الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٥٣ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥٣ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) أي : سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله ، عز وجل ، على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بدلائل خارجية ( في الآفاق ) ، من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان .
قال مجاهد ، والحسن ، والسدي : ودلائل في أنفسهم ، قالوا : وقعة بدر ، وفتح مكة ، ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم ، نصر الله فيها محمدا وصحبه ، وخذل فيها الباطل وحزبه .
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة ، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى .
وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة ، من حسن وقبيح وبين ذلك ، وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله ، وقوته ، وحيله ، وحذره أن يجوزها ، ولا يتعداها ، كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه " التفكر والاعتبار " ، عن شيخه أبي جعفر القرشي : وإذا نظرت تريد معتبرا فانظر إليك ففيك معتبر أنت الذي يمسي ويصبح في الدنيا وكل أموره عبر أنت المصرف كان في صغر ثم استقل بشخصك الكبر أنت الذي تنعاه خلقته ينعاه منه الشعر والبشر أنت الذي تعطى وتسلب لا ينجيه من أن يسلب الحذر أنت الذي لا شيء منه له وأحق منه بماله القدر وقوله تعالى : ( حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) ؟
أي : كفى بالله شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم ، وهو يشهد أن محمدا صادق فيما أخبر به عنه ، كما قال : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ) [ النساء : 166 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) يقول تعالى ذكره: سنري هؤلاء المكذّبين, ما أنـزلنا على محمد عبدنا من الذكر, آياتنا في الآفاق.
واختلف أهل التأويل في معنى الآيات التي وعد الله هؤلاء القوم أن يريهم, فقال بعضهم: عني بالآيات في الآفاق وقائع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنواحي بلد المشركين من أهل مكة وأطرافها, وبقوله: ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) فتح مكة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن عمرو بن دينار, عن عمرو بن أبي قيس, عن المنهال, في قوله: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ ) قال: ظهور محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على الناس.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ ) يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) في أهل مكة, يقول: نفتح لك مكة.
وقال آخرون: عنى بذلك أنه يريهم نجوم الليل وقمره, وشمس النهار, وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق.
وقالوا: عنى بالآفاق: آفاق السماء, وبقوله: ( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) سبيل الغائط والبول.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين, وآيات فى أنفسهم أيضا.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول, وهو ما قاله السديّ, وذلك أن الله عزّ وجلّ وعد نبيّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذّبين آيات في الآفاق, وغير معقول أن يكون تهدّدهم بأن يريهم ما هم راءوه, بل الواجب أن يكون ذلك وعدا منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا راؤه قبل من ظهور نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم, فأما النجوم والشمس والقمر, فقد كانوا يرونها كثيرا قبل وبعد ولا وجه لتهددهم بأنه يريهم ذلك.
وقوله: ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) يقول جلّ ثناؤه: أري هؤلاء المشركين وقائعنا بأطرافهم وبهم حتى يعلموا حقيقة ما أنـزلنا إلى محمد, وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو ما بعثناه به من الدين على الأديان كلها, ولو كره المشركون.
وقوله: ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) يقول تعالى ذكره: أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه, لا يعزب عنه علم شيء منه, وهو مجازيهم على أعمالهم, المحسن بالإحسان, والمسيء جزاءه.
وفي قوله: ( أنَّهُ ) وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع خفض على وجه تكرير الباء, فيكون معنى الكلام حينئذ: أولم يكف بربك بأنه على كلّ شيء شهيد؟
والآخر: أن يكون في موضع رفع رفعا, بقوله: يكف, فيكون معنى الكلام: أولم يكف بربك شهادته على كل شيء.
قوله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق يعني خراب منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلايا والأمراض .
وقال ابن زيد : " في الآفاق " آيات السماء " وفي أنفسهم " حوادث الأرض .
وقال مجاهد : في الآفاق فتح القرى ، فيسر الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما ، وفي ناحية المغرب خصوصا من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم ، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم ، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم ، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة عن المعهود خارقة للعادات " وفي أنفسهم " فتح مكة .
وهذا اختيار الطبري .
وقاله المنهال بن عمرو والسدي .
وقال قتادة والضحاك : " في الآفاق " وقائع الله في الأمم " وفي أنفسهم " يوم بدر .
وقال عطاء وابن زيد أيضا في الآفاق يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها .
وفي الصحاح : الآفاق النواحي ، واحدها أفق ، وأفق مثل عسر وعسر ، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء : إذا كان من آفاق الأرض .
حكاه أبو نصر .
وبعضهم يقول : أفقي بضمها وهو القياس .
وأنشد غير الجوهري :أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالعوفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حتى سبيل الغائط والبول ، فإن الرجل يشرب ويأكل من مكان واحد ويتميز ذلك من مكانين ، وبديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة .
وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه .
وقيل : وفي أنفسهم من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم كما تقدم في ( المؤمنون ) بيانه .
وقيل : المعنى سيرون ما أخبرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفتن وأخبار الغيوبحتى يتبين لهم أنه الحق فيه أربعة أوجه : [ أحدها ] أنه القرآن .
[ الثاني ] الإسلام جاءهم به الرسول ودعاهم إليه .
[ الثالث ] أن ما يريهم الله ويفعل من ذلك هو الحق .
[ الرابع ] أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الحق .أولم يكف بربك في موضع رفع بأنه فاعل ب " يكف " و " أنه " بدل من ربك ، فهو رفع إن قدرته بدلا على الموضع ، وجر إن قدرته بدلا على اللفظ .
ويجوز أن يكون نصبا بتقدير [ ص: 335 ] حذف اللام ، والمعنى أولم يكفهم ربك بما دلهم عليه من توحيده ; لأنه على كل شيء شهيد وإذا شهده جازى عليه .
وقيل : المعنى أولم يكف بربك في معاقبته الكفار .
وقيل : المعنى أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار .
وقيل : أولم يكف بربك شاهدا على أن القرآن من عند الله .
وقيل : أولم يكف بربك أنه على كل شيء مما يفعله العبد شهيد ، والشهيد بمعنى العالم ، أو هو من الشهادة التي هي الحضور
فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم اللّه لكم، ويريكم من آياته في الآفاق كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه اللّه تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق.{ وَفِي أَنْفُسِهِمْ } مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات اللّه وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين.
{ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ } من تلك الآيات، بيانًا لا يقبل الشك { أَنَّهُ الْحَقُّ } وما اشتمل عليه حق.وقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من الآيات، ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن اللّه هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء.{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي: أولم يكفهم على أن القرآن حق، ومن جاء به صادق، بشهادة اللّه تعالى، فإنه قد شهد له بالتصديق، وهو أصدق الشاهدين، وأيده، ونصره نصرًا متضمنًا لشهادته القولية، عند من شك فيها.
( سنريهم آياتنا في الآفاق ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يعني منازل الأمم الخالية .
( وفي أنفسهم ) بالبلاء والأمراض .
وقال قتادة : في الآفاق يعني : وقائع الله في الأمم ، وفي أنفسهم يوم بدر .
وقال مجاهد ، والحسن ، والسدي : " في الآفاق " : ما يفتح من القرى على محمد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، " وفي أنفسهم " : فتح مكة .
( حتى يتبين لهم أنه الحق ) يعني : دين الإسلام .
وقيل : القرآن يتبين لهم أنه من عند الله .
وقيل : محمد - صلى الله عليه وسلم - يتبين لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى .
وقال عطاء وابن زيد : " في الآفاق " يعني : أقطار السماء والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار .
" وفي أنفسهم " من لطيف الصنعة وبديع الحكمة ، حتى يتبين لهم أنه الحق .
( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) قال مقاتل : أولم يكف بربك شاهدا أن القرآن من الله تعالى .
قال الزجاج : معنى الكفاية هاهنا : أن الله - عز وجل - قد بين من الدلائل ما فيه كفاية ، يعني : أولم يكف بربك ؛ لأنه على كل شيء شهيد ، شاهد لا يغيب عنه شيء .
«سنريهم آياتنا في الآفاق» أقطار السماوات والأرض من النيرات والنبات والأشجار «وفي أنفسهم» من لطيف الصنعة وبديع الحكمة «حتى يتبين لهم أنه» أي القرآن «الحق» المنزل من الله بالبعث والحساب والعقاب، فيعاقبون على كفرهم به وبالجائي به «أوَلم يكف بربك» فاعل يكف «أنه على كل شيءٍ شهيد» بدل منه، أي أوَلم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما.
سَنُري هؤلاء المكذبين آياتنا من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان، وفي أقطار السماوات والأرض، وما يحدثه الله فيهما من الحوادث العظيمة، وفي أنفسهم وما اشتملت عليه من بديع آيات الله وعجائب صنعه، حتى يتبين لهم من تلك الآيات بيان لا يقبل الشك أن القرآن الكريم هو الحق الموحَى به من رب العالمين.
أولم يكفهم دليلا على أن القرآن حق، ومَن جاء به صادق، شهادة الله تعالى؟
فإنه قد شهد له بالتصديق، وهو على كل شيء شهيد، ولا شيء أكبر شهادة من شهادته سبحانه وتعالى.
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه ، فقال : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق .
.
) .والمراد بالآيات فى قوله ( آيَاتِنَا ) : الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم .والآفاق : جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة ، يقال : أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة .والمعنى : سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطارا لسموات والأرض ، من شمس وقمر ونجوم ، وليل ونهار ، ورياح وأمطار ، وزرع وثمار ، ورعد وبرق وصواعق ، وجبال وبحار .سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم ، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى ، وعقل ، وروح ، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر ، ونعمة ونقمة .ولقد صدق الله - تعالى - وعده ، ففى كل يوم بل فى كل ساعة ، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل ، وفى أنفسهم ..
وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته ، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام .وقوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين .والهمزة للإِنكار ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والباء مزيدة للتأكيد ، وقوله ( بربك ) فاعل كفى .والمعنى : ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين ، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ ، وعلى أنك صاقد فيما تبلغه عنه .
.
بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه .
واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله، ثم بيّن شرف آيات الله، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من أنهم ﴿ قَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ فقال: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزّلة ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمحقين ﴿ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ للمبطلين ففوض هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى الثاني: أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل، ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ فقال: ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ءاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: أأعجمي بهمزتين على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله، كقوله: ﴿ أأَنذَرْتَهُمْ ﴾ ونحوها على الاستفهام، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمزتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي.
المسألة الثانية: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظماً، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً؟
بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ وهذا الكلام أيضاً متعلق به، وجواب له، والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب، ويصح لهم أن يقولوا ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ أي من هذا الكلام ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها، وفي آذانكم وقر منها، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جداً.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِي ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .
واعلم أن هذا متعلق بقولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى آخر الآية، كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلاً إلى الحق، وقلباً مائلاً إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدىً شفاء.
أما كونه هدىً فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل، وأما من كان غارقاً في بحر الخذلان، وتائهاً في مفاوز الحرمان، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان، كان هذا القرآن في آذانه وقراً، كما قال: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ وكان القرآن عليهم عمى كما قال: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ ، ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ على المصدر، وقرأ ابن عباس عم على النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله: ﴿ هُدًى وَشِفَاء ﴾ وكذلك ﴿ عَمًى ﴾ وهو مصدر مثلها، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في ﴿ عَمًى ﴾ أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم، فكذا حال هؤلاء.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ يعني في تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، كما قال: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
ثم قال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ يعني خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ أخبروني ﴿ إِن كَانَ ﴾ القرآن ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ يعني أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر متحمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقاً وقد كفرتم به.
فأخبروني من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟
وقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ موضوع موضع منكم، بياناً لحالهم وصفتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ﴾ عَنِ الشُّكْرِ.
﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ وانْحَرَفَ عَنْهُ أوْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَباعَدَ عَنْهُ بِكُلِّيَّتِهِ تَكَبُّرًا، والجانِبُ مَجازٌ عَنِ النَّفْسِ كالجَنْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ كَثِيرٍ مُسْتَعارٍ مِمّا لَهُ عَرْضٌ مُتَّسِعٌ لِلْإشْعارِ بِكَثْرَتِهِ واسْتِمْرارِهِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الطَّوِيلِ إذِ الطُّولُ أطْوَلُ الِامْتِدادَيْنِ، فَإذا كانَ عَرْضُهُ كَذَلِكَ فَما ظَنَّكَ بِطُولِهِ.
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ أخْبِرُونِي.
﴿ إنْ كانَ ﴾ أيِ القُرْآنُ.
﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ مِن غَيْرِ نَظَرٍ واتِّباعِ دَلِيلٍ.
﴿ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ مَن أضَلُّ مِنكُمْ، فَوَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ شَرْحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِمَزِيدِ ضَلالِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{سنريهم آياتنا فِى الآفاق} من فتح البلاد شرقاً وغرباً {وَفِى أَنفُسِهِمْ} فتح مكة {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} أي القرآن أو الإسلام {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} موضع بِرَبّكَ الرفع على أنه فاعل والمعفول محذوف وقوله {أَنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} يدل منه تقديره او لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد اى او لم تكفهم شهادة ربك على كل شيء ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ ﴾ إلَخْ مُرْتَبِطٌ عَلى ما اِخْتارَهُ صاحِبُ اَلْكَشّافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ إلَخْ عَلى وجْهِ اَلتَّتْمِيمِ والإرْشادِ إلى ما ضُمِّنَ مِنَ اَلْحَثِّ عَلى اَلنَّظَرِ لِيُؤَدِّيَ إلى اَلْمَقْصُودِ فَيُهْدَوْا إلى إعْجازِهِ ويُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ ويَفُوزُوا كُلَّ اَلْفَوْزِ، وفَسَّرَ اَلْآياتِ بِما أجْرى اَللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى أيْدِي خُلَفائِهِ وأصْحابِهِمْ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ اَلْفُتُوحاتِ اَلدّالَّةِ عَلى قُوَّةِ اَلْإسْلامِ وأهْلِهِ ووَهَنِ اَلْباطِلِ وحِزْبِهِ، والآفاقُ اَلنَّواحِي اَلْواحِدُ أُفُقٌ بِضَمَّتَيْنِ وأفَقٌ بِفُتْحَتَيْنِ أيْ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في اَلنَّواحِي عُمُومًا مِن مَشارِقِ اَلْأرْضِ ومَغارِبِها وشَمالِها وجَنُوبِها، وفِيهِ أنَّ هَذِهِ اَلْإرادَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ حَقٌّ لا يَحُومُ حَوْلَها رِيبَةٌ ﴿ وفِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في بِلادِ اَلْعَرَبِ خُصُوصًا وهو مِن عَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى مَلائِكَتِهِ، وفي اَلْعُدُولِ عَنْها إلى اَلْمَنزِلِ ما لا يَخْفى مِن تَمْكِينِ ذَلِكَ اَلنَّصْرِ وتَحْقِيقِ دَلالَتِهِ عَلى حَقِّيَةِ اَلْمَطْلُوبِ إثْباتُهُ وإظْهارِ أنَّ كَوْنَهُ آيَةً بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْأنْفُسِ وإنْ كانَ كَوْنُهُ فَتْحًا بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْأرْضِ والبَلْدَةِ ﴿ حَتّى يَتَبَيَّنَ ﴾ يَظْهَرَ ﴿ لَهم أنَّهُ ﴾ أيِ اَلْقُرْآنَ هو ﴿ الحَقُّ ﴾ اَلَّذِي لا يَأْتِيهِ اَلْباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ فَهو اَلْحَقُّ كُلُّهُ مِن عِنْدِ اَللَّهِ تَعالى اَلْمُطَّلِعِ عَلى كُلِّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ فَلِهَذا نُصِرَ حامِلُوهُ وكانُوا مُحِقِّينَ، وفي اَلتَّعْرِيفِ مِنَ اَلْفَخامَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةً وقَدْرًا، وفِيما ذَكَرَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَزالُ يُنْشِئُ فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ وآيَةً غِبَّ آيَةٍ إلى أنْ يُظْهِرَهُ عَلى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ فانْظُرْ إلى هَذِهِ اَلْآيَةِ اَلْجامِعَةِ كَيْفَ دَلَّتْ عَلى حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ عَلى وجْهٍ تَضَمَّنَ حَقِّيَةَ أهْلِهِ ونُصْرَتِهِمْ عَلى اَلْمُخالِفِينَ وأعْظِمْ بِذاكَ تَسَلِّيًا عَمّا أشْعَرَتْ بِهِ اَلْآيَةُ اَلسّابِقَةُ مِنَ اِنْهِماكِهِمْ في اَلْباطِلِ إلى حَدٍّ يُقَرِّبُ مِنَ اَلْيَأْسِ، وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ اَلدِّينِ أوِ اَلتَّوْحِيدِ ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أوْلى ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى إنْكارِهِمْ تَحَقُّقَ اَلْإرادَةِ.
والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى أحَدِ اَلرَّأْيَيْنِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اَلْهَمْزَةُ يَقْتَضِيهِ اَلْمَقامُ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ و(رَبُّكَ) فاعِلُ كَفى وزِيادَةُ اَلْباءِ في فاعِلِها هو اَلْقَوْلُ اَلْمَشْهُورُ اَلْمَرْضِيُّ لِلنُّحاةِ وتُزادُ في فاعِلِ فِعْلِ اَلتَّعَجُّبِ أيْضًا نَحْوَ أحْسِنْ بِزَيْدٍ فَإنَّ أحْسِنْ فِعْلٌ ماضٍ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ اَلْأمْرِ والباءُ زائِدَةٌ وزَيْدٌ فاعِلٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ ولا تَكادُ تُزادُ في غَيْرِهِما، وقَوْلُهُ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى بِما لاقَتْ لُبُونُ بَنِي زِيادِ شاذٌّ قَبِيحٌ عَلى ما قالَ اَلشِّهابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْفاعِلِ بَدَلُ اِشْتِمالٍ، وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ اَلْجَرِّ أيْ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ بِأنَّهُ إلَخْ، وما لِلنَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ مِنَ اَلْكَلامِ شَهِيرٌ، أيْ أنْكَرُوا إراءَةَ ذَلِكَ اَلدّالَّةَ عَلى حَقِّيَّةِ اَلْقُرْآنِ ولَمْ يَكْفِهِمْ دَلِيلًا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ ومِن ذَلِكَ حالُهم وحالُكَ اَلْمُوجِبانِ حِكْمَةَ نَصْرِكَ عَلَيْهِمْ وخِذْلانَهُمْ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ نَزَلَ مُنْزِلَةَ اَلْمَعْلُومِ لَهم.
وفِي اَلْكَشْفِ أيْ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَوِي عِنْدَهُ غَيْبُ اَلْأشْياءِ وشَهادَتُها عَلى مَعْنى أوَلَمْ يَكْفِهِمْ هَذِهِ اَلْإراءَةُ دَلِيلًا قاطِعًا ولَمّا كانَ ما وعَدَهُ غَيْبًا عَنْهم كَيْفَ وقَدْ نَزَلَ وهم في حالِ ضَعْفٍ وقِلَّةٌ يُقاسُونَ ما يُقاسُونَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قِيلَ: أوَلَمْ يَكْفِهِمُ اِطِّلاعُ مَن هَذا اَلْكِتابُ اَلْحَقُّ مِن عِنْدِهِ عَلى كُلِّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ دَلِيلًا عَلى كَيْنُونَةِ اَلْإراءَةِ وإحْضارِ ذَلِكَ اَلْغَيْبِ عِنْدَهم إذْ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي اَلْعُدُولِ إلى هَذِهِ اَلْعِبارَةِ فائِدَتانِ: إحْداهُما تَحْقِيقُ إنْجازِ ذَلِكَ اَلْمَوْعِدِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ بِذِكْرِ اَلدَّلِيلِ اَلْقاطِعِ عَلى اَلْوُقُوعِ.
والثّانِيَةُ اَلدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ اَلْإراءَةَ اَلْآنَ وهم في ضَعْفٍ وقِلَّةٍ قَدْ تَمَّتْ بِالنِّسْبَةِ إلى إثْباتِ حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعَلِمَ أنَّ اَلْقُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن عِنْدِهِ عَلِمَ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ حَقٌّ وصِدْقٌ فَعَلِمَ أنَّ تِلْكَ اَلنُّصْرَةَ كائِنَةٌ.
والحاصِلُ أنَّهُ كَما يُسْتَدَلُّ مِن تِلْكَ اَلْآياتِ عَلى حَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ وحَقِّيَةِ أهْلِهِ تارَةً يَسْتَدِلُّ مِن إعْجازِ اَلْقُرْآنِ عَلى حَقِّيَةِ تِلْكَ اَلْآياتِ وُقُوعًا وحَقِّيَةِ أهْلِ اَلْإسْلامِ أُخْرى فَأدّى اَلْمَعْنَيانِ في عِبارَةٍ جامِعَةٍ تُؤَدِّي اَلْغَرَضَيْنِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ أتَمُّ مِنهُ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ في اَلْآيَةِ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ اَلْإلْغازِ، وقِيلَ: أيْ ألَمْ يُغْنِهِمْ عَنْ إراءَةِ اَلْآياتِ اَلْمَوْعُودَةِ اَلْمُبَيِّنَةِ لِحَقِّيَةِ اَلْقُرْآنِ ولَمْ يَكْفِهِمْ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى جَمِيعِ اَلْأشْياءِ وقَدِ اخْبَرَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اَلْمَعْنى ولَمْ يَكْفِكَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُحَقِّقٌ لَهُ فَيُحَقِّقُ أمْرَكَ بِإظْهارِ اَلْآياتِ اَلْمَوْعُودَةِ كَما حَقَّقَ سائِرَ اَلْأشْياءِ اَلْمَوْعُودَةِ.
وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ مَعَ إيهامِهِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ مَنصِبِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلتَّرَدُّدِ فِيما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ اَلْمَوْعُودِ لا يُلائِمُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: لا يعلم قيام الساعة أحد إلا الله.
يعني: يرد الخلق كلهم علم قيام الساعة إلى ربهم.
وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها يعني: من أجوافها.
يعني: حين تطلع، وغلاف كل شيء كلمه أي: تخرج من موضعها الذي كانت فيه.
قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، في إحدى رواية حفص: مِنْ ثَمَراتٍ بلفظ الجمع.
والباقون: مِن ثَمَرَةٍ بلفظ الواحد.
ثم قال: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يعني: إلا وهو يعلمه، ولا يعلم أحد قبل الولادة، قبل صفته، ولا يعلم أحد بعد وضعه، كم أجله.
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: يدعوهم، أَيْنَ شُرَكائِي يعني: الذين كنتم تدعون من دون الله، قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: أعلمناك، وقلنا لك: ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: يشهد بأن لك شريك تبرؤوا من أن يكون مع الله شريك.
وقالوا: ما منا من أحد يشهد لك أنه عبد أحد دونك.
وقال القتبي: هذا قول الآلهة التي كانوا يعبدون في الدنيا.
وما منا من شهيد لهم كما قالوا.
وادعوه في الدنيا فينا.
وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني: بطل عنهم، مَّا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ في الدنيا، وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يعني: علموا، واستيقنوا ما لهم من ملجأ، ولا مفر من النار.
قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ يعني: لا يمل الكافر.
قال الضحاك: نزلت في شأن النضر بن الحارث.
مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يعني: من سؤال الخير.
يعني: العافية في الجسد، والسعة في الرزق.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: أصابته الشدة، والبلاء، والفقر، فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من الخير، قانطاً من رحمة الله تعالى.
ويقال: لا يمل من دعاء الخير، وإذا نزلت به شدة.
يقول: اللهم عافني، وإذا مسه الشر فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من معبوده.
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا يعني: أصبناه عافية منا، وَغِنًى، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يعني: من بعد شدة أصابته، لَيَقُولَنَّ هذا لِي يعني: أنا أهل لهذا، ومستحق له.
ويقال: أنا أحق بهذا.
ويقال: هذا بعملي، وأنا محقوق به.
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يعني: ما أحسب القيامة كائنة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي يعني: يوم القيامة، إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعني: الجنة ولئن كان يوم القيامة، كما يقول محمد فلي الجنة.
يقول الله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لنخبرنهم، بِما عَمِلُوا من أعمالهم الخبيثة، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ يعني: لنجزينهم، مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: عذاب شديد لا يفتر عنهم.
<div class="verse-tafsir"
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)
وقوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ...
الآية، المعنى: إنَّ علم الساعة ووقتَ مجيئها يَرُدُّهُ كلّ مؤمن متكلّم فيه إلى الله عز وجل.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي ...
الآية، التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في يُنادِيهِمْ الأظهر والأسبق فيه للفهم: أنَّه يريد الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، ويحتمل أنْ يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه من إنسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هذا ضَعْفٌ، وأَمَّا الضمير/ في قوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ فلا احتمال لِعَوْدَتِهِ إلاَّ على الكفار، وآذَنَّاكَ قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما مِنَّا مَنْ يشهدُ، ولا مَنْ شَهِدَ بأنَّ لك شريكاً وَضَلَّ عَنْهُمْ أي:
نَسُوا ما كانوا يقولُونَ في الدنيا، ويَدْعُونَ من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضَلَّ عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نَصْراً، وتلاشى لهم أمْرُهَا.
وقوله: وَظَنُّوا يحتمل أنْ يكونَ متَّصِلاً بما قبله، ويكون الوقْفُ عليه، ويكون قوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استئنافاً، نفَى أنْ يكُونَ لهم مَلْجَأً أو موضِعَ رَوَغَانٍ، تقول:
حَاصَ الرَّجُلُ: إذَا رَاغَ لِطَلَبِ النجاةِ مِنْ شَيْءٍ ومنه الحديثُ: «فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبْوَابِ» «١» ، ويكونَ الظَّنُّ على هذا التأويل على بابه، أي: ظَنُّوا أَنَّ هذه المقالة مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ مَنْجَاةٌ لهم، أو أمر يموِّهون به، ويحتمل أنْ يكون الوقف في قوله: مِنْ قَبْلُ، ويكون وَظَنُّوا متصلاً بقوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدَّم البحثُ في إطلاق الظن على اليقين.
ت: وهذا التأويلُ هو الظاهرُ، والأوَّلُ بعيدٌ جدًّا.
وقوله تعالى: لاَّ يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ هذه آياتٌ نزلَتْ في كفّار، قيل: في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ؛ فالمَعْنى: لا يَمَلُّ الكافِرُ ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، وهو المالُ والعافِيَةُ.
﴿ وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ وهو الفَقْرُ والشِّدَّةُ؛ والمَعْنى: إذا اخْتُبِرَ بِذَلِكَ يَئِسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وقَنِطَ مَن رَحْمَتِهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اليَؤُوسُ، فَعُولٌ مِن يَأسَ، والقَنُوطُ، فَعُولٌ مَن قَنَطَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا ﴾ أيْ: خَيْرًا وعافِيَةً وغِنًى، ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ: هَذا واجِبٌ لِي بِعَمَلِي وأنا مَحْقُوقٌ بِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ في البَعْثِ فَيَقُولُ: ﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ أيْ: لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِنَ البَعْثِ ﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، أيْ: كَما أعْطانِي في الدُّنْيا يُعْطِينِي في الآخِرَةِ ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: لِنُخْبِرَنَّهم بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ.
وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ [إبْراهِيمَ: ١٧، الإسْراءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَنَأى" مِثْلُ "نَعى" .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَناءَ" مَفْتُوحَةَ النُّونِ مَمْدُودَةً والهَمْزَةُ بَعْدَ الألِفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "نِئِيَ" مَكْسُورَةَ النُّونِ والهَمْزَةِ.
﴿ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى العَرِيضِ: الكَثِيرُ، وإنْ وصَفْتَهُ بِالطُّولِ أوْ بِالعَرْضِ جازَ في الكَلامِ.
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ ﴾ القُرْآنُ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ ﴾ أيْ: خِلافٍ لِلْحَقِّ ﴿ بَعِيدٍ ﴾ عَنْهُ؟!
وهو اسْمٌ؛ والمَعْنى: فَلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، ألَسْتُمْ في شِقاقٍ لِلْحَقِّ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ؟!
فَجُعِلَ مَكانَ هَذا باقِي الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ المَعْنى: أنَّ وقْتَ عِلْمِ الساعَةِ ومَجِيئِها يَرُدُّهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُتَكَلِّمٍ فِيهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ تَعالى الثِمارَ وخُرُوجَها مِنَ الأكْمامِ وحَمْلَ الإناثِ مِثالًا لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ إذْ كَلُّ شَيْءٍ خَفِيٌّ، فَهو في حُكْمِ هَذَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: [مِن ثَمَرَةِ] بِالإفْرادِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: [مِن ثَمَراتِ] بِالجَمْعِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ - وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فِي ثَمَرَةٍ".
و"الأكْمامُ" جَمْعُ كُمٍّ، وهو غِلافُ التَمْرِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، والضَمِيرُ في ﴿ "يُنادِيهِمْ" ﴾ ظاهِرُهُ والأسْبَقُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الكُفّارَ عَبَدَةَ الأوثانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هَذا ضَعْفٌ.
وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عنهُمْ ﴾ فَلا احْتِمالٌ لِعَوْدَتِهِ، إلّا عَلى الكُفّارِ.
و[آذَنّاكَ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أعْلَمْناكَ ما مِنّا مِن يَشْهَدُ ولا مَن شَهِدَ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا.
و" ضَلَّ عنهم " أيْ نَسُوا ما كانُوا يَقُولُونَ في الدُنْيا ويَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَلَّ عنهُمُ الأصْنامَ، أيْ تَلْفِتُ عنهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مِنها نَصْرًا وتَلاشى لَهم أمْرَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [وَظَنُّوا]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبِلَهُ ويَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ، نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مَنجى أو مَوْضِعُ رَوَغانِ، تَقُولُ: حاصَ الرَجُلُ، إذا راغَ يَطْلُبُ النَجاةَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى بابِهِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ مَنجاةٌ لَهم أو أمْرٌ يُمَوِّهُونَ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، ويَكُونُ [وَظَنُّوا] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ، أيْ: ظَنُّوا ذَلِكَ، ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى اليَقِينِ، وبِهِ فَسَّرَ السَدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ يُطْلِقُها أهْلُ اللِسانِ عَلى الظَنِّ، ولَسْتَ تَجِدُ ذَلِكَ، إلّا فِيما عَلِمَ عِلْمًا قَوِيًّا وتَقَرَّرَ في النَفْسِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ بَعْدُ، وإلّا فَمَتى تَلْبَسُ بِالشَيْءِ وحَصَلَ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فَلَسْتُ تَجِدُهم يُوقِعُونَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ الظَنِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ آياتٌ نَزَلَتْ في كُفّارٍ، قِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَقِيلَ: في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآيَةِ يُعْطِي أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارٍ وإنْ كانَ أوَّلُها يَتَضَمَّنُ خُلُقًا رُبَّما شارَكَ فِيها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، و"دُعاءُ الخَيْرِ" إضافَتُهُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن دُعاءِ الخَيْرِ هُوَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ" والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والصِحَّةُ، وبِذَلِكَ تَلِيقُ الآيَةُ بِالكافِرِينَ، وإنْ قَدَّرْناهُ خَيْرَ الآخِرَةِ فَهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأمّا اليَأْسُ والقَنَطُ عَلى الإطْلاقِ، فَمِن صِفَةِ الكافِرِ وحْدَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ بِفِعْلِي وبِما سَعَيْتُ، ولا يَرى أنَّ النِعَمَ إنَّما هي بِتَفَضُّلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ﴾ قَوْلٌ بَيِّنٌ فِيهِ الجُحْدُ والكُفْرُ، ثُمَّ يَقُولُ هَذا الكافِرُ: ولَئِنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَقُولُونَ، لَتَكُونَنَّ لِي حالٌ تُرْضِينِي مِن غِنًى ومالٍ وبَنِينٍ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيُعَرِّفُهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَ إذاقَتِهِمِ العَذابُ عَلَيْها، فَهَذا عَذابٌ وخِزْيٌ، وغَلْظَةُ العَذابِ: شِدَّتُهُ وصُعُوبَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لِلْكافِرِ أُمْنِيَّتانِ، أمّا في دُنْياهُ فَهَذِهِ: ﴿ إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ ، وأمّا في الآخِرَةِ فَـ"لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأمانِي عَلى اللهِ تَعالى وتَرْكُ الجَدِّ في الطاعَةِ مَذْمُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنِ اتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللهِ الأمانِيَ".» <div class="verse-tafsir"
﴿ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الافاق وفى أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ ﴾ .
أعقب الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ما فيه تخويفهم من عواقب الشقاق على تقدير أن يكون القرآن من عند الله وهم قد كفروا به إلى آخر ما قرر آنفاً، بأن وَعَدَ رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والبشارة بأن الله سيغمر المشركين بطائفة من آياته ما يتبيّنون به أن القرآن من عند الله حقاً فلا يسعهم إلا الإيمان به، أي أن القرآن حقّ بَيِّنٌ غير محتاج إلى اعترافهم بحقيته، وستظهر دلائل حقّيّته في الآفاق البعيدة عنهم وفي قبيلتهم وأنفسهم فتتظاهر الدلائل على أنّه الحق فلا يجدوا إلى إنكارها سبيلاً، والمراد: أنهم يؤمنون به يومئذٍ مع جميع من يؤمن به.
وفي هذا الوعد للرّسول صلى الله عليه وسلم تعريض بهم إذْ يسمعونه على طريقة: فاسمعي يا جارة.
فموقع هذه الجملة بصريحها وتعريضها من الجملة التي قبلها موقع التعليل لأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما أمر به، والتعليل راجع إلى إحالتهم على تشكيكهم في موقفهم للطعن في القرآن.
وقد سكت عما يترتب على ظهور الآيات في الآفاق وفي أنفسهم المبينة أن القرآن حقّ لأن ما قبله من قوله: ﴿ أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ﴾ [فصلت: 52] ينبئ عن تقديره، أي لا يسعهم إلا الإيمان بأنه حق فمن كان منهم شاكّاً من قبلُ عن قلة تبصر حصل له العلم بعد ذلك، ومن كان إنّما يكفر عناداً واحتفاظاً بالسيادة افتضح بهتانه وسفَّهه جيرانه.
وكلاهما قد أفات بتأخير الإيمان خيراً عظيماً من خير الآخرة بما أضاعه من تزود ثواب في مدة كفره ومن خير الدّنيا بما فاته من شرف السبق بالإيمان والهجرة كما قال تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفقَ مِن قبللِ الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاَّ وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10].
وفي هذه الآية طرف من الإعجاز بالإخبار عن الغيب إذ أخبرتْ بالوعد بحصول النصر له ولدينه وذلك بما يسَّر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه مِن بعده في آفاق الدّنيا والمشرق والمغرب عامة وفي بَاحة العرب خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمْثالها لأحد من ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، والتّاريخ شاهد بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق للعادة، فيتبيّن أن دين الإسلام هو الحق وأن المسلمين كلما تمسّكوا بعُرى الإسلام لَقُوا من نصر الله أمراً عجيباً يشهد بذلك السابق واللاحق، وقد تحدّاهم الله بذلك في قوله: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب ﴾ [الرعد: 41] ثم قال ﴿ ويقول الذّين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ﴾ [الرعد: 43].
ولم يقف ظهور الإسلام عند فتح الممالك والغلب على الملوك والجبابرة، بل تجاوز ذلك إلى التغلغل في نفوس الأمم المختلفة فتقلّدوه ديناً وانبثت آدابه وأخلاقه فيهم فأصلحت عوائدهم ونُظُمهم المدنِيّة المختلفة التي كانوا عليها فأصبحوا على حضارة متماثلة متناسقة وأوجدوا حضارة جديدة سالمة من الرعونة وتفشت لغة القرآن فتخاطبت بها الأمم المختلفة الألسن وتعارفت بواسطتها ونبغت فيهم فطاحل من علماء الدّين وعلماء العربية وأيّمة الأدب العربي وفحول الشعراء ومشاهير الملوك الذين نشروا الإسلام في الممالك بفتوحهم.
فالمراد بالآيات في قوله: ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ ما يشمل الدلائل الخارجة عن القرآن وما يشمل آيات القرآن فإن من جملة معنى رؤيتها رؤية ما يصدِّق أخبارها ويبيّن نصحها إياهم بدعوتها إلى خير الدّنيا والآخرة.
والآفاق: جمع أُفُق بضمتين وتسكن فاؤه أيضاً هو: الناحية من الأرض المتميزة عن غيرها، والناحية من قبة السماء.
وعطف ﴿ وفي أنفسهم ﴾ يجوزُ أن يكون من عطف الخاص على العام، أي وفي أفق أنفسهم، أي مكّة وما حولها على حذف مضاف.
والأحسن أنْ يكون في الآفاق على عمومه الشامل لأفقهم، ويكون معنى ﴿ وفي أنفسهم ﴾ أنّهم يرون آيات صدقه في أحوال تصيب أنفسهم، أي ذواتهم مثل الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه قوله تعالى: ﴿ فارتَقِبْ يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ [الدخان: 10]، ومثل ما شاهدوه من مَصارِع كبرائهم يوم بدر وقد توعدهم به القرآن بقوله ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون ﴾ [الدخان: 16].
وأيَّة عبرة أعظم من مقتل أبي جهل يوم بدر رماه غلامان من الأنصار وتولى عبد الله بن مسعود ذبحه وثلاثتهم من ضعفاء المسلمين وهو ذلك الجبار العنيد.
وقد قال عند مَوته: لو غيرُ أكَّار قتلني، ومن مقتل أُبيّ بن خلف يومئذٍ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قال له بمكة: أنا أقتلُك وقد أيقن بذلك فقال لزوجه ليلة خروجه إلى بدر: والله لو بصق علي لقتلني.
﴿ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَئ ﴾ .
عَطْفٌ على إعلام الرّسول بما سيظهر من دلائل صدق القرآن وصدق الرّسول صلى الله عليه وسلم زيادة لتَثبيتتِ الرّسول وشرح صدره بأن الله تكفل له بظهور دينه ووضوح صدقه في سائر أقطار الأرض وفي أرض قومه، على طريقة الاستفهام التقريري تحقيقاً لتيقن النبي صلى الله عليه وسلم بكفالة ربّه بحيث كانت ممّا يقرر عليها كنايةً عن اليقين بها، فالاستفهام تقريري.
والمعنى: تكفيك شهادة ربّك بصدقك فلا تلتفت لتكذيبهم، وهذا على حدّ قوله: ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً ﴾ [النساء: 166] وقولِه: ﴿ وأرسلناك للنّاس رسولاً وكفى بالله شهيداً ﴾ [النساء: 79] فهذا وجه في موقع هذه الآية.
وهنالك وجه آخر أن يكون مساقها مساق تلقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشهد بالله على أن القرآن من عند الله، فيكون موقعها موقع القَسم بإشهاد الله، وهو قسم غليظ فيه معنى نسبة المقسَم عليه إلى أنه مما يشهَد الله به فيكون الاستفهام إنكارياً إنكاراً لعدم الاكتفاء بالقَسَم بالله، وهو كناية عن القسم، وعن عدم تصديقهم بالقسَم، فيكون معنى الآية قريباً من معنى قوله تعالى: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ﴾ [الرعد: 43] وقوله تعالى: ﴿ قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ [العنكبوت: 52].
وليس معنى الآية إنكاراً على المشركين أنّهم لم يكتفوا بشهادة الله على صدق القرآن ولا على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم لأنّهم غير معترفين بأن الله شهد بذلك فلا يظهر توجه الإنكار إليهم.
ولقد دلّت كلمات المفسرين في تفسير هذه الآية على تردد في استخراج معناها من لفظها.
وقوله: ﴿ أنه على كل شيء شهيد ﴾ بدل اشتمال من ﴿ بربّك ﴾ والتقدير: أو لم يكفهم ربُّك عِلمُه بكل شيء، أي فهو يحقق ما وعدك من دمغهم بالحجة الدالة على صدقك، أو فمن استشهدَ به فقد صدق لأن الله لا يُقرّ من استشهد به كاذباً فلا يلبثُ أن يأخذه.
وفي الآية على الوجه الثاني من وجهي قوله: ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ إشارة إلى أن الله لا يصدق من كذب عليه فلا يتم له أمر وهو معنى قول أيّمة أصول الدّين: إن دلالة المعجزة على الصدق أن تغيير الله العادة لأجل تحدّي الرّسول صلى الله عليه وسلم قائم مقام قوله: صَدَق عبدي فيما أخبر به عني.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ أيْ لا يَمَلُّ مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، والخَيْرُ هُنا المالُ والصِّحَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ.
﴿ وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ يَعْنِي الفَقْرَ والمَرَضَ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَؤُوسٌ مِنَ الخَيْرِ قَنُوطٌ مِنَ الرَّحْمَةِ.
الثّانِي: يَؤُوسٌ مِن إجابَةِ الدُّعاءِ، قَنُوطٌ بِسُوءِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.
الثّانِي: غِنًى بَعْدَ فَقْرٍ.
﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا بِاجْتِهادِي.
الثّانِي: هَذا بِاسْتِحْقاقِي.
﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ إنْكارًا مِنهُ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ مَعَ ما حُظَّ بِهِ مِنَ النِّعْمَةِ والرَّخاءِ ودُفِعَ عَنْهُ مِنَ الضُّرِّ والبَلاءِ.
﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ الآيَةَ.
إنْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ رَجْعَةٌ وجَزاءٌ فَإنَّ لِي عِنْدَهُ آجِلًا مِثْلَ ما أوْلانِيهِ عاجِلًا.
وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ وتَباعَدَ مِنَ الواجِبِ.
الثّانِي: أعْرَضَ عَنِ الشُّكْرِ وبَعُدَ مِنَ الرُّشْدِ.
الثّالِثُ: أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ وبَعُدَ مِنَ القَبُولِ.
﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تامٌّ لِخُلُوصِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.
الثّانِي: كَثِيرٌ لِدَوامِ المُواصَلَةِ لَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ، وإنَّما وُصِفَ التّامُّ والكَثِيرُ بِالعَرِيضِ دُونَ الطَّوِيلِ لِأنَّ العَرْضَ يَجْمَعُ طُولًا وعَرْضًا فَكانَ أعَمَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكافِرُ يَعْرِفُ رَبَّهُ في البَلاءِ ولا يَعْرِفُهُ في الرَّخاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ قال: سبق لهم من الله حين واجلهم بالغرة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ﴾ الآي معناها أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به ألستم في شقاق بعيد؟
فوضع قوله: ﴿ من أضل ﴾ موضع الخطاب لهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، هاتان الآيتان في ظاهر المخرج: إحداهما: مخالفة للأخرى؛ لأنه ذكر في إحداهما الإياس والقنوت إذا مسه الشر، وفي الأخرى كثرة الدعاء إذا مسه الشدة والبلاء، ومن طباع الخلق والعرف فيها أنهم [إذا] أيسوا وقنتوا لا يدعون ولا يسألون، بل يتركون سؤالهم، وإذا طمعوا ورجوا عند ذلك سألوا ودعوا، هذا هو العرف فيهم؛ فدل أن بينهما مخالفة من حيث الظاهر، لكن نقول: إن الآية تخرج على وجوه: يحتمل: أن كل واحدة من الآيتين في إنسان بعينه يشار إليه سوى الآخر، كان عادة أحدهما - على الإياس والقنوط من الخير - ترك الدعاء والسؤال، وكان عادة الآخر الدعاء والتضرع إليه والسؤال عن كشف ذلك عنه، فأخبر - جل وعلا - رسوله عليه الصلاة والسلام ما أضمر كل واحد منهما: في نفس أحدهما الإياس والقنوت، والآخر الدعاء والسؤال والطمع في الخير؛ ليكون له عليهم دلالة الرسالة وآية النبوة إذ أنبأه عن ضمير كل واحد منهما وما في نفسه؛ ليعلم أنه رسول، وإنما علم ذلك بالله جلا وعلا، والله أعلم.
والثاني: أن الكفرة كانوا فرقا، وكانوا على مذاهب شتى مختلفة: فرقة كانت تطمئن في حال الرخاء والسعة، وتيأس وتنقلب في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ...
﴾ الآية [الحج: 11].
وفرقة كانت تفزع إلى الله وتقبل إليه عند إصابة الشدة والبلاء، وتعرض عنه عند كشف ذلك عنهم وتوسيع النعم عليهم؛ نحو قوله : ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65] ونحوه كثير في القرآن.
وفرقة كانت في الحالين جميعا على الإعراض عنهم، وترك الإقبال إليه والطاعة له، لا يفزعون ولا يقبلون لا في حال الرخاء والسعة ولا في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
وفرقة كانت ترى الحسنة والخير من أنفسهم، وإذا صارت سيئة وشدة تطيروا بالرسل عليهم السلام؛ كقوله : ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ﴾ ، وقوله : ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ﴾ .
وإذا كانت الكفرة على هذه المذاهب المختلفة وكانت أجناسا شتى، فيكون كل آية منهما في جنس غير الجنس الآخر، وفي أهل مذهب غير أهل مذهب آخر، فأما المسلمون فيكونون في الحالين جميعاً على التوحيد والإقبال إلى الله في حال الرخاء والسعة، وفي حال البلاء والشدة، وهو على ما استثناهم الله عند ذكر الكفرة؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ الآية [العصر: 1-2]، وأمثال ذلك من الآيات، وصفهم - جل وعلا - بالثبات والقرار على دينهم في الأحوال كلها، والله أعلم.
والثالث: جائز أن يكون ما ذكر من الآيتين على ما ذكر إخباراً عما طبع عليه البشر وأنشئ، وإنما أنشئ البشر وطبع على الرغبة في الخير والسعة والنفار عن الشدة والبلاء والكراهة له؛ فهذا إخبار عما طبعوا عليه وأنشئوا، ليس على حقيقة إظهار ذلك منهم قولا أو فعلا، [ولكن] على ما طبع كل إنسان؛ راغبا حريصا في السعة والرخاء، وأنه ما ذكر لا يسأم من دعاء الخير، كارها نافرا عن البلاء والشدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ هَـٰذَا لِي ﴾ ، أي: أعطانيه من خير علمه مني.
وجائز أن يكون ما ذكرنا أنهم كانوا يتطيرون بالرسل عند البلاء والشدة، والسعة يرونها من أنفسهم؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ...
﴾ الآية [الأعراف: 131].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً ﴾ .
كانوا ينكرون البعث والجزاء لما عملوا في الدنيا، ثم يقولون: ولئن كان يذكر محمد من البعث والجزاء للأعمال والجنة؛ إن ذلك لنا دونهم، وهو قوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: إن رجعت إلى ربي على ما يقوله محمد: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ وهو على ما قالوا في الدنيا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ لما رأوا السعة لأنفسهم في الدنيا دون المؤمنين؛ فعلى ذلك في الآخرة قالوا لنا دونهم، والله الهادي.
ثم أخبر عما ينزل بهم بأعمالهم في الآخرة، وهو قوله : ﴿ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .
أي: ننبئنهم بخبر ما عملوا؛ لأن ذلك كان منهم تمنياً وتشهياً بمن يذيقهم العذاب الغليظ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ .
هو ما ذكرنا من دعائهم وسؤالهم الخير وطمعهم ذلك.
وقوله: ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ ، قال أبو عوسجة: ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي: تباعد عما أمر به، ﴿ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ﴾ أي: كثير الدعاء لا يمل ولا يسأم، وكذا قال القتبي.
<div class="verse-tafsir"
سنري كفار قريش آياتنا في آفاق الأرض مما يفتحه الله للمسلمين، ونريهم آياتنا في أنفسهم بفتح مكة؛ حتى يتضح لهم بما يرفع الشك أن هذا القرآن هو الحق الذي لا مِرْية فيه، أَوَلم يكف هؤلاء المشركين أن القرآن حق بشهادة الله من عنده؟!
ومَنْ أعظمُ شهادة من الله؟!
فلو كانوا يريدون الحق لاكتفوا بشهادة ربهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.j4kEa"