الآية ٦٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٠ من سورة النساء

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭا ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إنكار من الله ، عز وجل ، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين ، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية : أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما ، فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد .

وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف .

وقيل : في جماعة من المنافقين ، ممن أظهروا الإسلام ، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية .

وقيل غير ذلك ، والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة ، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل ، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ; ولهذا قال : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [ وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ألم تر "، يا محمد، بقلبك، فتعلم = إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنـزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت = يعني إلى: من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، (1) =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكون إليه، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان =" ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، يعني: أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالا بعيدًا = يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا (2) .

* * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان، ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم.

*ذكر من قال ذلك: 9891 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة.

فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنـزل الله فيه هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " حتى بلغ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

9892 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، فذكر نحوه = وزاد فيه: فأنـزل الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، يعني المنافقين =" وما أنـزل من قبلك "، يعني اليهود =" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، يقول: إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن.

9893 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود، خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك = أو قال: إلى النبي = لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة، قال: فنـزلت: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، يعنى: الذي من الأنصار =" وما أنـزل من قبلك "، يعني: اليهوديّ (3) " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه.

وتلا " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، وقرأ: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ إلى وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

9894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلا من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق، (4) فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله.

فعرف أنه سيقضي عليه.

قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه.

قال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل &; 8-510 &; من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ".

9895 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، الآية، حتى بلغ " ضلالا بعيدًا "، ذُكر لنا أن هذه الآية نـزلت في رجلين: رجل من الأنصار يقال له " بشر "، وفي رجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق، فتدارءا بينهما، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم.

فعاب الله عز وجل ذلك = وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه.

فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم، ويدعوه إلى الكاهن، فأنـزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعابَ ذلك على الذي يزعم أنه مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " إلى قوله: صُدُودًا .

9896 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم.

وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم.

فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر.

(5) فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك.

فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام!

فأنـزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: 45]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا "، فقال أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [سورة المائدة: 50].

وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم!

وقالت قريظة: نحن أكرم منكم!

ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، (6) الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا!

(7) وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا بل النبي صلى الله عليه وسلم يُنفِّر بيننا، فتعالوا إليه!

فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة فسألوه، (8) فقال: أعظِموا اللُّقمة = يقول: أعظِموا الخَطَر (9) = فقالوا: لك عشرة أوساق.

قال: لا بل مئة وسْق، ديتي، (10) فإني أخاف أن أنفِّر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفِّر قريظة فتقتلني النضير!

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنـزل الله عز وجل: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " = وهو أبو بردة (11) =" وقد أمروا أن يكفروا به " إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .

* * * وقال آخرون: " الطاغوت "، في هذا الموضع، هو كعب بن الأشرف.

*ذكر من قال ذلك: 9897 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "، و " الطاغوت " رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنـزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب!

فذلك قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، الآية.

9798 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، قال: تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف.

وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال الله تبارك وتعالى: " ألم تر إلى الذين يزعمون " الآية، والتي تليها فيهم أيضًا.

(12) 9899 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، فذكر مثله = إلا أنه قال: وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد.

9900 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك " إلى قوله: " ضلالا بعيدًا "، قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهم مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، فأنـزل الله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا .

9901 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف.

وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم.

فقال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " إلى قوله: " صُدُودًا " = قال ابن جريج: " يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، قال: القرآن =" وما أنـزل من قبلك "، قال: التوراة.

قال: &; 8-513 &; يكون بين المسلم والمنافق الحق، فيدعوه المسلم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت = قال ابن جريج: قال مجاهد: " الطاغوت "، كعب بن الأشرف.

9902 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، هو كعب بن الأشرف.

* * * وقد بينا معنى: " الطاغوت " في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته.

(13) ------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416 - 419 / 8: 461 - 465.

(2) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف: 8 : 428 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(3) في المخطوطة: "اليهود".

(4) المدرأة: المدافعة والخصومة.

(5) "الوسق" مكيلة معلومة في زمانهم ، كانت تبلغ حمل بعير.

(6) في المطبوعة: "أبو برزة الأسلمي" وهو خطأ محض ، والصواب ما كان في المخطوطة ، فإن أبا برزة الأسلمي - نضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل ، و"برزة" بفتح الباء بعدها راء ساكنة بعدها زاي.

وأما "أبو بردة" فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال.

وذكر الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمي إلى الإسلام ، فأبى ، ثم كلمه ابناه في ذلك ، فأجاب إليه وأسلم.

وقال الحافظ ابن حجر: "وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود ، فذكر القصة في نزول قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون..." الإصابة في ترجمته.

وذكر الهيثمي خبر ابن عباس في مجمع الزوائد 7: 6 ، وفيه أيضًا"أبو برزة الأسلمي" ، وهو خطأ ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح".

وكذلك رواه ابن كثير في تفسيره 2: 500 وفيه أيضًا"أبو برزة" وهو خطأ.

(7) في المطبوعة هنا أيضًا"أبو برزة" ، وانظر التعليق السالف.

ويقال: "نفر الحاكم أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيرًا": أي قضى عليه بالغلبة.

وهو من"المنافرة" وذلك أن يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا ، يغلب أحدهما على الآخر.

(8) في المطبوعة هنا مرة ثالثة: "أبو برزة".

(9) "الخطر" هو المال الذي يجعل رهنًا بين المتراهنين ، وأراد به الجعل الذي يدفعه كل واحد من المتنافرين إلى الحكم.

وسماه"اللقمة" مجازًا ، وهذا كله لم تقيده كتب اللغة ، ولم أجده في أخبار المنافرات.

فيستفاد من هذا الخبر.

أن الحكم في المنافرة كانوا يجعلون له جعلا يأخذه بعد استماعه للمنافرة ، وبعد الحكم.

(10) "أوساق" جمع"وسق" ومضى تفسيره"الوسق" فيما سلف ص: 510 ، تعليق: 1.

(11) في المطبوعة هنا مرة رابعة"أبو برزة".

(12) في المخطوطة: "الآية التي تليها منهم فيهما أيضًا" ، ولا أدري ما هو ، وما في المطبوعة أقرب إلى الصواب.

(13) انظر ما سلف: 507 والتعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداروى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة .

ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يعني المنافق .

وما أنزل من قبلك يعني اليهودي .

يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت إلى قوله : ويسلموا تسليما وقال الضحاك : دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو الطاغوت ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله الطاغوت أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي .

فلما خرجا قال المنافق : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ؛ فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال : انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى [ ص: 228 ] أبي بكر فلم يرض ؛ فقال عمر للمنافق : أكذلك هو ؟

قال : نعم .

قال : رويدكما حتى أخرج إليكما .

فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ؛ وهرب اليهودي ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت الفاروق .

ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل ؛ فسمي الفاروق .

وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله : ويسلموا تسليما وانتصب : ضلالا على المعنى ، أي فيضلون ضلالا ؛ ومثله قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا .

وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يُعَجِّبُ تعالى عباده من حالة المنافقين.

{ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ } مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت.

والحال أنهم { قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟

فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك.

وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } عن الحق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) الآية قال الشعبي : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد ، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم ، وقال المنافق : نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم ، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه ، فنزلت هذه الآية .

قال جابر : كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جهينة وواحد في أسلم ، وفي كل حي كهان .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر ، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي : ننطلق إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف ، وهو الذي سماه الله الطاغوت ، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي ، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق ، وقال : انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه ، فأتيا عمر ، فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك ، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق : أكذلك؟

قال : نعم ، قال لهما رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله .

فنزلت هذه الآية .

وقال جبريل : إن عمر رضي الله عنه فرق بين الحق والباطل ، فسمي الفاروق .

وقال السدي : كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذ ديته مائة وسق من تمر ، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقا ، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج ، فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك ، فقالت بنو النضير : كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا ، وديتكم ستون وسقا وديتنا مائة وسق ، فنحن نعطيكم ذلك ، فقالت الخزرج : هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا ، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا ، فقال المنافقون منهم : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون من الفريقين : لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم ، فقال : أعظموا اللقمة ، يعني الحظ ، فقالوا : لك عشرة أوسق ، قال : لا بل مائة وسق ديتي ، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى آية القصاص ، وهذه الآية : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف ، ( وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وأتيا عمر فذكر اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك فقال نعم فقتله «ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت» الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف «وقد أمروا أن يكفروا به» ولا يوالوه «ويريد الشيطان أن يضلَّهم ضلالا بعيدا» عن الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك، وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل، وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟

ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا.

وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان الصادق، يقتضي الانقياد لشرع الله، والحكم به في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في زعمه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ ) .

.

.

إلخ روايات متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا ، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف : ثم إنهما احتكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودى ، فلم يرض المنافق .

وقال : تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب .فقال اليهودى لعمر : قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه .

فقال عمر للمنافق : أكذلك؟

قال : نعم .

قال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما .

فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات - .

ثم قال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله - تعالى - وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت .والاستفهام فى قوله ( أَلَمْ تَرَ ) للتعجيب من حال أولئك المنافقين ، وإنكار ما هم عليه من خلق .

ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما .وقوله ( يَزْعُمُونَ ) من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه ، كما يستعمل - أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ ) أى بكذبهم .وقد يطلق الزعم على القول الحق .قال الآلوسى : وقد أكثر سيبويه فى " الكتاب " من قوله : زعم الخليل كذا - فى أشياء يرتضيها .والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون .والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبا وزورا أنهم آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم ، ومن شريعة عادلة ، ويزعمون كذلك أنهم أمنوا بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟

إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم .فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين ، وحض النبى صلى الله عليه وسلم وأمته على معرفة مسالكهم الخبيثة ، حتى يأخذوا حذرهم منهم .وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد للتعجيب من أحولاهم ، وتشديد للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره .وقوله : ( يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت ) بيان لموطن التعجب من أحوالهم الغريبة ، وصفاتهم السيئة .والمراد بالطاغوت هنا : ما سوى شريعة الإِسلام من أحاكم باطلة بعيدة عن الحق يأخذها المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به : كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون التحاكم إليه ، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول صلى الله عليه وسلم .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك ، ومع هذا فهم يريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه ، ويصدرون عن قوله ، ويرضون بحكمه من دون حكم الله .وقوله ( وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) جملة حالية من ضمير يريدون .أى : يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به ، وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى صلى الله عليه وسلم .وقوله ( وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) معطوف على قوله ( يُرِيدُونَ ) وداخل فى حكم التعجيب ، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم ، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى العجب الشديد .والمراد بالضلال البعيد : الكفر والبعد عن الحق والهدى .ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم ، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة .قال ابن كثير : هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين .

وهو مع ذلك ، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله ، وسنة رسوله .كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما .

فجعل اليهودى يقول : بينى وبينك محمد .

وذاك يقول : بينى وبينك كعب ابن الأشرف .

وقيل : فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية .

وقيل غير ذلك .

والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل .

وهو المراد بالطاغوت هنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وانما يريدون حكم غيره، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الزعم والزعم لغتان، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق.

قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق، فكذلك تفسير قوله: ﴿ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أي بقولهم الكذب.

قال الاصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا، وقال ابن الاعربي: الزعم يستعمل في الحق، وأنشد لأمية بن الصلت: وأنّي أدين لكم أنه *** سينجزكم ربكم ما زعم اذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين.

المسألة الثانية: ذكروا في أسباب النزول وجوها: الأول: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الاشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت الى الرشوة، وكعب بن الاشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقا، والمنافق كان مبطلا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم الى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الاشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا اليه صلى الله عليه وسلم، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا الى أبي بكر، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق: بيني وبينك عمر، فصارا الى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا فقال نعم، قال: اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما.

فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال: انه الفاروق فرق بين الحق والباطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: أنت الفاروق وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف.

الرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبي بنو النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم، هذا قول السدي، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

الرواية الثالثة: قال الحسن: ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل.

الرواية الرابعة: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن.

واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى: ﴿ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

المسألة الثالثة: مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر، ويدل عليه وجوه: الأول: انه تعالى قال: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: ان قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً ﴾ يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه؟

الثاني: انه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة؟

فلو كان تعالى مريداً لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ الثالث: ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب، فانه يقال: إنما فعلوا لاجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب أولى، فان من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى.

واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم، وقيل: كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين.

المسألة الثانية: يصدون عنك صدودا، أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل: صدودا أي صدود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أن بشراً المنافق خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.

فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله فلم يرض بقضائه.

فقال للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت.

وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الفاروق» .

والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه الله (طاغوتاً) لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه.

أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان، بدليل قوله: ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ﴾ .

وقرئ ﴿ بِمَا أنزَلَ...

وَمَا أَنَزلَ ﴾ على البناء للفاعل.

وقرأ عباس بن الفضل: ﴿ أن يكفروا بها ﴾ ، ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم ﴾ [البقرة: 257] وقرأ الحسن ﴿ تعالوا ﴾ بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية كعافية، وكما قال الكسائي في (آية) إن أصلها (آيية) فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت، فصار (تعالوا)، نحو: تقدموا.

ومنه قول أهل مكة: تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني: تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الهمُومَ تَعَالِي والوجه فتح اللام ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حالهم، وكيف يصنعون؟

يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه ﴿ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم ﴿ ثُمَّ جَاؤك ﴾ حين يصابون فيعتذرون إليك ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿ إِلاَّ إِحْسَاناً ﴾ لا إساءة ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ بين الخصمين، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم.

ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله.

وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به ﴿ فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار.

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ؟

قلت: بقوله: (بليغاً) أي: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.

أو يتعلق بقوله: ﴿ قُلْ لَهُمْ ﴾ أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وأنّ الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفي عليه فلا يغني عنكم إبطانه.

فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ.

أو قل لهم في أنفسهم- خالياً بهم، ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة، لأنه في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل ﴿ قولاً بليغاً ﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

« (أنَّ مُنافِقًا خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ  ، ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِقَضائِهِ وقالَ: نَتَحاكَمُ إلى عُمَرَ فَقالَ اليَهُودِيُّ لِعُمَرَ: قَضى لِي رَسُولُ اللَّهِ  فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ وخاصَمَ إلَيْكَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ.

فَقالَ نَعَمْ.

فَقالَ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرُدَ وقالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَنَزَلَتْ.» وَقالَ جِبْرِيلُ إنَّ عُمَرَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَسُمِّيَ الفارُوقَ، والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وفي مَعْناهُ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤَثِّرُ لِأجْلِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفَرْطِ طُغْيانِهِ أوْ لِتَشَبُّهِهِ بِالشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ كَما قالَ.

﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ وقُرِئَ أنْ «يَكْفُرُوا بِها» عَلى أنَّ الطّاغُوتَ جَمْعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة فدعاه اليهودى إلى النبى صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه لا يرتشى ودعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه فاحتكما إلى النبى عليه السلام فقضى لليهود فلم يرض المنافق وقال تعالى نتحاكم إلى عمر فقال االيهودى لعمر رضى الله عنه قضى لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق أكذلك قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} وقال جبريل عليه السلام إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت الفاروق {يُرِيدُونَ} حال من الضمير في يزعمون {أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت} أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله عليه السلام أو على التشبيه بالشيطان أو جعل اختيار

التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان بدليل قوله {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ} عن الحق {ضلالا بَعِيداً} مستمراً إلى الموت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَعْجِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ ﴿ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ مِنَ الزَّعْمِ وهو كَما في القامُوسِ مُثَلَّثُ القَوْلِ: الحَقُّ والباطِلُ والكَذِبُ ضِدٌّ، وأكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يُشَكُّ فِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى القَوْلِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ»» وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «زَعَمَ رَسُولُكَ» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ مِن قَوْلِهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ كَذا في أشْياءَ يَرْتَضِيها، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: أنَّ زَعَمَ في كُلِّ هَذا بِمَعْنى القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الِادِّعاءِ، أيْ يَدَّعُونَ ﴿ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيِ: القُرْآنِ: ﴿ وما أُنْزِلَ ﴾ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهو التَّوْراةُ، ووُصِفُوا بِهَذا الِادِّعاءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ، وقُرِئَ: (أنْزَلَ) و(أنْزَلَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ بَيانٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ عَلى قِياسِ نَظائِرِهِ.

أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ - يُقالُ لَهُ بِشْرٌ - خاصَمَ يَهُودِيًّا، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ  ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى النَّبِيِّ  فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالَ نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: قَضى لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  -فَنَزَلَتْ».

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: وقالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ عُمَرَ فَرَقَّ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَمّاهُ النَّبِيُّ،  الفارُوقَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ».

والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى كَثِيرِ الطُّغْيانِ، أوْ أنَّهُ عَلَمٌ لُقِّبَ لَهُ كالفارُوقِ لَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ في مُقابَلَةِ الطّاغُوتِ، وفي مَعْناهُ كُلُّ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤْثِرُ لِأجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطّاغُوتُ بِمَعْنى الشَّيْطانِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأخَسِّ بْنِ الأشْرَفِ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ حَقِيقَةٌ، والتَّجَوُّزُ في إسْنادِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ.

وقِيلَ: إنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ عَنِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ أُناسٌ مَن يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَدْ أسْلَمُوا، ونافَقَ بَعْضُهُمْ، وكانَتْ بَيْنَهم خُصُومَةٌ في قَتِيلٍ، فَأبى المُنافِقُونَ مِنهم إلّا التَّحاكُمَ إلى أبِي بَرْزَةَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: أعْظِمُوا اللُّقْمَةَ، فَقالُوا: لَكَ عَشَرَةُ أوْساقٍ، فَقالَ: لا، بَلْ مِائَةُ وسْقٍ، فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ فَوْقَ العَشَرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ.

وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَفْظِيعِ التَّحاكُمِ نَفْسِهِ ما لا يَخْفى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِوَصْفِ المُنافِقِينَ بِادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ خَبَرِ الطَّبَرانِيِّ عَلَيْهِ بِحَمْلِ المُسْلِمِينَ فِيهِ عَلى المُنافِقِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.

﴿ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُرِيدُونَ) وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْجِيبِ كالوَصْفِ السّابِقِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى الطّاغُوتِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنهُ الشَّيْطانُ، وإلّا فَهو عائِدٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ لا الذّاتِ، أيْ: أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِمَن هو كَثِيرُ الطُّغْيانِ أوْ شَبِيهٌ بِالشَّيْطانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّحاكُمِ المَفْهُومِ مِن (يَتَحاكَمُوا) وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ (بِها)، وقُرِئَ (بِهِنَّ)، والضَّمِيرُ أيْضًا لِلطّاغُوتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وإذا أُرِيدَ الثّانِي أُنِّثَ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَماعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

﴿ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، داخِلَةٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، وفِيها عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى (يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الشَّيْطانِ) وهو بِصَدَدِ إرادَةِ إضْلالِهِمْ، ولا يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ وأنْتَ بِصَدَدِ إرادَةِ هِدايَتِهِمْ و(ضَلالًا) إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وإمّا مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، أيْ (فَيَضِلُّونَ ضَلالًا) ووَصْفُهُ بِالبُعْدِ الَّذِي هو نَعْتُ مَوْصُوفِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وذلك أنَّ منافقاً يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد  وكانت تلك الخصومة في حكم الإسلام على المنافق، وفي حكم اليهود على اليهودي.

فقال اليهودي: نأتي محمدا  يحكم بيننا.

وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف حتى يحكم بيننا.

فكانا في ذلك إذ سمع عمر بن الخطاب قولهما، فقال: ما شأنكما؟

فأخبراه بالقصة.

فقال عمر: أنا أحكم بينكما.

فأجلسهما، ثم دخل البيت وخرج بالسيف، وقتل المنافق، فنزلت هذه الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني سائر الكتب المنزلة يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وهو كعب بن الأشرف وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعني أمروا بتكذيبه.

وقال الضحاك: نزلت الآية في شأن المنافقين، لأنهم آمنوا بلسانهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، وركنوا إلى قول اليهود ومالوا إلى خلاف النبيّ  ، فذلك قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا يعني: إلى كهنة اليهود وسحرتهم.

ثم قال: وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ عَنِ الهدى وَعَن الحق ضَلالًا بَعِيداً ثم قال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ يعني: إلى ما أمر الله في كتابه، وإلى ما أمر الرسول، وإلى ما أنزل إلى الرسول رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً أي يعرضون عنك إعراضاً.

ويقال: صدّ يصد يكون لازماً ويكون متعدياً، وإنما يتبين ذلك بالمصدر.

ويقال: صدّ يصدّ صدّاً إذا صرف غيره.

كقوله تعالى فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وصدّ يصدّ صدوداً، إذا أعرض بنفسه كقوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكقوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يقول: فكيف يصنعون إذا أصابتهم عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بما عملت أيديهم ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ قال في رواية الكلبي: نزلت في شأن ثعلبة بن حاطب، كانت بينه وبين الزبير بن العوام خصومة، فقضى رسول الله  للزبير، فخرجا من عنده فمرا على المقدام بن الأسود، فقال المقدام لمن كان القضاء يا ثعلبة؟

فقال ثعلبة: قضى لابن عمته الزبير ولوى شدقه على وجه الاستهزاء، فنزلت هذه الآية فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بليه شدقه، فلما نزلت هذه الآية أقبل إلى رسول الله  يعتذر إليه ويحلف.

وذلك قوله: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً أي ما أردنا إلا الإحسان في المقالة وَتَوْفِيقاً يقول: صواباً.

وقال الضحاك ومقاتل: نزلت في شأن الذين بنوا مسجد ضرار، فلما أظهر الله نفاقهم وأمر بهدم المسجد، حلفوا لرسول الله  دفعاً عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.

قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الضمير.

وقال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا أن اعلموا أنهم منافقون.

قال: ومعنى قوله: وَتَوْفِيقاً أي طلباً لما وافق الحق.

ثم قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تعاقبهم وَعِظْهُمْ بلسانك وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يقول: خوفهم وهددهم إن فعلتم الثاني عاقبتكم.

قال مقاتل: تقدم إليه تقدماً وثيقاً ثم نسخ بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [سورة التوبة: 73] .

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأوَّل: قال ميمونُ بْنُ مِهْرَانَ: هم أصحاب السَّرَايَا، وروى في ذلك حديثاً، وهو اختيار البُخَاريِّ، وروي عن ابْنِ عباس أنَّها نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ حُذَافَة «١» ، إذْ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سرِيَّة «٢» .

والثاني: هم العلماءُ، وبه قال أكثر التابِعِينَ، واختاره مالكٌ «٣» والطبريُّ.

والصحيحُ عِنْدِي: أنهم الأمراء والعلماء، أمَّا الأمراء فَلأنَّ الأمْرَ منهم، والحُكْمَ إلَيْهم، وأمَّا العلماء فَلأنَّ سؤالهم متعيِّن على الخَلْق، وجوابهم لازمٌ، وامتثال فَتْوَاهم واجبٌ، ويدخُلُ فيه تَأَمُّر الزَّوْج على الزَّوْجَةِ لأنَّه حاكِمٌ عليها.

انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ...

الآية: معنى التنَازُعِ أنَّ كلَّ واحدٍ ينتزعُ حُجَّة الآخَرِ ويُذْهِبُهَا، والرَّدُّ إلى اللَّه هو النَّظَرُ في كتابِهِ العزيزِ، والرّدّ إلى الرسول هو سؤاله صلّى الله عليه وسلّم في حياتِهِ، والنَّظَرُ في سُنَّته بعد وفاته، هذا قولُ مجاهد وغيرِهِ «٤» ، وهو الصحيحُ.

وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...

الآية: فيه بعض وعيد، وتَأْوِيلًا:

معناه: مآلاً في قول جماعة، وقال قتادةُ وغيره: المعنى: أحْسَنُ عاقبةً «٥» ، وقالتْ فرقة:

المعنى أن اللَّه ورسولَهُ أحْسَنُ نَظَراً وتأوُّلاً منكم، إذا انفردتم بتأوّلكم.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...

الآية: تقولُ العربُ: زَعَمَ فُلاَنٌ كَذَا في الأَمْرِ الذي يَضْعُفُ فيه التحقيقُ، وغايةُ دَرَجَةِ الزَّعْم إذا قَوِيَ:

أنْ يكون مظْنُوناً، وإذا قال سِيبَوَيْه: زَعَمَ الخَلِيلُ، فإنما يستعملُها فيما انفرد الخَلِيلُ به وكَأَنَّ أقوى رُتَبِ «زَعَمَ» أنْ تبقى معها عُهْدة الخَبَر على المُخْبِرِ.

قال عامرٌ الشَّعبيُّ: / نزلَتِ الآيةُ في منافِقٍ اسمه بِشْرٌ، خاصَمَ رجلاً من اليهودِ، فدعاه اليهوديُّ إلى المُسْلِمِينَ لعلمه أنهم لاَ يَرْتَشُونَ، وكان المنافِقُ يدعو اليهودِيَّ إلى اليهودِ لعلمه أنَّهم يرتَشُونَ، فاتفقا بَعْدَ ذلك على أنْ أَتَيَا كَاهِناً كَانَ بالمدينةِ، فَرَضِيَاهُ، فنزَلَتْ هذه الآيةُ فيهما، وفي صِنْفَيْهِمَا «١» ، فالذينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنوا بما أنزل على محمَّد- عليه السلام- هم المنافِقُونَ، والذين يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ من قبله هم اليهودُ، وكلٌّ قد أُمِرَ في كتابه بالكُفْر بالطَّاغوت، والطَّاغُوتُ هُنَا الكَاهِنُ المذْكُور، فهذا تأنيبٌ للصِّنْفَيْنِ.

وقال ابنُ عبَّاس: الطَّاغُوتُ هنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الذي تراضَيَا به «٢» ، وقيل غير هذا.

وقوله: رَأَيْتَ، هي رؤْيَةُ عَيْنٍ لمن صَدَّ من المنافقين مجاهَرَةً وتصريحاً، وهي رؤيةُ قَلْبٍ لِمَنْ صَدَّ منهم مكْراً وتخابُثاً ومُسَارَقَةَ حتى لاَ يُعْلَمَ ذلك مِنْه إلا بالقرائِنِ الصَّادِرَةِ عنه.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، قالت فرقة: هي في المنافقينَ الَّذين احتكموا حَسْبَمَا تقدَّم، فالمعنى: فكَيْفَ بهم إذا عاقَبَهُمُ اللَّه بهذه الذُّنوب بنِقْمَةٍ منه، ثم حَلَفُوا، إنْ أردْنَا بالإحتكامِ إلى الطَّاغُوتِ إلاَّ توفيقَ الحُكْمِ وتقريبه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: انْطَلِقْ بِنا إلى مُحَمَّدٍ، وقالَ المُنافِقُ: بَلْ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَأبى اليَهُودِيُّ، فَأتَيا النَّبِيَّ  ، فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَأقْبَلا إلَيْهِ، فَقَصّا عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ: رُوَيْدًا حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ البَيْتَ، فاشْتَمَلَ عَلى السَّيْفِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرِدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي بَيْنَ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَهُودِيًّا ومُنافِقًا كانَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ، فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى النَّبِيِّ، لِأنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ، ودَعا المُنافِقُ إلى حُكّامِهِمْ، لِأنَّهم يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، فَلَمّا اخْتَلَفا، اجْتَمَعا أنَّ يُحَكِّما كاهِنًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مَن بَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، فاخْتَصَمُوا، فَقالَ المُنافِقُونَ مِنهُمْ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: بَلْ إلى النَّبِيِّ  ، فَأبى المُنافِقُونَ، فانْطَلَقُوا إلى الكاهِنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والزَّعْمُ والزُّعْمُ لُغَتانِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في قَوْلِ ما لا تَتَحَقَّقُ صِحَّتُهُ، وفي ( الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْه وما أنْزَلَ مَن قَبْلِه ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ آَمَنَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ المُنافِقُ، والَّذِي زَعَمَ أنَّهُ آَمَنَ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ اليَهُودِيُّ.

والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أنْ يَتَبَرَّؤُوا مِنَ الكَهَنَةِ، و"الضَّلالِ البَعِيدِ": الطَّوِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا ﴾ تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا.

يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى: ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ.

و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ".

وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما.

فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ  ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ  فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ فَوَصَفا لَهُ جَمِيعَ ما فَعَلا، فَقالَ لَهُما: اصْبِرا حَتّى أقْضِيَ حاجَةً في مَنزِلِي ثُمَّ أخْرُجَ فَأحْكُمَ بَيْنَكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ وخَرَجَ، فَضَرَبَ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَذا حُكْمِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوثانِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

و"يُضِلَّهُمْ" مَعْناهُ: يُتْلِفُهُمْ، وجاءَ "ضَلالًا" عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَيَضِلُّونَ ضَلالًا، و"بَعِيدًا" عِبارَةٌ عن عِظَمِ الضَلالِ وتَمَكُّنِهِ حَتّى يَبْعُدَ الرُجُوعُ عنهُ والِاهْتِداءُ مَعَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعالَوْا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ قَتادَةُ "تَعالُوا" بِضَمَّةٍ، وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن "تَعالَيْتَ" حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: تَقَدَّمُوا وتَأخَّرُوا، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ، لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ وأشْخاصِهِ، سِيقَتْ مِنَ العُلُوِّ تَحْسِينًا لِلْأدَبِ، كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ، ونَحْوَهُ.

و"رَأيْتَ" هي رُؤْيَةُ عَيْنٍ لِمَن صَدَّ مِنَ المُنافِقِينَ مُجاهَرَةً وتَصْرِيحًا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ لِمَن صَدَّ مِنهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يُعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَأْوِيلِ عَلَيْهِ والقَرائِنِ الصادِرَةِ عنهُ، فَإذا كانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يَصُدُّونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإذا كانَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ فَـ "يَصُدُّونَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي.

و"صُدُودًا" مَصْدَرٌ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ مِن "صَدَّ"، ولَيْسَ عِنْدَ الخَلِيلِ بِمَصْدَرٍ مِنهُ، والمَصْدَرُ عِنْدَهُ: "صَدًّا"، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ فَعُولًا إنَّما هو مَصْدَرٌ لِلْأفْعالِ غَيْرِ المُتَعَدِّيَةِ، كَجَلَسَ جُلُوسًا، وقَعَدَ قُعُودًا، و"صَدَّ" فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مَرَّةً كَما قالَ: ﴿ فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ  ﴾ ، ومَرَّةً بِحَرْفِ الجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا ﴾ وغَيْرِهِ، فَمَصْدَرُهُ: "صَدَّ"، و"صُدُودًا" اسْمٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ [النساء: 59].

والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا الإسلام لقوله: ﴿ رأيت المنافقين يصدّون ﴾ ، ولذلك قال: ﴿ يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ .

وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية اختلافاً متقارباً: فعن قتادة والشعبي أنّ يهودياً اختصم مع منافق اسمه بشر فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنّه لا يأخذ الرشوة ولا يجورُ في الحكم، ودعا المنافقُ إلى التحاكم عند كاهن من جُهينة كان بالمدينة.

وعن ابن عباس أنّ اليهودي دَعا المنافق إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ المنافقَ دعا إلى كعب ابن الأشرف، فأبى اليهودي وانصرفا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي، فلمّا خرجا، قال المنافق: لا أرضى، انطلِق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر بمثل حكم رسول الله، فقال المنافق: انطلق بنا إلى عمر، فلمّا بلغ عمر، وأخبره اليهودي الخبر وصدَّقه المنافق، قال عمر: رويدكما حتّى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم ضرب به المنافق حتّى بَرَد، وقال: هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله.

فنزلت الآية وقال جبريل: إن عمر فرّق بين الحقّ والباطل فلقبّه النبي صلى الله عليه وسلم «الفاروق».

وقال السدّي: كان بين قُريظة والخزرج حِلف، وبين النَّضير والأوس حلف، في الجاهلية وكانت النضير أكثر وأشرف، فكانوا إذا قتَل قُرَظِيُّ نضيرياً قُتل به وأخذ أهل القتيل دية صاحبهم بعد قتل قاتله، وكانت الدية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضيريّ قرظيّا لم يُقتل به وأعطى ديته فقط: ستّين وسقاً.

فلمّا أسلم نفر من قريظة والنضير قتل نضيريّ قُرظيّا واختصموا، فقالت النضير: نعطيكم ستّين وسقاً كما كنّا اصطلحنا في الجاهلية، وقالت قريظة: هذا شيء فعلتموه في الجاهلية لأنّكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا، ونحن اليوم إخوَة وديننا ودينكم واحد، فقال بعضهم وكان منافقاً: انطلقوا إلى أبي بُردة وكان أبو بردة كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فيه وقال المسلمون: لا بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية.

(وأبو بردة بدال بعد الراء على الصحيح، وكذلك وقع في مفاتيح الغيب وفي الإصابة لابن حجر، ووقع في كتب كثيرة بزاي بعد الراء وهو تحريف اشتبه بأبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد ولم يكن أبو برزة كاهناً قط).

ونُسب أبو بردة الكاهن بالأسلمي، وذكر بعض المفسّرين: أنّه كان في جُهيْنة.

وبعضهم ذكر أنّه كان بالمدينة.

وقال البغوي عن جابر بن عبد الله: «كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم، وفي كلّ حيّ واحد كهّانٌ».

وفي رواية عكرمة أنّ الذين عناهم الله تعالى ناس من أسلم تنافروا إلى أبي بردة الأسلمي، وفي رواية قتادة: أنّ الآية نزلت في رجلين أحدهما اسمه بشر من الأنصار، والآخر من اليهود تدَارءا في حقّ، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنّه يقضي بالحقّ.

ودعاه الأنصاري إلى التحاكم للكاهن لأنّه علم أنّه يرتشي، فيقضي له، فنزلت فيهما هذه الآية.

وفي رواية الشعبي مثل ما قال قتادة، ولكنّه وصف الأنصاري بأنّه منافق.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ الخصومة بين منافق ويهودي، فقال اليهودي «لننطلق إلى محمد» وقال المنافق «بل نأتي كعبَ بن الأشرف اليهودي» وهو الذي سَمَّاه الله الطاغوت.

وصيغة الجمع في قوله: ﴿ الذين يزعمون ﴾ مرَاد بها واحد.

وجيء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ، كقولهم: ما بَال أقوام يقولون كذا، ليشمل المقصودَ ومن كان على شاكلته.

والزعم: خبر كاذبٌ، أو مشوب بخطأ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيساً بن معد يكرب الكندي: ونُبِّئْتُ قَيْساً ولم أبْلُهُ *** كما زَعموا خَيْرَ أهل اليَمَنْ غضب قيس وقال: «وما هو إلاّ الزعم»، وقال تعالى: ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ﴾ [التغابن: 7]، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، أي لإلقاء العهدة على المخبر، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل، ولذلك قالوا: الزعم مطية الكذب.

ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة، كقوله: زعم العواذل أنّني في غمرة *** صَدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي فقوله ﴿ صدقوا ﴾ هو القرينة، ومضارعه مثلّث العَيْننِ، والأفصح فيه الفتح.

وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين، كما هو الظاهر، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر.

وعطف قوله ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود، وقد دخل المعطوف في حَيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يَكن مطّرداً، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعمْا، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان، وشريعة موسى عليه السلام تحذّر منهم.

وقوله ﴿ يريدون ﴾ أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب.

والطاغوت هنا هم الأصنام، بدليل قوله: ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ ، ولكن فسّروه بالكاهن، أو بعظيم اليهود، كما رأيت في سبب نزول الآية، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه، وإمّا لأنّ الكاهن يُتَرجم عن أقوال الصنم في زعمه، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [النساء: 51] من هذه السورة.

وإنّما قال ﴿ ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً ﴾ أي يحبّ ذلك ويحسنّه لهم، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول، أو المعنى: يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا ممّا صنعوا.

والضلال البعيد هو الكفر، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كانَ هذا الفرد منه بالغاً غاية المسافة، قال الشاعر: ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا *** وقوله ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ الآية أي إذا قيل لهم احضُروا أو إيتوا.

فإنّ (تعال) كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال، فمفادها مفاد حرف النداء إلاّ أنّها لا تنبيه فيها.

وقد اختلف أيمّة العربية في أنّه فعل أو اسمُ فعللٍ، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ، ولذلك قال الجوهري في «الصحاح» «والتعالي الارتفاع»، تقول منه، إذا أمرت: «تعال يا رجل»، ومثله في «القاموس»، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فِعل الأمر، فذلك البناء هو الذي حدا فريقاً من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل، وليس ذلك القول ببعيد، ولم يَرِد عن العرب غير فتح اللام، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فِراس: أيا جارتَا ما أنصف الدهر بيننا *** تعالي أقاسمك الهموم تَعالي بكسر لام القافية المكسورة، معدوداً لحناً.

وفي «الكشّاف» أنّ أهل مكة أي في زمان الزمخشري يقولون تعالِي للمرأة.

فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدُّخلاء بينهم.

ووجه اشتقاق تعالَ من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي (بالفتح) في سفل، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم، ولذلك كان أصله أن يدلّ على طلب حضور لنفع.

قال ابن عطية في تفسير في قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ في سورة المائدة (104): «تعال نداء ببرّ، هذا أصله، ثم استعمل حيث البرّ وحيث ضدّه».

وقال في تفسير آية النساء: «وهي لفظة مأخوذة من العلوّ لمّا استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلوّ تحسيناً للأدب كما تقول: ارتفع إلى الحقّ ونحوه».

وأعلم أنّ تعال لمّا كانت فعلاً جامداً لم يصحّ أن يصاغ منه غير الأمر، فلا تقول: تعاليت بمعنى حضرت، ولا تنهى عنه فتقول: لا تتعال.

قال في «الصحاح» «ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى عنه».

وفي «الصحاح» عقبه «وتقول: قد تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» يعني أنّه يتصرّف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال، وتبعه في هذا صاحب «اللسان» وأغفل العبَارة التي قبله، وأمّا صاحب «تاج العروس» فربما أخطأ إذ قال: «قال الجوهري: ولا يجوز أن يقال منه: تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» ولعلّ النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنّه في العبارة تكريراً، وإنّما نبّهت على هذا لئلاّ تقع في أخطاء وحيرة.

و (تعالوا) مستعمل هنا مجازاً، إذ ليس ثمّة حضور وإتيان، فهو مجاز في تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره، ولذلك قال: ﴿ إلى ما أنزل الله ﴾ إذ لا يحكم الله إلاّ بواسطة كلامه، وأمّا تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ذاته لأنّ القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و(صدودا) مفعول مطلق للتوكيد، ولقصد التوصّل بتنوين ﴿ صدودا ﴾ لإفادة أنّه تنوين تعظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ ورَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ كانَ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أُحاكِمُكَ إلى أهْلِ دِينِكَ لِأنِّي أعْلَمُ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الرِّشْوَةَ، وقالَ المُنافِقُ: أُحاكِمُكَ إلى اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهم يَقْبَلُونَ الرِّشْوَةَ، فاصْطَلَحا أنْ يَتَحاكَما إلى كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقَ ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودِيَّ.

﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ يَعْنِي الكاهِنَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِن بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَتْ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ أقادُوا مِنَ القاتِلِ، وكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَتْ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ تُقِدْ مِنَ القاتِلِ وأعْطَوْا دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، فَلَمّا أسْلَمَ ناسٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ، قَتَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَحاكَمُوا إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ النَّضِيرِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ: إنّا كُنّا في الجاهِلِيَّةِ نُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ سِتِّينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، فَنَحْنُ نُعْطِيهِمُ اليَوْمَ ذَلِكَ، وقالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ: نَحْنُ إخْوانٌ في النَّسَبِ والدِّينِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ وقَدْ جاءَ الإسْلامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُعَيِّرُهم بِما فَعَلُوا ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ  ﴾ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ بَنِي النَّضِيرِ ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ  ﴾ ثُمَّ أخَذَ النَّضِيرِيَّ فَقَتَلَهُ بِالقُرَظِيِّ، فَتَفاخَرَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ ودَخَلُوا المَدِينَةَ، فَتَحاكَمُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الأسْلَمِيِّ الكاهِنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ  ﴾ يَعْنِي في الحالِ، ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يَهُودًا.

﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ يَعْنِي أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ الكاهِنَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ الآيَةَ.

فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عُمَرَ قَتَلَ مُنافِقًا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَجاءَ إخْوانُهُ مِنَ المُنافِقِينَ يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، وحَلَفُوا بِاللَّهِ أنَّنا ما أرَدْنا في المُطالَبَةِ بِدَمِهِ إلّا إحْسانًا إلى النِّساءِ، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا.

والثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ بَعْدَ القَوَدِ مِن صاحِبِهِمُ اعْتَذَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  في مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ بَأنْ قالُوا: ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا تَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ وإحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ دُونَ الحَمْلِ عَلى مُرِّ الحَقِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ النِّفاقِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ.

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ ﴾ وفي الجَمْعِ بَيْنَ الإعْراضِ والوَعْظِ مَعَ تَنافِي اجْتِماعِهِما في الظّاهِرِ - ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعْرِضْ عَنْهم بِالعَداوَةِ لَهم وعِظْهم فِيما بَدا مِنهم.

والثّانِي: أعْرِضْ عَنْ عِقابِهِمْ وعِظْهم.

والثّالِثُ: أعْرِضْ عَنْ قَبُولِ الأعْذارِ مِنهم وعِظْهم.

﴿ وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنْ أظْهَرْتُمْ ما في قُلُوبِكم قَتَلَكم، فَإنَّهُ يَبْلُغُ مِن نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنْ يَزْجُرَهم عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ الزَّواجِرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين.

فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ﴾ إلى قوله: ﴿ إحساناً وتوفيقاً ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشير، كانوا يدَّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية.

فأنزل الله فيهم ﴿ ألم تَر إلى الذين يزعمون...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة- وفي لفظ: ورجل ممن زعم أنه مسلم- فجعل اليهودي يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة.

فنزلت ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا...

﴾ الآية.

إلى قوله: ﴿ ويسلموا تسليماً ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال: زعم حضرمي أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق.

فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله.

فعرف أنه سيقضي عليه فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه.

فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق تدارآ فيه فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاب الله ذلك عليهما، وقد حدثنا أن اليهودي كان يدعوه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يعلم أنه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاري الذي زعم أنه مسلم.

فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم وعلى صاحب الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل رجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقاً من تمر، فلما أسلم أناس من قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النضيري: يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية فنحن نعطيهم اليوم الدية؟

فقالت قريظة: لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية، فقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيرهم بما فعلوا فقال ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ [ المائدة: 45] يعيرهم، ثم ذكر قول النضيري: كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون منا فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [ المائدة: 50] فأخذ النضيري فقتله بصاحبه.

فتفاخرت النضير وقريظة فقالت النضير: نحن أقرب منكم.

وقالت قريظة: نحن أكرم منكم.

فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي فقال المنافقون من قريظة والنضير: انطلقوا بنا إلى أبي برزة ينفر بيننا فتعالوا إليه، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي برزة وسألوه فقال: أعظموا اللقمة.

يقول: أعظموا الخطر.

فقالوا: لك عشرة أوساق قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ إلى قوله: ﴿ ويسلموا تسليماً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ قال: الطاغوت.

رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمهم إلى كعب.

فذلك قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهما مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف.

فأنزل الله: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ .

وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا...

﴾ الآية قال نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق.

وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.

فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه.

فقال للمنافق: أكذلك؟!

قال: نعم.

فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما.

فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله: فنزلت.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الطاغوت والشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكون إليها؟

قال: إن في جهينة واحداً، وفي أسلم واحداً، وفي هلال واحداً، وفي كل حي واحداً، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ قال: دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ يصدون عنك صدوداً ﴾ قال: الصدود.

الإعراض.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة ﴾ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن، هذا من تقديم القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ أصابتهم مصيبة ﴾ يقول: بما قدمت أيديهم في أنفسهم، وبين ذلك ما بين ذلك (قل لهم قولاً بليغاً).

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ قال: عقوبة لهم بنفاقهم وكرههم حكم الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ذلك لقوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ الآية.

الزَّعم والزُّعم لغتان.

وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول فيما لا يتحقق (١) قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون: زعم فلان.

إذا (شك فيه) (٢) ﴿ هَذَا الله بِزَعْمِهِمْ  ﴾ أي بقولهم الكذب (٣) قال شمر: روي عن الأصمعي أنه قال: الزعم الكذب وأنشد للكميت: إذا الإكام اكتست مآليها ...

وكان زعم اللوامع الكذب (٤) يريد السراب.

قال شمر: والعرب تقول: أكذب من يلمع (٥) وقال شريح: زعموا كنية الكذب (٦) (٧) (٨) أبو عبيد عن الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يُدرى أبها شحم أم لا (٩) (١٠) وأنشد في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا: نودي قم واركبن بأهلك ...

إن الله موف للنَّاس ما زعما (١١) (١٢) والذي في هذه الآية المراد به الكذب؛ لأن الآية نزلت في المنافقين.

قال الكلبي وغيره من المفسرين (١٣)  ، وصار إليه، فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر، فأخبره اليهودي أنَّ المنافق قد حكم عليه النبي  وأبو بكر، فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال عمر: اصبرا، إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق حتى برد، وهرب اليهودي.

فجاء أهل المنافق، فشكا عمر إلى النبي  ، فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله.

فقال  : أنت الفاروق (١٤) وروي أن عمر لما قتل المنافق أتى جبريل رسول الله  فقال: إنَّ الفاروق فرق بين الحق والباطل فدعا رسول الله  عمر وقال: أنت الفاروق (١٥) وقال ابن عباس في رواية عطاء: الطاغوت ههنا حيي بن أخطب (١٦) وقال السدي: الطاغوت ههنا كاهن يقال له أبو بردة هلال بن عويمر (١٧)  ، ولم يرضوا بحكمه، وقالوا: حتى يحكم بيننا أو بردة الكاهن، ونزلت الآية في شأنهم (١٨) وسنذكر هذه القصة عند قوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية [المائدة: 45]، وعند قوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ  ﴾ إن شاء الله.

والطاغوت ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة.

ومضى الكلام فيه.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ قال ابن عباس: أمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم (١٩) ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ قال: يريد ضلالًا لا يرجعون عنه إلى محبة الله أبدًا، وهو النفاق (٢٠) وجملة معنى الآية تعجيب النبي  من جهل من يعدل عن حكم الله إلى حكم الطاغوت، مع زعمه بأنه يؤمن بالله ورسوله وما أنزل إليه، تفحيشًا لفعله، وتحذيرًا من مثل حاله.

(١) انظر: "العين" 1/ 364، "تهذيب اللغة" 2/ 1534 (زعم)، "زاد المسير" 2/ 120.

(٢) في "العين" 1/ 364 (زعم): "شك في قوله".

(٣) "العين" 1/ 364، "تهذيب اللغة" 2/ 1532 (زعم).

(٤) في "تهذيب اللغة" 2/ 1533، "اللسان" 3/ 1834 (زعم).

(٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1533، وانظر: "اللسان" 3/ 1836 (زعم).

(٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).

(٧) في (ش): قاله، ولعله تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).

(٨) من "تهذيب اللغة" 2/ 1533، وانظر: "اللسان" 3/ 1836 (زعم).

(٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).

(١٠) "تهذيب اللغة" 2/ 1532 (زعم).

(١١) البيت للجعدي.

"ديوانه" 136.

انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1533، "اللسان" 3/ 1835 (زعم)، "خزانة الأدب" 9/ 133، "الجمهرة" 2/ 816.

(١٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1533 (زعم).

(١٣) كابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس.

انظر الطبري 5/ 154 - 155، والكلبي في هذا الأثر يروي عن أبي صالح عن ابن عباس وهو سند واه وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 166.

(١٤) ذكره الزجاج في "معانيه" 2/ 69، بصيغة التمريض، يُروى، بلفظ المؤلف وأخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 81 أ، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 166، وهذا الطريق من الأسانيد الواهية كما هو مشتهر، وانظر: "تفسير القرطبي" 5/ 264، "الدر المنثور" 2/ 320.

وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، == وسنده ضعيف.

انظر: "الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" ص 45، "لباب النقول" ص 73.

(١٥) "الكشف والبيان" (4/ 81/ ب)، وانظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 666.

(١٦) ذكره النحاس في "معاني القرآن" 2/ 111 مرويًا عن ابن عباس، وذكره بغير نسبة الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2196 (طغا)، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 82 أ.

وقد أخرج الطبري من رواية عطية العوفي عن ابن عباس أن الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف.

"تفسير الطبري" 5/ 154، وأخرجه ابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 320.

(١٧) هو أبو بردة الأسلمي، دعاه النبي  فأبى، ثم كلمه أبناؤه في ذلك فأجاب، وكان كاهنًا يقضي بين اليهود.

انظر: "الإصابة" 4/ 19.

(١٨) ذكر الكلام عن السدي بطوله الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 81 ب، 82 أ، وأشار إليه ابن الجوزي ونسبه لابن عباس من طريق عكرمة.

انظر: "زاد المسير" 2/ 119.

(١٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامقش المصحف ص 88 (٢٠) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 120، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَزْعُمُونَ ﴾ الآية: نزلت في المنافقين، وقيل: في منافق ويهودي كان بينهما خصومة، فتحاكما إلى كعب بن الأشرف اليهودي.

وقيل: إلى كاهن ﴿ رَأَيْتَ المنافقين ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر ليذمهم بالنفاق، ودل ذلك على أن الآية المتقدمة نزلت في المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.

الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.

الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.

الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.

الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.

﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.

﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.

وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.

وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي  مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله  المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.

فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله  لم أمنعه.

فلوى علي بن أبي طالب  يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله  البيت وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي  أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.

فأمر رسول الله  علياً  أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي  فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.

فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .

ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.

ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.

فأولها الأمانة مع الرب  في كل ما أمر به ونهى عنه.

قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وعن ابن عمر أنه  خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.

فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.

ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.

وقد عظم الله  أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال  : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.

ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.

وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.

ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.

وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله  والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.

عن النبي  قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟

وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟

فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.

ثم إنه  أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.

عن علي بن أبي طالب  : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.

وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.

ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.

فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.

وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.

قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.

والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.

والإجماع والقياس.

وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه  أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.

ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.

ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله  في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.

أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.

أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.

فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.

وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.

أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.

وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.

وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.

أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.

وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.

وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.

وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.

فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.

وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.

ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.

وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله  ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.

وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا  ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.

والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.

ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.

وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.

ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.

فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.

وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.

وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله  وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.

ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.

والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.

وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.

ثم إنه  لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.

وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.

قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله  : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

أما سبب النزول ففيه وجوه.

والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي  وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.

وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي  لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله  فقضى لليهودي.

فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.

فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.

فقال عمر للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.

وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله  : أنت الفاروق" .

وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.

وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.

فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.

فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.

وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.

فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.

وقال المسلمون: لا بل إلى النبي  فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.

فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.

فدعا النبي  كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي  لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي  منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .

وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.

وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.

ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه  جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله  تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.

ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.

قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.

ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.

والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟

أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.

وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.

وقال أبو مسلم: إنه  بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.

ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.

ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.

أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.

ثم أخبر الله  بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.

ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.

الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.

الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.

والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.

الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.

وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.

ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.

وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.

قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله  .

والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.

وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله  فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال  : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.

فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال  : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.

فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.

اخرجوا عني" .

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.

وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله  في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.

فغضب حاطب.

وقال: إن كان ابن عمتك؟

وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.

فتغير وجه رسول الله  ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.

والرسول  أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول  من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.

وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.

والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .

الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.

ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.

يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي  وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.

واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول  قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله  هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.

وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.

قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله  لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.

وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.

فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.

قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله  فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟

فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله  ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.

فقال رسول الله  : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.

فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.

عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.

وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.

﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.

وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.

ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.

"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.

وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.

والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.

ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.

قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله  وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.

فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟

فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .

وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.

فلما توفي النبي  أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي  فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .

وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.

وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.

والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.

﴿ إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ .

ثم إنه  ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.

والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي  صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي  في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.

وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله  : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون  ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي  وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً  ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.

وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "ما تعدون الشهيد فيكم؟

قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.

قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .

وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.

وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله  : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ .

وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.

ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.

والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.

وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.

وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله  أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.

قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.

أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.

وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟

وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.

وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.

معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.

﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله  كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال  ﴾ .

﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.

أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال  لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .

﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.

﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.

ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.

والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ...

﴾ الآية.

ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد  ، فاختصما إلى نبي الله  ، فقضى لليهودي على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر -  - فقال اليهودي: يا عمر، إنا اختصمنا إلى محمد  فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر -  - للمنافق: كذلك؟

قال: نعم، فقال: رويدكما أخرج إليكما، فدخل عمر -  - البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب [به] عنق المنافق، فأنزل الله -  -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ ﴾ .

والطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف.

وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : هو اسم الكاهن.

وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : الكافر.

والطاغوت: هو كل معبود دون الله -  - وعلى هذا التأويل خرج قوله -  وتعالى -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ أي: جاء أهل النفاق يحلفون بالله: أنه لم يرد بالتحكم إلى ذلك إلا إحساناً وتوفيقاً.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ وذلك أن قوله -  وتعالى -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ ﴾ قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا بعد، فأخبرهم رسول الله  بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ أي: أمروا أن يكفروا بالطاغوت؛ كقوله -  -: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ أي: يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالا بعيداً؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً، فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى.

وقيل: بعيداً عن الحق.

وقيل: طويلا، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ .

أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول  وسنته - ﴿ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ .

والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف.

وقال الكسائي: يقرأ: "يَصِدُّونَ" بكسر الصاد، و"يصدون" بضم الصاد.

وفي حرف حفصة: "وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً".

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .

يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر -  - لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول  يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ إلى الخير والصواب.

وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ .

ويحتمل قوله -  -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ الآية في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه سلم فيعتذرون كما ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 94]؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت [النكبة و] الدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله -  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ هذا كان دأبهم وعادتهم أبداً.

وقوله -  -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إلا تخفيفاً وتيسيراً عليك.

وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك.

وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا - رحمهم الله - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق والخلاف غير ما حلفوا، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، ولا تعاقبهم في هذه المرة، ﴿ وَقُل لَّهُمْ ﴾ : إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم.

ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن الله - عز وجل - هو معاقبهم.

وقوله -  -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .

قيل: أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ إحساناً وتوفيقاً؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام.

وقيل: ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ : يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم.

وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : بفضول أموالهم.

وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : أي: صواباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ .

قيل: أوعدهم وعيداً؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون.

وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم ترَ -أيها الرسول- تناقض المنافقين من اليهود الذين يَدَّعون كذبًا أنهم آمنوا بما أُنزِل عليك وما أُنزِل على الرسل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا في نزاعاتهم إلى غير شرع الله مما وضعه البشر، وقد أمروا أن يكفروا بذلك.

ويريد الشيطان أن يبعدهم عن الحق إبعادًا شديدًا لا يهتدون معه.

<div class="verse-tafsir" id="91.qWL91"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى.

وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم لمنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنين في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ  ﴾ وقد ذكر المفسرون أسبابًا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها أن نجزم بواحدة معينة منها وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول  ، وقد تقدم أن "الطاغوت" مصدر الطغيان وهو يصدق على كل ما جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم.

ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا ما يقع كثيرًا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعي الكشف، ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.

﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  ﴾ أي أن الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرًا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.

يسأل أحدكم: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟

وأقول: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  ﴾ فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلي بهذه القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟

ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه أي في أهله ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان  ﴾ الآية.

وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية، والعبادات، والمعاملات بين الوالدين ولأولاد والأزواج الزوجات، فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟

إذا تنازع عالمان منا في مسألة فهل يردّانها إلى الله ورسوله أن يردّانها إلى قيل وقال، فهذا يقول قال "الجمل"، وهذا يقول قال "الصاوي"، وفلان وفلان.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا  ﴾ إن الحامل لهم على هذا الصدود هو إتباع شهواتهم وألفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضًا شديدًا.

ثم أراد تعالى أن يبيّن سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ، أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه، لن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي  ليكشفه عنهم وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانًا وتوفيقًا، كأنه يقول فكيف يفعلون إذ أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليك وتبينّ أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟

إنهم إذًا يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم.

وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم، وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا؟

ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذاتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاقبهم به النبي  .

فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم، أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة يسبب ما قدمت أيديهم أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره، فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من النار بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لابد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم، وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له، والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب.

أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك، في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها ﴿ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا  ﴾ أي يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما علموا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانًا في للمعاملة وتوفيقًا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بِمُرِّ الحق لا تراعي فيه أحدًا فلم نر ضررًا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.

سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدًا لبيان ما يجب العمل به وهو قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم.

والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره، ولا يزال مثلها مستعملًا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، ويقول في العدو الماكر المخادع الله يعلم ما في قلبه.

والمعنى إن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدًا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ  ﴾ أي أصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم ﴿ وَعِظْهُمْ  ﴾ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا  ﴾ يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله