الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١٢ من سورة فاطر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة : وخلق البحرين العذب الزلال ، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس ، من كبار وصغار ، بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار ، والعمران والبراري والقفار ، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك ، ( وهذا ملح أجاج ) ، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار ، وإنما تكون مالحة زعاقا مرة ، ولهذا قال : ( وهذا ملح أجاج ) ، أي : مر .
ثم قال : ( ومن كل تأكلون لحما طريا ) يعني : السمك ، ( وتستخرجون حلية تلبسونها ) ، كما قال تعالى : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان ) [ الرحمن : 22 ، 23 ] .
وقوله : ( وترى الفلك فيه مواخر ) أي : تمخره وتشقه بحيزومها ، وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير - وهو : صدره .
وقال مجاهد : تمخر الريح السفن ، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام .
وقوله : ( لتبتغوا من فضله ) أي : بأسفاركم بالتجارة ، من قطر إلى قطر ، وإقليم إلى إقليم ، ( ولعلكم تشكرون ) أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم ، وهو البحر ، تتصرفون فيه كيف شئتم ، وتذهبون أين أردتم ، ولا يمتنع عليكم شيء منه ، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ، الجميع من فضله ومن رحمته .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يقول تعالى ذكره: وما يعتدل البحران فيستويان؛ أحدهما عذب فرات، والفرات: هو أعذب العذب، وهذا ملح أجاج يقول: والآخر منهما ملح أجاج وذلك هو ماء البحر الأخضر، والأجاج: المر وهو أشد المياه ملوحة.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) والأجاج: المر.
وقوله ( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ) يقول: ومن كل البحار تأكلون لحمًا طريًّا، وذلك السمك من عذبهما الفرات وملحهما الأجاج (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) يعني: الدر والمرجان تستخرجونها من الملح الأجاج، وقد بيَّنا قبل وجه (تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً) وإنما يستخرج من الملح، فيما مضى بما أغنى عن إعادته.(وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) يقول تعالى ذكره: وترى السفن في كل تلك البحار مواخر تمخر الماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرت واحدتها ماخرة، يقال منه: مَخَرت تَمْخُر وتمخَر مخرًا، وذلك إذا شقت الماء بصدورها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) أي: منهما جميعًا(وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) هذا اللؤلؤ(وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة.
حدثنا علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) يقول: جواريَ.
وقوله (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يقول: لتطلبوا بركوبكم في هذه البحار في الفلك من معايشكم، ولتتصرفوا فيها في تجاراتكم، وتشكروا الله على تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبات الرزق وفاخر الحلي.
قوله تعالى : وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون .[ ص: 300 ] قوله تعالى : وما يستوي البحران هذا عذب فرات فيه أربع مسائل :الأولى : قال ابن عباس : فرات حلو ، وأجاج مر .
وقرأ طلحة : ( هذا ملح أجاج ) بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف .
وأما المالح فهو الذي يجعل فيه الملح .
وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق ( سيغ شرابه ) مثل سيد وميت .
ومن كل تأكلون لحما طريا لا اختلاف في أنه منهما جميعا .
وقد مضى في ( النحل ) الكلام فيه .الثانية : قوله تعالى : وتستخرجون حلية تلبسونها مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح ، فقيل منهما لأنهما مختلطان .
وقال غيره : إنما تستخرج الأصداف التي فيها الحلية من الدر وغيره من المواضع التي فيها العذب والملح نحو العيون ، فهو مأخوذ منهما ; لأن في البحر عيونا عذبة ، وبينهما يخرج اللؤلؤ عند التمازج .
وقيل : من مطر السماء .
وقال محمد بن يزيد قولا رابعا ، قال : إنما تستخرج الحلية من الملح خاصة .
النحاس : وهذا أحسنها وليس هذا عنده ، لأنهما مختلطان ، ولكن جمعا ، ثم أخبر عن أحدهما كما قال جل وعز : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله .
وكما تقول : لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا وشرا .
وكما تقول : لو رأيت الأعمش وسيبويه لملأت يدك لغة ونحوا .
فقد عرف معنى هذا ، وهو كلام فصيح كثير ، فكذا : ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها فاجتمعا في الأول وانفرد الملح بالثاني .الثالثة : وفي قول : ( تلبسونها ) ، دليل على أن لباس كل شيء بحسبه ; فالخاتم يجعل في الإصبع ، والسوار في الذراع ، والقلادة في العنق ، والخلخال في الرجل .
وفي البخاري والنسائي عن ابن سيرين قال قلت لعبيدة : افتراش الحرير كلبسه ؟
قال نعم .
وفي ، الصحاح عن أنس فقمت على حصير لنا قد اسود من طول ما لبس .
الحديث .الرابعة : قوله تعالى : وترى الفلك فيه مواخر قال النحاس : أي ماء الملح خاصة ، ولولا ذلك لقال فيهما .
وقد مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء .
وقد مضى هذا في ( النحل ) .[ ص: 301 ] لتبتغوا من فضله قال مجاهد : التجارة في الفلك إلى البلدان البعيدة : في مدة قريبة ; كما تقدم في ( البقرة ) .
وقيل : ما يستخرج من حليته ويصاد من حيتانه .
ولعلكم تشكرون على ما آتاكم من فضله .
وقيل : على ما أنجاكم من هوله .
هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته، أنه جعل البحرين لمصالح العالم الأرضي كلهم، وأنه لم يسوِّ بينهما، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبة فراتا، سائغا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحا أجاجا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ، ولهذا قال: { وَمِنْ كُلٍ } من البحر الملح والعذب { تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك المتيسر صيده في البحر، { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } من لؤلؤ ومرجان وغيرهما، مما يوجد في البحر، فهذه مصالح عظيمة للعباد.ومن المصالح أيضا والمنافع في البحر، أن سخره اللّه تعالى يحمل الفلك من السفن والمراكب، فتراها تمخر البحر وتشقه، فتسلك من إقليم إلى إقليم آخر، ومن محل إلى محل، فتحمل السائرين وأثقالهم وتجاراتهم، فيحصل بذلك من فضل اللّه وإحسانه شيء كثير، ولهذا قال: { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
قوله - عز وجل - : ( وما يستوي البحران ) يعني : العذب والمالح ، ثم ذكرهما فقال : ( هذا عذب فرات ) طيب ( سائغ شرابه ) أي : جائز في الحلق هنيء ( وهذا ملح أجاج ) شديد الملوحة .
وقال الضحاك : هو المر .
( ومن كل تأكلون لحما طريا ) يعني : الحيتان من العذب والمالح جميعا ( وتستخرجون حلية ) أي : من المالح دون العذب ) ( تلبسونها ) يعني اللؤلؤ .
وقيل : نسب اللؤلؤ إليهما ، لأنه يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من بين ذلك ( وترى الفلك فيه مواخر ) جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة ( لتبتغوا من فضله ) بالتجارة ( ولعلكم تشكرون ) الله على نعمه .
«وما يستوي البحران هذا عذب فرات» شديد العذوبة «سائغ شرابه» شربه «وهذا ملح أجاج» شديد الملوحة «ومن كل» منهما «تأكلون لحما طريا» هو السمك «وتستخرجون» من الملح، وقيل منهما «حلية تلبسونها» هي اللؤلؤ والمرجان «وترى» تُبصر «الفلك» السفن «فيه» في كل منهما «مواخر» تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة «لتبتغوا» تطلبوا «من فضله» تعالى بالتجارة «ولعلكم تشكرون» الله على ذلك.
وما يستوي البحران: هذا عذب شديد العذوبة، سَهْلٌ مروره في الحلق يزيل العطش، وهذا ملح شديد الملوحة، ومن كل من البحرين تأكلون سمكًا طريًّا شهيَّ الطَّعم، وتستخرجون زينة هي اللؤلؤ والمَرْجان تَلْبَسونها، وترى السفن فيه شاقات المياه؛ لتبتغوا من فضله من التجارة وغيرها.
وفي هذا دلالة على قدرة الله ووحدانيته؛ ولعلكم تشكرون لله على هذه النعم التي أنعم بها عليكم.
ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من أنواع بديع صنعه ، وعجيب قدرته ، فقال : ( وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ .
.
.
) .والماء العذب الفرات : هو الماء السائغ للشرب ، الذى يشعر الإِنسان عند شربه باللذة وهو ماء الأنهار .
وسمى فراتا لأنه يفرت العطش ، أى : يقطعه ويزيله ويسكره .ولاماء الملح الأجاج : هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار .
سمى أجاجا من الأجيج وهو تهلب النار ، لأن شربه يزيد العطشان عطشا وتعبا .قالوا : والآية الكريمة مثل للمؤمن والكافر .
فالبحر العذب : مثل للمؤمن ، والبحر الملح : مثل للكافر .فكما أن البحرين اللذين أحدهما عذب فرات سائغ شرابه .
والآخر ملح أجاج .
لا يتساويان فى طعمهما ومذاقهما .
وإن اشتركا فى بعض الفوائد - فكذلك المؤمن والكافر ، لا يتساويان فى الخاصية العظمى التى خلقا من أجلها ، وهى إخلاص العبادة لله الواحد القهار ، وإن اشتركا فى بعض الصفات الأخرى كالسخاء والشجاعة - لأن المؤمن استجاب لفطرته فآمن بالحق ، أما الكافر فقد عاند فطرته ، فاصر على الكفر .وقوله : ( وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً ) بيان لبعض النعم التى وهبها - سبحانه - لعباده من وجود البحرين .أى : ومن كل واحد منهما تأكلون لحماً طريا ، أى : غضا شهيا مفيداً لأجسادكم ، عن طريق ما تصطادونه منهما من أسماء وما يشبهها .قال بعض العلماء .
وفى وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أن ينبغى المسارعة إلى أكله ، لأنه يسرع إليه الفاسد والتغيير .
وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر المأكولات فسبحان الخبير بشئون خلقه .
.وفيه - أيضاً - إيماء إلى كمال قدرته - تعالى- حيث أوجد هذا اللحم الطرى النافع فى الماء الملح الأجاج الذى لا يشرب .وقد كره العلماء أكل الطافى منه على وجه الماء ، وهو الذى يموت حتف أنفه فى الماء فيطفو على وجهه ، لحديث جابر بن عبد الله ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما نضب عنه الماء فكلوه .
وما لفظ الماء فكلوه ، وما طفا - على وجه الماء -فلا تأكلوه " .فالمراد من ميتة البحر فى حديث : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ما لفظه البحر لا مامات فيه من غير آفة .وقوله - تعالى - : ( وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) بيان لنعمة ثانية من النعم التى تصل إلى الناس عن طريق البحرين .والحلية - بكسر الحاء - : اسم لما يتجلى به الناس ، ويتزينون بلبسه ، وجمع حلية : حِلًى وحُلًى - بسكر الحاء وضمها - يقال : تحلت المراة إذا لبست الحلى .أى : ومن النعم التى تصل إليكم عن طريق البحرين ، استخراجكم منهما ما ينفعكم ، وما تتحلى به نساؤكم ، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما .والتعبير بقوله : ( وَتَسْتَخْرِجُونَ ) يشير إلى كثرة الإِخراج .
فالسين والتاء للتأكيد .
كما يشير بأن من الواجب على المسلمين ، أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما فى البحرين من كنوز نافعة ، وأن لا يتركوا ذلك لأعدائهم .وأسند - سبحانه - لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكرو ، فقال ( تَلْبَسُونَهَا ) على سبيل التغليب ، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء فى الأعم الأغلب من الأحوال .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( تَلْبَسُونَهَا ) أى : تلبسها نساؤكم وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهن ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب لتزينهن فإن النساء يتزين - فى الغالب - ليحسن فى أعين الرجال .
.وقال بعض العلماء : وفى الآية دليل قرآن واضح على بطلان دعوى بعض العلماء من أن اللؤلؤ والمرجان ، لا يستخرجان إلا من البحر الملح خاصة .وقوله - تعالى - ( وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ ) بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - عن طريق وجود البحار فى الأرض .وأصل المخر : الشق .
يقال مخرت السفينة البحر إذا شقته وسارت بين أمواجه ، ومخر الماء الأرض إذا شقها .أى : وترى - أيها العاقل - ببصرك السفن فى كل من البحرين ( مَوَاخِرَ ) أى تشق الماء بمقدوماتها ، وتسرع السير فيه من جهة إلى جهة .
.والضمير فى قوله ( فِيهِ ) يعود إلى البحر الملح ، لأن أمر الفلك فيه أعظم من أمرها فى البحر العذب ، وإن كانت السفن تجرى فى البحرين .ويجوز أن يكون الضمير فى قوله ( فِيهِ ) يعود إلى جنس البحر .
أى : وترى السفن تشق كل بحر ، لتسير فيه من مكان إلى مكان .
.واللام فى قوله - تعالى - : ( لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام السابق .أى : أوجدنا البحرين ، وسخرناهما لمنفعتكم ، لتطلبوا أرزاقكم فيهما ، وهذه الأرزاق هى من فضل الله - تعالى - عليكم ، ومن رحمته بكم ، ولعلكم بعد ذلك تشكروننا على آلائنا ونعمنا ، فإن من شكرنا زدناه من خيرنا وعطائنا .
قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح الأجاج.
ثم على هذا، فقوله: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع إذا اللحم الطري يوجد فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجري فيهما، ولا نفع في الكفر والكافر، وهذا على نسق قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ وقوله: ﴿ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار ﴾ والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج، ولو كان ذلك بإيجاب لما اختلف المستويان، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة، فإن اللحم الطري يوجد فيهما، واللحية تؤخذ منهما، ومن يوجد في المتشابهين اختلافاً ومن المختلفين اشتباهاً لا يكون إلا قادراً مختاراً.
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى البحران ﴾ إشارة إلى أن عدم استوائهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة لا يقال في ماء البحر إذا كان فيه ملوحة مالح، وإنما يقال له ملح، وقد يذكر في بعض كتب الفقه يصير بها ماء البحر مالحاً، ويؤاخذ قائله به.
وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقى فيه ملح حتى ملح لا يقال له إلا مالح، وماء ملح يقال للماء الذي صار من أصل خلقته كذلك، لأن المالح شيء فيه ملح ظاهر في الذوق، والماء الملح ليس ماء وملحاً بخلاف الطعام المالح فالماء العذب الملقى فيه الملح ماء فيه ملح ظاهر في الذوق، بخلاف ما هو من أصل خلقته كذلك، فلما قال الفقيه الملح أجزاء أرضية سبخة يصير بها ماء البحر مالحاً راعى فيه الأصل فإنه جعله ماء جاوره ملح، وأهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه ملح جعلوه كذلك من أصل الخلقة، والأجاج المر، وقوله: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ من الطير والسمك ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ من اللؤلؤ والمرجان ﴿ وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ أي ماخرات تمخر البحر بالجريان أي تشق، وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ يدل على ما ذكرناه من أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته.
<div class="verse-tafsir"
ضرب البحرين: العذب والمالح مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه ﴿ وَمِنْ كُلّ ﴾ أي: ومن كل واحد منهما ﴿ تأكلون لحماً طرياً ﴾ وهو السمك ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً ﴾ وهي اللؤلؤ والمرجان ﴿ وَتَرَى الفلك فِيهِ ﴾ في كل ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ شواق للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء.
ويقال للسحاب: بنات مخر، لأنها تمخر الهواء والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر، لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من فضل الله، ولم يجر له ذكر في الآية، ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل، لدلالة المعنى عليه.
وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة، ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل، كأنما قيل: لتبتغوا، ولتشكروا.
والفرات: الذي يكسر العطش.
والسائغ: المريء السهل الانحدار لعذوبته.
وقرئ: ﴿ سيغ ﴾ بوزن سيد: وسيغ بالتخفيف، وملح: على فعل.
والأجاج: الذي يحرق بملوحته.
ويحتمل غير طريقة الاستطراد: وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج على الكافر؛ بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ: وجرى الفلك فيه والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74] ثم قال: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ [البقرة: 74] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ ضُرِبَ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والفُراتُ الَّذِي يَكْسِرُ العَطَشَ والسّائِغُ الَّذِي يَسْهُلُ انْحِدارُهُ، والأُجاجُ الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ.
وقُرِئَ «سَيِّغٌ» بِالتَّشْدِيدِ و «سِيغٌ» بِالتَّخْفِيفِ و «مِلْحٌ» عَلى فِعْلٍ.
﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ اسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، أوْ تَمامُ التَّمْثِيلِ والمَعْنى: كَما أنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ لا يَتَساوَيانِ مِن حَيْثُ إنَّهُما لا يَتَساوَيانِ فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الماءِ، فَإنَّهُ خالَطَ أحَدَهُما ما أفْسَدَهُ وغَيَّرَهُ عَنْ كَمالِ فِطْرَتِهِ، لا يَتَساوى المُؤْمِنُ والكافِرُ وإنِ اتَّفَقَ اشْتِراكُهُما في بَعْضِ الصِّفاتِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ لِاخْتِلافِهِما فِيما هو الخاصِّيَّةُ العُظْمى وهي بَقاءُ أحَدِهِما عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ دُونَ الآخَرِ، أوْ تَفْضِيلٌ لِلْأُجاجِ عَلى الكافِرِ بِما يُشارِكُ فِيهِ العَذْبَ مِنَ المَنافِعِ.
والمُرادُ بِـ ( الحِلْيَةِ ) اللَّآلِئُ واليَواقِيتُ.
﴿ وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ ﴾ في كُلٍّ.
﴿ مَواخِرَ ﴾ تَشُقُّ الماءَ بِجَرْيِها.
﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن فَضْلِ اللَّهِ بِالنَّقْلَةِ فِيها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( مَواخِرَ )، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ عَلى ذَلِكَ وحَرْفُ التَّرَجِّي بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا} أي أحدهما {عَذْبٌ فُرَاتٌ} شديد العذوبة وقيل هو الذي يكسر العطش {سائغ شرابه} مرى وسهل الانحدار لعذوبته وبه يرتفع شرّابه {وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} شديد الملوحة وقيل هو الذى يحرق بلموحته {وَمِن كُلِّ} ومن كل واحد منهما {تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} وهو السمك {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وهى
فاطر (١٥ - ١٢)
الؤلؤ والمرجان {وَتَرَى الفلك فِيهِ} في كل {مَوَاخِرَ} شواقّ للماء بجريها يقال مخرت السفينة الماء أى شقته وهى ماخرة {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} من فضل الله ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ولولم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه {وَلَعَلَّكُمْ تشكرون} الله على ماآتاكم من فضله ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علّق بهما من نعمته وعطائه ويحتمل غير طريقة الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثم قال وَإِنَّ مِنَ الحجارة لما يتفجر منهالانهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خشية الله
﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ هَذا ﴿ عَذْبٌ ﴾ طَيِّبٌ ﴿ فُراتٌ ﴾ كاسِرُ العَطَشِ ومُزِيلُهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى هَذا عَلى طُرُزِ: أسْوَدُ حالِكٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ.
﴿ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ سَهْلٌ اِنْحِدارُهُ لِخُلُوِّهِ مِمّا تَعافُهُ النَّفْسُ.
وقَرَأ عِيسى «سَيِّغٌ» كَمَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، وقَرَأ عِيسى أيْضًا «سَيْغٌ» كَمَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ وهَذا مِلْحٌ ﴾ مُتَغَيِّرٌ طَعْمُهُ التَّغَيُّرَ المَعْرُوفَ، وقَرَأ أبُو نَهِيكَ وطَلْحَةُ «مَلِحٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الرّازِيُّ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا مِن مالِحٍ لِلتَّخْفِيفِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى وُرُودِ مالِحٍ والحَقُّ وُرُودُهُ بِقِلَّةٍ، ولَيْسَ بِلُغَةٍ رَدِيئَةٍ كَما قِيلَ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ المَلِحِ والمالِحِ بِأنَّ المَلِحَ الماءُ الَّذِي فِيهِ الطَّعْمُ المَعْرُوفُ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ كَماءِ البَحْرِ، والمالِحَ الماءُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ مِلْحٌ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ ولا يُقالُ فِيهِ إلّا مالِحٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَرِدْ مالِحٌ أصْلًا، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِالمَلِيحِ.
﴿ أُجاجٌ ﴾ شَدِيدُ المُلُوحَةِ والحَرارَةِ مِن قَوْلِهِمْ أجِيجُ النّارِ وأجَّتُها، ومِن هُنا قِيلَ هو الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِن كُلٍّ ﴾ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ أيْ غَضًّا جَدِيدًا وهو السَّمَكُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ الطَّيْرُ والسَّمَكُ، واخْتارَ كَثِيرٌ الأوَّلَ، والتَّعْبِيرُ عَنِ السَّمَكِ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا قِيلَ لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ، ووَصْفُهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى المُسارَعَةِ إلى أكْلِهِ لِئَلّا يَتَسارَعُ إلَيْهِ الفَسادُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَعْلُ كُلٍّ مِنَ البَحْرِينِ مَبْدَأ أكْلِهِ.
واسْتَدَلَّ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ بِالآيَةِ - حَيْثُ سُمِّيَ فِيها السَّمَكُ لَحْمًا - عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وأكَلَ سَمَكًا، وقالَ غَيْرُهُما: لا يَحْنَثُ لِأنَّ مَبْنى الأيْمانِ عَلى العُرْفِ، وهو فِيهِ لا يُسَمّى لَحْمًا، ولِذَلِكَ لا يَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ دابَّةً في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِ ﴿ لَحْمًا ﴾ لَحْمُ السَّمَكِ ودَعْوى التَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِالسَّمَكِ في الأكْلِ لا أظُنُّها تامَّةً.
﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ ﴾ ظاهِرُهُ ومِن كُلٍّ تَسْتَخْرِجُونَ ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ والحِلْيَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ويَلْبَسُ ذَلِكَ الرِّجالُ والنِّساءُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ اللُّبْسِ، أوْ يُقالُ: عَبَّرَ عَنْ لُبْسِ نِسائِهِمْ بِلُبْسِهِمْ لِكَوْنِهِنَّ مِنهم أوْ لِكَوْنِ لُبْسِهِنَّ لِأجْلِهِمْ، ولا نَعْلَمُ حِلْيَةً تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ، ولا يَظْهَرُ هُنا اِعْتِبارُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ كَما اُعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ وكَوْنُ بَعْضِ الصُّخُورِ الَّتِي في مَجارِي السُّيُولِ قَدْ تُكْسَرُ فَيُوجَدُ فِيها ماسٌ وهو حِلْيَةٌ تُلْبَسُ إنْ صَحَّ لا يَنْفَعُ اِعْتِبارُهُ هُنا، إذْ لَيْسَ فِيهِ اِسْتِخْراجُ الحِلْيَةِ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ ظاهِرًا، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِلْيَةُ المُسْتَخْرَجَةُ مِن ذَلِكَ عِظامَ السَّمَكِ الَّتِي يُصْنَعُ مِنها قَبَضاتٌ لِلسُّيُوفِ والخَناجِرِ مَثَلًا فَتُحْمَلُ ويُتَحَلّى بِها، وفِيهِ ما فِيهِ لا سِيَّما إذا كانَتِ الحِلْيَةُ كالحُلِيِّ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَصْنُوعِ المَعْدِنِيّاتِ أوِ الحِجارَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخْرُجَ اللُّؤْلُؤُ مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ وإنْ لَمْ نَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ.
وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِلْخَلاصِ مِنَ القِيلِ والقالِ أنَّ المُرادَ وتَسْتَخْرِجُونَ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ خاصَّةً حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ويُشْعِرُ بِهِ كَلامُ السُّدِّيِّ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اِسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَتْمِيمٌ وتَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ولَيْسَ مِن تَرْشِيحِ الِاسْتِعارَةِ كَما زَعَمَ الطِّيبِيُّ في شَيْءٍ، بَلْ إنَّما هو اِسْتِدْراكٌ لِدَعْوى الِاشْتِراكِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أقْوى، وهَذا الِاسْتِدْراكُ مَخْصُوصٌ بِالمِلْحِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ بِالبَحْرَيْنِ ثُمَّ فَضَّلَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ بِأنَّهُ قَدْ شارَكَ الفُراتَ في مَنافِعَ، والكافِرُ يَخْلُو مِنَ النَّفْعِ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ البَحْرَيْنِ وإنِ اِشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ تَفاوَتا فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِأنَّ أحَدَهُما خالَطَهُ ما لَمْ يُبْقِهِ عَلى صَفاءِ فِطْرَتِهِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإنِ اِتَّفَقَ اِتِّفاقُهُما في بَعْضِ المَكارِمِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ مُتَفاوِتانِ فِيما هو الأصْلُ لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ دُونَ الآخَرِ، فَجُمْلَةُ ﴿ ومِن كُلٍّ ﴾ إلخ حالِيَّةٌ.
وعِنْدِي خَيْرُ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ أوْسَطُها، وعَلى كُلٍّ يَحْصُلُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ كَيْفَ يُناسِبُ ذِكْرُ مَنافِعِ البَحْرِ المِلْحِ وقَدْ شُبِّهَ بِهِ الكافِرُ؟
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ إلخ لِبَيانِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا مِن أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ هو المَشْهُورُ رِوايَةً ودِرايَةً وفِيهِ مِن مَحاسِنِ البَلاغَةِ ما فِيهِ.
﴿ وتَرى الفُلْكَ ﴾ السُّفُنَ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ في كُلٍّ مِنهُما، وانْظُرْ هَلْ يَحْسُنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْبَحْرِ المِلْحِ لِانْسِياقِ الذِّهْنِ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ اِسْتِخْراجُها مِنهُ خاصَّةً، وأمْرُ الفُلْكِ فِيهِ أعْظَمُ مِن أمْرِها في البَحْرِ العَذْبِ، ولِذا اِقْتَصَرَ عَلى رُؤْيَةِ الفُلْكِ فِيهِ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ الخِطابِ مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ.
﴿ مَواخِرَ ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ يُجْرِيها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ فالمَخْرُ الشِّقُّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ مَخَرَتُ السَّفِينَةُ مَخْرًا ومُخُورًا إذا شَقَّتِ الماءَ بِجُؤْجُئِها، وفي الكَشّافِ يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ الماءَ، ويُقالُ لِلسَّحابِ بَناتُ مَخْرٍ لِأنَّها تَمْخُرُ الهَواءَ، والسَّفْنُ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنهُ السَّفِينَةُ قَرِيبٌ مِنَ المَخْرِ لِأنَّها تَسْفِنُ الماءَ كَأنَّها تُقَشِّرُهُ كَما تَمْخُرُهُ، وقِيلَ المَخْرُ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ، وجاءَ في سُورَةِ: ﴿ وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ بِتَقْدِيمِ ﴿ مَواخِرَ ﴾ وتَأْخِيرِ ( فِيهِ ) وعُكِسَ هاهُنا فَقِيلَ في وجْهِهِ لِأنَّهُ عُلِّقَ ( فِيهِ ) هُنا بِ تَرى وثَمَّتْ بِمَواخِرَ، ولا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.
واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّ آيَةَ النَّحْلِ سِيقَتْ لِتَعْدادِ النِّعَمِ كَما يُؤْذِنُ بِذاكَ سَوابِقُها ولَواحِقُها، وتَعْقِيبُ الآياتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ فَكانَ الأهَمُّ هُناكَ تَقْدِيمَ ما هو نِعْمَةٌ وهو مَخْرُ الفُلْكِ لِلْماءِ بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّهُ إنَّما سِيقَ اِسْتِطْرادًا أوْ تَتِمَّةً لِلتَّمْثِيلِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَقُدِّمَ فِيهِ ( فِيهِ ) إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الِاهْتِمامَ بِما هُناكَ اِقْتَضى أنْ يُقالَ في تِلْكَ الآيَةِ ( ولِتَبْتَغُوا ) بِالواوِ، ومُخالَفَةُ ما هُنا لِذَلِكَ اِقْتَضَتْ تَرْكَ الواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، وهو سُبْحانُهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَقَدْ جَرى لَهُ تَعالى ذِكْرٌ فِيما قَبْلَها ولَوْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يُشْكِلْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَواخِرَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ كَ سَخَّرَ البَحْرَيْنِ وهَيَّأهُما أوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَعْرِفُونَ حُقُوقَهُ تَعالى فَتَقُومُونَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ.
ولَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ: هي لِلتَّرَجِّي، ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ تَعالى كانَ المُرادُ اِقْتِضاءَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ لِلشُّكْرِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَرَجّاهُ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها فَهو تَمْثِيلٌ يَؤُولُ إلى أمْرِهِ تَعالى بِالشُّكْرِ لِلْمُخاطَبِينَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: طيّب هيّن شربه.
ويقال: سلس في حلقه، حلو في شرابه سائِغٌ يعني: شهياً.
ويقال: يسوغه الشراب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ يعني: الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا يعني: السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من المالح حِلْيَةً وهي اللؤلؤ تَلْبَسُونَها يعني: تستعملونها، وتلبسون نساءكم.
وهذا المثل لأصحاب النبيّ مع الكفار يعني: وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا.
ومن كل يظهر شيء من الصلاح يعني: يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل.
قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ يعني: السفن مَواخِرَ يعني: تذهب وتجيء فِيهِ يعني: في البحر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني: لكي تشكروا رب هذه النعمة.
يقال في اللغة مخر يمخر إذا شقّ الماء.
يعني: أن السفينة تشق الماء في حال جريها.
يقال: مخرت السفينة إذا جرت وشقت الماء في جريها.
ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وقد ذكرناه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلّل الشمس والقمر لبني آدم.
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازلها في الغروب، لأنها تغرب كل ليلة في موضع.
وهو قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 30] ويقال: إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى يعني: يجريان دائماً إلى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ربكم وخالقكم لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده، وادعوه ولا تدعوا غيره وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: من دون الله الأوثان وما يعبدونهم مِن دُونِ الله مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ يعني: لا يقدرون أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير.
والقطمير قشر النواة الأبيض الذي يكون بين النوى والتمر.
وقال مجاهد: القطمير لفاف النوى.
ثم قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ يعني: ولو كانوا بحال يسمعون أيضاً فلا يجيبونكم، ولا يكشفون عنكم شيئاً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يعني: يتبرؤون من عبادتكم.
ويقولون: مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.
يقول الله تعالى لمحمد : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني: لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى.
ويقال: لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن عبادتهم.
<div class="verse-tafsir"
العِزَّةِ، أي: بِهِ، وَعَنْ أَوَامِرِه، لاَ تُنَالُ عِزَّتُهُ إلاَّ بِطَاعَتِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ «١» قَتَادَةُ.
وَقَوْلهُ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أي: التوحيدُ، والتحميدُ، وذكر الله ونحوه.
وقوله تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قيل: المعنى يرفعه الله، وهذا أرجحُ الأقوال.
وقال ابن عباس «٢» وغيره: إن العملَ الصالح هو الرافعُ للكَلِم، وهذا التأويل إنما يستقيمُ بأن يتأوَّل على معنى أنه يَزِيد في رفعه وحُسْن موقعِه.
ت: وعن ابن مسعودٍ قال: «إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه: «إن العبد إذا قال: «سبحان الله والحمد للَّه والله أكبر وتبارك الله» قَبَضَ عليهن ملك فضمَّهن تحت جَنَاحه وصَعَدَ بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُجَاء بهن وجهُ الرحمن سبحانه.
ثم تلا عبد الله بن مسعود:
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» «٣» .
رواه الحاكم في «المستدرك» وقال:
صحيح الإِسناد: انتهى من «السلاح» .
ويَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات.
ويَبُورُ معناه: يفسد ويبقى لا نفع فيه.
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ الآية.
قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويجَ الرجالِ النساءَ، والضميرُ في عُمُرِهِ قال ابن عباس وغيره، ما مقتضاه: أنه عائد على مُعَمَّرٍ الذي هو اسم جنس «١» والمراد غيرُ الذي يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مَرَّ حَوْلٌ كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول فهذا هو النقص.
قال ابن جبير: فما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمره «٢» .
وقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تقدم تفسير نظير هذه الآية.
وقوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الآية: الأجل المسمَّى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، وآماد النهار، والقِطْمِير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة.
وقال الضحاك وغيره: القِطْمِير القِمَعُ الذي في رأس التمرة «٣» ، والأول أشهرُ وأصوبُ.
ثم بيَّن تعالى بطلانَ الأصنام بثلاثة أشياءَ: أوَّلُها: أنها لا تسمع إنْ دُعِيَتْ، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه لأن القائل متعسف أن يقول:
عساها تسمع، والثالثُ: أنها تَتَبَرَّأ يوم القيامة من الكفرة.
وقوله تعالى: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون: الخبيرُ هنا هو الله سبحانه فهو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي نَسْلَهُ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، ذُكُورًا وإناثًا؛ قالَ قَتادَةُ: زَوَّجَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ أيْ: ما يَطُولُ عُمُرُ أحَدٍ ﴿ وَلا يُنْقَصُ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: " يَنْقُصُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ ﴿ مِن عُمُرِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ آخَرَ، فالمَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ آخَرَ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما كُنِّيَ عَنْهُ كَأنَّهُ الأوَّلُ، لِأنَّ لَفْظَ الثّانِي لَوْ ظَهَرَ كانَ كالأوَّلِ،كَأنَّهُ قالَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ؛ والمَعْنى: ونِصْفٌ آخَرُ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُعَمَّرِ المَذْكُورِ؛ فالمَعْنى: ما يَذْهَبُ مِن عُمُرِ هَذا المُعَمَّرِ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ إلّا وذَلِكَ مَكْتُوبٌ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَكْتُوبٌ في أوَّلِ الكِتابِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، ذَهَبَتْ ثَلاثَةٌ، إلى أنْ يَنْقَطِعَ عُمُرُهُ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ في آخَرِينَ.
فَأمّا الكِتابُ، فَهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى كِتابَةِ الآجالِ.
والثّانِي: إلى زِيادَةِ العُمُرِ ونُقْصانِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَعْنِي العَذْبَ والمِلْحَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها قَدْ سَبَقَ بَيانُها [الفَرْقانِ: ٥٣، النَّحْلِ: ١٤، آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهم أسْماعًا ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إجابَةٌ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِكم ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِالأشْياءِ، يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أخْبَرَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى يَسْتَدِلُّ بِها كُلُّ عاقِلٍ، ويَقْطَعُ أنَّها مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، و"البَحْرانِ" يُرِيدُ بِهِما جَمِيعَ الماءِ المِلْحِ وجَمِيعَ الماءِ العَذْبِ حَيْثُ كانَ، فَهو يَعْنِي بِهِ جُمْلَةَ هَذا وجُمْلَةَ هَذا، و"الفُراتُ": الشَدِيدُ العُذُوبَةِ، و"الأُجاجُ": الشَدِيدُ المُلُوحَةِ الَّتِي تَمِيلُ إلى المَرارَةِ مِن مُلُوحَتِهِ.
قالَ الرُمّانِيُّ: هو مِن: أجَّجْتُ النارَ، كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن حَرارَتِهِ.
وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "سَيِّغٌ شَرابُهُ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ.
وَ"اللَحْمُ الطَرِيُّ": الحُوتُ، وهو مَوْجُودٌ في البَحْرَيْنِ، وكَذَلِكَ الفُلْكُ تَجْرِي في البَحْرَيْنِ، وبَقِيَتِ الحِلْيَةُ وهي اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ الحِلْيَةَ تَخْرُجُ مِنهُما، وهي إنَّما تَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وذَلِكَ يَجُوزُ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ ، والرُسُلُ إنَّما هي مِنَ الإنْسِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: بَلِ الحِلْيَةُ تَخْرُجُ مِنَ البَحْرَيْنِ؛ وذَلِكَ أنَّ صَدَفَ اللُؤْلُؤِ إنَّما يَلْحَقُهُ - فِيما يَزْعُمُونَ - ماءُ السَماءِ، فَمِنهُ ما يُخْرَجُ ويُوجَدُ الجَوْهَرُ فِيهِ، ومِنهُ ما يَنْشَقُّ في البَحْرِ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَقْطَعُهُ فَيَخْرُجُ جَوْهَرُهُ بِالعَطَشِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحِيَلِ، فَهَذا هو مِنَ الماءِ الفُراتِ، فَنُسِبَ إلَيْهِ الإخْراجُ لِما كانَ مِنَ الحِلْيَةِ بِسَبَبٍ، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ الفُراتَ كُلَّهُ يَنْصَبُّ في البَحْرِ الأُجاجِ فَيَجِيءُ الإخْراجُ مِنهُما جَمِيعًا، وقَدْ خُطِّئَ أبُو ذُؤَيْبٍ في قَوْلِهِ في صِفَةِ الجَوْهَرِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِمِيَّةِ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِخَطَإٍ عَلى ما ذَكَرْنا مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ.
و"الفُلْكَ" في هَذا المَوْضِعِ جَمْعٌ بِدَلِيلِ صِفَتِهِ بِجَمْعٍ.
و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، وهي الَّتِي تَمْخُرُ الماءَ، أيْ تَشُقُّهُ، وقِيلَ: الماخِرَةُ: الَّتِي تَشُقُّ الرِيحَ، وحِينَئِذٍ يَحْدُثُ الصَوْتُ، والمَخْرُ: الصَوْتُ الَّذِي يَحْدُثُ مِن جَرْيِ السَفِينَةِ بِالرِيحِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن هَذا بِعِباراتٍ لا تَخْتَصُّ بِاللَفْظَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَواخِرُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرِيحُ تَمْخُرُ السُفُنَ، ولا تَمْخُرُ الرِيحُ مِنَ السُفُنِ إلّا الفَلَكَ العِظامَ، هَكَذا وقَعَ لَفْظُهُ في البُخارِيِّ، والصَوابُ أنْ تَكُونَ الفُلْكُ هي الماخِرَةُ لا المَمْخُورَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [لِتَبْتَغُوا]﴾ يُرِيدُ بِالتِجارَةِ والحَجِّ والغَزْوِ وكُلِّ سَفَرٍ لَهُ وجْهٌ شَرْعِيٌّ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد الله تعالى بالإِلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، على عظيم مخلوقات الله تعالى، فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالاً على دقيق صنع الله تعالى كقوله: ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ [الرعد: 4] ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما.
فالتقدير: وخلق البحرين العذب والأُجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى.
وفي «الكشاف»: ضرب البحرين العذب والمالح مثلاً للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ .
والبحر في كلام العرب: اسم للماء الكثير القار في سعة، فالفرات والدجلة بَحْران عذْبان وبحر خليج العجم ملح.
وتقدم ذكر البحرين عند قوله تعالى: ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ في سورة الفرقان (53) وقد اتحدا في إخراج الحيتان والحلية، أي اللؤلؤ والمرجان، وهما يوجد أجودُهما في بحر العجم حيث مصبّ النهرين، ولماء النهرين العذب واختلاطه بماء البحر الملح أثر في جودة اللؤلؤ كما بيّناه فيما تقدم في سورة النحل، فقوله: ومن كل تأكلون لحماً طرياً } كُلِّيّةٌ، وقوله: ﴿ وتستخرجون حلية ﴾ كلُّ لاَ كلية لأن من مجموعها تستخرجون حلية.
وكلمة ﴿ كل ﴾ صالحة للمعنيين، فعطف ﴿ وتستخرجون ﴾ من استعمال المشترك في معنييه.
فالاختلاف بين البحرين بالعذوبة والملوحة دليل على دقيق صنع الله.
والتخالف في بعض مستخرجاتهما والتماثل في بعضها دليل آخر على دقيق الصنع وهذا من أفانين الاستدلال.
والعذب: الحلو حلاوة مقبولة في الذوق.
والملح بكسر الميم وسكون اللام: الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ملح فيه، فأما الشيء الذي يلقى فيه الملح حتى يكتسب ملوحة فإنما يقال له: مَالح، ولا يقال: ملح.
ومَعنى: ﴿ سائغ شرابه ﴾ أن شربه لا يكلف النفس كراهة، وهو مشتق من الإِساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره.
قال عبد الله بن يَعرب: فساغ لي الشراب وكنت قبْلاً *** أكاد أغُصّ بالماء الحميم والأجاج: الشديد الملوحة، وتقدم ذكر البحر في قوله تعالى: ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ في سورة الأنعام (59)، وبقية الآية تقدم نظيره في أول سورة النحل.
وتقديم الظرف في قوله: فيه مواخر} على عكس آية سورة النحل، لأن هذه الآية مسوقة مساق الاستدلال على دقيق صنع الله تعالى في المخلوقات وأُدمج فيه الامتنان بقوله: {تأكلون.
...
وتستخرجون حلية } وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ فكان المقصد الأول من سياقها الاستدلال على عظيم الصنع فهو الأهم هنا.
ولما كان طُفُو الفلك على الماء حتى لا يَغْرِق فيه أظهرَ في الاستدلال على عظيم الصنع من الذي ذكر من النعمة والامتنان قدم ما يدل عليه وهو الظرفية في البحر.
والمخر في البحر آية صنع الله أيضاً بخلق وسائل ذلك والإِلهام له، إلاّ أن خطور السفر من ذلك الوصف أو ما يتبادر إلى الفهم فأخر هنا لأنه من مستتبعات الغرض لا من مقصده فهو يستتبع نعمة تيسير الأسفار لقطع المسافات التي لو قطعت بسير القوافل لطالت مدة الأسفار.
ومن هنا يلمعُ بارقُ الفرققِ بين هذه الآية وآية سورة النحل في كون فعل ﴿ لتبتغوا ﴾ غير معطوف بالواو هنا ومعطوفاً نظيره في آية النحل لأن الابتغاء علق هنا ب ﴿ مواخر ﴾ إيقافاً على الغرض من تقديم الظرف، وفي آية النحل ذكر المخر في عداد الامتنان لأنه به تيسيرَ الأسفار، ثم فصل بين ﴿ مواخر ﴾ وعلته بظرف ﴿ فيه ﴾ ، فصار ما يؤمئ إليه الظرفُ فصلاً بغرض أُدمج إدماجاً وهو الاستدلال على عظيم الصنع بطُفوّ الفلك على الماء، فلما أريد الانتقال منه إلى غرض آخر وهو العود إلى الامتنان بالمخر لنعمة التجارة في البحر عطف المغاير في الغرض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَسْتَوِيانِ في أنْفُسِهِما.
الثّانِي: في مَنافِعِ النّاسِ بِهِما.
﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ والفُراتُ هو العَذْبُ وذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ كَما يُقالُ هَذا حَسَنٌ جَمِيلٌ.
﴿ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ أيْ ماؤُهُ.
﴿ وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ أيْ مُرٌّ مَأْخُوذٌ مِن أجَّةِ النّارِ كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن شِدَّةِ المَرارَةِ، قالَ الشّاعِرُ: دُرَّةٌ في اليَمِينِ أخْرَجَها بِالِغًا مِن قَعْرِ بَحْرٍ مِلْحٌ أُجاجُ ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ يَعْنِي لَحْمَ الحِيتانِ مَأْكُولٌ مِن كِلا البَحْرَيْنِ.
﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ المِلْحِ، ويَكُونُ المُرادُ أحَدَهُما وإنْ عُطِفَ بِالكَلامِ عَلَيْهِما.
وَقِيلَ: بَلْ هو مَأْخُوذٌ مِنهُما لِأنَّ في البَحْرِ عُيُونًا عَذْبَةً، وما بَيْنَهُما يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ عِنْدَ التَّمازُجِ وقِيلَ مِن مَطَرِ السَّماءِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ تَلْبَسُونَها ﴾ وإنْ لَبِسَها النِّساءُ دُونَ الرِّجالِ لِأنَّ جَمالَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
﴿ وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ ورِيحٌ واحِدَةٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: مَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ الشّاعِرُ تَراها إذا راحَتْ ثِقالًا كَأنَّها ∗∗∗ مَواخِرُ فُلْكٍ أوْ نَعامٌ حَوافِلُ الثّالِثُ: مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو وائِلٍ.
الرّابِعُ: جِوارِيَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الخامِسُ: تَمْخُرُ الماءَ أيْ تَشُقُّهُ في جَرْيِها شَقًّا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: التِّجارَةُ في الفُلْكِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ ما يُسْتَخْرَجُ مِن حِلْيَتِهِ ويُصادُ مِن حِيتانٍ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ \[فِيهِ وجْهانِ\]: أحَدُهُما: عَلى ما آتاكم مِن نِعَمِهِ.
الثّانِي: عَلى ما آتاكم مِن فَضْلِهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلى ما أنْجاكم مِن هَوْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ﴾ قال: الأجاج المر ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ أي منهما جميعاً ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ هذا اللؤلؤ ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ قال: السفن مقبلة ومدبرة تجري بريح واحدة ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ قال: نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ قال: أجل معلوم، وحد لا يتعداه ولا يقصر دونه ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ يقول: هو الذي سخر لكم هذا.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر فقال: بحران لا يضرك من أيهما توضأت.
ماء البحر، وماء الفرات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً ﴾ قال: السمك ﴿ وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ قال: اللؤلؤ من البحر الأجاج.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما يملكون من قطمير ﴾ قال: القطمير القشر، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: الجلدة البيضاء التي على النواة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: لم أنل منهم بسطاً ولا زبداً ** ولا فوفة ولا قطميرا وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: القطمير الذي بين النواة والتمرة، القشر الأبيض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قطمير ﴾ قال: لفافة النواة كسحاة البصلة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ من قطمير ﴾ قال: رأس التمرة يعني القمع.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ ﴾ يعني العذب والمالح.
ثم ذكر ذلك فقال ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ ﴾ أي: جائز في الخلق.
وهذه القطعة مر تفسيرها في سورة الفرقان (١) وقوله: ﴿ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ ﴾ إلى آخر الآية تفسيره قد سبق في سورة النحل (٢) ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يعني: من المالح دون العذب.
(١) عند قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ آية 53.
وقال هناك: عذب طيب.
وأصله من المنع، والماء العذب هو الذي يمنع العطش، فرات الفراة أعذب المياه.
(٢) آية 14.
انظر: "البسيط"، وذكر فيه: قال ابن عباس: يريد السمك والحيتان.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَسْتَوِي البحران ﴾ قد فسرنا البحرين الفرات والأجاج في [الفرقان: 53] وسائغ في [النحل: 66]، والقصد بالآية التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده، وقال الزمخشري: إن المعنى أن الله ضرب للبحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر وهذا بعيد ﴿ لَحْماً طَرِيّاً ﴾ يعني الحوت السمك ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يعني الجوهر والمرجان، فإن قيل: إن الحلية لا تخرج إلا من البحر الملح دون العذب، فكيف قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ ﴾ أي من كل واحد منهما؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أن ذلك تجوّز في العبارة كما قال: ﴿ يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ ﴾ [الأنعام: 130] والرسل إنما هي من الإنس.
الثاني أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح حيث تنصب أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصب في البحر الملح كان الإخراج منهما جميعاً.
الثالث زعم قومٌ أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول يبطله الحس أي الواقع ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ ذكر في [النحل: 14].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .
أي: كذلك يحيي الموتى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ .
قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعاً، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ أي: العزة والتعزيز ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [لا] بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ ، وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ .
اختلف فيه: قال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو الوعد الحسن، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدٌ.
قال بعضهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك [إلا] لله.
وقال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.
وبعض أهل التأويل: [قال:] يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.
وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.
وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.
وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ ، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ .
﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة التقدير.
وقوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .
أي: قدركم أيضاً مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.
أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: خلقكم من ذلك ذكراً وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجاً أصنافاً.
وفي حرف ابن مسعود: ﴿ والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجاً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ ﴾ من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه ﴿ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا، يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كان منه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبيناً هكذا مطولا.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ : في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال صاحب هذا [التأويل:] إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على الله هين.
وقال آخر قريباً من هذا في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ في جري الليل والنهار والساعات ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، وذلك أن الله - - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهون إليه.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب يسير هين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ .
فيه وجوه من المعتبر: أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل هنالك داراً يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع [الدنيا] وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.
والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئاً لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرّاً مالحاً أجاجاً ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشأه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئاً لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحاً لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.
والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعاً اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.
ويذكرهم أيضاً عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.
أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السيئ.
وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.
وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .
يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقاً ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أوّل ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعاً مدبراً أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأساً على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد [هذا إثباته أراد] الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضاً؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة.
ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعباً باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.
فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.
وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله [الله] لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟!
حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن الله على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك.
ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي: لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ ﴾ أي: تعبدوهم ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.
أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ﴾ ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...
﴾ الآية [مريم: 82]، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.
أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.
وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة [كانت الظلمة] هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوباً مقهرواً في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبداً، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضاً وقهر بعضهم بعضاً أن يهلك ولا يتخلص منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول والقوة.
والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.
وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحدة وجمعه سواء.
<div class="verse-tafsir"
ولا يتساوى البحران: أحدهما عذب شديد العذوبة، سهل شربه لعذوبته، والثاني ملح مرّ لا يمكن شربه لشدة ملوحته، ومن كل من البحرين المذكورين تأكلون لحمًا طريًّا هو السمك، وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان تلبسونهما زينة، وترى السفن -أيها الناظر- تشقُّ بجَرْيِها البحرَ مُقبلة ومدبرة، لتطلبوا من فَضل الله بالتجارة، ولعلكم تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من نعمه الكثيرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.nrNk6"