الآية ١٧ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ١٧ من سورة الشورى

ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌۭ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق ) يعني : الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ( والميزان ) ، وهو : العدل والإنصاف ، قاله مجاهد ، وقتادة .

وهذه كقوله تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد : 25 ] وقوله : ( والسماء رفعها ووضع الميزان .

ألا تطغوا في الميزان .

وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) [ الرحمن : 7 - 9 ] .

وقوله : ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) فيه ترغيب فيها ، وترهيب منها ، وتزهيد في الدنيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يقول تعالى ذكره: (اللَّهُ الَّذِي أَنْـزَلَ) هذا(الْكِتَابَ) يعني القرآن ( بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) يقول: وأنـزل الميزان وهو العدل, ليقضي بين الناس بالإنصاف, ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثنا الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( أَنـزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) قال: العدل.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( الَّذِي أَنـزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) قال: الميزان: العدل.

وقوله: ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) يقول تعالى ذكره: وأيّ شيء يدريك ويعلمك, لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب .قوله تعالى : الله الذي أنزل الكتاب يعني القرآن وسائر الكتب المنزلة .

( بالحق ) أي : بالصدق .

والميزان أي : العدل ، قاله ابن عباس وأكثر المفسرين .

والعدل يسمى ميزانا ; لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل .

وقيل : الميزان ما بين في الكتب مما يجب على الإنسان أن يعمل به .

وقال قتادة : الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه .

وهذه الأقوال متقاربة المعنى .

وقيل : هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب .

وقيل : إنه الميزان نفسه الذي يوزن به ، أنزله من السماء وعلم العباد الوزن به ، لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس ، قال الله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط .

قال مجاهد : هو الذي يوزن به .

ومعنى أنزل الميزان ، هو إلهامه للخلق أن يعلموه ويعملوا به .

وقيل : الميزان محمد - صلى الله عليه وسلم - يقضي بينكم بكتاب الله .

وما يدريك لعل الساعة قريب فلم يخبره بها .

يحضه على العمل بالكتاب والعدل والسوية ، والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئ اليوم الذي يكون فيه المحاسبة ووزن الأعمال ، فيوفي لمن أوفى ويطفف لمن طفف .

ف لعل الساعة قريب أي : منك وأنت لا تدري .

وقال : ( قريب ) ولم يقل قريبة ; لأن تأنيثها غير حقيقي لأنها كالوقت ؛ قاله الزجاج .

والمعنى : لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب .

وقال الكسائي : ( قريب ) نعت ينعت به المذكر والمؤنث والجمع بمعنى ولفظ واحد ، قال الله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين قال الشاعر :وكنا قريبا والديار بعيدة فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل.وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان.ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ) قال قتادة ، ومجاهد ، ومقاتل : سمي العدل ميزانا ؛ لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أمر الله تعالى بالوفاء ، ونهى عن البخس .

( وما يدريك لعل الساعة قريب ) ولم يقل قريبة ؛ لأن تأنيثها غير حقيقي ، ومجازه : الوقت .

وقال الكسائي : إتيانها قريب .

قال مقاتل : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الساعة وعنده قوم من المشركين ، قالوا تكذيبا : متى تكون الساعة ؟

فأنزل الله هذه الآية :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله الذي أنزل الكتاب» القرآن «بالحق» متعلق بأنزل «والميزان» العدل «وما يدريك» يعلمك «لعل الساعة» أي إتيانها «قريب» ولعل معلق للفعل عن العمل وما بعده سد مسد المفعولين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله الذي أنزل القرآن وسائر الكتب المنزلة بالصدق، وأنزل الميزان وهو العدل؛ ليحكم بين الناس بالإنصاف.

وأي شيء يدريك ويُعْلمك لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال الكافرين والمؤمنين بالنسبة ليوم القيامة ، كما بين جانبا من فضله على عباده ، ومن حرمته بهم ، فقال - تعالى - : ( الله الذي أَنزَلَ .

.

.

فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ ) .والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى - : ( الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان ) جنسه أى : جميع الكتب السماوية التى أنزلها على أنبيائه .والمراد بالميزان : العدل والقسط الذى تضمنته شريعته - عز وجل - وأمر الناس بإقامته بينهم فى أمور معاشهم .وتسمية العدل بالميزان من باب تسمية الشئ باسم آلته ، لأن الميزان آلة الإِنصاف والقسط بين الناس فى معاملاتهم .قال - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط ) وقال - سبحانه - : ( الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان ) أى : الله - تعالى - هو وحده الذى أنزل جميع الكتب السماوية لهداية الناس ومنفعتهم ، وقد أنزلها - سبحانه - ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وأنزل كذلك شريعته العادلة ليتحاكم إليها الناس فى قضاياهم ومعاملاتهم .وقوله - تعالى - : ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ) إرشاد إلى أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - :أى : إن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - تعالى - وحده ، وأى شئ يجعلكم عالما بوقتها إذا كان مرد علمها إلى الله وحده ، ومع ذلك لعل وقت قيامها قريب .وقال : ( قَرِيبٌ ) ولم يقل قريبة ، لأن تأنيث الساعة غير حقيقى ، أو لأن لفظ فعيل يستوى فيه المذكر والمؤنث ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين ) وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم  ﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحاً ومحمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا هو المقصود من لفظ الآية، وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها: أنه قال في أول الآية ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ وفي آخرها ﴿ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وفي الوسط ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ فما الفائدة في هذا التفاوت؟.

وثانيها: أنه ذكر نوحاً عليه السلام على سبيل الغيبة فقال: ﴿ مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ والقسمين الباقيين على سبيل التكلم فقال: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وثالثها: أنه يصير تقدير الآية: شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا إليك فقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم ﴾ خطاب الغيبة وقوله: ﴿ والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ خطاب الحضور، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى: ﴿ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا  ﴾ فيجب أن يكون المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال، ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ ﴾ أي لا تتفرقوا بالآلهة الكثيرة، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿ أأربابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون  ﴾ واحتج بعضهم بقوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً ﴾ على أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر كان مبعوثاً بشريعة نوح عليه السلام، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين الكل، ومحل ﴿ أَنْ أَقيمُوا الدين ﴾ إما نصب بدل من مفعول ﴿ شَرَعَ ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع؟

فقيل هو إقامة الدين ﴿ كَبُرَ عَلَى المشركين ﴾ عظم عليهم وشق عليهم ﴿ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ من إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع، بدليل أن الكفار قالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والتنازع، والله تعالى ذكر في معرض المنّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ بالقياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً ممنوعاً عنه.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع دخول النسخ والتغيير فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان، ودلت هذه الآية على أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني، لأن المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في الدار الآخرة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه: الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي التأثير الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معيناً للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب، فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وفيه وجهان الأول: أنه تعالى لما أرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بالدين المتفق عليه بيّن أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير، لأنه اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني: أنه إنما كبّر عليهم هذا الدعاء من الرسل لما فيه من الانقياد لهم تكبراً وأنفة فبيّن تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم، ولا يعتبر الحسب والنسب والغنى، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم الله تعالى، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، فمنه جبى الخراج واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله: ﴿ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ ﴾ أي يضمه إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة، وقوله: ﴿ مَن يَشَآء ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وهو كما روي في الخبر من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة أي من أقبل إليّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره.

واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه، كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟

فأجاب الله تعالى عنهم بقوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية، على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلباً للذكر والرياسة، فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب، لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمى، أي وقتاً معلوماً، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا، أو لأنه علم أن الصلاح تحقيقه به كما عند المعتزلة، وهو معنى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ ﴾ والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في القيامة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم؟

فقال الأكثرون هم اليهود والنصارى، والدليل قوله تعالى في آل عمران ﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال في سورة لم يكن ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة  ﴾ ولأن قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ لائق بأهل الكتاب، وقال آخرون: إنهم هم العرب، وهذا باطل للوجوه المذكورة، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لا يليق بالعرب، لأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ من كتابهم ﴿ مُرِيبٍ ﴾ لا يؤمنون به حق الإيمان.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَا أُمِرْتَ ﴾ يعني فلأجل ذلك التفرق ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين، فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية واستقم عليها وعلى الدعوة إليها، كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم المختلفة الباطلة ﴿ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب ﴾ أي بأي كتاب صح أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ونظيره قوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الكافرون  ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أي في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، قل القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما يتعلق بحكم الله.

ثم قال: ﴿ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ﴾ والمعنى أن إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله، والمقصود منه المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟

قلنا هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء، ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام، والإقرار بنبوة الأنبياء، وبصحة البعث والقيامة، فلما لم يقبلوا هذا الدين، فحينئذٍ فات الشرط، فلا جرم فات المشروط.

وأعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ تحريم ما يجري مجرى محاجتهم، ويدل عليه وجوه: الأول: أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجة، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة، لزم كونها محرمة لنفسها وهو متناقض والثاني: أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما تركوا تصديقه بغياً وعناداً، فبيّن تعالى أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم إلى المحاجة ألبتة، ومما يقوي قولنا: أنه لا يجوز تحريم المحاجة، قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ ولا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ وقوله: ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ والذين يُحَاجُّونَ فِي الله ﴾ أي يخاصمون في دينه ﴿ مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ ﴾ أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين ﴿ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ﴾ أي باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف؟

فنبوّة موسى وحقية التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد ليست متفقاً عليها، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ بالمتفق أولى، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى، فبيّن تعالى أن هذه الحجة داحضة، أي باطلة فاسدة، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وفق قوله، وهاهنا ظهرت المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق، فهاهنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنبوته.

وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضاً، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة، فقال: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على أنواع الدلائل والبينات، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك، وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك، وأنهم ما رأوا منه أثراً قالوا على سبيل السخرية: فمتى تقوم القيامة، وليتها قامت حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه، فلدفع هذه الشبهة قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ والمعنى ظهر، وإنما يشفقون ويخافون لعلمهم أن عندها تمتنع التوبة، وأما منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ والممارة الملاجة، قال الزجاج: الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة، فيمارون فيها ويجحدون ﴿ لَفِي ضلال بَعِيدٍ ﴾ لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب في العدل، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً.

ثم قال: ﴿ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾ أي كثير الإحسان بهم، وإنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله بعباده، وأيضاً المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد، ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم، لا جرم حسن ذكره هاهنا، ثم قال: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ﴾ يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم، فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة.

ثم قال: ﴿ وهو القوي ﴾ أي القادر على كل ما يشاء ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب ولا يدافع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَنزَلَ الكتاب ﴾ أي جنس الكتاب ﴿ والميزان ﴾ والعدل والتسوية.

ومعنى إنزال العدل: أنه أنزله في كتبه المنزلة.

وقيل: الذي يوزن به.

بالحق: ملتبساً بالحق، مقترناً به، بعيداً من الباطل أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة.

أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك ﴿ الساعة ﴾ في تأويل البعث، فلذلك قيل: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ أو لعل مجيء الساعة قريب.

فإن قلت: كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟

قلت: لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى ويطفف لمن طفف.

المماراة: الملاجة لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه ﴿ لَفِى ضلال بَعِيدٍ ﴾ من الحق: لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لابد من دار الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ جِنْسَ الكِتابِ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بَعِيدًا مِنَ الباطِلِ، أوْ بِما يَحِقُّ إنْزالُهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ.

﴿ والمِيزانَ ﴾ والشَّرْعَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الحُقُوقُ ويُسَوِّي بَيْنَ النّاسِ، أوِ العَدْلَ بِأنْ أنْزَلَ الأمْرَ بِهِ أوْ آلَةَ الوَزْنِ بِأنْ أوْحى بِإعْدادِها.

﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ إتْيانُها فاتَّبِعِ الكِتابَ واعْمَلْ بِالشَّرْعِ وواظِبْ عَلى العَدْلِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اليَوْمُ الَّذِي تُوزَنُ فِيهِ أعْمالُكَ وتُوَفّى جَزاءَكَ، وقِيلَ: تَذْكِيرُ القَرِيبِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ذاتِ قُرْبٍ، أوْ لِأنَّ السّاعَةَ بِمَعْنى البَعْثِ.

﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ﴾ اسْتِهْزاءً.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ﴾ خائِفُونَ مِنها مَعَ اغْتِيابِها لِتَوَقُّعِ الثَّوابِ.

﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ﴾ أيِ الكائِنُ لا مَحالَةَ.

﴿ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ ﴾ يُجادِلُونَ فِيها مِنَ المِرْيَةِ، أوْ مِن مُرِيبِ النّاقَةِ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها بِشِدَّةٍ لِلْحَلْبِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ ما عِنْدَ صاحِبِهِ بِكَلامٍ فِيهِ شِدَّةٌ.

﴿ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ فَإنَّ البَعْثَ أشْبَهُ الغائِباتِ إلى المَحْسُوساتِ، فَمَن لَمْ يَهْتَدِ لِتَجْوِيزِهِ فَهو أبْعَدُ عَنِ الِاهْتِداءِ إلى ما وراءَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله الذى أَنزَلَ الكتاب} أي جنس الكتاب {بالحق} بالصدق أو ملتبساً به {والميزان} والعدل والتسوية ومعنى انزال العدل انه انزل في كتبه المنزلة وقيل هو عين الميزان أنزله في زمن نوح عليه السلام {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ} أي لعل الساعة تقريب منك وانت لا تدرى والمراد مجىء

الشورى (٢١ - ١٨)

الساعة والساعة في تاويل لابعث ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين بالقسط فكأنه قيل أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ جِنْسَ اَلْكِتابِ أوِ اَلْكِتابَ اَلْمَعْهُودَ أوْ جَمِيعَ اَلْكُتُبِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ بَعِيدًا مِنَ اَلْباطِلِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ أوْ مُلْتَبِسًا بِما يَحِقُّ ويَجِبُ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ أيِ اَلْعَدْلَ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أوِ اَلشَّرْعَ اَلَّذِي يُوزَنُ بِهِ اَلْحُقُوقُ ويُسَوِّي بَيْنَ اَلنّاسِ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ فِيهِ اِسْتِعارَةٌ ونِسْبَةُ اَلْإنْزالِ إلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ اَلْأجْسامِ والمُنْزِلُ حَقِيقَةً مَن بَلَّغَهُ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ اَلْأمْرَ أيْ أنْزَلَ اَلْأمْرَ بِالمِيزانِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أيْضًا مُحْتاجٌ إلى اَلتَّأْوِيلِ، وقَدْ يُقالُ: نِسْبَةُ اَلْإنْزالِ وكَذا اَلنُّزُولِ إلى اَلْأمْرِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا فالتَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ في اَلْإنْزالِ ويُقالَ نَحْوُ ذَلِكَ في ﴿ أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمِيزانَ اَلْآلَةُ اَلْمَعْرُوفَةُ فَعَلى هَذا إنْزالُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ اَلْأمْرِ بِهِ، واسْتَظْهَرَ اَلْأوَّلَ لِما نَقَلَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ في اَلْحَدِيدِ أنَّهُ نَزَلَ إلى نُوحٍ وأمَرَ أنْ يُوزَنَ بِهِ، وكَوْنُ اَلْمُرادِ بِهِ مِيزانَ اَلْأعْمالِ بَعِيدٌ هُنا.

﴿ وما يُدْرِيكَ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا أيْ عالِمًا ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ ﴾ أيْ إتْيانَ اَلسّاعَةِ اَلَّذِي أخْبَرَ بِهِ اَلْكِتابُ اَلنّاطِقُ بِالحَقِّ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مُذَكَّرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ في اَلْحَقِيقَةِ لِأنَّ اَلْمَحْذُوفَ بِقَرِينَةٍ كالمَلْفُوظِ وهو وجْهٌ في تَذْكِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَأْوِيلِ اَلسّاعَةِ بِالبَعْثِ وأنْ يَكُونَ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مِن بابِ تامِرٍ ولابِنٍ أيْ ذاتُ قُرْبٍ إلى أوْجُهٍ أُخَرَ تَقَدَّمَتْ في اَلْكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إنَّ اَلسّاعَةَ عَلى جَناحِ اَلْإتْيانِ فاتَّبِعِ اَلْكِتابَ وواظِبْ عَلى اَلْعَدْلِ واعْمَلْ بِالشَّرْعِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي تُوزَنُ فِيهِ اَلْأعْمالُ ويُوفى جَزاؤُها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ يعني: يخاصمون في توحيد الله ودين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما أجابوا إياه، أي: بعد ما أجاب المؤمنون بتوحيد الله لنبيه.

وقال مجاهد: طمع رجال بأن يعودوا إلى الجاهلية فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ إلى قوله: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ وروى معمر عن قتادة قال: والذين يحاجون في الله، يعني: في دينه قال: هم اليهود، والنصارى.

قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم.

فنزل وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ أي: في دين الله مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يعني: من بعد ما دخل الناس في الإسلام حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ يعني: خصومتهم باطلة.

ويقال: احتجاجهم زائل، ساقط.

يقال دحض أي: زال، ومعناه: ليس لهم حجة.

وسمى قولهم حجة على وجه المجاز، يعني: حجتهم كما قال: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ يعني: الآلهة بزعمهم، ولم يكونوا آلِهَة في الحقيقة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ يعني: كما يكابرون عقولهم وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بما كانوا يفعلون.

قوله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ أي: لبيان الحق، وأنزل الميزان وهو العدل ويقال: وأنزل الميزان في زمان نوح.

ويقال: هي الحدود والأحكام والأمر والنهي.

قوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يعني: قيام الساعة قريب.

وهذا كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وقال تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ولم يقل قريبة، لأن تأنيثها ليس بحقيقي، ولأنه انصرف إلى المعنى، يعني: للبعث.

قوله تعالى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِها يعني: أن المشركين كانوا يقولون: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ويقولون: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها يعني: خائفين من قيام الساعة، لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون، محاسبون وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ يعني: يعلمون أن الساعة كائنة.

أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ يعني: يشكون ويخاصمون فيها.

لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: في خطأ طويل، بعيد عن الحق.

قوله عز وجل: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يعني: عالم بعباده.

ويقال: رحيم بعباده، ويقال اللطيف الذي يرزقهم في الدنيا، ولا يعاقبهم في الآخرة.

ويقال: اللطيف بعباده، بالبر، والفاجر لا يهلكهم جوعاً يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حساب.

ويقال يرزق من يشاء، مقدار ما يشاء، في الوقت الذي يشاء وَهُوَ الْقَوِيُّ على هلاكهم.

الْعَزِيزُ يعني: المنيع لا يغلبه أحد.

قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ يعني: ثواب الآخرة بعمله.

نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني: ينال كليهما وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا يعني: ثواب الدنيا بعمله.

نُؤْتِهِ مِنْها يعني: نعطه منها.

وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ لأنه عمل لغير الله تعالى.

قال أبو الليث رحمه الله: حدّثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدثنا محمد بن عقيل قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدّثنا الحجاج قال: حدّثنا شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ كانَتْ نِيَّتُهُ الآخِرَةَ جَمَعَ الله شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ الله عَلَيْهِ أمْرَهُ، وَجَعلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ» .

وقال القتبي: الحرث في اللغة العمل.

يعني: من كان يريد بحرثه، أي: بعمله الْآخِرَةِ نضاعف له الحسنات.

ومن أراد بعمله الدنيا أعطيناه ولا نصيب له في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: قُرَيْشاً.

ت: وفَرَضَ الفَخْرُ هذه القَضِيَّةَ في أهْلِ الكتاب، وذكر ما وقع من اليهود ومحاجَّتهم في دفع الحقِّ وجَحْدِ الرسالة، وعلى هذا فالضمير في: أَهْواءَهُمْ عائدٌ عليهم، واللَّه أعلم.

اهـ.

ثم أَمَرَهُ تعالى أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ، وهو أَمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أمته.

وقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قالت فرقة: اللام في لِأَعْدِلَ بمعنى: أنْ أعدل بينكم، وقالت فرقة: المعنى وَأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به من التبليغ والشَّرْعِ لِكَيْ أعدلَ بينكم.

وقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ إلى آخر الآية- ما فيه من مُوَادَعَةٍ منسوخٌ بآية السَّيْفِ.

وقوله: لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي: لا جدال، ولا مناظرةَ قد وَضَحَ الحق، وأنتم تعاندون، وفي قوله: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا: وعيد بيّن.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ ...

الآية، قال ابن عباس ومجاهد:

نزلت في طائفة من بني إسرائيل هَمَّتْ بردِّ الناس عن الإسلام وإضلالهم «١» ، وقيل:

نزلت في قريشٍ لأنَّها كانت أبدا تحاول هذا المعنى، ويُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ معناه: في دين اللَّه أو توحيدِ اللَّه، أي: يحاجُّون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبهه، والضمير في لَهُ يحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يعودَ على الدِّينِ والشرع، ويحتمل أنْ يعودَ على النبي ع وداحِضَةٌ معناه: زاهقة، والدَّحْضُ الزَّهقُ، وباقي الآية بَيِّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ﴿ والمِيزانَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.

ومَعْنى إنْزالِهِ: إلْهامُ الخَلْقِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، وأمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم بِالإنْصافِ.

وسُمِّي العَدْلُ مِيزانًا؛ لِأنَّ المِيزانَ آلَةُ الإنْصافِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَلْقِ.

وتَمامُ الآيَةِ مَشْرُوحٌ في [الأحْزابِ: ٦٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ﴾ لِأنَّهم لا يَخافُونَ ما فِيها، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكَوْنِها، فَهم يَطْلُبُونَ قِيامَها اسْتِبْعادًا واسْتِهْزاءً ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ ﴾ أيْ: خائِفُونَ ﴿ مِنها ﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُحاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ، ولا يَدْرُونَ ما يَكُونُ مِنهم ﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ﴾ أيْ: أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ ﴿ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في كَوْنِها ﴿ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ حِينَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إقامَتِها.

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى [اسْمِهِ] "اللَّطِيفِ" في [الأنْعامِ: ١٠٣] .

وفي عِبادِهِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في الكُلِّ.

ولُطْفُهُ بِالفاجِرِ: أنَّهُ لا يُهْلِكُهُ.

﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُوَسِّعُ لَهُ الرِّزْقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عَمَلَ الآخِرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَحْرُثُ الدُّنْيا، أيْ: يَعْمَلُ لَها ويَجْمَعُ المالَ؛ فالمَعْنى: مَن أرادَ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ ﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ أيْ: نُضاعِفُ لَهُ الحَسَناتِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن أرادَ العَمَلَ لِلَّهِ بِما يُرْضِيهِ، أعانَهُ اللَّهُ عَلى عِبادَتِهِ، ومَن أرادَ الدُّنْيا مُؤْثِرًا لَها عَلى الآخِرَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، يُؤْتِهُ مِنها، وهو الَّذِي قَسَّمَ لَهُ، ﴿ وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ لِأنَّهُ كافِرٌ بِها لَمْ يَعْمَلْ لَها.

* فَصْلٌ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ إلى "حَرْثِهِ" مُحْكَمٌ، واخْتَلَفُوا في باقِيها عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتانِ مُتَّفِقَتانِ في المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يُقَلْ في هَذِهِ الآيَةِ: نُؤْتِهِ مُرادَهُ، فَعُلِمَ أنَّهُ إنَّما يُؤْتِيهِ اللَّهُ ما أرادَ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: "لِمَن نُرِيدُ"، ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ لَفْظَ الآيَتَيْنِ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُما مَعْنى الخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنهم قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في الساعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ ﴾ لَمّا أنْهى اللهُ تَعالى القَوْلَ عَلى الَّذِينَ يُحاجُّونَ في تَوْحِيدِ اللهِ ويَرُومُونَ إخْفاءَ نُورِهِ، صَدَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفَتِهِ تَعالى مِن إنْزالِ الكِتابِ الهادِي لِلنّاسِ، و"الكِتابُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بِأنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا واجِبًا لِلْمَصْلَحَةِ والهُدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُضَمَّنًا الحَقُّ، أيْ: بِالحَقِّ في أحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، و"المِيزانُ" هُنا: العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والناسُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ في العَدْلِ وجُزْءٍ مِنهُ، وكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ، فالعَدْلُ فِيهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرٍ ووَزْنٍ مُسْتَقِيمٍ، فَيَحْتاجُ في الأجْرامِ إلى آلَةٍ، وهي العَمُودُ والكَفَّتانِ الَّتِي بِأيْدِي البَشَرِ، ويَحْتاجُ في المَعانِي إلى هَيْئاتٍ في النُفُوسِ وفُهُومٍ تُوازِنُ بَيْنَ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ ﴾ وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: فانْظُرْ في أيِّ غَرَرٍ هُمْ، وجاءَ لَفْظُ "قَرِيبٌ" مُذَكِّرًا مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ الساعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذْ هي بِمَعْنى الوَقْتِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَةَ الجَهَلَةِ الكاذِبِينَ بِها، فَهم لِذَلِكَ يَسْتَعْجِلُونَ بِها، أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَها لِيُبَيِّنَ العَجْزَ مِمَّنْ يُحَقِّقُها، فالمُصَدِّقُ بِها مُشْفِقٌ خائِفٌ، والمُكَذِّبُ مُسْتَعْجِلٌ مُقِيمٌ لِحُجَّتِهِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِذَلِكَ المُسْتَعْجَلِ بِهِ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ تَعالى الإخْبارَ عَنِ المُمارِينَ في الساعَةِ في أنَّهم في ضَلالٍ قَدْ بَعُدَ بِهِمْ، فَرُجُوعُهم عنهُ صَعْبٌ مُتَعَذِّرٌ، وفي هَذا الِاسْتِفْتاحِ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وتَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ السامِعِ.

ثُمَّ رَجّى تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ ، و"لَطِيفٌ" هُنا بِمَعْنى: رَفِيقٌ مُتَحَفٍّ، والعِبادُ هُنا: المُؤْمِنُونَ ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِمِها، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَحْمَةِ، وأمّا الإنْعامُ عَلى الكافِرِينَ في الدُنْيا فَلَيْسَ بِلُطْفٍ بِهِمْ، بَلْ هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: لَطَفَ بِأولِيائِهِ حَتّى عَرِفُوهُ، ولَوْ لَطَفَ بِالكُفّارِ لَما جَحَدُوهُ، وقِيلَ: لَطِيفٌ بِأنْ نَشَرَ عنهُمُ المَناقِبَ، وسَتَرَ عَلَيْهِمُ المَثالِبَ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُخافُ إلّا عَدْلُهُ، ولا يُرْجى إلّا فَضْلُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ مَعْناهُ: إرادَةُ مُسْتَعِدٍّ عامِلٍ عارِفٍ لا إرادَةَ مُتَمَنٍّ لَمْ يُدِنْ نَفْسَهُ، و"الحَرْثُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ السَعْيِ والتَكَسُّبِ والإعْدادِ، ولَمّا كانَ حَرْثُ الأرْضِ أصْلًا مِن أُصُولِ المَكاسِبِ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ تَكَسُّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما: "احْرُثْ لِدُنْياكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أبَدًا، واعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ وعْدٌ مُنْتَجَزٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى في حَرْثِ الدُنْيا: ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ مَعْناهُ: ما شِئْنا ولِمَن شِئْنا، فَرُبَّ مُمْتَحِنٍ مُضَيِّقٌ عَلَيْهِ حَرِيصٌ عَلى حَرْثِ الدُنْيا مُرِيدٌ لَهُ لا يُحِسُّ بِغَيْرِهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي لا يَعْقِلُ غَيْرَ الدُنْيا هو الَّذِي نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ في الآخِرَةِ.

وقَرَأ سَلامٌ: "نُؤْتِهِ" بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، ومَثْلُهُ قِراءَةُ أهْلِ الحِجازِ: "فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ" بِرَفْعِ الهاءِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد علمتم أن من جملة محاجة المشركين في الله ومِن أشدِّها تشغيباً في زعمهم محاجتهم بإنكار البعث كما في قولهم: ﴿ هل ندلكم على رجللٍ يُنبِّئكم إذا مُزِّقتم كلَّ مُمَزَّققٍ إِنكم لفي خَلققٍ جديدٍ أفترى على الله كذباً أم به جنّة ﴾ [سبأ: 7، 8]، وقال شداد بن الأسود: يُخبِّرُنا الرّسولُ بأنْ سَنَحْيَا *** وكيفَ حياةُ أصداءٍ وهامِ وقد دحض الله حجتهم في مواضع من كتابه بنفي استحالته، وبدليل إمكانه، وأومأ هنا إلى مقتضي إيجابه، فبيّن أن البعث والجزاء حق وعدل فكيف لا يقدِّره مدبّر الكون ومنزّل الكتاب والميزان.

وقد أشارت إلى هذا المعنى آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجَعون ﴾ [المؤمنون: 115] وقوله: ﴿ إن الساعة آتيةٌ أكادُ أُخفيها لتُجْزَى كلُّ نفس بما تَسعى ﴾ [طه: 15] وقال: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحقّ ولكن أكثرَهم لا يعلمون إنَّ يوم الفصل ميقاتُهم أجمعين ﴾ [الدخان: 38 40].

وأكثرُها جاء نظمها على نحو الترتيب الذي في نظم هذه الآية من الابتداء بما يذكِّر بحكمة الإيجاد وأن تمام الحكمة بالجزاء على الأعمال.

فقوله: ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ تمهيد لقوله: ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ ، لأن قوله: ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ يؤذن بمقدر يقتضيه المعنى، تقديره: فجُعل الجزاء للسائرين على الحق والناكبين عنه في يوم السّاعة فلا محيص للعباد عن لقاء الجزاء وما يدريك لعل الساعة قريب، فهو ناظر إلى قوله ﴿ إن الساعة آتية أكاد أُخْفِيها لتُجزَى كلَّ نفسسٍ بما تسعى ﴾ [طه: 15].

وهذه الجملة موقعها من جملة ﴿ والذين يحاجون في الله ﴾ [الشورى: 16] موقع الدّليل، والدليلُ من ضروب البيان، ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها لشدة اتصال معناها بمعنى الأخرى.

والإخبار عن اسم الجلالة باسم الموصول الذي مضمون صلته إنزالُه الكتابَ والميزانَ، لأجل ما في الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الآتي، وأنه من جنس الحق والعدل، مثل الموصول في قوله تعالى: ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين ﴾ [غافر: 60].

ولام التعريف في الكتاب } لتعريف الجنس، أي إنزال الكُتب وهو ينظر إلى قوله آنفاً: ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ﴾ [الشورى: 15].

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للملابسة، أي أنزل الكتب مقترنة بالحق بعيدة عن الباطل.

والحق: كلّ ما يَحق، أي يجب في باب الصلاح عملُه ويصح أن يفسر بالأغراض الصحيحة النافعة.

و ﴿ الميزان ﴾ حقيقته: آلة الوزن، والوزن: تَقديرُ ثِقَللِ جسم، والميزان آلة ذات كفتين معتدلتين معلقتين في طرفي قضيب مستوٍ معتدل، له عروة في وسطه، بحيث لا تتدلى إحدى الكفتين على الأخرى إذا أُمسك القضيب من عُروته.

والميزان هنا مستعار للعدل والهدْي بقرينة قوله ﴿ أنزل ﴾ فإن الدّين هو المنزل والدّين يدعو إلى العدل والإنصاف في المجادلة في الدّين وفي إعطاء الحقوق، فشبه بالميزان في تساوي رجحان كفتيه قال تعالى: ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقومَ النّاس بالقسط ﴾ [الحديد: 25].

وجملة ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ ، والمناسبة هي ما ذكرناه من إيذان تلك الجملة بمقدَّر.

وكلمة ﴿ وما يدريك ﴾ جارية مجرى المثل، والكاف منها خطاب لغير معيّن بمعنى: قد تدري، أي قد يدري الداري، ف ﴿ ما ﴾ استفهامية والاستفهام مستعمل في التنبيه والتهيئة.

و ﴿ يدريك ﴾ من الدراية بمعنى العلم.

وقد عُلّق فعل (يُدري) عن العمل بحرف الترجّي.

وعن ابن عباس كل ما جاء فعل (ما أدراك) فقد أعلمه الله به أي بينه له عقب كلمة (ما أدراك) نحو ﴿ وما أدراك ماهِيَهْ نارٌ حاميةٌ ﴾ [القارعة: 10، 11] وكل ما جاء فيه ﴿ وما يدريك ﴾ لم يُعلمه به أي لم يعقبه بما يبين إبْهامه نحو ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب وما يدريك لعله يزّكى ﴾ [عبس: 3].

ولعل معنى هذا الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل.

والمعنى: أي شيء يعلمك أيها السامع الساعةَ قريباً، أي مقتضي علمِك متوفر، فالخطاب لغير معين، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ في سورة الأنعام (109).

والإخبار عن الساعة } ب ﴿ قريب ﴾ وهو غير مؤنث لأنه غلب لزوم كلمة قريب وبعيد للتذكير باعتبار شيء كقوله تعالى: ﴿ وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً ﴾ [الأحزاب: 63] وقوله: ﴿ إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين ﴾ وقد تقدم في سورة الأعراف (56).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، ونَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن بَعْدِ ما أجابَهُ اللَّهُ إلى إظْهارِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ.

الثّانِي: مِن بَعْدِ ما أجابَ اللَّهُ الرَّسُولَ مِنَ المَحاجَّةِ.

الثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ المُسْلِمُونَ لِرَبِّهِمْ وآمَنُوا بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: باطِلَةٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: خاسِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمُعْجِزِ الدّالِّ عَلى صِحَّتِهِ.

الثّانِي: بِالصِّدْقِ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ.

﴿ والمِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجَزاءُ عَلى الطّاعَةِ بِالثَّوابِ وعَلى المَعْصِيَةِ بِالعِقابِ.

الثّانِي: أنَّهُ العَدْلُ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِيزانُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ وعَلَّمَ عِبادَهُ الوَزْنَ بِهِ لِئَلّا يَكُونَ بَيْنَهم تَظالُمٌ وتَباخُسٌ، قالَ قَتادَةُ: المِيزانُ العَدْلُ.

﴿ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِها، ولَمْ يُؤَنِّثْ (قَرِيبٌ) لِأنَّ السّاعَةَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِأنَّها كالوَقْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ قال: العدل.

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان واقفاً بعرفة، فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب، فبكى واشتد بكاؤه، وتلا قول الله تعالى ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ إلى ﴿ العزيز ﴾ فقيل له فقال: ذكرت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو واقف بمكاني هذا، فقال: «أيها الناس لم يبق من دنياكم هذه فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى» .

وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قد كان الرجل منا يدخل الخلاء، فيحمل الاداوة من الماء، فإذا خرج توضأ خشية من أن تقوم الساعة، وأن يكون عنده الفضلة من الطعام، فيقول لا آكلها حتى تقوم الساعة.

وأخرج أحمد وهناد بن السري والطبراني وابن مردويه والضياء، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنزَلَ الكتاب ﴾ يعني جنس الكتاب ﴿ بالحق ﴾ أي بالواجب أو متضمناً الحق ﴿ والميزان ﴾ قال ابن عباس وغيره يعني: العدل، ومعنى إنزال العدل، إنزال الأمر به في الكتب المنزلة، وقيل يعني الميزان المعروف، فإن قيل: وما وجه اتصال ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟

فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: أعدلوا وافعلوا الصواب قبل يوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم ﴿ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ جاء قريب، بالتذكير، لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقت الساعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.

الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.

﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.

التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.

وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.

وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.

وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.

وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.

وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.

أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.

والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.

وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص  ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.

روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.

والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.

والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.

ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.

ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.

ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.

قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.

وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.

وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.

فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.

ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله  "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.

وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.

وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.

ثم سلى نبيه  بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.

قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.

وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.

وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.

﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.

والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.

ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.

قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.

فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.

ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.

قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.

وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها  ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.

وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس  ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.

وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.

ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.

أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.

وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.

والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.

وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.

وحين منع الرسول  من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.

والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.

وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله  كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.

وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.

قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول  .

قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.

وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.

فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.

قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.

وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.

وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة  ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله  شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.

قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.

يعنون أنت لا تبخل.

وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.

وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.

وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه  لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.

قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.

وحين عظم وحيه إلى محمد  بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.

ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟

فقيل: هو إقامة الدين.

يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول  .

ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.

يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.

ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد  وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم  ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.

قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.

وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله  وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.

وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.

ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.

وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.

ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.

وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد  مختلف فيها.

والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد  كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.

ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.

وقيل: هو العقل.

وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.

وقيل: هو محمد  يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.

ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.

ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.

ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟

وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.

ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.

ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله  إلى ضد العلم والقدرة.

ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.

وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير  ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.

وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.

عن النبي  "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.

وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.

وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.

قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.

وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.

﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم  ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.

قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.

ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.

والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".

﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.

فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".

وقد جاء في حق نبينا  أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم  ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين  ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.

وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.

قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله  كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.

القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي  كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.

ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.

القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.

الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما.

ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً  شكا إلى رسول الله  حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه  "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله  وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

قال بعض المذكرين: إن النبي  قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد  ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.

ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.

عن السدي أنها المودة في آل رسول الله  نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.

ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : الذي لله عليهم، أو ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لبعضهم على بعض، و ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : بالعدل فيما بينهم؛ أي: بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ ، أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم.

ثم قوله -  - ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام.

ويحتمل أن يكون عطفاً على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً  ﴾ ، لم يطلع الله - جل وعلا - أحداً [على] العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيباً لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله  كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ ﴾ ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبداً خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : قوله: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.

ويحتمل: ﴿ يُمَارُونَ ﴾ من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها.

ودل قوله: ﴿ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ : أنهم لا يؤمنون أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ : من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئاً عامّاً فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها.

ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعاً: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعاً: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.

ويحتمل أن يكون رحيماً بارّاً بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.

ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعاً على ما ذكرنا.

فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.

قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهاً؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبداً، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ قد ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ تأويله ومعناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه.

والثاني: ﴿ ٱلْقَوِيُّ ﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : جعل الله -  - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيراً حسناً حصدوا خيراً ونعيماً في الآخرة، وإن زرعوا شرّاً وسوءاً، حصدوا في الآخرة شرّاً وعذاباً دائماً.

وكذلك صيّرها متجراً يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيراً وحسناً ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرّاً وسوءاً خسروا في الآخرة.

وكذلك صيرها مسلكاً إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.

وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 111]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 207]، وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...

﴾ الآية [البقرة: 16-175]، وقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...

﴾ الآية [الإسراء: 18]، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.

والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكراً للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه.

والثاني: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ ﴾ أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: سنوا لهم ﴿ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئاً، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وأنهن لم يضللن أحداً، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.

ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ أي: ما لم يأمر به الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله -  - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشراً بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكأن المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر -  -: "احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، ومنه سمّى الرجل: حارثاً.

﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ ﴾ أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: ﴿ شَرَعَ لَكُم  ﴾ أي: ابتدع وسن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله -  - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله  رحمة لهم بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

والثاني: ﴿ ٱلْفَصْلِ ﴾ : البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ونحوه، وقيل: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله -  - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله -  -: "لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة" ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة.

قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان.

وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيراً؛ لأنه دائم لا ينقطع أبداً.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ ﴾ أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر الله -  - به من ذكر: ﴿ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قال بعض أهل التأويل: "قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي  فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله  ؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله  ؟

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبونني؟

قالوا: ما نقول يا رسول الله؟

قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟

أولم يكذبوك فصدقناك؟

أولم يخذلوك فنصرناك؟

قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله -  -: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ " لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: "لنا الفضل عليكم" هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، والله أعلم.

وفي بعض الأخبار: أن الأنصار -  م - قالوا: إن رسول الله  تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئاً من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ \[وهو يخرج\] على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان بالله -  - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم و[ما] أدعوكم إليه أجراً، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردّاً لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمداً جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين [من] أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجراً، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه.

ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم.

ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله -  - يسأل عن هذا القرآن أجراً، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله  بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، أي: إلا التقرب إلى الله -  - والتودد بالعمل الصالح.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عنّي، ولست أبتغي على الذي جئت به أجراً آخذه منكم على ذلك.

وقال قتادة: إن الله -  - أمر محمداً  ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجراً: ﴿ إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة.

وقال بعضهم: إلا أن تودّوا قرابتي.

وقال بعضهم: قال رسول الله  : "إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي" وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ هو كقوله -  -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: يغفر لهم وإن لم يحققوا التوبة والرجوع سرّاً وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو.

وقوله: ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: ﴿ غَفُورٌ ﴾ للذنوب، ﴿ شَكُورٌ ﴾ للحسنات يضاعفها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله الذي أنزل القرآن بالحق الذي لا مرية فيه، وأنزل العدل ليحكم بين الناس بالإنصات، وقد تكون الساعة التي يكذِّب بها هؤلاء قريبة، ومعلوم أن كل آتٍ قريب.

<div class="verse-tafsir" id="91.bpOXQ"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله