الإسلام > القرآن > سور > سورة 64 التغابن > الآية ١٧ من سورة التغابن
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة التغابن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ) أي : مهما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه ، ونزل ذلك منزلة القرض له ، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول : " من يقرض غير ظلوم ولا عديم " ولهذا قال : ( يضاعفه لكم ) كما تقدم في سورة البقرة : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) [ البقرة : 245 ] ( ويغفر لكم ) أي : ويكفر عنكم السيئات .
ولهذا قال : ( والله شكور ) أي : يجزي على القليل بالكثير ( حليم ) أي : يعفو ويصفح ويغفر ويستر ، ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيئات .
يقول تعالى ذكره: وإن تنفقوا في سبيل الله، فتحسنوا فيها النفقة، وتحتسبوا بإنفاقكم الأجر والثواب يضاعف ذلك لكم ربكم، فيجعل لكم مكان الواحد سبعمائة ضعف إلى أكثر من ذلك مما يشاء من التضعيف يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فيصفح لكم عن عقوبتكم عليها مع تضعيفه نفقتكم التي تنفقون في سبيله ( وَاللَّهُ شَكُورٌ ) يقول: والله ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، بحسن الجزاء لهم على ما أنفقوا في الدنيا في سبيله ( حَلِيمٌ ) يقول: حليم عن أهل معاصيه بترك معاجلتهم بعقوبته.
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَبالصدقة والنفقة في سبيل الله .قال الحسن : كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع .وقيل : هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا .وإنما عطف بالفعل على الاسم , لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل , أي إن الذين تصدقوا وأقرضوا أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة - أعادها الله - في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه ; قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة , قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قاله : لما نزلت : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح : يا رسول الله أوإن الله تعالى يريد منا القرض ؟
قال : ( نعم يا أبا الدحداح ) قال : أرني يدك ; قال فناوله ; قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة ., ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله ; فناداها : يا أم الدحداح ; قالت : لبيك ; قال : اخرجي , قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة .وقال زيد بن أسلم : لما نزل : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض ؟
قال : ( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ) .قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟
قال : ( نعم ) قال : فناولني يدك ; فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده : فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية , والله لا أملك غيرهما , قد جعلتهما قرضا لله تعالى .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ) قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى , وهو حائط فيه ستمائة نخلة .قال : ( إذا يجزيك الله به الجنة ) .فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول : هداك ربي سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالوداد فقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته الله على اعتمادي بالطوع لا من ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعاد فارتحلي بالنفس والأولاد والبر لا شك فخير زاد قدمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت , ثم أجابته أم الدحداح وقالت : بشرك الله بخير وفرج مثلك أدى ما لديه ونصح قد متع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهو البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح ) .قال ابن العربي : " انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما , فتفرقوا فرقا ثلاثة : [ الفرقة الأولى ] الذين قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء , فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب , فرد الله عليهم بقوله : " لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء " [ آل عمران : 181 ] .[ الفرقة الثانية ] لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار .[ الفرقة الثالثة ] لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره .والله أعلم .قَرْضًاالقرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد : وإذا جوزيت قرضا فأجزه إنما يجزي الفتى ليس الجمل والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي .واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني .واقترضت منه أي أخذت القرض .وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيئ قال أمية : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ما دانا وقال آخر : تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شرا وقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ .وأصل الكلمة القطع ; ومنه المقراض .وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازى عليها .وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا .والقرض ههنا : اسم , ولولاه لقال ههنا إقراضا .واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه , والله هو الغني الحميد ; لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء .وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم , وفي سبيل الله بنصرة الدين .وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة , كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام .ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : ( يا بن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ) قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟
قال : ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) وكذا فيما قبل ; أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به .يجب على المستقرض رد القرض ; لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء .وفي الخبر : ( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر على ما سبق بيانه عند قوله تعالى : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل " [ البقرة : 261 ] الآية .وقال ههنا : " فيضاعفه له أضعافا كثيرة " وهذا لا نهاية له ولا حد .ثواب القرض عظيم , لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه .خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ) .قال : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير , عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه , فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه , واشتد عليه فقضاه , فكأن علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي , قال : نعم وكرامة يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك , قال : فجاءت بها ; فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا ; قال : فلله أبوك ؟
ما حملك على ما فعلت بي ؟
قال : ما سمعت منك ; قال : ما سمعت مني ؟
قال : سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة ) قال : كذلك أنبأني ابن مسعود .قرض الآدمي للواحد واحد , أي يرد عليه مثله ما أقرضه .وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز .وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة .ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه ; لأن ذلك من باب المعروف ; استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر : ( إن خياركم أحسنكم قضاء ) رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما .فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء , وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة .وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتي المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا , والخيار : المختار , والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة ; لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان , وهو مذهب الجمهور , ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم .ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض , ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك ; بهذا جاءت السنة : خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه ؟
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبله ذلك ) .القرض يكون من المال - وقد بينا حكمه - ويكون من العرض ; وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك ) .وروي عن ابن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك ; يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر .وقال أبو حنيفة : لا يجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى , وروي عن مالك .ابن العربي : وهذا فاسد , قال عليه السلام في الصحيح : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ..
.) الحديث .وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للآدمي .حَسَنًاقال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه .وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي .وقال سهل بن عبد الله : لا يعتقد في قرضه عوضا .يُضَاعِفْهُ لَكُمْقرأ عاصم وغيره " يضاعفه " بالألف ونصب الفاء .وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء .وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء .وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء .فمن رفعه نسقه على قوله : " يقرض " وقيل : على تقدير هو يضاعفه .ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء .وقيل : بإضمار " أن " والتشديد والتخفيف لغتان .وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده , لقوله تعالى : " ويؤت من لدنه أجرا عظيما " [ النساء : 40 ] .قاله أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد , وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف .وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌالشكر في اللغة الظهور من قولهم دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه كما تقدم في الفاتحة قال الجوهري الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) قال الخطابي هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر .في عبارات العلماء في معنى الشكر فقال سهل بن عبد الله الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية وقالت فرقة أخرى الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى " اعملوا آل داود شكرا " [ سبأ : 13 ] فقال داود كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال يا رب فأرني أخفى نعمك علي قال يا داود تنفس فتنفس داود فقال الله تعالى من يحصي هذه النعمة الليل والنهار وقال موسى عليه السلام كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازى بها عملي كله فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني وقال الجنيد حقيقة الشكر العجز عن الشكر وعنه قال كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي يا غلام ما الشكر فقلت ألا يعصى الله بنعمه فقال لي أخشى أن يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي وقال الشبلي الشكر التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسموات وقال ذو النون المصري أبو الفيض الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال" حليم " الحليم : الذي لا يعجل .
ثم رغب تعالى في النفقة فقال: { إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وهو كل نفقة كانت من الحلال، إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى وطلب مرضاته، ووضعها في موضعها { يُضَاعِفْهُ لَكُمْ } النفقة، بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.{ و } مع المضاعفة أيضًا { يغفر لَكُمُ } بسبب الإنفاق والصدقة ذنوبكم، فإن الذنوب يكفرها الله بالصدقات والحسنات: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } .{ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجل من عصاه، بل يمهله ولا يهمله، { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } والله تعالى شكور يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه الكثير من الأجر، ويشكر تعالى لمن تحمل من أجله المشاق والأثقال، وناء بالتكاليف الثقال، ومن ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه.
"إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم".
«إن تقرضوا الله قرضا حسنا» بأن تتصدقوا عن طيب قلب «يضاعفه لكم» وفي قراءة يضعفه بالتشديد بالواحدة عشرا إلى سبعمائة وأكثر «ويغفر لكم» ما يشاء «والله شكور» مجاز على الطاعة «حليم» في العقاب على المعصية.
إن تنفقوا أموالكم في سبيل الله بإخلاص وطيب نفس، يضاعف الله ثواب ما أنفقتم، ويغفر لكم ذنوبكم.
والله شكور لأهل الإنفاق بحسن الجزاء على ما أنفقوا، حليم لا يعجل بالعقوبة على مَن عصاه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على الإنفاق فى سبيله فقال : ( إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ) .أى : إن تبذلوا أموالكم فى وجوه الخير التى يحبها الله - تعالى - ، بذلا مصحوبا بالإخلاص وطيب النفس ، يضاعف الله - تعالى - لكم ثواب هذا الإنفاق والإقراض بأن يجعل لكم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) فضلا عن ذلك ذنوبكم ببركة هذا الإنفاق الخالص لوجهه الكريم .( والله شَكُورٌ ) أى : كثير الشكر لمن أطاعه ( حَلِيمٌ ) لا يعاجل بالعقوبة المذنبين .
اعلم أن قوله: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي إن تنفقوا في طاعة الله متقاربين إليه يجزكم بالضعف لما أنه شكور يحب المتقربين إلى حضرته حليم لا يعجل بالعقوبة غفور يغفر لكم، والقرض الحسن عند بعضهم هو التصدق من الحلال، وقيل: هو التصدق بطيبة نفسه، والقرض هو الذي يرجى مثله وهو الثواب مثل الإنفاق في سبيل الله، وقال في الكشاف: ذكر القرض تلطف في الاستدعاء وقوله: ﴿ يضاعفه لَكُمْ ﴾ أي يكتب لكم بالواحدة عشرة وسبعمائة إلى ما شاء من الزيادة وقرئ (يضعفه) ﴿ شَكُورٍ ﴾ مجاز أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب وكذلك حليم يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء فلا يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم، ثم لقائل أن يقول: هذه الأفعال مفتقرة إلى العلم والقدرة، والله تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال: ﴿ عالم الغيب ﴾ ، فنقول قوله: ﴿ العزيز ﴾ يدل على القدرة من عز إذا غلب و ﴿ الحكيم ﴾ على الحكمة، وقيل: العزيز الذي لا يعجزه شيء، والحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله تعالى كذلك فيكون عالماً قادراً حكيماً جل ثناؤه وعظم كبرياؤه، والله أعلم بالصواب.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.
وذكرُ القرض: تلطف في الاستدعاء ﴿ يضاعفه لَكُمْ ﴾ يكتب لكم بالواحدة عشراً، أو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة.
وقرئ: ﴿ يضعفه ﴾ ﴿ شَكُورٌ ﴾ مجاز، أي: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، وكذلك ﴿ حَلِيمٌ ﴾ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة ذنوبكم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة» .
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيِ ابْذُلُوا في تَقْواهُ جُهْدَكم وطاقَتَكم.
﴿ واسْمَعُوا ﴾ مَواعِظَهُ.
﴿ وَأطِيعُوا ﴾ أوامِرَهُ.
﴿ وَأنْفِقُوا ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ خالِصًا لِوَجْهِهِ.
﴿ خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ ﴾ أيِ افْعَلُوا ما هو خَيْرٌ لَها، وهو تَأْكِيدٌ لِلْحَثِّ عَلى امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنْفاقًا خَيْرًا أوْ خَبَرًا لِكانَ مُقَدَّرًا جَوابًا لِلْأوامِرِ.
﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.
﴿ إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ ﴾ تَصْرِفُوا المالَ فِيما أمَرَهُ.
﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مَقْرُونًا بِإخْلاصٍ وطِيبِ قَلْبٍ.
﴿ يُضاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ يَجْعَلْ لَكم بِالواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ وأكْثَرَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «يُضْعِفْهُ لَكُمْ».
﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بِبَرَكَةِ الإنْفاقِ.
﴿ واللَّهُ شَكُورٌ ﴾ يُعْطِي الجَزِيلَ بِالقَلِيلِ.
﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ تامُّ القُدْرَةِ والعِلْمِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغابُنِ دُفِعَ عَنْهُ مَوْتُ الفُجْأةِ».» واللَّهُ أعْلَمُ.
{إن تقرضوا الله قرضا حسنا} بنية وإخلاس وذكر القرض تلطف في الاستدعاء {يضاعفه لَكُمْ} يكتب لكم بالوحدة عشراً أو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله شَكُورٌ} يقبل القليل ويعطي الجزيل {حَلِيمٌ} يقيل الجليل من ذنب البخيل أو يضعف الصدقة لدافعها ولا يعجل العقبوة لمانعها
{عالم الغيب} أي يعلم ما استتر من سرائر القلوب {والشهادة}
أي ما انتشر من ظواهر الخطوب {العزيز} المعز باظهار السيوب {الحكيم} في الأخبار عن الغيبوب والله اعلم
سورة الطلاق مدنية وهي اثنتا عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ ﴾ تَصْرِفُوا المالَ إلى المَصارِفِ الَّتِي عَيَّنَها عَزَّ وجَلَّ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ ﴿ يُضاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ يَجْعَلْ لَكم جَلَّ شَأْنُهُ بِالواحِدِ عَشْرًا إلى سَبْعِمِائَةٍ وأكْثَرَ، وقُرِئَ - يُضْعِفْهُ - ﴿ ويَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ بِبَرَكَةِ الإنْفاقِ ما فَرَطَ مِنكم مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ ﴿ واللَّهُ شَكُورٌ ﴾ يُعْطِي الجَزِيلَ بِمُقابَلَةِ النَّزْرِ القَلِيلِ ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ مَعَ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ يعني: على قدر ما أطقتم.
وَاسْمَعُوا يعني: اسمعوا ما تؤمرون به من المواعظ.
وَأَطِيعُوا يعني: وأطيعوا الله والرسول.
وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ يعني: تصدقوا خيراً، يعني: وأنفقوا من أموالكم في حق الله تعالى لِأَنْفُسِكُمْ يعني: ثوابه لأنفسكم، ويكون زاداً لكم إلى الجنة.
ويقال معناه: تصدقوا خيراً لأنفسكم من إمساك الصدقة.
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: يدفع البخل عن نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين السعداء.
وقوله تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يعني: صادقاً من قلوبكم.
يُضاعِفْهُ لَكُمْ يعني: القرض يضاعف حسناتكم.
ويقال: يُضاعِفْهُ لَكُمْ يعني: الله تعالى يضاعف القرض لكم، فيعطي للواحد عشرة.
إلى سبعمائة، إلى ما لا يحصى.
وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني: يغفر لكم ذنوبكم.
وَاللَّهُ شَكُورٌ يعني: يقبل اليسير ويعطي الجزيل.
حَلِيمٌ لا يعجل بالعقوبة لمن يبخل.
ثم قال: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، وقد ذكرناه.
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز في ملكه، الحكيم في أمره، سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
رأيتُ هذينِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثم أخَذَ في خُطْبَتِهِ» «١» ، قال ع «٢» : وهذهِ ونحوُها هِي فتنةُ الفُضَلاَءِ، فأما فتنةُ الجُهَّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كلِ فعلٍ مُهْلِكٍ، وفي «صَحِيحَي البخاري ومسلم» عن أبي ذرٍ قال: انتهيتُ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُول: «هم الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، هُمُ الأخْسَرُونَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: مَا شَأْنِي أيرى فيَّ شَيْئاً؟
فَجَلَسْتُ وَهُوَ يَقُولُ فَمَا استطعت أنْ أسْكُتَ وتَغَشَّانيَ مَا شَاء اللَّهُ فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بأبي أنتَ وأمي يا رسولِ اللَّهِ؟
قال: هُمُ الأكْثَرُونَ مَالاً إلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وهَكَذَا وَهَكَذَا» «٣» وفي رواية: «إن الأَكْثَرينَ هم الأقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ مَنْ قال بالمال، هكذا وهكذا، - وأشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله-، وقليل ما هم» انتهى، واللفظ للبخاريّ.
وقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ تَقَدَّمَ الخلافُ هَلْ هذه الآيةُ نَاسِخَةٌ لقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] أو ليست بناسخة، بل هي مبيّنة لها،
وأن المَعْنَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وهذا هو الصحيح، قال الثعلبي: قال الربيع بن أنس: مَا اسْتَطَعْتُمْ أيْ: جَهْدَكُمْ، وقيل: معناه: إذا أمْكَنَكُمْ الجهادُ والهجرةُ، فَلا يُفْتِنَنَّكُمُ المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلاَدِ، واسْمَعُوا ما تُوعظونَ به، وأطِيعُوا فيما تؤمَرُون به «١» ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ تَقَدَّم الكلامُ عليه، وأسْنَد أبو بكر بن الخطيب من طريقِ أبي هريرةَ وأبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «السَّخَاءُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، وأَغْصَانُها في الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الغُصْنُ حتى يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، والشُّحُّ شَجَرَةٌ في النَّارِ وَأَغْصَانُهَا في الأَرْضِ، فَمَنْ كَانَ شَحِيحاً، أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَلَمْ يَتْرُكْهُ الغُصْنُ حتى يُدْخِلَهُ النَّارَ» «٢» انتهى، وَباقِي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: ( زَعَمُوا ) كِنايَةُ الكَذِبِ.
وكانَ مُجاهِدٌ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زَعَمَ فُلانٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يَعْنِي: البَعْثَ، "والنُّورُ" هو القُرْآنُ، وفِيهِ بَيانُ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ فِيهِ الجِنَّ والإنْسَ، وأهْلَ السَّمَواتِ، وأهْلَ الأرْضِ ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ﴾ تَفاعُلٌ مِنَ الغَبْنِ، وهو فَوْتُ الحَظِّ.
والمُرادُ في تَسْمِيَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّغابُنِ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ، إلّا ولَهُ مَنزِلٌ وأهْلٌ في الجَنَّةِ فَيَرِثُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ، فَيُغْبَنُ حِينَئِذٍ الكافِرُ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: غَبْنُ أهْلِ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ غَبْنِ المَظْلُومِ الظّالِمَ، لِأنَّ المَظْلُومَ كانَ في الدُّنْيا مَغْبُونًا، فَصارَ في الآخِرَةِ غابِنًا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يَوْمٌ يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكافِرِ بِتَرْكِهِ لِلْإيمانِ، وغَبْنُ المُؤْمِنِ بِتَقْصِيرِهِ في الإحْسانِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلْبَيْعِ والشِّراءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ ﴾ وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "نُكَفِّرْ" "وَنُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ فِيهِما.
والباقُونَ: بِالياءِ ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ، فَيَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ عَلْقَمَةُ: هو الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ، فَيَعْلَمُ أنَّها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَيُسَلِّمُ، ويَرْضى.
والثّانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلِاسْتِرْجاعِ، وهو أنْ يَقُولَ: إنّا لِلَّهِ، وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ غَفَرَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والرّابِعُ: يَهْدِ قَلْبَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ مُهْتَدِيًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: [يَهْدِ ولِيَّهُ بِالصَّبْرِ والرِّضى، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.
والسّادِسُ: ] يَهْدِ قَلْبَهُ لِاتِّباعِ السُّنَّةِ إذا صَحَّ إيمانُهُ، قالَهُ أبُو عُثْمانَ الحَيْرِيُّ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو نُهَيْكٍ: "يَهْدَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَنَصْبِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مِن هَدَأ يَهْدَأُ: إذا سَكَنَ.
فالمَعْنى: إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ.
وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، والضَّحّاكُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةَ: "نَهْدِ" بِالنُّونِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ "قَلْبُهُ" بِالرَّفْعِ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسْلِمُ.
فَإذا أرادَ الهِجْرَةَ مَنَعَهُ أهْلُهُ، ووَلَدُهُ، وقالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَذْهَبَ وتَدَعَ أهْلَكَ وعَشِيرَتَكَ وتَصِيرَ إلى المَدِينَةِ بِلا أهْلٍ ولا مالٍ.
فَمِنهم مَن يَرِقُّ لَهُمْ، ويُقِيمُ فَلا يُهاجِرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
فَلَمّا هاجَرَ أُولَئِكَ، ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقُهُوا في الدِّينِ هَمُّوا أنْ يُعاقِبُوا أهْلَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أرادُوا الهِجْرَةَ قالَ لَهم أزْواجُهُمْ، وأوْلادُهُمْ: قَدْ صَبَرْنا لَكم عَلى مُفارَقَةِ الدِّينِ ولا نَصْبِرُ لَكم عَلى مُفارَقَتِكُمْ، ومُفارَقَةِ الأمْوالِ، والمَساكِنِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، فَهو عَدُوٌّ، وإنْ كانَ ولَدًا، أوْ كانَتْ زَوْجَةً.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ حُبُّ الرَّجُلِ ولَدَهُ وزَوْجَتَهُ يَحْمِلُهُ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ ومَعْصِيَةِ رَبِّهِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ مِن أزْواجِهِمْ، وأوْلادِهِمْ مَن يَنْهاهم عَنِ الإسْلامِ، ويُثَبِّطُهم عَنْهُ، فَخَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِمَنعِهِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِكَوْنِهِمْ سَبَبًا لِلْمَعاصِي، وعَلى هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: بِنَهْيِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وهَذا عَلى قَوْلِ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُطِيعُوهم في التَّخَلُّفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ: بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ.
فالمالُ والأوْلادُ يُوقِعانِ في العَظائِمِ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: إغْرامٌ.
يُقالُ: فُتِنَ فُلانٌ بِالمَرْأةِ، وشُغِفَ بِها، أيْ: أُغْرِمَ بِها.
وقالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: إنَّما دَخَلَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الأزْواجِ، والأوْلادِ أعْداءً.
ولَمْ يَذْكُرْ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ لِأنَّها لا تَخْلُو مِنَ الفِتْنَةِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِها.
وقَدْ رَوى بُرَيْدَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أنَّهُ كانَ يَخْطُبُ، فَجاءَ الحَسَنُ، والحُسَيْنُ عَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَنَزَلَ مِنَ المِنبَرِ، فَحَمَلَهُما، فَوَضَعَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: "صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ نَظَرْتُ إلى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيانِ، ويَعْثُرانِ، فَلَمْ أصْبِرْ حَتّى قَطَعْتُ حَدِيثِي، ورَفَعْتُهُما.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أيْ: ثَوابٌ جَزِيلٌ وهو الجَنَّةُ.
والمَعْنى: لا تَعْصُوهُ بِسَبَبِ الأوْلادِ، ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ أيْ: ما أطَقْتُمْ "واسْمَعُوا" ما تُؤْمَرُونَ بِهِ "وَأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ" وفي هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: نَفَقَةُ المُؤْمِنِ عَلى نَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: النَّفَقَةُ في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ حَتّى يُعْطِيَ حَقَّ اللَّهِ في مالِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في [الحَشْرِ: ٩] وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٤، والحَدِيدِ: ١٨،١١، والحَشْرِ: ٢٤،٢٣] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ قَتادَةُ وفَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ الأمْرَ بِحَقِّ التُقاةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الناسِ حَتّى نَزَلَ "ما اسْتَطَعْتُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَتَيْنِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "حَقَّ تُقاتِهِ" مَقْصِدُهُ: فِيما اسْتَطَعْتُمْ، ولا يَعْقِلُ أنْ يُطِيعَ أحَدٌ فَوْقَ طاقَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ، فَهَذِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ: فاتَّقُوا اللهَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكُمُ التَقْوى، وتَكُونُ: "ما" ظَرْفًا لِلزَّمانِ كُلِّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَياتُكم وما دامَ العَمَلُ مُمْكِنًا.
قَوْلُهُ تَعالى: "خَيْرًا" ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نُصِبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و"أنْفِقُوا"، قالُوا: والخَبَرُ هُنا المالُ، وذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إَنْفاقًا خَيْرًا، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أنْفِقُوا".
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقَّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "شِحَّ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الحَشْرِ]، وقالَ الحَسَنُ: نَظَرُكَ إلى امْرَأةٍ لا تَمْلِكُها مِنَ الشُحِّ، «وَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما يُدْخِلُ العَبْدَ النارَ؟
قالَ: "إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ".» وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يُضاعِفُهُ" وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ: "يُضاعِفُهُ"، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الحَضَّ هو عَلى أداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ شَكُورٌ ﴾ إخْبارٌ بِمَجازاتِهِ تَعالى.
عَلى الشَيءِ، وأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَمَّنْ شاءَ اللهُ العَظِيمُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ التَغابُنِ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ وأنفقوا خيراً لأنفسكم ﴾ [التغابن: 16]، فإن مضاعفة الجزاء على الإِنفاق مع المغفرة خير عظيم، وبهذا الموقع يعلم السامع أن القرض أطلق على الإِنفاق المأمور به إطلاقاً بالاستعارة، والمقصود الاعتناء بفضل الإِنفاق المأمور به اهتماماً مكرراً فبعد أن جُعل خيراً جُعل سببَ الفلاح وعُرف بأنه قرض من العبد لربّه وكفى بهذا ترغيباً وتلطفاً في الطلببِ إذ جُعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى مالاً وذلك من معنى الإِحسان في معاملة العبد ربّه وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل إذ قال جبريل للنبيء عليهما الصلاة والسّلام: أخبرني عن الإِحسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فمما ينضوي تحت معنى عبادة الله عبادةَ من يراه أن يستشعر العبدُ أن امتثال أمر ربه بالإِنفاق المأمور به منه كأنه معاملة بين مُقرض ومستقرض.
وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ في سورة [البقرة: 245].
وقرأ الجمهور يضاعفه } بألف بعد الضاد وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ﴿ يضعِّفه ﴾ بتشديد العين مضارع ضَعَّف، وهما بمعنى واحد وهو لفظي الضعف.
والمضاعفة: إعطاء الضِعف بكسر الضاد وهو مِثل الشيء في الذات أو الصفة.
وتصدُق بمثل وبعدة أمثال كما قال تعالى: ﴿ أضعافاً كثيرة ﴾ [البقرة: 245].
وجعل الإِنفاق سبب للغفران كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار ".
والشكور: فَعول بمعنى فاعل مبالغة، أي كثير الشكر وأطلق الشكر فيه على الجزاء بالخير على فعل الصالحات تشبيهاً لفعل المتفضل بالجزاء بشكر المنعَم عليه على نعمة ولا نعمة على الله فيما يفعله عباده من الصالحات.
فإنما نفعها لأنفسهم ولكن الله تفضّل بذلك حثاً على صلاحهم فرتب لهم الثواب بالنعيم على تزكية أنفسهم، وتلطف لهم فسمى ذلك الثواب شكراً وجعل نفسه شاكراً.
وقد أوما إلى هذا المقصد إتباع صفة ﴿ شكور ﴾ بصفة ﴿ حليم ﴾ تنبيهاً على أن ذلك من حِلمه بعباده دون حق لهم عليه سبحانه.
وأمّا وصف ب ﴿ عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ﴾ فتتميم للتذكير بعظمة الله تعالى مع مناسبتها للترغيب والترهيب اللذين اشتملت عليهما الآيات السابقة كلها لأن العالم بالأفعال ظاهرها وخفيّها لا يفيت شيئاً من الجزاء عليها بما رتب لها، ولأن العزيز لا يعجزه شيء.
و ﴿ الحكيم ﴾ : الموصوف بالحكمة لا يدع معاملة الناس بما تقتضيه الحكمة من وضع الأشياء مواضعها ونوط الأمور بما يناسب حقائقها.
والحكيم فعيل بمعنى: المحكم، أي المتقن في صنعه ومعاملته وهما معاً من صفاته تعالى فهو وصف جامع للمعنيين.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا أسْلَمُوا بِمَكَّةَ فَأرادُوا الهِجْرَةَ فَمَنَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم مِنها وثَبَّطُوهم عَنْها، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ; قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم مَن لا يَأْمُرُ بِطاعَةِ اللَّهِ ولا يَنْهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ مِنهم مَن يَأْمُرُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ومَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا يَسْتَطِيعُ مَعَ حُبِّهِ ألّا يُطِيعَهُ، وهَذا مِنَ العَداوَةِ; قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نُبِّئْتُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: مَنِ اتَّخَذَ أهْلًا ومالًا ووَلَدًا كانَ لِلدُّنْيا عَبْدًا.
الرّابِعُ: أنَّ مِنهم مَن هو مُخالِفٌ لِلدِّينِ، فَصارَ بِمُخالَفَةِ الدِّينِ عَدُوًّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ مَن حَمَلَكَ مِنهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والِاسْتِكْثارِ مِنها كانَ عَدُوًّا لَكَ، قالَهُ سَهْلٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ فاحْذَرُوهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاحْذَرُوهم عَلى دِينِكُمْ; قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلى أنْفُسِكم، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا ﴾ الآيَةَ.
يُرِيدُ بِالعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، وبِالصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ، وبِالغُفْرانِ لِلْمُسِيءِ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذَّنَبِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِالعِبادِ، وذَلِكَ أنَّ مَن أسْلَمَ بِمَكَّةَ ومَنَعَهُ أهْلُهُ مِنَ الهِجْرَةِ فَهاجَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ قالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأفْعَلَنَّ بِأهْلِي ولَأفْعَلَنَّ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَنالُونَ مِنِّي خَيْرًا أبَدًا، فَلَمّا كانَ عامَ الفَتْحِ أُمِرُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنْ أهالِيهِمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلاءٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِحْنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ لَقَدْ فُتِنَ النّاسُ في دِينِهِمْ وخَلّى ابْنُ عَفّانَ شَرًّا طَوِيلًا وَفِي سَبَبِ افْتِتانِهِ بِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَلْهُو بِهِما عَنْ آخِرَتِهِ ويَتَوَفَّرُ لِأجْلِهِما عَلى دُنْياهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَشِحُّ لِأجْلِ أوْلادِهِ فَيَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِن مالِهِ، لِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ : « (اَلْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ مَجْبَنَةٌ)» .
﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ: هي الجَنَّةُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ مِن مَنفَعَتِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ كانَ أجْرُهُ عَظِيمًا.
﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي جُهْدَكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: إنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَرْجُونَهُ بِهِ مِن نافِلَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَخْفِيفًا ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ أنَّ المُكْرَهَ عَلى المَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اتِّقاءَها.
﴿ واسْمَعُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كِتابُ اللَّهِ إذا نَزَلَ عَلَيْكم.
﴿ وَأطِيعُوا ﴾ الرَّسُولَ فِيما أمَرَكم أوْ نَهاكم، قالَ قَتادَةُ: عَلَيْها بُويِعَ النَّبِيُّ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ.
﴿ وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: هي نَفَقَةُ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: في الجِهادِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: الصَّدَقَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هَوى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.
الثّانِي: الظُّلْمُ، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
الثّالِثُ: هو مَنعُ الزَّكاةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أعْطى زَكاةَ مالِهِ فَقَدْ وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ.
﴿ إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، رَواهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ حَسَنًا ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَطِيبَ بِها النَّفْسُ.
الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ بِها مُمْتَنًّا.
﴿ يُضاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها، كَما قالَ تَعالى في التَّنْزِيلِ.
الثّانِي: إلى ما لا يَحِدُّ مِن تَفَضُّلِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي ذُنُوبَكم.
﴿ واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَشْكُرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا وحَلِيمٌ لَنا في عَدَمِ تَعْجِيلِ المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِنا.
الثّانِي: شَكُورٌ عَلى الصَّدَقَةِ حِينَ يُضاعِفُها، حَلِيمٌ في أنْ لا يُعَجِّلَ بِالعُقُوبَةِ مِن [تَحْرِيفِ] الزَّكاةِ عَنْ مَوْضِعِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: السِّرُّ والعَلانِيَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ قال: بلاء ﴿ والله عنده أجر عظيم ﴾ قال: الجنة.
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة، فإن الله يقول: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاتها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى قال: قال رجل، وهو عند عمر: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة أو الفتن، فقال عمر: أتحب أن لا يرزقك الله مالاً ولا ولداً، أيكم استعاذ من الفتن فليستعذ من مضلاتها.
وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عياض رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال» .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» .
وأخرج وكيع في الغرر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال ابن عمر لرجل: إنك تحب الفتنة.
قال: أنا؟
قال: نعم فلما رأى ابن عمر ما داخل الرجل من ذاك، قال: تحب المال والولد.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق، وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: صدق الله، قال: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما» .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج الحسين بن علي رضي الله عنه فوطئ في ثوب كان عليه فسقط، فبكى، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، فلما رأى الناس أسرعوا إلى الحسين رضي الله عنه يتعاطونه، يعطيه بعضهم بعضاً حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري» .
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الولد فتنة، لقد قمت إليه وما أعقل» والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ [ آل عمران: 102] اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تحفيفاً على المسلمين ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسخت الآية الأولى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ قال: جهدكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ قال: هي رخصة من الله، كان الله قد أنزل في سورة آل عمران ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ [ آل عمران: 102] وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ثم خفف عن عباده، فأنزل الرخصة ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ﴾ قال: السمع والطاعة فيما استطعت يا ابن آدم عليها، بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا.
وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي قال: وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبثنا أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئاً على قوس، فحمد الله، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات، ثم قال: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا كل ما أمرتم به فسددوا وابشروا» .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ قال: في النفقة.
وأخرج عبد بن حميد عن حبيب بن شهاب العنبري أنه سمع أخاه يقول: لقيت ابن عمر يوم عرفة، فأردت أن أقتدي من سيرته، وأسمع من قوله، فسمعته أكثر ما يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشح الفاحش، حتى أفاض، ثم بات بجمع، فسمعته أيضاً يقول ذلك، فلما أردت أن أفارقه قلت يا عبدالله: إني أردت أن أقتدي بسيرتك فسمعتك أكثر ما تقول أن تعوذ من الشح الفاحش قال: وما أبغي أفضل من أن أكون من المفلحين؟
قال الله: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ إن تقرضوا الله ﴾ الآية.
أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني، وشتمني عبدي، وهو لا يدري، يقول وادهراه وادهراه، وأنا الدهر» ثم تلا أبو هريرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم أنه كان يقول إذا سمع السائل يقول: من يقرض الله قرضاً حسناً، قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا القرض الحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس.
أو يريد جميع الحوادث من خير أو شر، وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن إلا أن العموم أحسن منه.
القراءات: ﴿ يوم نجمعكم ﴾ بالنون: رويس.
الباقون: على الغيبة ﴿ نكفر ﴾ و ﴿ ندخله ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الآخرون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ وله الحمد ﴾ ط النوع اختلاف وهو تقديم الخبر على المبتدأ في الأوّل ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مؤمن ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ صوركم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ تعلنون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق الاتصال بالفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ يهدوننا ﴾ ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين ﴿ الله ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ يبعثوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أنزلنا ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ التغابن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ فاحذروهم ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه لا ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله ﴿ له الملك وله الحمد ﴾ لمكان الاختصاص وأن لا ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له.
قلت: لو عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما سبق في " الفاتحة " ﴿ هو الذي خلقكم ﴾ ذا فطرة سليمة.
وقوله ﴿ فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ بحسب الأسباب الخارجية كقوله "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " والكل على وفق المشيئة.
قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر.
والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى عليه.
وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن.
وقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله في ﴿ أحسن ﴾ وسيجيء في " التين " إن شاء الله العزيز.
وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله خلق أكمل منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال والبيان.
وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل أعم أولاً ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال ﴿ ألم يأتكم ﴾ الآية ﴿ ذلك ﴾ الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي ﴿ بأنه ﴾ أي بأن الشان ﴿ كانت ﴾ أي كانت القضية وقد مر نظيره في " حم المؤمن ".
﴿ أبشر ﴾ فاعل فعل محذوف تفسيره ﴿ يهدوننا ﴾ وجمع الضمير لأن البشر اسم جمع ﴿ إنّما أنا بشر ﴾ ﴿ إن نحن إلا بشر ﴾ قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله ﴿ واستغنى الله ﴾ ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.
قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معاً ويلزم منه أن لا يكون الله في الأزل غنياً.
قلت: لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنياً قديماً أو والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل.
قوله ﴿ زعم ﴾ من أفعال القلوب وفيه تقريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات خلافه ويؤيده ما روي عن النبي أنه قال "زعموا مطية الكذاب" و ﴿ أن لن يبعثوا ﴾ في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين.
قال جار الله: ﴿ يوم يجمعكم ﴾ منصوب بقوله ﴿ لتنبؤن ﴾ أو بـ ﴿ خبير ﴾ لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: واله يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار " اذكر " قلت: يجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مبنياً على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ .
سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله ﴿ ليوم الجمع ﴾ الجواب إن كان الخطاب في ﴿ يجمعكم ﴾ لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه الأوّلون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي سلف في نحو قوله ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ ﴿ وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ﴾ ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾ هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله أعلم بمراده.
قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء.
قلت: في تسمية القسم الأخير تغابناً نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه.
واعتذر عنه جار الله بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في التحقيق فيلزم التهكم مثل ﴿ فبشرهم ﴾ وروي عن رسول الله "ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة" ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم وحمل الظالم خطايا المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئاً من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله.
قوله ﴿ ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ كقوله ﴿ وزدناهم هدى ﴾ والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا قلبه إلى حقيقة الإيمان.
وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح.
وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن أعطى شكر وإن ظلم غفر ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعلم درجات القلوب من الإيمان.
ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إيلهن أو المعينة عليهن، ثم الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بيّن الله أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوّك هي التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان.
ومن الأولاد أولاد كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب ﴿ وإن تعفوا ﴾ عنهم إذا أطلعتم منهم على معاداة فإن الله يجازيكم.
وروى أن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت.
عن النبي أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجرة على المنبر فقال: صدق الله ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما.
وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وقال بعض أهل التفسير: أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة.
" وما " للمدة أو للمصدر وقوله ﴿ خيراً لأنفسكم ﴾ نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في آخر " النساء " في قوله ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ وفيه إشارة إلى أن أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدّم لأجل نفسه شيئاً يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه أموالاً عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا بما يغنينا وبالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة؛ فإن كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين: أحدهما: عداوة ظاهرة، وهي عداوة الكفر والشرك؛ وذلك أنه كان في ذلك الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر، فعلمهم الله صحبة الأولاد والزوجات: أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك، فاحذروهم أن تطيعوهم وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه، وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم.
ثم ذكر الله - عز وجل - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا -العفو والصفح، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين، ولكنه أمره أن يصاحبهما في الدنيا معروفا لقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ ، فوجه ذلك - عندنا والله أعلم -: أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده، فأمره هاهنا بالعفو والصفح، وأما في الوالدين فليس يجري [له عليهما] السلطان والقهر والغلبة؛ فلا معنى [للعفو والصفح] عنهما، لكنه أمر [أن يصاحبهما] في الدنيا معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة، وهي عداوة النفاق، فكأنه قال: إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم وأنتم لا تشعرون، وإن تعفوا عن جنايتهم ولم تؤذوهم عليها وتصفحوا وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم؛ ألا ترى إلى ما حذر الله المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل [؛ كما أخبر الله] - عز وجل - عنهم بقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ فكذلك الأزواج والأولاد وإن كانوا تحت قهره [وغلبته، أمره] بالحذر عنهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون على فعل العداوة، ليس أنهم أعداء في الحقيقة، وذلك أنهم في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم، ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس، ويكرهون ذلك، وهذا في الظاهر فعل العدو؛ فيجوز أن يكون الله علم صحبة هؤلاء أن من أزواجهم وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم والتبرع بقولهم، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وقوله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .
المفتون: [هو] المولع بالشيء العاشق له، فكأنه قال: إنما أموالكم وأولادكم معشوقكم؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند الله .
ويحتمل أن يكون معناه: أن الله لم يخلق الأزواج والأولاد لكم مجانا، وإنما خلقهم ليبتليكم، ويمتحنكم: أن كيف تعاملون الله فيما أمركم به ونهاكم عن حبهم، ثم أخبر أن الله عنده أجر عظيم؛ ليتحملوا المؤنة العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال، وهذا معنى ما قال بعضهم: إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم، ويقولون: ننشدك بالله أن [لا] تذرنا وتضيعنا، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة.
والأشبه ألا يكون هذا؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما كانت بمكة، إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ .
قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله : ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة، ولكنه إن كان [فوجهه: أن] ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ وإن هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ ، ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ تخفيفا عليهم وتيسيرا والله أعلم.
ولكن الكلام في أن كيف قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ ولم نكن نتقي لولا هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه -والله أعلم-: على جهة البشارة: أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم الله -تعالى- الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ ﴾ .
وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ استطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول الله جل ثناؤه: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ﴾ ، والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع فهو سواء.
قوله : ﴿ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ ﴾ .
أي: اسمعوا إلى ما أمركم الله به ورسوله.
أو يكون قوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ بمعنى: أجيبوا لما أمركم الله به، وإلى ما دعاكم الله ورسوله؛ كقوله: "سمع الله لمن حمده"، أي أجابه.
وقوله -تعالى-: ﴿ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ ﴾ .
أي: وأنفقوا مما زرقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم والإنفاق مما رزقكم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ .
قال سفيان بين عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم.
[وقال بعضهم: الشح: البخل، الذي فيه الحرص.
قال: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ] أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: ﴿ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ [أن قولوا: وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن] جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير الله -تعالى- وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ فيه أوجه من الدلالة: أحدها: أن قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا بد في ذلك من أحد وجهين: إما أن لم يكن لله النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في خبره.
[فأما المعتزلة فإنهم زعموا] أن الله قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه -كذبة، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن الله [فيما أخبر صادق] وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، والله المستعان.
وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، والحقوق واجبة، وذلك أن الله وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد [يوقي شح نفسه] ويؤدي [حقوق أمواله] ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، والله أعلم.
وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه، وقد وعد الله -عز وجل- أن من وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ، تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة: أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن الله يقول: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ، والشراء يدل على حاجة في المشتري، وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا بذلك أن الله فقير وأنه محتاج.
وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله -تعالى- في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن الله استقرض من عبيده، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة.
والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس لله أن يمرض أحداً ولا يؤلم ذاته إلا بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد.
ويشبه أن يكون ظن [اليهود والمعتزلة] جميعاً إنما تولد من قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقّاً على الله أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، والله المستعان.
وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من الله على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن الله أعطى عبده، ثم استقرض منه ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك اشترى منه حياة فانية؛ [ليعطي له] حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما فيه شرفه أجراً دائماً، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، والله المستعان.
والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، وعلى عمل [على] العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية [الجود والكرم] والله المستعان.
ثم قوله: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ .
قال بعضهم: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئاً من أموالكم لله قطعا حسنا.
وقال بعضهم: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على فقرائكم قرضا حسنا على الله يؤتكم أجره عند حاجتكم إليه.
وقوله: ﴿ يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ .
يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئاً هو أعطاكم إياه.
وقوله: ﴿ حَلِيمٌ ﴾ .
وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وجبت العقوبة، فليس لله أن يؤخرها كرماً منه، وأنه فيما أخرها كان ذلك حقّاً عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقّاً عليه لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يعني: عالم ما غاب من أفعال الخلق عن الملائكة، وعالم بما شهدوا من أفعالهم، وعالم بما غاب عن العباد، وبما شهده العباد.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
[العزيز]: الذي لا يعجزه شيء، والحكيم: الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره، ثم المعتاد في القرآن أنه يذكر العزيز الحكيم بعد ذكره خلق الكفرة؛ ليعلم أن فسادهم لا يوجب وهْناً في حكمته وتدبيره، ولا يبطل عزه وسلطانه؛ لأن من صنع إلى آخر شيئاً يعلم أنه يفسد؛ دل ذلك على جهله بالتدبير وإذا استعمل عبده بما يهلكه؛ دل على ذله فأخبر بعد خلق الكفرة: أنه عزيز ليعلم أن كفرهم لا يوجب نقصا في عزه، ولا يدخل ذلا عليه، وأن فسادهم لا يخرجه عن الحكمة والتدبير، [والله أعلم بالصواب].
إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا؛ بأن تبذلوا من أموالكم في سبيله، يُضاعف لكم الأجر بجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويتجاوز لكم عن ذنوبكم، والله شكور يعطي على العمل القليل الأجر الكثير، حليم لا يعاجل بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.QoErP"