الآية ٢٠ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٢٠ من سورة النجم

وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان ، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ، عليه [ الصلاة و ] السلام : ( أفرأيتم اللات ) ؟

وكانت " اللات " صخرة بيضاء منقوشة ، وعليها بيت بالطائف له أستار وسدنة ، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف ، وهم ثقيف ومن تابعها ، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش .

قال ابن جرير : وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله [ تعالى ] ، فقالوا : اللات ، يعنون مؤنثة منه ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .

وحكي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع بن أنس : أنهم قرءوا " اللات " بتشديد التاء ، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق ، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه .

وقال البخاري : حدثنا مسلم - هو ابن إبراهيم - حدثنا أبو الأشهب ، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس : ( اللات والعزى ) قال : كان اللات رجلا يلت السويق ، سويق الحاج .

قال ابن جرير : وكذا العزى من العزيز .

وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة ، وهي بين مكة والطائف ، كانت قريش يعظمونها ، كما قال أبو سفيان يوم أحد : لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم " .

وروى البخاري من حديث الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من حلف فقال في حلفه : واللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله .

ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك ، فليتصدق " .

وهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك ، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية ، كما قال النسائي : أخبرنا أحمد بن بكار وعبد الحميد بن محمد قالا : حدثنا مخلد ، حدثنا يونس ، عن أبيه ، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : حلفت باللات والعزى ، فقال لي أصحابي : بئس ما قلت !

قلت هجرا !

فأتيت رسول صلى الله عليه سلم ، فذكرت ذلك له ، فقال : " قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير .

وانفث عن شمالك ثلاثا ، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم لا تعد " .

وأما " مناة " فكانت بالمشلل - عند قديد ، بين مكة والمدينة - وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ، ويهلون منها للحج إلى الكعبة .

وروى البخاري عن عائشة نحوه .

وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز ، وإنما أفرد هذه بالذكر ؛ لأنها أشهر من غيرها .

قال ابن إسحاق في السيرة : وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ، بها سدنة وحجاب ، وتهدي لها كما يهدى للكعبة ، وتطوف بها كطوفاتها بها ، وتنحر عندها ، وهي تعرف فضل الكعبة عليها ; لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ، عليه السلام ، ومسجده .

فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة ، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم .

قلت : بعث إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد فهدمها ، وجعل يقول : يا عز ، كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك وقال النسائي : أخبرنا علي بن المنذر ، أخبرنا ابن فضيل ، حدثنا الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى ، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات ، فقطع السمرات ، وهدم البيت الذي كان عليها .

ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال : " ارجع فإنك لم تصنع شيئا " .

فرجع خالد ، فلما أبصرته السدنة - وهم حجبتها - أمعنوا في الحيل وهم يقولون : " يا عزى ، يا عزى " .

فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها ، فغمسها بالسيف حتى قتلها ، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال : " تلك العزى " .

قال ابن إسحاق : وكانت اللات لثقيف بالطائف ، وكان سدنتها وحجابها بنى معتب .

قلت : وقد بعث إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب ، فهدماها وجعلا مكانها مسجد الطائف .

قال ابن إسحاق : وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ إليها ] أبا سفيان صخر بن حرب ، فهدمها .

ويقال : علي بن أبي طالب .

قال : وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة .

قلت : وكان يقال لها : الكعبة اليمانية ، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية .

فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرير بن عبد الله البجلي فهدمه .

قال : وكانت فلس لطيئ ولمن يليها بجبلي طيئ من سلمى وأجا .

قال ابن هشام : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه ، واصطفى منه سيفين : الرسوب والمخذم ، فنفله أياهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهما سيفا علي .

قال ابن إسحاق : وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له : ريام .

وذكر أنه كان به كلب أسود ، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه ، وهدما البيت .

قال ابن إسحاق : وكانت " رضاء " بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام : ولقد شددت على رضاء شدة فتركتها قفرا بقاع أسحما قال ابن هشام : إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة ، وهو القائل : ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من عدد السنين مئينا مائة حدتها بعدها مائتان لي وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يمر وليلة تحدونا قال ابن إسحاق : وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل ، وإياد بسنداد وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة : بين الخورنق والسدير وبارق والبيت ذي الكعبات من سنداد ولهذا قال [ تعالى ] : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى ) قال: أما مناةُ فكانت بقُدَيد, آلهة كانوا يعبدونها, يعني اللات والعُزَّى ومَناة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى ) قال: مناة بيت كان بالمشلِّل يعبده بنو كعب.

واختلف أهل العربية في وجه الوقف على اللات ومنات, فكان بعض نحويّي البصرة يقول: إذا سكت قلت اللات, وكذلك مناة تقول: مناتْ.

وقال: قال بعضهم: اللاتّ, فجعله من اللتّ؛ الذي يلت ولغة للعرب يسكتون على ما فيه الهاء بالتاء يقولون: رأيت طَلْحتْ, وكلّ شيء مكتوب بالهاء فإنها تقف عليه بالتاء, نحو نعمة ربك وشجرة.

وكان بعض نحويّي الكوفة يقف على اللات بالهاء " أفَرأيْتُمُ اللاة " وكان غيره منهم يقول: الاختيار في كل ما لم يضف أن يكون بالهاء رحمة من ربي, وشجرة تخرج, وما كان مضافا فجائزا بالهاء والتاء, فالتاء للإضافة, والهاء لأنه يفرد ويوقف عليه دون الثاني, وهذا القول الثالث أفشى اللغات وأكثرها في العرب وإن كان للأخرى وجه معروف.

وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزّى ومناة الثالثة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومناة الثالثة الأخرى قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي والأعشى عن أبي بكر " ومناءة " بالمد والهمز .

والباقون بترك الهمز لغتان .

وقيل : سمي بذلك ; لأنهم كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه .

وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء .

وكان الكسائي وابن كثير وابن محيصن يقفون بالهاء على الأصل .

الباقون بالتاء اتباعا لخط المصحف .

وفي الصحاح : ومناة اسم صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة ، والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة ، والنسبة إليها منوي .

وعبد مناة ابن أد بن طابخة ، وزيد مناة ابن تميم بن مر يمد ويقصر ; قال هوبر الحارثي : [ ص: 95 ]ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة على الشنء فيما بيننا ابن تميمقوله تعالى : الأخرى العرب لا تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى نعت للثانية ، واختلفوا في وجهها فقال الخليل : إنما قال ذلك لوفاق رءوس الآي ; كقوله : مآرب أخرى ولم يقل أخر .

وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير مجازها : أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة .

وقيل : إنما قال ومناة الثالثة الأخرى لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى فالكلام على نسقه .

وقد ذكرنا عن ابن هشام : أن مناة كانت أولا في التقديم ، فلذلك كانت مقدمة عندهم في التعظيم ; والله أعلم .

وفي الآية حذف دل عليه الكلام ; أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والأمر بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما عليه المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما هي أسماء فارغة عن المعنى، سماها المشركون هم وآباؤهم الجهال الضلال، ابتدعوا لها من الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الضلال، فالآلهة التي بهذه الحال، لا تستحق مثقال ذرة من العبادة، وهذه الأنداد التي سموها بهذه الأسماء، زعموا أنها مشتقة من أوصاف هي متصفة بها، فسموا \"اللات\" من \"الإله\" المستحق للعبادة، و\"العزى\" من \"العزيز\" و \"مناة\" من \"المنان\" إلحادا في أسماء الله وتجريا على الشرك به، وهذه أسماء متجردة عن المعاني، فكل من له أدنى مسكة من عقل، يعلم بطلان هذه الأوصاف فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومناة ) قرأ ابن كثير بالمد والهمزة ، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز ، لأن العرب سمت زيد مناة وعبد مناة ، ولم يسمع فيها المد .

قال قتادة : هي لخزاعة كانت بقديد ، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار : كانوا يهلون لمناة ، وكانت حذو قديد .

قال ابن زيد : بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب .

قال الضحاك : مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة .

وقال بعضهم : اللات والعزى ومناة : أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها .

واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة : فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء .

وقال بعضهم : ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء ، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء .

وأما قوله : ( الثالثة الأخرى ) [ فالثالثة ] نعت لمناة ، أي : الثالثة للصنمين في الذكر ، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى ، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية .

قال الخليل : فالياء لوفاق رءوس الآي ، كقوله : " مآرب أخرى " ( طه - 18 ) ولم يقل : أخر .

وقيل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة .

ومعنى الآية : " أفرأيتم " : أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله ، قال الكلبي : كان المشركون بمكة يقولون : الأصنام والملائكة بنات الله ، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومناة الثالثة» للتين قبلها «الأخرى» صفة ذم للثالثة وهي أصنام من حجارة كان المشركون يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله، ومفعول أفرأيتم الأول اللات وما عطف عليه والثاني محذوف والمعنى أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره، ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات الله مع كراهتهم البنات نزلت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفرأيتم- أيها المشركون- هذه الآلهة التي تعبدونها: اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، هل نفعت أو ضرَّت حتى تكون شركاء لله؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأما " مناة " فكانت صخرة ضخمة ، بمكان يقال له المشلل ، بين مكة والمدينة ، وكانت قبيلة خزاعة والأوس والخزرج فى جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة .قالوا : وسميت بهذا الاسم ، لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها ، أى : تراق وتسكب .والمعنى : لقد ذكرنا لكم - أيها المشركون - ما يدل على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا ، وسمو منزلة نبينا - صلى الله عليه وسلم - .

.

.

فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه الأصنام التى لا تضر ولا تنفع ، كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى .

إنها أشياء فى غاية الحقارة والعجز ، فكيف سويتم بينها وبين الخالق - عز وجل - فى العبادة ، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها ، وزعمتم أنها بنات الله .

.

؟

.فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم ، والتجهيل لعقولهم .ويصح أن تكون الرؤية فى قوله - سبحانه - ( أَفَرَأَيْتُمُ ) بصرية ، فلا تحتاج إلا لمفعول واحد .

أى : انظروا بأعينكم إلى تلك الأصنام ، التى من أشهرها : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها؟

إنها لا تملك شيئا ، فكيف عظمتموها مع حقارتها وعجزها؟والاستفهام - أيضا - للتهكم بهم ، والتعجيب من تفكيرهم السقيم .قال الآلوسى : والظاهر أن " الثالثة الأخرى : صفتان لمناة .

وهما على ما قيل للتأكيد .وقال بعض الأجلة : الثالثة للتأكيد .

و ( الأخرى ) للذم بأنها متأخرة فى الرتبة ، وضيعة المقدار .

.

.والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات ، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون : إن الملائكة - عليهم السلام - وتلك المعبودات الباطلة ، بنات الله .- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم تويبخا وتبكيتا : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى .

.

) الخ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله تعالى: ﴿ أَفَرَءيْتُمُ ﴾ إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما أن ضعيفاً إذا ادعى الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك، منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره، فلذلك قال: ﴿ أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ﴾ أي كما هما فكيف تشركونهما بالله، والتاء في اللاّت تاء تأنيث كما في المناة لكنها تكتب مطولة لئلا يوقف عليها فتصير هاء فيشتبه باسم الله تعالى، فإن الهاء في الله أصلية ليست تاء تأنيث وقف عليها فانقلبت هاء، وهي صنم كانت لثقيف بالطائف، قال الزمخشري هي فعله من لوى يلوي، وذلك لأنهم كانوا يلوون عليها، وعلى ما قال فأصله لوية أسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين فبقيت لوه قلبت الواو ألفاً لفتح ما قبلها فصارت لات، وقرئ اللات بالتشديد من لت، قيل إنه مأخوذ من رجل كان يلت بالسمن الطعام ويطعم الناس فعبد واتخذ على صورته وثن وسموه باللاّت، وعلى هذا فاللاّت ذكر، وأما العزى فتأنيث الأعز وهي شجرة كانت تعبد، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه فقطعها وخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس منشورة الشعر تضرب رأسها وتدعوا بالويل والثبور فقتلها خالد وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وفعل فقال تلك العزى ولن تعبد أبداً، وأما مناة فهي فعلة صنم الصفا، وهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الآخر لا يصح أن يقال إلا إذا كان الأول مشاركاً للثاني فلا يقال رأيت امرأة ورجلاً آخر، ويقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر لاشتراك الأول والثاني في كونهما من الرجال وهاهنا قوله: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ يقتضي على ما ذكرنا أن تكون العزى ثالثة أولى ومناة ثالثة أخرى وليس كذلك، والجواب عنه من وجوه: الأول: الأخرى كما هي تستعمل للذم، قال الله تعالى: ﴿ قَالَتْ * أولاهم لأَخْرَاهُمْ  ﴾ أي لمتأخرتهم وهم الأتباع ويقال لهم الأذناب لتأخرهم في المراتب فهي صفة ذم كأنه تعالى يقول ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة، ونقول على هذا للأصنام الثلاثة ترتيب، وذلك لأن الأول كان وثناً على صورة آدمي والعزى صورتها صورة نبات ومناة صورتها صورة صخرة هي جماد، فالآدمي أشرف من النبات، والنبات أشرف من الجماد، فالجماد متأخر والمناة جماد فهي في الأخريات من المراتب الجواب الثاني: فيه محذوف تقديره أفرأيتم اللات والعزى المعبودين بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى والجواب الثالث: هو أن الأصنام كان فيها كثرة واللاّت والعزى إذا أخذتا متقدمتين فكل صنمة توجد فهي ثالثة، فهناك ثوالث فكأنه يقول لهما ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى، وهذا كقول القائل يوماً ويوماً والجواب الرابع: فيه تقديم وتأخير تقديره ومناة الأخرى الثالثة، ويحتمل أن يقال الأخرى تستعمل لموهوم أو مفهوم وإن لم يكن مشهوراً ولا مذكوراً يقول من يكثر تأذيه من الناس إذا آذاه إنسان الآخر جاء يؤذينا، وربما يسكت على قوله أنت الآخر فيفهم غرضه كذلك هاهنا.

المسألة الثانية: وهي في الترتيب أولى ما فائدة الفاء في قوله: ﴿ أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ﴾ وقد استعمل في مواضع بغير الفاء؟

قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ ﴿ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ  ﴾ ، نقول لما قدم من عظمة آيات الله في ملكوته أن رسول الله إلى الرسل الذي يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته، قال أفرأيتم هذه الأصنام مع زلتها وحقارتها شركاء الله مع ما تقدم، فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عظمة آيات الله تعالى الكبرى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى، فانظروا إلى اللاّت والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه.

المسألة الثالثة: أين تتمة الكلام الذي يفيد فائدة ما؟

نقول قد تقدم بيانه وهو أنه يقول هل رأيتم هذه حق الرؤية، فإن رأيتموها علمتم أنها لا تصلح شركاء، نظيره ما ذكرنا فيمن ينكر كون ضعيف يدعي ملكاً، يقول لصاحبه أما تعرف فلاناً مقتصراً عليه مشيراً إلى بطلان ما يذهب إليه ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اللات والعزى ومناة ﴾ أصنام كانت لهم، وهي مؤنثات؛ فاللات كانت لثقيف بالطائف.

وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة.

أو يلتوون عليها: أي يطوفون.

وقرئ ﴿ اللات ﴾ بالتشديد.

وزعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالسويق ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثناً، والعزى كانت لغطفان وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز.

وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَك ** إني رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهانَكَ ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام تلك العزى ولن تعبد أبداً.

ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لثقيف.

وقرئ: ﴿ ومناءة ﴾ وكأنها سميت مناة لأنّ دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي: تراق، ومناءة مفعلة من النوء، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ا ﴾ ذمّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله تعالى: ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم ﴾ [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم.

ويجوز أن تكون الأوّلية والتقدّم عندهم للات والعزى.

كانوا يقولون إنّ الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع وأدهم البنات، فقيل لهم ﴿ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى (21) ﴾ ويجوز أن يراد: أنّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أنداداً لله وتسمونهنّ آلهة ﴿ قِسْمَةٌ ضيزى ﴾ جائرة، من ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل: ضوزى.

ففعل بها ما فعل ببيض؛ لتسلم الياء.

وقرئ: ﴿ ضئزى ﴾ من ضأزه بالهمز.

وضيزى: بفتح الضاد ﴿ هِىَ ﴾ ضمير الأصنام، أي ما هي ﴿ إِلاَّ أَسْمَاءٌ ﴾ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشدّه منافاة لها.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ [يوسف: 40] أو ضمير الأسماء وهي قولهم، اللات والعزى ومناة، وهم يقصدون بهذه الأسماء الآلهة، يعني: ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به.

ومعنى ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ سميتم بها، يقال: سميته زيداً، وسميته بزيد ﴿ إن يتبعون ﴾ وقرئ بالتاء ﴿ إِلاَّ الظن ﴾ إلا توهم أنّ ما هم عليه حق، وأنّ آلهتهم شفعاؤهم، وما تشتهيه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل على أنّ دينهم باطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهُمْ، فاللّاتُ كانَتْ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ أوْ لِقُرَيْشٍ بِنَخْلَةَ وهي فَعْلَةٌ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها أيْ يَطُوفُونَ.

وقَرَأ هِبَةُ اللَّهِ عَنِ البِزِّيِّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ اللّاتَّ بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ صُورَةُ رَجُلٍ كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ بِالسَّمْنِ ويُطْعِمُ الحاجَّ.

والعُزّى بِالتَّشْدِيدِ سَمُرَةٌ لِغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها فَبَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَطَعَها، وأصْلُها تَأْنِيثُ الأعَزِّ ومَناةَ صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ أوْ لِثَقِيفٍ وهي فَعْلَةٌ مِن مَناهُ إذا قَطَعَهُ فَإنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَها القَرابِينَ ومِنهُ مِنًى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ مُناءَةَ وهي مُفْعَلَةٌ مِنَ النَّوْءِ فَإنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ الأنْواءَ عِنْدَها تَبَرُّكًا بِها، وقَوْلُهُ: الثّالِثَةَ الأُخْرى صِفَتانِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ أوِ الأُخْرى مِنَ التَّأخُّرِ في الرُّتْبَةِ.

﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَذِهِ الأصْنامُ اسْتَوْطَنَها جِنِّيّاتٌ هُنَّ بَناتُهُ، أوْ هَياكِلُ المَلائِكَةِ وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: أفَرَأيْتُمُ.

﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ جائِرَةٌ حَيْثُ جَعَلْتُمْ لَهُ ما تَسْتَنْكِفُونَ مِنهُ وهي فَعْلى مَنِ الضَّيْزِ وهو الجَوْرُ، لَكِنَّهُ كُسِرَ فاؤُهُ لِتَسْلَمَ الياءُ كَما فَعَلَ في بَيْضٍ فَإنَّ فِعْلى بِالكَسْرِ لَمْ تَأْتِ وصْفًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزَةِ مِن ضَأزَهُ إذا ظَلَمَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)

{أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة أي أخبرونا عن هذه الاشياء التى تعبدونها من دون اللهعز وجل هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهى مؤنثات فاللات كان لثقيف بالطائف وقيل كانت بنهخلة تعبدها قريش وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة والعزى كانت لغطفان وهى سمرة واصلها تأنيث الاعز وقطعها خالدين الوليد ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة وقيل لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق ومناءة مكي مفعلة من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها {الأخرى} هي صفة ذم أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله وَقَالَتِ أُخْرَاهُمْ لاولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله وكانوا يعبدونهم ويزعمون انهم شفعاؤهم عندالله مع وأدهم البنات وكراهتم لهن فقيل لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَناةَ ﴾ قِيلَ: صَخْرَةٌ كانَتْ لِهَذِيلٍ وخُزاعَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِثَقِيفٍ، وعَنْ قَتادَةَ لِلْأنْصارِ بِقَدِيدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتْ بِالكَعْبَةِ أيْضًا، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها ثَلاثَتُها كانَتْ فِيها قالَ: لِأنَّ المُخاطَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: أفَرَأيْتُمْ قُرَيْشَ ؟

وفِيهِ بَحْثٌ، ومَناةَ مَقْصُورَةٌ قِيلَ: وزْنُها فَعَلَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها أيْ تُراقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى ما في البَحْرِ مُناءَةً بِالمَدِّ والهَمْزَةِ كَما في قَوْلِهِ: ألا هَلْ أتى التَّيْمُ بْنُ عَبْدِ مَناءَةَ عَلى النَّأْيِ عَلى الشَّنْءِ فِيما بَيْنَنا ابْنَ تَمِيمِ ووَزْنُها مَفْعَلَةٌ فالألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ كَما في مَقالَةِ، والهَمْزَةُ أصْلٌ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ صِفَتانِ لِمَناةَ وهُما عَلى ما قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ كَوْنَها ثالِثَةً وأُخْرى مُغايِرَةً لِما تَقَدَّمَها مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: ﴿ الثّالِثَةَ ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ( والأُخْرى ) لِلذَّمِّ بِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ في الرُّتْبَةِ وضِيعَةُ المِقْدارِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ آخَرَ ومُؤَنَّثُهُ أُخْرى لَمْ يَوْضُعا لِذَمٍّ ولا لِمَدْحٍ وإنَّما يَدُلّانِ عَلى مَعْنى غَيْرِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ الأصْلِيِّ وهي تَدُلُّ عَلى ذَمِّ السّابِقَتَيْنِ أيْضًا قالَ في الكَشْفِ: هي اسْمُ ذَمٍّ يَدُلُّ عَلى وضاعَةِ السّابِقَتَيْنِ بِوَجْهٍ أيْضًا لِأنَّ «أُخْرى» تَأْنِيثُ آخَرَ تَسْتَدْعِي المُشارَكَةَ مَعَ السّابِقِ فَإذا أتى بِها لِقَصْدِ التَّأخُّرِ في الرُّتْبَةِ عَمَلًا بِمَفْهُومِها الأصْلِيِّ إذْ لا يُمْكِنُ العَمَلُ بِالمَفْهُومِ العُرْفِيِّ لِأنَّ السّابِقَتَيْنِ لَيْسَتا ثالِثَةً أيْضًا اسْتَدْعَتِ المُشارَكَةَ فَضاءً لِحَقِّ التَّفْضِيلِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ( الأُخْرى ) في التَّأخُّرِ انْتَهى وهو حَسَنٌ، وذَكَرَ في نُكْتَةِ ذَمِّ مَناةِ بِهَذا الذَّمِّ أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها أعْظَمَ الثَّلاثَةٌ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.

وقالَ الإمامُ: ﴿ الأُخْرى ﴾ صِفَةُ ذَمٍّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ ﴾ الذَّلِيلَةَ وذَلِكَ لِأنَّ اللّاتَ كانَ عَلى صُورَةِ آدَمِيِّ ﴿ والعُزّى ﴾ صُورَةُ نَباتٍ ﴿ ومَناةَ ﴾ صُورَةُ صَخْرَةٍ، فالآدَمِيُّ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، والنَّباتُ أشْرَفُ مِنَ الجَمادِ - فالجَمادُ مُتَأخِّرٌ - ومَناةُ جَمادٌ فَهي أُخْرَياتُ المَراتِبِ، وأنْتِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كُلِّ الأقْوالِ، وقِيلَ: ﴿ الأُخْرى ﴾ صِفَةٌ لِلْعُزّى لِأنَّها ثانِيَةُ اللّاتِ، والثّانِيَةُ يُقالُ لَها ( الأُخْرى ) وأُخِّرَتْ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ المُفَضَّلِ: فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ والعُزّى الأُخْرى ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ ﴾ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءِ، والكَلامُ خِطابٌ لِعَبَدَةِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وقَدْ كانُوا مَعَ عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتِلْكَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿ أفَرَأيْتُمُ ﴾ إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي عِلْمِيَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ، ومَفْعُولُها الثّانِي عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى أعَقِيبٌ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قُدْرَتِهِ ونَفاذِ أمْرِهِ رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها بَناتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قرأ مجاهد: اللَّاتَ بتشديد التاء.

يقال: كان رجلاً يلت السويق بالزيت، ويطعم الناس.

وقال السدي: كان رجلاً يقوم على آلهتهم، ويلت السويق لهم.

ويقال: كانت حجارة يعبدونها، وينزل عندها رجل يبيع السويق، ويلته، فسميت تلك الحجارة باللات.

وقرأه العامة بغير تشديد.

قال مقاتل: وإنما سمي اللَّاتَ وَالْعُزَّى لأنهم قالوا: هكذا أسماء الملائكة، وهم بناته فنزل أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى وقال قتادة: اللَّاتَ كان لأهل الطائف، وَالْعُزَّى لقريش، ومناة للأنصار.

ويقال: إن المشركين أرادوا أن يجعلوا من آلهتهم من أسماء الحسنى، فأرادوا أن يسموا الواحد منها الله، فجرى على لسانهم اللَّاتَ وأرادوا أن يسموا الواحد منها العزيز، فجرى على لسانهم العزى، وأرادوا أن يسموا الواحد منها المنان فجرى على لسانهم مناة.

ويقال: إن العزى كانت نخلة بالطائف يعبدونها، فبعث النبيّ  خالد بن الوليد حتى قطع تلك النخلة، فخرجت منها امرأة تجر شعرها على الأرض، فأتبعها بفأس، فقتلها، فأخبر بذلك رسول الله  ، فقال: «تِلْكَ العُزَّى قَتَلَهَا فَلاَ تُعْبَدُ العُزَّى أَبَداً» .

ويقال: أول الأصنام كانت اللات، ثم العزَّى ثم مناة.

وهو قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى يعني: أفرأيتم عبادتها تنفعهم في الآخرة.

ثم قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى يعني: بني مدلج، ويعبدون الملائكة، ويقولون: هم بناته فيشفعوا لنا تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي: جائزة معوجة.

قرأ ابن كثير: بهمز الألف، والمد.

والباقون: بغير همز، ومعناهما واحد، وهو اسم الصنم.

وقرأ ابن كثير: ضِيزى بالهمزة.

والباقون: بغير همزة، ومعناهما واحد.

يقال: ضازه، يضيزه، إذا نقصه حقه.

يقال: ضزت في الحكم أي جرت.

ثم قال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها يعني: الأصنام، أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بالتقليد مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني: من عذر، وحجة لكم بما تقولون إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما يعبدون، وما يتبعون إلا الظن، ولا تعرفونها أنها يقيناً آلهة، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ يعني: يتبعون ما تشتهي أنفسهم، وعبدوه، وتركوا دين الله، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى يعني: أتاهم الكتاب، والرسول، وبين لهم طريق الهدى.

ثم قال عز وجل: أَمْ لِلْإِنْسانِ مَا تَمَنَّى يعني: ما يتمنى بأن الملائكة تشفع له، فيكون الأمر بتمنيه، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى يعني: ثواب الآخرة والأولى.

ويقال: أهل السموات، وأهل الأرض كلهم عبيده ويقال: له نفاذ الأمر في الآخرة، والأولى.

ويقال: جميع ما فيها يدل على وحدانيته.

ثم قال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني: لا تنقطع شفاعتهم، رداً لقولهم: إنهم يشفعون لنا.

ثم استثنى فقال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى يعني: من كان معه التوحيد، فيشفع له بإذن الله تعالى.

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: لا يصدقون بالبعث لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى باسم البنات، وفيه تنبيه للمؤمنين، لكي لا تقولوا مثل مقالتهم، وزجراً للكافرين عن تلك المقالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى قال الجمهور: أراد سبحانه أَنْ يُعَظِّمَ مَكانَ السدرة، ويُشَرِّفَهُ بِأَنَّ جنة المأوى عندها، قال الحسن «١» : هي الجنة التي وعد بها المؤمنون.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)

وقوله سبحانه: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى أي: غَشِيَها من أمر اللَّه ما غشيها، فما يستطيع أحد أَنْ يصفَها، وقد ذكر المُفَسِّرُون في وصفها أقوالاً هي تَكَلُّفٌ في الآية لأَنَّ اللَّه تعالى أبهم ذلك، وهم يريدون شرحه، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ» «٢» .

وقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ قال ابن عباس «٣» : معناه: ما جال هكذا ولا هكذا.

وقوله: وَما طَغى معناه: ولا تجاوز المَرْئِيَّ، وهذا تحقيق للأمر، ونفيٌ لوجوه الريب عنه.

وقوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى قال جماعة: معناه: لقد رأى الكبرى من آياتِ رَبِّهِ، أي: مِمَّا يمكنُ أنْ يراها البشر، وقال آخرون: المعنى: لقد رأى بَعْضاً من آيات رَبِّهِ الكبرى، وقال ابن عباس وابن مسعود «٤» : رأى رفرفاً أخضرَ من الجنة، قد سدّ الأفق.

ت: وزاد الثعلبيُّ: وقيل: المعراج، وما رأى في تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه دليله قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ...

[الإسراء: ١] الآية، قال عِيَاضٌ:

/ وقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى انحصرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلامُ في تعيين تلك الآيات الكبرى، وقد اشتملت هذه الآيات على إعلام الله بتزكية جملته ع وعِصْمَتِهَا من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤادَه ولسانَه وجوارِحَه فقلبه بقوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [النجم: ١١] ، ولسانَهُ- عليه السلام- بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] ، وبصرَهُ بقوله تعالى: مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى اهـ.

ولما فرغ من ذكر عظمة اللَّه وقدرته قال على جهة التوقيف: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ...

الآية، أي: أرأيتم هذه الأوثان وحقارَتَها وبُعْدَهَا عن هذه القدرة والصفات العَلِيَّةِ، واللات: صنم كانتِ العربُ تعظمه، والعُزَّى: صخرة بيضاءُ كانت العرب أيضاً تعبُدُها، وأمَّا مناة: فكانت بالمشلل من قديد، وكانت أعظم هذه الأوثان عندهم، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ووقف تعالى الكُفَّارَ على هذه الأوثان، وعلى قولهم فيها: إنها بنات اللَّه، فكأَنَّه قال: أرأيتم هذه الأوثانَ وقولَكُمْ: هي بناتُ اللَّه أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ثم قال تعالى على جهة الإنكار: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى أي: عوجاء قاله مجاهد «١» ، وقيل: جائرة قاله ابن عباس «٢» ، وقال سفيان «٣» : معناه: منقوصة، وقال ابن زيد «٤» :

معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضِزْتُهُ حَقَّهُ أَضِيزُهُ بمعنى: منعته، وضِيزَى من هذا التصريف قال أبو حيان «٥» : والثَّالِثَةَ الْأُخْرى صفتان لمناة للتأكيد، قيل: وأُكِّدَتْ بهذين الوصفين لِعَظَمِهَا عندهم، وقال الزمخشري: والأخرى ذَمٌّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدارِ، وتُعُقِّبَ/ بأنَّ أخرى مُؤنث آخر، ولم يُوضَعَا لِلذَّمِ ولا للمدح.

ت: وفي هذا التعقب تعسف، والظاهر أَنَّ الوصفين معاً سِيقَا مَسَاقَ الذَّمِّ لأَنَّ هؤلاءِ الكُفَّارِ لم يكتفوا بضلالهم في اعتقادهم ما لا يجوز في اللات والعزى، إِلى أَنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الزَّجّاجُ: فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ المَعْنى: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ لَها مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ شَيْءٌ؟!

فَأمّا "اللّاتُ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخَفِيفِ التّاءِ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِثَقِيفٍ اتَّخَذُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانُوا يَشْتَقُّونَ لِأصْنامِهِمْ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ "اللَّهِ": اللّاتُ، ومِنَ "العَزِيزِ": العُزّى.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: كانَ المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَ "اللَّهَ" اسْمًا لِبَعْضِ أصْنامِهِمْ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلى اللّاتَ صِيانَةً لِهَذا الِاسْمِ وذَبًّا عَنْهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمَرَ، والأعْمَشُ، ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "اللّاتَّ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ؛ ورَدَ في تَفْسِيرٍ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحاجِّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ فَعَبَدُوهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ: اللّاتَّ.

وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْهِ بِالهاءِ، فَيَقُولُ: "اللّاهْ"؛ وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ الوُقُوفُ بِالتّاءِ، لِاتِّباعِ المُصْحَفِ.

وَأمّا "العُزّى" فَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها شَجَرَةٌ لَغَطَفانَ كانُوا يَعْبُدُونَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: صَنَمٌ لَهُمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ: وأمّا "مَناةُ" فَهو صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ.

وقالَ قَتادَةُ: بَلْ كانَتْ لِلْأنْصارِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتِ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ أصْنامًا مِن حِجارَةٍ في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَمُناءَةَ" مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً.

فَأمّا قَوْلُهُ: (الثّالِثَةَ) فَإنَّهُ نَعْتٌ لِـ "مَناةَ"، هي ثالِثَةُ الصَّنَمَيْنِ في الذِّكْرِ، "والأُخْرى" نَعْتٌ لَها.

قالَ الثَّعْلَبِيُّ: العَرَبُ لا تَقُولُ لِلثّالِثَةِ: الأُخْرى، وإنَّما الأُخْرى نَعْتٌ لِلثّانِيَةِ؛ فَيَكُونُ في المَعْنى وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيِ، كَقَوْلِهِ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ولَمْ يَقُلْ، أُخَرُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

والثّانِي: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْأصْنامِ والمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى كَرِهَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ ؟!

يَعْنِي الأصْنامَ وهي [إناثٌ] في أسْمائِها.

﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ["ضِيزى"] بِكَسْرِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ [فِي] كَسْرِ الضّادِ، لَكِنَّهُ هَمَزَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "ضَيْزى" بِفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: الضِّيزى في كَلامِ العَرَبِ: النّاقِصَةُ الجائِرَةُ، يُقالُ: ضازَهُ يَضِيزُهُ: إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزِ.

وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ضِيزى: ضُوزى، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن "فُعْلى" مِن ضُوزى إلى ضِيزى، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: أبْيَضُ وبِيضٌ، وأصْلُهُ: بُوضٌ، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ.

وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ: في "ضِيزى" لُغاتٌ؛ يُقالُ: ضِيزى، وضُوزى، وضُؤْزى، وضَأْزى عَلى "فَعَلى" مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا "ضِيزى" بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ "فِعْلى" صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى "فَعْلى" بِالفَتْحِ، نَحْوُ سَكْرى وغَضْبى، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوُ حُبْلى وفُضْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هِيَ ﴾ يَعْنِي الأوْثانَ ﴿ إلا أسْماءٌ ﴾ والمَعْنى: إنَّ هَذِهِ الأوْثانَ الَّتِي سَمَّوْها بِهَذِهِ الأسامِي لا مَعْنًى تَحْتَها، لِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَهي تَسْمِياتٌ أُلْقِيَتْ عَلى جَماداتٍ، ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُنْزِلْ كِتابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِما يَقُولُونَ: إنَّها آلِهَةٌ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بَعْدَ الخِطابِ لَهم فَقالَ: ﴿ إنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ في أنَّها آلِهَةٌ، ﴿ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ وهو ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ، ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ وهو البَيانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وهَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَتْرُكُوا عِبادَتَها بَعْدَ وُضُوحِ البَيانِ.

ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهم شَفاعَتَها فَقالَ: ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ﴾ يَعْنِي الكافِرَ ﴿ ما تَمَنّى ﴾ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ ﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ فِيهِما أحَدٌ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ.

ثُمَّ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا ﴾ فَجَمَعَ في الكِنايَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الجَمْعُ ﴿ إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ ﴾ في الشَّفاعَةِ ﴿ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى ﴾ والمَعْنى أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ ﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أفَرَأيْتُمُ" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، وهي مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ لِأنَّهُ أحالَ عَلى أجْرامٍ مَرْئِيَّةٍ، ولَوْ كانَتْ "رَأى" الَّتِي هي اسْتِفْتاءٌ لَمْ تَتَعَدَّ.

ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ قالَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ-: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وحَقارَتَها وبُعْدَها عن هَذِهِ القُدْرَةِ والصِفاتِ العَلِيَّةِ؟

و"اللاتَ" اسْمُ صَنَمٍ كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ في الكَعْبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ بِالطائِفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ أرْجَحُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ والتاءُ في "اللاتَ" لامُ فِعْلٍ كالباءِ مِن "بابٍ، وقالَ قَوْمٌ هي تاءُ التَأْنِيثِ، والتَصْرِيفُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ: "اللاتُ" بِشَدِّ التاءِ، وقالُوا: كانَ هَذا الصَنَمُ حَجَرًا وكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِن بِهْزٍ يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ ويَخْدِمُ الأصْنامَ، فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا الحَجَرَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ إجْلالًا لِذَلِكَ الرَجُلِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ.

و"العُزّى" صَخْرَة بَيْضاءُ كانَتِ العَرَبُ أيْضًا تَعْبُدُها وتُعَظِّمُها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ شُجَيْراتٍ تُعْبَدُ ثُمَّ لَمّا بَلِيَتِ انْتَقَلَ أمْرُها إلى صَخْرَةٍ، و"عُزّى" مُؤَنَّثَةُ "عَزِيزٍ" كَكُبْرى وعُظْمى، وكانَتْ هَذِهِ الأوثانُ تُعَظَّمُ وتُعْبَدُ، الوَثَنُ مِنها قَبِيلَةٌ وتُعَظِّمُهُ، ويَجِيءُ كُلٌّ مِن عَزَّ العَرَبَ فَيُعَظِّمُها بِتَعْظِيمِ حاضِرِها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: كانَتِ العُزّى ومَناةُ في الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَتِ العُزّى في الطائِفِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ بِنَخْلَةَ، وأمّا مَناةُ فَكانَتْ بِالمُشَلَّلِ مِن قَدِيدٍ، وذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وكانَتْ أعْظَمَ هَذِهِ الأوثانِ قَدْرًا، وأكْثَرَها عابِدًا، وكانَتِ الأوسُ والخَزْرَجُ تُهِلُّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فَأكَّدَها بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا وفُلانًا، ثُمَّ تَذْكُرُ ثالِثًا أجَلَّ مِنهُما فَتَقُولُ: وفُلانًا الآخَرَ الَّذِي مِن أمْرِهِ وشَأْنِهِ، ولَفْظَةُ "آخَرَ" و"أُخْرى" يُوصَفُ بِهِما الثالِثُ مِنَ المَعْدُوداتِ، وذَلِكَ نَصٌّ في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنَ مُكْدَمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ وَهُوَ التَأْوِيلُ الصَحِيحُ في قَوْلِ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مَن ثُمامَهْ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ: "وَمُناءَةَ" بِالهَمْزِ والمَدِّ، وهي لُغَةٌ فِيها، والأوَّلُ أشْهَرُ وهي قِراءَةُ الناسِ، ومِنها قَوْلُ جَرِيرٍ: أزْيَدَ مَناةَ تُوعِدُ بِابْنِ تَيْمٍ ∗∗∗ تَأْمَّلْ أيْنَ تاهَ بِكَ الوَعِيدُ وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى هَذِهِ الأوثانِ وعَلى قَوْلِهِمْ فِيها؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هي بَناتُ اللهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وقَوْلُكم هي بَناتُ اللهِ؟

ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى؟

أيْ: النَوْعُ المُسْتَحْسَنُ المَحْبُوبُ هو لَكم مَوْجُودٌ فِيكم والمَذْمُومُ المُسْتَثْقَلُ عِنْدَكم هو لَهُ بِزَعْمِكُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ-: ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ، أيْ: عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ "ضِيزى" مَعْناهُ: جائِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ سُفْيانُ: مَعْناهُ: مَنقُوصَةٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُخالِفَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: "ضِزْتُهُ حَقَّهُ أضِيزُهُ" بِمَعْنى: مَنَعْتُهُ مِنهُ وظَلَمْتُهُ فِيهِ، و"ضِيزى" مِن هَذا التَصْرِيفِ، وأصْلُها فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ "ضُوزى" لِأنَّهُ القِياسُ؛ إذْ لا يُوجَدُ في الصِفاتِ فُعْلى بِكَسْرِ الفاءِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، فَإذا كانَ هَذا فَهي "ضُوزى" كَسَرُوا أوَّلَها كَما كُسِرَ أوَّلُ "عَيْنٍ وبَيْضٍ" طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ إذِ الكَسْرَةُ والياءُ أخَفُّ مِنَ الضَمَّةِ والواوِ، كَما قالُوا: "بُيُوتٌ وعِصِيٌّ" وهي في الأصْلِ فَعُولٌ بِضَمِّ الفاءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "ضِزْتُهُ أضُوزُهُ"، فَكانَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَصْرِيفِ أنْ تَكُونَ "ضُوزى" فُعْلى، وفي جَمِيعِ هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "ضِئْزى" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ ﴾ ، يَعْنِي: تَعالى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ - مِن أنَّها إناثٌ، وأنَّها تَعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً ونَحْوَ هَذا- ما هي إلّا أسْماءٌ، أيْ: تَسْمِياتٌ اخْتَرَعْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم لا حَقِيقَةَ لَها، ولا أنْزَلَ اللهُ تَعالى بِها بُرْهًانًا ولا حُجَّةً، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "سُلُطانٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "إنْ يَتَّبِعُونَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.

و"الظَنَّ": مَيْلُ النَفْسِ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ دُونَ أنْ يَكُونَ مَيْلُها بِحُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، و"هَوى الأنْفُسِ" هو إرادَتُها المَلَذَّةَ لَها، وإنَّما تَجِدُ هَوى النَفْسِ دائِمًا في تَرْكِ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ بِطَبْعِها عَلى حُبِّ المُلِذِّ، وإنَّما يَرْدَعُها ويَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ والشَرْعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ سَرْدَ القَوْلِ إنَّما هُوَ:"إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الباطِلَ وما تَهْوى الأنْفُسُ أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى"، ثُمَّ اعْتَرَضَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ، أيْ: يَفْعَلُونَ هَذِهِ القَبائِحَ والهُدى حاضِرٌ والحالُ هَذِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

و"الهُدى" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ  وشَرْعُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَلَقَدْ جاءَكم مِن رَبِّكُمْ" بِالكافِ فِيهِما، وقالَ الضَحّاكُ عنهُما: إنَّهُما قَرَآ: "وَلَقَدْ جاءَكَ مِن رَبِّكَ".

و"الإنْسانُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ اسْمُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ الأشْياءُ بِالتَمَنِّي والشَهَواتِ، إنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى، والأعْمالُ جارِيَةٌ عَلى قانُونِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَلَيْسَ لَكُمْ، أيُّها الكَفَرَةُ مُرادُكم في قَوْلِكُمْ: "هَذِهِ آلِهَتُنا وهي تَشْفَعُ لَنا وتُقَرِّبُنا زُلْفى" ونَحْوُ هَذا.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والطَبَرِيُّ: الإنْسانُ هُنا هو مُحَمَّدٌ  ، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَنَلْ كَرامَتَنا بِتَأْمِيلٍ بَلْ بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِمَعْنى: بَلْ إنَّهُ تَمَنّى كَرامَتَنا فَنالَها؛ إذْ الكُلُّ لِلَّهِ يَهَبُ ما شاءَ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ.

و"الآخِرَةُ والأُولى" الدارانِ، أيْ: لَهُ كُلُّ أمْرِهِما مَلَكًا ومَقْدُورًا وتَحْتَ سُلْطانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ ﴾ الآيَةُ...

رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "الأوثانُ شُفَعاؤُنا"، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ حالُ المَلائِكَةِ الكِرامِ فَكَيْفَ بِأوثانِكُمْ؟

و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "لا تُغْنِي"، والغِنى:، جَلْبُ النَفْعِ ودَفْعُ الضُرِّ بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الغِنى، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "شَفاعَتِهِمْ" عَلى مَعْنى "كَمْ" ومَعْنى الآيَةِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ تَعالى في أنْ يَشْفَعَ لِشَخْصٍ ما يَرْضى عنهُ كَما أذِنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَفَرَءَيْتُمُ اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى * أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أنتُمْ وءابَاؤُكُم مَّا أنزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان ﴾ .

لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة الله تعالى وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي: اللاتُ، والعزَّى، ومناةُ التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفاً ولا يعرج بها إلى رفعة.

فكان هذا التضاد جامعاً خيالياً يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته.

فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم موحىً إليه بالقرآن، إلى إبطال عبادة الأصنام، ومناط الإِبطال قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ .

فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ [النجم: 12] المفرعة على جملة ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ [النجم: 11].

والروية في ﴿ أفرأيتم ﴾ يجوز أن تكون بَصَرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولاً ثانياً ويكون الاستفهام تقريرياً تهكمياً، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناةَ بالنسبة لما وصف في عظمة الله تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تهكم بهم وإبطال لإِلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى، ودليله العيان.

وأكثر استعمال «أرأيت» أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين.

وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر ﴾ الخ استئنافاً وارتقاء في الرد أو بَدلَ اشتمال من جملة ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب «الكشاف» وسياق الآيات يقتضيه.

ويجوز أن تكون الرؤية علمية، أي أزعمتم اللات والعزى ومناةَ، فحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قوله: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ عليه، والتقدير: أزعمتموهن بنات الله، أتجعلون له الأنثى وأنتم تبتغون الأبناء الذكور، وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر ﴾ الخ بياناً للإِنكار وارتقاء في إبطال مزاعمهم، أي أتجعلون لله البنات خاصة وتغتبطون لأنفسكم بالبنين الذكور.

وجعل صاحب «الكشْف» قوله: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ سادًّا مسدَّ المفعول الثاني لفعل «أرأيتم».

وأيضاً لما كان فيما جرى من صفة الوحي ومنازل الزلفى التي حظي بها النبي صلى الله عليه وسلم وعظمة جبريل إشعار بسعة قدرة الله تعالى وعظيم ملكوته مما يسجِّل على المشركين في زعمهم شركاء لله أصناماً مثل اللات والعزى ومناة.

فسادَ زعمهم وسفاهة رأيهم أعقب ذكر دلائل العظمة الإِلهية بإبطال إلهية أصنامهم بأنها أقل من مرتبة الإِلهية إذ تلك أوهام لا حقائق لها ولكن اخترعتها مُخيّلات أهل الشرك ووضعوا لها أسماء ما لها حقائق، ففرّع ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ فيكون الاستفهام تقريرياً إنكاريًّا، والرؤية علميةَ والمفعول الثاني هو قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ .

5 وتكون جملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ الخ معترضة بين المفعولين للارتقاء في الإِنكار، أي وزعمتوهن بنات لله أو وزعمتم الملائكة بنات لله.

وهذه الوجوه غير متنافية فنحملها على أن جميعها مقصود في هذا المقام.

ولك أن تجعل فعل «أرأيتم» (على اعتبار الرؤية علمية) معلّقاً عن العمل لوقوع ﴿ إنْ ﴾ النافية بعده في قوله: ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ وتجعل جملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ إلى قوله: ﴿ ضيزى ﴾ اعتراضاً.

واللاتُ: صنم كان لثقيف بالطائف، وكانت قريش وجمهور العرب يعبدونه، وله شهرة عند قريش، وهو صخرة مربعة بنوا عليها بناء.

وقال الفخر: «كان على صورة إنسان، وكان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى» كذا قال القرطبي فلعل المسجد كانت له منارتان.

والألف واللام في أول ﴿ اللات ﴾ زائدتان.

و(ال) الداخلة عليه زائدة ولعل ذلك لأن أصله: لاَتْ، بمعنى معبود، فلما أرادوا جعله علماً على معبود خاص أدخلوا عليه لام تعريف العهد كما في ﴿ الله ﴾ فإن أصله إله.

ويوقف عليه بسكون تائه في الفصحى.

وقرأ الجمهور: ﴿ اللات ﴾ بتخفيف المثناة الفوقية.

وقرأه رويس عن يعقوب بتشديد التاء وذلك لغة في هذا الاسم لأن كثيراً من العرب يقولون: أصل صخرته موضع كان يجلس عليه رجل في الجاهلية يلتّ السويق للحاج فلما مات اتخذوا مكانه معبداً.

و ﴿ العُزى ﴾ : فُعلَي من العِزّ: اسم صنم حجر أبيض عليه بناء وقال الفخر: «كان على صورة نبات» ولعله يعني: أن الصخرة فيها صورة شجر، وكان ببطن نخلة فوق ذات عرق وكان جمهور العرب يعبدونها وخاصة قريش وقد قال أبو سفيان يوم أُحد يخاطب المسلمين «لنا العزى ولا عزى لكم».

وذكر الزمخشري في تفسير سورة الفاتحة أن العرب كانوا إذا شَرعوا في عمل قالوا: بسم اللات باسم العزى.

وأما ﴿ مناة ﴾ فعَلَم مرتجل، وهو مؤنث فحقه أن يكتب بهاء تأنيث في آخره ويوقف عليه بالهاء، ويكون ممنوعاً من الصرف، وفيه لغة بالتاء الأصلية في آخره فيوقف عليه بالتاء ويكون مصروفاً لأن تاء لات مثل باء باب، وأصله: مَنَواة بالتحريك وقد يمد فيقال: منآة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.

وقياس الوقف عليه أن يوقف عليه بالهاء، وبعضهم يقف عليه بالتاء تبعاً لخط المصحف، وكان صخرة وقد عبده جمهور العرب وكان موضعه في المشلل حذوَ قديد بين مكة والمدينة، وكان الأوس والخزرج يطوفون حَوله في الحج عوضاً عن الصفا والمروة فلما حج المسلمون وسعَوا بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي لأنهم كانوا يسعون بين الصفا والمروة فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما كما تقدم عن حديث عائشة في الموطأ ﴾ في سورة البقرة (158).

وقرأ الجمهور ﴿ ومناة ﴾ بتاء بعد الألف.

وقرأه ابن كثير بهمزة بعد الألف على إحدى اللغتين.

والجمهور يقفون عليه بالتاء تبعاً لرسم المصحف فتكون التاء حرفاً من الكلمة غير علامة تأنيث فهي مثل تاء ﴿ اللات ﴾ ويجعلون رسمها في المصحف على غير قياس.

ووصفها بالثالثة لأنها ثالثة في الذّكر وهو صفة كاشفة، ووصفها بالأخرى أيضاً صفة كاشفة لأن كونها ثالثة في الذكر غير المذكورتين قبلها معلوم للسامع، فالحاصل من الصفتين تأكيدٌ ذكرها لأن اللات والعزى عند قريش وعند جمهور العرب أشهر من مناة لبعد مكان مناة عن بلادهم ولأن ترتيب مواقع بيوت هذه الأصنام كذلك، فاللات في أعْلى تهامة بالطائف، والعُزَّى في وسطها بنخلةَ بين مكة والطائف، ومناة بالمُشلل بين مكة والمدينة فهي ثالثة البقاع.

وقال ابن عطية: كانت مناة أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابداً ولذلك قال تعالى: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ فأكدها بهاتين الصفتين.

والأحسن أن قوله: ﴿ الثالثة الأخرى ﴾ جرى على أسلوب العرب إذا أخبروا عن متعدد وكان فيه من يظنّ أنه غير داخل في الخبر لعظمة أو تباعد عن التلبس بمثل ما تلبس به نظراؤه أن يختموا الخبر فيقولوا: «وفلانٌ هو الآخَر» ووجهه هنا أن عُبَّاد مناة كثيرون في قبائل العرب فنبه على أن كثرة عبدتها لا يزيدها قوة على بقية الأصنام في مقام إبطال إلهيتها وكل ذلك جار مجرى التهكم والتسفيه.

وجملة ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ ارتقاء في الإِبطال والتهكم والتسفيه كما تقدم، وهي مجاراة لاعتقادهم أن تلك الأصنام الثلاثة بنات الله وأن الملائكة بنات الله، أي أجعلتم لله البنات خاصة وأنتم تعلمون أن لكم أولاداً ذكوراً وإناثاً وأنكم تفضلون الذكور وتكرهون الإِناث وقد خصصتم الله بالإِناث دون الذكور والله أولَى بالفضل والكماللِ لو كنتم تعلمون فكان في هذا زيادة تشنيع لكفرهم إذ كان كفراً وسخافة عقل.

وكون العزَّى ومناة عندهم انثتين ظاهر من صيغة اسميهما، وأما اللات فبقطع النظر عن اعتبار التاء في الاسم علامة تأثيث أو أصلاً من الكلمة فهم كانوا يتوهمون اللات أنثى، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لعُروة بن مسعود الثقفي يوم الحُديبية «امصُصْ أو اعضُضْ بَظْرَ اللات».

وتقديم المجرورين في ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ للاهتمام بالاختصاص الذي أفادته اللام اهتماماً في مقام التهكم والتسفيه على أن في تقديم ﴿ وله الأنثى ﴾ «إفادة الاختصاص» أي دون الذكر.

وجملة ﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام في ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ ، أي قد جرتُم في القسمة وما عدلتم فأنتم أحقاء بالإِنكار.

والإِشارة ب ﴿ تلك ﴾ إلى المذكور باعتبار الإِخبار عنه بلفظ ﴿ قسمة ﴾ فإنه مؤنث اللفظ.

و ﴿ إذن ﴾ حرف جواب أريد به جواب الاستفهام الإِنكاري، أي ترتب على ما زعمتم أن ذلك قسمة ضِيزى، أي قسمتم قسمة جائرة.

و ﴿ ضيزى ﴾ : وزنه فُعْلى بضم الفاء من ضازة حَقَّه، إذا نقصه، وأصل عين ضاز همزة، يقال: ضَأَزه حقه كمنعه ثم كثر في كلامهم تخفيف الهمزة فقالوا: ضَازهُ بالألف.

ويجوز في مضارعه أن يكون يائي العين أو واويها قال الكسائي: يجوز ضَاز يضِيز، وضَاز يضُوز.

وكأنه يريد أن لك الخيار في المهموز العين إذا خفف أن تُلحقه بالواو أو الياء، لكن الأكثر في كلامهم اعتبار العين ياء فقالوا: ضَازه حقه ضَيْزاً ولم يقولوا ضَوْزاً لأن الضوز لوك التمر في الفم، فأرادوا التفرقة بين المصدرين، وهذا من محاسن الاستعمال وعن المؤرّج السَّدُوسي كرهوا ضم الضاد في ضوزى فقالوا: ضيزى.

كأنه يريد استثقلوا ضم الضاد، أي في أول الكلمة مع أن لهم مندوحة عنه بالزنة الأخرى.

ووزن ﴿ ضيزى ﴾ : فُعْلى اسم تفضيل (مثل كُبْرى وطُوبى) أي شديدة الضيز فلما وقعت الياء الساكنة بعد الضمة حرّكوه بالكسر محافظة على الياء لئلا يقلبوها واواً فتصير ضوزى وهو ما كرهوه كما قال المؤرج.

وهذا كما فعلوا في بيض جمع أبيض ولو اعتبروه تفضيلاً من ضاز يضوز لقالوا: ضُوزى ولكنهم أهملوه.

وقيل: وزن ﴿ ضِيزى ﴾ فِعلى بكسر الفاء على أنه اسم مثل دِفلى وشِعْرى، ويبعِّد هذا أنه مشتق فهو بالوصفية أجدر.

قال سيبويه: لا يوجد فِعلَى بكسر الفاء في الصفات، أو على أنه مصدر مثل ذِكرى وعلى الوجهين كسرته أصلية.

وقرأ الجمهور ﴿ ضيزى ﴾ بياء ساكنة بعد الضاد.

وقرأه ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الضاد مراعاة لأصل الفعل كما تقدم آنفاً.

وهذا وسم لهم بالجور زيادة على الكفر لأن التفكير في الجور كفعله فإن تخيلات الإِنسان ومعتقداته عنوان على أفكاره وتصرفاته.

وجملة ﴿ إن هي إلا أسماء سميتموها ﴾ استئناف يكر بالإِبطال على معتقدهم من أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإِظهار اختلال معتقدهم وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم مُتَوَهم إنكار نسبتهم البنات لله إنه إنكار لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولاداً ذكوراً وإناثاً أو أن مصب الإِنكار على زعمهم أنها بنات وليست ببنات فيكون كالإِنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات.

والضمير ﴿ هي ﴾ عائد إلى اللات والعزى ومناةَ.

وَمَا صدق الضمير الذات والحقيقة، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماءُ لا مسمّياتتٍ لها ولا حقائق ثابتة وهذا كقوله تعالى: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ [يوسف: 40].

والقصر إضافي، أي هي أسماء لا حقائق عاقِلة متصرفة كما تزعمون، وليس القصر حقيقياً لأنّ لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة.

وجملة ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة.

وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته والله لم يخبر أحداً من رسله بأن للأصنام أرواحاً أو ملائكة، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين.

والسلطان: الحجة، وإنزالها من الله: الإِخبار بها، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها، فنفي إنزال الحجة بها من باب: على لاحب لا يهتدي بمناره *** أي لا منار له فيهتدى به.

وعبر عن الإِخبار الموحَى به بفعل (أنزل) لأنه إخبار يَرد من العالم العلوي فشُبّه بإدلاء جسم من أعلى إلى أسفل.

وكذلك عُبّر عن إقامة دلائل الوجود بالإِنزال لأن النظر الفكري من خلق الله فشبه بالإِنزال كقوله: ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴾ [الفتح: 4]، فاستعمال ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ من استعمال اللفظ في معنييه المجازيَيْن.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ويعبدون من دون اللَّه ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم ﴾ في سورة الحج (71)، وتقدم في سورة يوسف (40) قوله: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان ﴾ وأكد نفي إنزال السلطان بحرف (من) الزائدة لتوكيد نفي الجنس.

﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الانفس وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى ﴾ .

هذا تحويل عن خطاب المشركين الذي كان ابتداؤه من أول السورة وهو من ضروب الالتفات، وهو استئناف بياني فضمير ﴿ يتبعون ﴾ عائد إلى الذين كان الخطاب موجهاً إليهم.

أعقب نفي أن تكون لهم حجة على الخصائص التي يزعمونها لأصنافهم أو على أن الله سماهم بتلك الأسماء بإثبات أنهم استندوا فيما يزعمونه إلى الأوهام وما تحبه نفوسهم من عبادة الأصنام ومحبة سدنتها ومواكب زيارتها، وغرورهم بأنها تسعى في الوساطة لهم عند الله تعالى بما يرغبونه في حياتهم فتلك أوهام وأمانيَّ محبوبة لهم يعيشون في غرورها.

وجيء بالمضارع في ﴿ يتبعون ﴾ للدلالة على أنهم سيسمرُّون على اتباع الظن وما تهواه نفوسهم وذلك يدل على أنهم اتبعوا ذلك من قبل بدلالة لحن الخطاب أو فحواه.

وأصل الظن الاعتقاد غير الجازم، ويطلق على العلم الجازم إذا كان متعلقاً بالمغيبات كما في قوله تعالى: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ في سورة البقرة (46)، وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ في سورة الأنعام (116)، ومنه قول النبي: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وهو المراد هنا بقرينة عطف وما تهوى الأنفس } عليه كما عطف ﴿ وإن هم إلا يخرصون ﴾ على نظيره في سورة الأنعام، وهو كناية عن الخطأ باعتبار لزومه له غالباً كما قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ﴾ [الحجرات: 12].

وهذا التفنن في معاني الظن في القرآن يشير إلى وجوب النظر في الأمر المظنون حتى يلحقه المسلم بما يناسبه من حُسن أو ذم على حسب الأدلة، ولذلك استنبط علماؤنا أن الظن لا يغني في إثبات أصول الاعتقاد وأن الظن الصائب تناط به تفاريع الشريعة.

والمراد ب ﴿ ما تهوى الأنفس ﴾ : ما لا باعث عليه إلا الميل الشهواني، دون الأدلة فإن كان الشيء المحبوب قد دلت الأدلة على حقيقته فلا يزيده حُبه إلا قبولاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمساجد» وقال: «وجعلت قُرّة عيني في الصلاة».

فمناط الذم في هذه الآية هو قصر اتباعهم على ما تهواه أنفسهم.

ثم إن للظن في المعاملات بين الناس والأخلاق النفسانية أحكاماً ومراتب غير ما له في الديانات أصولها وفروعها، فمنه محمود ومنه مذموم، كما قال تعالى: ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ وقيل: الحزم سوء الظن بالناس.

والتعريف في ﴿ الأنفس ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي وما تهواه أنفسهم و ﴿ ما ﴾ موصولة.

وعطف ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ على الظن عطف العلة على المعلول، أي الظن الذي يبعثهم على إتباعه أنه موافق لهداهم وإلفهم.

وجملة ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ حالية مقررة للتعجيب من حالهم، أي يستمرون على اتباع الظن والهوى في حال أن الله أرسل إليهم رسولاً بالهدى.

ولام القسم لتأكيد الخبر للمبالغة فيما يتضمنه من التعجيب من حالهم كأن المخاطب يشك في أنه جاءهم ما فيه هدى مقنع لهم من جهة استمرارهم على ضلالهم استمراراً لا يظن مثله بعاقل.

والتعبير عن الجلالة بعنوان ﴿ ربهم ﴾ لزيادة التعجيب من تصاممهم عن سماع الهدى مع أنه ممن تجب طاعته فكان ضلالهم مخلوطاً بالعصيان والتمرد على خالقهم.

والتعريف في ﴿ الهدى ﴾ للدلالة على معنى الكمال، أي الهدى الواضح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ أمّا اللّاتَ فَقَدْ كانَ الأعْمَشُ يُشَدِّدُها، وسائِرُ القُرّاءِ عَلى تَخْفِيفِها، فَمَن خَفَّفَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِالطّائِفِ زَعَمُوا أنَّ صاحِبَهُ كانَ يَلِتُّ عَلَيْهِ السَّوِيقَ لِأصْحابِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ صَخْرَةٌ يُلَتُّ عَلَيْها السَّوِيقُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَأمّا مَن شَدَّدَها فَلَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَلِتُّ السَّوِيقَ عَلى الحَجَرِ فَلا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ إلّا سَمِنَ مَعْبُودُهُ، ثُمَّ ماتَ فَقَلَبُوهُ عَلى قَبْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَقُومُ عَلى آلِهَتِهِمْ ويَلِتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ إنَّهُ عامِرُ بْنُ ظِرْبٍ العَدْوانِيُّ ثُمَّ اتَّخَذُوا قَبْرَهُ وثَنًا مَعْبُودًا، قالَ الشّاعِرُ لا تَنْصُرُوا اللّاتَ إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها وكَيْفَ يَنْصُرُكم مَن لَيْسَ يَنْتَصِرُ وَأمّا "العُزّى" فِفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَنَمٌ كانُوا يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: أنَّها شَجَرَةٌ كانَ يُعَلَّقُ عَلَيْها ألْوانُ العِهْنِ تَعْبُدُها سُلَيْمٌ، وغَطَفانُ، وجُشَمُ، قالَ مُقاتِلٌ: وهي سَمُرَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: هي الَّتِي بَعَثَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ حَتّى قَطَعَها، وقالَ أبُو صالِحٍ: بَلْ كانَتْ نَخْلَةً يُعَلَّقُ عَلَيْها السُّتُورُ والعِهْنُ.

وَقِيلَ في اللّاتِ والعُزّى قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهُما كانا بَيْتَيْنِ يَعْبُدُهُما المُشْرِكُونَ في الجاهِلِيَّةِ، فاللّاتُ بَيْتٌ كانَ بِنَخْلَةٍ يَعْبُدُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والعُزّى بَيْتٌ كانَ بِالطّائِفِ يَعْبُدُهُ أهْلُ مَكَّةَ والطّائِفُ.

﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ صَنَمًا بِقُدَيْدٍ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيْتٌ كانَ بِالمَسْلَكِ يَعْبُدُهُ بَنُو كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّها أصْنامٌ مِن حِجارَةٍ كانَتْ في الكَعْبَةِ يَعْبُدُونَها.

الرّابِعُ: أنَّهُ وثَنٌ كانُوا يُرِيقُونَ عِنْدَهُ الدِّماءَ يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ مِنًى لِكَثْرَةِ ما يُراقُ بِها مِنَ الدِّماءِ.

وَإنَّما قالَ: مَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، لِأنَّها كانَتْ مُرَتَّبَةً عِنْدَ المُشْرِكِينَ في التَّعْظِيمِ بَعْدَ اللّاتِ والعُزّى، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ  ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ الآيَةَ.

ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتُهم تُرْتَجى، وفي رِوايَةِ أبِي العالِيَةِ: وشَفاعَتُهم تُرْتَضى ومِثْلُهم لا يُنْسى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: أعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتُكَ بِهِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ، فَقالَ: لَمْ آتِكَ أنا بِهَذا وهَذا مِنَ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ﴿ ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ حَيْثُ جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتَ اللَّهِ.

﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قِسْمَةٌ عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: قِسْمَةٌ جائِرَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: قِسْمَةٌ مَنقُوصَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ الشّاعِرُ فَإنْ تَنْأى عَنّا نَنْتَقِصْكَ وإنْ تَقُمْ ∗∗∗ فَقَسْمُكَ مَضْئُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ وَمَعْنى مَضْئُوزٌ أيْ مَنقُوصٌ.

الرّابِعُ: قِسْمَةٌ مُخالِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ البَنِينِ أنْ يَكُونُوا لَهُ دُونَ البَناتِ.

الثّانِي: مِنَ النُّبُوَّةِ أنْ تَكُونَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ.

﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ أقْدَرَ مِن خَلْقِهِ، فَلَوْ جازَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ - كَما نَسَبَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ حِينَ جَعَلُوا لَهُ البَناتَ دُونَ البَنِينَ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لَكانَ بِالبَنِينَ أحَقُّ مِنهم.

الثّانِي: أنَّهُ لا يُعْطِي النُّبُوَّةَ مَن تَمَنّاها، وإنَّما يُعْطِيها مَنِ اخْتارَهُ لَها لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج، ولفظ عبد بن حميد: يلت السويق يسقيه الحاج.

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكان بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة، وهم حجبتها، امعنوا في الجبل وهم يقولون يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن العزى كانت ببطن نخلة وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة كانت بقديد.

وأخرج سعيد بن منصور والفاكهي عن مجاهد قال: كانت اللات رجلاً في الجاهلية على صخرة بالطائف وكان له غنم فكان يأخذ من رسلها ويأخذ من زبيب الطائف والأقط فيجعل منه حيساً ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات، وكان يقرأ اللات مشددة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان اللات يلت السويق على الحاج فلا يشرب منه أحداً إلا سمن فعبدوه.

وأخرج الفاكهي عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتاً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثناً، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أخذ عدواناً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ قال: اللات كان يلت السويق بالطائف فاعتكفوا على قبره، والعزى شجرات.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة ﴾ قال: آلهة كانوا يعبدونها، فكان اللات لأهل الطائف وكانت العزى لقريش بسقام شعب ببطن نخلة، وكانت مناة للأنصار بقديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم، وكان يلت لهم السويق، والعزى بنخلة كانوا يعلقون عليها السبور والعهن، ومناة حجر بقديد.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء قال: اللات حجر كان يلت السويق عليه فسمي اللات.

قوله تعالى: ﴿ تلك إذاً قسمة ضيزى ﴾ .

أخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس: ضازت بنو أسد بحكمهم ** إذ يعدلون الرأس بالذنب وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: منقوصة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ضيزى ﴾ قال: جائرة لا حق فيها.

قوله تعالى: ﴿ أم للإِنسان ما تمنى ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» .

قوله تعالى: ﴿ وكم من ملك في السماوات ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً ﴾ قال: لقولهم: إن الغرانقة ليشفعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنَاةَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين (١) وقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار (٢) (٣) ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا (٤) (٥) قال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير: أزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ...

تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ (٦) ﴿ الثَّالِثَةَ ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و ﴿ الْأُخْرَى ﴾ نعت لمناة أيضًا.

(١) لم أقف على هذه الرواية.

وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 250.

(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253، و"فتح الباري" 8/ 613.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء، 3/ 98، و"الكشف والبيان" 12/ 11 ب، و"الوسيط" 4/ 199، و"معالم التنزيل" 4/ 250.

وهذيل: ابن مدركة بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، ثم تفرقوا بعد الإسلام.

انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 1213.

== وخزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وكانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه من جبالهم الأبواء، وهو جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات.

"معجم قبائل العرب" 1/ 238.

(٤) وفي "الصحاح" ..

من قولك منوت الشيء.

"اللسان" 3/ 541 (مني).

وقال النحاس: من مَنَى الله -عز وجل- عليه الشيء: أي قدَّره.

"إعراب القرآن" 3/ 26.

وقيل: من مني يمني: صب؛ لصب دماء النحائر عندها.

"الإتحاف" ص 403.

وانظر: "الكشاف" 4/ 39، و"محاسن التأويل" 15/ 5571.

(٥) قرأ ابن كثير (ومَنَاءَةَ) بهمزة مفتوحة بعد الألف فيمد مدًا متصلاً.

وقرأ الباقون "مناة" انظر: "حجة القراءات" ص 685، و"النشر" 2/ 379، و"الإتحاف" ص 403.

(٦) انظر: "ديوان جرير" 1/ 332، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 232، "البحر المحيط" 8/ 161، و"المُحرر" 15/ 267.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى * وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى ﴾ هذه أوثان كانت تعبد من دون الله، فخاطب الله من كان يعبدها من العرب على وجه التوبيخ لهم، وقال ابن عطية: الرؤيا هنا رؤية العين؛ لأن الأوثان المذكورة أجرام مرئية، فأما اللات فصنم كان بالطائف، وقيل: كان بالكعبة، وأما العزّى فكانت صخرة بالطائف، وقيل: شجرة فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو بالويل؛ فضربها بالسيف حتى قتلها، وقيل: كانت بيتاً تعظمه العرب وأصل لفظ العزى مؤنثة الأعز، وأما مناة فصخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة.

وكانت أعظم هذه الأوثان قال ابن عطية: ولذلك قال تعالى: الثالثة الأخرى فأكدها بهاتين الصفتين، وقال الزمخشري: الأخرى ذم وتحقير أي المتأخرة الوضيعة القدر.

ومنه: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ ﴾ [الأعراف: 38].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ...

﴾ الآية.

يخرج تأويل هذه الآية على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ - جوابٌ، ولا لقوله: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ ﴾ .

أحدها: أن يقول: أهؤلاء الذين تبعدونهم - من اللات والعزى ومناة - أخبروكم، وقالوا لكم: إنه اصطفى لنفسه البنات، ولكن البنين، وأن الملائكة بنات الله، ونحوه؟

أخذتم ذلك منها أو ممن أخذتم ذلك، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟

وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، فيذكر بذلك سفههم، ويقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ التي سميتموها: آلهة، وعبدتموها دون الله، ونسبتكم النبات إليه، والبنين إلى أنفسكم، ثم لم يذكر جوابها: أنه مَنْ أمرهم بذلك؟

ومن اختار لهم ذلك؟

أو ممن أخذوا ذلك؟

ثم قال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ...

﴾ الآية؛ كأنه يقول والله أعلم: إنكم سميتموها: آلهة، واخترتم لأنفسكم البنين وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم، إنما هي أسماء سيمتموها أنتم وآباؤكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هى النفس والظن.

ويحتمل أن يقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، أمروكم بصرف شكر ما أنعم الله  عليكم، وقبول ما وهب لكم من البنات؛ على ما أخبر أنها من مواهب الله بقوله  : ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ ويرد مواهبه: ودفنها حيات، ودسها في التراب، ويصرف العبادة إلى غير المنعم، وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.

ثم أخبر، وقال: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ أي: تلك قسمة جوز وظلم؛ أي: صرف شكر المنعم إلى غير المنعم، وتوجيه العبادة [إلى] من لا يستحقها، ورد مواهبه.

على هذه الوجوه يشبه أن تخرج الآية، وإلا فلا ندري بظاهرها: ما تأويلها؟

وما جواب هذا الحرف؟

والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ ٱللاَّتَ ﴾ قرأ مجاهد وغيره مشددة التاء، فقالوا: هو رجل كان يقوم على آلهتهم، ويلت لها السويق بالزيت، وفيطعمه الناس.

وروى ابن الجوزي عن ابن عباس -  - قال: "كان يلت السويق للحاج".

ومن قرأه مخفف التاء جعله اسم الصنم؛ مثل: العزى، ومناة، وهي آلهة كانوا يعبدونها؛ ذكر قتادة في تفسيره: كان اللات بالطائف، والعزى ببطن نخلة، ومناة بقديد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ .

قال القتبي: هي في الأصل "ضَيْزَى" على وزن "فَعْلَى"، فكسرت الضاد للياء، وليس في النعوت "فِعْلى"؛ أي: قسمة جائزة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِيزَىٰ ﴾ أي: غير منصفة، والضيز في الأصل: الجور.

وقال أبو عبيدة: ناقصة.

وقال بعض الناس: إن النبي  لما تلا قوله  : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلا، [وإن] شفاعتهن لترتجى، ومثلهن لا تنسى".

ثم قال بعضهم: الغرانيق العلا: الملائكة.

وقال بعضهم: الأصنام التي يعبدونها على رجاء الشفاعة لهم بقوله: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

لكن لا يحتمل أن يقول النبي  ، أو يجري على لسانه ما ذكر، والله  - قال: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ  لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ  فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  ﴾ ولو جاز أن يجري على لسانه، لتوهم منه التقول، وذلك بعيد، وقال في آية آخرى: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ  ﴾ ، ولو جاز ذلك، لجاز أن يجري الله الكذب على لسانه؛ فلا يكون فيمن وجد من الحرج في قضائه ماذكر، وهو الكفر؛ دل أن ما ذكروه فاسد، فإن ثبت ما ذكر: أنه جرى على لسانه تلك الكلمات، أو ألقى الشيطان في قمه يريد بذلك: الغرانيق العلا شفاعتهن لترتجى عندهم وفي زعمهم، وهو كقول موسى -  -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ أي: إلى إلهك الذي هو عندك إله، وإلا لا يحتمل أن يكون موسى -  - يسمي المجل: إلها، وكقوله -  -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى آلهة عندهم، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ أنها شركائي، فقد ذكرنا هذا على التمام في سورة الحج في قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ...

﴾ الآية [الحج: 52]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .

أي: ما أنزل الله على تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها، ونسبتكم البنين إلى أنفسكم والبنات إلى الله  - من حجة وبرهان، إنما هو من هوى النفس والظن، وذلك قوله -  -: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ في قولهم: الملائكة بنات الله، أو قولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وتسميتهم الأصنام: آلهة، وظنوا أن آباءهم كانوا على الحق، واستدلوا على حقيقة ما كانوا عليه من الدين؛ حيث تركهم وما اختاروا ولم يهلكهم، وقالوا: لو كانوا على باطل ما تركهم على ذلك، واستدلوا بذلك - أيضاً - على رضاء منهم بذلك، وأمره إياهم؛ كما أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ هذا ظنهم بالله  .

وقوله: ﴿ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ ﴾ ، أي: يتبعون هوى النفس، فالنس ما تعرف [إلا] المنافع الحاضرة والمضار الحاضرة، فأما ما غاب عنها فلا يعرف، وإنما يعرف ذلك بالتفكر والنظر، وهي لا تعرف؛ لما تكره النظر والتفكر، ولا ترغب في الشدائد، ولا فيما يثقل عليها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أي: جاءهم من ربهم ما لو تفكروا ونظروا لاهتدوا، ولو اتبعوا الحق والهدى، لعرفوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومناة الثالثة الأخرى من أصنامكم.

أخبروني هل تملك لكم نفعًا أو ضرًّا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.85Zyb"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله