الآية ١ من سورة المجادلة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 58 المجادلة > الآية ١ من سورة المجادلة

قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 173 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة المجادلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة المجادلة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة المجادلة وهي مدنية .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلمه وأنا في ناحية البيت ، ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله ، عز وجل : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) إلى آخر الآية وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقا فقال : وقال الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، فذكره ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير من غير وجه ، عن الأعمش به .

وفي رواية لابن أبي حاتم ، عن الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء ، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : يا رسول الله ، أكل شبابي ، ونثرت له بطني ، حتى إذا كبرت سني ، وانقطع ولدي ، ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك .

قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) وقال : وزوجها أوس بن الصامت .

وقال ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة : هو أوس بن الصامت - وكان أوس امرأ به لمم ، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته ، وإذا ذهب لم يقل شيئا .

فأتت رسول الله تستفتيه في ذلك ، وتشتكي إلى الله ، فأنزل الله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) الآية .

وهكذا روى هشام بن عروة ، عن أبيه : أن رجلا كان به لمم ، فذكر مثله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم - قال : سمعت أبا يزيد يحدث قال : لقيت امرأة عمر - يقال لها : خولة بنت ثعلبة - وهو يسير مع الناس ، فاستوقفته ، فوقف لها ، ودنا منها ، وأصغى إليها رأسه ، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت .

فقال له رجل : يا أمير المؤمنين ، حبست رجالات قريش على هذه العجوز ؟

!

قال : ويحك !

وتدري من هذه ؟

قال : لا .

قال : هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات ، هذه خولة بنت ثعلبة ، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلى أن تحضر صلاة فأصليها ، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها هذا منقطع بين أبي يزيد ، وعمر بن الخطاب ، وقد روي من غير هذا الوجه .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا يعلى ، حدثنا زكريا عن عامر قال : المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت ، وأمها معاذة التي أنزل الله فيها : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [ النور : 33 ] صوابه : خولة امرأة أوس بن الصامت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ) يا محمد، ( قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا )، والتي كانت تجادل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في زوجها امراة من الأنصار.

واختلف أهل العلم في نسبها واسمها، فقال بعضهم: خولة بنت ثعلبة، وقال بعضهم: اسمها خُوَيلة بنت ثعلبة.

وقال آخرون: هي خويلة بنت خويلد .وقال آخرون: هي خويلة بنت الصامت.

وقال آخرون: هي خويلة ابنة الدليج وكانت مجادلتها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليّ كظهر أمي، ومحاورتها إياه في ذلك، وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية.

* ذكر من قال ذلك، والآثار الواردة به: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سمعت أبا العالية يقول: " إن خويلة ابنة الدليج أتت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعائشة تغسل شقّ رأسه، فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، ونفضت &; 23-220 &; له بطني، وظاهر مني؛ فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حَرُمْتِ عَلَيْهِ، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي، ثم قالت: يا رسول الله طالت صحبتي، ونفضت له بطني، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: حَرُمْتِ عَلَيْهِ، فجعل إذا قال لها: حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي، قال: فنـزل الوحي، وقد قامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن اسكتي، قالت: وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا نـزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضى الوحي، قال: ادْعي زَوْجَكِ، فَتَلاها عَلَيْهِ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) ...

إلى قوله: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا : أي يرجع فيه فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا : أَتَسْتَطِيْعُ رَقَبَةً؟

قال: لا قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قال: يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرّات خشيت أن يعشو بصري؛ قال: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا قال: أتَسْتَطيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟

قال: لا يا رسول الله إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأطعم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن خويلة ابنة ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت قد ظاهر منها، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: ظاهر مني زوجي حين كبر سني، ورقّ عظمي، فأنـزل الله فيها ما تسمعون ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ )، فقرأ حتى بلغ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا يريد أن يغشى بعد قوله ذلك، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال له: أتَسْتَطِيعُ أنْ تُحَرَّرَ مُحَرَّرًا؟

قال: مالي بذلك يدان، أو قال: لا أجد، قال: أتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ؟

قال: لا والله; إنه إذا أخطأه المأكل كل يوم مرارا يكلّ بصره، قال: أتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟

قال: لا والله، إلا أن تعينني منك بعون وصلاة.

&; 23-221 &; قال بشر، قال يزيد: يعني دعاء؛ فأعانه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بخمسة عشر صاعا، فجمع الله له، والله غفور رحيم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) قال: ذاك أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة ابنة ثعلبة قالت: يا رسول كبر سني، ورقّ عظمي، وظاهر مني زوجي، قال: فأنـزل الله وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...

إلى قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، يريد أن يغشى بعد قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فدعاه إليه نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟

قال: لا؛ قال: أفَتَسْتَطيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ؟

قال: إنه إذا أخطأه أن يأكل كلّ يوم ثلاث مرّات يكلّ بصره؛ قال: أتَسْتَطيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟

قال: لا إلا أن يعينني فيه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعون وصلاة، فأعانه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بخمسة عشر صاعا، وجمع الله له أمره، والله غفور رحيم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي حَرُمت في الإسلام، فكان أوّل من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عمّ له، يقال لها خُوَيلة بنت خُوَيلد، وظاهر منها، فأُسْقِطَ في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمْتِ عليّ، وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال: فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فوجدتْ عنده ماشطة تمشُط رأسه، فأخبرته، فقال: يا خُوَيْلَةُ ما أمِرْنا فِي أمْرِكِ بِشَيْءٍ، فأنـزل الله على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا خُوَيْلَةُ أبْشِرِي، قالت: خيرا، قال: فقرأ عليها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) ....

&; 23-222 &; إلى قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا قالت: وأيُّ رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرّات لذهب بصره، قال: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، قالت: من أين؟

ما هي إلا أكلة إلى مثلها، قال: فرعاه بشطر وَسْق ثلاثين صاعا، والوَسْق ستون صاعا، فقال: لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينا وَلِيُرَاجِعْكِ".

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) ...

إلى قوله: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وذلك أن خولة بنت الصامت امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليّ مثلُ ظهر أمي، فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقالت: إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ (1) ، حتى إذا كبرتُ ودخلت في السنّ، قال: أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تنْعَشني وإياه بها فحدثني بها، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أُمِرْتُ فِي شأْنِكِ بِشَيْءٍ حتى الآنَ، وَلَكِنْ ارْجِعي إلى بَيْتِكِ، فإنْ أُومَرْ بِشَيْءٍ لا أغْمِمْهُ عَلَيْكِ إنْ شَاءَ اللهُ، فرجعت إلى بيتها، وأنـزل الله على رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) ...

إلى قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى زوجها؛ فلما أتاه، قال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أرَدْتَ إلى يَمِينِكَ الَّتِي أقْسَمْتَ عَلَيْها؟

فقال: وهل لها كفَّارة؟

فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَهً؟

" قال: إذًا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟

قال: لا والله، لولا أني آكل في اليوم &; 23-223 &; ثلاث مرّات لكلّ بصري، فقال له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينا؟

" قال: لا والله، إلا أن تعينني على ذلك بعون وصلاة، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: إنّي مُعِينُكَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعا، وأنا دَاعٍ لَكَ بالبَرَكَةِ، فأصلح ذلك بينهما.

قال: وجعل فيه تحرير رقبة لمن كان مُوسرا، لا يكفر عنه إلا تحرير رقبة إذا كان موسرا، من قبل أن يتماسا، فإن لم يكن موسرا فصيام شهرين متتابعين، لا يصلح له إلا الصوم إذا كان معسرا، إلا أن لا يستطيع، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وذلك كله قبل الجماع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كانت " خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فقال في بعض هجراته (2) أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، قالت: لا تقل ذلك، فوالله ما أحبّ الله طلاقا.

قالت: ائت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فسله، فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت: فدعني أن أسأله، فقال لها: سليه؛ فجاءت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: يا نبيّ الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحبّ الناس إليّ، قد قال كلمة، والذي أنـزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت عليّ كظهر أمي، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ، قالت: لا تقل ذلك يا نبيّ الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادّت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مرارا، ثم قالت: اللهمّ إني أشكو اليوم شدّة حالي ووحدتي، وما يشقّ عليّ من فراقه، اللهمّ فأنـزل على لسان نبيك، فلم ترم (3) مكانها، حتى أنـزل الله ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ )، إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبيّ &; 23-224 &; صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أعْتِقْ رَقَبَةً، فقال: لا أجد، فقال: صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ قال: لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشقّ عليّ؛ قال: أطعمْ سِتِّينَ مِسْكِينا، قال: أما هذا فَنَعَمْ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن أبي إسحاق ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) قال: نـزلت في امرأة اسمها خولة، وقال عكرِمة: اسمها خويلة ابنة ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت جاءت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ ، وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جُعلت فداك يا نبيّ الله، فقال: ما أرَاكِ إلا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ ، فقالت: انظر في شأني يا رسول الله، فجعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتحوّلت من الجانب الآخر، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبيّ الله، فقالت الغاسلة: أقصري حديثك ومخاطبتك يا خويلة، أما ترين وجه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم متربدا ليوحى إليه، فأنـزل الله ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) ...، حتى بلغ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، قال قتادة: فحرمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ...، حتى بلغ: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .

قال أيوب: أحسبه ذكره عن عكرِمة، أن الرجل قال: يا نبيّ الله ما أجد رقبة، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ما أنا بِزَائِدِكَ، فأنـزل الله عليه: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، فقال: والله يا نبيّ الله ما أطيق الصوم، إني إذا لم آكل في اليوم كذا وكذا أكلة لقيت ولقيت، فجعل يشكو إليه، فقال: ما أنا بِزَائِدِكَ، فنـزلت: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله الله عزّ وجلّ( الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) قال: تجادل محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فهي تشتكي إلى الله عند كبره وكبرها، حتى انتفض وانتفض رحمها.

&; 23-225 &; حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) قال: محمدا في زوجها قد ظاهر منها، وهي تشتكي إلى الله، ثم ذكر سائر الحديث نحوه.

حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إليّ تسألني عن خويلة ابنة أوس بن الصامت، وإنها ليست بابنة أوس بن الصامت، ولكنها امرأة أوس، وكان أوس امرأ به لمم، وكان إذا اشتدّ به لممه تظاهر منها، وإذا ذهب عنه لممه لم يقل من ذلك شيئا، فجاءت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تستفتيه وتشتكي إلى الله، فأنـزل الله ما سمعت، وذلك شأنهما.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدّث عن معمر بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: حدثتني خويلة امرأة أوس بن الصامت قالت: كان بيني وبينه شيء، تعنى زوجها، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي، فقالت: كلا والذي نفسي بيده، حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيقضي فيّ وفيك أمره، وكان شيخا كبيرا رقيقا، فغلبته بما تغلب به المرأة القوية الرجل الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لها، فاستعارت ثيابها، فأتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى أنـزل الوحي على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم قالت: لا يقدر على ذلك، قال: إنا سنعينه على ذلك بفرق من تمر، قلت: وأنا أعينه بفرق آخر، فأطعم ستين مسكينا.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها، &; 23-226 &; ما أسمع ما تقول، فأنـزل الله عزّ وجلّ: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) ...

إلى آخر الآية.

حدثني عيسى بن عثمان الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أسمع بعض كلامها، ويخفى عليّ بعض كلامها، إذ أنـزل الله ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، قال، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء، إني لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهمّ إني أشكو إليك، قال: فما برحت حتى نـزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) قال: زوجها أوس بن الصامت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد الله الذي وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيخفى عليّ أحيانا بعض ما تقول، قالت: فأنـزل الله عزّ وجلّ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) .

حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان امرأ به لمم، وكان إذا اشتدّ به لممه ظاهر من امرأته، فأنـزل الله عزّ وجلّ آية الظهار.

&; 23-227 &; حدثني يحيى بن بشر القرقساني، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الأموي، قال: ثنا خَصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا، فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت من امرأته الخزرجية، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك؛ فلما ظاهر منها حسبت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت به نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقالت: يا رسول الله إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه، وقدمت صحبته; فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنـزل الله عزّ وجلّ: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) ....

إلى قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، فدعاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: أتَقْدِرْ عَلى رَقَبَةٍ تُعْتُقها؟

فقال: لا والله يا رسول الله، ما أقدر عليها، فجمع له رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله.

وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُحَاوِرُكَ فِي زَوْجِهَا ) .

وقوله: ( وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) يقول: وتشتكي المجادلة ما لديها من الهمّ بظهار زوجها منها إلى الله، وتسأله الفرج.( وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) يعني: تحاور رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والمجادلة خولة ابنة ثعلبة.( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير ذلك من كلام خلقه، بصير بما يعلمون ويعمل جميع عباده.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وهي اثنتان وعشرون آيةمدنية في قول الجميع .

إلا رواية عن عطاء : أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي ، وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم نزلت بمكة .بسم الله الرحمن الرحيمقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصيرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة .

وقيل : بنت حكيم .

وقيل اسمها جميلة .

وخولة أصح ، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ، وقد مر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار ، فاستوقفته طويلا ، ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ، ثم قيل لك : عمر ، ثم قيل لك : أمير المؤمنين ، فاتق الله يا عمر ، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب ، وهو واقف يسمع كلامها ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف ؟

فقال : والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة ، أتدرون من هذه العجوز ؟

هي خولة بنت ثعلبة سمع الله [ ص: 243 ] قولها من فوق سبع سموات ، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر ؟

وقالت عائشة رضي الله عنها : تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي تقول : يا رسول الله !

أكل شبابي ونثرت له بطني ، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك !

فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله خرجه ابن ماجه في السنن .

والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله عز وجل : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها .

وقال الماوردي : هي خولة بنت ثعلبة .

وقيل : بنت خويلد .

وليس هذا بمختلف ، لأن أحدهما أبوها والآخر جدها فنسبت إلى كل واحد منهما .

وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت .

وقال الثعلبي قال ابن عباس : هي خولة بنت خويلد .

الخزرجية ، كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ، وكانت حسنة الجسم ، فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها ، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها ، قال عروة : وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها : أنت علي كظهر أمي .

وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها : حرمت عليه فقالت : والله ما ذكر طلاقا ، ثم قالت : أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني ، فقال : حرمت عليه ، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية .

وروى الحسن : أنها قالت : يا رسول الله !

قد نسخ الله سنن الجاهلية ، وإن زوجي ظاهر مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أوحي إلي في هذا شيء فقالت : يا رسول الله ، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا ؟

!

فقال : هو ما قلت لك فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله .

فأنزل الله : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله الآية .

وروى [ ص: 244 ] الدارقطني من حديث قتادة أن أنس بن مالك حدثه قال : إن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ظاهر حين كبرت سني ورق عظمي .

فأنزل الله تعالى آية الظهار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس : اعتق رقبة قال : مالي بذلك يدان .

قال : فصم شهرين متتابعين قال : أما إني إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكل بصري .

قال : فأطعم ستين مسكينا قال : ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة .

قال : فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له ، والله غفور رحيم .

إن الله سميع بصير قال : فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك لستين مسكينا ، وفي الترمذي وسنن ابن ماجه : أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : اعتق رقبة قال : فضربت صفحة عنقي بيدي .

فقلت : لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها .

قال : فصم شهرين فقلت : يا رسول الله !

وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام .

قال : فأطعم ستين مسكينا الحديث .

وذكر ابن العربي في أحكامه : روي أن خولة بنت دليح ظاهر منها زوجها ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد حرمت عليه فقالت : أشكو إلى الله حاجتي .

ثم عادت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حرمت عليه فقالت : إلى الله أشكو حاجتي إليه وعائشة تغسل شق رأسه الأيمن ، ثم تحولت إلى الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي ، فذهبت أن تعيد ، فقالت عائشة : اسكتي فإنه قد نزل الوحي .

فلما نزل القرآن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها : اعتق رقبة قال : لا أجد .

قال : صم شهرين متتابعين قال : إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري .

قال : فأطعم ستين مسكينا .

قال : فأعني .

فأعانه بشيء .

قال أبو جعفر النحاس : أهل التفسير على أنها خولة وزوجها أوس بن الصامت ، واختلفوا في نسبها ، قال بعضهم : هي أنصارية وهي بنت ثعلبة ، وقال بعضهم : هي بنت دليح ، وقيل : هي بنت خويلد ، وقال بعضهم : هي بنت الصامت ، وقال بعضهم : هي أمة كانت لعبد الله بن أبي ، وهي التي أنزل الله فيها ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لأنه كان يكرهها على الزنى .

وقيل : هي بنت حكيم .

قال النحاس : وهذا ليس [ ص: 245 ] بمتناقض ، يجوز أن تنسب مرة إلى أبيها ، ومرة إلى أمها ، ومرة إلى جدها ، ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي فقيل لها : أنصارية بالولاء ، لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين .قرئ " قد سمع الله " بالادغام ، و " قد سمع الله " بالإظهار .

والأصل في السماع إدراك المسموعات ، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن .

وقال ابن فورك : الصحيح أنه إدراك المسموع .قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع : إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن ، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه ، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن ، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت .

والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة ، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما .

وشكى واشتكى بمعنى واحد .وقرئ " تحاورك " أي : تراجعك الكلام وتجادلك أي : تسائلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

نزلت هذه الآيات الكريمات في رجل من الأنصار اشتكته زوجته [إلى الله، وجادلته] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمها على نفسه، بعد الصحبة الطويلة، والأولاد، وكان هو رجلا شيخا كبيرا، فشكت حالها وحاله إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكررت ذلك، وأبدت فيه وأعادت.فقال تعالى: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } أي: تخاطبكما فيما بينكما، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لجميع الأصوات، في جميع الأوقات، على تفنن الحاجات.{ بَصِيرٌ } يبصر دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وهذا إخبار عن كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالأمور الدقيقة والجليلة، وفي ضمن ذلك الإشارة بأن الله [تعالى] سيزيل شكواها، ويرفع بلواها، ولهذا ذكر حكمها، وحكم غيرها على وجه العموم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) الآية .

نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت ، وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت ، فقال لها : أنت علي كظهر أمي ، ثم ندم على ما قال .

وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية .

فقال لها : ما أظنك إلا قد حرمت علي .

فقالت : والله ما ذاك طلاق ، وأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه - فقالت : يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني ، وقد ندم ، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حرمت عليه ، فقالت : يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حرمت عليه ، فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أراك إلا قد حرمت عليه ، ولم أومر في شأنك بشيء ، فجعلت تراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حرمت عليه هتفت وقالت : أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا ، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك ، اللهم فأنزل على لسان نبيك ، وكان هذا أول ظهار في الإسلام .

فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر .

فقالت : انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله ، فقالت عائشة : أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

- وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه أخذه مثل السبات - فلما قضي الوحي قال لها : ادعي زوجك فدعته ، فتلا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد سمع الله قول التي تجادلك " الآيات .

قالت عائشة : تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله : " قد سمع الله " الآيات .

ومعنى قوله : ( قول التي تجادلك ) تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها ( وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ) مراجعتكما الكلام ( إن الله سميع بصير ) سميع لما تناجيه وتتضرع إليه ، بصير بمن يشكو إليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد سمع الله قول التي تجادلك» تراجعك أيها النبي «في زوجها» المظاهر منها وكان قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابها بأنها حرمت عليه على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبه فرقة مؤبدة وهي خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن الصامت «وتشتكي إلى الله» وحدتها وفاقتها وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا «والله يسمع تحاوركما» تراجعكما «إن الله سميع بصير» عالم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد سمع الله قول خولة بنت ثعلبة التي تراجعت في شأن زوجها أوس بن الصامت، وفيما صدر عنه في حقها من الظِّهار، وهو قوله لها: "أنت عليَّ كظهر أمي"، أي: في حرمة النكاح، وهي تتضرع إلى الله تعالى؛ لتفريج كربتها، والله يسمع تخاطبكما ومراجعتكما.

إن الله سميع لكل قول، بصير بكل شيء، لا تخفى عليه خافية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة .قالت : " كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل على يوما فراجعته بشىء فغضب ، فقال : أنت على كظهر أمى .قالت : ثم خرج فجلس فى نادى قومه ساعة ، ثم رجع ، فإذا هو يريدنى عن نفسى ، فقالت له : كلا والذى نفس خوله بيده لا تخلص إلىَّ ، وقلت ما قلت ، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه .قالت : فواثبنى ، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى .ثم خرجت إلى بعض جاراتى ، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه ، فذكرت له - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه .قالت : فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يا خويلة ، ابن عمك شيخ كبير فاتى الله فيه " .قالت : فوالله ما برحت حتى نزل فىَّ قرآن ، فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه ، ثم سرى عنه ، فقال لى : " يا خويلة قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا " .

ثم قرأ على هذه الآيات " .وفى رواية : " أنها أتت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له : يا رسول الله ، إن أوساً تزوجنى وأنا شابة مرغوب فى ، فلما خلا سنى ، ونثرت بطنى ، جعلنى عليه كأمه ، وتركنى إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لى رخصة يا رسول الله فحدثنى بها .فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن " وفى رواية أنه قال لها : " ما أراك إلا قد حرمت عليه " .فقالت : يا رسول الله ، إنه ما ذكر طلاقا ، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت : اللهم إنى أشكو إليك فافتى ، وشدة حالى ، وإنلى من زوجى أولاداً صغاراً ، إن ضمَّهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاعوا .قالت : وما برحت حتى نزل القرآن ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا خولة أبشرى " ثم قرأ على هذه الآيات " .و " قد " فى قوله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ .

.

.

) ؟قلت : " معناه التوقع ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله - تعالى - مجادلتها وشكواها ، وينزل فى ذلك ما يفرج كربها " .والسماع فى قوله - تعالى - : ( سَمِعَ ) بمعنى علم الله - تعالى - التام بما دار بين تلك المرأة ، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبحانه - لشكواها ، وحكمه فى تلك المسألة ، بما يبطل ما كان شائعاً بشأنها قبل نزول هذه الآية .وقوله : ( تُجَادِلُكَ ) من المجادلة ، وهى المفاوضة على سبيلا المغالبة والمنازعة ، وأصلها من جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله .وقوله : ( تشتكي ) من الشكو ، وأصله فتح الشَّكوة - وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء - وإظهار ما فيها ، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإنسان لما يؤلمه ويؤذيه ، وطلب إزالته .والمعنى : قد سمع الله - تعالى - سماعا تاما ، قول هذه المرأة التى تجادلك - أيها الرسول الكريم - فى شأن ما دار بينها وبين زوجها ، وفيما صدر عنه فى حقها من الظهار ، وسمع - سبحانه - شكواها إليه ، والتماسها منه - عز وجل - حل قضيتها ، وتفريج كربتها ، وإزالة ما نزل بها من مكروه .وقال - سبحانه - ( التي تُجَادِلُكَ ) بأسلوب الاسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى ، وفى أقصى درجات التوكل على ربها ، والأمل فى تفريج كربتها ، رحمة بها وبزوجها وبأبنائها .وقوله - سبحانه - : ( للَّهِ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ) جملة حالية ، والتحاور : مراجعة الكلام من الجانبين .

يقال : حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله .أى : والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة ، من مراجعة فى الكلام ، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها .والمقصود بذلك ، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته ، وأنه - تعالى - قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية .وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع ، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور ، واستحضار صورته فى ذهن السامع ، ليزداد عظة واعتبارا .وجملة : ( تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) تذييل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق .أى : أنه - سبحانه - يسمع كل المسموعات ، ويبصر كل المبصرات ، على أتم وجه وأكمله ، ومن مقتضيات ذلك ، أن يسمع تحاوركما ، ويبصر ما دار بينكما .قال القرطبة : " أخرج ابن ماجة أن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى على بعضه ، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهى تقول : يا رسول الله!!

أكل شبابى ، ونثرت له بطنى ، حتى إذا كبر سنى .

.

.

ظاهر منى!!

اللهم إنى أشكو إليك .وفى البخارى عن عائشة قالت : الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات ، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله - تعالى - : ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي، وكانت حسنة الجسم، وكان بالرجل لمم، فلما سلمت راودها، فأبت، فغضب، وكان به خفة فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني وكثر ولدي جعلني كأمه، وإن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، ثم هاهنا روايتان: يروي أنه عليه السلام قال لها: «ما عندي في أمرك شيء» وروي أنه عليه السلام قال لها: «حرمت عليه» فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقاً، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليَّ، فقال: «حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، وكلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليه» هتفت وشكت إلى الله، فبينما هي كذلك إذ تربد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى زوجها، وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال: الشيطان فهل من رخصة؟

فقال: نعم، وقرأ عليه الأربع آيات، وقال له: «هل تستطيع العتق؟» فقال: لا والله، فقال: «هل تستطيع الصوم؟» فقال: لا والله لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري ولظننت أني أموت، فقال له: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟» فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة، فأعانه بخمسة عشر صاعاً، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكيناً واعلم أن في هذا الخبر مباحث: الأول: قال أبو سليمان الخطابي: ليس المراد من قوله في هذا الخبر: (وكان به لمم)، الخبل والجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء، بل معنى اللمم هنا: الإلمام بالنساء، وشدة الحرص، والتوقان إليهن.

البحث الثاني: أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن، وإن كان ذلك الحكم صار مقرراً بالشرع كانت الآية ناسخة له، وإلا لم يعد نسخاً، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية، لكن الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «حرمت» أو قال: «ما أراك إلا قد حرمت» كالدلالة على أنه كان شرعاً.

وأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك.

البحث الثالث: أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم، ولنرجع إلى التفسير، أماقوله: ﴿ قَدْ سَمِعَ الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ قَدْ ﴾ معناه التوقع، لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها، وينزل في ذلك ما يفرج عنها.

المسألة الثانية: كان حمزة يدغم الدال في السين من: ﴿ قَدْ سَمِعَ ﴾ وكذلك في نظائره، واعلم أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما: المجادلة وهي قوله: ﴿ تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ أي تجادلك في شأن زوجها، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها: حرمت عليه قالت: والله ما ذكر طلاقاً وثانيهما: شكواها إلى الله، وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، وقولها: إن لي صبية صغاراً، ثم قال سبحانه: ﴿ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما ﴾ والمحاورة المراجعة في الكلام، من حار الشيء يحور حوراً، أي رجع يرجع رجوعاً، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومنه فما أحار بكلمة، أي فما أجاب، ثم قال: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ أي يسمع كلام من يناديه، ويبصر من يتضرع إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ سَمِعَ الله ﴾ .

قالت عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات: لقد كلمت المجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع لها.

وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها.

وقرئ: ﴿ تحاورك ﴾ أي: تراجعك الكلام.

وتحاولك، أي: تسائلك، وهو خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة: رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان به خفة ولمم، فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني أي: كثر ولدي جعلني عليه كأمّه.

وروى: أنها قالت له: إنّ لي صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال: ما عندي في أمرك شيء.

وروى: أنه قال لها: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقاً وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتى ووجدي، كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، هتفت وشكت إلى الله، فنزلت ﴿ فِى زَوْجِهَا ﴾ في شأنه ومعناه ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر.

فإن قلت: ما معنى (قد) في قوله: (قد سمع)؟

قلت: معناه التوقع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُجادِلَةِ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: العَشْرُ الأُوَلُ مَكِّيٌّ والباقِي مَدَنِيٌّ، وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ ﴾ رُوِيَ «أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ ظاهَرَ عَنْها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، فاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: «حَرُمْتِ عَلَيْهِ»، فَقالَتْ: ما طَلَّقَنِي، فَقالَ: «حَرُمْتِ عَلَيْهِ»، فاغْتَمَّتْ لِصِغَرِ أوْلادِها وشَكَتْ إلى اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ الأرْبَعُ،» وقَدْ تَشْعُرُ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ المُجادَلَةُ يَتَوَقَّعُ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مُجادَلَتَها وشَكْواها ويُفَرِّجُ عَنْها كَرْبَها، وأدْغَمَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ دالَها في السِّينِ.

﴿ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ﴾ تَراجُعَكُما الكَلامَ وهو عَلى تَغْلِيبِ الخِطابِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ لِلْأقْوالِ والأحْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)

{الذين يظاهرون} عاصم يظَّهرون حجازي وبصري غيرهم يظاهرون وفي {مّنكُمْ} توبيخ للعرب لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خصة دون سائر الأمم {مِن نّسَائِهِمْ} زوجاتهم {مَّا هن أمهاتهم} أمهاتهم الفضل الأول حجازي والثاني تميمي {إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائي ولدنهم} يريدان الامهات على الخفيفة الوالدات والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع وكذا ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيادة حرمتهن وأما

فأبعد شيء من الأمومة فلذا قال {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول} تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية {وَزُوراً} وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق {وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} لما سلف منهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﷽ سُورَةُ المُجادَلَةِ - 58 بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها، والثّانِي هو المَعْرُوفُ، وتُسَمّى سُورَةَ - قَدْ سَمِعَ - وسُمِّيَتْ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الظِّهارَ، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَدَنِيَّةٌ وقالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ السّائِبِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ  ﴾ ، وعَنْ عَطاءٍ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنها مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ، وقَدِ انْعَكَسَ ذَلِكَ عَلى البَيْضاوِيِّ، وأنَّها إحْدى وعِشْرُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ الأخِيرِ، واثْنَتانِ وعِشْرُونَ في الباقِي، وفي التَّيْسِيرِ هي عِشْرُونَ وأرْبَعُ آياتٍ وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في كِتابِ العَدَدِ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى خُتِمَتْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِما هو مِن ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في ذَلِكَ: لَمّا كانَ في مَطْلَعِ الأُولى ذِكْرُ صِفاتِهِ تَعالى الجَلِيلَةِ، ومِنها الظّاهِرُ والباطِنُ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ  ﴾ افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا سَمِعَ قَوْلَ المُجادِلَةِ الَّتِي شَكَتْ إلَيْهِ تَعالى، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبُخارِيُّ تَعْلِيقًا حِينَ نَزَلَتْ: ««الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ ما تَقُولُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قَدْ سَمِعَ  ﴾ »» إلَخْ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ الآيَةَ، وهي تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ وبِذَلِكَ تُعْرَفُ الحِكْمَةُ في الفَصْلِ بِها بَيْنَ الحَدِيدِ والحَشْرِ مَعَ تَواخِيهِما في الِافْتِتاحِ - بِسَبِّحْ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ بِإظْهارِ الدّالِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِها في السِّينِ، قالَ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ: سَمِعْتُ الكِسائِيَّ يَقُولُ: مَن قَرَأ قَدْ سَمِعَ فَبَيَّنَ الدّالَ فَلِسانُهُ أعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، ولا يُلْتَفَتُ إلى هَذا فَكِلا الأمْرَيْنِ فَصِيحٌ مُتَواتِرٌ بَلِ الجُمْهُورُ عَلى البَيانِ ﴿ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ﴾ أيْ تَراجُعِكَ الكَلامَ في شَأْنِهِ وفِيما صَدَرَ عَنْهُ في حَقِّها مِنَ الظِّهارِ، وقُرِئَ - تُحاوِرُكَ - والمَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ وتُحاوِلُكَ أيْ تُسائِلُكَ ﴿ وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى تُجادِلُكَ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا أيْ تُجادُلِكَ شاكِيَةً حالَها إلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ بُعْدُ مَعْنى، ومَعَ هَذا يُقَدَّرُ مَعَها مُبْتَدَأٌ أيْ وهي تَشْتَكِي لِأنَّ المُضارِعِيَّةَ لا تَقْتَرِنُ بِالواوِ في الفَصِيحِ فَيُقَدَّرُ مَعَها المُبْتَدَأُ لِتَكُونَ اسْمِيَّةً، واشْتِكاؤُها إلَيْهِ تَعالى إظْهارُ بَثِّها وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ وتَضَرُّعُها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مِنَ الشَّكْوِ، وأصْلُهُ فَتْحُ الشَّكْوَةِ وإظْهارُ ما فِيها، وهي سِقاءٌ صَغِيرٌ يُجْعَلُ فِيهِ الماءُ ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ، وهي امْرَأةٌ صَحابِيَّةٌ مِنَ الأنْصارِ اخْتُلِفَ في اسْمِها واسْمِ أبِيها، فَقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وقِيلَ: بِنْتُ حَكِيمٍ وقِيلَ: بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: خُوَيْلَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ: بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ،وقِيلَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكٍ الخَزْرَجِيَّةُ، وأكْثَرُ الرُّواةِ عَلى أنَّ الزَّوْجَ في هَذِهِ النّازِلَةِ أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وقِيلَ: هو سَلَمَةُ بْنُ صَخْرِ الأنْصارِيُّ، والحَقُّ أنَّ لِهَذا قِصَّةً أُخْرى، والآيَةُ نَزَلَتْ في خَوْلَةَ وزَوْجِها أوْسٍ، وذَلِكَ «أنَّ زَوْجَها أوْسًا كانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُهُ فَدَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا فَراجَعَتْهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وكانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قالَ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ - وكانَ هَذا أوَّلَ ظِهارٍ في الإسْلامِ - فَنَدِمَ مِن ساعَتِهِ فَدَعاها فَأبَتْ، وقالَتْ: والَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِينا، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ فَلمّا خَلا سِنِّي ونَثَرْتُ بَطْنِي - أيْ كَثُرَ ولَدِي - جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ وتَرَكَنِي إلى غَيْرِ أحَدٍ فَإنْ كُنْتَ تَجِدُ لِي رُخْصَةً يا رَسُولَ اللَّهِ تُنْعِشُنِي بِها وإيّاهُ فَحَدِّثْنِي بِها ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «واللَّهِ ما أُمِرْتُ في شَأْنِكِ بِشَيْءٍ حَتّى الآنَ»، وفي رِوايَةٍ «ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» قالَتْ: ما ذَكَرَ طَلاقًا، وجادَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِرارًا ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وحْدَتِي وما يَشُقُّ عَلَيَّ مِن فِراقِهِ، وفي رِوايَةٍ قالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ تَعالى فاقَتِي وشِدَّةَ حالِي وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، وجَعَلَتْ تَرْفَعُ رَأْسَها إلى السَّماءِ وتَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ اللَّهُمَّ فَأنْزِلْ عَلى لِسانِ نَبِيِّكَ وما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ فِيها، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَوْلَةُ أبْشِرِي قالَتْ: خَيْرًا ؟

فَقَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ الآياتِ»» وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُكْرِمُها إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ويَقُولُ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لَها.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ أنَّها لَقِيَتْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو يَسِيرُ مَعَ النّاسِ فاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَها ودَنا مِنها وأصْغى إلَيْها ووَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنكِبَيْها حَتّى قَضَتْ حاجَتَها وانْصَرَفَتْ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَبَسْتَ رِجالَ قُرَيْشٍ عَلى هَذِهِ العَجُوزِ قالَ: ويْحَكَ أتَدْرِي مِن هَذِهِ ؟

قالَ: لا.

قالَ: هَذِهِ امْرَأةٌ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى شَكْواها مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، واللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ حَتّى أتى اللَّيْلُ ما انْصَرَفْتُ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها، وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في تارِيخِهِ أنَّها قالَتْ لَهُ: قِفْ يا عُمَرُ فَوَقَفَ فَأغْلَظَتْ لَهُ القَوْلَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وما يَمْنَعُنِي أنْ أسْتَمِعَ إلَيْها وهي الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ تَعالى لَها فَأنْزَلَ فِيها ما أنْزَلَ ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ الآياتِ، والسَّماعُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والإجابَةِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، ( وقَدْ ) لِلتَّحْقِيقِ أوْ لِلتَّوَقُّعِ، وهو مَصْرُوفٌ إلى تَفْرِيجِ الكَرْبِ لا إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ أوْ إلى السَّمْعِ لِأنَّهُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ، والمُرادُ تَوَقُّعُ المُخاطَبِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ  يَتَوَقَّعُ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الحادِثَةِ ويُفْرِّجَ عَنِ المُجادِلَةِ كَرْبَها، وفي الأخْبارِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ والسَّمْعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ﴾ عَلى ما هو المَعْرُوفُ فِيهِ مِن كَوْنِهِ صِفَةً يُدْرَكُ بِها الأصْواتُ غَيْرَ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ كَوْنُهُ راجِعًا إلى صِفَةِ العِلْمِ، والتَّحاوُرُ المُرادَّةُ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الكَلامُ المُرَدَّدُ، ويُقالَ: كَلَّمْتُهُ فَما رَجَعَ إلَيَّ حِوارًا وحَوِيرًا ومَحُورَةً أيْ ما رَدَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السَّمْعِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ التَّحاوُرِ وتَجَدُّدِهِ، وفي نَظْمِها في سِلْكِ الخِطابِ تَغْلِيبًا تَشْرِيفٌ لَها مِن جِهَتَيْنِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ إلْحافَها في المَسْألَةِ ومُبالَغَتَها في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُدافَعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها وعِلْمَهُ عَزَّ وجَلَّ بِحالِهِما مِن دَواعِي الإجابَةِ، وقِيلَ: هي حالٌ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ إنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ كُلَّ المَسْمُوعاتِ ويُبْصِرُ كُلَّ المُبْصَراتِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ يَسْمَعَ سُبْحانَهُ تَحاوُرَهُما، ويَرى ما يُقارِنُهُ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها رَفْعُ رَأْسِها إلى السَّماءِ وسائِرُ آثارِ التَّضَرُّعِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِما اشْتُهِرَ بِهِ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَتَيْنِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنتان وعشرون آية مكية قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ يعني: تخاصمك، فِي زَوْجِها يعني: من قبل زوجها.

وروى أبو العالية الرياحي: أن الآية نزلت في شأن أوس بن الصامت وفي امرأته خويلة بنت دعلج، وعن عكرمة أنه قال: نزلت في امرأة اسمها خويلة بنت ثعلبة وفي زوجها أوس بن الصامت، جاءت إلى رسول الله  فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه فقال النبيّ  : «مَا أرَاكِ إلاَّ وَقَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ» .

قالت: انظر يا نبي الله، جعلني الله فداك يا نبي الله في شأني، وجعلت تجادله، وعائشة  ا تغسل رأسي النبيّ  ، فقالت عائشة  ا: اقصري حديثك ومجادلتك يا خويلة، أما ترين وجه رسول الله  قد تربّد ليوحى إليه، فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ.

وروى سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإيلاء، فلما جاء الإسلام جعل الله تعالى في الظهار ما جعل، وجعل في الإيلاء ما جعل.

ثم قال: وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ يعني: تتضرع المرأة إلى الله مخافة الفرقة وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما يعني: محاورتكما ومراجعتكما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يعني: سميعاً لمقالة خويلة بصير بأمرها، وقال مقاتل فهي خويلة بنت ثعلبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفروع الظهار مُسْتَوفَاةً في كتب الفقه، فلا نطيل بذكرها.

وقوله سبحانه: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام، ثم شَدَّدَ سبحانه بقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: فالتزموها، ثم تَوَعَّدَ الكافرين بقوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا ...

الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا يتربّصون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبالمؤمنين الدوائرَ، ويتمنَّون فيهم المكروهَ، ويتناجون بذلك وكُبِتَ الرجل: إذا بَقِيَ خَزْيَانَ يُبْصِرُ ما يكره، ولا يَقْدِرُ على دفعه، وقال قوم منهم أبو عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأُبْدِلَتِ الدَّالُ تاءً، وهذا غير قويّ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: منافقوا الأمم الماضية، ولفظ البخاريِّ:

كُبِتُوا: أُحْزِنُوا.

وقوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ/ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ: العامل في يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أنْ يكون فعلاً مُضْمَراً تقديره: اذكر.

وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي: بعلمه وإحاطته وقُدْرَتِهِ، وعبارة الثعلبيِّ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ: يعلم ويسمع نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتُها، انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُجادَلَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والجُمْهُورِ.

ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنها مَدَنِيٌّ، والباقِي مَكِّيٌّ.

وعَنِ ابْنِ السّائِبِ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى آيَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: تَبارَكَ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ فَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، وأنا في جانِبِ البَيْتِ أسْمَعُ كَلامَها، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وهي تَشْتَكِي زَوْجَها وتَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: أبْلى شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبُرَ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، قالَتْ: فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ.» فَأمّا تَفْسِيرُها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إدْغامُ الدّالِ في السِّينِ حَسَنٌ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ، وإظْهارُ الدّالِ جائِزٌ، لِأنَّهُ وإنْ قَرُبَ مِن مَخْرَجِ السِّينِ، فَلَهُ حَيِّزٌ عَلى حِدَةٍ، ومِن مَوْضِعِ الدّالِ الطّاءُ والتّاءُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ مَوْضِعُها واحِدٌ، والسِّينُ والزّايُ والصّادُ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهي تُسَمّى: حُرُوفَ الصَّفِيرِ.

وفي اسْمِ هَذِهِ المُجادِلَةِ ونَسَبَتِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ.

والثّانِي: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: خَوْلَةُ بِنْتُ الصّامِتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: خَوْلَةُ بِنْتُ الدَّلِيجِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

واسْمُ زَوْجِها: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ، وكانا مِنَ الأنْصارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ الرَّجُلُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ في الجاهِلِيَّةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، ثُمَّ نَدِمَ، وقالَ لِامْرَأتِهِ: انْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَسَلِيهِ، فَأتَتْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.» فَأمّا مُجادَلَتُها رَسُولَ اللَّهِ  ، فَإنَّهُ كانَ كُلَّما قالَ لَها: قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ تَقُولُ: واللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا، فَقالَ: ما أُوحِيَ إلَيَّ في هَذا شَيْءٌ، فَجَعَلَتْ تَشْتَكِي إلى اللَّهِ.

وتَشْتَكِي بِمَعْنى: تَشْكُو.

يُقالُ: اشْتَكَيْتُ ما بِي، وشَكَوْتُهُ.

وقالَتْ: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا.

فَأمّا التَّحاوُرُ، فَهو مُراجَعَةُ الكَلامِ.

قالَ عَنْتَرَةُ في فَرَسِهِ: ؎ لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى ولَكانَ لَوْ عِلَمَ الكَلامَ مُكَلِّمِي <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُجادَلَةِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ النَقّاشَ حَكى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ  ﴾ مَكِّيٌّ، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادَلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللهِ"».

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللهُ واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتِهِمْ إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ "سَمِعَ اللهُ" عِبارَةٌ عن إدْراكِ المَسْمُوعاتِ عَلى ما هي ما عَلَيْهِ بِأكْمَلِ وُجُوهِ ذَلِكَ دُونَ جارِحَةٍ ولا تَكْيِيفَ ولا تَحْدِيدَ، "تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَدْ سَمِعَ" بِالبَيانِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "قَدْ سَمِعَ" بِالإدْغامِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قَدْ يَسْمَعُ اللهُ"، وفِيها "واللهُ قَدْ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما".

واخْتَلَفَ الناسُ في اسْمِ الَّتِي تُجادِلُ، فَقالَ قَتادَةُ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هي بِنْتُ حَكِيمٍ، وقالَ بَعْضُ الرُواةِ، وأبُو العالِيَةِ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا هي جَمِيلَةٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصامِتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ.

قالَ ابْنُ سَلامٍ: "تُجادِلُ": تُقاتِلُ في القَوْلِ، وأصْلُ "الجَدَلِ": القَتْلُ.

وَأكْثَرُ الرُواةِ عَلى أنَّ الزَوْجَ في هَذِهِ الآيَةِ أوسُ بْنُ الصامِتِ الأنْصارِيُّ، أخُو عُبادَةَ بْنَ الصامِتِ، وحَكى النَقّاشُ -وَهُوَ في المُصَنَّفاتِ- حَدِيثًا «عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ إنْ واقَعَها مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ، فَواقَعَها لَيْلَةً، فَسَألَ قَوْمَهُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ  فَأبَوْا وهابُوا ذَلِكَ، وعَظَّمُوا عَلَيْهِ جَرِيرَتَهُ، فَذَهَبَ هو إلى رَسُولِ اللهِ  بِنَفْسِهِ فَسَألَهُ واسْتَرْشَدَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟

فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ أتَيْتُ إلّا في الصَوْمِ؟

فَقالَ: أتُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟

فَقالَ: لا أجِدُ، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللهِ  صَدَقاتِ قَوْمِهِ فَكَفَّرَ بِها، فَرَجَعَ سَلَمَةُ إلى قَوْمِهِ فَقالَ: إنِّي وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الشِدَّةَ والغِلْظَةَ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  الرُخْصَةَ والرِفْقَ، وقَدْ أعْطانِي صَدَقاتِكم.» وأمّا ما رَواهُ الجُمْهُورُ في شَأْنِ أوسِ بْنِ الصامِتِ فاخْتِصارُهُ «أنْ أوسًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الظِهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُوجِبُ عِنْدَهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، قالَهُ أبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللهِ  فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ أوسًا أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمّا كَبُرْتُ وماتَ أهْلِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : ما أراكَ إلّا حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللهِ لا تَفْعَلُ؛ إنِّي وحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أهْلٌ سِواهُ، فَراجَعَها رَسُولُ اللهِ  بِمِثْلِ مَقالَتِهِ، فَراجَعَتْهُ، فَهَذا هو مُجادَلَتُها، وكانَتْ في خِلالِ جِدالِها تَقُولُ: اللهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو حالِي وانْفِرادِي وفَقْرِي إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَقُولُ: اللهُمَّ إنَّ لِي مِنهُ صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، فَهَذا هو اشْتِكاؤُها إلى اللهِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ -عِنْدَ جِدالِها- عَلى رَسُولِ اللهِ  بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، فَكانَتْ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ كُنْتُ حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، وكانَ بَعْضُ كَلامِ خَوْلَةَ يَخْفى عَلَيَّ، وسَمْعِ اللهُ تَعالى جِدالَها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  في أوسٍ وقالَ لَهُ: أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟

فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُها، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟

فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ أنْ أصْبِرَ إلّا عَلى أكَلاتٍ ثَلاثٍ في اليَوْمِ، ومَتى لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ غَشِيَ بَصَرِي، فَقالَ لَهُ: أتُطْعَمُ؟

فَقالَ لا أجِدُ إلّا أنْ يُعِينَنِي رَسُولُ اللهِ بِمَعُونَةٍ وصَلاةٍ -يُرِيدُ الدُعاءَ-، فَأعانَهُ رَسُولُ اللهِ  بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا ودَعا لَهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِينَ صاعًا، فَكَفَّرَ بِالإطْعامِ وأمْسَكَ أهْلُهُ.» وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحاوُرُكِ في زَوْجِها"، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ القَوْلِ ومُعاطاتُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "يُظْهِرُونَ" وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "يَتَظاهَرُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ، وقَتادَةُ: "يَتَظاهَرُونَ"، بِضَمِّ الياءِ مِن قَوْلِكَ "فاعِلٌ"، وهَذِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُمْ: "الظِهارُ" دَلِيلٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا كُلِّهِ قَوْلُ الرَجُلِ لِأمَراتِهِ: أنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يُرِيدُ: في التَحْرِيمِ، كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى الرُكُوبِ إذْ عَرَفَهُ في ظُهُورِ الحَيَوانِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فِعْلِهِمْ، وأخْبَرَ بِالحَقِيقَةِ مِن أنَّ الأُمَّ هي الوالِدَةُ، وأمّا الزَوْجَةُ فَلا يَكُونُ حُكْمُها حُكْمَ الأُمِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُمَّهاتُهُمْ" بِنَصْبِ الأُمَّهاتِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "أُمَّهاتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى اللُغَتَيْنِ في "ما"، لُغَةُ الحِجازِ ولُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ" بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَوْلَ بِالظِهارِ مُنْكَرًا وزُورًا، فَهو مُحَرَّمٌ لَكِنَّهُ، إذا وقَعَ لَزِمَ، هَكَذا قالَ فِيهِ أهْلُ العِلْمِ، لَكِنَّ تَحْرِيمَهُ تَحْرِيمُ المَكْرُوهاتِ جِدًّا، وقَدْ رَجّى اللهُ بَعْدَهُ بِأنَّهُ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ مَعَ الكَفّارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتحت آيات أحكام الظهار بذكر سبب نزولها تنويهاً بالمرأة التي وجَّهت شَكواها إلى الله تعالى بأنها لم تقصّر في طلب العدل في حقها وحق بَنِيها.

ولم ترضَ بعُنجهية زوجها وابتداره إلى ما ينثر عقد عائلته دون تبصّر ولا روية، وتعليماً لنساء الأمة الإِسلامية ورجالها واجب الذود عن مصالحها.

تلك هي قضية المرأة خولة أو خُويلة مصغراً أو جميلة بنت مالك بن ثعلبة أو بنت دُلَيْج (مصغراً) العَوْفية.

وربما قالوا: الخزرجية، وهي من بني عوف بن مالك بن الخزرج، من بطون الأنصار مع زوجها أوس بن الصامت الخزرجي أخي عُبادة بن الصامت.

قيل: إن سبب حدوث هذه القضية أن زوجها رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت أرادها فأبت فغضب وكان قد ساء خلقه فقال لها: أنتتِ عليّ كظهر أمي.

قال ابن عباس: وكان هذا في الجاهلية تحريماً للمرأة مؤبَّداً (أي وعمل به المسلمون في المدينة بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره الناس عليه فاستقرّ مشروعاً) فجاءت خولة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فقال لها: حَرُمتتِ عليه، فقالت للرسول صلى الله عليه وسلم إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، فقال: «ما عندي في أمرككِ شيء»، فقالت: يا رسول الله ما ذكَر طلاقاً.

وإنما هو أبو وَلَدِي وأحب الناس إليّ فقال: «حَرُمتتِ عليه».

فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي.

كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حَرُمتتِ عليه» هتفت وشكت إلى الله، فأنزل الله هذه الآيات.

وهذا الحديث رواه داود في كتاب الظهار مجملاً بسند صحيح.

وأما تفصيل قصته فمن روايات أهل التفسير وأسباب النزول يزيد بعضها على بعض، وقد استقصاها الطبري بأسانيده عن ابن عباس وقتادة وأبي العالية ومحمد بن كعب القرظي وكلها متفقة على أن المرأة المجادِلة خولة أو خويلة أو جميلة، وعلى أن زوجها أَوس بن الصامت.

وروى الترمذي وأبو داود حديثاً في الظهار في قصة أخرى منسوبة إلى سَلمة بن صخر البَيَاضي تشبه قصة خولة أنه ظاهرَ من امرأته ظهاراً موقناً برمضان ثم غلبته نفسهُ فَوطئها واستفتى في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر القصة، إلاّ أنهما لم يذكرا أن الآية نزلت في ذلك.

وإنما نسب ابنُ عطية إلى النقاش أن الآية نزلت بسبب قصة سلمة ولا يعرف هذا لغيره.

وَأحسب أن ذلك اختلاط بين القصتين وكيف يصح ذلك وصريح الآية أن السائلة امرأة والذي في حديث سلمة بن صخر أنه هو السائل.

و ﴿ قد ﴾ أصله حرف تحقيق للخبر، فهو من حروف توكيد الخبر ولكن الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يخامره تردد في أن الله يعلم ما قالته المرأة التي جادلت في زوجها.

فتعيّن أن حرف ﴿ قد ﴾ هنا مستعمل في التوقع، أي الإِشعار بحصول ما يتوقعه السامع.

قال في «الكشاف»: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادِلة كانا يتوقعان أن يسمع الله لمجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها ا ه.

ومعنى التوقع الذي يؤذن به حرف ﴿ قد ﴾ في مثل هذا يؤول إلى تنزيل الذي يَتوقع حصول أمر لشدة استشرافه له منزلةَ المتردد الطالب فتحقيق الخبر من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة كما قالوا في تأكيد الخبر ب (إنَّ) في قوله تعالى: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ [المؤمنون: 27] إنه جُعل غير السائل كالسائل حيث قُدم إليه ما يلوِّح إليه بالخبر فيستشرف له استشراف الطالب المتردد.

ولهذا جزم الرضيّ في «شرح الكافية» بأن ﴿ قَد ﴾ لا بدّ فيها من معنى التحقيق.

ثم يضاف إليه في بعض المواضع معان أخرى.

والسماع في قوله: ﴿ سمع ﴾ معناه الاستجابة للمطلوب وقبُوله بقرينة دخول ﴿ قد ﴾ التوقعية عليه فإن المتوقَّع هو استجابة شكواها.

وقد استُحضرت المرأة بعنوان الصلة تنويهاً بمجادلتها وشكواها لأنها دلت على توكلها الصادق على رحمة ربها بها وبأبنائها وبزوجها.

والمجادلة: الاحتجاج والاستدلال، وتقدمت في قوله: ﴿ يجادلونك في الحق بعد ما تبين ﴾ في سورة [الأنفال: 6].

والاشتكاء: مبالغة في الشكوى وهي ذكر ما آذاه، يقال: شكا وتشكى واشتكى وأكثرها مبالغة.

اشتكى، والأكثر أن تكون الشكاية لقصد طلب إزالة الضرّ الذي يشتكي منه بحكم أو نصر أو إشارة بحيلةِ خلاص.

وتعلق فعل التجادل بالكون في زوجها على نية مضاف معلوم من المقام في مثل هذا بكثرة: أي في شأن زوجها وقضيته كقوله تعالى: ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ [هود: 74]، وقوله: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ [المؤمنون: 27] وهو من المسألة الملقبة في «أصول الفقه» بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعْيان في نحو ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3].

والتحاور تفاعل من حار إذا أجاب.

فالتحاور حصول الجواب من جانبين، فاقتضت مراجعةً بين شخصين.

والسماع في قوله: ﴿ والله يسمع تحاوركما ﴾ مستعمل في معناه الحقيقي المناسب لصفات الله إذ لا صارف يصرف عن الحقيقة.

وكون الله تعالى عالماً بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإِخبار به إفادة الحكم، فتعيّن صرف الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله على ترقّب النبي صلى الله عليه وسلم ما ينزله عليه من وحي، وترقب المرأة الرحمةَ، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن الله عالم بتحاورهما.

وجملة ﴿ والله يسمع تحاوركما ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ تجادلك ﴾ .

وجيء بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم الله لتحاورهما زيادة في التنويه بشأن ذلك التحاور.

وجملة ﴿ الله سميع بصير ﴾ تذييل لجملة ﴿ والله يسمع تحاوركما ﴾ أي: أن الله عالم بكل صوت وبكل مرئيّ.

ومن ذلك محاورة المجادلة ووقوعها عند النبي صلى الله عليه وسلم وتكرير اسم الجلالة في موضع إضماره ثلاث مرات لتربية المهابة وإثارة تعظيم منته تعالى ودواعي شكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُجادَلَةِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا رِوايَةً عَنْ عَطاءٍ أنَّ العُشْرَ الأوَّلَ مِنها مَدَنِيٌّ وباقِيَها مَكِّيٌّ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ جَمِيعُها بِالمَدِينَةِ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

وَزَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ.

قالَ عُرْوَةُ: وكانَ امْرَأً بِهِ لَمَمٌ فَأصابَهُ بَعْضُ لَمَمِهِ فَظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  تَسْتَفْتِيهِ في ذَلِكَ.

﴿ وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْتَغْيِثُ بِاللَّهِ.

والثّانِي: تَسْتَرْحِمُ اللَّهَ.

وَرَوى الحَسَنُ «أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَسَخَ اللَّهُ سُنَنَ الجاهِلِيَّةِ وإنَّ زَوْجِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (ما أُوحِيَ إلَيَّ في هَذا شَيْءٌ) فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُوحِيَ إلَيْكَ في كُلِّ شَيْءٍ وطُوِيَ عَنْكَ هَذا؟

فَقالَ: (هُوَ ما قُلْتُ لَكِ) فَقالَتْ: إلى اللَّهِ أشْكُو لا إلى رَسُولِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ ﴾ الآيَةَ.

» وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ قَدْ سَمِعَ ﴾ «قالَتْ عائِشَةُ: تَبارَكَ اللَّهِ الَّذِي أوْعى سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، سَمِعَ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ ما أسْمَعُ بَعْضَ ما تَقُولُ، وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلَ شَبابِي وانْقَطَعَ ولَدِي ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتّى إذا كَبُرَتْ سِنِّي ظاهَرَ مِنِّي اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ، فَما بَرِحَتْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

» ﴿ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ، قالَ عَنْتَرَةُ لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى ولَكانَ لَوْ عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمِي.

﴿ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ﴾ الظِّهارُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ.

أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، سُمِّيَ ظِهارًا لِأنَّهُ قَصَدَ تَحْرِيمَ ظَهْرِها عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، وقَدْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ طَلاقًا ثَلاثًا لا رَجْعَةَ فِيهِ ولا إباحَةَ بَعْدَهُ فَنَسَخَهُ اللَّهُ إلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ مِن وُجُوبِ الكَفّارَةِ فِيهِ بِالعَوْدِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور والبخاري تعليقاً وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه في سننه عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ وهو أوس بن الصامت.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب امرأة يقال لها خولة وهو يسير مع الناس فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل يا أمير المؤمنين: حبست رجال قريش على هذه العجوز، قال: ويحك وتدري من هذه؟

قال: لا.

قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره لقيته امرأة فقالت: قف يا عمر، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم، فقال: وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع الله لها أنزل فيها ما نزل ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه فدخل عليّ يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سرّي عنه، فقال لي: يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب أليم ﴾ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة قلت يا رسول الله: ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، قلت: والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بعرق من تمر، قلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال: فقد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً.

قالت: ففعلت» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه والبيهقي «عن عطاء بن يسار أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وكان أوس بن لمم، فنزل القرآن ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ فقال لامرأته: مريه فليعتق رقبة، فقالت يا رسول الله: والذي أعطاك ما أعطاك ما جئت إلا رحمة له إن له فيّ منافع والله ما عنده رقبة ولا يملكها، قالت: فنزل القرآن وهي عنده في البيت، قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي أعطاك ما أعطاك ما قدر عليه، فقال: مريه فليتصدق على ستين مسكيناً، فقالت: يا رسول الله ما عنده ما يتصدق به، فقال: يذهب إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فليأخذ منه ثم ليتصدق على ستين مسكيناً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن عائشة أن خولة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان إمرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله فيه كفارة الظهار.

وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية لو قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه، وكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة فظاهر منها فأسقط في يده وقال: ما أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسأليه، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال: يا خولة ما أمرنا في أمرك بشيء، فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خولة ابشري قالت: خيراً قال: خيراً فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليها ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ الآيات.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس «أن خولة أو خويلة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت أشكو إلى الله فاقتي، فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال في القرآن ما أنزل الله جملة واحدة ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ كان هذا قبل أن تخلق خولة لو أن خولة أرادت أن لا تجادل لم يكن ذلك لأن الله كان قد قدر ذلك عليها قبل أن يخلقها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ وذلك «أن خولة امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت عليّ كظهر أمي فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي كان تزوجني وأنا أحب الناس إليه حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال: أنت عليّ كظهر أمي وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإياه بها فحدثني بها، قال: والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك فإن أومر بشيء لا أعميه عليك إن شاء الله، فرجعت إلى بيتها فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها فقال: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب أليم ﴾ فأرسل إلى زوجها، فقال: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟

قال: إذن يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟

قال: والله لولا أني آكل كل يوم ثلاث مرات لكلّ بصري، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا والله إلا أن تعينني، قال: إني معينك بخمسة عشر صاعاً» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه «أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ظاهر مني زوجي حين كبر سني ودق عظمي فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة قال: مالي بذلك يدان، فصم شهرين متتابعين، قال: إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم ثلاث مرات يكل بصري، فأطعم ستين مسكيناً قال: ما أجد إلا أن تعينني فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له أهله» .

وأخرج ابن مردويه عن الشعبي قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت ثعلبة وأمها معاذة التي أنزل الله فيها ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ [ النور: 33] وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال: «إن أول من ظاهر في الإِسلام زوج خويلة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي ظاهر مني وجعلت تشكو إلى الله فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ما جاءني في هذا شيء، قالت: فإلى من يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني، فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ حتى بلغ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها، فقالت: لا يجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو ذاك فبينما هي كذلك إذا نزل الوحي ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ﴾ ثم حبس الوحي فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليها فقالت: لا يستطيع أن يصوم يوماً واحداً قال: هو ذاك فبينما هي كذلك إذ نزل الوحي ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ﴾ فانصرف إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليها فقالت: لا يجد يا رسول الله قال: إنا سنعينه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء الخراساني قال: أعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي زيد المدني رضي الله عنه أن امرأة جاءت بشطر وسق من شعير فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم أي مدين من شعير مكان مدّ من بر.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بخمسة عشر صاعاً من شعير.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه «أن رجلاً ظاهر من امرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الظهار أشد من الطلاق وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم ترجع إليه أبداً فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يانبي الله إن زوجي وأبا ولدي ظاهر مني وما يطلع إلا الله على ما يدخل عليّ من فراقه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال ما قال: قالت: فكيف أصنع ودعت الله واشتكت إليه فأنزل الله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ إلى آخر الآيات فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها فقال: تعتق رقبة قال: ما في الأرض رقبة أملكها قال: تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال يا رسول الله: إني بلغت سناً وبي دوران فإذا لم آكل في اليوم مراراً أدير عليّ حتى أقع قال: تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً قال: والله ما أجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنعينك» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه «أن امرأة أخي عبادة بن الصامت جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها تظاهر عنها وامرأة تفلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: تدهنه فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم نظره إلى السماء فقالت التي تفلي لامرأة أخي عبادة بن الصامت رضي الله عنه واسمها خولة بنت ثعلبة يا خولة ألا تسكتي فقد ترينه ينظر إلى السماء فأنزل الله فيها ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق رقبة فقال: لا أجد فعرض عليه صيام شهرين متتابعين فقال: لا أطيق إن لم آكل كل يوم ثلاث مرات شق بي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فأطعم ستين مسكيناً قال: لا أجد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من تمر فقال له: خذ هذا فأقسمه فقال الرجل: ما بين لابتيها أفقر مني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كله أنت وأهلك» .

وأخرح عبد بن حميد «عن يزيد بن زيد الهمداني في قوله: ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ قال: هي خولة بنت الصامت، وكان زوجها مريضاً فدعاها فلم تجبه وأبطأت عليه فقال: أنت عليّ كظهر أمي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ فتحرير رقبة ﴾ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكيناً، قال: لا والله ما عندي إلا أن تعينني فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً، فقال: والله ما في المدينة أحوج إليها مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فكلها أنت وأهلك» .

وأخرج ابن سعد عن عمران بن أنس قال: «كان أول من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكان به لمم، وكان يفيق أحياناً فَلاحَ امرأته خولة بنت ثعلبة في بعض صحواته، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم ندم فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليّ، قالت: ما ذكرت طلاقاً فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بما قال، قال: وجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق عليّ من فراقه، قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان في البيت رحمة لها ورقة عليها، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فسري عنه وهو يبتسم فقال: يا خولة قد أنزل الله فيك وفيه ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ﴾ ثم قال: مريه أن يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فمريه أن يصوم شهرين متتابعين، قالت: لا يطيق ذلك، قال: فمريه فليطعم ستين مسكيناً قالت: وأنّى له؟

فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس فليأخذ منها شطر وسق تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً فرجعت إلى أوس، فقال: ما وراءك؟

قالت: خير وأنت ذميم، ثم أخبرته فأتى أم المنذر فأخذ ذلك منها فجعل يطعم مدين من تمر كل مسكين» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة قال: إنما كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإِيلاء حتى قال ما سمعت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ﴾ قال: الزور الكذب.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال: هو الرجل يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال ذلك: فليس له أن يقربها بنكاح ولا غيره حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا، والمس النكاح، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وإن هو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، فإذا قال: إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث فلا يقربها حتى يكفر ولا يقع في الظهار طلاق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ثم يعودون لم قالوا ﴾ قال: يعود لمسها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاووس ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال: الوطء.

وأخرج ابن المنذر عن طاووس قال: إذا تكلم الرجل بالظهار المنكر والزور فقد وجبت عليه الكفارة حنث أو لم يحنث.

وأخرج عبد الرزاق عن طاووس قال: كان طلاق أهل الجاهلية الظهار فظاهر رجل في الإِسلام وهو يريد الطلاق فأنزل الله فيه الكفارة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن هذه الآية من قبل أن يتماسّا قال: هو الجماع.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ قال: كهيئة الطعام في اليمين مدين لكل مسكين.

وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: ثلاث فيهن مد كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الصيام.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أتى أهله في رمضان بكفارة الظهار.

وأخرج عبد الرزاق عن عطاء والزهري وقتادة قالوا: العتق في الظهار والصيام والطعام كل ذلك من قبل أن يتماسّا.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء فكان أوّل من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت، وكانت امرأته خولة بنت خويلد، وكان الرجل ضعيفاً، وكانت المرأة جلدة، فلما تكلم بالظّهار قال: لا أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تبتغي شيئاً يردّك عليّ فانطلقت، وجلس ينتظرها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وماشطة تمشط رأسه، فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت من قد علمت من ضعف رأيه وعجز مقدرته، وقد ظاهر مني فابتغ لي يا رسول الله شيئاً إليه قال يا خويلة: ما أمرنا بشيء في أمرك وأن نؤمر فسأخبرك، فبينا ماشطته قد فرغت من شق رأسه وأخذت في الشق الآخر أنزل الله عز وجل، وكان إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه حتى يجد بردة فإذا سرّي عنه عاد وجهه أبيض كالقلب، ثم تكلم بما أمر به، فقالت ماشطته: يا خويلة إني لأظنه الآن في شأنك فأخذها أفكل ثم قالت: اللهم بك أعوذ أن تنزل فيّ إلا خيراً فإني لم أبغ من رسولك إلا خيراً فلما سرّي عنه قال: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك فقرأ ﴿ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ إلى قوله: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ فقالت: والله يا رسول الله ما له خادم غيري ولا لي خادم غيره، قال: ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ قالت: والله إنه إذا لم يأكل في اليوم مرتين يسدر بصره، قال: ﴿ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ﴾ قالت: والله ما لنا في اليوم إلا وقية، قال: فمريه فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً وليراجعك» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن «عن سلمة بن صخر الأنصاري أنه جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان فسمنت وتربصت فوقع عليها في النصف من رمضان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعظم ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتستطيع أن تعتق رقبة؟

فقال: لا، قال: أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟

قال: لا، قال: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فروة بن عمرو أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعاً فليطعمه ستين مسكيناً، فقال: أعليّ أفقر مني فوالذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اذهب به إلى أهلك» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في السنن عن أبي العالية قال: «كانت خولة بنت ودبيج تحت رجل من الأنصار، وكان سييء الخلق ضرير البصر فقيراً، وكانت الجاهلية إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال: أنت عليّ كظهر أمي، فادارعته بعض الشيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي، وكان له عيل أو عيلان، فلما سمعته يقول ما قال احتملت صبيانها فانطلقت تسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافقته عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله إن زوجي فقير ضرير البصر سييء الخلق، وإني نازعته في شيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد الطلاق، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فاستكانت وقالت: أشتكي إلى الله ما نزل بي ومصيبتي، وتحولت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فتحولت معها فقالت: مثل ذلك قالت: ولي منه عيل أو عيلان، فرفع النبي رأسه إليها فقال: ما أعلم إلا قد حرمت عليه، فبكت وقالت: أشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتي، وتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: وراءك فتنحت ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ثم انقطع الوحي، فقال يا عائشة: أين المرأة؟

قالت: ها هي، قال: ادعيها، فدعتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبي فجيئي بزوجك، فانطلقت تسعى فلم تلبث أن جاءت فأدخلته على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كما قالت: ضرير فقير سييء الخلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ﴾ إلى آخر الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتجد رقبة؟

قال: لا، قال: أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟

قال: والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرة والمرتين والثلاثة يكاد يغشى عليّ، قال: أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

قال: لا إلا أن تعينني فيها فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفر يمينه» .

وأخرج البزار والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فأعجبتني فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله ﴿ من قبل أن يتماسّا ﴾ قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: أمسك حتى تكفّر» .

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: وما حملك على ذلك؟

قال: ضوء خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والطبراني والبغوي في معجمه والحاكم وصححه والبيهقي «عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلى فأتتابع في ذلك ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك قال: أنت بذاك؟

قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا فامض فيّ حكم الله فإني صابر لذلك قال: أعتق رقبة فضربت صفحة عنقي بيدي قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما اصابني إلا في الصيام؟

قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وبني ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائرها عليك وعلى عيالك، فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فدفعوها إليه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ الآية.

قال المفسرون (١) (٢) (٣) (٤) (٥)  - فقالت: يا رسول الله: أوس بن الصامت أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا.

فقال رسول الله -  -: "ما أراك إلا قد حرمتِ عليه"، فأعادت عليه وقالت: والله يا رسول الله ما ذكر طلاقًا، أشكو إليك وحشتي وفراق زوجي، فقال رسول الله -  -: "حرمتِ عليه".

فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله -  -.

فبينا هي في ذلك إذ تربد (٦)  - للوحي ونزل عليه قوله: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ ، قالت عائشة  ا: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إنيّ لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليّ بعضه، وهي تحاور رسول الله -  - فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات (٧) قوله تعالى: ﴿ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ أي: تجادلك في قول زوجها وكلامه، وهي أن النبي -  - كلما قال لها: "حرمتِ عليه"؛ قالت: والله ما ذكر طلاقًا، فكان هذا مجادلتها النبي -  - في زوجها.

قوله تعالى: ﴿ وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾ يعني قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

وجعلت تتضرع وترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك.

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ أي تخاطبكما ومراجعتكما الكلام.

والتحاور والمحاورة: مراجعة الكلام في المخاطبة، يقال: حاور فلانًا في المنطق، وأحرت إليه جوابًا، وكلمته فما أحار بكلمة، أي: ما أجاب.

والحوير اسم من المحاورة.

تقول: سمعت حويرهما وحوارهما (٨) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ قال ابن عباس: سميع لمن يناجيه ويتضرع إليه.

﴿ بَصِيرٌ ﴾ بمن يشكو إليه (٩) (١) ومن قال به: ابن عباس، وعائشة، وقتادة، والقرظي، ومجاهد، وغيرهم.

انظر: "تنوير المقباس" 6/ 4، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 277، و"جامع البيان" 28/ 2، و"أسباب النزول" للواحدي ص 433، و"زاد المسير" 8/ 180، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 318.

(٢) خولة بنت ثعلبة بن أصرم الأنصارية الخزرجية.

ويقال لها: خويلة، بالتصغير، لها وقفة مع عمر بن الخطاب؟

في خلافته تناصحه وتذكره وتعظه، وقد سمع منها -  ما- حتى انتهت من كلامها.

انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد 8/ 378، و"الإصابة" 12/ 231، و"التقريب" 2/ 596.

(٣) أوس بن الصامت الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله -  - مات في خلافة عثمان وله خمس وثمانون.

انظر: "الطبقات الكبرى" 3/ 547، و"الإصابة" 1/ 220، و"التقريب" 1/ 85.

(٤) ليس المراد باللمم هنا الخبل والجنون، إذ لو كان كذلك ثم ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، وإنما المراد به الإلمام بالنساء، وشدة الحرص والتوقان إليهن.

انظر: "اللسان" 3/ 297 (لمم)، و"التفسير الكبير" 29/ 249.

(٥) انظر: "المغني" 10/ 400، و"فتح الباري" 9/ 432، و"نيل الأوطار" 6/ 220، و"الفقه على المذاهب الأربعة" 4/ 49.

(٦) الرُبْدَةُ: الغُبرة، وقيل: لون إلى الغبرة، وقيل: لون بين السواد والغبرة.

وهي في حقه -  - لما يعانيه وقت نزول الوحي.

انظر: "النهاية" 2/ 58 (ربد)، و"اللسان" 1/ 1105 (ربد).

(٧) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 410، وابن ماجه في "سننه" المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (118)، والحاكم 2/ 411، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، والواحدي في "أسباب النزول" ص 471، وذكره الوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" ص 149، قلت: المؤلف كما هي عادته -رحمه الله - يذكر الأحاديث والأقوال بالمعنى، ولهذا قل أن تجد حديثًا أو قولاً يخرج عن هذا، والله أعلم.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 227 (حور)، و"اللسان" 1/ 751 (حور).

(٩) لم أجده عن ابن عباس، أو غيره.

وانظر: "الوسيط" 4/ 259.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ نزلت الآية في خولة بنت حكيم، وقيل خولة بنت ثعلبة، وقيل خولة بنت خويلد، وقيل: اسمها جميلة وكانت امرأة أوس بن الصامت الأنصاري أخي عبادة بن الصامت.

فاظهر منها، وكان الظهار في الجاهلية يوجب تحريماً مؤبداً، «فلما فعل أوس ذلك جاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أوساً أكل شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات أهلي ظاهر مني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيتك إلى قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تفعل إني وحيدة، ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مقالته فراجعته» فهذا هو جدالها ﴿ وتشتكي إِلَى الله ﴾ كانت تقول اللهمه: إني أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري.

وروي أنها كانت تقول: اللهم إن لي منه صبية صغاراً إن ضممتهم إليّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا ﴿ والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ المحاروة هي المراجعة في الكلام قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي وسمع الله كلامها، «ونزل القرآن في ذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها وقال له: أتعتق رقبة؟، فقال: والله ما أملكها.

فقال: أتصوم شهرين متتابعين؟، فقال: والله، ما أقدر، فقال له: أتطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا أجد إلا أن يعينني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونة وصلاة، يريد الدعاء فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً وقيل: بثلاثين صاعاً ودعا له، فكفّر بالإطعام وأمسك زوجته» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ يظاهرون ﴾ من المظاهرة: عاصم ﴿ يظهرون ﴾ بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله " يتظهرون " أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

والباقون ﴿ يظاهرون ﴾ بتشديد الظاء ويزادة الألف من التظاهر وأصله " يتظاهرون" ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ بالرفع: المفضل.

الآخرون: بكسر التاء على إعمال " ما " عمل ليس هذه هي الفصحى ﴿ ما تكون ﴾ بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر.

الآخرون: على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى.

﴿ ولا أكثر ﴾ بالرفع: يعقوب إما على الابتداء كقولك " لا حول ولا قوة" أو للعطف على محل ﴿ من نجوى ﴾ الباقون: بالنصب على أن " لا " لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفاً على ﴿ نجوى ﴾ كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم.

أو عطفاً على العدد والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك ﴿ وتتناجوا ﴾ على باب الافتعال: حمزة ورويس ﴿ ولا تتناجوا ﴾ من الافتعال أيضاً.

رويس.

﴿ المجالس ﴾ على الجمع: عاصم ﴿ انشزوا ﴾ بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وأبن عامر وعاصم غير يحيى وحماد والهراز.

الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل ﴿ يعرشون ﴾ و ﴿ يعرشون ﴾ ﴿ ورسلي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ عشيراتهم ﴾ على الجمع: الشموني ﴿ كتب ﴾ مجهولاً الإيمان بالرفع: المفضل.

الوقوف: ﴿ تحاوركما ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ ط ﴿ ولدنهم ﴾ ط ﴿ وزوراً ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ يتماسا ﴾ ج ﴿ مسكيناً ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ق ﴿ مهين ﴾ ه ط لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولاً لاذكر ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ ونسوه ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ه ﴿ كانوا ﴾ ج لأن " ثم " للعطف أو لترتيب الاخبار ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن ﴿ جاؤك ﴾ فعل ماض لفظاً ﴿ به الله ﴾ لا لأن ما بعده حال أو عطف على ﴿ جاؤك ﴾ لمستقبل معنى ﴿ نقول ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط لاحتمال الحال وكونه مستأنفاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والتقوى ﴾ ج ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ يفسح الله لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ منكم ﴾ لا للعطف ﴿ درجات ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ صدقة ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ صدقات ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عيلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ منهم ﴾ لا بناء على أن ما بعده حاله والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي أن يكون مستأنفاً فيحسن الوقف.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ه ﴿ الأذلين ﴾ ه ﴿ رسلي ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ عشيرتهم ﴾ ط ﴿ بروح منه ﴾ ط للعدول عن الماضي إلى المستقبل ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ أولئك حزب الله ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه.

التفسير: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله  في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله لها.

وعن عمر أن النبي  كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة.

ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة فظاهر منها، فأتت رسول الله  فقالت: إن أوساً تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه.

وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا.

فقال  لها: ما عندي في أمرك شيء.

وروي أنه قال لها مراراً: حرمت عليه.

وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت.

ومعنى ﴿ في زوجها ﴾ في شأنه ومعنى " قد" في ﴿ قد سمع الله ﴾ التوقع لأن رسول الله  والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها.

والتحاور التراجع في الكلام وفي الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه.

"يروى أنه  أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟

فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟

فقال  : نعم وقرأ عليه الآيات الأربع وقال  له: هل تستطيع العتق؟

فقال: لا والله.

فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟

فقال: لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين" .

وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان شرعاً متقدماً فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن روى أنه  قال لها: حرمت عليه.

وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع.

ثم إنه  وبخ العرب أوّلاً بقوله ﴿ الذين يُظاهِرُونَ منكم ﴾ ثم بين الحكم العام في الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته "أنت عليّ كظهر أمي" فاشتقاقه من الظهر.

وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه سمي المركوب ظهراً لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له.

والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي طلقتها.

وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: ظهرك عليّ أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي.

ثم لا مناقشة بين العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ظهاره.

وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله "أنت طالق" صريح وإن لم يقل "مني" أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك العضو إن كان مشعراً بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا.

وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان، وإن لم يكن مشعراً بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، وفي القديم لا، وقد يرجح هذا البراءة الأصلية.

وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهاراً، وإن شبهها بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهاراً.

وفي التشبيه بالمحرمات الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار لعموم قوله ﴿ يظاهرون ﴾ ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ﴿ ما هنّ أمهاتهم ﴾ وبأن حرمة الأم أشد.

البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح طلاقه صح ظهاره وإن كان خصياً أو مجبوباً، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح.

حجة الشافعي عموم قوله  ﴿ والذين يظاهرون ﴾ وأيضاً تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك بدليل صحة طلاقه.

وأيضاً إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ظهاره.

واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله ﴿ والذين يظاهرون منكم ﴾ خطاب للمؤمنين.

وأيضاً من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام غير لازم لأنه يجب ما قبله.

وأجيب عن الأول بأن قوله ﴿ منكم ﴾ خطاب للحاضرين فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟

على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ما عداه.

وأيضاً العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص.

وعن الثاني أن من لوازم الظهار أيضاً أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام فهو ههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز زال السؤال.

وأيضاً الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل.

ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟

وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ما قبله.

قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدّم على العام.

الثانية قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال شهراً فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحاً لام روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي  بتحرير رقبة.

وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان.

فإذا مضت المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته.

وقال مالك وابن أبى ليلى: هو مظاهر أبداً.

البحث الثالث في المظاهر عنها.

ويصح الظهار عن الصغيرة والمجنونة والأمة المتزوّجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء أطلق أو علق بالنكاح فقال "إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي".

ويصح عن الرجعية ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله  ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ﴾ يتناول الحرائر دون الاماء كما في قوله ﴿ أو نسائهن  ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله ﴿ أو ما ملكت أيمانهن  ﴾ وقال مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله ﴿ من نسائهم ﴾ يشمل ملك اليمين لغة.

وفي الآية سؤال وهو أن المظاهر شبّه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فيكف أنكر الله عليه بقوله ﴿ ما هن أمهاتهم ﴾ وحكم بأنه منكر وزور؟

والجواب أن قوله " أنت عليّ كظهر أمي " إن كان إخباراً فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذباً وزوراً ولهذا أوجب الله  الكفارة على صاحب القول بعد العود.

سؤال آخر قوله  ﴿ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ﴾ ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة لكنه قال في موضع آخر ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم  ﴾ وقال ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي  الذي هو أبو الأمة.

وأما الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكراً لمخالفة الحقيقة وزوراً لعدم موافقة الشرع.

قوله ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ قال الفراء: لا فرق في اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال.

وقال أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله  ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا  ﴾ وقال ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ } [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز أن يريد أن نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق قعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة.

واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه  قال ﴿ ثم يعودون ﴾ وكلمة " ثم " تقتضي التراخي.

وعلى قول الشافعي يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية.

الثاني أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لما قال.

وأجيب عن الأول بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك.

والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائداً عن كونه مظاهراً بهذا القدر من الزمان وهذا يكفي في العمل بمقتضى كلمة " ثم ".

وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم.

وقال أبو حنيفة: معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لام شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضاً لقوله " أنت عليّ كظهر أمي".

وقال مالك: العود إليها عبارة عن العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي حنيفة.

ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى.

وعن طاوس والحسن أن العود إليها عبارة عن جماعها وخطىء لقوله ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ وإذا كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع.

وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعلة مرة أخرى ففيه أيضاً وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله ﴿ والذين ﴾ كانوا ﴿ يظاهرون من نسائهم ﴾ في الجاهلية ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ في الإسلام ﴿ فكفارته ﴾ كذا وكذا وهذا إضمار من غير دليل مع أنه خلاف الأصل.

الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار فهو عود وإلا فلا.

وضعف بحديث أوس وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله  : لزمهما الكفارة مع أنهما لم يكررا الظهار.

الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أوّلاً من لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياساً على ما لو قال في بعض الأطعمة " إنه حرام عليّ كلحم الآدمي " فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف عليه.

ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين.

وعندي أن هذا الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها في كل صورة بلا يمين.

نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه أريد بالقول اللفظ.

وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ﴿ ونرثه ما يقول  ﴾ أي المال والواو للحال.

مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات لأن قوله  ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها.

"وروى عكرمة أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي  فأخبره بذلك فقال: اعتزلها حتى تكفِّر" .

الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مراراً فقال أبو حنيفة والشافعي: لكل ظهار كفّارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد.

وقال مالك: من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفّارة واحدة.

وحجتهما أنه  رتب الكفّارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي لزمه أربع كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدّد المحل.

حجته أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين فإن الكفارة لازمة في كل يمين.

الثالثة: دلت على إيجاب الكفارة قبل التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله  : ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها.

فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ربك ولا تعد حتى تكفّر.

وقال بعضهم ومنهم بعد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان.

الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفّر فإن تهاون حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من الجماع.

قال الفقهاء: ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها.

الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات محرمة عليه إلى أن يكفّر وذلك صريح في تحرير الربة وفي الصيام والآن نقول: إن التكفير بالإطعام أيضاً كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله ﴿ فإطعام ستين مسكيناً ﴾ حملاً للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن.

السادسة: مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياساً على كفارة القتل.

والجامع أن الإعتاق إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع.

وقال الله  ﴿ ولا تيمموا الخبيث  ﴾ ولا تجزي أم الولد ولا المكاتب عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة.

وقال أبو حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئاً جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله ﴿ وفي الرقاب  ﴾ وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئاً لم يجز.

والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة.

السابعة: يعتبر في الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وههنا تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل يتعلق بها.

والعبد الغائب.

إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق بعده عن كفارته شرط أن يردّ ديناراًَ أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خالياً من شوائب العوض.

الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية.

فإن كان في ملكه عبد فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد.

والشرط أن يفضل عن حاجة نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بدّ له من الأثاث ولو كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو باعهما لارتدّ إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة.

ولو وجد ثمن العبد فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائباً أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه  قال ﴿ فمن لم يجد ﴾ وهو واجد.

أما من كان مريضاً في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ينتقل إلى الإطعام لأنه  قال ﴿ فمن لم يستطع ﴾ وهو غير مستطيع، والمآل غير معلوم ولا هو متعلق باختياره بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد يمكنه.

التاسعة: لو أطعم مسكيناً واحداً ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله.

وقال أبو حنيفة: يجزي.

العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال إلى الإطعام كما في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي  وقال: أطعم.

وحمله آخرون على خاصة الأعرابي.

ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في تفسير آية الظهار.

قال الزجاج ﴿ ذلكم توعظون ﴾ أي ذلك التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.

وحين ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف مناسب للتصديق والعمل بالشريعة ﴿ وللكافرين ﴾ الذين استمروا على أحكام الجاهلية ﴿ عذاب أليم ﴾ وإنما قال في الآية الثانية ﴿ عذاب مهين ﴾ ليناسب قوله ﴿ كبتوا ﴾ أي أخزوا وأهلكوا.

قيل: أريد كبتهم يوم الخندق.

وفي الحدود مع المحادة نوع من التجانس، والمحادّة المشاقة من الحد الطرف كأن كلاً من المتخاصمين في طرف آخر كالمشاقة من الشق.

وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق.

قوله ﴿ أحصاه الله ﴾ أي أحاط بما عمل كل منهم كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ﴿ ونسوه ﴾ لكثرته أو لقلة اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور.

ثم قرر كمال علمه بقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة ﴾ نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفاً للنجوى على حذف المضاف أي من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به.

قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سراً يجل عن استماع الغير.

سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين والاربعة؟

الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر.

عن ابن عباس أن ربيعة وحبيباً ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوماً مّا يتحدثون فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول.

فقال الآخر: يعلم بعضاً ولا يعلم بعضاً.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضاً فهو يعلم كله فنزلت.

قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه  يعلم الكليات دون الجزئيات.

ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله  وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد.

وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكماً فذكر  الفردين الأولين تنبيهاً على الأفراد الباقية.

ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعاً وحيداً فيضيق قلبه فيقول الله  : أنا جليسك وأنيسك.

وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريداً فنفس الله  عنه ببشارة المعية.

وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما.

وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ضائعاً.

وخامسها وهو من السوانح.

أنه  لما أراد تكميل الكلام بقوله ﴿ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴾ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة.

وفيه أيضاً من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكرراً إذ لو قال " ولا أربعة إلا وهو خامسهم " على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار.

ولعل في الآية إشارة إلى التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعاً عليها.

قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله  عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمحالفة الرسول  فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار.

والأول أقرب بدليل قوله ﴿ وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون " السلام عليك يا محمد " والله  يقول ﴿ وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ و " يا أيها الرسول " و " يا أيها النبي ".

وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبياً لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فأجاب الله  عن قولهم بأن جهنم تكفيهم.

قال أبو علي: التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا.

ثم نهى المؤمنين عن مثل تلك النجوى وهو ظاهر.

وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب المنافقين الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب.

وأعلم أن المناجاة إذا كانت على طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله  أن لا يقع التناجي إلا على وجه البر.

قوله ﴿ إنما النجوى ﴾ الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينة الشيطان لأجلهم ﴿ ليحزن ﴾ الشيطان، أو التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا.

ثم بين أن الشيطان أو الحزن لا يضر المؤمن أصلاً إلا بمشيئة الله وإرادته.

عن النبي  " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه" وفي رواية " دون الثالث".

وحين نهى  عباده المؤمنين عما يكون سبباً للتباغض والتنافر حثهم على ما يوجب مزيد المحبة والألفة.

والتفسح في المجلس التوسع لله والمراد مجلس رسول الله  كانوا يتضامّون فيه تنافساً في القرب منه وحرصاً على استماع كلامه.

ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلساً على حدة.

وقيل: هو المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال.

كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا.

فيأبون حرصاً على الشهادة.

والقول الأول أصح.

قال مقاتل بن حيان: كان  يوم الجمعة في الصفة وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي  ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف رسول الله  ما يحملهم على القيام وشق ذلك على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان.

فلم يزل كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت ﴿ وإذا قيل انشزوا ﴾ أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله  بالارتكاز فيه ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم ﴾ أيها الممتثلون والعالمين منهم خاصة ﴿ درجات ﴾ قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس النبي  وهو مناسب للمقام لقوله "ليليني منكم أولو الأحلام والنهي" " والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في أوائل البقرة عند قوله ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ والأمر يقتضي أن يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن يعظم عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، واللهم ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم.

قال ابن عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله  حتى شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة.

وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي  وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا.

قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ﴿ ذلك خير لكم ﴾ ولأنه أزيل العمل به بكلام متصل وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر , والواجب قد يوصف بكونه خيراً ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما في النزول.

وقد يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد بالحول في البقرة.

واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من نهار.

وعن مقاتل بقي عشرة أيام.

وعن علي  : لما نزلت الآية دعاني رسول الله  فقال: ما تقول في دينار؟

قلت: لا يطيقونه.

قال: كم؟

قلت: حبة أو شعيرة.

قال: إنك لزهيد أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك.

وعنه  : إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي.

كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم.

قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله  .

قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع للعمل بهذا الفرض.

وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئاً وينفر الرجل الغني ولم يكن في تركه مضرة.لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة.

وأيضاً الصدقة عند المناجاة واجبة: أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بيّنا من أنها كانت سبباً لسآمة النبي  .

قلت: هذا الكلام لا يخلو عن تعصب مّا.

ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي  في كل خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة.

فقد روي عن ابن عمر كان لعلي  ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة  ا وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى.

وهل يقول منصف إن مناجاة النبي  نقيصة على أنه لم يرد في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل بالآية حصل لهالفضيلة من جهتين: سدّ خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى الرسول  ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو قوله ﴿ أأشفقتم ﴾ إلى آخرها.

قاله ابن عباس.

وقيل: نسخت بآية الزكاة.

أما أبو مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدراً بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد الحكم لا يكون نسخاً له.

ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم ﴿ فإذا لم تفعلوا ﴾ ما أمرتم به ﴿ وتاب الله عليكم ﴾ ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.

ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه لا يمتنع أن الله  علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف.

قال المفسرون: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله  ثم يرفع حديثه إلى اليهود.

فبينا رسول الله  في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي  : علام تشتمني أنت وأصحابك؟

فحلف بالله ما فعل.

فقال رسول الله  : بل فعلت.

فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾ أي وادّوا ﴿ قوماً غضب الله عليهم ﴾ وهم اليهود ﴿ ما هم منكم ﴾ لأنهم ليسوا مسلمين بالحقيقة ﴿ ولا منهم ﴾ لأنهم كانوا مشركين في الأصل ﴿ ويحلفون على الكذب ﴾ وهو ادعاء الإسلام.

وفي قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر الكذب هو الذي يكون مخالفاً للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه لو كان كما زعم لم يكن لقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فائدة بل يكون تكراراً صرفاً.

قال بعض المحققين: العذاب الشديد هو عذاب القبر، العذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة.

وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب  ﴾ قال جار الله: معنى قوله ﴿ إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴾ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سور العمل، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

ومعنى الفاء في ﴿ فصدوا ﴾ أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين.

ويروى أن رجلاً منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل ﴿ لن تغني عنهم ﴾ الآية.

ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ من النفع.

والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف.

قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون.

ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إما ما كنا كافرين عند أنفسنا.

وقوله ﴿ ألا أنهم هم الكاذبون ﴾ في الدنيا.

ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله ﴿ والله ما كنا مشركين  ﴾ ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك.

ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذياً أي سائساً غالباً على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو " استصوب واستنوق" احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذباً، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان.

والجواب ظاهر مما سلف مراراً فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط.

قوله ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ قال أهل المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر.

ولما كانت عزة أولياء الله  غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله.

ثم قرر سبب ذلهم بقوله ﴿ كتب الله ﴾ في اللوح ﴿ لأغلبن أنا ورسلي ﴾ إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف.

قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم.

فقال عبد الله بن أبيّ: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها؟

كلا والله إنهم أكثر عدداً وعدّة فنزلت الآية.

ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين.

وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد.

قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينذ قد يجتمعان كما في حق أهل النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب دنيوية ضرورية.عن النبي  " "لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني أجد فيما أوحي إليّ" ﴿ لا تجد قوماً ﴾ يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله  فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله  : أو قد فعلته؟

قال: نعم.

قال: لا تعد.

قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.

وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله.

فذهب جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي  إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة.

والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله ﴿ أولئك كتب ﴾ أي أثبت ﴿ في قلوبهم الإيمان ﴾ إثبات المكتوب في القرطاس.

وقيل: معناه جمع.

والتركيب يدور عليه أي استكلموا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

قوله ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوّهم.

وسمي النصرة روحاً لأن الأمر يحيا بها.

ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير وبيده التوفيق والإتمام بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ قال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في أوس بن الصامت - أخي عبادة بن الصامت - وامرأته، غير أهم اختلفوا في اسم امرأته.

قال ابن عباس -  -: كان اسمها خولة.

وعن عائشة -  ا - أنها كانت جميلة.

وقال بعضهم بأنها كانت تسمى: خويلة على تصغير خولة.

وروي في بعض الروايات أنه كان سبب هذا القول من أوس لزوجته لما دعاها ليلة إلى فراشه، وكانت امرأتُهُ بحيث لا يحل له التمتع بها؛ فأبت عليه، وأرادت أن تخرج من البيت؛ فقال لها: "إن خرجت من البيت فأنت علي كظهر أمي"، فخرجت، فلما أصبحت قال لها زوجها: ما أراك إلا قد حرمت علي، قالت: والله ما ذكرت لي طلاقا، قال: فَأتت رسول الله  واسأليه، فإني أستحي أن أسأله عن هذا، فأتت رسول الله  وأخبرته، فنزلت فيهما هذه الآية.

وروي في بعض الأخبار أن أول من ظاهر [من] امرأته أوس، قال: وكان [به] لمم، فقال في بعض ضجراته ذلك القول، وهذا يرويه محمد بن كعب القرظي، لكنه لا يحتمل أن يكون أراد باللمم الجنون؛ لأن المجنون لو طلق امرأته لا يقع الطلاق فضلا أن يكون ظهاره ظهارا.

وتأويل قوله: "وكان به لمم"، أي: فضل غضب وشدة؛ فكأه لم يكن به حلم، ثم اختلفت الروايات في شأنها وشأن زوجها: منهم من روى - وهو محمد بن كعب -: أنها أتت رسول الله  وقالت: إن أوسا أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، وقال كليمة؛ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت علي كظهر أمي.

فقال لها رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" قالت: يا رسول الله، لا تقل ذاك ما ذكر طلاقاً، فقال رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، وكررت المرأة ذلك، ويرد رسول الله  ، ثم قالت: "اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي به، وما يشق علي من فراقه، اللهم أنزل على نبيك، فأنزل الله  : ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ .

وفي بعض الأخبار رواها الكلبي: أنها أتت رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني يوم تزوجني وأنا شابة، ذات أهل كثير ومال كثي، فأكل شبابي حتى إذا كبرت عنده سني، وذهب أهلي، وتفرق مالي، وضعفت - جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، وقد ندم وندمت؛ فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟!

فقال -  -: "أطلقلك؟" قالت: لا، قال: "ما أمرت في شأنك من شيء، فإن نزل علي في شأنك شيء أبينه لك، فرفعت يديها إلى السماء تدعوه وتتضرع إليه أن ينزل إليه بيان أمرهما، ثم خرجت من عنده، وأتت زوجها، فنزل جبريل -  - بهذه الآية.

وروي ي بعض الأخبار أنها أتت رسول الله  فقالت: إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وإني شابة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سني، ورق عظمي، وباد أهلي - جعلني عليه كظهر أمه، ولي منه صبيان إن أنا وكلتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى نفسي جاعوا، فقال النبي  : "اغربي فعلك الظالمة لزوجك"، فقالت: يا أمين الله في أرضه، إنه لظالم لي، فقال: "اذهبي؛ فإن فيكن الضعف والعجز" قال: فجعلت تجادله، فلما رأت أنه لا يرفع بها رأسا، ولا تجد عنده مخرجا، خرجت فرفعت طرفها إلى السماء تشكو إلى الله صنع زوجها بها، وقالت: "اللهم إني أتيت [أمينك في] أرضك، فلم يرفع لي رأسا، فتول اليوم حاجتي، وارحم ضعفي وقلة حيلتي"، فلم تصل منزلها حتى هبط جبريل -  - بالوحي: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ فدعا أوسا زوجها فقال: "ما الذي حملك على ما صنعت بخولة، وقد أنزل الله فيها ما أنزل؟"، وبعث إليها فرحب بها، فقال: يار سول الله عمل الشيطان، فهل من أمر يجمعني الله وأياها؟

قال: نعم، ثم تلا عليهم آية الكفارة إلى آخرها.

ثم بين هذه الرويات اختلاف: ذكر في رواية القرطبي أنه قال -  -: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" وفي رواية قال لها: "ما أمرت في شأنك من شيء"، لكنمه يمكن التوفيق بين الخبرين، وهو أن قوله: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" على ما كان أهل الجاهلية يرونه محرما، فقال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه، من ذا الوجه، لكنه لم ينزل علي شيء في بيان هذا، فإن ينزل شيء على في هذا أبينه لك.

والثاني: أن ليس في قوله: "ما أراك" إثبات حرمة، بل هو قول على الظن بما قد كان الناس يعرفون بينهم لذلك القول، ويجوز أن يراد التقرير على ذلك، أو يرد لهذه الحادثة الحرمة بالوحي، فتوقف في الجواب مع الإشارة لها بالامتناع من الزوج؛ احتياطا لباب الحرمة، والله أعلم.

ثم إن بعض الفقهاء ذكر الاختلاف بين السلف في حكم الظهار قبل نزول الآية: عن عكرمة أنه قال: كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل الله  هذه الآية، وكان طلاقا قبل نزول الآية، فجعله الله  بهذه الآية ظهارا.

وعن أبي قلابة وغيره: كان طلاقهم في الجاهلية الإيلاء والظهار.

وعن أبي هريرة -  -: أ،ه قال: إنما كان طلاق أهل الجاهلية الظهار، وقد جعل لهذه الأمة حرمة ترتفع وتزول بالكفارة التي أوجب.

وعن الحسن أنه قال: كان الظهار أشد الطلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم يرجع إليها أبدا.

والأشبه أنه لا يكون طلاقا في الإسلام لو كان يكون في الجاهلية، وأنه [لا] يكون موجبا حرمة لا ترتفع أبدا؛ كما قال الحسن؛ فإنه ذكر في حديث خولة أن زوجها لما قال لها: ما أراك إلا وقد حرمت علي، قالت: والله ما ذكرت لي طلاقا، ولو كان الظهار طلاقا لمعرفته، وكذلك لما أخبرت رسول الله  أنه قال لي: أنت علي كظهر أمي، فقال -  -: "ما أراك وقد حرمت عليه"، قالت: يا رسول الله، لا تقل ذاك؛ ما ذكر طلاقا، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار طلاق، وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل: جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟

فقال -  -: "أطلقك؟" قالت: لا، قال: "ما أمرت في شأنك من شيء"، ولو كان الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما فقال: "أطلقلك؟" بعدما قالت: "جعلني عليه كظهر أمه"، ولما قال: "ما أمرت في شأنك من شيء"، وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك، دل هذا يقرر ما قلنا إنه ذكر في حديث خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام فكيف يكون طلاقا؟!

فإن قيل: أليس  قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما ثبتت بعد نزول الآية، والآية نزلت بعد صدور القول من أوس من الصامت؛ فدل أن مراده تحريم الطلاق، فهذا يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير متلو وإن كان قبل ذلك في حكم الجاهلية، فكذلك ذلك الزوج قال للمرأة - أيضا -: "ما أراك إلا وقد حرمت علي"؛ دل هذا على أنه كان طلاقا قبل نزول الآية.

[قلنا]: هذا حجة عليكم؛ فإنه لو كان المراد بقوله -  -: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" إثباتا للحرمة فيها بالظهار؛ لكونه طلاقا، فيكف يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه، وقد صح في الحديث أن النبي  دعا أوسا وامرأته بالكفارة، وأبقى النكاح بينهما لو كان ذلك طلاقا؟!

والمثبت حكمه إنما ينسخ بالآية الثانية إلى حكم آخر، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي؛ فدل أن هذا حجة عليه، ولكن إنما قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه؛" للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

فإن قيل: إن النبي  لم يحكم بالطلاق في حقها، مع أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع، بل قال: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" على طريق الظن؛ لأنه جائز أن يكون الله  قد أعلمه أنه سينسخ حكم هذا القول وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت الآية.

قيل: لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في شريعته، لم يمتنع النبي  عن العلم به، وحكمه بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ وإن أعلم أنه سينسخ؛ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه؛ لقوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ  ﴾ وقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ  ﴾ ، وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله في المستقبل لا فيما مضى، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا: إن الظهار قبل نزول الآية لا حكم له في الإسلام، وكان تحريما في الجاهلية؛ فمتى وجد هذا السبب، ووقعت هذه الحادثة، أمرها بالاجتناب عن الزوج؛ احتياطا حتى نزلت الآية؛ فيظهر أن حكمه ما هو؟

من حين وجوده؛ إذ يجوز أن يريد الله  بهذا هذا الحكم، وإن كان لا علم للمباشر به؛ إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى العلم به عند الحاجة إلى العمل به، والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب حكم، ثم ورد البيان متأخراً، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ ، أي: سمع قولها ومجادلتها في زوجها، ومجادلتها مع رسول الله  في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها: "أنت علي كظهر أمي".

[و] المجادلة هي المخاصمة، وهي المحاورة، وكان مجادلتها في زوجها أن قالت: "والله ما ذكر طلاقا"، حين قال لها بعدما قال لها: "إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمي"، وخرجت -: "ما أراك إلا وقد حرمت علي".

وأما مجادلتها مع النبي -  - ومحاورتها هي قولها: "لا تقل ذلك"، وقول رسول الله  : "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، فهذه محاورتهما.

ومن الناس من يقول: المحاورة: هي المراجعة في الكلام، وهما يرددان الكلام ويراجعانه ويكررانه، وهو ما ذكر أن النبي -  - يكرر قوله: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، وهي تردد وتكرر قولها: "لا تقل ذلك يا رسول الله؛ فإنه ما ذكر طلاقا"، ولكن هذا قريب من الأول.

وقال بعض أهل اللغة: ﴿ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ ، أي: كلامكما، والتحاور: الكلام بين اثنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ قيل فيه بوجهين: أحدهما أن تشتكي إلى رسول الله  ، لكن الله  أضاف إلى نفسه؛ لأن مرادها أن تنزل آية من الله  على رسوله بالفرج عنها.

والثاني: أن شكواها إلى الله وتضرعها قد كان حيث لم تجد الفرج والمخرج فيما قال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما أراك إلا وقد حرمت عليه" فاشتكت إلى الله  ، ودعت، وتضرعت؛ حتى أنزل الله  على رسوله الآية فيها، وجاءت الرخصة لهما بالاجتماع بعد التفكير على ما ذكر في الخبر، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ ، أي: سمع لها بما أجاب وأغاث بالفرج فيما اشتكت إليه، وسمع لرسول الله  بما أبان ما ظهر له من الحكم في الحادثة التي أشبهت عليه، وأشكل عليه ذلك.

ثم اختلفت الاخبار في أمرهما - أيضا - حيث دعا الله  [أوساً] وأخبره بالآية التي نزلت في أمرهما: قال القرطبي: لما نزلت الآية دعا زوجها أوسا، فقال له: "أعتق رقبة"، قال: ما عندي رقبة أعتقها، قال: "فصم شهرين"، قال: ما أستطيع يا رسول الله ، إني لأصوم يوما واحدا فيشق علي، فكيف صوم شهرين متتابعين؟

قال: "فأطعم ستين مسيكنا"، قال: فنعم، قال: فأطعم ستين مسكينا فأمسكها.

وفي رواية أخرى ذكرها الكلبي: لما نزلت رخصتهما أرسل رسول الله  إلى أوس ابن الصامت فأتاه، فقال: "ويحك ما حملك على ما صنعت وقلت؟" قال: الشيطان يا رسول الله؛ فهل من رخصة تجمعني وإياها؟

قال: "نعم"، وقرأ عليه هذه الآيات الأربع، وقال له: "هل تستطيع أن تعتق رقبة؟" قال: لا والله يا رسول الله، إن المال لقليل غير كثير وإن الرقاب لغالية، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: لا والله يا رسول الله، لولا أني آكل في يوم ثلاث مرات لكلّ بصري، ولظننت أني سأموت، قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟" قال: لا والله يا رسول الله، إلا أن تعينني فأعانه  بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس من عنده خمسة عشر صاعا فتصدق به على ستين مسكينا، فجمع الله بينه وبينها.

وذكر في خبر آخر أن رجلا كان ظاهر من امرأته، وكان هو يصوم عنه، فواقع امرأته في وقت الصوم، فأتى رسول الله  فأخبره بذلك، فعابه رسول الله  على فعله، ثم أمره بأن يكفر بما وصفنا من الكفارات، فقال [في] كل واحدة: لا أستطيع قال: فأمره -  - أن يأتي موضع كذا إلى أبي زريق، ويأخذ منه وسقا من التمر، فيعطي ستين مسكينا كل مسكين ينفقه على عياله، ذكر في الإطعام في خبر: "لا أستطيع"، وفي خبر أنة قاله: "أما هذا فنعم"، وفي حديث آخر: "لا إلا أن تعينني"؛ فيشبه أن يكون هذا القول منه: "أما هذا فنعم" بعدما وعده رسول الله  في الإعانة أو بإعطاء الوسق؛ فتكمون الأخبار على الوفاق، والله أعلم.

وفي هذا الأخبار دليل على أن الكفارة إذا لزم فيها طعام، فمن الحنطة نصف صاع؛ لأنه جعل نصف صاع من الحنطة طعام مسكين، وأنه يجوز من صدقة الفطر، واله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ ﴾ ، قرئ (يظَّهرون) مشددة الظاء بغير ألف، وهو في الأصل: "يتظهرون"، فأدغمت التاء في الظاء، وشددت.

وقرئ بفتح الياء وتشديد الظاء بألف، وهو في الأصل "يتظاهر" فأدغمت التاء في الظاء وشددت.

وقرئ - أيضا - ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ ، بتخفيف الظاء بألف من: ظاهر يظاهر مظاهرة.

والمعنى واحد فيما اختلف من قراءاتهم يقال: ظاهر الرجل من امرأته، وتظاهر وتظهر منها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: "أنت علي كظهر أمي".

وقال القتبي: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ ، أي: يحرمون تحريم ظهور الأمهات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ هذه يمين أن يقول الرجل لامرأته: "أنت علي كظهر أمي"، وأما "يظَّاهرون" من التظاهر" وهو التعاون، يقال: تظاهروا، أي: تعاونوا، ولكن هو خلاف ما تضمنته الآية والله أعلم.

ثم الظهار كان عند أولئك القوم ظاهرا، وهو ما روينا في قصة امرأت أوس لما همت أن تخرج من الدار، قال لها: "إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمي"، وكذلك هذه الدلالة في قوله: ﴿ يُظَاهِرُونَ ﴾ .

والظهار أخذ اسمه من "الظهور"، وكذلك فيما عرف المسلمون فيما بينهم هذا اللفظ، وهو قوله: "أنت علي كظهر أمي"، والآية توجب أن يكون الظهار فيما يقول: "أنت علي كأمي"، وهو قوله: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، ذكر الأمهات، ولم يذكر ظهور الأمهات؛ فصار ظاهر الآية يوجب هذا.

وبهذا احتج محمد - رحمه الله - لمذهبه فيمن قال لأمرأته: "أنت علي كأمي"، قال: يكون ظهارا.

وأما ابو حنيفة - رحمه الله - فإنه قال: لا يكون مظاهرا، إلا أن ينوي بذلك الحرمة، فإن أمي - وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك الحرف - أعني: قوله: أنت علي كظهر أمي - وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك القول، فلا يحل لنا أن نصرفه إلى غيره إلا بدليل.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: ما هن لهم كأمهاتهم؛ لأنه  قال: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ على سبيل الرد لما قالوه، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ ، أي: قالوا لنسائهم: "أنتن علينا كظهور أمهاتنا".

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ يكومن ردّاً لقول من قالوا لنسائهم: "إنهم أمهاتنا" لا لمن قالوا: "إنهن "إمهاتنا" و"كظهور أمهاتنا"، فيحتمل بذلك القول تبعا لقوله: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: كأمهاتهم ولكن الإشكال أنه إذا صار تقدير الآية ما هو كأمهاتهم، فما معنى قوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدعون التشبيه بالأمهات، والله  نفى ما ادعوا من التشبيه؛ فما معنى البيان حقيقة بقولهم: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، وهم يعرفون ذلك ولا ينكرونه، ولا يدعون في نسائهم أنهن أمهاتهم حقيقة؛ حتى يرد عليهم دعواهم.

بقوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ؟

وإشكال آخر: أنه قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ﴾ ، وظاهر هذا القول منهم ليس من الزور، ولا المنكر؛ إذ ليس في قولهم: "ظهور كظهر أمي" أو "أنت علي كظهر أمي" أو "كأمي" إلا التشبيه وهي لعلها [تشبهها] فإن ظهرها كظهور أمه؛ في الشبه والخلقة والتشبيه لا يقتضي العموم، فما معنى تسميته تشبيه المرأة بالأم: منكرا وزورا.

وإشكال آخر: أنه جعل الأمهات اللائي ولدنهم أمهات لهم؛ فإنه قال في نساء النبي   ن: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ ، وقال فيمن يرضعن أولا الغير: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ  ﴾ وإن لم يدلنهم.

فنقول - وبالله التوفيق -: إنهم كانوا يريدون أن يوجبوا حقوقا وأحكاما ما كانت في أمهاتهم، لم يكن لهم إيجاب ذلك؛ فإنهم كانوا يشبهون النساء بالأمهات، ولم يريدوا بذلك من حيث الصورة، ولكن يريدون بذلك التشبيه في الحرمة، وحرمة النساء في الأصل غير حرمة الأمهات؛ فإن الأم حرام الاستمتاع بها لكن يباح للرجل أن يدخل على أمه، ويخدمها، ويسافر بها، ويباح النظر، والمس، والإركاب، والإنزال، والخلوة بها، والمرأة متى حرمت بالطلاق الثلاث، أو بالبينونة، لا يثبت شيء من هذه الحقوق، والمشابهة بين الشيئين - إن كانت - لا تقتضي مشابهتها من كل وجه، ولكن تقتضي المساواة بينهما في وجه من الوجوه على الكمال - فإن الذات في الشاهد إذا قام به العلم، يسمى: عالما، والله  يسمى: عالماً ولا يوجب التشبيه؛ لانعدام التماثل بين العلمين، والتساوي من كل وجه، فلم يعد تشابها  الله عن ذلك، وتشبيههم النساء بأمهاتهم أرادوا أن يجعلوا حرمة نسائهم كحرمة أمهاتهم، ويوجبون فيهن حقوقا وأحكاما كحقوقهن وأحكامنهن؛ حتى يباح لهم [في] المعاملة مع نسائهم ماي باح مع أمهاتهم، ويحرم ما يحرم معهن ويكون احترامهن كاحترامهن، والله عالى لم يجعل ذلك، ونهاهم عن ذلك، فقال: ﴿ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ﴾ ، أي: كأمهاتهم في هذه الحرمة التي يريدون إثباتها، وأنه لم يجعل لنسائهم حرمة أمهاتهم، ثم قال: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ ، أي: أن هذه الحرمة التي يريدون إثباتها فيهن مما جعلنا لأمهاتهم اللائي ولدنهم، فما بالهم يخترعون من أنفسهم شيئا لم أجعله، ولم أشرعه؛ فرد صنيعهم بهذا.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً ﴾ ، إنما كذبهم بما قالوا من إيجاب تلك الحقوق والأحكام على أنفسهم في نسائهم من غير أن جعل الله  ذلك، أي: وإنهم ليقولون منكرا وزورا في إيجاب الحقوق فيهن كما في الأمهات، وتشبيههم أياهن بالأمهات في الأحكام والحقوق الحرمة، وإن كان كلامهم وقولهم من حث ظاهر التشبيه ليس بمنكر ولا بزور، وهذا كقوله في وصف المنافقين: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ، وهؤلاء المنافقون فيما قالوا في الظاهر كانوا صدقة، ولكن لما كان قصدهم غير ذلك، وكان في قولهم إيجاب شيء غير ما أظهروا - سماهم: كذبة، فكذلك هؤلاء المظاهرون لما أرادوا إيجاب حكم لم يجعل لهم ذلك سمى قولهم: منكر وزورا.

والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشريعة، والزور: هو الكذب؛ فنهاهم الله  عن ذلك.

وأما قولهم: إن الله  قد سمى غير من يلزمهم: أمهات من نساء النبي -  - والمرضعات -: منهم من قال: جائز أن تكون هذه الآية متقدمة على قوله: ﴿ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ  ﴾ ، وعلى قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ ، فلم يكن في ذلك الوقت أمهات من رضاع، ثم كانت من بعد؛ فيكون الإخبار بهذا مقيدا بذلك الوقت، وهو كقوله  : ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ  ﴾ ، لم يجد في ذلك الوقت، ثم وجد من بعد ذلك غيره محرما، فعلى ذلك هذا.

وقيلأ: يحتمل أن يكون قال ذلكفي قوم خاص وقبيلة خاصة، لم يكن لهم أمهات من إرضاع؛ فيكون الإخبار بأن أمهاتهم لسن إلا اللائي ولدنهم صدقا.

ولكن هذا تكلف؛ لأن قوله: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ يعني: أن هذه الحقوق والأحكام التي يوجبون ليس تثبيت إلا في الأمهات اللاتي تلدنهم، أو من كانت في معناهن وصرن أمثالهن بأمر يجعله الله  ؛ كأزواج النبي صى الله عليه وسلم، والأمهات بسبب الرضاع، والله  لم يجعل لنسائهم تلك الحقوق التي جعلها لمن لحقن بالأمهات، فيكون تشبيههن بهن في هذه الحقوق منكرا من القول وزورا، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ : اختلف في حكم العود ما هو؟

وفي تأويل العود عن طاوس قولان: في قول قال: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ : الوطء، فإذا حنث، فعليه الكفارة؛ وهذا تأويل بعيد مخالف للنص؛ لأن الله  يقول: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ وإنما الذي ذهب إليه حكم الإيلاء: أنه إذا وطئ تجب الكفارة، أما في الظهار تجب الكفارة قبل الوطئ وفي قول: أنه إذا تكلم الظهار يجب عليه الكفارة، ولم يشترط معه شيء آخر.

وعن مالك أنه إذا ظاهر من امرأته، ثم أجمع، وعزم على إمساكها وإصابتها، وجبت عليه الكفارة حتى إذا طلقها أو ماتت المرأة بعد العزم على الإمساك والإصابة، أو بعد الإصابة - بقي وجوب الكفارة عليه.

وإن لم يجمع على إمساكها حتى ماتت، تسقط الكفارة.

وكذلك إذا طلقها، لكنه إذا تزوجها بعد ذلك، لم يسمها حتى يكفر؛ فيكون العود: هو إمساكها لبطأها.

وعن الحسن: أن العود هو العزم على الجماع؛ حتى إذا عزم على جماعها، تجب الكفارة، وإن أراد تركها بعد ذلك.

وقال عثمان البتي فيمن ظاهر من امرأته، ثم طلقها قبل أن يطأها، قال: أرى عليه الكفارة، راجعها أو لم يراجعها، وإن ماتت، لم يرتفع الظهار والكفارة، ولا يرث حتى يكفر.

وقال الشافعي: العود هو الإمساك، والكفارة تجب به، وحكم الظهار هو تحريم المتعة؛ حتى إذا أمكنه أن يطلقها بعد الظهار، ولم يطلق، وأمسكها ساعة؛ ليطأها، فقد وجبت عليه الكفارة عاشت أو ماتت، وإذا عاشت طلقها أو لم يطلقها، راجعها أو لا.

وإذا طلقها عقيب الظهار بلا فصل يبطل الظهار، ولا تجب الكفارة بعزم إمساك المرأة.

وقال بعض المتأخرين في تأويل قوله  : ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى القول الأول فيكررون ذلك القول، وعندهم لا يكون الرجل مظاهرا حتى يقول: "أنت علي كظهر أمي" مرتين.

وأما عندنا فحكم الظهار هو تحريم مؤقت بالكفارة، ولا نرفعه إلا بالكفارة، هكذا روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "إذا قال أنت علي كظهر أمي"، لم تحل له حتى يفكر.

وعندنا لا تجب الكفارة بنفس الظهار، وإنما الظهار يوجب الحرمة لا غير، وإنما تجب بالعود حتى إنها إذا ماتت لا يجب عليه الكفارة إذا ارتفع المعنى الذي يجب، وهو استباحة الوطء وكذلك إذا طلقها بائنا أو ثلاثا، لا تجب الكافرة لهذا؛ حتى إذا عادت إليه بالتزويج، وأقدم على استباحة الوطء، تجب الكفارة.

وهو عند أصحابنا أن يجع المرأة على الحالة الأولى، ويحللها على نفسه على ما كان عليه، ويستبيح وطأها، فإذا أراد أن يحللها على نفسه ويستبيحها ويقدم عليه، يجب عليه أن يكفر، ولا تزول تلك الحرمة عندنا إلا بالكفارة؛ فالتكفير سبب الحل؛ كذا ذكر العمي في تأويل: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى فسخ ما قالوا ونقض ذلك، واستدل بما ذكر عن الأصمعي: أن أعرابيا تكلم بين يديه بأنه كان شيء ما ثم يعود إليه، قال له الأصمعي: ما أردت به؟

فقال: أي: أنقضه، وأفسخه؛ فهذا يدل على أن المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، أي: يعودون إلى استحلال ما حرموا، وينقضون ذلك، ويردون الحل إلى الحالة الأولى، إلا أن ظاهره العود إلى القول بقوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ولكن أراد به المقول والثابت به وهو الحرمة؛ كأنه قال: ثم يعودون لما حرموا بالقول فيستبيحونه؛ ويجوز أن يذكر الفعل ويراد به المفعول؛ كقوله -  -: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه:، وإنما هو عائد في الموهوب، وقال الله  : ﴿ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ ، أي: الموقن به، والله أعلم.

فإن قيل: العود الذي يوجب الكفارة هو العزم على استباحة الوطء، والقصد على تحليلها على نفسه وإعادة الحل إلى الحالة الأولى، أو الإقدام على الوطء أو مباشرة نفس الوطء، فإن كان المراد هو الأول، يجب أن تقولوا: تجب الكفارة بنفس العزم على الاستباحة والتحليل، كما قال مالك رحمه لله، والحسن رحمه الله .

وإن كان المراد إيقاع الوطء يجب أن تقولوا: إنه لا تجب الكفارة إلا بعد الوطء كما قاله قوم، وهو خلاف الآية، وخلاف قولم.

قيل: نعني بذلك: هو الإقدام على استباحة الوطء، والاشتغال بإقامته، فيقدم التكفير، ثم يفعله؛ إذ لا يجب بمجرد العزم، ولا بعد تحقق الفعل، وهذا لأنه إذا ظاهر حرمت المرأة عليه بسبب فعله الواجب عليه توفير حقها في الجماع إن كانت بكرا في الحكم حتى يجبر عليه، وهذا وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة يجب عليه فيما بينه وبين الله  إيصال ذلك إليها.

وعند بعض أصحابنا يجبر في الحكم أيضا على ذلك، فإذا أقدم على ذلك يجب عليه تحصيل الكفارة؛ ليتوصل إلى إقامة ذلك الواجب عليه من الجماع؛ إذ لا يحل ذلك بدون الكفارة، وهذا كالوضوء في باب الصلاة ليس بفرض مقصود بنفسه، لكن يجب لإقامة الصلاة؛ إذ لا يجوز الصلاة بدون الطهارة، فإذا أقدم على الصلاة يجب عليه تحصيل الوضوء؛ ليتمكن من أداء ما عليه، ولا يجب بنفس الإرادة، ولا يجب بنفس الحدث؛ حتى لا يجب الوضوء ما لم يدخل وقت الصلاة، ويقوم إليها، وكذلك المرأة إذا حاضت بعد الوقت حتى سقط عنها الصلاة يسقط الوضوء، فعلى ذلك هذا يجب عند الإقدام على إقامة هذا الواجب وهو الوطء، والظهار شرط؛ ولهذا إذا ماتت المرأة تسقط الكافرة؛ لانعدام ما هو المقصود بالإقدام، وهو الوطء، وكذلك إذا طلقها ثلاثا أو بائنا لكن إذا عادت إليه يلزمه الكفارة إذا أقدم على الوطء، ولم يبطل الظهار؛ لاحتمال حصول الغرض، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو قوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ...

﴾ الآية هذا خبر عن ظهار القوم الذين كانوا يظاهرون في جاهليتهم، أي: ظاهروا في ذلك الوقت، ثم يعودون لما قالوا: أي: لو قالوا ذلك القول بعد إسلامهم فعليهم ما ذكره؛ إذ الظهار كان ظاهرا في الجاهلية من عاد إلى ذلك القول، ورجع إليه وقت إسلامه؛ فعليه ما ذكر، وهو كقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ  ﴾ فهذا يرجع إلى فعل ذلك مرة، وإلى استحلال ما حرم الله ثانيا، وإن عاد إلى الفصل الأول لا من وجه الاستحلال، فينتقم الله منه بالغرامة عليه، وإن عاد إلى استحلال، فينتقم منه بالعذاب؛ وكذلك مثل هذه في آية الربا، حيث قال: ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ  ﴾ ، أي: عاد إلى ما كان يفعله قبل الإسلام، فكذلك هذا العود إلى الظهار على هذا التقرير يخرج تأويل الآية عنده، وهو كقوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ أي: كانوا يتناجون في الجاهلية، فنهاهم الله  عن العود إلى ما كانوا عليه؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم.

لكن على هذا التأويل الإقدام على الوطء سببا لوجوب الكفارة لم يثبت بهذا النص، إنما فيه أن الظهار يوجب تحريما مؤقتا بالكفارة، وكذلك الأحاديث التي ذكرنا أن النبي  أمر أوسا بالكفارة حين ظاهر من زوجه، وإنما يعرف من حيث الدلالة؛ فإنه لما كان التحريم مؤقتا بالكفارة، يكون رافعه له قائما، ويجب الرافع بالإقدام عليه، لا بسبب سابق موجب للتحريم؛ لأن رافع الحرمة لا يجب بما يوجب الحرمة؛ كما ذكرنا في الوضوء: أنه لا يجب لما يحدث الذي هو رافع للطهارة، ولكن لما وجب على المكلف الصلاة بالطهارة، ويجب عليه الوضوء بالإقدام على الصلاة التي لا تجوز بدونه؛ فكذلك هذا، والله أعلم.

وقوله من جعل العود هو العزم على إمساك النكاح والبقاء عليه - فاسد، فإن النبي  أوجب الكفارة على أوس بن الصامت حين ظاهر من زوجه، ولم يسأله الإمساك والبقاء على النكاح.

ولأن تفسير العود بالإمساك لا يستقيم؛ لأنه لم يعرف في الاصل إمساك المرأة عودا عليا ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم بالعود إليه؛ فيكون هذا خلاف اللغة، ولما ذكرنا: أن العود إلى الشيء هو الرجوع إلى ما كان عليه؛ فيقتضي انعدامه وزواله حتى يتحقق العود؛ إذ العود هو وجود ثان، وهذا إنما يتحقق فيما قلنا من الجزء؛ لأنه قد يبدل بالحرمة، فأما العقد [فهو] قائم لم يزل بالظهار؛ فكيف يعود إلى العقد؟

فلا يكون البقاء على العقد وإمساك المرأة بالنكاح عودا.

ولأن الله  قال: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ ﴾ ، و"ثم" يقتضي التراخي.

ومن جعل العود هو الإمساك والبقاء على النكاح، فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخٍ، وذلك خلاف ظاهر الآية.

وقول من جعل العود ه العزيمة على الوطء، لا معنى له؛ لأن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزم على الوطء وإن كان العزم على المحظور محظوراً؛ لكونه وسيلة إلى المحظور؛ فيكون العود هو الرجوع إلى ما يقوى به مقصودا لا وسيلة إلى حسب الأول.

ولأنه لا حظ للعزيمة في حق تعلق الأحكام في سائر الأصول؛ ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة، فلا اعتبار بها، وقد قال النبي  : "إن الله  عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يتكلموا به ويعلموا" وقول من جعل العود تكرار القول الأول فاسد أيضا، وإن كان ظاهر اللفظ يحتمل، وهو العود إلى القول الأول؛ لأنه خلاف الإجماع وخلاف أصول الشرع: أما خلاف الإجماع؛ فإن السلف والخلف أجمعوا [على] أن هذا ليس بمراد من الآية؛ فيكومن قائله خارجا عن الإجماع.

وأما مخالفة الأصول؛ فلأن الحل والحرمة إنما تعلق وجوبهما بابتداء القول [لا] بتكراره في جميع الأصول من [البياعات و] النكاح والطلاق والعتاق والإجازات، فلما كان الأصل هذا في سائر الأسباب، والمظاهر موجب للحرمة بقوله؛ دل أن الموجب هو القول الأول دون الثاني، فيكن تعليق الحرمة بتكرار الموجب؛ مخالفة لسائر الأصول، وبهذا يبطل قول الشافعي في أن تعلق الحرمة بتكرار الرضعات لا برضعة واحدة، والله أعلم.

ولأن النبي  أمر بالكفارة في حق أوس، ولم يسأله عن تكرار القول، ولما لم يسأل دل أن الحكم غير متعلق بالتكرار.

وما قاله الشافعي: أنه إذا طلقها بعد الظهار بلا فصل فلا كفارة عليه، وإن لبث ساعة، ثم طلقها، كفر راجعها أو لم يراجعها، أو ماتت - قول تفرد به؛ لأن طاوسا أوجب عليه الكفارة طلقها أو أمسكها، وسائر التابعين قالوا: إن ماتت أو طلقها، ولم يراجعها فلا كفارة عليه، ولم يفصلوا بين أن يطلقها على أثر الطلاق بلا فصل، أو بعد ذلك بساعة؛ فيكون الشافعي بهذا القول مخالفا للسلف؛ فلا يعتبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ظاهره يقتضي أن يكون الوطء محظورا عليه قبل الكفارة؛ لأنه جعل الحرمة مؤقتة بالكفارة، وإذا وطئ يسقط الظهار والكفارة؛ لأن كل ما تعلق بشرط أو توقت بوقت، فمتى فات الوقت، أو عدم الشرط، لم يجب لذل النص، واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، إلا أنه قد ثبت عن النبي  "أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها، ثم سأل النبي  فقال له: استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر" ، فصار التحريم الذي بعد الوطء عرفناه بالسنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ يرجع إلى وجهين: مرة إلى اسم الرقبة.

ومرة [إلى] ما يستحكم حكم الرقبة.

فإن كان المراد من ذكر الرقبة اسم الرقبة نفسها، فيجيء أن يجوز كل ما يقع عليه اسم الرقبة، صغيرا كان أو كبيرا، كافرا أو مسلما، مقطوع الرجلين، أو أعمى، أو كيفما كان.

وبشر المريسي: يذهب ويجبر كيفما كانت الرقبة.

وإن كان المراد من ذكر الرقبة: ما يستحق حكم الرقبة فيجيء ألا يجوز إعتاق رقبة فيها نقصان؛ إذ الأصل في العبيد والإماء [أن النقص] فيما دون النفس يوجب نقصاناً في كل النفس؛ فيجيء ألا يجوز؛ أذ يصير معتقاً لبعض الرقبة لا كلها.

ثم الدليل على أن النقصان الحال فيما دون النفس في الرقاب جعل كالنقصان الحال في النفس أن العبد إذا قطعت يده أو فقئت عينه يشترى بنصف ما كان يشترى وقت الصحة؛ فصار النقصان فيما ون النفس كتلف نصف القيمة من العبد وإن لم يكن ذلك في نفسه النصف؛ فيجيء على هذا ألا يجوز إذا كان فيه أدنى النقصان؛ إذ الحكم فيما دون النفس محمو على حكم الأنفس، وحكم عليهم محمول على حكم كمال النفس.

لكن هذان التأويلان في الآية لا يصحان.

وأما الجواب عن قولهم: إن النقصان الحال في بعض الرقبة كالحال في كلها: أن ذلك النقصان يرتفع بالعتق، وإن كان وقت قيام الرق يحكم عليه بالنقص؛ لما يصير رقبة له بحكم الكمال بالعتق إذا صار هو منتفعاً بالعتق إذ بالعتق جبر النقصان الذي كان به؛ فيسلم له الرقبة كلها من حيث المعنى فيجوز، كما إذا أعتق الرقبة السليمة، والدليل عليه: أنه لو جنى عليه بعدما عتق، لم ينقص من ديته شيء في مقابلة النقصان في نفسه وقت العبودة والرق، وثبت بهذا أنه في حق نفسه كامل النفس، وإنما كان ذلك النقص من نقص في قيمته وقت العبودة، إذ هو لو كان منقوصاً في حق نفسه لا يرتفع عنه ذلك النقصان أبداً؛ فلما ارتفع النقصان الذي به بإعتاقه دل أن إعتاقه جائز، والأصل فيما أوجب الله  من هذه الكفارة إما أوجب ليكفر بها ما ارتكب من المآثم، وما ارتكب من المحظورات التي حظر عليه ارتكابها؛ ليتألم بهذه الكفارة؛ ليكون زجراً عن العود إليها فعلبنا أن ننظر في هذه الكفارة فإن كفر بشيء لا يتألم به نفسه، ولا يفجع عندها، فلا يجوز ذلك عن الكفارة، وإن كان بالذي يلحقه ويؤلمه يجوز.

ثم ما يصل إليه من الألم بإعتاقه وجهان: أحدهما: أنه إذا تأمل ذهاب منافع ذلك المملوك عنه بما كان هو يصلح لخدمته يتألم بذلك ويتفجع.

والثاني: لما يتأمل منه النفع في العاقبة وإن لم يكن للحال ينتفع به؛ فيتألم - أيضاً - بذهاب تلك المنفعة المؤملة، فكل من كان يؤلم من هذين الوجهين جاز عتقه عن الكفارة، وإلا فلا، والله أعلم.

ثم لا يجوز إعتاق الأعمى والمقعد ومقطوع اليدين ونحو ذلك عن الكفارة، ويخرج على هذين المعنيين: أما على الأول: أنه وإن ارتفع النقص الحاصل في نفسه بسبب العبودة عند وجود الإعتاق [إلا أن العيب لا يزال] قائماً فلا يجوز لا للنقصان لكن لأنه يصير معتقاً ببدل، والإعتاق ببدل لا يجوز عن الكفارة؛ وإن كانت الرقبة بصفة الكمال.

ومعنى قولنا: إنه يصير معتقاً ببدل: أنه ما دام في ملكه على تلك الحال، فإن مؤنته تلحقه، وبالإعتاق تسقط مؤنته عن نفسه، وتلحق تلك المؤنة المسلمين؛ فلم تجزئ عن الكفارة لهذا.

وأما على الثاني: فلا يلزم على الوجهين جميعاً أما على الأول: فلأنه لا يفجع ولا يتألم نفسه بإعتاق مثله؛ لما ليس له منفعة الخدمة؛ ليتألم بفوتها، وعلى الثاني: لما ليس له منفعة تؤمل في المآل؛ فيتألم بذلك - أيضاً - ولا يلزم الصغير على هذا العذر؛ لأنه ليس له منفعة الخدمة ونفقته عليه أيضاً، ومع ذلك يجوز إعاقته عن التكفير؛ لأنا نقول: إنه إنما ينفق على الصغير، لماتؤمل منفعته في العاقبة، والناس إنما يربون الصغار والصغائر، وينفقون عليهم؛ لينتفعوا بإيمانهم وإعتاقها في العواقب؛ فلم يصر عتقه عن هذا الوجه ببدل، والتألم في عتقه موجود، وحسب ما كان في الكبير أو أكثر.

والأعور، ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين يجوز عن الكفارة فإنه يمكنه الاكتساب؛ فيتألم مولاه بإعتاقه؛ لما فيه ذهاب منفعته؛ فيصلح أن يكون كفارة لما ارتكب من الشهوة، ولما قدمنا من جبر ذلك النقصان وارتفاعه بالعتق، والله أعلم.

وذكر الشافعي أنه لا يجيز عتق الرقبة الكافرة عن الكفارة، واحتج بذكر الله -  - في كفارة القتل الرقبة المؤمنة، فكذلك في كفارة الظهار؛ إذ هما كفارتان.

ولكن نحن نقول: هذا أصل مذهبه خطأ؛ لأن مذهبه العموم بعم كل رقبة في دار الدنيا، والأصل في ذلك عندنا أن الله -  - ذكر كفارة الظهار الرقبة المؤمنة؛ فلا يجوز أن نوجب ما ذكره في كفارة القتل هاهنا؛ والدليل عليه: أنه ذكر في تلك الآية الأشياء، وهو قوله -  -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ  ﴾ ، فذكر الدية، ثم ذكر الدية في آية القتل - لم يوجبها على المظاهر؛ إذ ترك ذكرها في آية الظهار، ومثله في القرآن كثير.

وأيضاً: إن أحق ما يجوز في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة؛ وذلك لما أن المسلم قد يتألم بإعتاق الرقبة الكافرة، ولا يـتألم بإعتاق المسلمة؛ لما يأبى طبعه الإحسان إلى الكافر، ولا يأبى بمثله إلى المسلم، وقد وصفنا أن الكفارة للتألم بأخراج ما أمر بإخراجه عن ملكه، مع ما في القرآن دليل على جواز اصطناع المعروف إليهم، وهو قوله -  -: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ  ﴾ ، ثم قال - أيضاً - بعد ذلك: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  ﴾ .

وذكر في القصة أن بعض أصحاب رسول الله  كانوا قد امتنعوا عن الإنفاق على أقربائهم لما أبو الإسلام؛ فنزلت هذه الآية؛ فهذا يبين ذلك [و]أن في الاصطناع إليهم وإعتاقهم يكون تكفيراً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ فتأويله عند أبي حنيفة - رحمه الله -: أي: عتقا لا مسيس فيه؛ لأن عنده الإعتاق يحتمل التجزؤ: أنه يعتق نصفه، ثم النصف الآخر؛ فيشترط أن يعتق النصفين جميعاً قبل المسيس، حتى لو مسها فيما بين ذلك يلزمه استئناف العتق، وعلى هذا التأويل قوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، أي: صوم شهرين لا مسيس فيه، حتى لو واقعها في وقت لم يتم صوم شهرين بعد يلزمه الاستئناف، وكأن معناه: لا مسيس في خلال الكفارة؛ فمتى وجد المسيس في وقت لم يتم الكفارة بعد يلزمه الاستئناف، وتأويل قوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ عند أبي يوسف - رحمه الله -: أي: يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك.

ويقول بأن الآية خرجت لبيان وقت التكفير فيه: حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، بل يصوم الباقي؛ إذ قد فات عن وقته فصار قاضياً عما عليه، وليس ب عد الجماع وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء؛ فيجوز متفرقاً ومتتابعاً؛ كصوم شهر رمضان: لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعاً؛ بل يجوز متفرقاً، كذا هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق؛ لأنه لا ي تجزأ عنده.

ولا خلاف أنه إذا جامع بعدم أطعم ثلاثين مسكيناً أنه لا يلزمه استئناف الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع قبل الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة والاستغفار في قول عامة الفقهاء.

وعند بعضهم يلزمه كفارتان.

لأبي يوسف - رحمه الله - ما ذكرنا، ولأنه قد رأى [أداء] بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت أولى من أداء الكل بعد الوقت؛ ولهذا المعنى في الطعام كذلك.

ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الظهار ليس يوجب الكفارة؛ ولكن يوجب حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصوداً، وكلن إذا أراد الاستمتاع بها يقال له: ليس لك ذلك إلا بالكفارة، فإذا كان كذلك فإذا أدى بعضها، ثم ماسها، ثم أدى البقية - لم يصر ما أدى بعد المماسة؛ فضاعف الوقت الذي قبل المماسة، فإذا لم يصر قضاء عن ذلك جعل كالنص إنما جاء في هذه الحالة: أن حرورا رقبة قبل أن تماسوا ثانياً، وصوموا شهرين متتابعين إذا أردتم العودة إليها، ولذلك قال -  - للمظاهر الذي جامع امرأته: "استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر" لكن يدخل على هذا أمر الطعام أنه أطعم بعض الطعام، ثم ماسها لم يلزمه الاستقبال، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، لكن يستحسن في الطعام؛ لأن الطعام وقع في الأصل متفرقاً؛ إذ لو أطعم بضعه للحال وبعضه بعد سنة فإنه جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضاً، ومع ذلك إذا وجد المسيس فيما بين ذلك يلزمه الاستئناف.

وما ذهب إليه أبو يوسف - رحمه الله - من حمل الآية على بيان الوقت لا يصح؛ لأنا لو حملنا تأويل الآية على الوقت نفسه، لا فائدة تقع في الآية؛ لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب الحرمة بالظهار، وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة؛ فصار وقت الحل بذكر الحرمة معلوماً؛ ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع إلا بسبب رفعه؛ فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم تفد شيئاً، ولو حمل على بيان إخلاء الكفارة عن المسيس، وعلى نفي المسيس في خلال الكفارة تفيد فائدة جديدة؛ فيكون ذها التأويل أحق وأولى.

ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، وهو قوله -  -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ ، ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم يذكر في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة؛ إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد لا يختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها واحداً، ولا يقال: إما لم يذكر الوقت في الإطعام؛ لأن ذكره في العتق والصوم: ذكره في الإطعام؛ لأنه من أنواع هذه الكفارة؛ فذكر الوقت في بعض يكون ذكراً في الباقي، فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه في غير الوقت كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت؛ لأنا نقول: ذكره في العتق والصوم لا يصلح أن يكون بياناً في الإطعام؛ لأن البيان على وجوه ثلاثة: بيان نهاية، وبيان كفاية، وبيان تفصيل: فأا بيان الكفاية: فهو أن يكتفى ببيان الواحد أو القليل عن الكل؛ ليعرف ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره؛ فيدل ذلك على معنى مودع فيه؛ وأنه محل الاجتهاد والتقليد.

وأما بيان النهاية: هو أن يبين الكل على المبالغة؛ حتى لا يبقى للاجتهاد فيه موضع.

وأما بيان التفصيل: هو الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته؛ فهو فيما يبين لا يتعدى إلى غيره؛ إذ لو كان فيه معنى مودع يجمع الكل لم يكن لذكر الزائد عليه وترك بعضه معنى.

وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية؛ إذ لم يكتف بذكر في واحد، ولا هو بيان نهاية؛ إذ لم ينه البيان في الكل؛ فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر في المذكور، ولا يتعدى إلى آخر، ولو كان ذكر ذلك البيان الوقت لاكتفى بذكره في الواحد عن الكل؛ إذ ذكر في الكل على المبالغة؛ فلما ذكر على بيان التفصيل دل أنه [ليس] لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس عن خلال الصوم والعتق المذكورين دون الطعام الذي لم يذكر فيه، وتبين أن إخلاء الصوم والعتق عن المسيس حكم عرفناه بالنص غير معقول المعنى؛ فلا يتعدى عنه إلى غيره، ويكون مثاله ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...

﴾ الآية [النساء: 92]، على ما عرف في موضعه، والحاصل في المسألة طريقان: أحدهما: بحق القياس، والآخر: بحق الاحتياط.

أما القياس ما ذكرنا أن قوله -  -: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ لإخلاء الصوم عن المسيس عن خلال الكفارة، لكن إما ذكر في الإعتاق والصوم دون الإطعام؛ فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل؛ فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص، ومنع التعدية إلى غيره؛ لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، فجعلنا نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجباً بالنص؛ حتى لا يكون كفارة بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطاً.

وأما طريق الاحتياط، فهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت أو لنفي المسيس عن خلال الصوم، فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس؛ لما أنه لم يذكر فيه المسيس، وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ذكره ذكرا في الإطعام؛ بل هو بيان تفصيل وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، والله أعلم.

وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أن العتق يحتمل التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقى الباقي بحالة ثم يعتقه بأوقات بعده؛ إذ قال: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، أي: تحرير رقبة بلا مماسة في التكفير، ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ﴾ ، ألا يقع العتق إلا قبل المماسة؛ فلما قال دل أنه أراد - والله أعلم - بألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه ولم تعتقوا الكل حتى يكمل ويتم فيه الإعتاق؛ ولهذا قال بأنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم؛ فدل أن الإعتاق متجزئ، والله أعلم.

ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار فقط؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين المرأة؛ فلا يدرى أنه تاب أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول وإن لم يتب حقيقة بقلبه؛ فتتهمه المرأة؛ فجعل التوبة فيه أمرا ظاهراً يعرف به توبته؛ دفعاً للتهمة عنه، وتسكيناً لقلب المرأة، والله أعلم.

والثاني: أن الله جعل الاستمتاع في النكاح نعمة عظيمة، فتشبيهها بالمحرم الذي يتأبد حرمته: أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه بشيء لا يثقل عليه فيقدم ثانياً وثالثاً لخفة أمره عليه؛ بل جعل ما يتألم عليه ويشتد عليه زجرا له عن مثله في المستقبل ولغيره: كما في الزنى وغيره من الأجرام.

ثم لم يجعل ملك اليمين للاستمتاع خاصة - وإن أبيح لهم ذلك - ولا جعل لهن قبل السادات حق الاستمتاع؛ فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة عظيمة، ولا إبطال حق لهن قبل ماليهن؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقيل: إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء حظ من الطلاق، وهو الطلاق، ولم يكن لهن [حظ] من الذي صار وانتقل إليه.

ولكن إن ثبت هذا كان طلاقاً يوجب حرمة لا ترتفع أبداً، لا طلاقاً يوجب حرمة ترتفع بالنكاح، على ما تقدم ذكره.

والإماء لم يكن لهن حظ من هذا التحريم؛ لعدم تصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فأما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية: فإن كان تلك الحرمة هي الأصل، وهن أصل لها، مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقتة؛ دل أن الطريق ما قلنا، والله أعلم.

وفي الآية دلالة جواز تأخير البيان؛ لأن ذلك الرجل لما ظاهر من امرأته اشتد بهم الحاجة إلى معرفة ما يجب فيه من الأحكام، ثم تأخير نزول بيان ما يجب عليهم؛ فطلبوا من عند رسول الله  بيان الحكم؛ فدل أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع؛ بخلاف الأولى؛ لأن في الأولى قد ظهرت الحاجة واشتدت لوقوع النازلة وفي نزول العام الذي أريد به الخصوص لا وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع النازلة بأوقات، دليل على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم ج عل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار في شهر رضمان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

صرح صاحب (الواضح) بأن قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: ذلك أمرتم ونهيتم؛ ﴿ لِتُؤْمِنُواْ ﴾ .

ولكن عندنا تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ﴾ هو صلة قوله -  -: ﴿ قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا...

﴾ الآية، يقول: أخبركم بما كان ذلك منكم في السر، وأطلعكم على ذلك؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي: لتصدقوا وتعلموا أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.

ومنهم من قال: ذلك رادع إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ ﴾ أي: ذلك الفرج والمخرج عما امتحنتم به من الحرمة وما اشتد عليكم؛ لتؤمنوا بالله ورسوله لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ ذَلِكَ ﴾ : القول المنكر الزور الذي قلتم وأعلمكم أنه منكر وزور؛ لتؤمنوا بالله ورسوله؛ فيخرج ذلك على الأمر بالشكر له ما أنعم عليهم، وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها، وهكذا العبادات التي أمروا بها: أمروا؛ لإحدى ثلاث خلال: إما بحق الشكر بما أنعم عليهم.

أو لتسليم الأمر له والخضوع.

أو لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ على غير هذا، أي: ذلك الذي أنزل، لتؤمنوا، أي: لتجددوا الإيمان بالله -  - ورسوله في كل وقت وكل ساعة؛ إذ يلزم الناس إحداث الإيمان، وتجديده لإحداث الرخص والعزائم التي تجددت والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: أي الذي افترضه الله عليكم من الأحكام، وقال الزجاج ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: موانع الله  ؛ لذلك سمي الحاجب: حداداً؛ لأنه يمنع الناس منه.

وعندنا قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ أي: زواجر الله وموانعه، على معنى أنه يمنع كل شيء عن الدخول في حد الآخر يمنع الباطل عن الدخول في حد الحق والاختلاط به.

وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف الفرائض، وهي الطاعات إلى نفسه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ، وأنها أفعال العباد؛ دل [أن] أفعال العباد كلها مخلوقة لله -  - وإنما خص هذه الأعمال بالإضافة إلى نفسه، مع أن جميع الأفعال [مضافة إليه] بخلقه إياها تبجيلا وتعظيماً لها، كما قال الله -  -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ أضاف المساجد لنفسه؛ تبجيلا و تعظيماً لها.

وعلى هذا يخرج تأويل من قال في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا  ﴾ من نفسي؛ فكيف أظهرها لمن دونه أراد بهذه الإضافة تبجيلا وتعظيماً لأمر الساعة؛ فكأنه يقول: إنما لم أظهر أمر الساعة لذلك الخلق الذي هو بهذه المنزلة، فكيف أظهرها لكم أي: لا أفعل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

أي: للكافرين بالله وبحدوده عذاب أليم في الآخرة؛ لأن عذاب الكفر إنما يكون في الآخرة عذاباً دائماً لا انقضاء له، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد سمع الله كلام المرأة (وهي خَوْلة بنت ثعلبة) التي تراجعك -أيها الرسول- في شأن زوجها (وهو أوس بن الصامت) لَمَّا ظاهر منها، وتشتكي إلى الله ما صنع بها زوجها، والله يسمع تراجعكما في الكلام، لا يخفى عليه منه شيء، إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، ولا يخفى عليه منها شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.nn4pM"

مزيد من التفاسير لسورة المجادلة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله