الآية ٣٨ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٣٨ من سورة يس

وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) ، في معنى قوله : ( لمستقر لها ) قولان : أحدهما : أن المراد : مستقرها المكاني ، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب ، وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات ; لأنه سقفها ، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة ، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة ، وهو فوق العالم مما يلي رءوس الناس ، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش ، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام ، وهو وقت نصف الليل ، صارت أبعد ما تكون من العرش ، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع ، كما جاءت بذلك الأحاديث .

قال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم [ التيمي ] ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس ، فقال : " يا أبا ذر ، أتدري أين تغرب الشمس ؟

" قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فذلك قوله : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) .

حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، حدثنا وكيع عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ( والشمس تجري لمستقر لها ) ، قال : " مستقرها تحت العرش " .

كذا أورده هاهنا .

وقد أخرجه في أماكن متعددة ، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه ، من طرق ، عن الأعمش ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس ، فقال : " يا أبا ذر ، أتدري أين تذهب الشمس ؟

" قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل ، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها : ارجعي من حيث جئت .

فترجع إلى مطلعها ، وذلك مستقرها ، ثم قرأ : ( والشمس تجري لمستقر لها ) وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس : " أتدري أين هذا ؟

" قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، ويقال لها : ارجعي من حيث جئت .

فتطلع من مغربها ، فذلك قوله : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن وهب بن جابر ، عن عبد الله بن عمرو قال في قوله : ( والشمس تجري لمستقر لها ) ، قال : إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم ، حتى إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت فيؤذن لها ، حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت ، واستأذنت فلا يؤذن لها ، فتقول : إن المسير بعيد وإني إلا يؤذن لي لا أبلغ ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس ، ثم يقال لها : " اطلعي من حيث غربت " .

قال : " فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا " .

وقيل : المراد بقوله : ( لمستقر لها ) هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها ، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض .

والقول الثاني : أن المراد بمستقرها هو : منتهى سيرها ، وهو يوم القيامة ، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور ، وينتهي هذا العالم إلى غايته ، وهذا هو مستقرها الزماني .

قال قتادة : ( لمستقر لها ) أي : لوقتها ولأجل لا تعدوه .

وقيل : المراد : أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها ، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو .

وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس : " والشمس تجري لا مستقر لها " أي : لا قرار لها ولا سكون ، بل هي سائرة ليلا ونهارا ، لا تفتر ولا تقف .

كما قال تعالى : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) [ إبراهيم : 33 ] أي : لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة .

( ذلك تقدير العزيز ) أي : الذي لا يخالف ولا يمانع ، ( العليم ) بجميع الحركات والسكنات ، وقد قدر ذلك وقننه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس ، كما قال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 96 ] .

وهكذا ختم آية حم السجدة " بقوله : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) [ فصلت : 12 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) يقول تعالى ذكره: والشمس تجري لموضع قرارها، بمعنى: إلى موضع قرارها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

* ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرَ الغفاريّ، قال: كنت جالسا عند النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في المسجد، فلما غَرَبت الشمس، قال: يا أبا ذَرّ هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ ؟

قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب فتسجد بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا ، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا ، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرّها " .

وقال بعضهم في ذلك بما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) قال: وقت واحد لا تعدوه .

وقال آخرون: معنى ذلك: تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها، بمعنى: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع ولا تجاوزه.

قالوا: وذلك أنها لا تزال تتقدم كلّ ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع.

وقوله ( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) يقول: هذا الذي وصفنا من جري الشمس لمستقر لها، تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بمصالح خلقه، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يخفي عليه خافية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها يجوز أن يكون تقديره : وآية لهم الشمس .

ويجوز أن يكون الشمس مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني .

ويجوز أن يكون مرفوعا [ ص: 27 ] بالابتداء .

" تجري " في موضع الخبر ، أي : جارية .

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله - عز وجل - : والشمس تجري لمستقر لها قال : مستقرها تحت العرش .

وفيه عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوما : أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟

قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ، ارجعي من حيث جئت ، فترجع ، فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ، ولا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ، ارجعي من حيث جئت ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش ، فيقال لها : ارتفعي ، أصبحي طالعة من مغربك ، فتصبح طالعة من مغربها .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتدرون متى ذلكم ؟

ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .

ولفظ البخاري عن أبي ذر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر حين غربت الشمس : تدري أين تذهب ؟

قلت : الله ورسوله أعلم .

قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، يقال لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم .

ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال : دخلت المسجد حين غابت الشمس ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه ؟

قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها : اطلعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها .

قال : ثم قرأ " ذلك مستقر لها " قال : وذلك قراءة عبد الله .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

وقال عكرمة : إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح ، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب : ولم ذاك ؟

قالت : إني إذا خرجت عبدت من دونك .

فيقول الرب [ ص: 28 ] - تبارك وتعالى - : اخرجي فليس عليك من ذاك شيء ، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها .

وقال الكلبي وغيره : المعنى : تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ، فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه ، بل ترجع منه ، كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره ، ثم يرجع إلى منزله الأول الذي ابتدأ منه سفره .

وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها ، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة ، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة ، وتلك الليلة أقصر الليالي ، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس ، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار ، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة ، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم ، وذلك اليوم أقصر الأيام ، والليل خمس عشرة ساعة ، حتى إذا طلع فرغ الدلو المؤخر استوى الليل والنهار ، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة ، وكل عشرة أيام ثلث ساعة ، وكل شهر ساعة تامة ، حتى يستويا ، ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة ، ويأخذ النهار من الليل كذلك .

وقال الحسن : إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا ، تنزل في كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزله إلى الحول ، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها .

وهو معنى الذي قبله سواء .

وقال ابن عباس : إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع .قلت : ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله .

وقيل : إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا وقرأ ابن مسعود وابن عباس " والشمس تجري لا مستقر لها " أي : إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار ، إلى أن يكورها الله يوم القيامة .

وقد احتج من خالف المصحف فقال : أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس .

قال أبو بكر الأنباري : وهذا باطل مردود على من نقله ; لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ابن عباس ، وابن كثير روى عن مجاهد عن ابن عباس والشمس تجري لمستقر لها فهذان السندان عن ابن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع - يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة ، وما اتفقت عليه الأمة .قلت : والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله ، فما أجرأه على كتاب الله ، قاتله الله .

وقوله : " لمستقر لها " أي : إلى مستقرها ، والمستقر موضع القرار .

" ذلك تقدير " أي الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير " العزيز العليم " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا } أي: دائما تجري لمستقر لها قدره اللّه لها، لا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها تصرف في نفسها، ولا استعصاء على قدرة اللّه تعالى.

{ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ } الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام.

{ الْعَلِيمُ } الذي بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في دينهم ودنياهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والشمس تجري لمستقر لها ) أي : إلى مستقر لها ، أي : إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة .

وقيل : إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه .

وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء ، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " مستقرها تحت العرش " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، حدثتا الحميدي ، حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله عز وجل : ( والشمس تجري لمستقر لها ) قال : " مستقرها تحت العرش " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا الحميدي ، أخبرنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر حين غربت الشمس : " أتدري أين تذهب " ؟

قلت : الله ورسوله أعلم قال : " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) .

وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس : " والشمس تجري لا مستقر لها " وهي قراءة ابن مسعود أي : لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا ( ذلك تقدير العزيز العليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والشمس تجري» إلى آخره من جملة الآية لهم آية أخرى والقمر كذلك «لمستقر لها» أي إليه لا تتجاوزه «ذلك» أي جريها «تقدير العزيز» في ملكه «العليم» بخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها، قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه، ذلك تقدير العزيز الذي لا يغالَب، العليم الذي لا يغيب عن علمه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل .

.

.

)قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ( لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) أى لحد معين تنتهى إليه .

.

شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره ، والمستقر عليه اسم مكان ، واللام بمعنى إلى .

.ويصح أن يكون اسم زمان ، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه ، وعلى هذا فمستقرها : انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا .

.والمعنى : وآية أخرى لهم على قدرتنا ، وهى أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه وإلى زمن محدد لا تتجاوزه وهذا المكان وذلك الزمان ، كلاهما لا يعلمه إلا الله - تعالى - .قال بعض العلماء : قوله - تعالى - : ( والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) أى : والشمس تدور حول نفسها ، وكان المظنون أنها ثابتة فى موضعها الذى تدور فيه حول نفسها .

ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة فى مكانها ، وإنما هى تجرى فعلا .

.

تجدرى فى اتجاه واحد ، فى هذا الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثنى عشر ميلا فى الثانية .والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول : إنها تجرى لمستقر لها ، هذا المستقر الذى ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده سواه .وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه ، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى فى الفضاء لا يسندها شئ ، حين نتصور ذلك ، ندرك طرفا من صفة القدرة التى تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم .وقد ساق القرطبى عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال : وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى - : ( والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) قال مستقرها تحت العرش .ولفظ البخارى عن أبى ذر قال : " قال النبى صلى الله عليه وسلم لى حين غربت الشمس .

" تدرى أين تذهب "؟

قلت : الله ورسوله أعمل .

قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها .

فقال لها : ارجعى من حيث جئت .

فتطلع من مغربه .

فذلك قوله - تعالى : ( والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ) " .واسم الإِشارة فى قوله ( وذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم ) يعود إلى الجرى المفهوم من " تجرى " .أى : ذلك الجريان البديع العجيب المقدر الشمس ، تقدير الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب ، العليم بكل شئ فى هذا الكون علما لا يخفى معه قليل أو كثير من أحوال هذا الكون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ويحتمل أن يكون الواو للعطف على الليل تقديره: وآية لهم الليل نسلخ والشمس تجري والقمر قدرناه، فهي كلها آية، وقوله: ﴿ والشمس تَجْرِي ﴾ إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها وهو وقت الغروب فينسلخ النهار، وفائدة ذكر السبب هو أن الله لما قال نسلخ منه النهار وكان غير بعيد من الجهال أن يقول قائل منهم سلخ النهار ليس من الله إنما يسلخ النهار بغروب الشمس فقال تعالى: والشمس تجري لمستقر لها بأمر الله فمغرب الشمس سالخ للنهار فبذكر السبب يتبين صحة الدعوى ويحتمل أن يقال بأن قوله: ﴿ والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ﴾ إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  ﴾ ذكر أن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار بمنافعه، وقوله: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ ﴾ اللام يحتمل أن تكون للوقت كقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ  ﴾ ووجه استعمال اللام للوقت هو أن اللام المكسورة في الأسماء لتحقيق معنى الإضافة لكن إضافة الفعل إلى سببه أحسن الإضافات لأن الإضافة لتعريف المضاف بالمضاف إليه كما في قوله: دار زيد لكن الفعل يعرف بسببه فيقال اتجر للربح واشتر للأكل، وإذا علم أن اللام تستعمل للتعليل فنقول وقت الشيء يشبه سبب الشيء لأن الوقت يأتي بالأمر الكائن فيه، والأمور متعلقة بأوقاتها فيقال خرج لعشر من كذا ﴿ وَأَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس  ﴾ لأن الوقت معرف كالسبب وعلى هذا فمعناه تجري الشمس وقت استقرارها أي كلما استقرت زماناً أمرت بالجري فجرت، ويحتمل أن تكون بمعنى إلى أي إلى مستقر لها وتقريره هو أن اللام تذكر للوقت وللوقت طرفان ابتداء وانتهاء يقال سرت من يوم الجمعة إلى يوم الخميس فجاز استعمال ما يستعمل فيه في أحد طرفيه لما بينهما من الاتصال ويؤيد هذا قراءة من قرأ ﴿ والشمس تَجْرِي إلى مُّسْتَقِرٌّ لَهَا ﴾ وعلى هذا ففي ذلك المستقر وجوه: الأول: يوم القيامة وعنده تستقر ولا يبقى لها حركة الثاني: السنة الثالث: الليل أي تجري إلى الليل الرابع: أن ذلك المستقر ليس بالنسبة إلى الزمان بل هو للمكان وحينئذٍ ففيه وجوه: الأول: هو غاية ارتفاعها في الصيف وغاية انخفاضها في الشتاء أي تجري إلى أن تبلغ ذلك الموضع فترجع الثاني: هو غاية مشارقها فإن في كل يوم لها مشرق إلى ستة أشهر ثم تعود إلى تلك المقنطرات وهذا هو القول الذي تقدم في الإرتفاع فإن اختلاف المشارق بسبب اختلاف الإرتفاع الثالث: هو وصولها إلى بيتها في الابتداء الرابع: هو الدائرة التي عليها حركتها حيث لا تميل عن منطقة البروج على مرور الشمس وسنذكرها، ويحتمل أن يقال: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ﴾ أي تجري مجرى مستقرها.

فإن أصحاب الهيئة قالوا الشمس في فلك والفلك يدور فيدير الشمس فالشمس تجري مجرى مستقرها، وقالت الفلاسفة تجري لمستقرها أي لأمر لو وجدها لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة وهو في غاية السقوط، وأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ أي ليس لإرادتها وإنما ذلك بإرادة الله وتقديره وتدبيره وتسخيره إياها، فإن قيل عددت الوجوه الكثيرة وما ذكرت المختار، فما الوجه المختار عندك؟

نقول المختار هو أن المراد من المستقر المكان أي تجري لبلوغ مستقرها وهو غاية الارتفاع والانخفاض فإن ذلك يشمل المشارق والمغارب والمجرى الذي لا يختلف والزمان وهو السنة والليل فهو أتم فائدة، وقوله: ﴿ ذلك ﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى جري الشمس أي ذلك الجري تقدير الله ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي لمستقر لها وذلك المستقر تقدير الله والعزيز الغالب وهو بكمال القدرة يغلب، والعليم كامل العلم أي الذي قدر على إجرائها على الوجه الأنفع وعلم الأنفع فأجراها على ذلك، وبيانه من وجوه: الأول: هو أن الشمس في ستة أشهر كل يوم تمر على مسامته شيء لم تمر من أمسها على تلك المسامتة، ولو قدر الله مرورها على مسامته واحدة لاحترقت الأرض التي هي مسامته لممرها وبقي المجموع مستولياً على الأماكن الأخر فقدر الله لها بعداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والأشجار في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج لتخريج النبات والثمار من الأرض والشجر وتنضج وتجفف، ثم تبعد لئلا يحترق وجه الأرض وأغصان الأشجار الثاني: هو أن الله قدر لها في كل يوم طلوعاً وفي كل ليلة غروباً لئلا تكون القوى والأبصار بالسهر والتعب ولا يخرب العالم بترك العمارة بسبب الظلمة الدائمة.

الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زحل لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زماناً كثيراً في مسامته شيء واحد فتحرقه، ولو كانت سريعة السير لما حصر لها لبث بقدر ما ينضج الثمار في بقعة واحدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ﴾ لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدّها ومستقرّها؛ لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب.

وقيل: مستقرّها أجلها الذي أقرّ الله عليه أمرها في جريها، فاستقرّت عليه وهو آخر السنة.

وقيل: الوقت الذي تستقرّ فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقرئ: ﴿ تجري إلى مستقر لها ﴾ وقرأ ابن مسعود: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ أي: لا تزال تجري لا تستقرّ.

وقرئ: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ على أنّ لا بمعنى ليس ﴿ ذَلِكَ ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علماً بكل معلوم.

قرئ: ﴿ والقمرُ ﴾ رفع على الابتداء، أو عطفاً على الليل، يريد: ومن آياته القمر، ونصباً بفعل يفسره قدرناه، ولا بدّ في ﴿ قدرناه مَنَازِلَ ﴾ .

من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل والمعنى: قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كلّ ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، على تقدير مستوٍ لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا.

فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس، و ﴿ عَادَ كالعرجون القديم ﴾ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة.

وقال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف.

وقرئ: ﴿ العرجون ﴾ بوزن الفرجون؛ وهما لغتان، كالبزيون والبزيون، والقديم المحول، وإذا قدم دق فانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه.

وقيل: أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول، فلو أنّ رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حرّ.

أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول أو أكثر.

وقرئ: ﴿ سابق النهار ﴾ .

على الأصل، والمعنى: أنّ الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسماً من الزمان، وضرب له حدّاً معلوماً، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس: أي لا يتسهل لها ولا يصحّ ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله ﴿ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار يعني آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويُطلع الشمس من مغربها فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟

قلت: لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر، ﴿ والقمر ﴾ خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره ﴿ وَكُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والمعنى: وكلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ نُزِيلُهُ ونَكْشِفُهُ عَنْ مَكانِهِ مُسْتَعارٌ مِن سَلْخِ الجِلْدِ والكَلامُ في إعْرابِهِ ما سَبَقَ.

﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ داخِلُونَ في الظَّلامِ.

﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوْرُها، فَشُبِّهَ بِمُسْتَقَرِّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ، أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ فَإنَّ حَرَكَتَها فِيهِ يُوجَدُ فِيها بُطْءٌ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّ لَها هُناكَ وقْفَةً قالَ: والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، أوْ لِمُنْتَهى مُقَدَّرٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ المَشارِقِ والمَغارِبِ فَإنَّ لَها في دَوْرِها ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَطْلَعٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ ثُمَّ لا تَعُودُ إلَيْهِما إلى العامِ القابِلِ، أوْ لِمُنْقَطَعِ جَرْيِها عِنْدَ خَرابِ العالَمِ.

وقُرِئَ «لا مُسْتَقَرَّ لَها» أيْ لا سُكُونَ فَإنَّها مُتَحَرِّكَةٌ دائِمًا و «لا مُسْتَقَرَّ» عَلى أنَّ «لا» بِمَعْنى لَيْسَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ الجَرْيُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المُتَضَمِّنِ لِلْحِكَمِ الَّتِي تُكِلُّ الفِطَنَ عَنْ إحْصائِها.

﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ الغالِبِ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ.

﴿ العَلِيمِ ﴾ المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والشمس تَجْرِى} وآية لهم الشمس تجري {لِمُسْتَقَرٍّ لها} لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة شبه بمستقر المسافر إذ قطع مسيره أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا {ذلك} الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق {تَقْدِيرُ العزيز} الغالب بقدرته على كل مقدور {العليم} بكل معلوم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والشَّمْسُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ) أيْ وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ.

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ تَجْرِي ﴾ ...

إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ (الشَّمْسُ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ نَسْلَخُ) وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، والجَرْيُ المَرُّ السَّرِيعُ، وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ والمَعْنى تَسِيرُ سَرِيعًا ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ مِن فَلَكِها في آخِرِ السَّنَةِ شُبِّهَ بِمُسْتَقَرَّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ انْتِهاءً إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وإنْ كانَ لِلْمُسافِرِ قَرارٌ دُونَها، ورُوِيُ هَذا عَنِ الكَلْبِيِّ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ بِمَعْنى إلى وقُرِئَ بِها بَدَلَ اللّامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً أوْ لِمُنْتَهًى لَها مِنَ المَشارِقِ اليَوْمِيَّةِ والمَغارِبِ لِأنَّها تَتَقَصّاها مَشْرِقًا مَشْرِقًا ومَغْرِبًا مَغْرِبًا حَتّى تُبْلُغَ أقْصاها ثُمَّ تَرْجِعُ فَذَلِكَ حَدُّها ومُسْتَقَرُّها لِأنَّها لا تَعْدُوهُ.

ورُوِيُ هَذا عَنِ الحَسَنِ وهو مُتَّفِقٌ في أنَّ المُسْتَقِرَّ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ عَلى ما سَمِعْتَ، ومُخْتَلِفٌ بِاعْتِبارِ أنَّ الأوَّلَ مِنَ اسْتِقْرارِ المُسافِرِ تَشْبِيهًا لِانْتِهاءِ الدَّوْرَةِ بِانْتِهاءِ السُّفْرَةِ وهَذا بِاعْتِبارِ مُقْنَطَراتِ الِارْتِفاعِ وبُلُوغِ أقْصاها ومُقَنْطَراتِ الِانْخِفاضِ كَذَلِكَ، والِاسْتِقْرارُ بِاعْتِبارِ عَدَمِ التَّجاوُزِ عَنِ الأوَّلِ في اسْتِقْصاءِ المَشارِقِ وعَنِ الثّانِي في اسْتِقْصاءِ المَغارِبِ أوْ لِحَدٍّ لَها مِن مَسِيرِها كُلَّ يَوْمٍ في رَأْيِ عُيُونِنا وهو المَغْرِبُ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ أيْضًا واللّامُ كَما سَمِعْتَ أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ ودائِرَةِ نِصْفِ النِّهارِ فالمُسْتَقَرُّ واللّامُ عَلى نَظِيرِ ما تَقَدَّمَ.

وكَوْنُ ذَلِكَ مَحَلَّ قَرارِها إمّا مَجازٌ عَنِ الحَرَكَةِ البَطِيئَةِ أوْ هو بِاعْتِبارِ ما يَتَراءى؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ فَرَسَهُ وجَرْيَهُ في الظَّهِيرَةِ وشِدَّةِ الحَرِّ: مُعْرَوْرِيًا رَمْضَ الرَّضْراضِ تَرَكُّضُهُ والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها ومُكْثٍ في كُلِّ بُرْجٍ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، فالمُسْتَقَرُّ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ واللّامُ داخِلَةٌ عَلى الغايَةِ أوِ الحامِلِ، وقِيلَ تَجْرِي لِبَيْتِها وهو بُرْجُ الأسَدِ، واسْتِقْرارُها عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ حالِها فِيهِ، وهَذا غَيْرُ مَقْبُولٍ إلّا عِنْدَ أهْلِ الأحْكامِ ولا يَخْفى حُكْمُهم عَلى مُحَقِّقِي الإسْلامِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى تَجْرِي إلى وقْتٍ لَها لا تَتَعَدّاهُ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا مُسْتَقَرُّها انْتِهاءُ سَيْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

كَما قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ومُسْتَقَرٌّ عَلَيْهِ اسْمُ زَمانٍ.

وفي غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصِّحاحِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ  في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟

قُلْتُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ!

قالَ: تَذْهَبُ لِتَسْجُدَ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَها.

ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلَ مِنها وتَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤْذَنَ لَها، فَيُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعَ مِن مَغْرِبِها فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ » وفي رِوايَةٍ «أتُدْرُونَ أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟

قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ!

قالَ: إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً» الحَدِيثَ.

وفي ذَلِكَ عِدَّةُ رِواياتٍ وقَدْ رُوِيَ مُخْتَصَرًا جِدًّا.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ قالَ مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ،» فالمُسْتَقَرُّ اسْمُ مَكانٍ والظّاهِرُ أنَّ لِلشَّمْسِ فِيهِ قَرارًا حَقِيقَةً، قالَ النَّوَوِيُّ: قالَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ الحَدِيثِ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ العَرْشِ إلى أنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ: وسُجُودُها بِتَمْيِيزٍ وإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى فِيها.

وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ أنَّ سُجُودَها تَحْتَ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ غُرُوبِها، وحَكى فِيها عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ وتَقُولَ: يا رَبِّ إنَّ قَوْمًا يَعْصُونَكَ فَيُقالُ لَها ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَنْزِلُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَطْلُعَ مِنَ المَشْرِقِ وبِنُزُولِها إلى سَماءِ الدُّنْيا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وفِيها أيْضًا أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها إذا غَرَبَتْ دَخَلَتْ نَهْرًا تَحْتَ العَرْشِ فَتُسَّبِحُ رَبَّها حَتّى إذا أصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّها عَنِ الخُرُوجِ، فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لِمَ؟

فَتَقُولُ: إنِّي إذا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِن دُونِكَ.

والسُّجُودُ تَحْتَ العَرْشِ قَدْ جاءَ أيْضًا مِن رِواياتِ الإمامِيَّةِ ولَهم في ذَلِكَ أخْبارٌ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ الشَّمْسَ عَلَيْها سَبْعُونَ ألْفِ كُلّابٍ وكُلُّ كُلّابٍ يَجُرُّهُ سَبْعُونَ ألْفِ مَلَكٍ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ثُمَّ يَنْزِعُونَ مِنها النُّورَ فَتَخِرُّ ساجِدَةً تَحْتَ العَرْشِ ثُمَّ يَسْألُونَ رَبَّهم هَلْ نُلْبِسُها لِباسَ النُّورِ أمْ لا؟

فَيُجابُونَ بِما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَلْ نُطْلِعُها مِن مَشْرِقِها أوْ مَغْرِبِها؟

فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ثُمَّ يَسْألُونَ عَنْ مِقْدارِ الضَّوْءِ، فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن قَصْرِ النَّهارِ وطُولِهِ.

وفِي الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أخْبارٌ مِن هَذا القَبِيلِ، والصَّحِيحُ مِنَ الأخْبارِ قَلِيلٌ، ولَيْسَ لِي عَلى صِحَّةِ أخْبارِ الإمامِيَّةِ وأكْثَرَ ما في الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ تَعْوِيلٌ.

نَعَمْ، ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِمّا لا كَلامَ في صِحَّتِهِ، وماذا يُقالُ في أبِي ذَرٍّ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ مُشْكِلٌ إذا كانَ السُّجُودُ والِاسْتِقْرارُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ سَواءٌ قِيلَ إنَّها تَطْلُعَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلَيْهِ فَتَسْجُدُ، أمْ قِيلَ: إنَّها تَسْتَقِرُّ وتَسْجُدُ تَحْتَهُ مِن غَيْرِ طُلُوعٍ، فَقَدْ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّها تَغْرُبُ عِنْدَ قَوْمٍ وتَطْلُعُ عَلى آخَرِينَ، واللَّيْلُ يَطُولُ عِنْدَ قَوْمٍ ويَقْصُرُ عِنْدَ آخَرِينَ، وبَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ اخْتِلافٌ ما في الطُّولِ والقِصَرِ عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وفي بِلادِ بِلْغارٍ قَدْ يَطْلُعُ الفَجْرُ قَبْلَ أنْ يَغِيبَ شَفَقُ الغُرُوبُ، وفي عُرْضِ تِسْعِينَ لا تَزالُ طالِعَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ وغارِبَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ، فالسَّنَةُ نَصِفُها لَيْلٌ ونِصْفُها نَهارٌ عَلى ما فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، والأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تَسْكُنُ عِنْدَ غُرُوبِها وإلّا لَكانَتْ ساكِنَةً عِنْدَ طُلُوعِها بِناءً عَلى أنَّ غُرُوبَها في أُفُقٍ طُلُوعٌ في غَيْرِهِ، وأيْضًا هي قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تُفارِقُ فَلَكَها فَكَيْفَ تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلى العَرْشِ بَلْ كَوْنُ الأمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُها تَحْتَ العَرْشِ دائِمًا بِمَعْنى احْتِوائِهِ عَلَيْها وكَوْنُها في جَوْفِهِ كَسائِرِ الأفْلاكِ الَّتِي فَوْقَ فَلَكِها والَّتِي تَحْتَهُ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِن أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما سَمِعْتُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِي خِلافَها مِنَ العَيانِ والبُرْهانِ فَلَمْ أُوَفَّقْ لِأنْ أفُوزَ مِنهم بِما يَرْوِي الغَلِيلَ ويَشْفِي العَلِيلَ، والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ أنَّ الشَّمْسَ وكَذا سائِرُ الكَواكِبِ مُدْرِكَةٌ عاقِلَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ حَيْثُ جِيءَ بِالفِعْلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ لِنَحْوِ ما ذُكِرَ يَدُلُّ، وعَلَيْهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِن أنَّها تَسْجُدُ وتَسْتَأْذِنُ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الِاسْتِئْذانِ ما يَكُونُ بِلِسانِ القالِ دُونَ لِسانِ الحالِ.

وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى الإدْراكَ والتَّمْيِيزَ فِيها حالَ السُّجُودِ والِاسْتِئْذانِ ثُمَّ سَلْبُهُ عَنْها مِمّا لا حاجَةَ إلى التِزامِهِ، بَلْ هو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، والشَّواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ العِتْرَةِ عَلى كَوْنِها ذاتَ إدْراكٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا لا تَكادُ تُحْصى كَثْرَةً، وبَعْضٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَها بِالخُصُوصِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ لَها بِاعْتِبارِ دُخُولِها في العُمُومِ أوْ بِالمُقايَسَةِ؛ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومَتى كانَتْ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَها نَفْسٌ ناطِقَةٌ كَنَفْسِ الإنْسانِ؛ بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِكَوْنِها ذاتَ نَفْسٍ ناطِقَةٍ كامِلَةٍ جِدًّا، والحُكَماءُ أثْبَتُوا النَّفْسَ لِلْفَلَكِ وصَرَّحَ بَعْضُهم بِإثْباتِها لِلْكَواكِبِ أيْضًا، وقالُوا: كُلُّ ما في العالَمِ العُلْوِيِّ مِنَ الكَواكِبِ والأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والتَّداوِيرِ حَيٌّ ناطِقٌ والأنْفُسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ إذا كانَتْ قُدْسِيَّةً قَدْ تَنْسَلِخُ عَنِ الأبْدانِ وتَذْهَبُ مُتَمَثِّلَةً ظاهِرَةً بِصُوَرِ أبْدانِها أوْ بِصُوَرٍ أُخْرى كَما يَتَمَثَّلُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَظْهَرُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ أوْ بِصُورَةِ بَعْضِ الأعْرابِ كَما جاءَ في صَحِيحِ الأخْبارِ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مَعَ بَقاءِ نَوْعِ تَعَلُّقٍ لَها بِالأبْدانِ الأصْلِيَّةِ يَتَأتّى مَعَهُ صُدُورُ الأفْعالِ مِنها كَما يُحْكى عَنْ بَعْضِ الأوْلِياءِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم - أنَّهم يُرَوْنَ في وقْتٍ واحِدٍ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةِ تَجَرُّدِ أنْفُسِهِمْ، وغايَةِ تَقَدُّسِها، فَتَمْثُلُ وتَظْهَرُ في مَوْضِعٍ وبَدَنُها الأصْلِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ.

لا تَقُلْ دارُها بِشَرْقِيِّ نَجْدٍ ∗∗∗ كُلُّ نَجْدٍ لِلْعامِرِيَّةِ دارُ وهَذا أمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ مَشْهُورٌ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو غَيْرُ طَيِّ المَسافَةِ، وإنْكارُ مَن يُنْكِرُ كُلًّا مِنهُما عَلَيْهِمْ مُكابَرَةٌ لا تَصْدُرُ إلّا مِن جاهِلٍ أوْ مُعانِدٍ، وقَدْ عَجِبَ العَلامَةُ التَّفْتازانِيُّ مِن بَعْضِ فُقَهاءِ أهْلِ السُّنَّةِ أيْ كابْنِ مُقاتِلٍ حَيْثُ حَكَمَ بِالكُفْرِ عَلى مُعْتَقِدِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهم رَأوْهُ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ورُئِيَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِمَكَّةَ، ومَبْناهُ زَعْمَ أنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ الكِبارِ وهو مِمّا لا يُثْبِتُ كَرامَةً لِوَلِيٍّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُعْتَمَدَ عِنْدَنا جَوازُ ثُبُوتِ الكَرامَةِ لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا إلّا فِيما يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ عَدَمُ إمْكانِهِ؛ كالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِ إحْدى سُوَرِ القُرْآنِ، وقَدْ أثْبَتَ غَيْرُ واحِدٍ تَمَثُّلَ النَّفْسِ وتَصَوُّرِها لِنَبِيِّنا  بَعْدَ الوَفاةِ، وادَّعى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ يُرى في عِدَّةِ مَواضِعَ في وقْتٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الشَّرِيفِ يُصَلِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في ذَلِكَ، وصَحَّ أنَّهُ  رَأى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُصَلِّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ ورَآهُ في السَّماءِ وجَرى بَيْنَهُما ما جَرى في أمْرِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وكَوْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَجَ إلى السَّماءِ بِجَسَدِهِ الَّذِي كانَ في القَبْرِ بَعْدَ أنْ رَآهُ النَّبِيُّ  مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ جَزْمًا، والقَوْلُ بِهِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، وقَدْ رَأى  لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ جَماعَةً مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماواتِ مَعَ أنَّ قُبُورَهم في الأرْضِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهم نُقِلُوا مِنها إلَيْها عَلى قِياسِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا ادَّعى الحُكْمِيُّونَ اسْتِحالَتَهُ مِن شَغْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ أكْثَرَ مِن بَدَنٍ واحِدٍ بَلْ هو أمْرٌ وراءَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى بَصِيرَتَهُ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِلشَّمْسِ نَفَسًا مِثْلُ تِلْكَ الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ وأنَّها تَنْسَلِخُ عَنِ الجِرْمِ المُشاهَدِ المَعْرُوفِ مَعَ بَقاءِ نَوْعٍ مِنَ التَّعَلُّقِ لَها بِهِ فَتَعْرُجُ إلى العَرْشِ فَتَسْجُدُ تَحْتَهُ بِلا واسِطَةٍ وتَسْتَقِرُّ هُناكَ وتَسْتَأْذِنُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ سَيْرَ هَذا الجِرْمِ المَعْرُوفِ وعَدَمَ سُكُونِهِ حَسْبَما يَدَّعِيهِ أهْلُ الهَيْئَةِ وغَيْرُهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ إذا غَرَبَتْ وتَجاوَزَتِ الأُفُقَ الحَقِيقِيَّ وانْقَطَعَتْ رُؤْيَةُ سُكّانِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ إيّاها، ولا يَضُرُّ فِيهِ طُلُوعُها إذْ ذاكَ في عُرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ السُّجُودِ والسُّكُونِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ المُنْسَلِخَةِ المُتَمَثِّلَةِ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى لا يُنافِي سَيْرَ الجِرْمِ المَعْرُوفِ بَلْ لَوْ كانا نِصْفَ النَّهارِ في خَطِّ الِاسْتِواءِ لَمْ يَضُرَّ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ سُجُودُها بَعْدَ غُرُوبِها عَنْ أُفُقِ المَدِينَةِ ولا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُها طالِعَةً إذْ ذاكَ في أُفُقٍ آخَرَ لِما سَمِعْتَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وعَلى هَذا الطِّرْزِ يُخَرَّجُ ما يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ واحِدًا مِنَ الأوْلِياءِ بِأنْ يُقالَ إنَّ لِلْكَعْبَةَ حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وهي بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ تَزُورُ والنّاسُ يُشاهِدُونَها في مَكانِها أحْجارًا مَبْنِيَّةً.

وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفُتُوحاتِ كَلامًا طَوِيلًا ظاهِرًا في أنَّ لَها حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وفِيهِ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَها زَمانَ مُجاوَرَتِهِ مُراسَلاتٌ وتَوَسُّلاتٌ ومُعاتَبَةٌ دائِمَةٌ، وأنَّهُ دَوَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ في جُزْءٍ سَمّاهُ تاجَ الوَسائِلِ ومِنهاجَ الرَّسائِلِ، وقَدْ سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عُمَرُ النَّسْفِيُّ مُفْتِي الإنْسِ والجِنِّ عَمّا يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ إلَخْ هَلْ يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ؟

فَقالَ: نَقْضُ العادَةِ عَلى سَبِيلِ الكَرامَةِ لِأهْلِ الوِلايَةِ جائِزٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وارْتَضاهُ العَلّامَةُ السَّعْدُ وغَيْرُهُ لَكِنْ لَمْ أرَ مَن خَرَّجَ زِيارَتَها عَلى هَذا الطِّرْزِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذَلِكَ بِذَهابِ الجِسْمِ المُشاهَدِ مِنها إلى المَزُورِ وانْتِقالِهِ مِن مَكانِهِ، فَفي عِدَّةِ الفَتاوى والوَلْوالَجِيَّةِ وغَيْرِهِما لَوْ ذَهَبَتِ الكَعْبَةُ لِزِيارَةِ بَعْضِ الأوْلِياءِ فالصَّلاةُ إلى هَوائِها، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِهِ غَيْرُ ما يُحْكى فَإنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لَمْ يَكُنْ بِانْتِقالِ الجِسْمِ المُشاهَدِ ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثِ في الشَّمْسِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ الحِسُّ وكَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ بِهَذا الوَجْهِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ بَيْدَ أنِّي رَأيْتُ في بَعْضِ مُؤَلِّفاتِ عَصْرِيِّنا الرِّشْتِيِّ رَئِيسِ الطّائِفَةِ الإمامِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ أنَّ سَجْدَةَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها تَحْتَ العَرْشِ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ الآنِيَّةِ ونَزْعِ جِلْبابِ الماهِيَّةِ، وهو عِنْدِي نَوْعٌ مِنَ الرَّطانَةِ لا يَفْهَمُهُ مَن لا خِبْرَةَ لَهُ بِاصْطِلاحاتِهِ ولَوْ كانَ ذا فَطانَةٍ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ الكَلالِيبِ السّابِقَ: إنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَلامَ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا بِقَدْرِ سَمِّ الخِياطِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ عَدَمِ المُنافاةِ مَعَ أنَّها أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ مُعْتَذِرًا بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ طَوِيلٌ ولا أظُنُّهُ لَوْ كانَ آتِيًا بِهِ إلّا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وهَذا ما عِنْدِي، فَلْيُتَأمَّلْ!

واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ (لا مُسْتَقَرَّ لَها) بِلا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وبِناءِ (مُسْتَقَرَّ) عَلى الفَتْحِ، فَتَقْتَضِي انْتِفاءَ كُلِّ مُسْتَقَرٍّ حَقِيقِيٍّ لِجِرْمِها المُشاهَدِ وذَلِكَ في الدُّنْيا أيْ هي تَجْرِي في الدُّنْيا دائِمًا لا تَسْتَقِرُّ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِـ (لا) أيْضًا إلّا أنَّهُ رَفَعَ (مُسْتَقَرٌّ) ونَوَّنَهُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ كَما في قَوْلِهِ: تَعَزَّ فَلا شَيْءٌ عَلى الأرْضِ باقِيًا ∗∗∗ ولا وزَرٌ مِمّا قَضى اللَّهُ واقِيًا (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الجَرْيِ المَفْهُومِ مِن (تَجْرِي) أيْ ذَلِكَ الجَرْيُ البَدِيعُ الشَّأْنِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الرّائِقَةِ الَّتِي تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ والأذْهانُ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ الغالِبِ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ﴿ العَلِيمِ ﴾ المُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم في حِكْمَةِ جَرْيِها حَتّى تَسْجُدَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ السّابِقُ تَجَدُّدُ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ العَرْشِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ والعَناصِرِ ما يَتَرَتَّبُ وبِاكْتِسابِها النُّورَ مِنَ العَرْشِ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ.

ومِنَ العَجِيبِ ما ذَكَرَهُ الرِّشْتِيُّ أنَّها تَسْتَمِدُّ النُّورَ مِن ظاهِرِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ القَمَرِ، ومِن باطِنِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ زُحَلَ، وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ الكُرْسِيِّ وتُمِدُّ فَلَكَ عُطارِدٍ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المُشْتَرِي وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ تَقاطُعِ نُقْطَتَيِ المِنطَقَتَيْنِ وتُمِدُّ فَلَكَ الزُّهْرَةِ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المِرِّيخِ، ولَيْتَ شِعْرِي مِن أيْنَ اسْتَمَدَّ فَقالَ ما قالَ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ نَقْلًا ولا نَظُنُّ أنَّهُ مَرَّ بِخَيالٍ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ نُورَ الشَّمْسِ ما هو مِن حَيْثُ عَيْنُها بَلْ هو مِن تَجَلٍّ دائِمٍ لَها مِنَ اسْمِهِ تَعالى النُّورِ، ونُورُ سائِرِ السَّيّاراتِ مِن نُورِها وهو في الحَقِيقَةِ مِن تَجَلِّي اسْمِهِ سُبْحانَهُ النُّورِ فَما ثَمَّ إلّا نُورُهُ عَزَّ وجَلَّ.

وادَّعى كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ نُورَ جَمِيعِ الكَواكِبِ ثَوابِتِها وسَيّاراتِها مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وهو مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ الفَيّاضِ المُطْلَقِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ.

وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ وهي مَرْكَزُ العالَمِ والكَواكِبُ والأرْضُ كُراتٌ دائِرَةٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: تنزيهاً لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يعني: ألواناً من النبات والثمار.

ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلاً على وحدانيته تعالى وربوبيته وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى، وألواناً مختلفة وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ يعني: وخلق من الخلق ما لا يعلمون، وهذا كقوله: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: 8] .

ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها، فقال عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ يعني: علامة وحدانيته الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: نخرج ونميز منه النهار فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: داخلون في الظلمة.

ويقال: يبقون في الظلمة.

ويقال: إن الله خلق الدنيا مظلمة.

ثم قال: وَالشَّمْسُ سراجاً، فإذا طلعت الشمس، صارت الدنيا مضيئة.

وإذا غربت الشمس، بقيت الظلمة.

كما كانت، وهو قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: ننزع الضوء منه فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: يبقون في الظلمة.

ويقال: نسلخ الليل.

يعني: نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى منه شيء من ضوء النهار، كما نسلخ الليل من النَّهَار، فكذلك نسلخ النهار من الليل.

فكأنه يقول: الليل نسلخ منه النهار.

والنهار نسلخ منه الليل، فاكتفى بذكر أحدهما، لأن في الكلام دليلاً.

وقد ذكر في آية أخرى قال: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5] .

ثم قال عز وجل: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال مقاتل: يعني: لوقت لها.

وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها، ولا تتجاوزها.

ثم ترجع إلى أول منازلها.

وقال القتبي: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يعني: إلى مستقر لها.

ومستقرها أقصى منازلها في الغروب.

وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها، لأنها لا تجاوزها.

وطريق آخر ما روى عن أبي ذر الغفاري-  - قال: كنت جالساً مع النبيّ  عند غروب الشمس، فقال: «يا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ» ؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنَّهَا تَغْربُ، وَتَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، وَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أنْ تَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ، وَتَطْلُبَ، فَإذا طَالَ عَلَيْهَا، قيلَ لَهَا: اطلعي مَكَانَكِ، فذلك قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ» .

ثم قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ العزيز بالنقمة، العليم بما قدّره من أمرها، وخلقها.

وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ: والشّمس تجري لا مستقرّ لَهَا يعني: لا تقف، ولا تستقر، ولكنها جارية أبدا.

ثم قال عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وَالْقَمَرَ بالضم وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فله وجهان.

أحدهما أن يكون على الابتداء، والآخر معناه: وَآيَةٌ لَهُمْ القمر عطف على قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ومن قرأ بالنصب، فمعناه: وقدرنا القمر.

وقال مقاتل في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يعني: قدرناه منازل في السماء، يبدو رقيقاً، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر.

وقال الكلبي: قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي: قدرناه منازل بالليل، ينزل كل ليلة في منزل، ويصعد في منزل، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى أدنى منازله.

ويقال: إن القمر يدور في منازله في شهر واحد، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخاً مستديرة، والشمس هكذا.

وكان ضوؤهما واحداً، فأخذ تسعة وتسعون جزءاً من القمر، فألحقت بالشمس.

وروي عن ابن عباس أنه قال: القمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً.

وقال بعضهم: القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها.

ثم قال تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يعني: صار كالعذق اليابس، والمنقرس، الذي حال عليه الحول.

ويقال: للقمر ثمانية وعشرون منزلاً، فإذا صار في آخر منازله، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس.

والعرجون إذا يبس، دق واستقوس، فشبه القمر به.

يعني: صار في عين الناظر كالعرجون، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقاً.

ثم قال عز وجل: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يعني: أن تطلع في سلطان القمر.

وقال عكرمة: لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار، وللقمر سلطان بالليل.

فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يعني: لا يدرك سواد الليل ضوء النهار، فيغلبه على ضوئه وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: في دوران يجرون، ويدورون، ويقال: يَسْبَحُونَ يعني: يسيرون فيه بالانبساط، وكل من انبسط في شيء، فقد سبح فيه، وقال بعضهم: السماء كالموج المكفوف، والشمس والقمر، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم: الأفلاك كثيرة، مختلفة في السير، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوماً، والشمس تقطع في سنة.

وقال بعضهم: الفلك واحد، وجريهن مختلف، والفلك في اللغة كل ما يدور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.

قلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى.

ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣» ، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:

العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ: وعَلامَةٌ لَهم تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِنا وقُدْرَتِنا اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ؛ قالَ الفَرّاءُ: نَرْمِي بِالنَّهارِ عَنْهُ، و "مِنهُ" بِمَعْنى "عَنْهُ" .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ ونُمَيِّزُهُ مِنهُ فَتَجِيءُ الظُّلْمَةُ، قالَ الماوَرْدِيُّ: وذَلِكَ أنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ.

﴿ والشَّمْسُ ﴾ أيْ: وآَيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: إلى مَوْضِعِ قَرارِها؛ رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ قالَ: "مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ"، وقالَ: "إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الطُّلُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها" .» والثّانِي: أنَّ مُسْتَقَرَّها مَغْرِبُها لا تُجاوِزُهُ ولا تَقْتَصِرُ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لِوَقْتٍ لَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

والرّابِعُ: تَسِيرُ في مَنازِلِها حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أوَّلِ مَنازِلِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إلى مُسْتَقَرٍّ لَها، ومُسْتَقَرُّها: أقْصى مَنازِلِها في الغُرُوبِ، [وَذَلِكَ] لِأنَّها لا تَزالُ تَتَقَدَّمُ إلى أقْصى مَغارِبِها، ثُمَّ تَرْجِعُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: "لا مُسْتَقَرَّ لَها" والمَعْنى أنَّها تَجْرِي أبَدًا لا تَثْبُتُ في مَكانٍ واحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ في مُلْكِهِ ﴿ العَلِيمِ ﴾ بِما يَقْدِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "والقَمَرُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والقَمَرَ" بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فالمَعْنى: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: وآَيَةُ لَهُمُ القَمَرُ قَدَّرْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، و"قَدَّرْناهُ" الخَبَرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَنازِلُ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعُشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ إلى آَخِرِهِ، وقَدْ سَمَّيْناها في سُورَةِ [يُونُسَ: ٥]، فَإذا صارَ إلى آَخِرِ مَنازِلِهِ، دَقَّ فَعادَ كالعُرْجُونِ، وهو عَوْدُ العَذْقِ الَّذِي تَرَكَتْهُ الشَّمارِيخُ، فَإذا جَفَّ وقَدِمَ يُشْبِهُ الهِلالَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: و "القَدِيمُ" هاهُنا: الَّذِي قَدْ أتى عَلَيْهِ حَوْلٌ، شِبْهُ القَمَرِ آَخَرَ لَيْلَةٍ يَطْلَعُ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ "عُرْجُونِ": فَعَلَوْنُ مِنَ الِانْعِراجِ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كالعُرْجُونِ"، بِكَسْرِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ، كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدِيِ الآَخَرِ، فَلا يَشْتَرِكانِ في المَنازِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآَخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ الآَخَرِ، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآَخَرِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَوِ اتَّصَلَ الضَّوْءُ لَمْ يَعْرِفِ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وَأبُو عِمْرانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "سابِقٌ" بِالتَّنْوِينِ "النَّهارَ" بِالنَّصْبِ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ.

والثّانِي: لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مِن غَيْرِ نَهارٍ فاصِلٍ بَيْنَهُما.

وباقِي الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ:٣٣ ] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ﴿ لا الشَمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَيْلُ سابِقُ النَهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ جَعَلَها اللهُ تَعالى أدِلَّةً عَلى القُدْرَةِ ووُجُوبِ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ، و"نَسْلَخُ" مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، فَهي اسْتِعارَةٌ، و"مُظْلِمُونَ": داخِلُونَ في الظَلامِ، واسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَيْلَ أصْلٌ والنَهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ.

و"مُسْتَقَرُّ الشَمْسِ" - عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقٍ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ - «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّها تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ولَها ثَمَّ وجْبَةٌ عَظِيمَةٌ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها هو في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُكَوَّرُ، فَهي تَجْرِي لِذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها كِنايَةٌ عن غُيُوبِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ.

وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها آخِرُ مَطالِعِها في المُنْقَلَبَيْنِ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها، فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عن حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها وُقُوفُها عِنْدَ الزَوالِ في كُلِّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ظِلالِ الأشْياءِ حِينَئِذٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

"لا مُسْتَقَرَّ لَها".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "والقَمَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللَيْلُ"، عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَصِحُّ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: في الوُجُودِ وفي المُشاهَدَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ مِنَ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ وابْتِداءٍ وخَبَرٍ، اللَيْلُ واحِدَةٌ، والقَمَرُ ثانِيَةٌ.

وقَرَأ الباقُونَ "القَمَرَ" عَلى إضْمارِ فَعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "قَدَّرْناهُ"، ﴾ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ -.

و"مَنازِلَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وهَذِهِ المَنازِلُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَقْطَعُ القَمَرُ مِنها كُلَّ لَيْلَةٍ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ فِيما يَزْعُمُونَ، وعَوْدَتُهُ هِيَ اسْتِهْلالُهُ رَقِيقًا، وحِينَئِذٍ يُشْبِهُ العُرْجُونَ، وهو الغُصْنُ مِنَ النَخْلَةِ الَّذِي فِيهِ شَمارِيخُ الثَمَرِ، فَإنَّهُ يَنْحَنِي ويَصْفَرُّ إذا قَدُمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالهِلالِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والوُجُودُ يَشْهَدُ بِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: "كالعِرْجُونِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

و"القَدِيمِ" مَعْناهُ: العَتِيقُ الَّذِي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ.

و"يَنْبَغِي" هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقُ النَهارِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ عُبادَةُ: "سابِقُ النَهارَ" دُونَ تَنْوِينٍ في القافِ وبِنَصْبِ "النَهارَ"، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ وقالَ: حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا.

و"الفَلَكُ" - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - مُتَحَرِّكٌ مُسْتَدِيرٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فِيهِ جَمِيعُ الكَواكِبِ.

و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَجْرُونَ ويَعُومُونَ، قالَ مَكِّيٌّ: لَمّا أُسْنِدَ إلَيْها فِعْلُ مَن يَعْقِلُ جُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الشمس ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ اللَّيْلُ ﴾ من قوله: ﴿ وءايَةٌ لهم اللَّيْلُ ﴾ [يس: 37] عطفَ مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل، والتقدير: والشمس آية لهم، وتكون جملة ﴿ تَجْرِي ﴾ حالاً من ﴿ الشمس ﴾ مثل جملة ﴿ نَسْلَخُ منه النَّهَارَ ﴾ [يس: 37].

ويجوز أن يكون عطفَ جملة على جملة ويكون قوله: ﴿ تَجْرِي ﴾ خبراً عن ﴿ الشمس ﴾ .

وأيَّاما كان فهو تفصيل لإِجمال جملة ﴿ وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ [يس: 37] الخ كما دل عليه قوله الآتي: ﴿ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ [يس: 40]، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلاً أن لا يعطف فيقال: الشمسُ تجري لمستقر لها، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آيةً خاصة وهي آية سير الشمس والقمر.

وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك؛ فكانت آية الشمس المذكورة هنا مراداً بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول.

وجملة ﴿ تَجْرِي لِمُسْتقر لها ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة ﴿ أحييناها ﴾ [يس: 33] من كونها حالاً أو بياناً لجملة ﴿ وءَايَةٌ لهُم ﴾ [يس: 37] أو بدل اشتمال من والجري حقيقته: السير السريع وهو لذوات الأرْجل، وأطلق مجازاً على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلاً سريعاً بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم، وغلب هذا الإِطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جِدَّ التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس.

وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفةِ للناس معرفةً إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر، والمعروفةِ لأهل العلم بالهيئة تفصيلاً واستدلالاً وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم.

والمستقر: مكان الاستقرار، أي القرار أو زمانه، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل: استجاب بمعنى أجاب.

واللام في لِمُستَقَرٍ } يجوز أن تكون لام التعليل على ظاهرها، أي تجري لأجل أن تستقر، أي لأجل أن ينتهي جريها كما ينتهي سير المسافر إذا بلغ إلى مكانه فاستقر فيه، وهو متعلق ب ﴿ تجري ﴾ على أنه نهاية له لأن سير الشمس لما كانت نهايته انقطاعَه نُزّل الانقطاع عنه منزلة العلة كما يقال: «لِدُوا للموت وابنوا للخراب».

وتنزيل النهاية منزلة العلة مستعمل في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].

والمعنى: أنها تسير سيراً دائباً مشاهداً إلى أن تبلغ الاحتجاب عن الأنظار.

ويجوز أن تكون اللام بمعنى (إلى)، أي تجري إلى مكان استقرارها وهو مكان الغروب، شبه غروبها عن الأبصار بالمستقَر والمأوَى الذي يأوي إليه المرء في آخر النهار بعد الأعمال.

وقد ورد تقريب ذلك في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي «البخاري» و«مسلم» و«جامع الترمذي» بروايات مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال: " كنتُ مع رسول الله في المسجد عند غروب الشمس فسألته (أو فقال): إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش فذلك قوله تعالى: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ " وهذا تمثيل وتقريب لسير الشمس اليومي الذي يبتدئ بشروقها على بعض الكرة الأرضية وينتهي بغروبها على بعض الكرة الأرضية، في خطوط دقيقة، وبتكرر طلوعها وغروبها تتكون السنة الشمسية.

وقد جعل الموضع الذي ينتهي إليه سيرها هو المعبر عنه بتحت العرش وهو سمت معيّن لا قبل للناس بمعرفته، وهو منتهى مسافة سيرها اليومي، وعنده ينقطع سيرها في إبان انقطاعه وذلك حين تطلع من مغربها، أي حين ينقطع سير الأرض حول شعاعها لأن حركة الأجرام التابعة لنظامها تنقطع تبعاً لانقطاع حركتها هي وذلك نهاية بقاء هذا العالم الدنيوي.

واللام في قوله ﴿ لها ﴾ لام الاختصاص وهو صفة ﴿ لِمُسْتَقَر ﴾ .

وعُدل عن إضافة مستقر لضمير الشمس المغنية عن إظهار اللام إلى الإِتيان باللام ليتأتى تنكير «مستقر» تنكيراً مشعراً بتعظيم ذلك المستقر.

وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا تمثيل لحال الغروب والشروق اليوميين.

وجعل سجود الشمس تمثيلاً لتسخرها لتسخير الله إياها كما جعل القول تمثيلاً له في آية ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ [فصلت: 11].

واعلم أن قوله: ﴿ لِمُستقر لها ﴾ إدماج للتعليم في التذكير وليس من آية الشمس للناس لأن الناس لا يشعرون به فهو كقوله تعالى: ﴿ ليقضى أجل مسمى ﴾ [الأنعام: 60] عقب الامتنان بقوله: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ﴾ [الأنعام: 60].

والإشارة ب ﴿ ذلك تقديرُ العَزِيزِ العلِيمِ ﴾ إلى المذكور: إما من قوله: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي ﴾ أي ذلك الجري، وإما منه ومن قوله: ﴿ وءايَة لهم اللَّيْلُ ﴾ [يس: 37] أي ذلك المذكور من تعاقب الليل والنهار.

وذكر صفتي ﴿ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ لمناسبة معناهما للتعلق بنظام سير الكواكب، فالعزة تناسب تسخير هذا الكوكب العظيم، والعلم يناسب النظام البديع الدقيق، وتقدم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجاً ﴾ في سورة الفرقان } (61).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ نْخُرِجُ مِنهُ النَّهارَ يَعْنِي ضَوْءَهُ، مَأْخُوذٌ مِن سَلْخِ الشّاةِ إذا خَرَجَتْ مِن جِلْدِها.

﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ في ظُلْمَةٍ لِأنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لِانْتِهاءِ أمْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أيْ: أبْعَدِ مَنازِلِها في الغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أدْنى مَنازِلَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُها: والشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها.

وَتَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها تَجْرِي في اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا وُقُوفَ لَها ولا قَرارَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ عَلى مَقَرٍّ لَهُ، يَزِيدُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ حَتّى يُسْتَكْمَلَ ثُمَّ يَنْقُصُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ يَطْلُعُ كُلَّ لَيْلَةٍ في مَنزِلٍ حَتّى يَسْتَكْمِلَ جَمِيعَ المَنازِلِ في كُلِّ شَهْرٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الحُسّابِ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيًّا.

﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العِذْقُ اليابِسُ إذا اسْتَقْوَسَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى قَيْسٍ: شَرِقَ المِسْكُ والعَبِيرُ بِها فَهي صَفْراءُ كَعُرْجُونِ القَمَرِ الثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ إذا انْحَنى مائِلًا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ ضَوْءِ الآخَرِ، لِأنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْلًا وضَوْءَ الشَّمْسِ نَهارًا، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآخَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنازِلَ لا يَشْتَرِكانِ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ لا تُدْرِكُ الشَّمْسُ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ بِالمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مُتَّصِلٍ حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُما نَهارٌ مُنْفَصِلٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ النَّهارَ دُونَ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقِ اللَّيْلُ النَّهارَ واسْتَحالَ اجْتِماعُهُما وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهارُ سابِقًا.

وَهَذا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ الشَّرْعُ ويَمْنَعُ مِنهُ الإجْماعُ.

﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ في فَلَكٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرَ مُلْتَصِقَةٍ بِالسَّماءِ، ولَوْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً ما جَرَتْ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَجْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَدُورُونَ كَما يَدُورُ المِغْزَلُ في الفَلْكَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْمَلُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: «يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: ﴿ والشمس تجري لمستقرٍ لها ﴾ قال: مستقرها تحت العرش» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ قال: مستقرها تحت العرش» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ذر قال: دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فقال: «يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها، فتستأذن في الرجوع، فيأذن لها وكأنها قيل لها اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها» ، ثم قرأ ﴿ وذلك مستقرٍ لها ﴾ قال: وذلك قراءة عبد الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر في الآية قال: ﴿ مستقرٍ لها ﴾ أن تطلع فتردها ذنوب بني آدم، فإذا غربت سلمت، وسجدت، واستأذنت، فيؤذن لها حتى إذا غربت سلمت، فلا يؤذن لها فتقول: إن السير بعيد، وإني لم يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال اطلعي من حيث غربت.

قال: فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها ﴾ [ الأنعام: 158] .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في المصاحف وأحمد عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ والشمس تجري لمستقرٍ لها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال: لو أن الشمس تجري مجرى واحداً من أهل الأرض فيخشى منها، ولكنها تحلق في الصيف، وتعترض في الشتاء، فلو أنها طلعت مطلعها في الشتاء في الصيف، لأنضجهم الحر.

ولو أنها طلعت في الصيف لقطعهم البرد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي راشد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ قال: موضع سجودها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ﴾ قال: لوقتها ولأجلٍ لا تعدوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى وآية لهم الشمس تجري لمستقر لها (١) قال المبرد وابن قتيبة: أي إلى مستقر لها، كما تقول: هو (٢) (٣) واختلفوا في مستقر الشمس، فروى أبو ذر أن النبي -  - قال في هذه الآية: "مستقرها تحت العرش" (٤) (٥) وعلى هذا هي إذا غربت كل نهار استقرت تحت عرش الرحمن إلى أن تطلع، يدل عليه ما روى أبو ذر أنه قال: كنت مع رسول الله -  - في المسجد عند غروب الشمس فقال: "أتدري أين تغرب؟

" فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال: "يذهب بها حتى ينتهي تحت العرش ثم تستأذن فيؤذن بها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها" (٦) وقال قتادة: إلى وقت وأجل لها لا تعدوه (٧) (٨) (٩) وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى آخر مستقرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى منازلها حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها؛ لأنها لا تجاوزه (١٠) وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قال مقاتل: ذلك الذي ذكره من أمر الليل والنهار والشمس.

﴿ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ﴾ في ملكه ﴿ الْعَلِيمِ ﴾ بما قدر من أمرها.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.

(٢) في (أ): (هم)، وهو تصحيف.

(٣) "تفسير غريب القرآن" ص 365، "تأويل المشكل" ص 316، ولم أقف على قول المبرد.

(٤) الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التوحيد" باب قول الله تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ 6/ 2703 رقم 6996، والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان 1/ 139 رقم 251.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 125 - 177، والترمذي في "سننه" "كتات التفسير"، تفسير سورة يس 5/ 42 رقم 3280.

وقال هذا حديث حسن صحيح.

(٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 235 ب، "الطبري" 23/ 6، "الماوردي" 5/ 11.

(٨) "تفسير مقاتل" 107 أ.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287.

(١٠) انظر: "الماوردي" 5/ 17، "زاد المسير" 7/ 19، وأورد هذا القول ولم ينسبه: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 454، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 663.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ﴾ أحد لحد موقت تنتهي إليه من فلكها، وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين الشتاء والصيف، وقيل: مستقرها: وقوفها كل وقت زوال، بدليل وقوف الظل حينئذ، وقيل: مستقرها يوم القيامة حين تكوّر، وفي الحديث: «مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها» وهذا أصح الأقوال لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي في البخاري عن أبي ذر، وقرئ ﴿ لا مستقر لها ﴾ أي لا تستقر عن جريها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

في ذلك آيات من وجوه: أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت.

والثاني: آية الوحدانية له والألوهية.

والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.

أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهاراً، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء؛ ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا وإدخاله في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلاً، والأعجوبة في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله.

وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو ردّ على الثنوية.

وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغيّر وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالماً بحوائجهم ومنافعهم حيث أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علماً ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا علماً مكتسباً ومستفاداً، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا [يقدر] أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى له وانكشف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ أي: ننزع منه النهار.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة.

ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رماداً، وإنكارهم الرسالة، وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين الله -  - في هذه السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ﴾ ، وفيه دلالة القدرة على البعث على [ما] بينا فيما تقدم.

وفي قوله: ﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العرف، والله أعلم.

وما ذكر أيضاً من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي: أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ [لأنه لو كان فعل عدد] لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد.

وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحداً من أوّل إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا مكتسباً مستفاداً، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم وليلة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك لكه على أنه واحد لا شريك [له] قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم [بها]؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عالم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، وبالله القوة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ .

وفي بعض الحروف: ﴿ والشمس تجري لا مستقر لها ﴾ فعلى هذا القول أي: تجري أبداً لا مستقر لها ولا قرار.

ومن قرأ: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ : أي: لنهاية لها وغاية.

ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ  ﴾ قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: "أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة، تخرّ لله -  - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع" ؛ ذكر في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه" ، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: "أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش" ، وفي بعض الأخبار: "بكف من ضوء العرش، وبكفّ من نوره" ، فيلبس تلك الحلة - أي: ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ذكر للشمس ضياء، وللقمر نوراً كما ذكر في الخبر.

وقال بعضهم: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ ﴾ : جريانها في البحر الذي خلق الله دون السماء بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس.

ويحتمل قوله: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ويعزّ من أن يغلبه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمِ ﴾ : الذي يعزّ من أن يخفى عليه شيء.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحداً إلا وأثر الذل والحاجة فيه ظاهرة.

وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضاً تزداد وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو - والله أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سبباً للوصول إلى معرفة الأوقات والحساب والحجج بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ ، وعلى ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفاً في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأمّا الأيام فإنه لم يجعل فيها تغيير، فهو - والله أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا لتعريف الأوقات والحساب.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴾ .

قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه القمر آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة.

قال بعضهم: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم الذي أتى عليه الحول؛ وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ .

جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن الليل؛ ألا ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: ﴿ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقاً لهذا.

وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ألا يدرك ضوء هذا هذا؛ ولا ضوء هذا هذا، فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد.

أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزليّ، لا مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .

يعني: الشمس والقمر، قال بعضهم: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي يدور عليه الشمس والقمر.

وقال بعضهم: إن تحت السماء في الهواء بحراً مكفوفاً، فيه تطلع الشمس وفيه تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ على حقيقة السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ ، أي: نخرج، والعُرجون: عرجون النخلة، مثل العنقود من العنب، والعراجين جماعة، ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ : من السباحة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعلامة لهم على وحدانية الله هذه الشمس التي تجري لمستقر يعلم الله قَدْرَه لا تتجاوزه، ذلك التقدير تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم الذي لا يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته.

<div class="verse-tafsir" id="91.QKz8l"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله