الآية ٢٩ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٢٩ من سورة الزخرف

بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( بل متعت هؤلاء ) يعني : المشركين ، ( وآباءهم ) أي : فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ، ( حتى جاءهم الحق ورسول مبين ) أي : بين الرسالة والنذارة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) يقول تعالى ذكره: ( بَلْ مَتَّعْتُ ) يا محمد ( هَؤُلاءِ ) المشركين من قومك ( وَآبَاءَهُمْ ) من قبلهم بالحياة, فلم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم ( حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ ) يعني جلّ ثناؤه بالحقّ: هذا القرآن: يقول: لم أهلكهم بالعذاب حتى أنـزلت عليهم الكتاب, وبعثت فيهم رسولا مبينا.

يعني بقوله: ( وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) : محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, والمبين: أنه يبين لهم بالحجج التي يحتج بها عليهم أنه لله رسول محقّ فيما يقول

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى بل متعت وقرئ ( بل متعنا ) هؤلاء وآباءهم أي : في الدنيا بالإمهال .

حتى جاءهم الحق أي : محمد - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد والإسلام الذي هو أصل دين إبراهيم ، وهو الكلمة التي بقاها الله في عقبه .

ورسول مبين أي : يبين لهم ما بهم إليه حاجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان، فقال تعالى: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ} بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة { حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه.

{ وَرَسُولٌ مُبِينٌ } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى اللّه عليه وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل متعت هؤلاء وآباءهم ) يعني : المشركين في الدنيا ، ولم أعاجلهم بالعقوبة على الكفر ، ( حتى جاءهم الحق ) يعني : القرآن .

وقال الضحاك : الإسلام .

( ورسول مبين ) يبين لهم الأحكام وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه ، فلم يفعلوا ، وعصوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل متعت هؤلاء» المشركين «وآباءهم» ولم أعاجلهم بالعقوبة «حتى جاءهم الحق» القرآن «ورسول مبين» مظهر لهم الأحكام الشرعية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل متعتُ -أيها الرسول- هؤلاء المشركين من قومك وآباءهم مِن قبلهم بالحياة، فلم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم، حتى جاءهم القرآن ورسول يبيِّن لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ) إضراب عن كلام محذوف يناسق إليه الكلام ، والمراد " بهؤلاء " أهل مكة المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - وقوله : ( مَتَّعْتُ ) من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، واشتغالهم بذلك عن طاعة الله - تعالى - وشكره .والمعنى : اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية فى بعض ذرية إبراهيم لعل من بقى من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها ، ولكنهم لم يرجعوا بل أصروا على كفرهم ، فلم أعالجهم بالعقوبة ، بل متعت هؤلاء المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباؤهم ، وبقيت تلك النعم فيهم : ( حتى جَآءَهُمُ الحق ) وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم ( وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ) هو أنت - أيها الرسول الكريم - فإن رسالتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد ، ليس فيها شئ من الغموض الذى يحملها على الإِعراض عنها .فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الكلمة الباقية فى عقب إبراهيم وهى كلمة التوحيد ، لم يتبعها جميع أفراد ذريته ، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون وأن هؤلاء الكافرين - وعلى راسهم كفار قريش - لم يعاجلهم الله - تعالى - بالعقوبة ، بل أعطاهم نعما متعددة ، فلم يشكروه - تعالى - عليها ، واستمروا على ذلك ، حتى جاءهم الحق ، فلم يؤمنوا به ، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسل المبين - صلى الله عليه وسلم - .ومن الآيات التى تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن ، وكان منها الكافر .

قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، ثم بيّن أنه طريق باطل ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآية والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالتقليد وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء في الأديان محرماً أو جائزاً، فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء، وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول إنه ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء ووجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد، وإذا ثبت هذا فنقول: فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلاً، فهذا طريق رقيق في إبطال التقليد وهو المراد بهذه الآية.

الوجه الثاني: في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا وفي الدين، أنه تعالى بيّن أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهله باقياً في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت، فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدنيا خير ولا أثر، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل وترك التقليد أولى، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية، ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية.

أما قوله: ﴿ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ فقال الكسائي والفرّاء والمبرد والزجاج ﴿ بَرَاء ﴾ مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل عدل ورضا وتقول العرب أنا البراء منك والخلاء منك ونحن البراء منك والخلاء ولا يقولون البراآن ولا البراؤن لأن المعنى ذوا البراء وذوو البراء فإن قلت برئ وخلى ثنيت وجمعت.

ثم استثنى خالقه من البراءة فقال: ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ والمعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عزّ وجلّ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن فيكون المعنى لكن الذي فطرني فإنه سيهدين أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته.

واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في آية أخرى أنه قال: ﴿ الذى خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ  ﴾ وحكى عنه هاهنا أنه قال: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ فأجمع بينهما وقدر كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال ﴿ وَجَعَلَهَا ﴾ أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ جارياً مجرى لا إله وقوله: ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ جارياً مجرى قوله إلا الله فكان مجموع قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ جارياً مجرى قوله لا إله إلا الله ثم بيّن تعالى أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، وقيل وجعلها الله، وقرئ كلمة على التخفيف وفي عقيبه.

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَءَابَاءَهُمْ ﴾ يعني أهل مكة وهم عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد ﴿ حتى جَاءَهُمُ الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحراً وما جاء به سحراً وكفروا به، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق، قال صاحب الكشاف: إن قيل ما وجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟

قلنا كأن الله سبحانه اعترض على ذاته في قوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك المبالغة في تعييرهم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً في زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعل نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ ﴾ يعني: أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمدّ في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد ﴿ حتى جَاءَهُمُ الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة، فكذبوا به وسموه ساحراً وما جاء به سحراً ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم.

وقرئ ﴿ بل متعنا ﴾ فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ ﴿ متعت ﴾ بفتح التاء؟

قلت: كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: 28] فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد.

وأراد بذلك الإطناب في تعبيرهم؛ لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك، وغرضه بها الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ ﴾ هَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ  مِن قُرَيْشٍ وآباءَهم بِالمَدِّ في العُمْرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا لِذَلِكَ وانْهَمَكُوا في الشَّهَواتِ.

وقُرِئَ «مَتَّعْتَ» بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ تَعالى اعْتَرَضَ بِهِ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً ﴾ مُبالَغَةً في تَعْيِيرِهِمْ.

﴿ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ أوِ القُرْآنُ.

﴿ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ الرِّسالَةِ بِما لَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، أوْ مُبِينٌ لِلتَّوْحِيدِ بِالحُجَجِ والآياتِ.

﴿ وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ لِيُنَبِّهَهم عَنْ غَفْلَتِهِمْ ﴿ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ ﴾ زادُوا شَرارَةً فَضَمُّوا إلى شِرْكِهِمْ مُعانَدَةَ الحَقِّ والِاسْتِخْفافَ بِهِ، فَسَمَّوُا القُرْآنَ سِحْرًا وكَفَرُوا بِهِ واسْتَحْقَرُوا الرَّسُولَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بل متعت هؤلاء وآباءهم} يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم

بالمد في العمر النعمة فاعتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد {حتى جاءهم الحق} القران {ورسوله} أي محمد عليه السلام {مُّبِينٌ} واضح الرسالة بما معه من الآيات البينة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ أهْلَ مَكَّةَ اَلْمُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وآباءَهُمْ ﴾ بِالمَدِّ في اَلْعُمُرِ والنِّعْمَةِ ﴿ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ دَعْوَةُ اَلتَّوْحِيدِ أوِ اَلْقُرْآنُ ﴿ ورَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ اَلرِّسالَةِ بِما لَهُ مِنَ اَلْمُعْجِزاتِ اَلْباهِراتِ أوْ مُبِينٌ لِلتَّوْحِيدِ بِالآياتِ اَلْبَيِّناتِ والحُجَجِ اَلْقاطِعاتِ، والمُرادُ بِالتَّمْتِيعِ ما هو سَبَبٌ لَهُ مِنَ اِسْتِمْتاعِهِمْ بِما مُتِّعُوا واشْتِغالِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ شُكْرِ اَلْمُنْعِمِ وطاعَتِهِ والغايَةُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اِشْتَغَلُوا حَتّى جاءَ اَلْحَقُّ وهي غايَةٌ لَهُ في نَفْسِ اَلْأمْرِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ مِمّا يُنَبِّهُ عَنْ سُنَّةِ اَلْغَفْلَةِ ويَزْجُرُ عَنِ اَلِاشْتِغالِ بِالمَلاذِّ لَكِنَّهم عَكَسُوا فَجَعَلُوا ما هو سَبَبٌ لِلتَّنَصُّلِ سَبَبًا لِلتَّوَغُّلِ فَهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ ، و ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ بَلْ مَتَّعْتُ مُشْرِكِي مَكَّةَ وأشْغَلْتُهم بِالمَلاهِي والمَلاذِّ فاشْتَغَلُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا أوْ فَلَمْ يَحْصُلْ ما رَجاهُ مِن رُجُوعِهِمْ عَنِ اَلشِّرْكِ، وهو في اَلْحَقِيقَةِ إضْرابٌ عَنِ اَلتَّمْهِيدِ اَلَّذِي سَمِعْتَ وشُرُوعٌ في اَلْمَقْصُودِ لَكِنْ رُوعِيَ فِيهِ اَلْمُناسِبَةُ بِما قَرَّبَ مِن جُمْلَةِ اَلْإضْرابِ أعْنِي ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ وفي اَلْحَواشِي اَلشِّهابِيَّةِ أنَّهُ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلَها ﴾ إلَخْ أيْ لَمْ يَرْجِعُوا فَلَمْ أُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ بَلْ أعْطَيْتُهم نِعَمًا أُخَرَ غَيْرَ اَلْكَلِمَةِ اَلْباقِيَةِ لِأجْلِ أنْ يَشْكُرُوا مُنْعِمَها ويُوَحِّدُوهُ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَلْ زادَ طُغْيانُهم لِاغْتِرارِهِمْ أوِ اَلتَّقْدِيرُ ما اِكْتَفَيْتُ في هِدايَتِهِمْ بِجَعْلِ اَلْكَلِمَةِ باقِيَةً فِيهِمْ بَلْ مَتَّعْتُهم وأرْسَلْتُ رَسُولًا.

وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ (بَلْ مَتَّعْتَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ ورَواها يَعْقُوبُ عَنْ نافِعٍ وهو مِن كَلامِهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ اَلتَّجْرِيدِ لا اَلِالتِفاتُ وإنْ قِيلَ بِهِ في مِثْلِهِ أيْضًا كَأنَّهُ تَعالى اِعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلَها ﴾ إلَخْ لا لِتَقْبِيحِ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بَلْ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَوْبِيخِ اَلْمُشْرِكِينَ كَما إذا قالَ اَلْمُحْسِنُ عَلى مَن أساءَ مُخاطِبًا لِنَفْسِهِ: أنْتَ اَلدّاعِي لِإساءَتِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِ ورِعايَتِهِ فَيَبْرُزُ كَلامُهُ في صُورَةِ مَن يَعْتَرِضُ عَلى نَفْسِهِ ويُوَبِّخُها حَتّى كَأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وفي ذَلِكَ مِن تَوْبِيخِ اَلْمُسِيءِ ما فِيهِ، وقالَ صاحِبُ اَللَّوامِحِ: هو مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ومُناجاتِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ في اَلْبَحْرِ: اَلظّاهِرُ أنَّهُ مِن مُناجاةِ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَعْنى قُلْ يا رَبِّ مَتَّعْتُ، والأوَّلُ أوْلى وهو اَلْمُوافِقُ لِلْأصْلِ اَلْمَشْهُورِ، وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (مَتَّعْنا) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ يعني: آخر أمرهم.

قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: بريء من معبودكم.

ذكر عن الفراء أنه قال: براء مصدر صرف أسماء، وكل مصدر صرف إلى اسم، فالواحد، والجماعة، والذكر، والأنثى فيه سواء.

قوله عز وجل: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يعني: إلا الذي خلقني، فإني لا أتبرأ منه.

فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ويقال: إلا بمعنى لكن.

يعني: لكن الذي خلقني، فهو سيهدين، يعني: يثبتني على دين الإسلام وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ يعني: جعل تلك الكلمة ثابتة في نسله وَذُرِّيَّتَهُ وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم إلى الإيمان.

وقال قتادة: هو التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته.

من يوحدوا الله تعالى، ويعبدوه وقال مجاهد: يعني: كلمة لا إله إلا الله في عقبه وولده.

ويقال: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يعني: ذو البراءة كما يقال: رجل عدل ورجال عدل، أي: ذو عدل.

قوله تعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني: أجلت هؤلاء، وأمهلتهم.

يعني: قومك وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن.

ويقال: الدعوة إلى التوحيد وَرَسُولٌ مُبِينٌ يعني: بين أمره بالدلائل.

والحجج.

ويقال: مبين، يعني: بين لهم الحق من الباطل.

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١» : بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.

وقوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.

وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً.

قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢» ، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:

وَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣» : «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤» ، وقرأ أبو عمرو وغيره:

«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥» ، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦» : وروي أنّ الكافر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَراءُ بِمَعْنى البَرِيءِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ: أنا البَراءُ مِنكَ، وكَذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ، ولِلذِّكْرِ والأُنْثى، يَقُولُونَ: نَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، لا يَقُولُونَ: نَحْنُ البَرّاءانِ مِنكَ، ولا البَرّاءُونَ مِنكَ، وإنَّما المَعْنى: أنا ذُو البَراءُ مِنكَ، ونَحْنُ ذَوُو البَراءِ مِنكَ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، وامْرَأةٌ عَدْلٌ.

وقَدْ بَيَّنّا اسْتِثْناءَ إبْراهِيمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَعْبُدُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ إلا رَبَّ العالَمِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَها ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وهي "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" ﴿ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ أيْ: فِيمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِن ولَدِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مُوَحِّدٌ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ إلى التَّوْحِيدِ كُلُّهم إذا سَمِعُوا أنَّ أباهم تَبَرَّأ مِنَ الأصْنامِ ووَحَّدَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلى قُرَيْشٍ فَقالَ: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ ﴾ والمَعْنى: إنِّي أجْزَلَتْ لَهُمُ النِّعَمَ ولَمْ أُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ ﴿ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ وهو مُحَمَّدٌ  ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالطّاعَةِ لِلرَّسُولِ، فَخالَفُوا.

وَلِما جاءَهم يَعْنِي قُرَيْشًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

وقالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ.

والحُقّ القُرْآنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ولَمّا ضَرَبَ تَعالى المَثَلُ لِمُحَمَّدٍ  بِالنُذُرِ وجَعَلَهم أُسْوَةً لَهُ، خَصَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالذِكْرِ لِعَظْمِ مَنزِلَتِهِ، وذَكَّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِمُنابَذَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ، أيْ: فافْعَلْ أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدَ جَلَدَهُ، و"بَراءٌ": صِفَةٌ تَجْرِي عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بَراءٌ" ﴾ بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بُراءٌ" بِضَمِّ الباءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ: "إنِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ "بَرِيءٌ"، قالَ الفَرّاءُ: "وَمِنَ الناسِ مَن يَكْتُبْ شَكْلَ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ ألْفًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، ولا يُراعِي حَرَكَةَ ما قَبْلَها"، قالَ: "فَرُبَّما كانَ خَطُّ مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بِألْفٍ كَما في مُصْحَفِ الجَماعَةِ، لَكِنْ كانَ يَلْفِظُ بِها بِكَسْرِ الراءِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وكانُوا يَعْرِفُونَ اللهَ ويُعَظِّمُونَهُ، إلّا أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ مَعَهُ أصْنامَهُمْ، فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: أنا لا أُوافِقَكم إلّا عَلى عِبادَةِ اللهِ الفاطِرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي مَعْبُودِي، وعَلى هَذا فَلِمَ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ اللهَ تَعالى لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وعَلَّلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِقَوْمِهِ عِبادَتَهُ لِلَّهِ تَعالى، بِأنَّهُ الهادِي المُنَجِّي مِنَ العَذابِ، وفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم وتَرْغِيبٌ لَهم في اللهِ تَعالى وتَطْمِيعٌ بِرَحْمَتِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلَها" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّنِي بَراءٌ"، ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وعادَ الضَمِيرُ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِأنَّ اللَفْظَ يَتَضَمَّنُها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِذَلِكَ: الإسْلامُ ولَفْظَتُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، والعَقِبُ: الذَرِّيَّةُ ووَلَدُ الوَلَدِ ما امْتَدَّ فَرْعُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ فِي عَقِبِهِ ﴾ وكانَتْ قُرَيْشٌ مِن عَقِبِهِ اقْتَضى الكَلامُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا مِمَّنْ بَقِيَتِ الكَلِمَةُ فِيهِمْ بَلْ مَتَّعَتْهُمْ، والمَعْنى في الآيَةِ: بَلْ أمْهَلَتْ هَؤُلاءِ ومَتَّعَتْهم بِالنِعْمَةِ مَعَ كَفْرِهِمْ حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ، وذَلِكَ هو شَرْعُ الإسْلامِ، والرَسُولُ مُحَمَّدٌ  ، و ﴿ "مَتَّعْتُ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَتَّعَتَ" بِفَتْحِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا رَبِّ بَلْ مَتَّعْتَ، ورَواها يَعْقُوبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بَلْ مَتَّعْنا"، وهي تُعَضِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، و"مُبِينٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ التَعَدِّي وتَرْكَ التَعَدِّي.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ بِأنَّهم قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وإنَّما جَعَلُوهُ بِزَعْمِهِمْ سِحْرًا مِن حَيْثُ كانَ عِنْدَهم يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ ووَلَدِهِ وزَوْجِهِ، فَجَعَلُوهُ لِذَلِكَ كالسِحْرِ، ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الفَرْقِ في أنَّ المُفارِقَ بِالقُرْآنِ يُفارِقُ عن بَصِيرَةٍ في الدِينِ، والمَفارِقُ بِالسِحْرِ يُفارِقُ عن خَلَلٍ في دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إضراب عن قوله: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 28]، وهو إضراب إبطال، أي لم يحصل ما رجاه إبراهيم من رجوع بعض عقبه إلى الكلمة التي أوصاهم برعيها.

فإن أقدم أمة من عقبه لم يرجعوا إلى كلمته، وهؤلاء هم العرب الذين أشركوا وعبدوا الأصنام.

وبعدَ ﴿ بل ﴾ كلام محذوف دلّ عليه الإبطال وما بعد الإبطاللِ، وتقديرُ المحذوف: بل لم يرجع هؤلاء وآباؤهم الأولون إلى التوحيد ولم يتبرأوا من عبَادة الأصنام ولا أخذوا بوصاية إبراهيم.

وجملة ﴿ مَتَّعتُ هؤلاء وآباءهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لسائل يسأل عما عاملهم الله به جزاء على تفريطهم في وصاية إبراهيم وهلا استأصلهم.

كما قال: ﴿ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ﴾ إلى قوله: ﴿ فانتقمنا منهم ﴾ [الزخرف: 23 25]، فأجيب بأن الله متعهم بالبقاء إلى أن يجيئهم رسول بالحق وذلك لحكمة علمها الله يرتبط بها وجود العرب زمناً طويلاً بدون رسول، وتأخُّرُ مجيء الرّسول إلى الإبان الذي ظهر فيه.

وبهذا الاستئناف حصل التخلص إلى ما بدا من المشركين بعد مجيء الرّسول صلى الله عليه وسلم من فظيع توغلهم في الإعراض عن التوحيد الذي كان عليه أبوهم فكان موقع ﴿ بل ﴾ في هذه الآية أبلغ من موقعها في قول لبيد: بل ما تذكر من نوارَ وقد نأت *** وتَقَطعت أسبابُها ورمَامها إذ كان انتقاله اقتضاباً وكان هنا تخلصاً حَسناً.

و ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى غير مذكور في الكلام، وقد استقريْتُ أن مصطلح القرآن أن يريد بمثله مشركي العرب، ولم أر من اهتدى للتنبيه عليه، وقد قدّمتهُ عند قوله تعالى: ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة النساء (41) وفي مواضع أخرى.

والمراد بآبائهم آباؤهم الذين سنّوا عبادة الأصنام مثل عَمْرو بن لُحَيِّ والذين عبدوها من بعده.

وتمتيع آبائهم تمهيد لتمتِيع هؤلاء، ولذلك كانت غاية التمتيع مجيءَ الرّسول فإن مجيئه لهؤلاء.

والتمتيع هنا التمتيع بالإمهال وعدم الاستئصال كما تدلّ عليه الغاية في قوله: ﴿ حتى جاءهم الحق ورسول مبين ﴾ .

والمراد ب ﴿ الحق ﴾ القرآن كما يدل عليه قوله: ﴿ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر ﴾ [الزخرف: 30] وقوله: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجللٍ من القريتين عظيمٍ ﴾ [الزخرف: 31] وهذه الآية ثناء راجع على القرآن متصل بالثناء عليه الذي افتتحت به السورة.

فإنه لما جاء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم انتهى التمتيع وأُخذوا بالعذاب تدريجاً إلى أن كان عذاب يوم بدر ويوم حنين، وهدى الله للإسلام من بقي يومَ فتح مكة وأيامَ الوفود.

وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ وأممٌ سنمتعهم ثم يمسهم منا عذابٌ أليمٌ ﴾ في سورة هود (48).

والحق الذي جاءهم هو: القرآن، والرّسول المبين: محمد ووصفه ب مبين} لأنه أوضَحَ الهُدى ونصبَ الأدلةَ وجاء بأفصح كلام.

فالإبانة راجعة إلى معاني دينه وألفاظ كتابه.

والحكمة في ذلك أن الله أراد أن يشرف هذا الفريق من عقب إبراهيم بالانتشال من أوحال الشرك والضلال إلى مناهج الإيمان والإسلام واتباع أفضل الرّسل وأفضل الشرائع، فيجبرَ لأمَّة من عَقِب إبراهيم ما فرطوا فيه من الاقتداء بأبيهم حتى يكمل لدعوته شرف الاستجابة.

والمقصود من هذا زيادة الإمهال لهم لعلهم يتذكرون كما قال تعالى: ﴿ وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنّا أهدى منهم فقد جاءكم بيّنةٌ من ربّكم وهدىً ورحمةٌ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ﴾ [الأنعام: 155 157].

ويستروح من قوله تعالى: ﴿ وجعلها كلمة باقية في عقبه ﴾ إلى قوله: ﴿ وآباءهم ﴾ [الزخرف: 28، 29] أنّ آباء النبي صلى الله عليه وسلم في عمود نسبه لم يكونوا مضمرين الشركَ وأنهم بعضُ من عقب إبراهيم الذين بقيت كلمته فيهم ولم يجهروا بمخالفة قومهم اتقاءَ الفتنة.

ولا عجب في ذلك فإن تغيير المنكر إنّما وجب بالشرع ولم يكن لديهم شرع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ مَوْضِعَ الوَصْفِ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّنِي بَرِيءٌ.

﴿ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وتَقْدِيرُهُ، لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي أيْ خَلَقَنِي: ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ وقِيلَ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي لا أبْرَأُ مِنهُ ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ قالَ ذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وتَنْبِيهًا لِقَوْمِهِ أنَّ الهِدايَةَ مِن رَبِّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَقُولُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي ﴿ عَقِبِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَدُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: في آلِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَن خَلْفَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: يَتُوبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يَذْكُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ فَإحْداهُما مَكَّةَ والأُخْرى الطّائِفُ.

وَأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأمّا عَظِيمُ الطّائِفِ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: [عُمَيْرُ] بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، [الثَّقَفِيُّ] قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كِنانَةُ [عَبْدُ] بْنُ عَمْرٍو، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ فَيَضَعُوها حَيْثُ شاءُوا.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي أرْزاقَهم، قالَ قَتادَةُ: فَتَلَقّاهُ ضَعِيفُ القُوَّةِ قَلِيلُ الحِيلَةِ عَيِيُّ اللِّسانِ وهو مَبْسُوطٌ لَهُ، وتَلَقّاهُ شَدِيدُ الحِيلَةِ بَسِيطُ اللِّسانِ وهو مُقْتِرٌ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالفَضائِلِ، فَمِنهم فاضِلٌ ومِنهم مَفْضُولٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَبَعْضُهم مالِكٌ وبَعْضُهم مَمْلُوكٌ.

الثّالِثُ: بِالغِنى والفَقْرِ، فَبَعْضُهم غَنِيٌّ، وبَعْضُهم فَقِيرٌ.

الرّابِعُ: بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

الخامِسُ: قالَهُ السُّدِّيُّ، التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ رَحْمَتَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَما قَسَّمَ الرِّزْقَ بِالمَعِيشَةِ.

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِلْكًا، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى.

الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.

الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ الفَرائِضَ خَيْرٌ مِن كَثْرَةِ النَّوافِلِ.

الرّابِعُ: أنَّ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِمّا يُجازِيهم عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى دِينٍ واحِدٍ كُفّارًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَلى اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أعالِي البُيُوتِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: الأبْوابُ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعارِجُ الدَّرَجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ واحِدُها مِعْراجٌ.

﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ أيْ دَرَجٌ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَصْعَدُونَ، والظُّهُورُ الصُّعُودُ.

«وَأنْشَدَ: نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ رَسُولَ اللَّهِ  قَوْلَهُ عَلَوْنا السَّماءَ عِفَّةً وتَكَرُّمًا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  وقالَ: (إلى أيْنَ قالَ: إلى الجَنَّةِ.

قالَ: (أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ)» قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَقَدْ مالَتِ الدُّنْيا بِأكْثَرِ أهْلِها وما فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَوْ فَعَلَ؟

﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ ذِي الأُصْبُعِ زَخارِفُ أشْباهًا تَخالُ بُلُوغَها ∗∗∗ سَواطِعَ جَمْرٌ مِن لَظًى يَتَلَهَّبُ الثّانِي: الفُرُشُ ومَتاعُ البَيْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النُّقُوشُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ بل متعت هؤلاء ﴾ برفع التاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ﴾ قال: هذا قول أهل الكتاب لهذه الأمة، وكان قتادة رضي الله عنه يقرؤها ﴿ بل متعت هؤلاء ﴾ بنصب التاء.

وأخرج ابن جرير عن السدي: ﴿ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر ﴾ قال: هؤلاء قريش قالوا: للقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم: هذا سحر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر نعمته على قريش فقال: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (١) ﴿ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ ﴾ ، وقال مقاتل: يعني القرآن.

وقال الضحاك: الإسلام (٢) ﴿ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ مبين لهم الإعلام والأحكام، وقال مقاتل: بين أمره (٣) وقال أهل المعاني: كان من حق ما أنعم الله عليه من الانتفاع ونعته الرسول أن يطيعوه بإجابة رسوله، فلم يجيبوه وعصوا رسوله فلم يقضوا حق إنعامه وهو قوله تعالى: (١) ذكر ذلك البغوي 7/ 211 ولم ينسبه، وذكره أبو الليث السمرقندي بلفظ: يعني قومك، ولم ينسبه.

انظر: "تفسيره" 3/ 206.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793، "تفسير البغوي" 7/ 211 عن الضحاك.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 793.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ ﴾ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك استوى فيها الواحد والجماعة كَعَدْل وشبهه ﴿ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي ﴾ يحتمل أن يكون استثناء منقطعاً، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلاً إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل ﴿ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في موضع نصب ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال من الله ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم عليه السلام، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ومعناه: التوحيد ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، وقيل: يعود على ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله ﴾ [الصافات: 35]، والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذريته؛ لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبداً ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ ﴾ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشاً من عقب إبراهيم عليه السلام، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله ﴿ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ في إم الكتاب ﴾ بكسر الهمزة: حمزة وعلي ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف.

الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم ﴿ مهداً ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح.

الباقون ﴿ مهاد ﴾ ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد.

﴿ يخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الآخرون: من الإخراج ﴿ ينشأ ﴾ من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة ﴿ عباد الرحمن ﴾ جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ﴿ عند الرحمن ﴾ بالنون كقوله ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ الآخرون: ﴿ عبيد الرحمن ﴾ ﴿ أو شهدوا ﴾ بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل.

وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد.

وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين.

الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة ﴿ قال أولو ﴾ بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل ﴿ جئناكم ﴾ يزيد.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه ﴿ حم ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ ه ج ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ مسرفين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف ﴿ تهتدون ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ج للالتفات مع الفاء ﴿ ميتاً ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تركبون ﴾ ه لا ﴿ مقرنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ لمنقلبون ﴾ ه ﴿ جزءاً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ بالبنين ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ ويسئلون ﴾ ه ﴿ ما عبدناهم ﴾ ط ﴿ يحرصون ﴾ ه ط ﴿ مستمسكون ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ مقتدون ﴾ ه ﴿ آباءكم ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه.

وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة.

وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ.

وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه.

وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا.

والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة.

ثم أنكر على مشركي قريش بقوله ﴿ أفنضرب ﴾ قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض.

إذا أبعد و ﴿ صفحاً ﴾ مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم.

وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به.

قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول.

وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله ﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إن كنتم ﴾ بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي.

يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ وكم أرسلنا ﴾ الآيتين.

قوله ﴿ أشد منهم ﴾ قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم ﴿ بطشاً ﴾ كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله  وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ قوله ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين  ﴾ ثم بين بقوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث.

وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله ﴿ لكم ﴾ ولم يقل " لنا " ولقوله ﴿ فأنشرنا ﴾ والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله.

وقوله ﴿ تهتدون ﴾ أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان.

وقوله ﴿ ميتاً ﴾ تذكيره بتأويل المكان.

والأزواج الأصناف وقد مر في قوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج  ﴾ والعائد إلى ما في قوله ﴿ ما تركبون ﴾ محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين.

قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة.

قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما.

والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله.

يروى أن النبي  كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله ﴿ لمنقلبون ﴾ وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً.

وإذا ركب في السفينة قال ﴿ بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم  ﴾ ومعنى ﴿ مقرنين ﴾ مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه.

وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد ﴿ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ﴾ أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد.

عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد.

وما في "الشعراء" خاص بالسحرة.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه.

قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" " وفي قوله ﴿ من عباده ﴾ إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات.

وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف.

والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه.

وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال ﴿ أم اتخذ مما يخلق ﴾ وفائدة تنكير ﴿ بنات ﴾ وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير ﴿ إناثاً ﴾ وتعريف ﴿ الذكور ﴾ } [الشورى: 49] وقوله ﴿ بما ضرب للرحمن مثلاً ﴾ أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً.

ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً ﴿ أو من ينشأ ﴾ والتقدير أهو كضده.

قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله.

قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها.

وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال.

وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى.

ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه  من أي جنس من بعدما عمم في قوله ﴿ مما يخلق ﴾ فقال ﴿ وجعلوا ﴾ أي سموا ﴿ الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً.

وقوله ﴿ أشهدوا خلقهم ﴾ كقوله ﴿ ما أشهدتم خلق السموات والأرض  ﴾ وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ ستكتب شهادتهم ﴾ على أنوثية الملائكة ﴿ ويسئلون ﴾ ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم ﴿ قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام { ﴿ سيقول الذين أشركوا  ﴾ واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ﴿ ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ﴾ أجاب الزجاج عنه بأن قوله ﴿ ما لهم بذلك من علم ﴾ عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم { ﴿ والله أمرنا بهم  ﴾ فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه.

وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين.

وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله.

وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية ﴿ إن هم إلا يظنون ﴾ لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ وكذبوا في قولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله ﴿ أم آتيناهم كتاباً من قبله ﴾ أي من قبل القرآن أو الرسول ﴿ فهم به مستمسكون ﴾ ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد.

والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد.

ثم سلى نبيه  بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم.

وإنما قال أولاً ﴿ مهتدون ﴾ وبعده ﴿ مقتدون ﴾ لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله  ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء.

ثم أخبر أن النذير ﴿ قال ﴾ أو أمر النذير أو محمداً أن يقول ﴿ أو لو جئتكم ﴾ أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم.

ثم بين بقصة إبراهيم  أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم  كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد.

والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء.

وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام.

وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني ﴿ فإنه سيهدين ﴾ أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون ﴾ بمنزلة لا إله وقوله ﴿ إلا الذي فطرني ﴾ بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله ﴿ وجعلها ﴾ أي وجعل إبراهيم أو الله ﴿ كلمة ﴾ التوحيد ﴿ باقية في عقبه ﴾ فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  ﴾ ﴿ لعلهم ﴾ أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم.

ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم.

قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ وهو القرآن ﴿ ورسول مبين ﴾ الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه.

ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً ﴿ ولما جاءهم الحق ﴾ جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ والإشكال: أنه -  - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله -  - وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء [إنما يكون] من جنس المستثنى منه.

فنقول: قال بعضهم: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره، [وهو] الله -  - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئاً عن عبادة الله -  - لذلك استثنى عبادة الله، والله أعلم.

لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله -  - وهو الذي فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد الله -  - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئاً من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعاً، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله -  - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعاً وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ  ﴾ أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ذكر أن هذا الحرف ﴿ بَرَآءٌ ﴾ على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى.

والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى.

فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر - أيضاً - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند الله -  - لطفاً، وهو ما ذكرنا: [أنه] من أعطى ذلك يصير مهتدياً، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير الله -  - وتحقيق عبادة الله -  - بقوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ كلمة باقية، وأنه كلمة التوحيد، فإن قوله: "لا إله"، نفي غير الله، وقوله: "إلا الله"، إثبات ألوهية الله -  - وذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهو كقوله -  -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 64]، وأجاب الله -  - سؤاله في دعائه، فم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها، وذلك قوله -  -: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ .

والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالماً فإنه ينال عهده، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة؛ قال الله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: محمد  بين أنه من عند الله -  - جاء، وأنه رسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول هؤلاء: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند الله -  - وفضل وقدر لديه، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا: [عند] ادعاء محمد  الرسالة ونزول القرآن عليه من الله -  -: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند الله كذلك، قالوا: لو كان ما يقول محمد حقّاً: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند الله، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟

فأخبر - عز وجل - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره وعنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند الله، ورب موسع عليه يكون مهاناً عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره، وهو النبوة والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد التأويلين.

ثم قوله -  -: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ﴾ دلالة في خلق أفعال الخلق؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيراً؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع؛ [دل] ذلك على أنه [لو كان] على تدبيرهم خاصة، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون [أضيق] على من ليست له تلك الأسباب.

ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في الدين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير، لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، لأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي كُلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل الله - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ذلك، وكان ذلك أصلح في الدين؛ فدل أن الله  قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.

وقوله - عز وجل ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ سُخْرِيّاً ﴾ - بكسر السين -: الاستهزاء، وتأويله: أنه علم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضاً، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ : النبوة؛ أي: ما اختار رسول الله  من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة.

ويحتمل: ما يدعوهم محمد  ويختار لهم من التوحيد والدين خير مما يجمعون هم من الأموال.

ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم - وهو الجنة - خير مما يجمعون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ...

﴾ الآية؛ أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا.

في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة [الإيمان] حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها.

وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال.

وفيها دلالة هوان الدنيا على الله -  - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على الله،  .

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على الله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر -  - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجباً في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعاً أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعاً أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على الله -  - حفظ الأصلح لهم في الدين، ولا حفظ الأخير، والله الموفق.

والأصل في قوله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة [الفانية]، ضيق عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار وآثر وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...

﴾ الآية [الإسراء: 18-19]، بين لكل ما اختار وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع وأعظم قدراً منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما قاله فرعون في حق موسى -  -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  ﴾ أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر مثل ما فعل حق فرعون وأمثاله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، والله المستعان.

قال القتبي: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب إلى السماء أو طرف، ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عوسجة: المعارج: المصاعد، والمعراج: الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين.

وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا  ﴾ أي: زينتها وحسنها والسُّقُفُ: جمع السَّفْفِ، وهو سمك البيت.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لم أعاجل بالهلاك هؤلاء المشركين المكذبين، بل متعتهم بالبقاء في الدنيا، ومتعت آباءهم من قبلهم حتى جاءهم القرآن، ورسول مبين هو محمد  .

<div class="verse-tafsir" id="91.W59oZ"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل