الآية ١٧٢ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧٢ من سورة النساء

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا ١٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٢ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قوله : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) لن يستكبر .

وقال قتادة : لن يحتشم ( المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال : ( ولا الملائكة المقربون ) وليس له في ذلك دلالة ; لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح ; لأن الاستنكاف هو الامتناع ، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح ; فلهذا قال : ( ولا الملائكة المقربون ) ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل .

وقيل : إنما ذكروا ; لأنهم اتخذوا آلهة مع الله ، كما اتخذ المسيح ، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخلق من خلقه ، كما قال الله تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون [ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون .

ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ] ) الأنبياء : [ 26 - 29 ] .

ثم قال : ( ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) أي : فيجمعهم إليه يوم القيامة ، ويفصل بينهم بحكمه العدل ، الذي لا يجور فيه ولا يحيف

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يعني جل ثناؤه بقوله: " لن يستنكف المسيح "، لن يأنف ولن يستكبر المسيح=" أن يكون عبدًا لله "، يعني: من أن يكون عبدًا لله، كما:- 10856- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون "، لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله ولا الملائكة.

* * * وأما قوله: " ولا الملائكة المقربون "، فإنه يعني: ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودية والإذعان له بذلك، رسلُه " المقربون "، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.

* * * وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك، ما:- 10857- حدثني به جعفر بن محمد البزوري قال، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الأجلح قال: قلت للضحاك: ما " المقربون "؟

قال: أقربهم إلى السماء الثانية.

(16) * * * القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك=" فسيحشرهم إليه جميعًا "، يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده.

(17) ------------- الهوامش : (16) الأثر: 10857 -"جعفر بن محمد البزوري" لم أجده بهذه النسبة ، والذي وجدته في تهذيب التهذيب ، ممن يروى عن يعلى بن عبيد"جعفر بن محمد الواسطي الوراق" ، نزيل بغداد مات سنة 265 ، وهو خليق أن يروي عنه أبو جعفر.

ثم راجع تاريخ بغداد ، ففي"جعفر بن محمد" كثرة ، ولكن لم أجد بينهم"البزوري".

وعسى أن تكشف الأسانيد الآتية عن الذي يعنيه أبو جعفر.

و"الأجلح" ، هو"الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندي" ، "أبو حجية" ، قيل اسمه"يحيى" و"الأجلح" لقب.

سمع عبد الله بن الهذيل ، وابن بريدة والشعبي ، وعكرمة.

روى عنه الثوري ، وابن المبارك.

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 68.

(17) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف 4 : 228 / 6 : 229.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاقوله تعالى : لن يستنكف المسيح أي لن يأنف ولن يحتشم .

أن يكون عبدا لله أي : من أن يكون ؛ فهو في موضع نصب .

وقرأ الحسن : " إن يكون " بكسر الهمزة على أنها نفي هو بمعنى " ما " والمعنى : ما يكون له ولد ؛ وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرواة .

ولا الملائكة المقربون أي من رحمة الله ورضاه ؛ فدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين .

وكذا ولا أقول إني ملك وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في " البقرة " .

ومن يستنكف أي يأنف عن عبادته ويستكبر فلا يفعلها .

فسيحشرهم إليه أي إلى المحشر .

جميعا فيجازي كلا بما يستحق ، كما بينه في الآية بعد هذا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام، وذكر أنه عبده ورسوله، ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه، أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها، لا هو { وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } فنزههم عن الاستنكاف وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء فيه إثبات ضده.

أي: فعيسى والملائكة المقربون قد رغبوا في عبادة ربهم، وأحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم، فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار.

ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها وترفعه عن العبادة كمالا، بل هو النقص بعينه، وهو محل الذم والعقاب، ولهذا قال: { وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } أي: فسيحشر الخلق كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه العدل، وجزائه الفصل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) وذلك أن وفد نجران قالوا : يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول : إنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبدا لله " ، فنزل : ( لن يستنكف المسيح ) لن يأنف ولن يتعظم ، والاستنكاف : التكبر مع الأنفة ، ( ولا الملائكة المقربون ) وهم حملة العرش ، لا يأنفون أن يكونوا عبيدا لله ، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ، ولا يرتقى إلا إلى الأعلى ، لا يقال : لا يستنكف فلان من هذا ولا عبده ، إنما يقال : فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه ، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر ، بل ردا على الذين يقولون الملائكة آلهة ، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله ، وقال ردا على النصارى بزعمهم ، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة .

قوله تعالى : ( ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) قيل الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة ، والاستكبار هو العلو والتكبر من غير أنفة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لن يستنكف» يتكبر ويأنف «المسيح» الذي زعمتم أنه إله من «أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون» عند الله لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا، وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رد قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم «ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله، وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى.

ومن يأنف عن الانقياد والخضوع ويستكبر فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن المسيح عيسى - عليه السلام - عبد من عباد الله - تعالى - ، وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة الله والإِذعان لأمره فقال : ( لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون ) .وأصل ( يَسْتَنكِفَ ) - يقول القرطبى : نكف ، فالياء والسين والتاء زوائد .

يقال : نكفت من الشئ واستنكف منه وأنكفته أى : نزهته عما يستنكف منه .

ومنه الحديث : " سُئل - رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ( سُبْحَانَ الله ) فقال : " إنكاف الله من كل سوء " " .يعنى : تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد .قال الزجاج : استكف أى : أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك ومنه الحديث " ما ينكف العرق عن جبينه " أى : ما ينقطع .وقيل : هو من النِّكْف وهو العيب .

يقال : ما عليه فى هذا الأمر من نِكْفٍ ولا وَكَف .

أى عيب .

أى لن يمتنع المسيح ولن يتنزه عن العبودية لله - تعالى - ولن ينقطع عنها .

ولن يعاب أن يكون عبداً لله تعالى .والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير ما سبقها من تنزيه لله - تعالى - عن أن يكون له ولد ، وإثبات لوحدانيته - عز وجل - وإفراده بالعبادة .وقد روى المفسرون فى سبب نزولها " أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تعيب صاحبنا يا محمد؟

قال : ومن صاحبكم؟

قالوا : عيسى ، قال صلى الله عليه وسلم : وأى شئ قلت؟

قالوا تقول : إنه عبد الله ورسوله .

قال صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله " .والمعنى : لن يأنف المسيح ولن يمتنع أن يكون عبداً لله ، وكذلك الملائكة المقربون لن يأنفوا ولن يمتنعوا عن ذلك ، فإن خضوع المخلوقات لخالقها شرف ليس بعده شرف .

والله - تعالى - ما خلق الخلق إلا لعبادته وطاعته .قال - تعالى - ( وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ) وصدر - سبحانه - الجملة بحرف ( لن ) المفيدة للنفى المؤكد ، لبيان أن عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عن عبادة الله والخضع له أمر مستمر وثابت ثبوتا لا شك فيه ، لأنه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق ورزقهم .

ومن حقه عليهم أن يعبدوه ، ويذعنوا لأمره ، بل ويشعروا باللذة والأنس والشرف لعبادتهم له - سبحانه - كما قال الشاعر الحكيم :ومما زادنى عجباً وتيها ...

وكدت بإخمصى أطأ الثريادخولى تحت قولك يا عبادى ...

وجعلك خير خلقك لى نبياًهذا ، وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، وممن فهم هذا الفهم الإِمام الزمخشرى فقد قال :وقوله : ( لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ) أى : لن يأنف ولن يهذب بنفسه عزة ، ( من نكفت الدمع إذا نحيته عن خدك بإصبعك ) ( وَلاَ الملائكة المقربون ) أى : ولا من هو أعلى منه قدرا ، وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الذين حول العشر كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن فى طبقتهم .ثم قال : فإن قلت : من أين دل قوله ( وَلاَ الملائكة المقربون ) على أن المعنى : ولا من فوقه؟

قلت : من حيث إن علم المعانى لا يقتضى غير ذلك .

وذلك أن الكلام إنما سبق لرد مذهب النصارى وغلوهم فى رفع عيسى عن منزلة العبودية .

فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أعلى منه درجة .

فكأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح؟

ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاها منزلة .وهذا الفهم الذى اتجه إليه الزمخشرى من أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، لم يوافقه عليه أكثر العلماء ، فقد قال الإِمام ابن كثير :وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال : ( وَلاَ الملائكة المقربون ) .

وليس له فى ذلك دلالة ، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح ، لأن الاستنكاف هو الامتناع .وليس له فى ذلك دلالة ، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح ، لأن الاستنكاف هو الامتناع .

والملائكة أقدر على ذلك من المسيح ، فلهذا قال ( وَلاَ الملائكة المقربون ) ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل .

وقيل إنما ذكروا لأن بعض الناس اتخذهم آلهة مع الله كما اتخذ الضالون المسيح إلها أو ابنا لله .

فأخبر - سبحانه - أنهم عبيد من عباده ، وخلق من خلقه .وقد حاول بعض العلماء أن يجعل الآية الكريمة بعيدة عن موطن النزاع فقال : وعندى أن الترقى قائم ، ولكن فى المعنى الذى سيق له الكلام .

وذلك أن النصارى غلوا غلواً كبيرا فى المسيح ، لأنه لود من غير أب ، ولأنه جرت على يديه معجزات كثيرة ، ولأنه روحانى المعانى ، فيبين الله - تعالى - أنه مع كل هذا لن يستنكف أن يكون عبدا لله ، ولا يستنكف من هو أعلى منه فى هذه المعانى أن يكون عبداً لله ، وهم الملائكة الذين خلقوا من غير أب ولا أم .

وأجرى على أيديهم ما هو أشد وأعظم من معجزات ، ومنهم من كان الروح الذى نفخ فى مريم ، وهم أرواح طاهرة مطهرة .

فكان الترقى فى هذه المعانى ، وهم فيها يفضلون عيسى وغيره .

وبذلك تكون الآية بعيدة عن الأفضلية المطلقة ، فلا تدل على أفضلية الملائكة على الرسل فى المنزلة عند الله .

وتكون الآية بعيدة عن موطن الخلاف ، والترقى دائما يكون فى المعانى التى سيق لها الكلام دون غيرها .

وليس المتأخر أعلى فى ذاته من المتقدم وأفضل ، ولكنه أعلى فى الفعل الذى كان فيه كقول القائل : لا تضرب حراب ولا عبدا .

فالتدرج هنا فى النهى عن الضرب ، لأنه إذا كان ضرب العبد غير جائز فأولى أن يكون ضرب الحر غير جائز .وذكر وصف المقربين ، لأنهم إذا كانوا لا يستنكفون فأولى بذلك غيرهم .ثم هدد - سبحانه - كل من يمتنع عن عبادته والخضوع له فقال : ( وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ) .أى : ومن يأنف من عباده الله ويمتنع عنها ، ويأبى الخضوع لطاعة الله ويستكبر عن كل ذلك ، فسيجد يوم القيامة ما يستحقه من عقاب بسبب استنكافه واستكباره ، فإن مرد العباد جميعا إليه - سبحانه - وسيجازى المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته .فالمضير فى قوله ( فَسَيَحْشُرُهُمْ ) يعود إلى المستنكفين والمستكرين وإلى غيرهم من المؤمنين المطيعين بدليل أن الحشر عام للمؤمنين والكافرين ، وبدليل التفصيل المفرع على هذا الحشر فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارىلا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال.

ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله: ﴿ وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ .

فاعلم أنا فسرنا (الكلمة) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح  ﴾ والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ أما قوله: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله: ﴿ مِنْه ﴾ التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.

الثاني: أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح.

قال تعالى في صفة القرآن ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ الثالث: روح منه أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ  ﴾ أي برحمة منه، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا رحمة مهداة» فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحاً منه.

الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  ﴾ الخامس: قوله: ﴿ رُوحُ ﴾ أدخل التنكير في لفظ ﴿ رُوحُ ﴾ وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى: ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم.

وأعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا ﴾ فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة، فهذا لا يمكن إنكاره، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه: الأول: ما ذكرناه، أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة.

الثاني: قال الزجاج: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون: إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  ﴾ الثالث: قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة  ﴾ وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله تعالى بهذه العبرة يوهم كونهما إلهين، وبالجملة فلا نرى مذهباً في الدنيا أشد ركاكة وبعداً عن العقل من مذهب النصارى.

ثم قال تعالى: ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ .

ثم أكد التوحيد بقوله: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد ﴾ ثم نزّه نفسه عن الولد بقوله: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ودلائل تنزيه الله عن الولد قد ذكرناها في سورة آل عمران وفي سورة مريم على الاستقصاء.

وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة من ﴿ إن ﴾ ورفع النون من يكون، أي سبحانه ما يكون له ولد، وعلى هذا التقدير فالكلام جملتان.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزّه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكاً ومالكاً لما في السموات وما في الأرض فقال في مريم ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ والمعنى: من كان مالكاً لكل السموات والأرض ولكل ما فيها كان مالكاً لما هو أعظم منهما فبأن يكون مالكاً لهما أولى، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل مع هذا توهم كونهما له ولداً وزوجة.

ثم قال: ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل المقدورات كان كافياً في الإلهية، ولو فرضنا إلهاً آخر معه لكان معطلاً لا فائدة فيه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلهاً.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك، فتأويل ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ أي لن يتنغص ولم يمنع، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه.

المسألة الثانية: روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء قلت؟» قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبد الله»، فنزلت هذه الآية، وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله، ولا يجوز أن يكون ابناً له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء، فكأنه تعالى قال: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وأعلى حالاً منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى.

المسألة الثالثة: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر.

وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ  ﴾ وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة، والذي نقول هاهنا: إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر، كيف ويقال: إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر، وهذه الآية لا تدل على ذلك ألبتة، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات.

فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالاً في هذا العلم، وفي هذه القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه.

فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم.

المسألة الرابعة: في الآية سؤال، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير: ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيداً لله وذلك غير جائز.

والجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين.

الثاني: أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ عَبْداً للَّهِ ﴾ عليه على طريق الإيجاز.

المسألة الخامسة: قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه (عبيد الله) على التصغير.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين.

فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ ﴾ ثم ذكر آخراً عقاب المستنكفين المستكبرين.

فقال: ﴿ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ والمعنى ظاهر لا إشكال فيه، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولاً ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت الدمع، إذا نحيته عن خدك بأصابعك ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم.

فإن قلت: من أين دلّ قوله: ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟

قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك.

وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية، ولا من هو أرفع منه درجة، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح؟

ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقرّبين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة.

ومثاله قول القائل: وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِم ** وَلاَ الْبَحْرُ ذُوْ الأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهُ لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج: ما هو فوق حاتم في الجود.

ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: ﴿ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى ﴾ [البقرة: 120] حتى يعترف بالفرق البين.

وقرأ عليّ رضي الله عنه: ﴿ عُبيداً لله ﴾ ، على التصغير.

وروي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول؟

قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله.

قال: إنه ليس بعار أن يكون عبداً لله.

قالوا: بلى، فنزلت: أي لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه، فلو كان موضع استنكاف لكان هو أولى بأن يستنكف لأنّ العار ألصق به.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَلاَ الملئكة ﴾ ؟

قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على المسيح، أو على اسم (يكون) أو على المستتر في (عبداً) لما فيه من معنى الوصف، لدلالته على معنى العبادة، كقولك: مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه.

فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبداً لله في هذا العطف، فما وجهه؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد: ولا كل واحد من الملائكة أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً لله، فحذف ذلك لدلالة (عبداً لله) عليه إيجازاً.

وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في (عبداً) فقد طاح هذا السؤال.

قرئ ﴿ فسيحشرهم ﴾ بضم الشين وكسرها وبالنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ ﴾ لَنْ يَأْنَفَ، مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ كَيْلا يُرى أثَرُهُ عَلَيْكَ.

﴿ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ فَإنَّ عُبُودِيَّتَهُ شَرَفٌ يَتَباهى بِهِ، وإنَّما المَذَلَّةُ والِاسْتِنْكافُ في عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ.

رُوِيَ « (أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟

قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ومَن صاحِبُكُمْ؟

قالُوا: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ.

قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، قالُوا: بَلى)، فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ أيْ ولا يَسْتَنْكِفُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقالَ مَساقُهُ لِرَدِّ قَوْلِ النَّصارى في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ أعْلى دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَدَمُ اسْتِنْكافِهِمْ كالدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ، وجَوابُهُ أنَّ الآيَةَ لِلرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ فَلا يَتَّجِهُ ذَلِكَ وإنْ سَلِمَ اخْتِصاصُها بِالنَّصارى فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالعَطْفِ المُبالَغَةَ بِاعْتِبارِ التَّكْثِيرِ دُونَ التَّكْبِيرِ كَقَوْلِكَ: أصْبَحَ الأمِيرُ لا يُخالِفُهُ رَئِيسٌ ولا مَرْؤُوسٌ، وإنْ أرادَ بِهِ التَّكْبِيرَ فَغايَتُهُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن أعْلى مِنهم رُتْبَةً مِنَ المَلائِكَةِ أعْلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا والنِّزاعُ فِيهِ.

﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ ﴾ ومَن يَرْتَفِعُ عَنْها، والِاسْتِكْبارُ دُونَ الِاسْتِنْكافِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مِن حَيْثُ لا اسْتِحْقاقَ بِخِلافِ التَّكَبُّرِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِحْقاقِ.

﴿ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قال وفد نجران لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تعيب صاحبنا عيسى قال وأي شيء أقول قالوا اتقول إنه عبد الله ورسوله قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله قالوا بلى نزل قوله تعالى {لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح} أي لن يأنف {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} هو رد عل النصارى {ولا الملائكة} رد على من يعبدهم من العرب وهو عطف على المسيح {المقربون} أي الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم والمعنى ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عباداً لله فحذف ذلك لدلالة عبد الله عليه إيجازاً وتشبثت المعتزلة والقائلون بتفضيل الملك على البشر بهذه الآية وقالوا الارتقاء إنما يكون

إلى الأعلى يقال فلان لا يستنكف عن خدمتي ولا أبوه ولو قال ولا عبده لم يسحن وكان معنى قوله ولا الملائكة المقربون ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً ويدل عليه تخصيص المقربين والجواب أنا نسلم تفضبل الثانى على الأول لكن هذا لا يمس ما تنازعنا فيه لأن الآية تدل على أن الملائكة المقربين بأجمعهم أفضل من عيسى ونحن نسلم بأن جميع الملائكة المقربين أفضل من رسول واحد من البشر إلى هذا ذهب بعض أهل السنة ولأن المراد أن الملائكة مع ما لهم من القدرة الفائقة قدر البشر والعلوم اللوحية وتجردهم عن التولد الازدواجي رأساً لا يستنكفون عن عبادته فكيف بمن يتولد من آخر ولا يقدر على ما يقدرون ولا يعلم ما يعلمون وهذا لأن شدة البطش وسعة العلوم وغرابة التنكون هى التى تورث الحمقاء أمثال النصارى وهم الترفع عن العبودية حيث رأوا المسيح ولد من غير أب وهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى وينبئ بما يأكلون ويدخرون فى بيوتهم فبرؤه من العبودية فقيل لهم هذه الأوصاف في الملائكة أتم منها فى السيح ومع هذا لم يستنكفوا عن العبودية فكيف المسيح والحاصل أن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم السلام أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم كجبريل ومكائيل وعزرائيل ونحوهم وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر وعوام المؤمنين من البشر أفضل من عوام الملائكة ودليلنا على تفضيل البشر على الملك ابتداء أنهم قهروا نوازع الهوى فى ذات

النساء (١٧٢ _ ١٧٦)

الله تعالى مع أنهم جبلوا عليها فضاهت الأنبياء عليهم السلام الملائكة عليهم السلام في العصمة وتفضلوا علهيم في قهر البواعث النفسانية والدواعي الجسدانية فكانت طاعتهم أشق لكونها مع الصوارف بخلاف طاعة الملائكة لأنهم جبلوا عليها فكانت أزيد ثواباً بالحديث {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} بترفع ويطلب الكبرياء {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً} فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا مُحَمَّدُ لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟

قالَ: ومَن صاحِبُكُمْ؟

قالُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ فِيهِ؟

قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» فَنَزَلَتْ، والِاسْتِنْكافُ اسْتِفْعالٌ مِنَ النَّكْفِ، وأصْلُهُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - مِن نَكَفْتُ الشَّيْءَ نَحَّيْتُهُ، وأصْلُهُ تَنْحِيَةُ الدَّمْعِ عَنِ الخَدِّ بِالإصْبَعِ، وقالُوا: بَحْرٌ لا يُنْكَفُ أيْ: لا يُنْزَحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَبانُوا ولَوْلا ما تَذَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ وقِيلَ: النَّكْفُ قَوْلُ السُّوءِ، ويُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ ووَكْفٌ، واسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلسَّلْبِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وفي الأساسِ: اسْتَنْكَفَ ونَكَفَ امْتَنَعَ وانْقَبَضَ أنَفًا وحِمْيَةً.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاسْتِنْكافُ تَكَبُّرٌ في تَرْكِهِ أنَفَةٌ، ولَيْسَ في الِاسْتِكْبارِ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَنْ يَأْنَفَ ولَنْ يَمْتَنِعَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَنْ يَسْتَكْبِرَ المَسِيحُ ﴿ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ أيْ: عَنْ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، مُسْتَمِرًّا عَلى عِبادَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ، حَسْبَما هو وظِيفَةُ العُبُودِيَّةِ، كَيْفَ وأنَّ ذَلِكَ أقْصى مَراتِبِ الشَّرَفِ، وقَدْ أشارَ القاضِي عِياضٌ إلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ومِمّا زادَنِي عَجَبًا وتِيهًا ∗∗∗ وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يا عِبادِي ∗∗∗ وجَعْلُكَ خَيْرَ خَلْقِكَ لِي نَبِيًّا والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ مَعَ أنَّ شَأْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُباهاةُ بِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أحْوالُهُ وتُفْصِحُ عَنْهُ أقْوالُهُ لِوُقُوعِهِ في مَوْضِعِ الجَوابِ عَمّا قالَهُ الكَفَرَةُ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهو السِّرُّ في جَعْلِ المُسْتَنْكَفِ مِنهُ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدًا لَهُ تَعالى دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوُ ذَلِكَ، مَعَ إفادَتِهِ - كَما قِيلَ - فائِدَةً جَلِيلَةً هي كَمالُ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ الِاسْتِنْكافِ بِالكُلِّيَّةِ لِاسْتِمْرارِ هَذا الوَصْفِ واسْتِتْباعِهِ وصْفَ العِبادَةِ، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ اسْتِنْكافِ ذَلِكَ، بِخِلافِ وصْفِ العِبادَةِ؛ فَإنَّها حالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلدَّوامِ، يَكْفِي في اتِّصافِ مَوْصُوفِها بِها تَحَقُّقُها مَرَّةً، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْها لا يَسْتَلْزِمُ عَنْها عَدَمَ الِاسْتِنْكافِ عَنْ دَوامِها.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كُتُبِ النَّصارى أنَّ قَوْلَسَ قالَ في رِسالَتِهِ الثّانِيَةِ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّسُولِ رَئِيسِ أحْبارِنا، يَسُوعَ المُؤْتَمَنِ مِن عِنْدِ مَن خَلَقَهُ، مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ أحْوالِهِ غَيْرَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ مُرْقُسُ في إنْجِيلِهِ: قالَ يَسُوعُ: إنَّ نَفْسِي حَزِينَةٌ حَتّى المَوْتِ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى، وقالَ: أيُّها الأبُ كُلُّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِكَ أخَّرَ عَنِّي هَذا الكَأْسَ، لَكِنْ كَما تُرِيدُ لا كَما أُرِيدُ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ في ذَلِكَ ظاهِرٌ، إذْ هو سائِلٌ، واللَّهُ تَعالى مَسْؤُولٌ، وهو مُصَلٍّ واللَّهُ تَعالى مُصَلًّى لَهُ، وأيُّ عُبُودِيَّةٍ تَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، ونُصُوصُ الأناجِيلِ ناطِقَةٌ بِعُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيْرِما مَوْضِعٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ أبِي الفَضْلِ حَيْثُ يَقُولُ فِيهِ: هُوَ عَبْدٌ مُقَرَّبٌ ونَبِيٌّ ∗∗∗ ورَسُولٌ قَدْ خَصَّهُ مَوْلاهُ طَهَّرَ اللَّهُ ذاتَهُ وحَباهُ ∗∗∗ ثُمَّ أتاهُ وحَيْهُ وهَداهُ وبِـ( كُنْ ) خَلَقَهُ بَدا كَلِمَةُ اللَّـ ∗∗∗ ــهِ إلى مَرْيَمَ البَتُولِ بَراهُ هَكَذا شَأْنُ رَبِّهِ خالِقِ الخَلْــ ∗∗∗ ـقِ بِـ( كُنْ ) خَلَقَهم فَنِعْمَ الإلَهُ والأناجِيلُ شاهِداتٌ وعَنْهُ ∗∗∗ إنَّما اللَّهُ رَبُّهُ لا سِواهُ كانَ لِلَّهِ خاشِعًا مُسْتَكِينًا ∗∗∗ راغِبًا راهِبًا يَرْجى رِضاهُ لَيْسَ يَحْيا ولَيْسَ يَخْلُقُ إلّا ∗∗∗ أنْ دَعاهُ وقَدْ أجابَ دَعاهُ إنَّما فاعِلُ الجَمِيعِ هو اللَّـ ∗∗∗ ـهُ ولَكِنْ عَلى يَدَيْهِ قَضاهُ ويَكْفِي في إثْباتِ عُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِالمَسِيحِ ما يُشْعِرُ بِالعُبُودِيَّةِ أيْضًا.

﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: لا يَسْتَنْكِفُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( يَكُونَ ) أوْ ( عَبْدًا )؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ لازِمٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِالمَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والتَزَمَ تَقْدِيرَ الفِعْلِ، وهو كَما تَرى.

واحْتَجَّ بِالآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرٍ، والحُلَيْمِيُّ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وقَواعِدُ المَعانِي وكَلامُ العَرَبِ التَّرَقِّيَ مِنَ الفاضِلِ إلى الأفْضَلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ ولا مَن هو فَوْقَهُ، كَما يُقالُ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ مِن هَذا الأمْرِ الوَزِيرُ ولا السُّلْطانُ دُونَ العَكْسِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سَوْقَ الآيَةِ - وإنْ كانَ رَدًّا عَلى النَّصارى - لَكِنَّهُ أُدْمِجَ فِيهِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ المَلائِكَةِ المُشارِكِينَ لَهم في رَفْعِ بَعْضِ المَخْلُوقِينَ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ إلى دَرَجَةِ المَعْبُودِيَّةِ، وادِّعاءِ انْتِسابِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى بِما هو مِن شَوائِبِ الأُلُوهِيَّةِ، وخُصَّ ( المُقَرَّبُونَ )؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم دُونَ غَيْرِهِمْ، ورُدَّ هَذا الجَوابُ بِأنَّ هَذا لا يَنْفِي فَوْقِيَّةَ الثّانِي كَما هو مُقْتَضى عِلْمِ المَعانِي.

قِيلَ: ولا وُرُودَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنَ التَّقْرِيرِ دَفْعُهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ أمْرُ المَسِيحِ فَلِذا قُدِّمَ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لا يَنْفِي الفَوْقِيَّةَ فَهو لا يُثْبِتُها، كَما إذا قُلْتَ: ما فَعَلَ هَذا زَيْدٌ ولا عَمْرٌو، وهو يَكْفِي لِدَفْعِ حُجَّةِ الخَصْمِ، وأمّا كَوْنُ السِّباقِ والسِّياقِ يُخالِفُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ المُجِيبَ قالَ: إنَّهُ إدْماجٌ واسْتِطْرادٌ، وأُجِيبَ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اخْتِصاصِ الرَّدِّ بِالنَّصارى بِأنَّ المَلائِكَةَ ( المُقَرَّبُونَ ) صِيغَةُ جَمْعٍ تَتَناوَلُ مَجْمُوعَ المَلائِكَةِ، فَهَذا العَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ المَلائِكَةِ أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ، قالَ في الِانْتِصافِ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مَوْرِدَهُ إذا بُنِيَ عَلى أنَّ المَسِيحَ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَلائِكَةِ فَقَدْ يُقالُ: يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، كَما أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّهِمْ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّفْضِيلِ عَلى التَّفْضِيلِ والتَّفْضِيلِ عَلى الجُمْلَةِ أحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ في هَذا المَعْنى.

وقَدْ كانَ طارَ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ المُعاصِرِينَ تَفْضِيلُهُ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ، ودَعْوى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَلى التَّفْضِيلِ تَفْضِيلٌ عَلى الجُمْلَةِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ هَذا القَوْلُ، ولَوْ قالَهُ فَهو مَرْدُودٌ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ، وهو أنَّ التَّفْضِيلَ المُرادَ جُلُّ أماراتِهِ رَفْعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ في الجَنَّةِ، والأحادِيثُ مُتَظافِرَةٌ بِذَلِكَ، وحِينَئِذٍ لا يَخْلُو إمّا أنْ تَرْتَفِعَ دَرَجَةُ واحِدٍ مِنَ المَفْضُولِينَ عَلى مَنِ اتُّفِقَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لا تَرْتَفِعُ دَرَجَةُ أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِ، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ رَفْعُ المَفْضُولِ عَلى الفاضِلِ فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي، وهو ارْتِفاعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ عَلى دَرَجاتِ المَجْمُوعِ ضَرُورَةً، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى المَجْمُوعِ مِن ثُبُوتِ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم قَطْعًا، انْتَهى.

قُلْتُ: فَما شاعَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ في أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَلْ هو أفْضَلُ مِنَ المَجْمُوعِ كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الجَمِيعِ أمْ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الجَمِيعِ فَقَطْ دُونَ المَجْمُوعِ؟

لَيْسَ في مَحَلِّهِ عَلى هَذا، فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ غايَةَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن هم أعْلى رُتْبَةً مِنهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا وفِيهِ النِّزاعُ، ورُدَّ بِأنَّ المُدَّعى أنَّ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ مُقْتَضى قَواعِدِ المُعانى التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى دُونَ العَكْسِ، أوِ التَّسْوِيَةُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الحُكْمَ في الجَمْعِ المُحَلّى بِـ( ألْ ) عَلى الآحادِ، وأنَّ المُدَّعى لَيْسَ إلّا دَلالَةَ الكَلامِ عَلى أنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ أفْضَلُ مِن عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا كافٍ في إبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ خَواصَّ البَشَرِ أفْضَلُ مِن خَواصِّ المَلَكِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَطْفَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وما يُورَدُ مِنَ الأمْثِلَةِ لِكَوْنِ الثّانِي أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ الأوَّلِ مَعارَضٌ بِأمْثِلَةٍ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِ القائِلِ: ما أعانَنِي عَلى هَذا الأمْرِ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو، وكَقَوْلِكَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، بَلْ لَوْ عَكَسْتَ في هَذا المِثالِ وجَعَلْتَ الأعْلى ثانِيًا لَخَرَجْتَ عَنْ حَدِّ الكَلامِ وقانُونِ البَلاغَةِ، كَما قالَ في الِانْتِصافِ، ثُمَّ قالَ فِيهِ: ولَكِنَّ الحَقَّ أوْلى مِنَ المُرادِ، ولَيْسَ بَيْنَ المِثالَيْنِ تَعارُضٌ.

ونَحْنُ نُمَهِّدُ تَمْهِيدًا بِرَفْعِ اللَّبْسِ، وبِكَشْفِ الغِطاءِ، فَنَقُولُ: النُّكْتَةُ في التَّرْتِيبِ في المِثالَيْنِ المَوْهُومِ تَعارُضُهُما واحِدَةٌ، وهي تُوجِبُ في مَواضِعَ تَقْدِيمَ الأعْلى وفي مَواضِعَ تَأْخِيرَهُ، وتِلْكَ النُّكْتَةُ أنَّ مُقْتَضى البَلاغَةِ التَّنائِي عَنِ التَّكْرارِ، والسَّلامَةُ عَنِ النُّزُولِ، فَإذا اعْتَمَدْتَ ذَلِكَ فَهْمًا أدّى إلى أنْ يَكُونَ آخِرُ كَلامِكَ نُزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِهِ، أوْ يَكُونَ الآخِرُ مُنْدَرِجًا في الأوَّلِ قَدْ أفادَهُ، وأنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الآخِرِ، فاعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَكُونُ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، واسْتِئْنافًا لِفائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ، مِثالُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ، فَإنَّكَ لَوْ ذَهَبْتَ فِيها إلى أنْ يَكُونَ المَسِيحُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْلى رُتْبَةً لَكانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ بَعْدَهُ كالمُسْتَغْنى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الأفْضَلُ وهو المَسِيحُ - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ - عَبْدًا غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ ما دُونَهُ في الفَضِيلَةِ أوْلى أنْ لا يَسْتَنْكِفَ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، وهُمُ المَلائِكَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ إذَنْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ إلّا ما سَلَفَ أوَّلَ الكَلامِ، وإذا قَدَّرْتَ المَسِيحَ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ فَكَأنَّكَ تَرَقَّيْتَ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ المَفْضُولَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ تَعالى إلى أنَّ الأفْضَلَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَفْضُولِ عَدَمُ اسْتِنْكافِ الأفْضَلِ، فالحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذِكْرِ المَلائِكَةِ؛ إذْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الأوَّلُ الآخِرَ، فَصارَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَجَدِّدَ الفائِدَةِ مُتَزائِدَها، ومَتّى كانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ في البَلاغَةِ.

وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَجِبُ أنْ تَقُولَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، فَتُؤَخِّرَ الأدْنى عَلى عَكْسِ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ؛ لِأنَّكَ إذا نَهَيْتَهُ عَنْ أذى المُسْلِمِ، فَقَدْ يُقالُ: ذاكَ مِن خَواصِّهِ احْتِرامًا لِدِينِ الإسْلامِ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ أذى الكافِرِ المَسْلُوبَةِ عَنْهُ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، فَإذا قُلْتَ: ولا ذِمِّيًّا فَقَدْ جَدَّدْتَ فائِدَةً لَمْ تَكُنْ في الأوَّلِ، وتَرَقَّيْتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَعْضِ أنْواعِ الأذى إلى النَّهْيِ عَنْ أكْثَرَ مِنهُ، ولَوْ رَتَّبْتَ هَذا المِثالَ كَتَرْتِيبِ الآيَةِ فَقُلْتَ: لا تُؤْذِ ذِمِّيًّا فَهِمَ المَنهِيُّ أنَّ أذى المُسْلِمِ أدْخَلَ في النَّهْيِ، إذْ يُساوِي الذَّمِّيَّ في سَبَبِ الِالتِزامِ - وهو الإنْسانِيَّةُ مَثَلًا - ويَمْتازُ عَنْهُ بِسَبَبٍ هو أجَلُّ وأعْظَمُ وهو الإسْلامُ، فَيُقْنِعُهُ هَذا النَّهْيُ عَنْ تَجْدِيدِ نَهْيٍ آخَرَ عَنْ أذى المُسْلِمِ، فَإنْ قُلْتَ: ولا مُسْلِمًا لَمْ تُجَدِّدْ لَهُ فائِدَةً، ولَمْ تُعْلِمْهُ غَيْرَ ما أعْلَمْتَهُ أوَّلًا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّها نُكْتَةٌ واحِدَةٌ تُوجِبُ أحْيانًا تَقْدِيمَ الأعْلى وأحْيانًا تَأْخِيرَهُ، ولا يُمَيِّزُ لَكَ ذَلِكَ إلّا السِّياقُ، وما أشُكُّ أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الأدْنى وتَأْخِيرَ الأعْلى.

ومِنَ البَلاغَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ اسْتِغْناءً عَنْ نَهْيِهِ عَنْ ضَرْبِهِما فَما فَوْقَهُ بِتَقْدِيمِ الأدْنى، ولَمْ يَلِقْ بِبَلاغَةِ الكِتابِ العَزِيزِ أنْ يُرِيدَ نَهْيًا عَنْ أعْلى مِنَ التَّأْفِيفِ والِانْتِهارِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وما يَحْتاجُ المُتَدَبِّرُ لِآياتِ القُرْآنِ مَعَ التَّأْيِيدِ شاهِدًا سِواها، ولَمّا اقْتَضى الإنْصافُ تَسْلِيمَ اقْتِضاءِ الآيَةِ لِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ القَوْلُ بِتَفْضِيلِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - اعْتِقادًا لِأكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ التُزِمَ حَمْلُ التَّفْضِيلِ في الآيَةِ عَلى غَيْرِ مَحَلِّ الخِلافِ، وذَلِكَ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ في القُوَّةِ، وشِدَّةِ البَطْشِ، وسَعَةِ التَّمَكُّنِ والِاقْتِدارِ.

وهَذا النَّوْعُ مِنَ الفَضِيلَةِ هو المُناسِبُ لِسِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الرَّدُّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَنِدِينَ إلى كَوْنِهِ أحْيا المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وصَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ آثارٌ عَظِيمَةٌ خارِقَةٌ، فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: هَذا الَّذِي صَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ هَذِهِ الخَوارِقُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مَن هو أكْثَرُ خَوارِقًا وأظْهَرُ آثارًا كالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِ وإقْدارِ اللَّهِ تَعالى لَهُ أنِ اقْتَلَعَ المَدائِنَ واحْتَمَلَها عَلى رِيشَةٍ مِن جَناحِهِ فَقَلَبَها عالِيَها سافِلَها، فَيَكُونُ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ إذَنْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ولا خِلافَ في أنَّهم أقْوى وأبْطِشُ، وأنَّ خَوارِقَهم أكْثَرُ، وإنَّما الخِلافُ في التَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ الثَّوابِ والكَراماتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ في الآيَةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

وقَدْ يُقالُ: لَمّا كانَ أكْثَرُ ما لُبِّسَ عَلى النَّصارى في أُلُوهِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَوْنَهُ مَوْجُودًا مِن غَيْرِ أبٍ أنْبَأ اللَّهَ تَعالى أنَّ هَذا المَوْجُودَ مِن غَيْرِ أبٍ لا يَسْتَنْكِفُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا المَلائِكَةُ المَوْجُودُونَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ فَيَكُونُ تَأْخِيرُ ذِكْرِهِمْ لِأنَّ خَلْقَهم أغْرَبُ مِن خَلْقِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ عِيسى بِآدَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَنَظَرَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ، وشَبَّهَ العَجِيبَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ بِالأعْجَبِ، إذْ عِيسى مَخْلُوقٌ مِن آدَمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وآدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ومَدارُ هَذا البَحْثِ عَلى النُّكْتَةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها، فَمَتى اسْتَقامَ اشْتِمالُ المَذْكُورِ ثانِيًا عَلى فائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ بَأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن تَفْضِيلٍ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الفَوائِدِ فَقَدْ طابَقَ صِيغَةَ الآيَةِ، انْتَهى.

وبِالجُمْلَةِ المَسْألَةُ سَمْعِيَّةٌ، وتَفْصِيلُ الأدِلَّةِ والمَذاهِبِ فِيها حَشْوُ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، والقِطْعُ مَنُوطٌ بِالنَّصِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ووُجُودُهُ عَسِرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ بَعْدَ بَسْطِ كَلامٍ ونَقْضٍ وإبْرامٍ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ ظَنِّيَّةٌ لا حَظَّ لِلْقَطْعِ فِيها نَفْيًا وإثْباتًا، ومَدارُها عَلى الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ دُونَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ.

وقالَ أفْضَلُ المُعاصِرِينَ صالِحٌ أفَنْدِي المَوْصِلِيُّ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - في تَعْلِيقاتِهِ عَلى البَيْضاوِيِّ: الأوْلى عِنْدِي التَّوَقُّفُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ لا قَطْعَ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ فِيها، ولَيْسَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ ما كُلِّفْنا بِهِ، والبابُ ذُو خَطَرٍ لا يَنْبَغِي المُجازَفَةُ فِيهِ، فالوَقْفُ أسْلَمُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ أيْ: طاعَتِهِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الكَفَرَةِ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى، وإنَّما جُعِلَ المُسْتَنْكَفُ عَنْهُ ها هُنا عِبادَتُهُ تَعالى لا ما سَبَقَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَعْلِيقِ الوَعِيدِ بِالوَصْفِ الظّاهِرِ الثُّبُوتِ لِلْكَفَرَةِ، فَإنَّ عَدَمَ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى مِمّا لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ بِالِاسْتِنْكافِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم بِطَرِيقِ إنْكارٍ كَوْنَ الأمْرِ مِن جِهَتِهِ تَعالى لا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْكافِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا هو الِاسْتِنْكافُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لا أمْرَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سِوى أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ ).

وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِنْكافِ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿ ويَسْتَكْبِرْ ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ الِاسْتِكْبارِ طَلَبُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، لا بِمَعْنى طَلَبِ تَحْصِيلِهِ مَعَ اعْتِقادِ عَدَمِ حُصُولِهِ، بَلْ بِمَعْنى عَدِّ نَفْسِهِ كَبِيرًا واعْتِقادِهِ كَذَلِكَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الطَّلَبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَآلَهُ مَحْضُ الطَّلَبِ بِدُونِ حُصُولِ المَطْلُوبِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ والِاسْتِكْبارُ - عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وتَقَدَّمَ - دُونَ الِاسْتِنْكافِ، وجاءَ في الحَدِيثِ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةٌ؟

قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»».

ولِلنّاسِ في تَأْوِيلِ الحَدِيثِ أقْوالٌ ذَكَرَها الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنها: أنَّ المُرادَ بِالكِبْرِ المانِعِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ هو التَّكَبُّرُ عَلى الإيمانِ، واخْتارَهُ مَوْلانا أفْضَلُ المُعاصِرِينَ، ثُمَّ قالَ: وعَلَيْهِ فالمَنفِيُّ أصْلُ الدُّخُولِ كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ، وتَنْكِيرُ الكِبْرِ لِلنَّوْعِيَّةِ، والمُعَرَّفُ في آخِرِ الحَدِيثِ هو جِنْسُ الكِبْرِ لا هَذا النَّوْعُ بِخُصُوصِهِ، وإنْ كانَ الغالِبُ في إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً إرادَةَ عَيْنِ الأوَّلِ، وإنَّما خَصَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حُكْمَ ذَلِكَ النَّوْعِ بِالبَيانِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ عَنِ الكِبْرِ، فَإنَّ جِنْسًا يَبْلُغُ بَعْضُ أنْواعِهِ بِصاحِبِهِ مِن وخامَةِ العاقِبَةِ وسُوءِ المَغَبَّةِ هَذا المَبْلَغَ - أعْنِي الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ - جَدِيرٌ بِأنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ غايَةَ الِاحْتِرازِ، ثُمَّ عَرَّفَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الكِبْرَ بِما عَرَّفَهُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْحِصارُ ُالكِبْرِ المَذْمُومِ في النَّوْعِ المَذْكُورِ.

وبِهَذا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ اسْتِبْعادُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - لِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ الحَدِيثَ ورَدَ في سِياقِ الزَّجْرِ عَنِ الكِبْرِ المَعْرُوفِ، وهو إنْكارُ الحَقِّ واحْتِقارُ النّاسِ، فَحَمْلُ الكِبْرِ عَلى ذَلِكَ خاصَّةً خُرُوجٌ عَنْ مَذاقِ الكَلامِ، ووَجْهُ انْدِفاعِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلى ذَوِي الأفْهامِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ ما في الحَدِيثِ تَعْرِيفٌ بِاللّازِمِ لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ.

﴿ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ أيِ المُسْتَنْكِفِينَ ومُقابِلِيهِمُ المَدْلُولَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في المُفَصَّلِ تَعْوِيلًا عَلى إنْباءِ التَّفْصِيلِ عَنْهُ، وثِقَةً بِظُهُورِ اقْتِضاءِ حَشْرِ أحَدِهِما لِحَشْرِ الآخَرِ ضَرُورَةَ عُمُومِ الحَشْرِ لِلْخَلائِقِ أجْمَعِينَ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في التَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ لَهُما ثِقَةً بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ: التَّفْصِيلُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْمُفَصَّلِ؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الفَرِيقَيْنِ والمُفَصَّلُ عَلى فَرِيقٍ واحِدٍ.

وقِيلَ في تَوْجِيهِ المُطابَقَةِ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَشْرِ المُجازاةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ يعني: لن يتعظم ولن يأنف ولن يتكبر.

ويقال: لن يحتشم أن يكون عبدا لله.

ويقال: إن وفد نجران أتوا رسول الله  وناظروه في أمر عيسى  ، فقال لهم النبيّ  : كان عبد الله ورسوله، فقالوا: لا تقل هكذا فإن عيسى يأنف عن هذا القول، فنزل تكذيباً لقولهم نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ يعني كان عيسى مقرّاً بالعبودية.

ثم قال تعالى: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يعني حملة العرش لن يأنفوا عن الإقرار بالعبودية.

وقال مقاتل: الملائكة المقربون أقرب إليه، فلم يأنفوا عن عبادته فكيف يأنف عيسى  وهو عبد من عباده؟

ثم قال تعالى: مَنْ يَسْتَنْكِفْ أي يتعظم نْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ والاستكبار هو الاستنكاف، يقال: استنكف واستكبر يعني استكبر عن طاعته سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً يأمر بهم إلى النار.

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي يوفر لهم ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه في الجنة وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادة الله تعالى فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي وجيعاً دائماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني من عذاب الله وَلِيًّا يعينهم وَلا نَصِيراً مانعاً يمنعهم.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ.

وقوله: فِي دِينِكُمْ: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (رضي اللَّه عنه) ، عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» «١» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد- عليهما السلام-.

وقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ: «إنَّمَا» في هذه الآية: حاصرة، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة.

قال ع «٢» : وقوله سبحانه: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ

: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائكة على الأنبياء.

وقوله سبحانه: سَيَحْشُرُهُمْ

: عبارةُ وعيدٍ.

قال ع «٣» : وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مجراه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لَمْ تَذْكُرْ صاحِبَنا؟

قالَ: ومَن صاحِبُكُمْ؟

قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ لَهُ؟

هو عَبْدُ اللَّهِ، قالُوا: بَلْ هو اللَّهُ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، قالُوا: بَلى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى يَسْتَنْكِفُ: يَأْنَفُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ: إذا نَحَّيْتَهَ بِأُصْبُعِكَ مِن خَدِّكَ.

قالَ الشّاعِرُ: فَبانُوا فَلَوْلا ما تَذَكَّرُ مِنهُمُ مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم حَمَلَةُ العَرْشِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا  ﴾ ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفَ عن عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ "إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ؛ اقْتَضى ذَلِكَ العَقْلُ في المَعْنى المُتَكَلَّمِ فِيهِ؛ ولَيْسَتْ صِيغَةُ "إنَّما" تَقْتَضِي الحَصْرَ؛ ولَكِنَّها تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ؛ ولِلْمُبالَغَةِ في الصِفَةِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ؛ نَحْوَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"سُبْحانَهُ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْظِيمًا عن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أيُّها النَصارى؛ في أمْرِ عِيسى؛ إذْ نَقَلْتُمْ أُبُوَّةَ الحَنانِ والرَأْفَةِ إلى أُبُوَّةِ النَسْلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "إنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ مِن "أنْ"؛ وهي نافِيَةٌ؛ بِمَعْنى: "ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: إخْبارٌ يَسْتَغْرِقُ عُبُودِيَّةَ عِيسى؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.

ثُمَّ بَرَّأ تَعالى جِهَةَ المَسِيحِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وخَلَصَهُ لِلَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ والِاسْتِنْكافُ إبايَةٌ بِأنَفَةٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ ؛ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ؛ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ؛ لا يَسْتَنْكِفُونَ عن ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ سِواهُمْ؟

وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ يَسْتَنْكِفُ؛ أيْ: يَأْنَفُ عن عِبادَةِ اللهِ؛ ويَسْتَكْبِرُ؛ بِأنَّهُ سَيَنالُهُ الحَشْرُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والرَدُّ إلى اللهِ؛ وقَوْلُهُ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ عِبارَةُ وعِيدٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَسَيَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَسَنَحْشُرُهُمْ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ "فَنُوَفِّيهِمْ"؛ "وَنَزِيدُهُمْ"؛ "فَنُعَذِّبُهُمْ"؛ كُلَّها بِالنُونِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ مَسْلَمَةُ: "فَسَيَحْشُرْهُمْ"؛ "فَيُعَذِّبْهُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ والباءِ؛ عَلى التَخْفِيفِ؛ وبَيَّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ المَحْشُورِينَ؛ فَأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصالِحاتِ؛ أنَّهُ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم حَتّى لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا؛ وأنَّهُ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ؛ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الزِيادَةُ أنْ تَكُونَ المُخْبَرَ عنها في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَضْعِيفَ الَّذِي هو غَيْرُ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبٍ؛ وهو المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف واقع موقع تحقيق جملة ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [النساء: 171] أو موقع الاستدلال على ما تضمّنته جملة ﴿ سبحانه أن يكون له ولد ﴾ [النساء: 171].

والاستنكاف: التكبّر والامتناع بأنفة، فهو أشد من الاستكبار، ونفي استنكاف المسيح: إمّا إخبار عن اعتراف عيسى بأنّه عبد الله، وإمّا احتجاج على النّصارى بما يوجد في أناجيلهم.

قال الله تعالى حكاية عنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب ﴾ [مريم: 30] إلخ.

وفي نصوص الإنجيل كثير ممّا يدلّ على أنّ المسيح عبد الله وأنّ الله إلهُه وربّه، كما في مجادلته مع إبليس، فقد قال له المسيح «للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد».

وعُدل عن طريق الإضافة في قوله: ﴿ عبداً لِلّه ﴾ فأظهر الحرف الّذي تقدّر الإضافة عليه: لأنّ التنكير هنا أظهر في العبودية، أي عبداً من جملة العبيد، ولو قال: عبدَ اللّهِ لأوهمت الإضافة أنّه العبد الخِصّيص، أو أنّ ذلك علَم له.

وأمّا ما حكى الله عن عيسى عليه السلام في قوله ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب ﴾ [مريم: 30] فلأنّه لم يكن في مقام خطاب من ادّعوا له الإلهية.

وعطف الملائكة على المسيح مع أنّه لم يتقدّم ذِكْر لمزاعم المشركين بأنّ الملائكة بنات الله حتّى يتعرّض لردّ ذلك، إدماج لقصد استقصاء كلّ من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبداً لله، إذ قد تقدّم قبله قوله: ﴿ سبحانه أن يكون له ولد ﴾ [النساء: 171]، وقد قالت العرب: إنّ الملائكة بنات الله من نساء الجنّ، ولأنَّه قد تقدّم أيضاً قوله: ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [النساء: 171]، ومِنْ أفضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبوديّة.

وإن جعلتَ قوله: ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ استدلالاً على ما تضمّنه قوله: ﴿ سبحانَه أن يكون له ولد ﴾ [النساء: 171] كان عطف ﴿ ولا الملائكة المقرّبون ﴾ محتمِلاً للتتميم كقوله: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ [الفاتحة: 3] فلا دلالة فيه على تفضيل الملائكة على المسيح، ولا على العكس؛ ومحتملاً للترقّي إلى ما هو الأولى بعكس الحكم في أوهام المخاطبين، وإلى هذا الأخير مال صاحب «الكشّاف» ومثله بقوله تعالى: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حّتى تتّبع ملّتهم ﴾ [البقرة: 120] وجعل، الآية دليلاً على أنّ الملائكة أفضل من المسيح، وهو قول المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وزعم أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، وهو تضييق لواسع، فإنّ الكلام محتمل لوجوه، كما علمت، فلا ينهض به الاستدلال.

واعلم أنّ تفضيل الأنبياء على الملائكة مطلقاً هو قول جمهور أهل السنّة، وتفضيل الملائكة عليهم قول جمهور المعتزلة والبَاقِلاّني والحليمي من أهل السنّة، وقال قوم بالتفصيل في التفضيل، ونسب إلى بعض الماتريدية، ولم يضبط ذلك التفصيل، والمسألة اجتهادية، ولا طائل وراء الخوض فيها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في تفاضل الأنبياء، فما ظنّك بالخوض في التفاضل بين الأنبياء وبين مخلوقات عالم آخر لا صلة لنا به.

و ﴿ المقرّبون ﴾ ، يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً، وأن يكون مقيِّداً، فيراد بهم الملقّبون (بالكَرُوبيين) وهم سادة الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل.

ووصفُهم بالكَروبيين وصف قديم وقع في بيت نسب إلى أميّة بن أبي الصلت.

وقد قالوا: إنَّه وصف مشتقّ من كَرَب مرادف قَرُب، وزيد فيه صيغتا مبالغة، وهي زنة فَعول وياء النسب.

والَّذي أظنّ أنّ هذا اللّفظ نقل إلى العربيّة من العبرانيّة: لوقوع هذا اللّفظ في التّوراة في سفر اللاويين وفي سفر الخروج، وأنّه في العبرانيّة بمعنى القرب، فلذلك عدل عنه القرآن وجاء بمرادفه الفصيح فقال: ﴿ المقرّبون ﴾ ، وعليه فمن دونهم من الملائكة يثبت لهم عدم الاستنكاف عن العبوديّة لله بدلالة الأحرى.

وقوله: ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ﴾ الآية تخلّص إلى تهديد المشركين كما أنبأ عنه قوله: ﴿ وأمَّا الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذّبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله وليَّاً ولا نصيرا ﴾ .

وضمير الجمع في قوله: ﴿ فسيحشرهم ﴾ عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل إلى معلوم من المقام، أي فسَيَحْشُر النّاسَ إليه جميعاً كما دلّ عليه التفصيل المفرّع عليه وهو قوله: ﴿ فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الخ.

وضمير ﴿ ولا يجدون ﴾ عائد إلى ﴿ الَّذين استنكفوا واستكبروا ﴾ ، أي لا يجدون وليّاً حين يحشر الله النّاس جميعاً.

ويجوز أن يعود إلى الَّذين ﴿ استنكفوا واستكبروا ﴾ ويكون ﴿ جميعاً ﴾ بمعنى مجموعين إلى غيرهم، منصوباً، فإنّ لفظ جميع له استعمالات جمّة: منها أن يكون وصفاً بمعنى المجتمع، وفي كلام عمر للعبّاس وعليّ: «ثم جئتُماني وأمركما جميع» أي متّفق مجموع، فيكون منصوباً على الحال وليس تأكيداً.

وذكر فريق المؤمنين في التفصيل يدلّ على أحد التقديرين.

والتوفية أصلها إعطاء الشيء وافياً، أي زائداً على المقدار المطلوب، ولمّا كان تحقّق المساواة يخفَى لقلّة المَوازين عندهم، ولاعتمادهم على الكيل، جعلوا تحقّق المساواة بمقدار فيه فضْل على المقدار المساوي، أطلقت التوفية على إعطاء المعادل؛ وتُقابَل بالخسان وبالغبن، قال تعالى حكاية عن شعيب ﴿ أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ﴾ [الشعراء: 181] ولذلك قال هنا: ﴿ ويزيدُهم من فضله ﴾ ، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى تقدير يعلمه الله تعالى.

وقوله: ﴿ ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً ﴾ تأييس لهم إذ قد عرف عند العرب وغيرهم، من أمم ذلك العصر، الاعتماد عند الضيق على الأولياء والنصراء ليكفّوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء، قال النابغة: يأمُلْنَ رِحلة نَصر وابن سيَّار *** ولذلك كثر في القرآن نفي الوليّ، والنصير، والفداء ﴿ فلَن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذابٌ أليمٌ وما لهم من ناصرين ﴾ [آل عمران: 91].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ هو النَّبِيُّ  ، لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزِ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ.

﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ نُورًا لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ الحَقُّ، كَما تَظْهَرُ المَرْئِيّاتُ بِالنُّورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اعْتَصَمُوا بِالقُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وهَوى الإنْسانِ.

﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ في الهِدايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعْطِيَهم في الدُّنْيا ما يُؤَدِّيهِمْ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو الأخْذُ بِهِمْ في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ البَصْرِيِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لن يستنكف ﴾ قال: لن يستكبر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فيوفِّيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ قال: ﴿ أجورهم ﴾ يدخلهم الجنة ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا» والله سبحانه أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا ﴾ الآية.

قال أبو إسحاق: معنى (لن يستنكف): لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع، إذا نحيته بأصبعك عن خدك، وأنشد: فبانوا فلولا ما تذكر منهم ...

من الخُلفِ لم يُنكَف لعينيكَ مدمعُ (١) فتأويل: (لن يستنكف): لن ينقبض، ولم يمتنع (٢) قال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس، وسئل عن الاستنكاف فقال: هو أن يقول: لا.

وهو من النكف والوكف.

يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف، إذا دفع ذلك السوء وقال: لا.

والمفسرون يقولون: الاستنكاف والاستكبار واحد (٣) وقال الكلبي: (لن يستنكف): لن يتعظم (٤) وقال الأخفش ومقاتل: لن يأنف (٥) وقال الزجاج: أي ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون وهم أكثر من البشر (٦) ومعنى قوله: ﴿ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ أي من كرامة الله وثوابه والمواطن التي شرفها لإكرام عباده (٧) (١) البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3664، و"اللسان" 9/ 340 (نكف) دون نسبة ولم أقف على قائله.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 136، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).

(٣) "تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 458، ولم أقف عليه عن الكلبي.

(٥) هذا كقول الزجاج المتقدم، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش وعن مقاتل في "تفسيره" 15/ 425.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3664 (نكف).

(٧) انظر: الطبري 6/ 38.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ لن يأنف كذلك، ومعناه حيث وقع ﴿ وَلاَ الملائكة ﴾ فيه دليل لمن قال: إنّ الملائكة أفضل من الأنبياء، لأن المعنى لن يستنكف عيسى ومن فوقه ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ برهان ﴾ هو القرآن، وهو أيضاً النور المبين، ويحتمل أن يريد بالبرهان الدلائل والحجج، وبالنور النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه سمّاه سراجاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسنحشرهم ﴾ بالنون: المفضل.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ خيراً لكم ﴾ ط.

﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ إلاّ الحق ﴾ ط.

﴿ وكلمته ﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ وروح منه ﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان.

﴿ ورسله ﴾ ط.

﴿ ثلاثة ﴾ ط ﴿ خيراً لكم ﴾ ط ﴿ إله واحد ﴾ ط.

﴿ ولد ﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض.

﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ المقربون ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه.

﴿ من فضله ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ وفضل ﴾ لا للعطف.

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ يستفتونك ﴾ ط.

﴿ الكلالة ﴾ ط ﴿ ما ترك ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان.

﴿ لها ولد ﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: ﴿ فلها نصف ﴾ وبينهما عارض ﴿ مما ترك ﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين ﴿ الأنثيين ﴾ ط ﴿ أن تضلوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق ﴾ أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ انتصابه بمضمر وكذا في ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر.

فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له.

وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة ﴿ وإن تكفروا ﴾ فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأحوال العباد ﴿ حكيماً ﴾ لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء.ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ ألقاها ﴾ أي الكلمة ﴿ إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وروح منه ﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: أي رحمة منه كقوله: ﴿ وأيدهم بروح منه  ﴾ / ولا شك أن وجود النبي  رحمة للأمة قال  : ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين  ﴾ وقال  : " "إنما أنا رحمة مهداة" وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله  فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية.

وقوله: ﴿ منه ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن.

ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله  لا يوجب الشرك.

فالأشاعرة أثبتوا لله  ثمان صفات قدماء.

﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿ خيراً لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {  أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.

قال الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول فيه؟

قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله.

فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله.

قالوا: بلى.

فنزل ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ﴾ " والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله  فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله  فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟

والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت.

والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا  ﴾ / الآية.

أما قوله: ﴿ ولا الملائكة ﴾ فإنه معطوف على ﴿ المسيح ﴾ وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في ﴿ يكون ﴾ أو في ﴿ عبداً ﴾ لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة.

وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى.

والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً ﴿ عبداً ﴾ أو يكون الخبر ﴿ عباداً ﴾ وحذف لدلالة ﴿ عبداً ﴾ عليه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ﴾ أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

ثم إنه  لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به.

فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب.

أقول: لو جعل الضمير قي قول: ﴿ فسيحشرهم ﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  ﴾ ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ﴾ الآية.

فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد  لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.

﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى عبادته ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة.

ثم إنه  ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: ﴿ يستفتونك ﴾ الآية.

قال أهل العلم: إنّ الله  أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف.

/ عن جابر قال: "اشتكيت فدخل عليّ رسول الله  وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث.

قال: أحسن.

فقلت: الشطر؟

قال: أحسن.

ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين" .

وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام "كان رسول الله  في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

فنزلت" .

هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين.

﴿ إن امرؤ هلك ﴾ ارتفع ﴿ امرؤ ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ ليس له ولد ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد.

اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت" .

فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة.

الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث قوله: ﴿ وله أخت ﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع.

ثم قال: ﴿ وهو يرثها ﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله  : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ.

ثم قال: ﴿ وإن كانتا ﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿ اثنتين ﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.

روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا.

وقال الكوفيون: لئلا تضلوا.

وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.

التأويل: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط.

فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له  يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله  : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " .

﴿ وروح منه ﴾ لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله  بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ يعني نفوسكم والرسول والله.

بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿ إنما الله إله واحد ﴾  أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ لكل هالك.

﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: ﴿ إني عبد الله  ﴾ ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله.

﴿ قد جاءكم برهان ﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه.

فمن ذلك برهان بصره ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ومنه برهان أنفه " "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومنه برهان لسانه ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز.

وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ } / [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.

﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي" ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ وبرهان كله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ .

والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي [حد لهم] في الفعل وفي النطق جميعا.

وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ؛ فالقول على الله بما لا يليق [به] غلو.

وقيل: لا تغلوا: أي لا تَعَمَّقُوا في دينكم، ولا تَشَدَّدُوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .

أي: الصدق.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: لا تقولوا لله -  - ولد ولا صاحبة.

وفي حرف حفصة -  ا -: "ولا تقولوا: الله ثالث ثلاثة؛ إنما هو إله واحد".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .

الخطاب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ في حقيقة المعنى - للخلق كلهم؛ لأن [على كل] الخلائق ألا يغلوا في دينهم، وهو في الظاهر في أهل الكتاب، والمقصود منه النصارى دون غيرهم من أهل الكتاب؛ حتى يعلم أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوصة دليل خصوصه؛ ولكن قد يراد بعموم اللفظ: الخصوص، بخصوص اللفظ: العموم؛ فيبطل به قول من يعتقد بعموم اللفظ عموم المراد، وبخصوص اللفظ خصوصه.

ثم افترقت النصارى على ثلاث فرق في عيسى  بعد اتفاقهم على أنه ابن مريم: قال بعضهم: هو إله، ومنهم من يقول: هو ابن الإله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة: الرب، والمسيح، وأمّه؛ فأكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، وأخبر أنه رسول الله ابن مريم، ولو كان هو إلهاً لكانت أمه أحق أن تكون إلهاً؛ لأن أمه كانت قبل عيسى -  - ومن كان قبلُ، أحق بذلك ممن يكون من بعد، ولأن من اتخذ الولد إنما يتخذ من جوهره، لا يتخذ من غير جوهره؛ فلو كان ممن يجوز أن يتخذ ولداً - لم يتخذ من جوهر البشر؛ كقوله -  -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ...

 ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ .

قال بعضهم: كلمته: أن قال له: كن؛ فكان.

لكن الخلائق كلهم في هذا كعيسى؛ لأن كل الخلائق إنما كانوا بقوله - عز وجل -: كن؛ فكان؛ فليس لعيسى -  - في ذلك خصوصية.

وأصله أنه سمى كلمة الله لما ألقاها إلى مريم، ولا ندري أية كلمة كانت؛ وإنما خلقه بكلمته التي ألقاها إليها؛ فسمي بذلك، كما خلق آدم من تراب؛ فنسب إليه، وحواء خلقها من ضلع آدم؛ فنسبها إليه، وسائر الخلائق خلقهم من النطفة؛ فنسبهم إليها؛ فعلى ذلك عيسى، لما خلقه بكلمة ألقاها إليها - نسب إليه، لكن في آدم وغيره من الخلائق ذكر فيهم التغيير من حال إلى حال، ولم يذكر ذلك في عيسى؛ فيحتمل أن يكون له الخصوصية بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ [كقوله -  -:] ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ فسمي لذلك روحاً؛ لما به كان يحيي الموتى؛ ألا ترى أنه سمى القرآن روحاً، وهو قوله -  -: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا  ﴾ .

سماه روحاً؛ لما به يحيي القلوب، كما يحيي الأبدان بالأرواح.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: أحياه الله وجعله روحاً.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: رسولا منه.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: أمر منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ...

﴾ .

لأن الرسل كلهم لم يدعوكم إلى الذي أنتم عليه أنه ثالث ثلاثة؛ إنما دعاكم الرسل أنه الله إله واحد لا شريك له ولا ولد.

﴿ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ .

بما ذكرنا بالآية الأولى.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ﴾ بالرفع، أي: لا تقولوا: هو ثلاثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

نزه نفسه عن عظيم ما قالوا فيه بأن له ولداً، ثم أخبر أن له ما في السماوات وما في الأرض؛ وإنما يُتَّخَذُ الولد لإحدى خصال ثلاث: إما لحاجة تمسه؛ فيدفعها به عن نفسه، أو لوحشة تصيبه؛ فيستأنس به، أو لخوف غلبة العدو؛ فيستنصر به ويقهره، أو لما يخاف الهلاك؛ فيتخذ الولد ليرث ملكه.

فإذا كان الله -  - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تصيبه وحشة، أو لملكه زوال - يتعالى عن أن يتخذ ولداً وهو عبده.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾ .

قيل: حافظاً؛ وقيل: شهيداً.

وقيل: الوكيل: هو القائم في الأمور كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ .

تكلم الناس في هذه الآية: قال الحسن: فيه دليل تفضيل الملائكة على البشر؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ ؛ لأن الثاني يخرج مخرج التأكيد للأول، وأبداً إنما يذكر ما به يؤكد؛ إذا كان أفضل منه وأرفع، لا يكون التأكيد بمثله ولا بما دونه؛ كما يقال: لا يقدر أن يحمل هذه الخشبة واحد ولا عشرة، ولا يعمل هذا العمل واحد ولا عدد؛ فهو على التأكيد يقال؛ فعلى ذلك الأول: خرج ذكر الملائكة على أثر ذكر المسيح؛ على التأكيد، وأبداً إنما يقع التأكيد بما هو أكبر، لا بما دونه.

والثاني: قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وقال - عز جل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ ، وقالوا: فكيف يستوي حال من يعصي مع حال من لا يعصي؟!

وحال من لا يفتر عن عبادته طَرْفَةَ عَيْنٍ مع حال من يرتكب المناهي؟!

والثالث: ما قال الله -  - حكاية عن إبليس؛ حيث قال لآدم وحواء - عليهما السلام - ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ .

لو لم يكن للملائكة فضل عندهم ومنزلة - ليس ذلك للبشر - لم يكن إبليس بالذي يغرهما بذلك الملك والوعد لهما أنهما يصيران مَلَكَيْنِ، ولا كان آدم وحواء بالذين يغتران بذلك - دل أن الملك أفضل من البشر.

والرابع: أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - ما استغفروا لأحد، إلا بدءوا بالاستغفار لأنفسهم ثم لغيرهم من المؤمنين؛ كقول نوح  : ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، وكقول إبراهيم -  - ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وما أمر [الله] - عز وجل - نبيه محمداً  بالاستغفار؛ فقال: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ الآية [محمد: 19] وقال: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ وما أمر بذلك، وما فعلوا ذلك؛ إلا ما يحتمل ذلك فيهم.

والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم؛ ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر؛ كقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وإلى هذا ذهب بعض الناس: بتفضيلهم الملائكة على البشر.

وقال آخرون بتفضيل البشر على الملائكة، ولا يجب أن يتكلم في تفضيل البشر على الإطلاق على الملائكة؛ لأنهم يعملون بالفساد وبكل فسق، إلا أن يتكلم في تفضيل أهل الفضل من البشر والمعروف منهم بذلك - على الملائكة؛ فذلك يحتمل أن يتكلم فيه.

ويذهب من قال بتفضيل من ذكرنا من البشر على الملائكة - إلى أنه: ليس في قوله  : ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ - [دلالة] على أن الملائكة كلهم أفضل منهم؛ لأنه إنما ذكر "المقربون"، لم يذكر الملائكة مطلقاً؛ فيجوز أن يكون لمن ذكر فضل على البشر، وكلامنا في تفضيل الجوهر على الجوهر، ولأن البشر ركب فيهم من الشهوات والأماني التي تدعوهم إلى ما فيه الخلاف لله والمعصية له، وجعل لهم أعداء أمروا بالمجاهدة معهم، من نحو: أنفسهم، والشياطين الذين سلطوا عليهم، ولا كذلك الملائكة؛ فمن حفظ نفسه، وصانها، وأخلصها من بين الأعداء، وقمع ما ركب فيهم من الشهوات، والحاجات الداعية إلى الخلاف لله والمعصية له - كان أفضل ممن لا يشغله شيء من ذلك، والله أعلم.

وما ذكر من اغترار آدم وحَوَّاء بقول إبليس: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ  ﴾ لا يحتمل أن يكون آدم لما خلقه من جوهر البشر، وأخبر أنه جعله خليفة في الأرض أنه يتناول ما نهي عنه؛ ليصير من جوهر الملائكة، ولكنه - والله أعلم - رأي أن الملائكة طبعوا على حب العبادة لله، ولم يركب فيهم من الشهوات والحاجات التي تشغل المرء عن العبادة لله والطاعة له - فأحب أن يطبع بطبعهم؛ ليقوم بعبادة الله كما قاموا هم، والله أعلم.

والتكلم في مثل هذا فضل؛ ذلك إلى الله  ، وإليه التخيّر والإفضال.

ثم تأويل قوله عز وجل - والله أعلم -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يعبدون الملائكة دون الله، ويعبدون المسيح دونه؛ فأخبر أن أولئك الذين تعبدونهم أنتم لم يستنكفوا عن عبادتي؛ فكيف تستنكفون أنتم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ .

فهو - والله أعلم - على الإضمار؛ كأنه قال: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، ومن لم يستنكف عن عبادته ولم يستكبر؛ فيسحشرهم إليه جميعاً.

ثم بين جزاء من لم يستنكف عن عبادته، ومن لم يستكبر، ومن استنكف واستكبر، فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ...

﴾ الآية، ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ...

﴾ الآية؛ وإلا لم يكن في الذين استنكفوا مؤمن؛ بل كانوا كلهم كفاراً؛ بالاستنكاف والاستكبار عن عبادته.

والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟

وبالك؟

والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير.

لكن الاستنكاف - والأنفة - لا يضاف إلى الله  ، والاستكبار يضاف، [فهما] من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لن يأنف عيسى بن مريم ويمتنع أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة الذين قربهم الله له، ورفع منزلتهم أن يكونوا عبادًا لله، فكيف تتخذون عيسى إلهًا؟!

وكيف يتخذ المشركون الملائكة آلهة؟!

ومن يأنف عن عبادة الله، ويترفع عنها فإن الله سيحشر الجميع إليه يوم القيامة، ويجازي كلًّا بما يستحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.qJz2K"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله