وحدها ، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية ، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها ، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة ، وفيه طين أحمر ، فيغشى أرض مصر ، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء ، وذلك الطين أيضا لينبت الزرع فيه ، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم ، وطين جديد من غير أرضهم ، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء .

قال ابن لهيعة ، عن قيس بن حجاج ، عمن حدثه قال : لما فتحت مصر ، أتى أهلها عمرو بن العاص - [ وكان أميرا بها ] - حين دخل بئونة من أشهر العجم ، فقالوا : أيها الأمير ، إن لنيلنا سنة لا يجري إلا بها .

قال : وما ذاك ؟

قالوا : إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها ، فأرضينا أبويها ، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل .

فقال لهم عمرو : إن هذا لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما كان قبله .

فأقاموا بئونة والنيل لا يجري ، حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا ، فألقها في النيل .

فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها : من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد .

.

.

فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك .

قال : فألقى البطاقة في النيل ، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم .

رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب " السنة " له .

ولهذا قال تعالى : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) ، كما قال تعالى : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا [ متاعا لكم ولأنعامكم ] ) [ عبس : 24 - 32 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( أفلا يبصرون ) .

وقال ابن أبي نجيح ، عن رجل ، عن ابن عباس في قوله : ( إلى الأرض الجرز ) قال : هي التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، إلا ما يأتيها من السيول .

وعن ابن عباس ، ومجاهد : هي أرض باليمن .

وقال الحسن ، رحمه الله : هي قرى فيما بين اليمن والشام .

وقال عكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد : الأرض الجرز : التي لا نبات فيها وهي مغبرة .

قلت : وهذا كقوله : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) [ يس : 33 - 35 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت، والنشر بعد الفناء، أنا بقُدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقة جرز: إذا كانت تأكل كلّ شيء، وكذلك الأرض الجروز: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته، نظير أكل الناقة الجراز كلّ ما وجدته، ومنه قولهم للأنسان الأكول: جَرُوز، كما قال الراجز: خَبّ جَرُوزٌ وَإذَا ....

(2) ومنه قيل للسيف إذا كان لا يبقي شيئا إلا قطعه سيف جراز، فيه لغات أربع: أرض جُرُز، وجَرْز، وجِرز وجُرْز، والفتح لبني تميم فيما بلغني.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس (الأرْضِ الجُرُزِ) أرض باليمن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نسُوق الماء إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: أبين (3) ونحوها.

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: (إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: الجرز: التي لا تمْطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جُوَيبر، عن الضحاك (إلى الأرْضِ الجُرُزِ) ليس فيها نبت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ) المغبرة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (أوَلَمْ يَرَوْا أنَّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ) قال: الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات، وفي قوله: صَعِيدًا جُرُزًا قال: ليس عليها شيء، وليس فيها نبات ولا شيء (فنخرجُ به زرعًا تأكلُ منهُ أنعامهُمْ وَأنْفُسُهُمْ) يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلك الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعا خضرا، تأكل منه مواشيهم، وتغذّى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون به (أفَلا يُبْصرُونَ) يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم، فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلك لا يتعذّر عليّ أن أحيي بها الأموات، وأنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم.

------------------ الهوامش : (2) هذا جزء من بيت من مشطور الرجز، أورده الشوكاني في تفسيره المسمى فتح القدير (4 : 249) طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

وهناك البيت بتمامه مع ما يليه: خَــبّ جَــرُوزٌ وَإِذَا جَــاعَ بَكَـى وَيَــأْكُلُ التَّمْــرَ وَلا يُلْقـي النَّـوَى وهو شاهد عند تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز).

قال أبو عبيدة مجاز القرآن (الورقة 193 - أ): الأرض الجرز: أي اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر.

ا هـ.

وقال الفراء في معاني القرآن (الورقة 253): الجرز التي لا نبات فيها.

ويقال للناقة إنها لجراز: إذا كانت تأكل كل شيء، وللإنسان: إنه لجروز: إذا كان أكولا.

وسيف جراز: إذا كان لا يبقى شيئًا إلا قطعه.

(3) إبين بكسر الهمزة وفتحها وسكون الباء، وباء مفتوحة: اسم رجل كان في الزمان القديم، ويقال: ذوأبين، وهو الذي ينسب إليه عدن إبين من بلاد اليمن.

فلعل راوي الأثر يريد هذا الموضع.

(انظر البكري في المعجم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون .قوله تعالى : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز أي أولم يعلموا كمال قدرتنا بسوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها لنحييها .

الزمخشري : الجرز الأرض التي جرز نباتها ، أي قطع ; إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل .

ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ; ويدل عليه قوله تعالى : فنخرج به زرعا قال ابن عباس : هي أرض باليمن .

وقال مجاهد : هي أبين .

وقال عكرمة : هي الأرض الظمأى .

وقال الضحاك : هي الأرض الميتة العطشى .

وقال الفراء : هي الأرض التي لا نبات فيها .

وقال الأصمعي : هي الأرض التي لا تنبت شيئا .

وقال محمد بن يزيد : يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام ; إلا أنه يجوز على قول من قال : العباس والضحاك .

والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه .

وهذا إنما هو نعت والنعت للمعرفة يكون بالألف واللام ; وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله .

قال الراجز :خب جروز وإذا جاع بكى ويأكل التمر ولا يلقي النوىوكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شيء تجده .

وسيف جراز : أي قاطع ماض .

وجرزت الجراد الزرع : إذا استأصلته بالأكل .

وحكى الفراء وغيره أنه يقال : أرض جرز وجرز وجرز وجرز .

وكذلك بخل ورغب ورهب ; في الأربعة أربع لغات .

وقد روي أن هذه الأرض لا أنهار فيها ، وهي بعيدة من البحر ، وإنما يأتيها في كل عام ودان فيزرعون ثلاث مرات في كل عام .

وعن مجاهد أيضا : أنها أرض النيل .

فنخرج به أي بالماء .

زرعا تأكل منه أنعامهم من الكلأ والحشيش .

وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه .

أفلا يبصرون [ ص: 104 ] هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم .

و ( فنخرج ) يكون معطوفا على ( نسوق ) أو منقطعا مما قبله .

تأكل منه أنعامهم في موضع نصب على النعت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَوَلَمْ يَرَوْا } بأبصارهم نعمتنا، وكمال حكمتنا { أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ } التي لا نبات فيها، فيسوق اللّه المطر، الذي لم يكن قبل موجودًا فيها، فيفرغه فيها، من السحاب، أو من الأنهار.

{ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا } أي: نباتًا، مختلف الأنواع { تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ } وهو نبات البهائم { وَأَنْفُسهمْ } وهو طعام الآدميين.{ أَفَلَا يُبْصِرُونَ } تلك المنة، التي أحيا اللّه بها البلاد والعباد، فيستبصرون فيهتدون بذلك البصر، وتلك البصيرة، إلى الصراط المستقيم، ولكن غلب عليهم العمى، واستولت عليهم الغفلة، فلم يبصروا في ذلك، بصر الرجال، وإنما نظروا إلى ذلك، نظر الغفلة، ومجرد العادة، فلم يوفقوا للخير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) أي : اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها ، قال ابن عباس : هي أرض باليمن .

وقال مجاهد : هي أرض بابين ( فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ) من العشب والتبن ) ( وأنفسهم ) من الحبوب والأقوات ) ( أفلا يبصرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز» اليابسة التي لا نبات فيها «فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون» هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولم ير المكذبون بالبعث بعد الموت أننا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، فنخرج به زرعًا مختلفًا ألوانه تأكل منه أنعامهم، وتتغذى به أبدانهم فيعيشون به؟

أفلا يرون هذه النعم بأعينهم، فيعلموا أن الله الذي فعل ذلك قادر على إحياء الأموات ونَشْرهم من قبورهم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) والأرض والجرز : هى الأرض اليابسة التى جرز نباتها وقطع ، إما لعدم نزول الماء عليها ، وإما لرعيه منها .قال القرطبى ما ملخصه : والأرض الجرز هى التى جرز نباتها أى : قطع ، إما لعدم الماء ، وإما لأنه رعى وأزيل ، ولا يقال للتى لا تنبت كالسباخ جرز .وهو مشتق من قولهم : رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئاً إلا أكله ، وكذلك ناقة جروز : إذا كانت تأكل كل شئ تجده ، وسيف جراز ، أى : قاطع .

.أى : أعموا ولم يشاهدوا بأعينهم ( أَنَّا نَسُوقُ ) بقدرتنا ورحمتنا ( المآء ) الذى تحمله السحب ( إِلَى الأرض الجرز ) أى : اليابسة الخالية من النبات ، فينزل عليها .( فَنُخْرِجُ بِهِ ) أى : فنخرج بهذا الماء النازل على الأرض القاحلة ( زَرْعاً ) كثيراً نافعاً ( تَأْكُلُ مِنْهُ ) أى : من هذا الزرع ( أَنْعَامُهُمْ ) أى : تأكل منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما يشبه ذلك .وقوله ( وَأَنفُسُهُمْ ) معطوف على أنعامهم .

أى : تأكل أنعامهم من الزرع ما يناسبها ، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب .وقدم - سبحانه - الأنعام على بنى آدم للترقى من الأدنى إلى الأشرف .وقوله - تعالى - ( أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) حض لهم على التأميل فى هذه النعم ، والحرص على شكر المنعم عليها ، وإخلاص العبادة له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز ﴾ لما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والنبات.

ثم قال تعالى: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أنعامهم وَأَنفُسُهُمْ ﴾ قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه: أحدها: أن الزرع أول ما ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني: وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لابد منه.

وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان، فكأن الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث: إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله بالعبادة.

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾ لأن الأمر يرى بخلاف حال الماضين، فإنها كانت مسموعة، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ إلى آخر السورة، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً  ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب  ﴾ وذكر التوحيد بقوله: ﴿ الذى خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ وقوله: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ  ﴾ وفي آخر السورة ذكره بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ﴾ وذكر الحشر في أولها بقوله: ﴿ وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض  ﴾ وفي آخرها بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الجرز ﴾ الأرض التي جرز نباتها أي قطع: إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز.

ويدل عليه قوله: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنها أرض اليمن.

وعن مجاهد رضي الله عنه: هي أبين.

﴿ بِهِ ﴾ بالماء ﴿ تَأْكُلُ ﴾ من الزرع ﴿ أنعامهم ﴾ من عصفه ﴿ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ من حبه.

وقرئ: ﴿ يأكل ﴾ بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها أيْ قُطِعَ وأُزِيلَ لا الَّتِي لا تُنْبِتُ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ﴾ وقِيلَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِاليَمَنِ.

﴿ تَأْكُلُ مِنهُ ﴾ مِنَ الزَّرْعِ.

﴿ أنْعامُهُمْ ﴾ كالتِّينِ والوَرَقِ.

﴿ وَأنْفُسُهُمْ ﴾ كالحَبِّ والثَّمَرِ.

﴿ أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أولم يروا أنّا نسوق الماء} نجري المطر والأنهار {إلى الأرض الجرز} أي الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء أو لانه رعى ولا يقال

السجدة (٣٠ - ٢٧)

التى لا تنبت كالسباخ جرز بدليل قوله {فنخرج به} بالماء {زرعاً تأكل منه} من الزرع {أنعامهم} من عصفه {وأنفسهم} من حبه {أفلا يبصرون} بأعينهم فيستدلوا به على قدرته على احياء الموتى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الكَلامَ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ ﴾ أيِ أعَمُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿ أنّا نَسُوقُ الماءَ ﴾ بِسَوْقِ السَّحابِ الحامِلِ لَهُ، وقِيلَ: نَسُوقُ نَفْسَ الماءِ بِالسُّيُولِ، وقِيلَ: بِإجْرائِهِ في الأنْهارِ، ومِنَ العُيُونِ ﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ أيِ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ قُطِعَ إمّا لِعَدَمِ الماءِ وإمّا لِأنَّهُ رَعْيٌ وأُزِيلَ كَما في الكَشّافِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: الأرْضُ الجُرُزُ اليابِسَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها نَباتٌ لِانْقِطاعِ الأمْطارِ عَنْها مِن قَوْلِهِمْ: سَيْفٌ جَرّازٌ، أيْ قَطّاعٌ لا يُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَهُ، وناقَةٌ جَرّازٌ إذا كانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَتْهُ بِفِيها، ورَجُلٌ جَرُوزٌ أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وقالَ الرّاغِبُ: الجُرُزُ مُنْقَطِعُ النَّباتِ مِن أصْلِهِ، وأرْضٌ مَجْرُوزَةٌ أُكِلَ ما عَلَيْها، وفي مَثَلٍ: لا تَرْضى شانِئَةٌ إلّا بِجَرُوزَةٍ، أيْ بِالِاسْتِئْصالِ، والجارِزُ الشَّدِيدُ مِنَ السُّعالِ، تُصُوِّرَ مِنهُ مَعْنى الجُرُزِ وهو القَطْعُ بِالسَّيْفِ اهـ، ويُفْهَمُ مِمّا قالَهُ أنَّ الجُرُزَ يُطْلَقُ عَلى ما انْقَطَعَ نَباتُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الإنْباتُ كالسِّباخِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأرْضُ المُتَّصِفَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أيُّ أرْضٍ كانَتْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها قُرًى بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرْضٌ بِاليَمَنِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، أخْرَجَ عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الأرْضُ الجُرُزُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ، وهي أبْيَنُ ونَحْوُها مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ «الجُرْزِ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْماءِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: المُرادُ فَنُخْرِجُ عِنْدَهُ، والزَّرْعُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وعُبِّرَ بِهِ عَنِ المَزْرُوعِ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْرُجُ بِالمَطَرِ مُطْلَقًا، فَيَشْمَلُ الشَّجَرَ وغَيْرَهُ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ تَأْكُلُ مِنهُ ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ ﴿ أنْعامُهُمْ ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ، وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، ﴿ وأنْفُسُهُمْ ﴾ كالبُقُولِ والحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ، وفي البَحْرِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّرْعِ النَّباتُ المَعْرُوفُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّباتُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الأنْعامَ لِأنَّ انْتِفاعَها مَقْصُورٌ عَلى ذَلِكَ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ أكْلَها مِنهُ مُقَدَّمٌ لِأنَّها تَأْكُلُهُ قَبْلَ أنْ يُثْمِرَ، ويُخْرِجَ سُنْبُلَهُ، وقِيلَ: لِيَتَرَقّى مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ «يَأْكُلُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ﴿ أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ أيْ ألا يُبْصِرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُعِلَتِ الفاصِلَةُ هُنا ( يُبْصِرُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَرْئِيٌّ وفِيما قَبْلَهُ ( يَسْمَعُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، وقِيلَ: تَرَقِّيًا إلى الأعْلى في الِاتِّعاظِ مُبالَغَةً في التَّذْكِيرِ، ورَفْعِ العُذْرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «تُبْصِرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يعني: يقضي بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.

ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ يعني: أو لم يبيِّن لهم الله تعالى.

وقرئ في الشاذ أولم نهد لَهُمْ بالنون.

وقرأ العامة بالياء.

كَمْ أَهْلَكْنا يعني: أو لم نبين لهم الهلاك مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يعني: قوم لوط وصالح وهود يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ يعني: يمرون في منازلهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: في إهلاكهم لآيات لعبرات أَفَلا يَسْمَعُونَ أي: أفلا يسمعون المواعظ فيعتبرون بها.

ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ يعني: اليابسة الملساء التي ليس فيها نبات.

يقال: أرض جرز أي: أرض جدب لا نبات فيها.

يقال: جرزت الجراد إذا أكلت، وتركت الأرض جرزاً فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً يعني: نخرج بالماء النبات تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ أي: من الكلأ والعشب والتبن وَأَنْفُسُهُمْ من الحبوب والثمار أَفَلا يُبْصِرُونَ هذه العجائب فيوحّدوا ربهم.

قوله عز وجل: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ قال مقاتل: أي متى هذا القضاء وهو البعث؟

وقال قتادة: الْفَتْحُ القضاء.

وقال مجاهد: الْفَتْحُ يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تكذيباً منهم يعنون به النبيّ  .

ثم قال عز وجل: قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ يعني: يوم القيامة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ قال في رواية الكلبي: إن أصحاب النبي  كانوا يتذاكرون فيما بينهم وهم بمكة قبل فتح مكة لهم.

وكان ناس من بني خزيمة كانوا إذا سمعوا ذلك منهم، يستهزئون بهم ويقولون لهم: متى فتحكم هذا الذي كنتم تزعمون؟

ويقولون: فنزل يعني: بني خزيمة.

مَتى هذَا الْفَتْحُ يا أصحاب محمد إن كنتم صادقين.

قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ أي: فتح مكة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ حتى يقتلوا.

وذلك أن النبيّ  لما فتح مكة، بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، وقد كانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية.

يعني: الحقد.

فقالوا: قد أسلمنا.

فقال لهم: انزلوا.

فنزلوا فوضع فيهم السلاح فقتل منهم، وأسر.

فبلغ ذلك النبيّ  فقال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالَدُ بْنُ الوَلِيدِ» ؟

فبعث إليهم علي بن أبي طالب- رضي الله- عنه بالدية من غنائم خيبر، فذلك قوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يعني: يؤجلون.

ثم قال عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يا محمد وَانْتَظِرْ لهم فتح مكة ويقال: العذاب.

إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ بهلاكك.

وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبيّ  كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك.

وروى أبَيّ بن كعب عن النبيّ  أنه قال: «من قرأ الم السَّجْدَة، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَى ليلة القدر» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

٧٠ ب ص: وقيل: يعود على الكتابِ/ على تقدير مُضْمَرٍ، أي: من لقاء مثله، أي:

أتيناك مثلَ مَا آتينا موسى، والتأويل الأول هو الظاهر، انتهى.

والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، والضميرُ فِي جَعَلْناهُ: يحتمل أن يعود على الكتاب أو على موسى قاله قتادة.

وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ...

الآية، حُكْم يَعُمّ جميعَ الخلق، وذهب بعضهم إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ معناه يُبَيِّنْ قاله ابن عباس، والفاعل ب يَهْدِ هو الله في قول فرقة، والرسولُ في قول فرقة، وقرأ أبو عبد الرحمن «١» : «نهد» - بالنون- وهي قراءة الحَسَنْ وقتادة، فالفاعلُ اللهُ تعالى، والضميرُ في يَمْشُونَ يُحْتَمَلُ أن يكونَ للمخاطَبِينَ أو للمهلكين، والْجُرُزِ: الأرض العاطِشَةُ التي قد أكلت نباتها من العطشِ والقيظِ ومنه قيل للأكول جَرُوزٌ.

وقال ابن عباس «٢» وغيره: الْأَرْضِ الْجُرُزِ: أرض أبين من اليمن وهي أرض تشرب بسيولٍ لا بِمَطَرٍ، وفي «البخاري» : وقال ابن عباس:

الْجُرُزِ: التي لم تُمْطَرْ إلا مَطَراً لاَ يُغْنِي عنها «٣» شَيْئاً.

انتهى.

ثم حكى سبحانه عن الكفرةِ أنهم يَسْتَفْتِحُونَ ويستعجلون فَصْلَ القضاءِ بينهم وبين الرسل على معنى الهزء والتكذيب، والْفَتْحِ: الحُكْمُ، هذا قول جماعةٍ من المفسرينَ، وهو أقوى الأقوال.

قال مجاهد والْفَتْحِ هنا هو حُكْم الآخرة.

ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالإعراض عن الكفرةِ وانْتِظَار الفَرَجِ، وهذا مما نَسَخَتْه آية السَّيْفِ.

وقولُه: إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي: العذابَ بمعنى هذا حُكْمُهُمْ وإن كانوا لا يشعرون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ مُوسى رَبَّهُ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: مِن لِقاءِ مُوسى لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الأذى كَما لَقِيَ مُوسى، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن تَلَقِّي مُوسى كِتابَ اللَّهِ بِالرِّضى والقَبُولِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَتَكُونُ الهاءُ لِلْكِتابِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَأُضِيفُ المَصْدَرُ إلى ضَمِيرِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لَهُ عَلى امْتِثالِهِ ما أُمِرَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى الأخْذِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْناهُ هُدًى ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الكِتابُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُوسى، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجَعَلْنا مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ أئِمَّةً ﴾ أيْ: قادَةً في الخَيْرِ ﴿ يَهْدُونَ بِأمْرِنا ﴾ أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى طاعَةِ اللَّهِ ﴿ لَمّا صَبَرُوا ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَمّا صَبَرُوا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لِما " بِكَسْرِ اللّامِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " بِما " بِباءٍ مَكانَ اللّامِ؛ والمُرادُ: صَبْرُهُمْ\] عَلى دِينِهِمْ وأذى عَدُوِّهم ﴿ وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ أنَّها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ صالِحُونَ سِوى الأنْبِياءِ.

وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ أنَّكم إنْ أطَعْتُمْ جَعَلْتُ مِنكم أئِمَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: يَقْضِي ويَحْكُمُ؛ وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ.

ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: " نَهْدِ " بِالنُّونِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في (طَهَ: ١٢٨) .

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ والسَّيْلَ ﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ وهي الَّتِي لا تُنْبِتُ- وقَدْ ذَكَرْناها في أوَّلِ (الكَهْفِ: ٨) - فَإذا جاءَ الماءُ أنْبَتَ فِيها ما يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ.

﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما فُتِحَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ فُتِحَ لِلنَّبِيِّ  ، فَلَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحُكْمِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ العَذابُ في الدُّنْيا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ وقَدِ اعْتُرِضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ لا يَنْفَعُ الكُفّارَ إيمانُهم يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ وقُبِلَ إسْلامُهم يَوْمَئِذٍ؟!

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ مَن قُتِلَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَئِذٍ إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ السَّيْرِ «أنَّ خالِدًا دَخْلَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي دَخَلَ مِنها رَسُولُ اللَّهِ  فَلَقِيَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو في آخَرِينَ فَقاتَلُوهُ، فَصاحَ خالِدٌ في أصْحابِهِ وقاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِن قُرَيْشٍ، وأرْبَعَةً مِن هُذَيْلٍ، وانْهَزَمُوا، فَلَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: " ألَمْ أنْهَ عَنِ القِتالِ " ؟

فَقِيلَ: إنَّ خالِدًا قُوتِلَ فَقاتَلَ.» والثّانِي: لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ما أُعْطُوا مِنَ الأمانِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: " «مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ» " .

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: آمَنتُ فُلانًا إيمانًا، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا يَدْفَعُ هَذا الأمانُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ.

وهَذا القَوْلُ الَّذِي قَدْ دافَعْنا عَنْهُ لَيْسَ بِالمُخْتارِ، وإنَّما بَيَّنّا وجْهَهُ لِأنَّهُ قَدْ قِيلَ.

وَقَدْ خَرَجَ بِما ذَكَرْنا في الفَتْحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحُكْمُ والقَضاءُ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ.

والثّانِي: فَتْحُ البَلَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ ﴾ أيِ: انْتَظَرَ عَذابَهم ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ بِكَ حَوادِثَ الدَّهْرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ "يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى.

وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ.

والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ" ﴾ لِلْمَنهِيِّينَ.

ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.

ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ.

وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ.

وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.

ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.

ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ  عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ.

و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ.

فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون [27]) عطف على (أو لم يهد لهم).

ونيط الاستدلال هنا بالرؤية لأن إحياء الأرض بعد موتها ثم إخراج النبت منها دلالة مشاهدة.

واختير المضارع في قوله (نسوق) لاستحضار الصورة العجيبة الدالة على القدرة الباهرة والسوق: إزجاء الماشي من ورائه والماء: ماء المزن وسوقه إلى الأرض هو سوق السحاب الحاملة إياه بالرياح التي تنقل السحاب من جو إلى جو؛ فشبهت هيئة الرياح والسحاب بهيئة السائق للدابة.

والتعريف في (الأرض) تعريف الجنس والجرز: اسم للأرض التي انقطع نبتها وهو مشتق من الجرز وهو: انقطاع النبت والحشيش إما بسبب يبس الأرض أو بالرعي والجرز: القطع.

وسمي السيف القاطع جرازا قال الراجز يصف أسنان ناقة: تنحي على الشوك جرازا مقضبا *** والهرم تذريه إذدراء عجبا فالأرض الجرز: التي انقطع نبتها.

ولا يقال للأرض التي لا تنبت كالسباخ جرز.

والزرع: ما نبت بسبب بذر حبوبه في الأرض كالشعير والبر والفصفصة وأكل الأنعام غالبه من الكلأ لا من الزرع فذكر الزرع بلفظه ثم ذكر أكل الأنعام يدل على تقدير: وكلأ.

ففي الكلام اكتفاء.

والتقدير: ونخرج به زرعا وكلأ تأكل منه أنعامهم وأنفسهم.

والمقصود: الاستدلال على البعث وتقريبه وإمكانه بإخراج النبت من الأرض بعد أن زال؛ فوجه الأول.

وأدمج في هذا الاستدلال امتنان بقوله (تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) ثم فرع عليه استفهام تقريري بجملة (أفلا يبصرون).

وتقدم بيان مثله آنفا في قوله (أفلا يسمعون).

ونيط الحكم بالإبصار هنا دلالة إحياء الأرض بعد موتها دلالة مشاهدة <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسُوقُ الماءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَطَرِ والثَّلْجِ.

الثّانِي: بِالأنْهارِ والعُيُونِ.

﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأرْضُ اليابِسَةُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّها الأرْضُ الَّتِي أكَلَتْ ما فِيها مِن زَرْعٍ وشَجَرٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّها الأرْضُ الَّتِي لا يَأْتِيها الماءُ إلّا مِنَ السُّيُولِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها أرْضُ أبْيَنَ لا تُنْبِتُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّها قُرى نَبْيا بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَأصْلُ الجُرُزِ الِانْقِطاعُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَيْفٌ جُرازٌ أيْ قَطّاعٌ وناقَةٌ جُرازٌ أيْ كانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ لِأنَّها لا تُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَتْهُ بِفِيها.

وَرَجُلٌ جَرُوزٌ أكُولٌ قالَ الرّاجِزُ حَبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى يَأْكُلُ التَّمْرَ ولا يُلْقِي النَّوى وَتَأوَّلَ ابْنُ عَطاءٍ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أنَّهُ تُوصِلُ بَرَكاتِ المَواعِظِ إلى القُلُوبِ القاسِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ﴾ قال: الجرز التي لا تمطر إلا قطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ قال: أرض باليمن.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ قال: هي التي لا تنبت هن أبين ونحوها من الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ قال: السمطاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ قال: إلى الأرض الميتة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ قال: قرى فيما بين اليمن والشام.

وأخرج أبو بكر وابن حبان في كتاب الغرر عن الربيع بن سبرة قال: الأمثال أقرب إلى العقول من المعاني، ألم تسمع إلى قوله: ﴿ أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ﴾ (ألم تر)؟

(ألم يروا).

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال مقاتل: ثم وعظهم ليحذروا (١) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ ﴾ قال ابن عباس: يريد السيل (٢) ﴿ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ ﴾ قال الفراء والزجاج: هي التي لا تنبت، وفيه أربع لغات: جرز وجرز وجرز وجُرُز، ومثله الشغل والبخل، يأتي فيه اللغات الأربع (٣) وذكرنا تفسير الجرز واشتقاقه في سورة الكهف (٤) (٥) وقال مجاهد: هي أرض (٦) (٧) وهذا قول أبي عبيدة قال: إنها بناحية عدن (٨) قال المبرد (٩) وقال السدي في هذه الآية: هي الأرض الميتة التي لا نبات لها، حتى إذا جاء الماء أنبتت ما يأكل الناس والدواب.

ونحو هذا قال مقاتل (١٠) وعلى هذا القول قوله: ﴿ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ ﴾ يجوز أن يكون المطر ويجوز أن يكون يريد السيل.

(١) "تفسير مقاتل" 85 ب.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 2/ 333، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.

(٤) عند قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ آية: 8 قال هناك: وأما المجرز فقال الفراء: الأرض لا نبات فيها، يقال: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد ما عليها.

(٥) ذكره نحوه: الطبري 21/ 115، الماوردي 4/ 367، "مجمع البيان" 8/ 523.

(٦) هكذا في النسخ!

والصواب: الأرض.

(٧) "تفسير مجاهد" ص 511.

(٨) لم أقف عليه عن أبي عبيدة، وقد ذكره الطبري 21/ 115 أنها أرض باليمن عن ابن عباس.

وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها أبين.

وهي من بلاد اليمن.

وذكر الألوسي في "روح المعاني" 21/ 140، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام، قال: وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن.

(٩) انظر: قول المبرد في: "القرطبي" 14/ 110.

(١٠) أورده الطبري 21/ 115 عن ابن زيد، ولم أقف عليه عن السدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 85 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأرض الجرز ﴾ يعني التي لا نبات فيها من شدّة العطش.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ﴾ يقول - والله أعلم -: أو لم يبين لأهل مكة، ولم يكفهم من الهداية والبيان ما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، فيرون ما حل بهم، ومن أهلك ومن نجا منهم؛ فيقع الاعتبار لهم بمن ذكر من وجهين: أحدهما: زعموا أن آباءهم على ما هم عليه، وأنهم يقلدونهم في ذلك، وأنهم أمروا بذلك، فيخبر أنك أولاد من نجا منهم، لا أولاد من أهلكوا؛ لأنهم استؤصلوا؛ فلا يحتمل أن تكونوا أولاد من استؤصلوا؛ فدل أنهم أولاد من نجا منهم، وإنما نجا منهم المصدّق لا المكذب، فيخبر أن كيف لا اتبعتم آباءكم الذين نجوا منهم وهم المصدقون، دون الذين أهلكوا بالتكذيب والعناد؟!

والثاني: يعتبرون فيعلمون أن إهلاكهم واستئصالهم كان؛ للتكذيب والعناد مع الرسل والخلاف لهم؛ فيمنعهم ما حل بهم بالتكذيب والخلاف للرسل عن تكذيب رسول الله ومجادلتهم إياه.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .

قال بعضهم: أفلا يبصرون ذلك حيث يمشون في مساكن أولئك، ويمرّون فيها؟!

[و]قال بعضهم: أفلا يسمعون ما يحدث لهم عن أولئك، وما حل بهم، وبم نزل ذلك بهم؟!

وقال بعضهم: ﴿ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾ : أفلا يعقلون لماذا أهلكوا أو استؤصلوا؛ فيمتنعون عن ذلك؟!

وقال بعضهم: أفلا يستمعون الوعيد الذي أوعد لهم.

وقيل: أفلا يستمعون التوحيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث، والأولى ذكرت لإنكارهم نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل، فيخبرهم أن من قدر على سوق الماء إلى الأرض الميتة اليابسة وإحيائها، لقادر على إحيائكم بعد الموت؛ إذ الأعجوبة والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة إن لم يكن أكثر فلا تكون دون ما أنكروا؛ فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو مثله؟!

والأرض الجرز: قال أبو عوسجة: هي التي لا نبت فيها، وأرضون أجراز، وأرض أجراز، وكذلك قال القتبي: الأرض الجرز: اليابسة: التي لا نبت فيها، وجمعها أجراز، ويقال سنون أجراز: إذا كانت سني جدب.

وقال بعضهم: الأرض الجرز: التي تأكل نباتها، أي: يحترق فيها، يقال: امرأة جرزاء: إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه.

﴿ تَأْكُلُ مِنْهُ ﴾ ، من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة بالماء.

﴿ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ﴾ ، قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه غذاؤكم وغذاء ما سخر لكم من الأنعام.

أو يذكر نعمه، يقول: أفلا تبصرون نعمه؛ فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، وتصرفون الشكر إلى غيره؟!

وذكر عن عمر -  - أنه قال: "الأرض الجرز التي لا نبات فيها".

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

قال بعضهم: إن أصحاب رسول الله  كانوا يقولون ويتحدثون: إن لنا يوماً أوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه - يعنون: يوم القيامة - فقال كفار مكة: متى هذا الفتح؟

وهو القضاء.

﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : بأنه كائن، فإن كان البعث والقيامة حقّاً - صدّقنا يومئذ وآمنا؛ فأنزل الله -  -، ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهم: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ ﴾ : يوم القضاء، ﴿ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ ﴾ .

بالبعث؛ لقولهم: لو كان البعث الذي يقولون حقّاً صدقناه يومئذ.

﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ : يقول: لا ينظر بهم بالعذاب حين يعذبون.

وقال بعضهم: إن أصحاب رسول الله  كانوا يتذاكرون - وهم بمكة - فتح مكة لهم؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم وسخروا ويقولون لهم: متى فتحكم الذي تزعمون؟

فنزل: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ ﴾ يا أصحاب محمد، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنها تفتح عليكم.

لكن هذا بعيد؛ لأنه يقول على أثره: ﴿ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ ، ولو كان فتح مكة، لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة وإنظار؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة، والأول أشبه أن يكون؛ لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله؛ فظهر أن الأول أشبه: كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر: أنه لما فتح مكة أقام النبي  وأصحابه ذلك اليوم وانهزم المشركون؛ فخرجوا من مكة، وأقام من أقام بها؛ فأمنه النبي  فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو قتادة الأنصاري، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين كانوا يهزءون بأصحاب محمد، ويقولون: متى فتحكم هذا؟

فوق جبل قد تحصنوا فيه، فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا: هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما لكم؟

قالوا: قد أسلمنا، قال: إن كنتم قد أسلمتم فانزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل منهم: أطيعوني ولا تنزلوا إليه؛ فوالله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم، إنه لخالد بن الوليد وإحنته، قالوا: والله ما علينا سبيل؛ لقد أسلمنا، ثم نزلوا ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال: معاذ الله أن أعين على شيء مما هاهنا، فبلغ ذلك النبي؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر، فوداهم إليه بالدية حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم، ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول الله  كل شيء لهم، فذلك قوله: ﴿ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .

﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ يا محمد إلى مدة لهم، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ ، بهم العذاب، أي: القتل وهلاكهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ هلاككم.

وقال بعضهم: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ : إلى ذلك اليوم، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ : بهم فتح مكة، ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ : هلاكك.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ﴿ وَٱنتَظِرْ ﴾ : مكافأتنا إياهم، ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ : ذلك، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَوَلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث أنا نرسل ماء المطر إلى الأرض القاحلة التي لا نبات فيها، فنخرج بذلك الماء زرعًا تأكل منه إبلهم وبقرهم وغنمهم، ويأكلون هم منه؟!

أفلا يبصرون ذلك، ويدركون أن من أنبت الأرض القاحلة قادر على إحياء الموتى؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.5vaEr"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 97%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
أستغفر الله