الآية ١٨ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ١٨ من سورة فاطر

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي : يوم القيامة ، ( وإن تدع مثقلة إلى حملها ) أي : وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه ، ( لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) ، أي : ولو كان قريبا إليها ، حتى ولو كان أباها أو ابنها ، كل مشغول بنفسه وحاله ، [ كما قال تعالى : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) ] [ عبس : 34 - 37 ] .

قال عكرمة في قوله : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها ) الآية ، قال : هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة ، فيقول : يا رب ، سل هذا : لم كان يغلق بابه دوني .

وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة ، فيقول له : يا مؤمن ، إن لي عندك يدا ، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا ؟

وقد احتجت إليك اليوم ، فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يرده إلى [ منزل دون ] منزله ، وهو في النار .

وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة ، فيقول : يا بني ، أي والد كنت لك ؟

فيثني خيرا ، فيقول له : يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى .

فيقول له ولده : يا أبت ، ما أيسر ما طلبت ، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف ، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا ، ثم يتعلق بزوجته فيقول : يا فلانة - أو : يا هذه - أي زوج كنت لك ؟

فتثني خيرا ، فيقول لها : إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبينها لي ، لعلي أنجو بها مما ترين .

قال : فتقول : ما أيسر ما طلبت .

ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا ، إني أتخوف مثل الذي تتخوف ، يقول الله : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها ) الآية ، ويقول الله : ( لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) [ لقمان : 33 ] ، ويقول تعالى : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) رواه ابن أبي حاتم رحمه الله ، عن أبي عبد الله الطهراني ، عن حفص بن عمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، به .

ثم قال : ( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ) أي : إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى ، الخائفون من ربهم ، الفاعلون ما أمرهم به ، ( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) أي : ومن عمل صالحا فإنما يعود نفعه على نفسه ، ( وإلى الله المصير ) أي : وإليه المرجع والمآب ، وهو سريع الحساب ، وسيجزي كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها(وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) يقول تعالى: وإن تسأل ذاتُ ثِقَل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) يقول: يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ) كنحو (لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا) إلى ذنوبها(لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) أي: قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئًا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، ونصب " ذَا قُرْبَى " على تمام " كان " لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها.

وأنثت " مثقلة " لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها، وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى كما قيل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ يعني بذلك: كل ذكر وأنثى.

وقوله ( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنبأتهم عن الله، فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قول: ( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) أي: يخشون النار.

وقوله (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم.

وقوله (وَمَنْ تَزَكَّى فإِنَّمَا يَتَزكَّى لِنَفْسِهِ) يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته.

فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) أي: من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه.

وقوله (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تقدم الكلام فيه ، وهو مقطوع مما قبله .

والأصل ( توزر ) حذفت الواو اتباعا ليزر .

( وازرة ) نعت لمحذوف ، أي نفس وازرة .

وكذا وإن تدع مثقلة إلى حملها قال الفراء : أي نفس مثقلة أو دابة .

قال : وهذا يقع للمذكر والمؤنث .

قال الأخفش : أي وإن تدع مثقلة إنسانا إلى حملها وهو ذنوبها .

والحمل ما كان على الظهر ، والحمل حمل المرأة وحمل النخلة ; حكاهما الكسائي بالفتح لا غير .

وحكى ابن السكيت أن حمل النخلة يفتح ويكسر .

لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى التقدير على قول الأخفش : ولو كان الإنسان المدعو ذا قربى .

وأجاز الفراء ولو كان ذو قربى .

وهذا جائز عند سيبويه ، ومثله وإن كان ذو عسرة فتكون كان بمعنى وقع ، أو يكون الخبر محذوفا ; أي وإن كان فيمن تطالبون ذو عسرة .

وحكى سيبويه : الناس مجزيون بأعمالهم إن خير فخير ; على هذا .

وخيرا فخير ; على الأول .وروي عن عكرمة أنه قال : بلغني أن اليهودي والنصراني يرى الرجل المسلم يوم القيامة فيقول له : ألم أكن قد أسديت إليك يدا ، ألم أكن قد أحسنت إليك ؟

فيقول بلى .

فيقول : انفعني ; فلا يزال المسلم يسأل الله تعالى حتى ينقص من عذابه .

وأن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول : ألم أكن بك بارا ، وعليك مشفقا ، وإليك محسنا ، وأنت ترى ما أنا فيه ، فهب لي حسنة من حسناتك ، أو احمل عني سيئة ; فيقول : إن الذي سألتني يسير ; ولكني أخاف مثل ما تخاف .

وأن الأب ليقول لابنه مثل ذلك فيرد عليه نحوا من هذا .

وأن الرجل ليقول لزوجته : ألم أكن أحسن العشرة لك ، فاحملي عني خطيئة لعلي أنجو ; فتقول : إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه .

ثم تلا عكرمة : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى .

وقال الفضيل بن عياض : هي المرأة تلقى ولدها فتقول : يا ولدي ، ألم يكن بطني لك وعاء ، ألم يكن ثديي لك سقاء ، ألم يكن حجري لك وطاء ; يقول : بلى يا أماه ; فتقول : يا بني ، قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنبا واحدا ; فيقول : إليك عني يا أماه ، فإني بذنبي عنك مشغول .[ ص: 304 ] قوله تعالى : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب أي إنما يقبل إنذارك من يخشى عقاب الله تعالى ، وهو كقوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب .قوله تعالى : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه أي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه .

وقرئ : ( ومن ازكى فإنما يزكى لنفسه ) .

وإلى الله المصير أي إليه مرجع جميع الخلق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويدل على المعنى الأخير، ما ذكره بعده في قوله: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي: في يوم القيامة كل أحد يجازى بعمله، ولا يحمل أحد ذنب أحد.

{ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي: نفس مثقلة بالخطايا والذنوب، تستغيث بمن يحمل عنها بعض أوزارها { لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } فإنه لا يحمل عن قريب، فليست حال الآخرة بمنزلة حال الدنيا، يساعد الحميم حميمه، والصديق صديقه، بل يوم القيامة، يتمنى العبد أن يكون له حق على أحد، ولو على والديه وأقاربه.{ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } أي: هؤلاء الذين يقبلون النذارة وينتفعون بها، أهل الخشية للّه بالغيب، أي: الذين يخشونه في حال السر والعلانية، والمشهد والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها، لأن الخشية للّه تستدعي من العبد العمل بما يخشى من تضييعه العقاب، والهرب مما يخشى من ارتكابه العذاب، والصلاة تدعو إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.{ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } أي: ومن زكى نفسه بالتنقِّي من العيوب، كالرياء والكبر، والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتحلَّى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء.{ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } فيجازي الخلائق على ما أسلفوه، ويحاسبهم على ما قدموه وعملوه، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة ) أي : نفس مثقلة بذنوبها غيرها ( إلى حملها ) أي : إلى حمل ما عليه من الذنوب ( لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) أي : ولو كان المدعو ذا قرابة له؛ ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه .

قال ابن عباس : يلقى الأب والأم ابنه فيقول : يا بني احمل عني بعض ذنوبي .

فيقول : لا أستطيع حسبي ما علي .

( إنما تنذر الذين يخشون ) يخافون ( ربهم بالغيب ) ولم يروه .

وقال الأخفش : تأويله أي : إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب ( وأقاموا الصلاة ومن تزكى ) صلح وعمل خيرا ( فإنما يتزكى لنفسه ) لها ثوابه ( وإلى الله المصير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تزر» نفس «وازرة» آثمة، أي لا تحمل «وزرَ» نفس «أخرى وإن تدع» نفس «مثقلة» بالوزر «إلى حملها» منه أحدا ليحمل بعضه «لا يُحمل منه شيء ولو كان» المدعو «ذا قربى» قرابة كالأب والابن وعدم الحمل في الشقين حكم من الله «إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب» أي يخافونه وما رأوه لأنهم المنتفعون بالإنذار «وأقاموا الصلاة» أداموها «ومن تزكَّى» تطهر من الشرك وغيره «فإنما يتزكَّى لنفسه» فصلاحه مختص به «وإلى الله المصير» المرجع فيجزي بالعمل في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى، وإن تَسْأل نفسٌ مثقَلَة بالخطايا مَن يحمل عنها من ذنوبها لم تجد من يَحمل عنها شيئًا، ولو كان الذي سألتْه ذا قرابة منها من أب أو أخ ونحوهما.

إنما تحذِّر -أيها الرسول- الذين يخافون عذاب ربهم بالغيب، وأدَّوا الصلاة حق أدائها.

ومن تطهر من الشرك وغيره من المعاصي فإنما يتطهر لنفسه.

وإلى الله سبحانه مآل الخلائق ومصيرهم، فيجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن كل نفس تتحمل نتائج أعمالها وحدها فقال : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) .وقوله : ( تَزِرُ ) من الوزر بمعنى الحمل .

يقال : فلان وزر هذا الشئ إذا حمله .

وفعله من باب " وعد " ، وأكثر ما يكون استعمالاً فى حمل الآثم .وقوله ( وَازِرَةٌ ) : صفة لموصوف محذوف .

أى : ولا تحمل نفس آثمة ، إثم نفس أخرى ، وإنما كل نفس مسئولة وحدها عن أفعالها وأقوالها التى باشرتها ، أو تسببت فيها .وقوله : ( وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ) مؤكد لضممون ما قبله ، من مسئولية كل نفس عن أفعالها .وقوله : ( مُثْقَلَةٌ ) صفة لموصوف محذوف ، والمفعول محذوف - أيضاً - للعلم به .وقوله ( حِمْلِهَا ) أى : ما تحمله من الذنوب والآثام ، إذ الحمل - بكسر الحاء - ما يحمله الإِنسان من أمتعة على ظهره أو رأسه أو كتفه .والمعنى : لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، وإن تنطلب نفس مثقلة بالذنوب من نفس أخرى ، أن تحمل عنها شيئاً من ذنوبها التى أثقلتها ، لا تجد استجابة منها ، ولو كانت تلك النفس الأخرى من أقربائها وذوى رحمها .قال - تعالى - : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً .

.

.

) .وقال - سبحانه - : ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : ولا تزر نفس وزر أخرى؟

قلت : لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها ، ولا وزر غيرها .فإن قلت : كيف توفق بين هذا ، وبين قوله : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ) قلت : تلك الآية فى الضالين المضلين ، وأنهم يحملون أثقال إضلالهم لغيرهم ، مع أثقالهم ، وذلك كله أوزارهم ، ما فيها شئ من وزر غيرهم .فإن قلت : فما الفرق بين معنى ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) وبين معنى : ( وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ .

.

) ؟قلت : الأول فى الدلالة على عدل الله - تعالى - فى حكمه ، وأنه - تعالى - لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها .والثانى : فى أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث .

.

وإن كان المستغاث به بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ .

.

فإن قلت : إلام أسند كان فى قوله ( وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ) ؟

قلت : إلى المدعو المفهوم من قوله : ( وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ) .فإن قلت : فلم ترك ذكر المدعو؟

قلت : " ليعم ويشمل كل مدعو " .وقوله - تعالى - : ( إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة ) .كلام مستأنف مسوق لبيان من هم أهل للاتعاظ والاستجابة للحق .أى : أنت - أيها الرسول الكريم - إنما ينفع وعظك وإنذارك .

أولئك العقلاء الذين يخشون ربهم - عز وجل - دون أن يروه ، أو يروا عذابه ، والذين يؤدون الصلاة فى مواقيتها بإخلاص وخشوع واطمئنان .ثم حض - سبحانه - على تزكية النفوس وتطهيرها فقال : ( وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله المصير ) أى : ومن تظهر من دنس الكفر والفسوق والعصيان .

وحض نفسه بالإِيمان ، والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، فإن ثمرة تطهره إنما تعود إلى نفسه وحدها ، وإليها يرجع الأجر والثواب ، والله - تعالى - إليه وحده مصير العباد لا إلى غيره .فالجملة الكريمة دعوة من الله - تعالى - للناس ، إلى تزيكة النفوس وتطهيرها من كل سوء ، بعد بيان أن كل نفس مسئولية وحدها عن نتائج أفعالها ، وأن أحداً لن يبلى طلب غيره فى أن يحمل شيئاً عنه من أوزاره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ متعلق بما قبله، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذباً في دعائه لكان مذنباً وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول: أكابركم ﴿ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم  ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وازرة ﴾ أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول: فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر: وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى، قد يجتمع معها أن لا تزر وزراً أصلاً كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزراً رأساً فقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ ﴾ بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير وأما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ إشارة إلى أن أحداً لا يحمل عن أحد شيئاً مبتدئاً ولا بعد السؤال، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ مُثْقَلَةٌ ﴾ زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولاً: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ فيظن أن أحداً لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادراً على حمله، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه، وأما إذا كان الحمل ثقيلاً قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال: ﴿ مُثْقَلَةٌ ﴾ يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلاً للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء.

المسألة الثالثة: زاد في ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل، أو الأجنبي الذي يرى أجنبياً تحت حمل لا يحمل عنه فقال: ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة، لو كان المسؤول قريباً فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به، ولم يفدهم، فلا تنذر إنذاراً مفيداً إلا الذين تمتلئ قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله: ﴿ الذين آمنواْ ﴾ إشارة إلى عمل القلب ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ إشارة إلى عمل الظواهر فقوله: ﴿ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ في ذلك المعنى، ثم لما بين ﴿ أَن لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى ﴾ بين أن الحسنة تنفع المحسنين.

فقال: ﴿ وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ ﴾ أي فتزكيته لنفسه.

ثم قال تعالى: ﴿ وإلى الله المصير ﴾ أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلاً فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الوزر والوقر: أخوان؛ ووزر الشيء إذا حمله.

والوازرة: صفة للنفس، والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلاّ وزرها الذي اقترفته: لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا: الولي بالولي، والجار بالجار.

فإن قلت: هلا قيل: ولا تزر نفس وزر أخرى؟

ولم قيل وازرة؟

قلت: لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلاّ حاملة وزرها، لا وزر غيرها.

فإن قلت: كيف توفق بين هذا وبين قوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 13] ؟

قلت: تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم.

ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم: ﴿ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم ﴾ [العنكبوت: 12] بقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَيْء ﴾ [العنكبوت: 12] .

فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ وبين معنى: ﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْء ﴾ ؟

قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني: في أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ.

فإن قلت: إلام أسند كان في ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ ؟

قلت: إلى المدعو المفهوم من قوله: ﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ .

فإن قلت: فلم ترك ذكر المدعو؟

قلت: ليعمّ، ويشمل كل مدعوّ.

فإن قلت: كيف استقام إضمار العام؟

ولا يصحّ أن يكون العام ذا قربى للمثقلة؟

قلت: هو من العموم الكائن على طريق البدل.

فإن قلت: ما تقول فيمن قرأ: ﴿ ولو كان ذو قربى ﴾ على كان التامّة، كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ [البقرة: 290] ؟

قلت: نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة؛ لأن المعنى على أن المثقلة إن دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه شيء وإن كان مدعوّها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت: ولو وجد ذو قربى، لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه، على أنّ هاهنا ما ساغ أن يستتر له ضمير في الفعل بخلاف ما أوردته ﴿ بالغيب ﴾ حال من الفاعل أو المفعول، أي: يخشون ربهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه غائباً عنهم.

وقيل: بالغيب في السر، وهذه صفة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فكانت عادتهم المستمرّة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها مناراً منصوباً وعلماً مرفوعاً، يعني: إنما تقدر على إنذار هؤلاء وتحذيرهم من قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرّديهم وأهل عنادهم ﴿ وَمَن تزكى ﴾ ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي.

وقرئ: ﴿ من أزكى فإنما يزكي ﴾ ، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة، لأنهما من جملة التزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ وعد للمتزكين بالثواب.

فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ﴾ بما قبله؟

قلت: لما غضب عليهم في قوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: إنما تنذر كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك، فلم ينفع، فنزل: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ﴾ أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ فَفي الضّالِّينَ المُضِلِّينَ فَإنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَ إضْلالِهِمْ مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ أوْزارُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن أوْزارِ غَيْرِهِمْ.

﴿ وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ نَفْسٌ أثْقَلَها الأوْزارُ.

﴿ إلى حِمْلِها ﴾ تَحَمُّلِ بَعْضِ أوْزارِها.

﴿ لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ﴾ لَمْ تُجَبْ لِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ نَفى أنْ يُحْمَلَ عَنْها ذَنْبُها كَما نَفى أنْ يُحْمَلَ عَلَيْها ذَنْبُ غَيْرِها.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ ولَوْ كانَ المَدْعُوُّ ذا قَرابَتِها، فَأضْمَرَ المَدْعُوَّ لِدَلالَةِ ( إنْ تَدْعُ ) عَلَيْهِ.

وقُرِئَ «ذُو قُرْبى» عَلى حَذْفِ الخَبَرِ وهو أوْلى مِن جَعْلِ كانَ التّامَّةِ فَإنَّها لا تُلائِمُ نَظْمَ الكَلامِ.

﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ، أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ، أوْ غائِبًا عَنْهم عَذابُهُ.

﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالإنْذارِ لا غَيْرَ، واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ لِما مَرَّ مِنَ الِاسْتِمْرارِ.

﴿ وَمَن تَزَكّى ﴾ ومَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ المَعاصِي.

﴿ فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ ﴾ إذْ نَفْعُهُ لَها، وقُرِئَ «وَمَن أزْكى فَإنَّما يُزَكِّي» وهو اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِخَشْيَتِهِمْ وإقامَتِهِمُ الصَّلاةَ لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ التَّزَكِّي.

﴿ وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)

{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى والوزر والوقر أخوان ووزر الشيء إذا حمله والوازرة صفة للنفس والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار وإنما قيل وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها وقوله ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم بقوله وماهم بحاملين من خطاياهم من شىء {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي نفس مثقلة بالذنوب أحداً {إلى حِمْلِهَا} ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك

{لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ} أي المدعو وهو مفهوم من قوله وَإِن تَدْعُ {ذَا قربى} ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ والفرق بين معنى قوله وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ومعنى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء أن الأول دال على عدل الله في حكمه وأن لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى ان نفسا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث وإن كان

فاطر (٢٥ - ١٨)

المدعو بعض قرابتها {إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء {بالغيب} حال من الفاعل أو المفعول أي يخشون ربهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه غائباً عنهم وقيل بالغيب في السر حيث لا اطلاع للغير عليه {وأقاموا الصلاة} في مواقيتها {وَمَن تزكى} تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي {فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ} وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي {وإلى الله المصير} المرجع وهو وعد للمتزكى بالثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ وِزْرَها، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ  ﴾ فَإنَّهُ في الضّالِّينَ المُضِلِّينَ وهم يَحْمِلُونَ إثْمَ إضْلالِهِمْ مَعَ إثْمِ ضَلالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ آثامُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن آثامِ غَيْرِهِمْ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِأثْقالِهِمْ ما كانَ بِمُباشَرَتِهِمْ وبِما مَعَها ما كانَ بِسَوْقِهِمْ وتَسَبُّبِهِمْ، فَهو لِلْمُضِلِّينَ مِن وجْهٍ ولِلْآخَرِينَ مِن آخَرَ.

﴿ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ أيْ نَفْسٌ أثْقَلَتْها الأوْزارُ ﴿ إلى حِمْلِها ﴾ الَّذِي أثْقَلَها ووِزْرِها الَّذِي بَهَظَها لِيُحْمَلَ شَيْءٌ مِنهُ ويُخَفَّفَ عَنْها، وقِيلَ: أيْ إلى حَمْلِ حَمْلِها ﴿ لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ﴾ لَمْ تُجِبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ ولا تَزِرُ ﴾ إلخ نَفْيٌ لِلْحَمْلِ الِاخْتِيارِيِّ تَكَرُّمًا مِن نَفْسِ الحامِلِ رَدًّا لِقَوْلِ المُضِلِّينَ ﴿ ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اُكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ  وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَنَزَلَتْ.

وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنَ الوازِرَةِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ اِخْتِيارًا أوْ جَبْرًا، وإذا لَمْ يُجْبَرْ أحَدٌ عَلى الحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ والِاسْتِعانَةِ عُلِمَ عَدَمُ الجَبْرِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَيَعُمُّ النَّفْيُ أقْسامَ الحَمْلِ كُلَّها، وكَذا الحامِلُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ وازِرًا أمْ لا، وجاءَ العُمُومُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ المَدْعُوِّ ظاهِرًا، وقَدْ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ في الأُولى نَفْيَ حَمْلِ جَمِيعِ الوِزْرِ بِحَيْثُ يَتَعَرّى مِنهُ المَحْمُولُ عَنْهُ، وفي الثّانِي نَفْيَ التَّخْفِيفِ فَلا اِتِّخاذَ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: إنَّ الأوَّلَ نَفْيُ الحَمْلِ إجْبارًا، والثّانِيَ نَفْيٌ لَهُ اِخْتِيارًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا ولا يُوزَرُ عَلى وازِرَةٍ وِزْرُ أُخْرى، وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حَمْلِها أحَدًا لا يَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا، وأيْضًا حَقُّ نَفْيِ الإجْبارِ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بَعْدَ نَفْيِ الِاخْتِيارِ.

وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كَما دَلَّتْ عَلى أنَّ المُثْقَلَ بِالذُّنُوبِ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن ذُنُوبِهِ شَيْئًا دَلَّتْ عَلى عَدْلِهِ تَعالى الكامِلِ، والجُمْلَةَ الثّانِيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا، وهُما المَقْصُودانِ مِنَ الآيَتَيْنِ فالفَرْقُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أوْلى.

وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ في الجُمْلَةِ الأُولى ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ، قالَ في الأخِيرَيْنِ مِنها: لَمْ أرَ مَن تَفْطَنُ لَهُما، وقَدْ أجابَ عَنْ كُلٍّ: الأوَّلُ: أنَّ عَدَمَ حَمْلِ الغَيْرِ عَلى الغَيْرِ عامٌّ في النَّفْسِ الآثِمَةِ وغَيْرِ الآثِمَةِ، فَلِمَ خُصَّ بِالآثِمَةِ مَعَ أنَّ التَّصْرِيحَ بِالعُمُومِ أتَمُّ في العَدْلِ وأبْلَغُ في البِشارَةِ وأخْصَرُ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرى؟

وجَوابُهُ: أنَّ الكَلامَ في أرْبابِ الأوْزارِ المُعَذَّبِينَ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم إنَّما هو بِما اِقْتَرَفُوهُ مِنَ الأوْزارِ لا بِما اِقْتَرَفَهُ غَيْرُهم.

الثّانِي: أنَّ مَعْنى وِزْرٍ حَمْلُ الوِزْرِ لا مُطْلَقُ الحَمْلِ، عَلى ما في النِّهايَةِ الأثِيرِيَّةِ حَيْثُ قالَ: يُقالُ: وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ إذا حَمَلَ ما يُثْقِلُ ظَهْرَهُ مِنَ الأشْياءِ المُثْقَلَةِ ومِنَ الذُّنُوبِ، فَكَيْفَ صَحَّ ذِكْرُ وِزْرٍ مَعَ يَزَرُ؟

وجَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ.

الثّالِثُ: أنَّ وازِرَةً يُفْهَمُ مِن تَزِرُ كَما يُفْهَمُ ضارِبٌ مِن يَضْرِبُ مَثَلًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ؟

وجَوابُهُ: أنَّهُ إذا قِيلَ ضَرَبَ ضارِبٌ زَيْدًا، فاَلَّذِي يُسْتَفادُ مِن ضَرَبَ إنَّما هو ذاتٌ قامَ بِها ضَرْبُ حَدَثٍ مِن تَعَلُّقِ هَذا الفِعْلِ بِتِلْكَ الذّاتِ، ولِما عَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ بِما فِيهِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ وعُلِّقَ بِهِ مَعْنًى مَصْدَرِيٌّ في صِيغَةِ فَعَلَ أوْ غَيْرِها فُهِمَ مِنهُ في عُرْفِ اللُّغَةِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حالَ تَعَلُّقِ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ لا بِسَبَبِهِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ شُرّاحِ الكَشّافِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ضارِبٍ في المِثالِ مُتَّصِفًا بِضَرْبٍ سابِقٍ عَلى تَعَلُّقِ ضَرَبَ بِهِ، وكَذا يُقالُ في ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ .

وهَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ويَزِيدُها جَلالَةً اِسْتِفادَةُ العُمُومِ إذا أُورِدَ اِسْمُ الفاعِلِ نَكِرَةً في حَيِّزِ نَفْيٍ، وبِذَلِكَ يَسْقُطُ قَوْلُ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ إنَّ ذِكْرَ فاعِلِ الفِعْلِ بِلَفْظِ اِسْمِ فاعِلِهِ نَكِرَةً قَلِيلُ الجَدْوى جِدًّا، اِنْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ يُسْتَفادُ ما ذَكَرَهُ في السُّؤالِ الأوَّلِ مِنَ العُمُومِ، وفي خُصُوصِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ وذِكْرِهِما مَعًا ما لا يَخْفى مِنَ الفائِدَةِ، وفي القامُوسِ وزَرَهُ كَوَعَدَهُ وِزْرًا بِالكَسْرِ حَمَلَهُ، وفي الكَشّافِ وزَرَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ونَحْوُهُ في البَحْرِ، وعَلى ذَلِكَ لا حاجَةَ إلى التَّجْرِيدِ فَلا تَغْفُلْ.

وأصْلُ الحَمْلِ ما كانَ عَلى الظَّهْرِ مِن ثَقِيلٍ فاسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي مِنَ الذُّنُوبِ والآثامِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ عَنْ طَلْحَةَ وإبْراهِيمَ عَنِ الكِسائِيِّ «لا تَحْمِلْ» بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ المِيمِ، وتَقْتَضِي هَذِهِ القِراءَةُ نَصْبَ شَيْءٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَحْمِلْ) وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ تَدْعُو المَحْذُوفِ، أيْ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ نَفْسًا إلى حِمْلِها لَمْ تَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا ﴿ ولَوْ كانَ ﴾ أيِ المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اِسْمُ كانَ ضَمِيرُ الدّاعِي، أيْ ولَوْ كانَ الدّاعِي ذا قَرابَةٍ مِنَ المَدْعُوِّ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّ الدّاعِيَ هو المُثْقَلَةُ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ الظّاهِرُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ وتَأْنِيثُهُ.

وقَوْلُ أبِي حَيّانَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلى المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مُثْقَلَةٌ ﴾ لا يُرادُ بِها مُؤَنَّثُ المَعْنى فَقَطْ بَلْ كُلُّ شَخْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَدْعُ شَخْصٌ مُثْقَلٌ، لا يَخْفى ما فِيهِ.

وقُرِئَ ولَوْ كانَ «ذُو قُرْبى» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ ( كانَ ) ناقِصَةٌ أيْضًا و«ذُو قُرْبى» اِسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ كانَ ذُو قُرْبى مَدْعُوًّا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَها النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في أنَّ لا غِياثَ أصْلًا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حَمْلِها لا يُجِبْها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ ولَوْ كانَ ذُو القُرْبى مَدْعُوًّا، ولَوْ قُلْنا إنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حِمْلِها لا يَحْمِلْ مَدْعُوُّها شَيْئًا ولَوْ حَضَرَ ذُو قُرْبى لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ الحُسْنُ، ومُلاحَظَةُ كَوْنِ ذِي القُرْبى مَدْعُوًّا بِقَرِينَةِ السِّياقَ أوْ تَقْدِيرِ فَدَعَتْهُ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ خِلافُ الظّاهِرِ، فَيَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ الِانْتِظامِ.

﴿ إنَّما تُنْذِرُ ﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ونَحْوِها ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ أيْ يَخْشَوْنَهُ تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ غائِبًا عَنْهم فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.

﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ أيْ راعَوْها كَما يَنْبَغِي وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ونُكْتَةُ اِخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ فَتَذَكَّرْ ما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

﴿ ومَن تَزَكّى ﴾ تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذا الإنْذاراتِ ﴿ فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، والتَّزَكِّي شامِلٌ لِلْخَشْيَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ وحَثٌّ عَلَيْهِما.

وقَرَأ العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَن يَزَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى» بِالياءِ مِن تَحْتٍ وشَدِّ الزّايِ فِيهِما وهُما مُضارِعانِ أصْلُهُما ومَن يَتَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ كَما أُدْغِمَتْ في يَذَّكَّرُونَ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ «ومَن اِزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في الِابْتِداءِ، وطَلْحَةُ أيْضًا «فَإنَّما تَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.

﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرَهُ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني: أنتم محتاجون إلى ما عنده.

ويقال: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في رزقه ومغفرته وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ في فعله وسلطانه.

وهذا كما قال في آية أخرى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [محمد: 38] لأن كل واحد يحتاج إليه.

لأن أحداً لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان، والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان، لا يقدر على الإمارة.

وكذلك التاجر يحتاج إلى المكارين، والله عز وجل غني عن الأعوانِ وغيره.

ثم قال عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم ويميتكم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أفضل منكم وأطوع لله وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: شديد وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى.

ويقال: لا تحمل بالطوع ولكن يحمل عليها إذا كان له خصماً.

ثم قال: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها يعني: الذي أثقلته الذنوب والأوزار، إن لو دعا أحداً، ليحمل عنه بعض أوزاره، لا يحمل من وزره شيئاً.

وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره.

وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه، عن عكرمة قال: إن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني إني كنت لك والداً فيثني عليه خيراً.

فيقول: يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة.

وفي رواية أخرى: إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى.

فيقول له ولده: ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق.

إني أخاف مثل الذي تخوفت.

ثم يتعلق بزوجته فيقول لها: إني كنت لك زوجاً في الدنيا فيثني عليها خيراً ويقول: إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ترين.

فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق.

إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك قوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى.

ثم قال: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يعني: إنما تخوف بالقرآن الذين يخافون ربهم بالغيب.

يعني: آمنوا بالله وهم في غيب منه وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: يقيمون الصلاة.

وكان النبيّ  يُنذر المؤمنين والكافرين.

ولكن الذين يخشون ربهم هم الذين يقبلون الإنذار فكأنه أنذرهم خاصة.

ثم قال: وَمَنْ تَزَكَّى يعني: توحد.

ويقال: تطهر نفسه من الشرك.

ويقال: من صلح فإنما صلاحه لنفسه يثاب عليه في الآخرة.

ويقال: من يعطي الزكاة فإنما ثوابه لنفسه.

فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فيجازيهم بعملهم.

قوله عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى يعني: الكافر الأعمى عن الهدى وَالْبَصِيرُ يعني: المؤمن وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ يعني: الكفر والإيمان وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ يعني: الجنة والنار وَلَا الْحَرُورُ هو استقرار الحر وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ قال القتبي: مثل الأعمى والبصير كالكافر والمسلم، والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان، والظل والحرور مثل الجنة والنار، وما يستوى الاحياء ولا الأموات مثل العقلاء والجهال.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ يعني: يفقه من يشاء وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يعني: لا تقدر أن تفقه الأموات وهم الكفار إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ يعني: ما أنت إلا رسول إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن.

ويقال: لبيان الحق بَشِيراً وَنَذِيراً وقد ذكرناه وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ يعني: وما من أمة فيما مضى إلا فيهم نذير.

يعني: إلا جاءهم رسول.

ثم قال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي وَبِالزُّبُرِ يعني: بالكتب، وبأخبار من كان قبلهم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ يعني: المضيء.

الكتاب هو نعت لما سبق ذكره من البينات والزبر ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين كذبوهم فعاقبتهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم ثم ذكر خلقه ليعتبروا به ويوحدوه: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا فلا شك في وقوعه.

يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى الله- تعالى- في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها لاَ يَسْتَغني عنه طرفة عين وهو به ٨٣ أمستغن عن كل أحدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ/ الْحَمِيدُ أي: المحمود بالإطلاق.

وقوله: بِعَزِيزٍ أي: بمُمْتَنِعٍ وتَزِرُ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ وازِرَةٌ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت مُثْقَلَةٌ، واسم كانَ مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي.

ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ.

ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية.

ثم توعد بعد ذلك بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.

قال ع «١» : وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)

وقوله سبحانه: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ.

والْحَرُورُ: شدة الحر.

قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار والْحَرُورُ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار.

وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ، وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.

وقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه: أن دعوةَ الله تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ فهو ممن بلغته لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلّم، وبِالْبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ: شيء واحد لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.

وقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ...

الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال:

جُدَدٌ في جمع «جديد» ، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع جُدَدْتَ الشيء إذا قطعتَه، انتهى.

وقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى لكنّ كلام العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال سودَ غرابيبُ، وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ» «١» يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ.

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ، أي: خلق مختلِفَ ألوانهُ.

وقوله تعالى: كَذلِكَ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين.

ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ

٨٣ ب الْعُلَماءُ، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، / وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: «١» «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» وقال صلى الله عليه وسلّم «رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ الله» «٢» .

وقال الرَّبِيع بن أنس: مِنْ لم يخشَ الله فليسَ بعالمٍ «٣» ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما «٤» ، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور: «رأس الحكمة خشيةُ الله» وقال ابن مسعود «٥» : كفى بخشيةِ الله علماً، وبالاغترارِ به جهلاً.

وقال مجاهد والشعبي «٦» : إنما العالمَ مَنْ يخْشَى الله.

وإِنَّما في هذه الآية تحضيض لِلعلمَاء لاَ للحصر.

قال ابن عطاء الله في «الحِكم» : العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ وإلا فَعَلَيْكَ.

وقال في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السُّنَّة فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية.

انتهى.

قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم» : واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة.

انتهى.

وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ﴾ أيِ: المُحْتاجُونَ إلَيْهِ ﴿ واللَّهُ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ عِبادَتِكم ﴿ الحَمِيدُ ﴾ عِنْدَ خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [إبْراهِيمَ: ١٩، الأنْعامِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ أيْ: نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ ﴿ إلى حِمْلِها ﴾ الَّذِي حَمَلَتْ مِنَ الخَطايا ﴿ لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ﴾ الَّذِي تَدْعُوهُ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ ذا قَرابَةٍ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَهُ ولَمْ يَرَوْهُ؛ والمَعْنى: إنَّما تَنْفَعُ بِإنْذارِكَ أهْلَ الخَشْيَةِ، فَكَأنَّكَ تُنْذِرُهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِمَكانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالِانْتِفاعِ، ﴿ وَمَن تَزَكّى ﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الشَّرَكِ والفَواحِشِ، وفَعَلَ الخَيْرَ ﴿ فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: فَصَلاحُهُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَيَجْزِي بِالأعْمالِ.

﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنَ والمُشْرِكَ ﴿ وَلا الظُّلُماتُ ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ والضَّلالاتِ ﴿ وَلا النُّورُ ﴾ الهُدى والإيمانُ، ﴿ وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ظِلُّ اللَّيْلِ وسَمُومُ النَّهارِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الظِّلُّ: الجَنَّةُ، والحَرُورُ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الفَرّاءُ: الحَرُورُ بِمَنزِلَةِ السَّمُومِ، وهي الرِّياحُ الحارَّةُ.

والحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ وبِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ لا تَكُونُ إلّا بِالنَّهارِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ مَعَ الشَّمْسِ، وكانَ رُؤْبَةُ يَقُولُ: الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ بِالنَّهارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأحْياءَ: المُؤْمِنُونَ، والأمْواتَ: الكُفّارُ.

والثّانِي: أنَّ الأحْياءَ: العُقَلاءُ، والأمْواتَ: الجُهّالُ.

وَفِي " لا " المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ لِاسْتِواءِ أحَدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ الآخَرِ.

قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ أمْثالٌ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَقُولُ: كَما لا تَسْتَوِي هَذِهِ الأشْياءُ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي الكافِرُ والمُؤْمِنُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُفْهِمُ مَن يُرِيدُ إفْهامَهُ ﴿ وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: " بِمُسْمِعِ مَن " عَلى الإضافَةِ؛ يَعْنِي الكَفّارَ، شَبَّهَهم بِالمَوْتى، ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: نُسِخَ مَعْناها بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ أيْ: ما مِن أُمَّةٍ إلّا قَدْ جاءَها رَسُولٌ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤، الحَجِّ: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، ووافَقَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِيرٍ، والإنْسانُ فَقِيرٌ إلى اللهِ تَعالى في دَقائِقِ الأُمُورِ وجَلائِلِها، لا يَسْتَغْنِي عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وهو بِهِ مُسْتَغْنٍ عن كُلِّ واحِدٍ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الناسِ، وعن كُلِّ شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، و"الحَمِيدُ": المَحْمُودُ بِالإطْلاقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "بِعَزِيزٍ" ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ.

و"تَزِرُ" مَعْناهُ: تَحَمُلُ الوِزْرَ الثَقِيلَ، وهَذِهِ الآيَةُ في الذُنُوبِ والآثامِ والجَرائِمِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وسَبَبُها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَحَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّها لا يَحْمِلُها أحَدٌ عن أحَدٍ، ومَن تَطَرَّقَ مِنَ الحُكّامِ إلى أخْذِ قَرِيبٍ بِقَرِيبِهِ في جَرِيمَةٍ - كَفِعْلِ زِيادٍ ونَحْوِهِ - فَإنَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَأْخُوذَ رُبَّما أعانَ المُجْرِمَ بِمُؤازَرَةٍ ومُواصَلَةٍ، أوِ اطِّلاعٍ عَلى حالِهِ وتَقْرِيرٍ لَها، فَهو قَدْ أخَذَ مِنَ الجُرْمِ بِنَصِيبٍ، وهَذا هو المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ  ﴾ ، لِأنَّهم أغْوَوْهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ  : « "مَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ، ومَن سَنَّ سَنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ"،» وأُنِّثَتْ ﴿ "وازِرَةٌ" ﴾ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ النَفْسِ، وعَلى ذَلِكَ أُجْرِيَتْ ﴿ "مُثْقَلَةٌ".

﴾ والحِمْلُ: ما كانَ عَلى الظَهْرِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعارُ لِلْمَعانِي كالذُنُوبِ ونَحْوِها، فَيُجْعَلُ كُلُّ مَحْمُولٍ مُتَّصِلًا بِالظَهْرِ، كَما يُجْعَلُ كُلُّ اكْتِسابٍ مَنسُوبًا إلى اليَدِ.

واسْمُ "كانَ" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَ الداعِي.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنَّهُ إنَّما يُنْذِرُ أهْلَ الخَشْيَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُمْنَحُونَ العَلَمَ، أيْ: إنَّما يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ هُمْ، وإلّا فَلِنِذارَةِ جَمِيعِ العالَمِ بَعْثَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ" ﴾ أيْ: وهو بِحال غَيْبَةٍ عنهُ، إنَّما هي رِسالَةٌ، ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ الأعْمالِ إقامَةَ الصَلاةِ تَنْبِيهًا عَلَيْها وتَشْرِيفًا لَها.

ثُمَّ حَضَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَزَكِّي؛ بِأنْ رَجّى عَلَيْهِ غايَةَ التَرْجِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمِنِ ازَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى لِنَفْسِهِ".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ عِبارَةٍ مُقَصِّرَةٌ عن تَبْيِينِ فَصاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ كِتابُ اللهِ كُلُّهُ، ولَكِنْ يَظْهَرُ الأمْرُ لَنا نَحْنُ في مَواضِعَ أكْثَرَ مِنهُ في مَواضِعَ بِحَسْبِ تَقْصِيرِنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الله بِعَزِيزٍ * وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ﴾ .

لما كان ما قبل هذه الآية مسوقاً في غرض التهديد وكان الخطاب للناس أريدت طمْأنة المسلمين من عواقب التهديد، فعقب بأن من لم يأت وزراً لا يناله جزاء الوَازر في الآخرة قال تعالى: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ [مريم: 72].

وقد يكون وعداً بالإِنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل بالمهدَّدين الإِذهابُ والإِهلاكُ مثلما أهلك فريقَ الكفار يوم بدر وأنجى فريق المؤمنين، فيكون هذا وعداً خاصاً لا يعارضه قوله تعالى: ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: 25] وما ورد في حديث أمّ سلمة قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم إذا كثر الخُبْث».

فموقع قوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كموقع قوله تعالى: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ﴾ [يوسف: 110].

ولهذا فالظاهر أن هذا تأمين للمسلمين من الاستئصال كقوله تعالى: ﴿ وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون ﴾ [الأنفال: 33] بقرينة قوله عقبه ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأوْلى ويجوز أن يكون المراد: ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة، أي إن يشأ يذهبكم جميعاً ولا يعذب المؤمنين في الآخرة، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «ثم يحشرون على نياتهم».

والوجه الأول أعم وأحسن.

وأيَّامًّا كان فإن قضية ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كلية عامة فكيف وقد قال الله تعالى: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ في سورة العنكبوت (13)، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفَت أن يحمل أحد وزر آخر لا مشاركةَ له للحامل على اقتراف الوزر، وأما آية سورة العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موّهوا الضلالة وثبتوا عليها، فإن أول تلك الآية ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ [العنكبوت: 12]، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه الإِقبال على الإِيمان بالأحرى.

وأصل الوِزر بكسر الواو: هو الوِقْر بوزنه ومعناه.

وهو الحِمل بكسر الحاء، أي ما يحمل، ويقال: وَزَر إذا حمل.

فالمعنى: ولا تحمل حاملة حِمل أخرى، أي لا يحمل الله نفساً حملاً جعله لنفس أخرى عدلاً منه تعالى لأن الله يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته.

وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس.

ووجه اختيار الإِسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإِضمار على التذكير بتأويل الشخص، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى: ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ في سورة الأنعام (164)، وقوله: ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ في سورة المدثر (38)، وغير ذلك من الآيات.

ثم نبّه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة بالأوزار مَن ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئاً، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه، فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يُضر بالمنجد.

ومن أمثالهم لو دُعي الكريم إلى حتفه لأجاب، وقال ودّاك بن ثُمَيْل المازني: إذا استُنْجدوا لم يَسألوا من دَعاهُم *** لأَيَّة حرب أم بأي مكان ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة.

وحذف مفعول تدع} لقصْد العموم.

والتقدير: وإن تدع مثقلة أيَّ مدعوّ.

وقوله: ﴿ إلى حملها ﴾ متعلق ب ﴿ تدع ﴾ ، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته.

فالتقدير: وإن تدع مثقلة أحداً إليها لأجل أن يَحمل عنها حملها، فحذف أحدُ متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف.

وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة، أي لو استصرخت نفس مَن يحمل عنها شيئاً من أوزارها، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم، لا تجد من يجيبها لذلك.

وقوله: ﴿ ولو كان ذا قربى ﴾ في موضع الحال من ﴿ مثقلة ﴾ .

و ﴿ لو ﴾ وصلية كالتي في قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91).

والضمير المستتر في كان } عائد إلى مفعول ﴿ تدع ﴾ المحذوف، إذ تقديره: وإن تدع مثقلة أحداً إلى حِملها كما ذكرنا.

فيصير التقدير: ولو كان المدعوّ ذَا قربى، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في سياق الإِثبات عموماً بَدَليًّا.

ووجه ما اقتضته المبالغة من ﴿ لو ﴾ الوصلية أن ذا القربى أرق وَأشفق على قريبه، فقد يُظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام.

والإِطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ﴾ [عبس: 34، 35].

وهذا إبطال لاعتقاد الغَناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيعلّلون أنفسهم إذا هُدّدوا بالبعث بأنه إن صح فإن لهم يومئذٍ شفعاء وأنصاراً، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم هو بعمومه ينسحب حكمهُ على جميع أهل المحشر، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه.

وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث، كما تقدم في سورة سبأ، فإنها إنما تكون بإذن الله تعالى إظهاراً لكرامة نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم ولا ينافي ما جعله الله للمؤمنين من مكفّرات للذنوب كما ورد أن أفراط المؤمنين يشفعون لأمهاتهم، فتلك شفاعة جعلية جعلها الله كرامة للأمهات المصابة من المؤمنات.

﴿ ذَا قربى إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ وَإِلَى ﴾ .

استئناف بياني لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يخطر في نفسه التعجب من عدم تأثر أكثر المشركين بإنذاره فأجيب بإن إنذاره ينتفع به المؤمنون ومن تهيّأوا للإِيمان.

وإيراد هذه الآية عقب التي قبلها يؤكد أن المقصد الأول من التي قبلها موعظة المشركين وتخويفهم، وإبلاغ الحقيقة إليهم لاقتلاع مزاعمهم وأوهامهم في أمر البعث والحساب والجزاء.

فأقبل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب ليشعر بأن تلك المواعظ لم تُجْدِ فيهم وأنها إنما ينتفع بها المسلمون، وهو أيضاً يؤكد ما في الآية الأولى من التعريض بتأمين المسلمين بما اقتضاه عموم الإِنذار والوعيد.

وأطلق الإِنذار هنا على حصول أثره، وهو الانكفاف أو التصديق به، وليس المراد حقيقة الإِنذار، وهو الإِخبار عن توقع مكروه لأن القرينة صادقة عن المعنى الحقيقي وهي قرينةُ تكرر الإِنذار للمشركين الفيْنَة بعد الفيْنة وما هو ببعيد عن هذه الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنذر المشركين طول مدة دعوته، فتعين أن تعلق الفعل المقصور عليه ب ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ تعلّقٌ على معنى حصول أثر الفعل.

فالمقصود من القصر أنه قصر قلب لأن المقصود التنبيه على أن لا يظُنّ النبي صلى الله عليه وسلم انتفاع الذين لا يؤمنون بنذارته، وإن كانت صيغة القصر صالحة لِمعنى القصر الحقيقي لكن اعتبار المقام يعين اعتبار القصر الإِضافي.

ونظير هذه الآية قوله في سورة يس (11) ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ﴾ وقوله: ﴿ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ في سورة ق (45)، مع أن التذكير بالقرآن يعم الناس كلهم.

والغيب: ما غاب عنك، أي الذين يخشون ربهم في خلواتهم وعند غيبتهم عن العيان، أي الذين آمنوا حقاً غير مرائين أحداً.

وأقاموا الصلاة} أي لم يفرطوا في صلاة كما يؤذن به فعل الإِقامة كما تقدم في أول سورة البقرة.

ولما كانت هاتان الصفتان من خصائص المسلمين صار المعنى: إنما تنذر المؤمنين، فعُدل عن استحضارهم بأشهر ألقابهم مع ما فيه من الإِيجاز إلى استحضارهم بصلتين مع ما فيهما من الإِطناب، تذرعاً بذكر هاتين الصّلتين إلى الثناء عليهم بإخلاص الإِيمان في الاعتقاد والعمل.

وجملة ﴿ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ﴾ تذييل جار مجرى المثل.

وذكر التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيَّل داخل في التذييل بادئ ذي بدء مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يُخص العام به، فالمعنى: أن الذين خَشُوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممّن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم، فالمعنى: إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه.

والمقصود من القصر في قوله: ﴿ فإنما يتزكى لنفسه ﴾ أن قبولهم النذارة كان لفائدة أنفسهم، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبأوا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم بها فكان تركهم ضراً على أنفسهم.

وجملة ﴿ وإلى الله المصير ﴾ تكميل للتذييل، والتعريف في ﴿ المصير ﴾ للجنس، أي المصير كله إلى الله سواء فيه مصير المتزكّي ومصير غير المتزكي، أي وكل يُجازَى بما يناسبه.

وتقديم المجرور في قوله: ﴿ وإلى الله المصير ﴾ للاهتمام للتنبيه على أنه مصير إلى من اقتضى اسمه الجليل الصفات المناسبة لإِقامة العدل وإفاضة الفضل مع الرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ما تَحْمِلُهُ نَفْسٌ أُخْرى مِن ذُنُوبِها، ومِنهُ الوَزِيرُ لِأنَّهُ يَحْمِلُ أثْقالَ المُلْكِ بِتَدْبِيرِهِ.

﴿ وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ أثْقَلَتْها ذُنُوبُها إذا دَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَتَحَمَّلُ الذُّنُوبَ عَنْها لَمْ تَجِدِ مَن يَتَحَمَّلُ عَنْها شَيْئًا مِن ذُنُوبِها.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ ولَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلى التَّحَمُّلِ قَرِيبًا مُناسِبًا، ولَوْ تَحَمَّلَهُ عَنْها ما قُبِلَ تَحَمُّلُهُ، لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في السِّرِّ حَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: في التَّصْدِيقِ بِالآخِرَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَخْشَوْنَهُ في ضَمائِرِ القُلُوبِ كَما يَخْشَوْنَهُ في ظَواهِرِ الأفْعالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في حجة الوداع ألا لا يجني جان إلا على نفسه.

لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» .

وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال لأبي: «ابنك هذا؟

قال: أي ورب الكعبة قال: أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها ﴾ قال: إن تدع نفس مثقلة من الخطايا ذا قرابة أو غير ذي قرابة ﴿ لا يحمل ﴾ عنها من خطاياها شيء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ﴾ يكون عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ﴾ كنحو ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن، يوم القيامة فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يداً قد عرفت كيف كنت في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه حتى يرده إلى منزلة دون منزلة وهو في النار.

وأن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟

فيثني خيراً فيقول: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت؟

ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً.

ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة أي زوج كنت لك؟

فتثني خيراً فيقول لها: فإني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين.

قالت: ما أيسر ما طلبت!

ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت.

يقول الله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها....

﴾ .

ويقول الله: ﴿ يوم لا يجزي والد عن ولده ﴾ [ لقمان: 133] و ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه...

﴾ [ عبس: 34] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها ﴾ أي إلى ذنوبها ﴿ لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ﴾ قال: قرابة قريبة لا يحمل من ذنوبه شيئاً، ويحمل عليها غيرها من ذنوبها شيئاً ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ أي يخشون النار، والحساب.

وفي قوله: ﴿ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ﴾ أي من عمل عملاً صالحاً فإنما يعمل لنفسه.

وفي قوله: ﴿ وما يستوي...

﴾ .

قال: خلق فضل بعضه على بعض، فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل.

والكافر عبد ميت الأثر، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير....

﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن يقول: كما لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير...

﴾ قال: الكافر والمؤمن ﴿ ولا الظلمات ﴾ قال: الكفر ﴿ ولا النور ﴾ قال: الايمان ﴿ ولا الظل ﴾ قال: الجنة ﴿ ولا الحرور ﴾ قال: النار ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ قال: المؤمن والكافر ﴿ إن الله يسمع من يشاء ﴾ قال: يهدي من يشاء.

وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ [ الروم: 52] ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على القتلى يوم بدر ويقول: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً يا فلان ابن فلان.

ألم تكفر بربك؟

ألم تكذب نبيك؟

ألم تقطع رحمك؟

فقالوا: يا رسول الله أيسمعون ما نقول؟

قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول.

فأنزل الله: ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ ومثل ضربة الله للكفار أنهم لا يسمعون لقوله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ فكذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع.

وفي قوله: ﴿ وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير ﴾ يقول كل أمة قد كان لها رسول جاءها من الله.

وفي قوله: ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ﴾ قال: يعزي نبيه ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير، ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ﴾ قال: شديد والله لقد عجل لهم عقوبة الدنيا ثم صيرهم إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ إِلَى حِمْلِهَا ﴾ أي: ما حمل من الخطايا والذنوب.

﴿ لَا يُحْمَلْ مِنْهُ ﴾ أي: من حملها.

[وقوله] (١) ﴿ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ قال مقاتل: ولو كان بينهما ما حملت عنها شيء من وزرها (٢) (٣) قال ابن عباس: يقول: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي (٤) قال أبو إسحاق: أي ولو كان الذي يدعوه ذا قربى، مثل الأب والابن ومن أشبه هؤلاء (٥) قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياؤه، يقول: خافوني وخافوا ما غاب عنهم من عذابي (٦) وقال أبو إسحاق: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم (٧) وقوله: ﴿ وَمَنْ تَزَكَّى ﴾ قال ابن عباس: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه (٨) وقال مقاتل: من صلح فصلاحه لنفسه (٩) ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ فيجزي بالأعمال في الآخرة.

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) (٢) في (ب): (أوزارها).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 103/ أ.

(٤) يدل على ذلك قوله تعالى في سورة عبس آية 34: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 267.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) المصدر السابق.

(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وانظر: "زاد المسير" 6/ 483، "تفسير هود" 3/ 415.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 103 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ الحمل عبارة عن الذنوب، والمثقلة الثقيلة الحمل أو النفس الكثيرة الذنوب، والمعنى أنها لودعت أحداً إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل عنها، وحذف مفعول ﴿ إِن تَدْعُ ﴾ لدلالة المعنى وقصد العموم، وهذه الآية بيان وتكميل لمعنى قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ [الإسراء: 15] ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى ﴾ المعنى ولو كان المدعوّ ذا قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل منه شيئاً، لأن كل واحد يقول: نفسي نفسي ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار ﴿ بالغيب ﴾ في موضع حال من الفاعل في يخشون أي يخشون ربهم، وهم غائبون عن الناس فخشيتهم حق لا رياء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .

فيه وجوه من الدلالة: أحدها: أنه إنما أمركم ونهاكم وامتحنكم بأنواع المحن لحاجتكم وفقركم إليه، لا لحاجة وفقر له في ذلك، فإن ائتمرتموه وأطعتموه، فإلى أنفسكم ترجع منفعة ذلك، وإن عصيتم فعلى أنفسكم يلحق ضرر ذلك؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ .

والثاني: يقول: تعلمون أن فقركم وحاجتكم إلى الله، لا إلى الأصنام التي تعبدونها واتخذتموها آلهة، فكيف صرفتم العبادة والشكر إلى من تعلمون أنكم لا تحتاجون إليه ولا تفتقرون؟!

والثالث: يأمرهم بقطع أطماعهم من الخلق؛ لأنه خاطب الكل وأخبر أنكم جميعاً فقراء إلى الله الطامع والمطموع فيه، فاقطعوا طمعكم ورجاءكم عن الخلق، واطمعوا ذلك من الله؛ فإنه الغني الحميد والخلق جميعاً فقراء إليه، يؤيسهم عن الطمع والرجاء من الخلق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

يخبر عن غناه وقدرته، لو شاء أذهبكم لتعلمون أنه لم ينشئكم، ولا أمركم، ولا نهاكم؛ لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم.

وقوله: ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: لا يعز ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم؛ لأنه لم ينشئكم لحاجة نفسه فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد.

والثاني: لا يصعب عليه ولا يعز إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن قدرته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ .

كأن هذا صلة قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 12]، يؤيسهم ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضاً، وتحمل بعضهم مؤن بعض وشفاعة بعضهم بعضاً، على ما كانوا يفعلون في الدنيا كان ينصر بعضهم بعضاً في الدنيا إذا أصابهم شيء؛ ويفدي بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم بعضاً، كانوا يحتالون مثل هذا الحيل في الدنيا؛ ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر، فأخبر أن ليس لهم ذلك في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً  ﴾ [و] مثله كثير، يؤيسهم عن أن يكون لهم في الآخرة ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب، فأما [من] لا يخشى ربه فإنه لا ينتفع به، وإلا كان منذر من اتبع الذكرى ومن لم يتبع، ومن خشي ربه ومن لم يخش.

والثاني: كأنه يقول: إنك تنذر غير الذي اتبع الذكر وغير الذي خشي، فإنما يتبع إنذارك ويقبله الذي خشي ربه واتبع ذكره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ﴾ ، أي: من عمل خيراً، فإنما يعمل لنفسه.

أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره وعمله يثاب عليه.

﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع إليه في ذلك اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت.

وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ ﴾ .

ضرب هذا المثل يخرج على وجوه: أحدها: شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها؛ يقول: والله إنكم تعلمون أن الذين تعبدون من دون الله عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع، فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله  ؟!

وبالله الهداية والعصمة.

والثاني: شبه أولئك الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر؛ لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون: نحن البصراء والأحياء، وأنتم العميان والأموات، وما ذكر، لكن شبههم بالعميان والموتى؛ لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى يهوون ذلك، وللمؤمنين في عبادتهم الله حجة وبرهان، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حيّ نور، ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميت.

والثالث: يذكر هذا دلالة على البعث؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات وفيهم ما ذكر، وقد استووا جميعاً في منافع هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بدّ من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ إنما أراد به الكافر، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك؛ إذ لو كان بيانا مبينا أو دعاء على ما يقوله المعتزلة، لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك، فإذ لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله لطفاً وشيئاً لم يعطهم، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ  ﴾ ، ولو كان بياناً على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ وقد أحب فلم يهتد؛ دل أن عند الله شيئاً لو أعطى ذلك لاهتدى، ولم يكن ذلك عند رسوله وهو التوفيق والعصمة، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي لكنه لم يهتد.

ثم لا يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على القسر والقهر دل أنه لا يحتمل.

وقوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ليس عليك إلا الإنذار باللسان؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وأنت لا تؤاخذ بتركهم قبول الإنذار؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54].

ويحتمل الإنذار بالسيف بأمره إياه بالقتال معهم حتى يؤمنوا، وإن كان على هذا فهو يحتمل النسخ؛ يؤمر بالقتال في وقت، ولا يؤمر في وقت، وأمّا النذارة باللسان فهو لا يحتمل النسخ أبداً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالتوحيد، أي: أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد الله، أو أرسلناك بالحق، أي: بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض.

أو ﴿ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق وهو البعث الذي هو كائن لا محالة.

وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

أي: بشيراً بالجنة لمن آمن بالله وأجابك، ونذيراً بالنار لمن عصاه وخالف أمره وترك إجابته، هذا يدل على أنه لم يرد في قوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ أنه نذير خاصة ليس ببشير.

وقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: ليس من أصناف الخلق وجواهرهم على اختلاف جواهرهم وأصنافهم إلا وقد خلا لهم نذير؛ ليأمر وينهى ويمنع ويبيح؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 38]، أخبر أن الخلق على اختلاف أصنافهم وجواهرهم أمم أمثالهم البشر، فيتحملون ما يتحمل البشر من الأمر والنهي والنذارة والبشارة.

وقال بعضهم: ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة ليس إلى الكل؛ لأنهما هما المخصوصان بالخطاب والنطق والعقل وغير ذلك، وفيهما ظهر بعث الرسل والنذر، ولم يظهر ذلك في غيرهما، فكأنه قال: وإن من أمة من هذين من القرون إلا خلا فيها نذير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

يعزي رسوله ويصبره على تكذيب قومه إياه، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، قد كذب إخوانك الذين من قبل بعد ما جاءوا بالبينات والزبر، أي: بالكتب المنيرة إليهم مع ما جاءهم بذلك فكذبوهم، فصبروا على تكذيبهم، فاصبر أنت أيضاً على تكذيب قومك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .

أي: ثم أخذت الذين كذبوا رسلهم بالتكذيب فآخذ قومك على تكذيبهم إليك أيضاً، يذكر هذا له ليصبره على ذلك وينفي حزنه على تكذيبهم إياه.

أو يذكره زجراً لقومه على تكذيبهم إياه؛ فينزل بهم من العذاب ما نزل بأولئك بالتكذيب.

وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .

قال بعضهم: فكيف كان إنكاري، وقال بعضهم: عذابي.

ودل قوله: ﴿ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ \[على\] قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: منير السماوات بما سمى الكتاب في غير آي من القرآن: نوراً، هو نور بما ينير القلوب والصدور.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا نحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، بل كل نفس مذنبة تحمل ذنبها، وإن تدع نفس مُثْقَلة بحمل ذنوبها مَنْ يحمل عنها شيئًا من ذنوبها لا يُحْمل عنها من ذنوبها شيء، ولو كان المدعو قريبًا لها، إنما تخوّف -أيها الرسول- من عذاب الله الذين يخافون ربهم بالغيب، وأتمّوا الصلاة على أكمل وجوهها، فهم الذين ينتفعون بتخويفك، ومن تطهر من المعاصي -وأعظمها الشرك- فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك عائد إليه، فالله غني عن طاعته، وإلى الله الرجوع يوم القيامة للحساب والجزاء.

من فوائد الآيات تسخير البحر، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر: من نعم الله على الناس، لكن الناس تعتاد هذه النعم فتغفل عنها.

سفه عقول المشركين حين يدعون أصنامًا لا تسمع ولا تعقل.

الافتقار إلى الله صفة لازمة للبشر، والغنى صفة كمال لله.

تزكية النفس عائدة إلى العبد؛ فهو يحفظها إن شاء أو يضيعها.

<div class="verse-tafsir" id="91.dXjPv"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله