الآية ٥٧ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٥٧ من سورة الزخرف

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) قال غير واحد ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والسدي : يضحكون ، أي : أعجبوا بذلك .

وقال قتادة : يجزعون ويضحكون .

وقال إبراهيم النخعي : يعرضون .

وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال : وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فيما بلغني - يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم ، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أفحمه ، ثم تلا عليه وعليهم : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) الآيات [ الأنبياء : 98 ] .

ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل عبد الله بن الزبعرى التميمي حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة له : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ، فقال عبد الله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته لخصمته ، سلوا محمدا : أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ، فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد المسيح [ عيسى ] ابن مريم ؟

فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " كل من أحب أن يعبد من دون الله ، فهو مع من عبده ، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته " فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) [ الأنبياء : 101 ] أي : عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله ، عز وجل ، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله .

ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ) الآيات [ الأنبياء : 26 ] ، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله .

وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) أي : يصدون عن أمرك بذلك من قوله .

ثم ذكر عيسى فقال : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة ) أي : ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام ، فكفى به دليلا على علم الساعة ، يقول : ( فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ) .

وذكر ابن جرير من رواية العوفي ، عن ابن عباس قوله : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) قال : يعني قريشا ، لما قيل لهم : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) [ الأنبياء : 98 ] إلى آخر الآيات ، فقالت له قريش : فما ابن مريم ؟

قال : " ذاك عبد الله ورسوله " .

فقالوا : والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا ، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا ، فقال الله تعالى ( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا شيبان ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي رزين ، عن أبي يحيى - مولى ابن عقيل الأنصاري - قال : قال ابن عباس : لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط ، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها ، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها .

قال : ثم طفق يحدثنا ، فلما قام تلاومنا ألا نكون سألناه عنها .

فقلت : أنا لها إذا راح غدا .

فلما راح الغد قلت : يا ابن عباس ، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط ، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها ؟

فقلت : أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها .

قال : نعم ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لقريش : " يا معشر قريش ، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير " ، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم ، وما تقول في محمد ، فقالوا : يا محمد ، ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا ، فإن كنت صادقا ، كان آلهتهم كما تقولون ؟

!

قال : فأنزل الله : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) .

قلت : ما يصدون ؟

قال : يضحكون ، ( وإنه لعلم للساعة ) قال : هو خروج عيسى ابن مريم قبل القيامة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي ، حدثنا آدم ، حدثنا شيبان ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي أحمد مولى الأنصار ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا معشر قريش ، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير " .

فقالوا له : ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا ، فقد كان يعبد من دون الله ؟

فأنزل الله عز وجل : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) .

وقال مجاهد في قوله : ( ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ) : قالت قريش : إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى .

ونحو هذا قال قتادة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ) يقول تعالى ذكره: ولما شبه الله عيسى في إحداثه وإنشائه إياه من غير فحل بآدم, فمثله به بأنه خلقه من تراب من غير فحل, إذا قومك يا محمد من ذلك يضجون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلها نعبده, كما عبدت النصارى المسيح.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله عزّ وجلّ: ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون; قال: قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريش من ذلك, وقالوا: يا محمد ما ذكرت عيسى ابن مريم (1) وقالوا: ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم, فقال الله عزّ وجلّ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا .

حدثنا بشر, قال ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مشركو قريش: يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟

قال: وقالوا: إنما يريد أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى.

وقال آخرون: بل عنى بذلك قول الله عزّ وجلّ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ قيل المشركين عند نـزولها: قد رضينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزَير والملائكة, لأن كل هؤلاء مما يعبد من دون الله, قال الله عزّ وجلّ: ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) وقالوا: أآلهتنا خير أم هو؟.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, ثنا أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يعني قريشا لما قيل لهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ فقالت له قريش: فما ابن مريم؟

قال: ذاك عبد الله ورسوله, فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا, فقال الله عزّ وجلّ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يَصُدُّونَ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة, وجماعة من قرّاء الكوفة: " يصُدُّونَ" بضم الصاد.

وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة والبصرة ( يَصُدُّونَ ) بكسر الصاد.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين ذلك إذا قُرئ بضم الصاد, وإذا قُرئ بكسرها, فقال بعض نحوييّ البصرة, ووافقه عليه بعض الكوفيين: هما لغتان بمعنى واحد, مثل يشُدّ ويشِدّ, ويَنُمُّ ويَنِمّ من النميمة.

وقال آخر: منهم من كسر الصاد فمجازها يضجون, ومن ضمها فمجازها يعدلون.

وقال بعض من كسرها: فإنه أراد يضجون, ومن ضمها فإنه أراد الصدود عن الحقّ.

وحُدثت عن الفرّاء قال: ثني أبو بكر بن عياش, أن عاصما ترك يصدّون من قراءة أبي عبد الرحمن, وقرأ يصدّون, قال: قال أبو بكر.

حدثني عاصم, عن أبي رزين, عن أبي يحيى, أن ابن عباس لقي ابن أخي عبيد بن عمير, فقال: إن عمك لعربيّ, فما له يُلحن في قوله: " إذَا قُومُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ", وإنما هي ( يَصُدُّونَ ).

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان, ولغتان مشهورتان بمعنى واحد, ولم نجد أهل التأويل فرقوا بين معنى ذلك إذا قرئ بالضم والكسر, ولو كان مختلفا معناه, لقد كان الاختلاف في تأويله بين أهله موجودا وجود اختلاف القراءة فيه باختلاف اللغتين, ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يضجون ويجزعون, فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب.

* ذكر ما قلنا في تأويل ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) يقول: يضجون.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا أبو حمزة, عن المُغيرة الضبيّ, عن الصعب بن عثمان قال: كان ابن عباس يقرأ ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ), وكان يفسرها يقول: يضجون.

ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن ابن عباس ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عدي, عن شعبة عن عاصم عن أبي رزين, عن ابن عباس بمثله.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح عن مجاهد, في قول الله عزّ وجلّ: ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) : أي يجزعون ويضجون.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن عاصم بن أبي النجود, عن أبي صالح, عن ابن عباس أنه قرأها( يَصُدُّونَ ) : أي يضجون, وقرأ عليّ رضي الله عنه ( يَصُدُّونَ ).

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال: يضجون.

------------------------ الهوامش: (1) كذا في الأصل ، ولم يتم الكلام ؛ ولعله اكتفى بدلالة ما بعده عليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون .لما قال تعالى : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم إلها ، قال قتادة .

ونحوه عن مجاهد قال : إن قريشا قالت : إن محمدا يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ، فأنزل الله هذه الآية .

وقال ابن عباس : أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن عيسى ، وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدا يتلو : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم الآية ، فقال : لو حضرته لرددت عليه ، قالوا : وما كنت تقول له ؟

قال : كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى ، واليهود تعبد عزيرا ، أفهما من حصب جهنم ؟

فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم ، وذلك معنى قوله : يصدون فأنزل الله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون .

ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها ; لأنه قال : وما تعبدون ولم يقل ومن تعبدون وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل ، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإن كانوا معبودين .

وقد مضى هذا في آخر سورة ( الأنبياء ) وروى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لقريش : يا معشر قريش لا خير في أحد يعبد من دون الله .

قالوا : أليس تزعم أن عيسى كان عبدا نبيا وعبدا صالحا ، فإن كان كما تزعم فقد كان يعبد من [ ص: 95 ] دون الله!

.

فأنزل الله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون أي : يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال .

وقرأ نافع وابن عامر والكسائي ( يصدون ) ( بضم الصاد ) ومعناه يعرضون ، قاله النخعي ، وكسر الباقون .

قال الكسائي : هما لغتان ، مثل يعرشون ويعرشون وينمون وينمون ، ومعناه يضجون .

قال الجوهري : وصد يصد صديدا ، أي : ضج .

وقيل : إنه بالضم من الصدود وهو الإعراض ، وبالكسر من الضجيج ، قاله قطرب .

قال أبو عبيد : لو كانت من الصدود عن الحق لكانت : إذا قومك عنه يصدون .

الفراء : هما سواء ، منه وعنه .

ابن المسيب : يصدون يضجون .

الضحاك يعجون .

ابن عباس : يضحكون .

أبو عبيدة : من ضم فمعناه يعدلون ، فيكون المعنى : من أجل الميل يعدلون .

ولا يعدى ( يصدون ) بمن ، ومن كسر فمعناه يضجون ، ف ( من ) متصلة ب ( يصدون ) والمعنى يضجون منه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا} أي: نهي عن عبادته، وجعلت عبادته بمنزلة عبادة الأصنام والأنداد.

{إِذَا قَوْمُكَ} المكذبون لك {مِنْهُ} أي: من أجل هذا المثل المضروب، {يَصِدُّونَ} أي: يستلجون في خصومتهم لك، ويصيحون، ويزعمون أنهم قد غلبوا في حجتهم، وأفلجوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولما ضرب ابن مريم مثلا ) قال ابن عباس وأكثر المفسرين : إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن عيسى عليه السلام ، لما نزل قوله - عز وجل - : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ( الأنبياء - 98 ) ، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام .

( إذا قومك منه يصدون ) قرأ أهل المدينة والشام والكسائي : " يصدون " بضم الصاد ، أي يعرضون ، نظيره قوله تعالى : " يصدون عنك صدودا " ، ( النساء - 61 ) وقرأ الآخرون بكسر الصاد .

واختلفوا في معناه ، قال الكسائي : هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون ، وشد عليه يشد ويشد ، ونم بالحديث ينم وينم .

وقال ابن عباس : معناه يضجون .

وقال سعيد بن المسيب : يصيحون .

وقال الضحاك : يعجون .

وقال قتادة : يجزعون .

وقال القرظي : يضجرون .

ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(ولما ضرب) جعل (ابن مريم مثلا) حين نزل قوله تعالى "" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم "" فقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد من دون الله (إذا قومك) أي المشركون (منه) من المثل (يصدون) يضحكون فرحاً بما سمعوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما ضرب المشركون عيسى ابن مريم مثلا حين خاصموا محمدا صلى الله عليه وسلم، وحاجُّوه بعبادة النصارى إياه، إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جَلَبة وضجيج فرحًا وسرورًا، وذلك عندما نزل قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (21:98)}، وقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (21:101)}، فالذي يُلْقى في النار من آلهة المشركين من رضي بعبادتهم إياه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى ، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ .

.

.

وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً .

.

) روايات منها : أنه لما نزل قوله - تعالى - : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ .

.

.

) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أن نتخذه إلها ، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى - ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً .

.

) .وقال الواحدى : أكثر المفسرين على أن هذه الآية ، " نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل أن يسلم - مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه لما نزل قوله - تعالى - : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ) .

قال ابن الزبعرى خصمتك - يا محمد - ورب الكعبة .

أليست النصارى يعبدون المسيح ، واليهود يعبدون عزيرا ، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟

فإن كان هؤلاء من النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار؟فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : " ما أجهلك بلغة قومك؟

أما فهمت أن ( ما ) لما لا يعقل " ؟

.

وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إنهم يعبدون الشيطان " وأنزل الله - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) .وكلمة ( يَصِدُّونَ ) قرأها الجمهور بكسر الصاد .

وقرأها ابن عامر والكسائى بضم الصاد .

وهما بمعنى واحد .

ومعناهما : يضجون ويصيحون فرحا .

يقال : صد يصد - بكسر الصاد وضمها - بمعنى ضج - كعكف - بضم الكاف وكسرها .ويرى بعضهم أن ( يَصِدُّونَ ) - بكسر الصاد - بمعنى : يضجون ويصيحون ويضحكون .

.

وأن ( يَصِدُّونَ ) - بضم الصاد - بمعنى الصاد - بمعنى يعرضون .

من الصد بمعنى الإِعراض عن الحق .والمعنى : وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا ، وحاجك بعبادة النصارى له ، فاجأك قومك - كفار قريش - بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج والضحك ، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى ، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة .فمن فى قوله ( مِنْهُ ) الظاهر أنها للسببية ، كما فى قوله - تعالى - : ( مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً .

.

.

) والمراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان .قال الآلوسى : والحجة لما كانت تسير مصير الأمثال شهرة ، قيل لها مثل .

أو المثل بمعنى المثال .

أى : جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب : الحج عرفة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أنواعاً كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا  ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم  ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ .

وخامسها: هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلاً أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم، فأما أن ذلك المثل كيف كان، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً كلها محتملة فالأول: أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة الثاني: روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «بل لجميع الأمم» فقال خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيراً والملائكة يعبدون، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً والمعنى، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحاً وجدلاً وضحكاً بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون أن آلهتنا عندك ليس خيراً من عيسى فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون الوجه الثالث: في التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلهاً لأنفسهم، قال كفار مكة إن محمداً يريد أن يجعل لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إلهاً لأنفسهم، ثم عند هذا قالوا: ﴿ أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعني أآلهتنا خير أم محمد، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا: إن محمداً يدعونا إلى عبادة نفسه، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام، وإذا كان لابد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال بعبادة الأصنام أولى، ثم إنه تعالى بيّن أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل، فإن عيسى ليس إلا عبداً أنعمنا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم: إن محمداً يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون، ومنهم من فرق، أما القراءة بالضم فمن الصدود، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه، وأما بالكسر فمعناه يضجون.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاماً بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهاماً بهمزة ومدة.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ مبالغون في الخصومة، وذلك لأن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ لا يتناول الملائكة وعيسى، وبيانه من وجوه: الأول: أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني: أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث: أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع: أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه، والخاص مقدم على العام.

المسألة الرابعة: القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ﴾ لولدنا منك يا رجال ﴿ ملائكة فِي الأرض يخلفون ﴾ كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك ﴿ وإِنَّهُ ﴾ أي عيسى ﴿ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ ﴾ شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علماً لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: ﴿ لَعِلْمٌ ﴾ وهو العلامة وقرئ للعلم وقرأ أبي: لذكر، وفي الحديث: أن عيسى ينزل على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ من المرية وهو الشك ﴿ واتبعون ﴾ واتبعوا هداي وشرعي ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنّة ونزع عنه لباس النور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] امتعضوا من ذلك امتعاضاً شديداً، فقال عبد الله بن الزبعرىُ: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟

فقال عليه السلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» ، فقال: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبيّ وتثنى عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما.

وعزير يعبد.

والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: (إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى) ونزلت هذه الآية.

والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه ﴿ إِذَا قَوْمُكَ ﴾ قريش من هذا المثل ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وجزلاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيّوا بحجة ثم فتحت عليهم.

وأمّا من قرأ ﴿ يصدّون ﴾ بالضم فمن الصدود، أي: من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه.

وقيل: من الصديد وهو الجلبة، وأنهما لغتان نحو: يعكف ويعكف ونظائر لهما ﴿ وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، إذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هيناً ﴿ مَا ضَرَبُوهُ ﴾ أي ما ضربوا هذا المثل ﴿ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى: ﴿ قَوْماً لُّدّاً ﴾ [مريم: 97] وذلك أنّ قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ [الأنبياء: 98] ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله عليه السلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن الزبعري بخبه وخداعه وخُبْثِ دُخْلَتِه لما رأى كلام الله ورسوله محتملاً لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغاً، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام، على أنّ ظاهر قوله: (وما تعبدون) لغير العقلاء.

وقيل: لما سمعوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ [آل عمران: 59] قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدامياً ونحن نعبد الملائكة، فنزلت.

وقوله: ﴿ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ على هذا القول: تفضيل لآلهتهم على عيسى؛ لأنّ المراد بهم الملائكة وما ضربوه لك إلا جدلاً.

معناه: وما قالوا هذا القول، يعني: ءآلهتنا خير أم هو.

إلا للجدال، وقرئ: ﴿ أآلهتنا خير ﴾ بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها، لدلالة أم العديلة عليها.

وفي حرف ابن مسعود: خير أم هذا.

ويجوز أن يكون جدلاً حالاً، أي: جدلين.

وقيل: لما نزلت ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله ﴾ [آل عمران: 59] قالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده وأنه يستأهل أن يعبد وإن كان بشراً، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر.

ومعنى ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ يضجون ويضجرون.

والضمير في ﴿ أَمْ هُوَ ﴾ لمحمد صلى الله عليه وسلم، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم: السخرية به والاستهزاء.

ويجوز أن يقولوا لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله وعبدوهم ما قلنا بدعا من القول، ولما فعلنا نكراً من الفعل؛ فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله وعبدوه، ونحن أشف منهم قولاً وفعلاً، فإنا نسبنا إليه الملائكة وهم نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم: مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى ﴿ إِلاَّ عَبْدٌ ﴾ كسائر العبيد ﴿ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ حيث جعلناه آية: بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوّة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبنيَ إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ أيْ ضَرَبَهُ ابْنُ الزِّبَعْرِيِّ لَمّا جادَلَ رَسُولَ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ أوْ غَيْرُهُ بِأنْ قالَ النَّصارى أهْلُ كِتابٍ وهم يَعْبُدُونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ والمَلائِكَةُ أوْلى بِذَلِكَ، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ أوَ أنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ نَعْبُدَهُ كَما عُبِدَ المَسِيحُ.

﴿ إذا قَوْمُكَ ﴾ قُرَيْشٌ ﴿ مِنهُ ﴾ مِن هَذا المَثَلِ.

﴿ يَصِدُّونَ ﴾ يَضِجُّونَ فَرَحًا لِظَنِّهِمْ أنَّ الرَّسُولَ  صارَ مُلْزَمًا بِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ مِنَ الصُّدُودِ أيْ يَصُدُّونَ عَنِ الحَقِّ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ.

وقِيلَ: هُما لُغَتانِ نَحْوَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ.

﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ أيْ آلِهَتُنا خَيْرٌ عِنْدَكَ أمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ يَكُنْ في النّارِ فَلْتَكُنْ آلِهَتُنا مَعَهُ، أوْ آلِهَتُنا المَلائِكَةُ خَيْرٌ أمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإذا جازَ أنْ يُعْبَدَ ويَكُونَ ابْنَ اللَّهِ كانَتْ آلِهَتُنا أوْلى بِذَلِكَ، أوْ آلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ  فَنَعْبُدَهُ ونَدَعَ آلِهَتَنا.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ «أآلِهَتُنا» بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وألِفٍ بَعْدَهُما.

﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ ما ضَرَبُوا هَذا المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجَدَلِ والخُصُومَةِ لا لِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ شِدادُ الخُصُومَةِ حُرّاصٌ عَلى اللَّجاجِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً} لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حصب جهنم غضبوا فقال ابن الزبعري يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم فقال عليه السلام هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيراً وقد علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد والملائكة يعبدون فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا ان نكون نحن وآلهتنا معهم فرحوا وضحكوا وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منا الحسنى اولئك عنها مبعدون ونزلت هذه الآية والمعنى ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا لآلهتهم وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إِذَا قَوْمُكَ} قريش {مِنْهُ} من هذا المثل {يَصِدُّونَ} يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وضحكا بما سمعوا منه اسكات النبى صلى الله عليه وسلم بجدله يَصدُونَ مدني وشامي والأعشى وعلي من الصدود أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه وقيل من الصديد وهو الحلية وانهما لغتان نحو يعكف ويعكف

الزخرف (٦٣ - ٥٨)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِعِنادِ قُرَيْشٍ بِالباطِلِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ، قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ألَيْسَتِ اَلنَّصارى يَعْبُدُونَ اَلْمَسِيحَ وأنْتَ تَقُولُ كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا مِن عِبادِ اَللَّهِ تَعالى صالِحًا فَإنْ كانَ في اَلنّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتَنا مَعَهُ فَفَرِحَ قُرَيْشٌ وضَحِكُوا وارْتَفَعَتْ أصْواتُهم» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ فالمَعْنى ولَمّا ضَرَبَ اِبْنُ اَلزِّبَعْرى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ مَثَلًا وحاجَّكَ بِعِبادَةِ اَلنَّصارى إيّاهُ إذا قَوْمُكَ مِن ذَلِكَ ولِأجْلِهِ يَرْتَفِعُ لَهم جَلَبَةٌ وضَجِيجٌ فَرَحًا وجَدَلًا، والحَجَّةُ لَمّا كانَتْ تَسِيرُ مَسِيرَ اَلْأمْثالِ شُهْرَةً قِيلَ لَها مَثَلٌ أوِ اَلْمَثَلُ بِمَعْنى اَلْمِثالِ أيْ جَعَلَهُ مِقْياسًا وشاهِدًا عَلى إبْطالِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ آلِهَتَهم مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ،» وجَعَلَ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ نَفْسَهُ مَثَلًا مِن بابِ (اَلْحَجُّ عَرَفَةُ) .

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ.

والأعْرَجُ.

والنَّخَعِيُّ.

وأبُو رَجاءٍ.

وابْنُ وثّابٍ.

وابْنُ عامِرٍ.

ونافِعٌ.

والكِسائِيُّ (يَصُدُّونَ) بِضَمِّ اَلصّادِ مِنَ اَلصُّدُودِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأنْكَرَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما هَذِهِ اَلْقِراءَةَ وهو قَبْلَ بُلُوغِهِ تَواتُرُها، والمَعْنى عَلَيْها إذا قَوْمُكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ يُعْرِضُونَ عَنِ اَلْحَقِّ بِالجَدَلِ بِحُجَّةٍ داحِضَةٍ واهِيَةٍ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ يَثْبُتُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلْإعْراضِ.

وقالَ اَلْكِسائِيُّ.

والفَرّاءُ: يَصِدُّونَ بِالكَسْرِ ويَصُدُّونَ بِالضَّمِّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ يَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ ومَعْناهُما يَضِجُّونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يُعْرِضُونَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعني: وصف ابن مريم شبهاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يعني: يعرضون عن ذكره.

ويقال: لما قالت النصارى إن عيسى ابن الله إذا قومك منه يصدون.

قرأ ابن عامر، والكسائي ونافع (يَصُدُّونَ) بضم الصاد.

وقرأ الباقون (يَصِدُّونَ) بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه يعرضون، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون، ويرفعون أصواتهم تعجباً، وذلك أنهم قالوا: لما جاز أن يكون عيسى ابن الله، جاز أن تكون الملائكة بناته، فعارضوه بذلك، يعني: أهل مكة، ورفعوا أصواتهم بذلك.

ويقال: إن عبد الله بن الزبعرى قال للنبي  : ما ذكرنا في سورة الأنبياء، ففرح المشركون بذلك، ورفعوا أصواتهم تعجباً من قوله آلهتنا خَيْرٌ.

ثم قال تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعني: أم عيسى فإذا جاز أن يكون هو ولداً، جاز أن تكون الأصنام والملائكة كذلك.

ويقال: فإذا جاز أن يكون هو في النار، جاز أن تكون معه الأصنام في النار.

قوله: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا يعني: ما عارضوك بهذه المعارضة، إلا جدلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ يعني: يجادلونك شديد المجادلة بالباطل.

قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: ما كان عيسى إلاَّ عبداً لله، أنعم الله تعالى عليه بالنبوة، وأكرمه بها وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يعني: عبرة لبني إسرائيل، ليعتبروا به، حين ولد ابن من غير أب.

ثم قال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ يعني: لو شاء الله، لجعل مكانكم في الأرض ملائكة يخلفون، فكانوا خلفاً منكم.

ثم رجع إلى صفة عيسى-  - فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعني: نزول عيسى، علامة لقيام الساعة.

ويقال: نزول عيسى آية للناس.

وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قال: خروج عيسى ابن مريم.

وروى معمر، عن قتادة قال: نزول عيسى وروى عبادة، عن حميد، عن أبي هريرة قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُرى عيسى-  - في الأرْض إمَاماً مُقْسِطاً، وَكُنْتُ أرْجُو ألاَّ أمُوتَ حَتَّى آكُل مع عيسى-  -، عَلَى مَائِدَةٍ، فَمَنْ لَقِيهُ مِنْكُمْ، فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَم» قرأ بعضهم وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بكسر العين أي: بنزول المسيح يعلم أنه قد قربت الساعة.

ومن قرأ: (وَإنَّهُ لَعَلَمٌ) بالنصب، فإنه بمعنى الدليل، والعلامة.

قوله تعالى: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها يعني: لا تشكن في القيامة والبعث وَاتَّبِعُونِ يعني: أطيعونني هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عني هذا التوحيد صراط مُّسْتَقِيمٍ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ يعني: لا يصرفنكم الشيطان عن طريق الهدى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أموراً لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ الله قد منعه منه.

وقوله سبحانه: آسَفُونا معناه: أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ.

وقوله: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً «السلف» : الفارط المُتَقَدِّمُ، أي: جعلناهم متقدِّمين في الهلاك لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريّ: قال قتادة: مَثَلًا لِلْآخِرِينَ عظة «١» ، انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...

الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها أَنَّهُ لما نَزَلَتْ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] الآية، وكَوْنُ عيسى من غير فَحْلٍ- قالت قريشٌ: ما يريد محمدٌ من ذكر عيسى إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارى عيسى، فهذا كان صدودُهُمْ «٢» .

وقوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ ...

هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل:

إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] الآية، قال [ابن] الزِّبَعْرَى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسى؟

فنحن نرضى أنْ تكُونَ آلهتنا مع عيسى إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسى لم يُعْبَدْ برضاً منه، وقالتْ فرقةٌ: المراد ب هُوَ محمَّد صلّى الله عليه وسلّم وهو قولُ قتادة «٣» ، وفي مصحف [أُبَيٍّ] : «خَيْرٌ أم هذا» «٤» فالإشارة إلى/ نبيّنا محمّد ع، وقال ابن زيد وغيره: المراد ب هُوَ عيسى «٥» ، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: بالنبوّة والمنزلة العالية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ ابْنِ الزِّبَعْرى رَسُولَ اللَّهِ  حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] [الأنْبِياءِ: ٩٨] .

وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ١٠١] .

والمُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ ضَرَبُوا عِيسى مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ وَشَبَّهُوهُ بِها، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الأصْنامِ، لِأنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَألْزَمُوهُ عِيسى، وضَرَبُوهُ مَثَلًا لِأصْنامِهِمْ، لِأنَّهُ مَعْبُودُ النَّصارى.

والمُرادُ بِقَوْمِهِ: المُشْرِكُونَ.

فَأمّا ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الصّادِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُما جَمِيعًا: يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن كَسَرَ الصّادَ، فَمَجازُها: يَضِجُّونَ، ومِن ضَمَّها، فَمَجازُها: يَعْدِلُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَتْ خَيْرًا مِنهُ، فَإنْ كانَ في النّارِ لِأنَّهُ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَدْ رَضِينا أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا بِمَنزِلَتِهِ.

﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ أيْ: ما ذَكَرُوا عِيسى إلّا لِيُجادِلُوكَ بِهِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ بِـ "حَصَبُ جَهَنَّمَ" ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَواتِ ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ أيْ: أصْحابُ خُصُوماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا ﴾ أيْ: آيَةً وعِبْرَةً ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ما يُرِيدُ، إذْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

ثُمَّ خاطَبَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكم ﴿ مَلائِكَةً ﴾ ؛ ثُمَّ في مَعْنى "يَخْلُفُونَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَخْلُفُونَكم لِيَكُونُوا بَدَلًا مِنكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَخْلُفُونَ الرُّسُلَ فَيَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنهُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: "وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً" أيْ: قَلَبْنا الخِلْقَةَ فَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ مَن ذَهَبَ مِنكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] تَرْجِعُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نُزُولُ عِيسى مِن أشْراطِ السّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وتَسْكِينِ اللّامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُ السّاعَةِ، ومَن فَتَحَ العَيْنَ واللّامَ، فَإنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ والدَّلِيلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ أيْ: فَلا تَشُكُّنَّ فِيها ﴿ واتَّبِعُونِ ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ هَذا ﴾ الَّذِي أنا عَلَيْهِ ﴿ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .

﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [البَقَرَةِ: ٨٧] .

﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ \[أيْ\]: مِن أمْرِ دِينِكُمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" مِن تَبْدِيلِ التَّوْراةِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ البَعْضَ هاهُنا بِمَعْنى الكُلِّ.

وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في [حم المُؤْمِنِ: ٢٨]؛ قالَ الزَّجّاجُ: والصَّحِيحُ أنَّ البَعْضَ لا يَكُونُ في مَعْنى الكُلِّ، وإنَّما بَيَّنَ لَهم عِيسى بَعْضَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمّا احْتاجُوا إلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فَبَيَّنَ لَهم أمْرَ دِينِهِمْ فَقَطْ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ١٧٥، مَرْيَمَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وحالِهِ وكَيْفَ خُلِقَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- مِن ذِكْرِ عِيسى إلّا أنْ نَعْبُدَهُ نَحْنُ كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهَذا كانَ صُدُودَهم مَن ضَرَبَهُ مَثَلًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ: "يَصُدُّونَ" بِضَمِّ الصادِ، بِمَعْنى: يَعْرِضُونَ، وقَرَأ الباقُونَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: "يَصِدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى يَضْحَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهَ عنهُما ضَمَّ الصادِّ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ "يَعْرِشُونَ، و"يَعْرُشُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ ابْتِداءُ مَعْنًى ثانٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ جاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبْعَرِيِّ ونُظَراؤُهُ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْصِمُ مُحَمَّدًا، أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ عِيسى؟

وعَلِمُوا أنَّ الجَوابَ أنْ يُقالَ عِيسى، قالُوا: وهَذِهِ آيَةُ الحَصَبِ لَنا أو لِكُلِّ الأُمَمِ مِنَ الكُفّارِ؟

فَقالَ النَبِيُّ  : "بَلْ لِكُلٍّ مِن تَقَدُّمٍ أو تَأخُّرٍ مِنَ الكُفّارِ"، فَقالُوا: نَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى، إذْ هو خَيَّرَ مِنها، وإذْ قَدْ عَبَدَ فَهو مِنَ الحَصَبِ إذَنْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ » أيْ: ما مَثَّلُوا هَذا التَمْثِيلَ إلّا جَدَلًا مِنهم ومُغالَطَةً، ونَسُوا أنَّ عِيسى  لَمْ يَعْبُدْ بِرِضى مِنهُ ولا عن إرادَةٍ، ولا لَهُ في ذَلِكَ ذَنْبٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أآلِهَتُنا" بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها بَيْنَ بَيْنَ وألِفٍ بَعْدَها، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَعْدَ الثانِيَةِ ألْفٌ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ: "آلِهَتُنا" عَلى مِثالِ الخَبَرِ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "آلِهَتُنا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مُدَّةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "خَيْرٌ أمْ هَذا"، فالإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ  ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي فَسَّرْناهُ، وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "ألْهَتْنا خَيْرٌ أمْ هُوَ": إنَّ الإرادَةَ مُحَمَّدٌ  ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسَدِّيُّ: المُرادُ بِـ "هُوَ": عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا هو المُتَرَجِّحُ.

و"الجِدالُ" عِنْدَ العَرَبِ: المُحاوَرَةُ بِمُغالَطَةٍ أو تَحْقِيقٍ أو ما اتُّفِقَ مِنَ القَوْلِ، إنَّما المَقْصَدُ بِهِ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ في الظاهِرِ لا أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقُّ في نَفْسِهِ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ أبُو أُمامَةَ: «وَرَأى النَبِيُّ  قَوْمًا يَتَنازَعُونَ في القُرْآنِ فَغَضِبَ حَتّى كَأنَّما صُبَّ في وجْهِهِ الخَلُّ، وقالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"،» ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم أهَّلَ خِصامٍ ولَدَدٍ.

وأخْبَرَ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ عَبْدٌ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنُبُوَّةِ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، [وَقَوْلُهُ: "وَلَوْ نَشاءُ" الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَغْرِبُوا أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن غَيْرِ فَحْلٍ، فَإنَّ القُدْرَةَ تَقْضِي ذَلِكَ وأكْثَرُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكُمْ، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى لِجَعْلٍ بَدَلًا مِن بَنِي آدَمَ مَلائِكَةً يَسْكُنُونَ الأرْضَ ويَخْلُفُونَ بَنِي آدَمَ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يَخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى مُحَمَّدٍ  ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ: إلى القُرْآنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو نَضْرَةَ المُنْذِرِ بْنِ كَعْبٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَإنَّهُ العَلَمُ" بِفَتْحِ العَيْنِ واللامِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "وَإنَّهُ لَلْعِلْمُ" بِلامَيْنِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسّاعَةِ"، فَمَن قالَ إنَّ الإشارَةَ إلى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ مَعَ تَأْوِيلِهِ "عِلْمٌ" و"عَلَمٌ"، أيْ: هو إشْعارٌ بِالساعَةِ وشَرْطٌ مِن أشْراطِها، يَعْنِي خُرُوجَهُ في آخِرِ الزَمانِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ  إذْ هو آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، فَقَدْ تَمَيَّزَتِ الساعَةُ بِهِ نَوْعًا وقَدْرًا مِنَ التَمْيِيزِ، وبَقِيَ التَحْدِيدُ التامُّ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، ومَن قالَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، حَسُنَ قَوْلُهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، أيْ: يُعْلِمُكم بِها وبِأهْوالِها وصِفاتِها، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لَذِكْرٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ ﴾ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا تَشُكُّنَّ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرْعِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَحْذِيرِ العِبادِ مِنَ الشَيْطانِ وإغْوائِهِ، ونَبِّهْهم عَلى عَداوَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة من أقاصيص كفرهم وعنادهم على ما مضى من حكاية أقاويلهم، جرت في مجادلة منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا تصدير وتمهيد بين يدي قوله: ﴿ ولما جاء عيسى بالبينات ﴾ [الزخرف: 63] الآيات الذي هو المقصود من عطف هذا الكلام على ذكر رسالة موسى عليه السلام.

واقتران الكلام ب ﴿ لما ﴾ المفيدةِ وجودَ جوابها عند وجودِ شرطها، أو توقيتَه، يَقْتَضِي أن مضمون شرط ﴿ لمّا ﴾ معلوم الحصول ومعلوم الزمان فهو إشارة إلى حديث جرى بسبب مثَل ضربه ضارب لحال من أحوال عيسى، على أن قولهم ﴿ أألهتنا خير أم هو ﴾ يحتمل أن يكون جرى في أثناء المجادلة في شأن عيسى، ويحتمل أن يكون مجردَ حكاية شبهة أخرى من شُبه عقائدهم، ففي هذه الآية إجمال يبينه ما يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من جدَل جرى مع المشركين، ويزيده بياناً قوله: ﴿ إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ [الزخرف: 59] وهذه الآية من أخفى آي القرآن معنى مراداً.

وقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وما يبين إجمالها على ثلاثة أقوال ذكرها في «الكشاف» وزاد من عنده احتمالاً رابعاً.

وأظهر الأقوال ما ذكره ابن عطية عن ابن عباس وما ذكره في «الكشاف» وجهاً ثانياً ووجهاً ثالثاً أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيان ﴿ إنَّ مثل عيسى..

كمثلَ آدم ﴾ [آل عمران: 59] وليس خلقه من دون أب بأعجب من خلق آدم من دون أب ولا أم أو ذلك قبل أن تنزل سورة آل عمران لأن تلك السورة مدنية وسورة الزخرف مكية قالوا: نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدمياً ونحن عبدنا الملائكة أي يدفعون ما سفههم به النبي صلى الله عليه وسلم بأن حقه أن يسفه النصارى فنزل قوله تعالى: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً ﴾ الآية ولعلهم قالوا ذلك عَن تجاهل بما جاء في القرآن من ردّ على النصارى.

والذي جرى عليه أكثر المفسرين أن سبب نزولها الإشارة إلى ما تقدم في سورة الأنبياء (98) عند قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم ﴾ إذ قال عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه للنبيء صلى الله عليه وسلم أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم " قال: " خَصَمْتُك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابنَ مريم نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النّار فقد رَضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه " ففرح بكلامه من حَضر من المشركين وضجّ أهل مكة بذلك فأنزل الله تعالى: ﴿ إن الذين سبقت لهم مِنّا الحُسنى أولئك عنها مُبعَدون ﴾ في سورة الأنبياء (101) ونزلت هذه الآية تشير إلى لجاجهم.

وبعض المفسرين يزيد في رواية كلام ابن الزِبَعرى: وقد عَبَدَتْ بنو مُلَيح الملائكة فإن كان عيسى والملائكة في النّار فقد رضينا.

وهذا يتلاءم مع بناء فعل ﴿ ضرب ﴾ للمجهول لأن الذي جَعل عيسى مثلاً لمجادلته هو عبد الله بن الزِبعرَى، وليس من عادة القرآن تسمية أمثاله، ولو كان المثل مضروباً في القرآن لقال: ولما ضَرَبنا ابن مريم مثلاً، كما قال بعده ﴿ وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ [الزخرف: 59].

ويتلاءم مع تعدية فعل ﴿ يصدون ﴾ بحرف (مِن) الابتدائية دون حرف (عَن) ومع قوله: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ﴾ لأن الظاهر أن ضمير النصب في ﴿ ضربوه ﴾ عائد إلى ابن مريم.

والمراد بالمثَل على هذا الممثَّلُ به والمشبَّه به، لأن ابن الزِبعرى نظَّر آلهتهم بعيسى في أنها عُبدت من دون الله مثله فإذا كانوا في النار كان عيسى كذلك.

ولا يُنَاكِد هذا الوجهَ إلا ما جرى عليه عد السور في ترتيب النزول من عدّ سورة الأنبياء التي كانت آيتها سَببَ المجادلة متأخرةً في النزول عن سورة الزخرف ولعل تصحيح هذا الوجه عندهم بَكُر بالإبطال على من جعل سورة الأنبياء متأخرة في النزول عن سورة الزخرف بل يجب أن تكون سابقة حَتَى تكون هذه الآية مذكِّرة بالقصة التي كانت سبب نزول سورة الأنبياء، وليس ترتيب النزول بمتفق عليه ولا بمحقق السند فهو يُقبل منه ما لا معارض له.

على أنه قد تَنزِل الآية ثم تُلْحَق بسورة نزلت قبلها.

فإذا رجح أن تكون سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف كان الجواب القاطع لابن الزبعرَى في قوله تعالى فيها: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ [الأنبياء: 101] لأنه يعني أن عدم شمول قوله: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصَبُ جهنم ﴾ [الأنبياء: 98] لعيسى معلوم لكل من له نظر وإنصاف لأن الحكم فيها إنما أسند إلى معبودات المشركين لا إلى معبود النصارى وقليل من قبائل العرب التي لم تُقصد بالخطاب القرآني أيامئذٍ، ولما أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الآية لجميع الأمم إنما عنى المعبودات التي هي من جنس أصنامهم لا تفقه ولا تتصف بزكاء، بخلاف الصالحين الذين شهد لهم القرآن برفعة الدرجة قبل تلك الآية وبعدها، إذ لا لبس في ذلك، ويكون الجواب المذكور هنا في سورة الزخرف بقوله: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ جواباً إجمالياً، أي ما أرادوا به إلا التمويه لأنهم لا يخفى عليهم أن آية سورة الأنبياء تفيد أن عيسى ليس حصبَ جهنم، والمقام هنا مقام إجمال لأن هذه الآية إشارة وتذكير إلى ما سبق من الحادثة حين نزول آية سورة الأنبياء.

وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف ﴿ يصدون ﴾ بضم الصاد من الصدود إما بمعنى الإعراض والمُعرَض عنه محذوف لظهوره من المقام، أي يعرضون عن القرآن لأنهم أوهموا بجَدَلِهِمْ أن في القرآن تناقضاً، وإما على أن الضم لغة في مضارع صدَّ بمعنى ضجّ مثل لغة كسر الصاد وهو قول الفراء والكسائي.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بكسر الصاد وهو الصد بمعنى الضجيج والصخَب.

والمعنى: إذا قريش قومك يصخَبون ويضجّون من احتجاج ابن الزبعرَى بالمثَل بعيسى في قوله، معجَبين بفلجه وظهور حجته لضعف إدراكهم لمراتب الاحتجاج.

والتعبير عن قريش بعنوان ﴿ قومك ﴾ .

للتعجيب منهم كيف فرحوا من تغلب ابن الزبعرَى على النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم في أمر عيسى عليه السلام، أي مع أنهم قومك وليسوا قوم عيسى ولا أتباع دينه فكان فرحهم ظلماً من ذوي القربى، قال زهير: وظُلم ذوِي القربى أشدُّ مضاضةً *** على المرء من وَقْع الحُسام المهنّد و(مِن) في قوله ﴿ منه ﴾ على الاحتمالين ليست لتعدية ﴿ يصدون ﴾ إلى ما في معنى المفعول، لأن الفعل إنما يتعدّى إليه بحرف (عن)، ولا أن الضمير المجرور بها عائد إلى القرآن ولكنها متعلقة ب ﴿ يصدون ﴾ تعلقاً على معنى الابتداء، أي يصدون صدّاً ناشئاً منه، أي من المثل، أي ضُرب لهم مثل فجعلوا ذلك المثل سبباً للصدّ.

وقالوا جميعاً: آلهتنا خير أم هو، تلقفوها من فم ابن الزبعَرى حين قالها للنبيء صلى الله عليه وسلم فأعادوها.

فهذا حكاية لقول ابن الزبعرى: إنك تزعم أن عيسى نبيء وقد عبدَتْه النصارى فإن كان عيسى في النار قد رضينا أن نكون وآلهتُنا في النار.

والاستفهام في قوله: ﴿ آلهتنا خير أم هو ﴾ تقريري للعلم بأن النبي يفضل عيسى على آلهتهم، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلاً للنار مَن كنتَ تفضله فأمرُ آلهتنا هيّن.

وضمير الرفع في ﴿ ما ضربوه ﴾ عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا بكلامه وقالوا بموجبه.

وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائداً إلى المثَل في قوله: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً ﴾ ، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلاً منهم، أي محاجة وإفحاماً لك وليسوا بمعتقدين هَوْن أمر آلِهَتِهِمْ عندهم، ولا بِطالبين الميزَ بين الحق والباطل، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليُفْضوا إلى إلزامه بما أرادوه من المناقضة.

ويجوز أن يكون ضمير النصب في ﴿ ضربوه ﴾ عائداً إلى مصدر مأخوذ من فعل ﴿ وقالوا ﴾ ، أي ما ضربوا ذلك القول، أي ما قالوه إلا جَدلا.

فالضرب بمعنى الإيجاد كما يقال: ضرب بيتاً، وقول الفرزدق: ضَربتْ عليك العنكبوتُ بنسجها والاستثناء في ﴿ إلا جدلاً ﴾ مفرّغ للمفعول لأجله أو للحال، فيجوز أن ينتصب ﴿ جدلاً ﴾ على المفعول لأجله، أي ما ضربوه لشيء إلاّ للجدل، ويجوز أن يُنصب على الحال بتأويله بمجادلين أي ما ضربوه في حال من أحوالهم إلا في حال أنهم مجادلون لا مؤمنون بذلك.

وقوله: ﴿ بل هم قوم خصمون ﴾ إضراب انتقالي إلى وصفهم بحب الخصام وإظهارهم من الحجج ما لا يعتقدونه تمويهاً على عامتهم.

والخَصِم بكسر الصاد: شديد التمسك بالخصومة واللجاج مع ظهور الحق عنده، فهو يُظهر أن ذلك ليس بحق.

وقرأ الجمهور ﴿ آلهتنا ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي بتخفيفها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ فَقالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا صالِحًا؟

فَقَدْ كانَ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ.

» الثّانِي: ما حَكاهُ مُجاهِدٌ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ نَعْبُدَهُ كَما عَبَدَ قَوْمُ عِيسى عِيسى، فَنَزَلَتْ.

الثّالِثُ: ما حَكاهُ قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ نُزُولَ عِيسى في القُرْآنِ قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ ما أرَدْتَ إلى ذِكْرِ عِيسى؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَلْقَ عِيسى مِن غَيْرِ ذَكَرٍ كَآدَمَ أكَبْرَتْهُ قُرَيْشٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَضَرَبَهُ مَثَلًا أنَّ خَلْقَهُ مِن أُنْثى بِغَيْرِ ذَكَرٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ ولِذَلِكَ غَلَتْ فِيهِ النَّصارى حِينَ اتَّخَذَتْهُ إلَهًا.

﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ الصّادِ.

والثّانِيَةُ: بِضَمِّها فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في اخْتِلافِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما في الصِّيغَةِ مِثْلَ يَشُدُّ ويَشِّدُ ويَنُمُّ ويَنِمُّ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَضُجُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَضْحَكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: يَجْزَعُونَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.

الرّابِعُ: يُعْرِضُونَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها بِالضَّمِّ يَعْدِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَتَفَرَّقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالضَّمِّ يَعْتَزِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَضُجُّونَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بِالضَّمِّ مِنَ الصُّدُودِ، وبِالكَسْرِ مِنَ الضَّجِيجِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ وهَذا قَوْلُ قُرَيْشٍ، قالُوا: أألِهَتُنا وهي أصْنامُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها خَيْرٌ ﴿ أمْ هُوَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمْ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمْ عِيسى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هو قَوْلُ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ  تَزْعُمُ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ في النّارِ فَنَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ قَدْ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخَصِمَ الحاذِقُ بِالخُصُومَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ المُجادِلُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي عِيسى.

﴿ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍّ كَآدَمَ.

وَفِيهِ وجْهٌ.

الثّالِثُ: بِسِياسَةِ نَفْسِهِ وقَمْعِ شَهْوَتِهِ.

﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِتَمْثِيلِهِ بِآدَمَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَقَلَبْنا بَعْضُكم مَلائِكَةً مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ لِيَكُونُوا خُلَفاءَ مَن ذَهَبَ مِنكم.

الثّانِي: جَعَلْنا بَدَلًا مِنكم مَلائِكَةً.

﴿ فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَلائِكَةٌ يَخْلِفُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ خَلَفًا مِنكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَلائِكَةٌ يَعْمُرُونَ الأرْضَ بَدَلًا مِنكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنَ الرُّسُلِ مِنكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ عِلْمُ السّاعَةِ لِما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّالِثُ: أنَّ خُرُوجَ عِيسى عِلْمُ السّاعَةِ لِأنَّهُ مِن عَلامَةِ القِيامَةِ وشُرُوطِ السّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

وَرَوى خالِدٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (الأنْبِياءُ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ أُمَهّاتُهم شَتّى ودِينُهم واحِدٌ، أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، إنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ أوَّلُ نازِلٍ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويُقاتِلُ النّاسَ عَلى الإسْلامِ» .

وحَكى ابْنُ عِيسى عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إذا نَزَلَ عِيسى رُفِعَ التَّكْلِيفُ لِئَلّا يَكُونَ رَسُولًا إلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ يَأْمُرُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ويَنْهاهم، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ولِأنَّ بَقاءَ الدُّنْيا يَقْتَضِي بَقاءَ التَّكْلِيفِ فِيها، ولِأنَّهُ يَنْزِلُ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وناهِيًا عَنِ المُنْكَرِ ولَيْسَ يَسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مَقْصُورًا عَلى تَأْيِيدِ الإسْلامِ والأمْرِ بِهِ والدُّعاءِ إلَيْهِ.

وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ عِيسى يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِأرْضِ الشّامِ يُقالُ لَهُ أفِيفُ.

﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَشُكُّونَ فِيَها يَعْنِي السّاعَةَ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: فَلا تَكْذِبُونَ بِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ يَحْيى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْجِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأسْقامِ، والإخْبارِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِعِلْمِ ما يُؤَدِّي إلى الجَمِيلِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحِكْمَةَ الإنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَبْدِيلُ التَّوْراةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ دِينِكم لا مِن أمْرِ دُنْياكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أيْ كُلَّ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَكانَ البَعْضُ هُنا بِمَعْنى الكُلِّ ما اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ بَعْضٍ دُونَ الكُلِّ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ لَبِيدٌ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها والمَوْتُ لا يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ دُونَ بَعْضٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ لَهم بَعْضَهُ دُونَ جَمِيعِهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ أُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ ذَلِكَ أيْضًا وأكَلِكم في بَعْضِهِ إلى الِاجْتِهادِ، وأُضْمِرُ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ يَعْنِي ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: فِرَقُ النَّصارى مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ واليَعاقِبَةِ والمَلَكِيَّةِ اخْتَلَفُوا في عِيسى فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: هو ابْنُ اللَّهِ.

وَقالَتِ اليَعاقِبَةُ هو اللَّهُ.

وَقالَتِ المَلَكِيَّةُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أحَدُهُمُ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير فقالوا: ألست: تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً وقد عبدته النصارى؟!

فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم.

فأنزل الله: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم قبيل يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش وقالوا: ما ذكر محمد عيسى ابن مريم، ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم.

فقال الله: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرؤها ﴿ يصدون ﴾ يعني بكسر الصاد يقول: يضجون.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ يصدون ﴾ بضم الصاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن إبراهيم ﴿ يصدون ﴾ قال: يعرضون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن معبد بن أخي عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه قال: قال لي ابن عباس: ما لعمك يقرأ هذه الآية؟

﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ انها ليست كذا إنما هي ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ إذا هم يهجون إذا هم يضجون.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد والحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله.

وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يصدون ﴾ بالكسر.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل.

ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ثار قوم فتنة إلا أوتوا بها جدلاً، وما ثار قوم في فتنة إلا كانوا لها حرزاً» .

وأخرج ابن عدي والخرائطي في مساوي الأخلاق، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكذب باب من أبواب النفاق، وإن آية النفاق أن يكون الرجل جدلاً خصماً» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر الله عيسى عليه السلام في القرآن، قال مشركو مكة إنما أراد محمد أن نحبه كما أحب النصارى عيسى قال: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ قال: ما قالوا هذا القول إلا ليجادلوا ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ قال: ذلك نبي الله عيسى أن كان عبداً صالحاً أنعم الله عليه ﴿ وجعلناه مثلاً ﴾ قال: آية ﴿ لبني إسرائيل ﴾ ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يخلف بعضهم بعضاً مكان بني آدم.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أرأيت ما يعبد من دون الله أين هم؟

قال: في النار.

قالوا: والشمس والقمر؟

قال: والشمس والقمر، قالوا: فعيسى ابن مريم؟

فأنزل الله: ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يعمرون الأرض بدلاً منكم.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون أربع سنين يحج ويعتمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى علم للساعة، وناس يقولون: القرآن علم للساعة.

وأخرج عبد بن حميد، عن شيبان رضي الله عنه قال: كان الحسن يقول ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن بخفض العين.

وأخرج عبد بن حميد، عن حماد بن سلمة رضي الله عنه قال: قرأتها في مصحف أبيّ ﴿ وإنه لذكر للساعة ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولأبيِّن لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴾ قال: من تبديل التوراة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لما ذكر عيسى، وقدرة الله تعالى فيه وخلقه إياه من غير ذكر، وما كان يفعل من إحياء الموتى وغير ذلك إذا قومك منه يصدون يريد: يضجون كضجيج الإبل بالأثقال (١) وقال مجاهد في هذه الآية: قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى (٢) وقال قتادة: لما ذكر عيسى بن مريم جزعت قريش من ذلك وقالوا: ما يريد محمد إلا أن يصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم (٣) ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ ، وهي مذكورة في آل عمران بعد ما ذكرت أحوال عيسى، وما أظهر الله على يده من المعجزات ومعنى: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ﴾ لما شبه عيسى في إحداث الله إياه من غير فحل بآدم أو خلق من غير أب ولا [آدم] (٤) (٥) وفي: ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ قراءتان: ضم الصاد وكسرها.

قال الأخفش والكسائي: هما لغتان قريبتان لا تختلفان في المعنى، ونحو ذلك ذكر الفراء، قال الزجاج: ومعناهما جميعًا يضجون (٦) (٧) قال الأزهري: وإذا كان بمعنى يضجون (٨) (٩) واختاره أبو عبيدة قال: ونرى مَنْ ضمها أراد الصدود عن الحق ولو كان من هذا القبيل [..] (١٠) ﴿ عَنْهُ ﴾ يصدون ولم يكن ﴿ مِنْهُ ﴾ ولكنه عندنا على ما فسره ابن عباس يضجون.

وقال أبو عبيدة: يصدون يضجون، ومن ضمها أراد يعدلون (١١) (١٢) (١٣) وذكر أكثر المفسرين (١٤)  - لما نزل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ  ﴾ وقد ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل (١٥) ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلاً وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية.

(١) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 103.

(٢) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.

انظر: 13/ 85، ونسبه الماوردي لمجاهد 5/ 233، ونسبه القرطبي لمجاهد 16/ 102.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" فقد أخرجه عن قتادة 13/ 85، ونسبه الماوردي لقتادة 5/ 133، وكذلك نسبه القرطبي لقتادة 16/ 102.

(٤) كذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب (ولا أم).

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85 (٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 690، "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 376.

(٧) هذا تابع لقول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 416.

(٨) يقال: أضَجَّ القوم اضجاجًا إذا صاحو وجَلَّبُوا، فإذا جزعوا من شيء وغُلِبُوا قيل: ضجُّوا يَضِجُّون.

انظر: "تهذيب اللغة" (ضج) 10/ 447.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (صد) 12/ 104، "حجة القراءات" ص 652.

(١٠) كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (لكان).

(١١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 205.

(١٢) قال الليث: الرَّوّاغ: الثعلب، وهو أروَغُ من ثعلب، وطريق رائغ مائل، وراغَ فلانُ إلى فلانٍ إذا مال إليه سرًّا.

انظر: كتاب: العين (روغ) 4/ 445، "تهذيب اللغة" (راغ) 8/ 186.

(١٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 155.

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 86، "الثعلبي" 10/ 87 ب، "تفسير مقاتل" 3/ 799.

(١٥) أخرج ذلك الواحدي في "أسباب النزول" عن ابن عباس، انظر: "أسباب النزول" ص 397، وأورده مقاتل في "تفسيره" بدون سند، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، وأورده السيوطي في "لباب النقول وعزاه" لأحمد والطبراني، انظر: "لباب النقول" ص 189، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد وعزاه" لأحمد والطبراني قال: وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيء الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 104.

وملخص القصة: قال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع النبي -  - في شأن عيسى وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمداً يتلوا: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه.

قالوا: وما كنت تقول له، قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرًا أفهما من حصب جهنم؟، فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ ولو تأمل ابن الزبعرى الآية، ما أعترض عليها؛ لأنه قال: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ ولم يقل ومن تعبدون.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى؛ فهذا كان صدودهم من ضربه مثلاً، حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدون بمعنى يُعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] امتعضوا من ذلك، وقال عبد الله بن الزبعرى: أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟

فقال صلى الله عليه وسلم هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة؛ ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً، وقد علمت أن النصارى عبدوه، فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك، وضحكوا وسكت النبي صلى الله عليه وسلم.

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية، فالمعنىعلى هذا: لما ضربَ ابن الزبعرى عيسى مثلاً وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه، إذا قريش من هذا المثل يصدون: أي يضحكون ويصيحون من الفرح، وهذا المعنى إما يجري على قراءة يصدون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ اختلف فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام: قال بعضهم: لما نزل قوله -  -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ فقال أولئك الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهؤلاء جميعاً في النار إذن؛ لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم معنا، وهو ما ذكروا على إثره: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون بقولهم: ﴿ هُوَ ﴾ : عيسى -  - فذلك منهم يخرج على وجهين: أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى -  - ومن عبد من هؤلاء دون الله في النار رضينا أن تعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى -  - وهؤلاء الذي عبدوا دون الله من الملائكة وغيرهم.

والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير.

فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن.

والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أولئك، والله أعلم.

فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيباً لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيباً لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أرباباً دون الله فلا، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصُّفْر؛ لزيادة تعذيب العبدة؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ مع أنه لا جناية من الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، والله أعلم.

وبعد: فإن في الآية بياناً على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصباً للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 98]، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، والله أعلم.

على أن في الآية بياناً - أيضاً - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، فإنه قال: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ وكلمة "ما" تستعمل في [غير] العقلاء من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء.

وعلى أن في الآية بياناً من وجه آخر - أيضاً - على أنهم غير مرادين بها، فإنه استثنى وخصّ بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  ﴾ أخبر أن من سبقت [له] منه الحسنى يكون مبعداً عنها، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 98]، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون الله أحداً إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله -  -: ﴿ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئاً دون الله إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، والله أعلم.

وقال بعضهم: ضرب المثل لعيسى -  - هو أن الله -  - لما ذكر عيسى -  - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد  : ما أردت بذكر عيسى؟

وقالوا: إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا، فوالله لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ﴾ أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم محمد  وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ﴾ قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، والله أعلم.

أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ لما لا حاجة إلى ذلك، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قرئ برفع الصاد وكسرها.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولوداً من غير والد، ولما كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كان خص بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء.

والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفهاً، فافترق الأمران، والله الموفق.

ثم قوله -  -: ﴿ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ كالبشر يخلف بعض بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة توالد [ولا] تناسل.

والثاني: ﴿ يَخْلُفُونَ ﴾ أي: يكونون خلفاً وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ وعَلَمٌ للساعة كلاهما قد قُرئا، ثم اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علماً للساعة وآية لها؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ كأنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ﴾ أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضاً - علماً للساعة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ أي: محمد  وما أنزل عليه من القرآن علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال: "أنا والساعة كهاتين" وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه الله -  - عند قرب الساعة، فهو علم للساعة.

ثم قراءة ﴿ عَلَمٌ للساعة ﴾ بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن قرأ ﴿ علم للساعة ﴾ بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ أي: لا تشكنّ بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله -  -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا  ﴾ أي: أعلامها؛ أي: محمد، عليه أكمل التحيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ ، فإن كان قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ هو محمد  فكأنه -  -: أنا علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا و  - يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ عن الإيمان بالساعة وكونها؛ فإنه عدو مبين.

ويحتمل: لا يصدنكم عن محمد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين بين عداوته إياكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ...

﴾ الآية.

قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإنباء بما يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك.

والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم: أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد الله -  - وتنزيهه عما لا يليق به، والله أعلم.

والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، والله أعلم.

والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها.

فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

قال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون الكل واحداً.

وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو والمكتوب من المعنى، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضاً ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من المواضع: الخطاب للرسول -  - والمراد بذلك أمته.

ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل.

ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال: ﴿ بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ ، فهو في الظاهر على الاستقبال.

والثاني: يقول: أبين لكم الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، والله أعلم.

والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ فيما آمركم به وأدعوكم إليه وأنهاكم عنه.

ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم قدره عند الله وجلت صولته عنده فإنه [لا] يخرج من العُبُودة، وأنه عبد الله، ليس بإله، ولا ابنٍ له، على ما زعم أولئك الكفرة، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حرف "من" صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ أي: اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك سماعاً من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ  ﴾ وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول الله  حتى قاتلهم أبو بكر الصديق -  - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضاً - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب -  - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول الله  لأنه ذكر - عز وجل - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 144]، وقال في ارتدادهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  ﴾ هذا في أبي بكر الصديق -  - وقال في علي -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية [المائدة: 55]، وقال رسول الله  : "يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" يعني: عليّاً -  - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة حزب الله وأهل توحيده على أولئك؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج على ما أخبر  وذكر في المستقبل، والله أعلم.

ثم إن الله - عز وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أولئك فقال: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ هي ظاهرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما حسب المشركون أن عيسى الذي عبده النصارى داخل في عموم قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) ﴾ وقد نهى الله عن عبادته كما نهى عن عبادة الأصنام إذا قومك -أيها الرسول- يضجّون ويصخبون في الخصومة قائلين: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فأنزل الله ردًّا عليهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) ﴾ .

<div class="verse-tafsir" id="91.RkKdn"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله