الآية ٧٢ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٧٢ من سورة الزخرف

وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان : (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) أي : أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم ، فإنه لا يدخل أحدا عمله الجنة ، ولكن بفضل من الله ورحمته .

وإنما الدرجات تفاوتها بحسب عمل الصالحات .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا الفضل بن شاذان المقرئ ، حدثنا يوسف بن يعقوب - يعني الصفار - حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة ، فيقول : ( لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) [ الزمر : 57 ] وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول : ( وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) [ الأعراف : 43 ] ، ليكون له شكرا " .

قال : وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار ، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار ، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة " وذلك قوله تعالى : ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) يقول تعالى ذكره: يقال لهم: وهذه الجنة التي أورثكموها الله عن أهل النار الذين أدخلهم جهنم بما كنتم في الدنيا تعملون من الخيرات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون .قوله تعالى : وتلك الجنة أي يقال لهم هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا .وقال ابن خالويه : أشار تعالى إلى الجنة بتلك وإلى جهنم بهذه ، ليخوف بجهنم ويؤكد التحذير منها .

وجعلها بالإشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها .التي أورثتموها بما كنتم تعملون قال ابن عباس : خلق الله لكل نفس جنة ونارا ، فالكافر يرث نار المسلم ، والمسلم يرث جنة الكافر ، وقد تقدم هذا مرفوعا في قد أفلح المؤمنون من حديث أبي هريرة ، وفي ( الأعراف ) أيضا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ} الموصوفة بأكمل الصفات، هي {الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: أورثكم الله إياها بأعمالكم، وجعلها من فضله جزاء لها، وأودع فيها من رحمته ما أودع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهذه الجنة التي أورثكم الله إياها؛ بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الخيرات والأعمال الصالحات، وجعلها مِن فضله ورحمته جزاء لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذا التكريم لعباده بقوله : ( وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ) .واسم الإِشارة ( تِلْكَ ) مبتدأ وخبره ( الجنة ) وما بعدها صفة الجنة .

.

وفى الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف .وقال - سبحانه - ( وَتِلْكَ ) بالإِفراد ، للإِشعار بأن الخطاب لكل واحد من أهل الجنة ، على سبيل العناية به ، والإِعلاء من شأنه .أى : ويقال لهم يوم القيامة على سبيل التشريف : وهذه الجنة التى أورثتموها بسبب أعمالكم الصالحة فى الدنيا لكم فيها فاكهة كثيرة ، وثمار لذيذة ، منها تأكلون أكلا هنيئا مريئا .وعبر بقوله - تعالى - ( أُورِثْتُمُوهَا ) للإِشعار بأنها قد صارت إليهم بفضل الله وكرمه ، كما يصير الميراث إلى الوارث .وقوله ( بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) بيان للأسباب التى أوصلتهم إلى هذه المنازل الالية ، فإن أعمالهم الطيبة التى تقبلها الله - تعالى - منهم ، جعلتهم - بفضله وإحسانه - فى أعلى الدرجات وأسماها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ذكر عقيبه بعض ما يتعلق بأحوال القيامة فأولها قوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ والمعنى ﴿ الأخلاء ﴾ في الدنيا ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يعني في الآخرة ﴿ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿ إِلاَّ المتقين ﴾ يعني الموحدين الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وللحكماء في تفسير هذه الآية طريق حسن، قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد حصول خير أو دفع ضرر، فمتى حصل هذا الاعتقاد حصلت المحبة لا محالة، ومتى حصل اعتقاد أنه يوجب ضرراً حصل البغض والنفرة، إذا عرفت هذا فنقول: تلك الخيرات التي كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة، إما أن تكون قابلة للتغير والتبدل، أو لا تكون كذلك، فإن كان الواقع هو القسم الأول، وجب أن تبدل تلك المحبة بالنفرة، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير والراحة، فإذا زال ذلك الاعتقاد، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة، لأن تبدل العلة يوجب تبدل المعلول، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة، خيرات باقية أبدية، غير قابلة للتبدل والتغير، كانت تلك المحبة أيضاً محبة باقية آمنة من التغير، إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدنيا وطيباتها ولذاتها، فهذه المطالب لا تبقى في القيامة، بل يصير طلب الدنيا سبباً لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة، أما إن كان الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة الله وفي خدمته وطاعته، فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في القيامة، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المتقين ﴾ ، الحكم الثاني: من أحكم يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ وقد ذكرنا مراراً أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد، بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله: ﴿ يا عِبَادِ ﴾ كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم ﴿ ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة.

وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، قال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية.

ثم قال تعالى: ﴿ الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قيل ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ مبتدأ، وخبره مضمر، والتقدير يقال لهم: أدخلوا الجنة، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة، نادى منادٍ ﴿ ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال: ﴿ الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث: من وقائع القيامة، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها، ثم يقال لهم ﴿ ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم تُحْبَرُونَ ﴾ والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل، يعني يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم.

ثم قال: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ وأكواب ﴾ قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، فقوله: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ ﴾ إشارة إلى المطعوم، وقوله: ﴿ وَأَكْوابٍ ﴾ إشارة إلى المشروب، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بياناً كلياً، فقال: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله: ﴿ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ  ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  ﴾ ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم، ذكر هاهنا حال الفاكهة، فقال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فاكهة مّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولاً، ثم إلى العالمين ثانياً، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى، تكميلاً لرغبتهم وتقوية لدواعيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن تَأْتِيَهُم ﴾ بدل من الساعة.

والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة.

فإن قلت: أما أدى قوله: ﴿ بَغْتَةً ﴾ مؤدّى قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ فيستغني عنه؟

قلت: لا، لأنّ معنى قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى: ﴿ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾ [يس: 49] ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ منصوب بعدوّ، أي: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله تعالى والتباغض في الله.

وقيل: ﴿ إِلاَّ المتقين ﴾ إلا المجتنبين أخلاء السوء.

وقيل: نزلت في أبيّ بن خلف، وعقبه بن أبي معيط ﴿ ياعباد ﴾ حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذٍ، و ﴿ الذين ءَامَنُواْ ﴾ منصوب المحل صفة لعبادي، لأنه منادى مضاف، أي: الذين صدّقوا ﴿ بئاياتنا وكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا.

وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد، يا عبادي فيرجوها الناس كلهم، ثم يتبعها الذين آمنوا فييأس الناس منها غير المسلمين.

وقرئ ﴿ يا عباد ﴾ ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ تسرون سروراً يظهر حباره- أي: أثره- على وجوهكم، كقوله تعالى: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ [المطففين: 24] وقال الزجاج: تكرمون إكراماً يبالغ فيه.

والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل.

والكوب: الكوز لا عروة له ﴿ وَفِيهَا ﴾ الضمير للجنة.

وقرئ ﴿ تشتهي ﴾ وتشتهيه.

وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون.

﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى الجنة المذكورة.

وهي مبتدأ، و ﴿ الجنة ﴾ خبر.

و ﴿ التى أُورِثْتُمُوهَا ﴾ صفة الجنة.

أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة.

والتي أورثتموها: خبر المبتدأ.

أو التي أورثتموها: صفة، و ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبار.

وفي الوجه الأول تتعلق بأورثتموها.

وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة.

وقرئ ﴿ ورّثتموها ﴾ ﴿ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ من للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبداً موقرة بها، لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ ورِثْتُمُوها، شَبَّهَ جَزاءَ العَمَلِ بِالمِيراثِ لِأنَّهُ يَخْلُفُهُ عَلَيْهِ العامِلُ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ وقَعَتْ مُبْتَدَأً والجَنَّةُ خَبَرُها، والَّتِي أُورِثْتُمُوها صِفَتُها أوِ الجَنَّةُ صِفَةُ تِلْكَ والَّتِي خَبَرُها أوْ صِفَةُ الجَنَّةُ والخَبَرُ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وعَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ الباءُ بِمَحْذُوفٍ لا بِ أُورِثْتُمُوها.

﴿ لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ ﴾ بَعْضَها تَأْكُلُونَ لِكَثْرَتِها ودَوامِ نَوْعِها، ولَعَلَّ تَفْصِيلَ التَّنَعُّمِ بِالمَطاعِمِ والمَلابِسِ وتَكْرِيرَهُ في القُرْآنِ وهو حَقِيرٌ بِالإضافَةِ إلى سائِرِ نَعائِمِ الجَنَّةِ لِما كانَ بِهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ والفاقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تِلْكَ إشارة إلى الجنة المذكورة وهي مبتدأ والجنة خير والتى أُورِثْتُمُوهَا صفة الجنة أو الجنة صفة للمبتدأ الذى هو اسم الاشارة والتي أُورِثْتُمُوهَا خبر المبتدأ أو التى أُورِثْتُمُوهَا صفة المبتدأ وبما كنتم تعملون الخبر والباء تتعلق نقص أي حاصلة أو كائنة كما في الظروف التى تقع

{لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون}

اخبارا وفي الوحه الأول تتعلق بأورثتموها وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي أُورِثْتُمُوها ﴾ صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُورِثْتُمُوها، وقِيلَ: (تِلْكَ اَلْجَنَّةُ) مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ و(اَلَّتِي أُورِثْتُمُوها) اَلْخَبَرُ والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: تِلْكَ مُبْتَدَأٌ والجَنَّةُ صِفَتُها واَلَّتِي أُورِثْتُمُوها صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وبِما كُنْتُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اَلْخَبَرُ.

والإشارَةُ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ وعَلى اَلْأخِيرَيْنِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْواقِعَةِ صِفَةً عَلى ما قِيلَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ، وقَدْ شَبَّهَ ما اِسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ اَلْحَسَنَةِ مِنَ اَلْجَنَّةِ ونَعِيمِها اَلْباقِي لَهم بِما يَخْلُفُهُ اَلْمَرْءُ لِوارِثِهِ مِنَ اَلْأمْلاكِ والأرْزاقِ ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ اَلْعَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُوَرِّثِ اِسْمِ فاعِلٍ فاسْتُعِيرَ اَلْمِيراثُ لِما اِسْتَحَقُّوهُ ثُمَّ اُشْتُقَّ أُورِثْتُمُوها فَيَكُونُ هُناكَ اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ بَعْضٌ: اَلِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَكْنِيَّةً، وقِيلَ: اَلْإرْثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلنَّيْلِ والأخْذِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلٌ في اَلْجَنَّةِ ومَنزِلٌ في اَلنّارِ فالكافِرُ يَرِثُ اَلْمُؤْمِنَ مَنزِلَهُ في اَلنّارِ والمُؤْمِنُ يَرِثُ اَلْكافِرَ مَنزِلَهُ في اَلْجَنَّةِ» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ولا يَخْلُو اَلْكَلامُ عَنْ مَجازٍ عَلَيْهِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَسَبَبِيَّةُ اَلْعَمَلِ لِإيراثِ اَلْجَنَّةِ ونَيْلِها لَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اَللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ اَلْجَنَّةَ عَمَلُهُ)» فَفي إدْخالِ اَلْعَمَلِ اَلْجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِقْلالِ والسَّبَبِيَّةِ اَلتّامَّةِ فَلا تَعارُضَ.

وأخْرَجَ هَنّادٌ.

وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في اَلزُّهْدِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: تَجُوزُونَ اَلصِّراطَ بِعَفْوِ اَللَّهِ تَعالى وتَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اَللَّهِ تَعالى وتَقْتَسِمُونَ اَلْمَنازِلَ بِأعْمالِكم فَتَأمَّلْ.

وقُرِئَ (ورِثْتُمُوها) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ يعني: بالآيات والعلامات، وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.

ويقال: بالبينات، يعني: بالإنجيل قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ يعني: بالنبوة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال: بعضهم، يعني: كل الذي تختلفون فيه.

وقال بعضهم معناه: لأبين تحليل بعض الذي تختلفون فيه.

كقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: 50] وكانوا في ذلك التحريم مختلفين، فمصدق ومكذب فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به من التوحيد.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ يعني: خالقي وخالقكم فَاعْبُدُوهُ يعني: وحدوه وأطيعوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني: دين الإسلام فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: تفرقوا في أمر عيسى، وهم النسطورية، والمار يعقوبية، والملكانية.

وقد ذكرناه من قبل.

ويقال: الأحزاب تحزبوا وتفرقوا في أمر عيسى، وهم اليهود.

فقالوا فيه قولاً عظيماً، وفي أمه.

فقالوا: إنه ساحر.

ويقال: اختلفوا في قتله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: عذاب يوم شديد.

قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ يعني: ما ينظرون إذا لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بقيامها قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال مجاهد: الأخلاء في معصية الله تعالى في الدنيا، يومئذٍ متعادين في الآخرة إِلَّا الْمُتَّقِينَ الموحدين.

قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط.

وقال الكلبي: كل خليل في غير طاعة الله، فهو عدوٌّ لخليله.

وروى عبيد بن عمير.

قال: كان لرجل ثلاثة أخلاء، بعضهم أخص به من بعض، فنزلت به نازلة، فلقي أخص الثلاثة.

فقال: يا فلان: إني قد نزل بي كذا وكذا، وإني أحب أن تعينني.

فقال له: ما أنا بالذي أعينك، ولا أنفعك، فانطلق إلى الذي يليه.

فقال له: أنا معك حتى أبلغ المكان الذي تريده، ثم رجعت وتركتك.

فانطلق إلى الثالث فقال له: أنا معك حيثما دخلت.

قال: فالأول ماله، والثاني أهله وعشيرته، والثالث عمله.

وروى أبو إسحاق عن الحارث، عن علي بن أبي طالب-،  -، أنه سئل عن قوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ فقال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين فيثني على صاحبه خيراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، نعم الأخ ونعم الصاحب، ويموت أحد الكافرين، فيثني على صاحبه شراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، بئس الأخ وبئس الصاحب.

قوله تعالى: يا عِبادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ يعني: يوم القيامة ثُمَّ وصفهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ يعني: مخلصين بالتوحيد.

قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ يعني: تكرمون وتنعمون.

ويقال: ترون والحبرة: السرور.

قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ قال كعب: يطاف عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب، في كل صفحة لون وطعام، ليس في الأخرى، والصحفة هي القصعة.

وَأَكْوابٍ وهي: الأباريق التي لا خراطيم لها، يعني: مدورة الرأس.

ويقال: التي لا عُرى لها، واحدها كوب.

وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ يعني: تتمنى كل نفس وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ من النظر إليها وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ يعني: هذه الجنة الَّتِي أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: دخلتموها برحمة الله تعالى، بإيمانكم واقتسمتموها بأعمالكم.

لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ لا تنقطع.

لقوله: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) [الواقعة: 33] مِنْها تَأْكُلُونَ أي: من الفواكه متى تشاؤوا.

ثم وصف المشركين فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: المشركين فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ أي: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ يعني: لا ينقطع عنهم العذاب طرفة عين وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يعني: آيسين من رحمة الله تعالى.

قوله تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ يعني: لم نعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لأنهم كانوا يستكبرون عن الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ: قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في الله على منابر من نور في ظل الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «١» انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: يا عِبادِ المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر الطبريُّ «٢» عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلّهم، فيتبعها:

الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال: فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار.

وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا نعت للعباد، وتُحْبَرُونَ معناه: تنعمون وتُسَرُّونَ، و «الحبرة» : السرور، و «الأكواب» : ضَرْبٌ من الأَواني كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذان لها ولا مقابض.

وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكُفَّارَ، و «المُبْلِسُ» : المُبْعَدُ اليائسُ من الخير قاله قتادة وغيره «٣» ، وقولهم: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ كما في قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥] ، وروي في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأخِلاءُ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ لِأنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ ﴿ إلا المُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

فَإذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ ﴿ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ، فَيَرْفَعُ الخَلائِقُ رُؤُوسَهُمْ، فَيَقُولُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ، فَيُنَكِّسُ الكُفّارُ رُؤُوسَهم.

قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يا عِبادِي" بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ وإسْكانِها، وحَذَفَها في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ.

وَفِي أزْواجِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: زَوْجاتُهم.

والثّانِي: قُرَناؤُهم.

وَقَدْ سَبَقَ مَعْنى ﴿ تُحْبَرُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها صَحْفَةٌ، وهي القَصْعَةُ.

والأكْوابُ، واحِدُها: كُوبٌ، وهو إناءٌ مُسْتَدِيرٌ لا عُرْوَةَ لَهُ؛ قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ: [الكُوزُ] المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، وقالَ عَدِيٌّ: مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأكْوابُ: الأبارِيقُ الَّتِي لا عُرًى لَها.

وقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وإنَّما كانَتْ بِغَيْرِ عُرًى لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: (٣٠ وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ) وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَشْتَهِيهِ" بِزِيادَةِ هاءٍ.

وحَذْفُ الهاءِ كَإثْباتِها في المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ يُقالُ: لَذِذْتُ الشَّيْءَ، واسْتَلْذَذَتْهُ، والمَعْنى: ما مِن شَيْءٍ اشْتَهَتْهُ نَفْسٌ أوِ اسْتَلَذَّتْهُ عَيْنٌ إلّا وهو في الجَنَّةِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ نَعِيمِ الجَنَّةِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ ما مِن نِعْمَةٍ إلّا وهي نَصِيبُ النَّفْسِ أوِ العَيْنِ، وتَمامُ النَّعِيمِ الخُلُودُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَمْ تَطِبْ.

﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ يَعْنِي الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: "ادْخُلُوا الجَنَّةَ" ﴿ الَّتِي أُورِثْتُمُوها ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأعْرافِ: ٤٣] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ "الَّذِينَ" ﴾ نَعْتٌ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ"،  ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أمْرَهُ إيّاهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ هم وأزْواجُهُمْ، و ﴿ "تُحْبَرُونَ": ﴾ مَعْناهُ: تَنْعَمُونَ وتَسُرُّونَ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ، و"الأكْوابُ": ضَرْبٌ مِنَ الأوانِي كالأبارِيقِ إلّا أنَّها لا آذانَ لَها ولا مَقابِضَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: ﴿ "ما تَشْتَهِيهِ" ﴾ بِإثْباتِ الهاءِ الأخِيرَةِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَصاحِفِ الشامِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ: "ما تَشْتَهِي" بِحَذْفِ الهاءِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في أكْثَرِ المَصاحِفِ، وحَذْفُها مِنَ الصِلَةِ لِطُولِ القَوْلِ حَسَنٌ، وذَلِكَ كَثُرَ في التَنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ" بِالهاءِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَيْسَ المَعْنى أنَّ الأعْمالَ أوجَبَتْ عَلى اللهِ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ حُظُوظَهم مِنها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ وأنْ يَكُونَ المَرْءُ مَن أهْلِها فَبِفَضْلِ اللهِ تَعالى وهُداهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف يفيد أمرين: أحدهما: بيان بعض الأهوال التي أشار إليها إجمال التهديد في قوله: ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65].

وثانيهما: موعظة المشركين بما يحصل يوم القيامة من الأهوال لأمثالهم والحَبرة للمؤمنين.

وقد أوثر بالذكر هنا من الأهوال ما له مزيد تناسب لحال المشركين في تألبهم على مناواة الرّسول صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فإنهم ما ألَّبَهم إلا تناصرهم وتوادّهم في الكفر والتباهي بذلك بينهم في نواديهم وأسمارهم، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ وقال إنّما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودةَ بينكم في الحياة الدنيا ثم يومَ القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ [العنكبوت: 25] وتلك شنشنة أهل الشرك من قبل.

وفي معنى هذه الآية قوله المتقدم آنفاً ﴿ حتى إذا جَاآنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ﴾ [الزخرف: 38].

و ﴿ الأخلاء ﴾ : جمع خليل، وهو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل لأنه كالمتخلّل لصاحبه والممتزج به، وتقدم في قوله: ﴿ واتّخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ في سورة النساء (125).

والمضاف إليه (إذْ) من قوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ هو المعوَّضُ عنه التنوين دلّ عليه المذكور قبله في قوله: ﴿ من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65].

والعدوّ: المبغض، ووزنه فَعول بمعنى فاعل، أي عَادٍ، ولذلك استوى جريانه على الواحد وغيره، وَالمُذكر وغيره، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوممٍ عدوّ لكم ﴾ في سورة النساء (92).

وتعريف الأخلاء} تعريف الجنس وهو مفيد استغراقاً عرفياً، أي الأخلاّء من فريقي المشركين والمؤمنين أو الأخلاء من قريش المتحدّث عنهم، وإلاّ فإن من الأخلاء غير المؤمنين من لا عداوة بينهم يومَ القيامة وهم الذين لم يستخدموا خلتهم في إغراء بعضهم بعضاً على الشرك والكفر والمعاصي وإن افترقوا في المنازل والدرجات يوم القيامة.

و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف متعلق بعدوّ، وجملة ﴿ يا عبادي ﴾ مقولة لقول محذوف دلت عليه صيغة الخطاب، أي نقول لهم أو يقول الله لهم.

وقرأ الجمهور ﴿ يا عبادي ﴾ بإثبات الياء على الأصل.

وقرأه حفص والكسائي بحذف (ياء) المتكلم تخفيفاً.

قال ابن عطية قال أبو علي: وحذفها حسن لأنها في مَوْضِععِ تنوين وهي قد عاقبته فكما يحذف التنوين في الاسم المفرد المنادَى كذلك تحذف اليَاء هنا.

ومفاتحة خطابهم بنفي الخوف عنهم تأنيس لهم ومنة بإنجائهم من مثله وتذكيرٌ لهم بسبب مخالفة حالهم لِحال أهل الضلالة فإنهم يشاهدون ما يعامل به أهل الضلالة والفساد.

و ﴿ لا خوف ﴾ مرفوع منون في جميع القراءات المشهورة، وإنما لم يفتح لأن الفتح على تضمين (مِن) الزائدة المؤكدة للعموم وإذ قد كان التأكيد مفيداً التنصيص على عدم إرادة نفي الواحد، وكان المقام غير مقام التردد في نفي جنس الخوف عنهم لأنه لم يكن واقعاً بهم حينئذٍ مع وقوعه على غيرهم، فأمارة نجاتهم منه واضحة، لم يحتج إلى نصب اسم ﴿ لا ﴾ ، ونظيره قول الرابعة من نساء حديث أمّ زرع: زوجِي كَلَيْل تِهامهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مخافةٌ ولا سآمهْ.

روايته برفع الأسماء الأربعة لأن انتفاء تلك الأحوال عن ليل تهامة مشهور، وإنما أرادت بيان وجوه الشبه من قولها كليللِ تهامة.

وجيء في قوله: ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ بالمسند إليه مخبراً عنه بالمسند الفِعلي لإفادة التقويّ في نفي الحزن عنهم، فالتقوي أفاد تقوّي النفي لا نفي قوة الحزن الصادق بحزن غير قوي.

هذا هو طريق الاستعمال في نفس صيغ المبالغة كما في قوله تعالى: ﴿ وما ربّك بظلاممٍ للعبيد ﴾ [فصلت: 46]، تطميناً لأنفسهم بانتفاء الحزن عنهم في أزمنة المستقبل، إذ قد يهجس بخواطرهم هل يدوم لهم الأمْن الذي هم فيه.

وجملة ﴿ الذين آمنوا بآياتنا ﴾ نعت للمنادَى من قوله: ﴿ يا عبادي ﴾ جيء فيها بالموصول لدلالة الصلة على علة انتفاء الخوف والحزن عنهم، وعطف على الصلة قوله: ﴿ وكانوا مسلمين ﴾ .

والمخالفة بين الصلتين إذ كانت أولاهما فعلاً ماضياً والثانية فعل كون مخبراً عنه باسم فاعل لأن الإيمان: عقد القلب يحصل دفعة واحدة وأما الإسلام فهو الإتيان بقواعد الإسلام الخمس كما جاء تفسيره في حديث سؤال جبريل، فهو معروض للتمكن من النفس فلذلك أوثر بفعل (كان) الدّال على اتحاد خبره باسمه حتى كأنه من قِوام كيانه.

وعطف أزواجهم عليهم في الإذن بدخول الجنّة من تمام نعمة التمتع بالخلة التي كانت بينهم وبين أزواجهم في الدنيا.

و ﴿ تحبرون ﴾ مبني للمجهول مضارع حُبر بالبناء للمجهول، وفعله حَبَره، إذا سره، ومصدره الحَبْر بفتح فسكون، والاسم الحُبور والحَبْرة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فهم في روضةٍ يُحبرون ﴾ في سورة الروم (15).

وجملة ﴿ يطاف عليهم بصحاف ﴾ الخ معترضة بين أجزاء القول فليس في ضمير ﴿ عليهم ﴾ التفات بل المقام لضمير الغيبة.

والصحاف: جمع صحفة، وهي: إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب التكوير.

والصحفة: إناء لوضع الطعام أو الفاكهة مثل صحاف الفغفوري الصيني تسَع شِبْع خمسة، وهي دون القصعة التي تسع شِبْع عشرة.

وقد ورد أن عمر بن الخطاب اتخذ صِحافاً على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه بفاكهة أو طُرْفَة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف.

والأكواب: جمع كُوب بضم الكاف وهو إناء للشراب من ماء أو خمر مستطيل الشكل له عنق قصير في أعلى ذلك العنق فمه وهو مصبّ ما فيه، وفمه أضيق من جوفه، والأكثر أن لا تكون له عروة يُمسَك منها فيمسك بوضع اليد على عنقه، وقد تكون له عروة قصيرة، وهو أصغر من الإبريق إلا أنه لا خرطوم له ولا عروة في الغالب.

وأما الإبريق فله عروة وخرطوم.

وحذف وصف الأكواب لدلالة وصف صحاف عليه، أي وأكواب من ذهب.

وهذه الأكواب تكون للماء وتكون للخمر.

وجملة ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ الخ حال من ﴿ الجنة ﴾ ، هي من بقية القول.

وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى ﴿ الجنة ﴾ ، وقد عمّ قوله: ﴿ ما تشتهيه الأنفس ﴾ كلّ ما تتعلق الشهوات النفسية بنواله وتحصيله، والله يخلق في أهل الجنة الشهوات اللائقة بعالم الخلود والسمو.

و ﴿ تَلَذُّ ﴾ مضارع لَذّ بوزن عَلِم: إذا أحسّ لذة، وحق فعله أن يكون قاصراً فيعدّى إلى الشيء الذي به اللّذة بالباء فيقال: لذ به، وكثر حذف الباء وإيصال الفعل إلى المجرور بنفسه فينتصب على نزع الخافض، وكثر ذلك في الكلام حتى صار الفعل بِمَنزلة المتعدي فقالوا: لذّهُ.

ومنه قوله هنا: ﴿ وتلذّ الأعين ﴾ التقدير، وتلذُّهُ الأعين.

والضمير المحذوف هو رابط الصلة بالموصول.

ولذة الأعين في رؤية الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها النفس، فلذّة الأعين وسيلة للذة النفوس فعطف ﴿ وتلَذّ الأعين ﴾ على ﴿ ما تشتهيه الأنفس ﴾ عطف ما بينه وبين المعطوف عليه عمومٌ وخصوص، فقد تشتهي الأنفس ما لا تراه الأعين كالمحادثة مع الأصحاب وسماععِ الأصوات الحسنة والموسيقى.

وقد تبصر الأعين ما لم تسبق للنفس شهوة رؤيتِه أو ما اشتهت النفس طعمه أو سمعه فيؤتى به في صور جميلة إكمالاً للنعمة.

و ﴿ الأنفس ﴾ فاعل ﴿ تلَذّ ﴾ وحْذف المفعول لظهوره من المقام.

وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ﴿ ما تشتهيه ﴾ بهاء ضمير عائد إلى ﴿ ما ﴾ الموصولة وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام، وقرأه البَاقون ﴿ ما تشتهي ﴾ بحذف هاء الضمير، وكذلك رُسم في مصحف مكة ومصحف البصرة ومصحف الكوفة.

والمروي عن عاصم قارئ الكوفة روايتان: إحداهما أخذ بها حفص والأخرى أخذ بها أبو بكر.

وحذف العائد المتصل المنصوب بفعل أو وصف من صلة الموصول كثير في الكلام.

وقوله: ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ بشارة لهم بعدم انقطاع الحَبْرة وسعة الرزق ونيل الشهوات، وجيء فيه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات تأكيداً لحقيقة الخلود لدفع توهم أن يراد به طول المدة فحسب.

وتقديم المجرور للاهتمام، وعطف على بعض ما يقال لهم مقول آخر قُصد منه التنويه بالجنة وبالمؤمنين إذ أُعطوها بسبب أعمالهم الصالحة، فأشير إلى الجنة باسم إشارة البعيد تعظيماً لشأنها وإلا فإنها حاضرة نصب أعينهم.

وجملة ﴿ وتلك الجنة التي أورثموها ﴾ الآية تذييل للقول.

واسم الإشارة مبتدأ و ﴿ الجنة ﴾ خبره، أي تلك التي تَرونها هي الجنة التي سمعتم بها ووُعدتم بدخولها.

وجملة ﴿ التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ صفة للجنة.

واستعير ﴿ أورثتموها ﴾ لمعنى: أُعطيتموها دون غيركم، بتشبيه إعطاء الله المؤمنين دون غيرهم نعيم الجنة بإعطاء الحاكم مال الميت لوارثه دون غيره من القرابة لأنه أولى به وآثرُ بنيله.

والباء في ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ للسببية وهي سببية بجعل الله ووعده، ودل قوله ﴿ كنتم تعملون ﴾ على أن عملهم الذي استحقّوا به الجنة أمر كائن متقرر، وأن عملهم ذلك متكرر متجدد، أي غير منقطع إلى وفاتهم.

وجملة ﴿ لكم فيها فاكهة ﴾ صفة ثانية للجنة.

والفاكهة: الثمار رطبها ويابسها، وهي من أحسن ما يستلذّ من المآكل، وطعومُها معروفة لكل سامع.

ووجه تكرير الامتنان بنعيم المأكل والمشرب في الجنة: أن ذلك من النعيم الذي لا تختلف الطباع البشرية في استلذاذه، ولذلك قال: ﴿ منها تأكلون ﴾ كقوله تعالى: ﴿ كُلوا من ثمرهِ إذا أثمر ﴾ [الأنعام: 141].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهم أعْداءٌ في الدُّنْيا، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم زَيَّنَ لِلْآخَرِ ما يُوبِقُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهم أعْداءٌ في الآخِرَةِ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصِلِ في الدُّنْيا لِما رَأوْا سُوءَ العاقِبَةِ فِيها بِالمُقارَنَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَحَكىَ النَّقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كانا خَلِيلَيْنِ.

وَكانَ عُقْبَةُ يُجالِسُ النَّبِيَّ  فَقالَتْ قُرَيْشٌ قَدْ صَبَأ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وقالَ لَهُ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا ولَمْ تَتْفُلْ في وجْهِهِ فَفَعَلَ عُقْبَةُ ذَلِكَ فَنَذَرَ النَّبِيُّ  قَتْلَهُ، فَقَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقَتَلَ أُمَيَّةَ في المَعْرَكَةِ، وفِيهِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم وأزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ في الدُّنْيا.

الثّانِي: ومَن يُزَوَّجُونَ مِنَ الحُورِ في الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: هم وقُرَناؤُهم في الدَّنْيا.

وَفِي ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تُكْرَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَرامَةُ في المَنزِلَةِ.

الثّانِي: تَفْرَحُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والفَرَحُ في القَلْبِ.

الثّالِثُ: تَتَنَعَّمُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والنَّعِيمُ في البَدَنِ.

الرّابِعُ: تُسَرُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّرُورُ في العَيْنِ.

الخامِسُ: تُعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والعَجَبُ هاهُنا دَرْكُ ما يُسْتَطْرَفُ.

السّادِسُ: أنَّهُ التَّلَذُّذُ بِالسَّماعِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأكْوابٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الآنِيَةُ المُدَوَّرَةُ الأفْواهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ لَها آذَنٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ الكُوبَ: المُدَوَّرُ القَصِيرُ العُنُقِ القَصِيرُ العُرْوَةِ، والإبْرِيقَ: الطَّوِيلُ العُنُقِ الطَّوِيلُ العُرْوَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها الأبارِيقُ الَّتِي لا خَراطِيمَ لَها، قالَهُ الأخْفَشُ.

الخامِسُ: أنَّها الأبارِيقُ الَّتِي لَيْسَ لَها عُرْوَةٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ﴿ تَشْتَهِيهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما تَتَمَنّاهُ، وما تَلَذُّ الأعْيُنُ هو ما رَآهُ فاشْتَهاهُ.

الثّانِي: ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ هو ما كانَ طَيِّبَ المَخْبَرِ، وما تَلَذُّ الأعْيُنُ ما كانَ حَسَنَ المَنظَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد في الزهد، عن عبد الله بن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم.

قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ قال: مستسلمون.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج الطبراني، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس: ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ قال: مكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ﴾ قال: أم أجمعوا أمراً فإنا مجمعون، إن كادوا شراً، كدناهم مثله.

وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة واستارها؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟

فقال واحد: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: الشاهدين.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل، ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: أنا أول متبرئ من أن يكون لله ولد!!!

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت تبعاً وهو يقول؟: وقد علمت فهر بأني ربهم ** طراً ولم تعبد وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن وقتادة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ قالا: ما كان للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «فأنا أول من عبد الله من هذه الأمة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ في زعمكم ﴿ فأنا أوّل العابدين ﴾ فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم بما تقولون.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ قال: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هذه كلمة من كلام العرب: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ أي؛ إن ذلك لم يكن.

وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذا مقول من قول العرب، إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان.

وأخرج عبد بن حميد، عن الأعمش أنه كان يقرأ: كل شيء بعد السجدة في مريم ولد، والتي في الزخرف ونوح وسائر، ولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن قتادة في قوله: ﴿ عما يصفون ﴾ قال: عما يكذبون.

وفي قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ قال: هو الذي يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ قال: كلمة الإِخلاص ﴿ وهم يعلمون ﴾ إن الله حق، وعيسى وعزير والملائكة- يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة، ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ وهو يعلم الحق.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ قال: الملائكة وعيسى وعزير، فإن لهم عند الله شفاعة.

وأخرج البيهقي في الشعب عن مجاهد في الآية قال: ﴿ شهد بالحق ﴾ وهو يعلم أن الله ربه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عوف قال: سألت إبراهيم، عن الرجل يجد شهادته في الكتاب ويعرف الخط والخاتم ولا يحفظ الدراهم فتلا ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ قال: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه، وعن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقيله يا رب ﴾ بخفض اللام والهاء.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فاصفح عنهم ﴾ قال: نسخ الصفح.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن شعيب بن الحجاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني، فسلم عليه، فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني، فقرأ علي آخر سورة الزخرف ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.

قلت: فكيف تقول أنت؟

قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم.

قلت: لم؟

قال: لقول الله تعالى ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ ﴾ يعني الجنة التي ذكرها في قوله: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا ﴾ (١) ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴾ وابن عباس قال في هذه الآية: خلق الله لكل نفس جنة ونارًا، والكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.

(١) كذا في الأصل وهو تصحيف ونص الآية ﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي تنعمون وتسرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل - ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ أي: فجأة ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ بإتيانها وقيامها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الموحدين، فتكون خلة أهل الكفر فيما بينهم في الدنيا عداوة في الآخرة؛ لقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ وما ذكر في غير آي من القرآن من لعن بعضهم بعضاً، وتبرؤ بعضهم عن بعض، كقوله -  -: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 166]، وأما خلة الموحدين المؤمنين فيما بينهم فهي خلة في الدارين جميعاً؛ هذا يحتمل، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ استثنى خلة من اتقى النار بنفسه ووقى صاحبه - أيضاً - بما أمره بالطاعات لله -  - والقيام بالخيرات، وزجره عن معاصيه ومخالفة أمره، كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ أمرهم بوقاية أنفسهم وأهليهم ناراً، وإنما يتقون تلك النار بالقيام بالأسباب التي أمروا بالقيام بها، والامتناع والانتهاء عما نهوا عنها وزجروا منها، فكل خلة فيما بين المؤمنين على هذا الوجه فهي خلة ومودة في الدارين جميعاً، لا تصير عداوة؛ لأنها لله -  - وطلب مرضاته، فأما الخلة التي تكون فيما بينهم للدنيا فهي تصير عداوة - أيضاً - على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقد روي في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "الأخلاء أربعة: مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هداني وأمته على ما أمتني؛ فإنه كان يأمرني بالمعروف والخيرات والطاعة لك، وينهاني عن المنكر والشر والمعصية لك، ومات أحد الكافرين، فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمنكر ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضلني، وأمته كما أمتني، قال: ثم يبعثون يوم القيامة، فقال: لعن بعضكم على بعض، فأما المؤمنان فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء حسناً، أما الكافران فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء قبيحاً" وعلى هذا السبيل روي هذا الحديث عن علي  .

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: أحب في الله، وأبغض في الله، وواد في الله، ووال في الله، فإنما ينال ولاية الله في ذلك، لا ينال ما عند الله إلا بذلك، وقال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه وصدقته، حتى يكون كذلك، وقد صار عامة مؤاخاة الناس اليوم، ولكن لا تجزئ عن أهله شيئاً، ثم قرأ: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ وقرأ: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية [المجادلة: 22]، فقول ابن عباس يومئ إلى أن كل خلة ومؤاخاة فيما بين المؤمنين للدنيا فهي تصير عداوة في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ أي: لا خوف عليكم خوف الغير، كقوله -  -: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا  ﴾ ﴿ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ أي: لا خوف عليكم خوف الأحوال؛ أي: لا حزن لهم في حال كونهم فيها، ولا لهم فيها خوف غير ذلك، ولا زواله عليهم؛ لأن خوف الزوال مما ينغص صاحبه النعمة التي هي له؛ يخبر أن ذلك دائم باق لا زوال له ولا فناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ والإشكال: أنه سماهم مؤمنين مسلمين بالآيات، والإيمان والإسلام يكون بالله  .

فنقول: لأن الإيمان هو التصديق - في اللغة - بما أنبأت الآيات بوحدانية الله وألوهيته؛ لأن جهة سبيل معرفة الله  وطريق العلم به إنما هو بالآيات والحجج التي أقامها على ذلك، ليس من جهة العيان والمشاهدة؛ فالإيمان بالآيات والتصديق بها تصديق بالله حقيقة وإيمان به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ظاهر هذا يوهم أن الإيمان والإسلام غَيْران، لكن هذا من حيث ظاهر العبارة، فأما في الحقيقة هما يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن الإسلام هو جعل كل شيء لله -  - سالماً، لا يشرك فيه غيره؛ كقوله -  -: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ ، أي: خالصاً سالماً، لا حق لأحد فيه سواه، والإيمان هو الوصف له بالربوبية في كل شيء، ومعناهما في الحاصل والتحقيق يرجع إلى معنى واحد؛ لأنك إذا وصفته بالألوهية والربوبية جعلت كل شيء لله سالماً، وإذا جعلت كل شيء لله -  - سالماً وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء؛ فدل أن حاصل الإيمان والإسلام واحد، وإن كانا من حيث ظاهر العبارة مختلفين، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ يحتمل الأزواج من وجهين: أحدهما: الأزواج المعروفة؛ وهي الأهل؛ لما وقوهم في الدنيا عن الأسباب التي بها يستوجبون النار؛ كقوله -  -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ .

ويحتمل الأزواج التي ذكر: القرناء، والأشكال الذين أعانوا على الأعمال الصالحة التي بها نالوا الجنة كقوله -  -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ [أزواجهم] - هاهنا - قرناؤهم الذين أعانوهم على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ .

قال أبو عوسجة والقتبي: أي تسرون، والحبرة: السرور.

وقال بعضهم: ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي: تكرمون وتنعمون، وهو ما ذكرنا؛ أي: ليس عليهم خوف الزوال والفناء ولا حزن الحال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ﴾ .

يحتمل ذكر الصحاف من الذهب والأكواب وجوهاً: أحدها: ذكر ذلك لهم في الآخرة؛ ترغيباً لهم فيها، وتحريضاً لما يرغبون بمثل ذلك إلى السعي للآخرة، والله أعلم.

والثاني: يحتمل إنما ذكر ذلك؛ لأن أهل الدنيا كانوا يتفاخرون بهذه الأشياء في الدنيا، فيخبر أن لأوليائه ذلك في الآخرة، وذلك دائم، وهذا فانٍ، ولا عبرة للفاني؛ فلا معنى للافتخار به.

ويحتمل أنه ذكر ذلك؛ لأنه حرم عليهم الانتفاع في الدنيا باستعمال الذهب والفضة والحرير، فأخبر أن لهم الانتفاع بذلك في الآخرة التي هي دار التنعم، فأمّا ما سوى ذلك من الفرش والأواني فإنه لا بأس بذلك، وهو مباح في الدارين جميعاً.

وأما ذكر الأكواب يحتمل للترغيب؛ على ما ذكرنا؛ لأنهم يتمنون ويرغبون فيها في الدنيا.

والثاني: يخبر أن لا مؤنة عليهم في حمل الأواني ورفعها عند الشرب والأكل، ولا يتولون ذلك بأنفسهم، لكن الخدم هم الذين يتولون سقيهم.

الصحاف: جمع الصحفة؛ وهي القصعة التي ليست بضخمة، والأكواب: الأباريق التي لا عرا لها ولا خراطيم، واحدها: كوب، ويقال: كيزان لا عرا لها؛ قاله أبو عوسجة والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ فذلك في الجنة ليس كنعيم الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يشتهي شيئا ولا تلذ به العيون والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك في الآخرة؛ لما منعوا وحرموا في الدنيا ما اشتهت أنفسهم الانتفاع به والتلذذ؛ عوضاً وبدلا عما كفوا أنفسهم في الدنيا عن الانتفاع بذلك، وإعطاء الأنفس، أو حرموا ومنعوا وحيل بينهم وبين ذلك و[ما] تلذ به الأعين لما غضوا أبصارهم في الدنيا عما لا يحل والله [أعلم].

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، أن الله بفضله عود عباده لما كان منه من الإحسان والإنعام، كأن ذلك كله منهم إليه، فضلا منه؛ حيث نسب الجنة التي يعطيهم إلى أعمالهم التي عملوها، وإن كانوا لا يستوجبون الجنة وما فيها بالأعمال حقيقة؛ فلذلك ما ذكر في الخبر عن نبي الله أنه قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أخبر أن لا أحد يدخل الجنة إلا برحمته، لكنه نسب الجنة التي يعطيهم وما ذكر من الثواب إلى أعمالهم؛ فضلا منه وإنعاماً، وكذلك ما ذكر من قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، ذكر أنه اشترى أنفسهم وأموالهم بالجنة يعطيهم، وأنفسهم وأموالهم في الحقيقة له، ولا أحد يشتري ملكه، وماله بمال نفسه وملكه، لكنه ذكر ذلك شراء إفضالا منه؛ كأن لا ملك له في ذلك ولا حق، وكذلك ما ذكر من الإقراض له بقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ ، ولا أحد يستقرض ماله وملكه من غيره، لكنه عاملهم معاملة من لا ملك له في أموالهم وأنفسهم بما جعل لهم من الثواب والعوض؛ فعلى ذلك نسبة الجنة والثواب الذي ذكر لهم إلى أعمالهم؛ إفضالا منه وأنعاماً، وإن لم يستوجبوا ما ذكر بالأعمال.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .

مثل هذا الوعد كأنه إنما جاء لأهل مكة، فكان لا فواكه لهم فيها ولا ثمار، يخبر أن لكم في الجنة من الفواكه الكثيرة ما لا يفني، ولا ينقطع، ﴿ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ تأكلون ما شئتم؛ فلا يؤذيكم ولا يضركم وإن أكثرتم.

ويحتمل إنما ذكر؛ لما عرف من رغبة الناس إلى الفواكه والثمار في الدنيا، رغبهم بها في الآخرة، وحثهم على رفع الهمم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تلك الجنة التي وصفت لكم هي التي أورثكم الله إياها بأعمالكم فضلًا منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.rAyvw"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله