تفسير الآية ١٧ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ١٧ من سورة القلم

إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٧ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة ; ولهذا قال : ( إنا بلوناهم ) أي : اختبرناهم ، ( كما بلونا أصحاب الجنة ) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) أي : حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) يعني تعالى ذكره بقوله: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ) : أي بلونا مشركي قريش، يقول: امتحناهم فاختبرناهم، ( كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) يقول: كما امتحنا أصحاب البستان ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ) يقول: إذ حلفوا ليصرمُنّ ثمرها إذا أصبحوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا بلوناهم يريد أهل مكة .

والابتلاء الاختبار .

والمعنى أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا ; فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم .

وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء - ويقال بفرسخين - وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها ; فلما مات صارت إلى ولده ، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها ; فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها .

قال الكلبي : كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ; ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم .

وقيل : هي جنة بضوران ، وضوران على فرسخ من صنعاء ، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير - وكانوا بخلاء - فكانوا يجدون التمر ليلا من أجل المساكين ، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا : لا يدخلها اليوم عليكم مسكين ، فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها فأصبحت كالصريم ; أي كالليل .

ويقال أيضا للنهار صريم .

فإن كان أراد الليل فلاسواد موضعها .

وكأنهم وجدوا موضعها حمأة .

وإن كان أراد بالصريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه .

وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها .

فيقال : إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم ; ولذلك سميت الطائف .

وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها .

وقال البكري في المعجم : [ ص: 222 ] سميت الطائف لأن رجلا من الصدف يقال له الدمون ، بنى حائطا وقال : قد بنيت لكم طائفا حول بلدكم ; فسميت الطائف .

والله أعلم .الثانية : قال بعض العلماء : على من حصد زرعا أو جد ثمرة أن يواسي منها من حضره ; وذلك معنى قوله : وآتوا حقه يوم حصاده وأنه غير الزكاة على ما تقدم في " الأنعام " بيانه .

وقال بعضهم : وعليه ترك ما أخطأه الحاصدون .

وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم من هذا .

وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل .

فقيل : إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق .

وتأول من قال هذا الآية التي في سورة " ن والقلم " .

قيل : إنما نهي عن ذلك خشية الحيات وهوام الأرض .قلت : الأول أصح ; والثاني حسن .

وإنما قلنا الأول أصح لأن العقوبة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى .

روى أسباط عن السدي قال : كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا ، وكان إذا بلغ ثماره أتاه المساكين فما يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزودوا ; فلما مات قال بنوه بعضهم لبعض : علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين !

تعالوا فلندلج فنصرمنها قبل أن يعلم المساكين ، ولم يستثنوا ، فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض خفتا : لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ; فذلك قوله تعالى : إذ أقسموا يعني حلفوا فيما بينهم " ليصرمنها مصبحين " يعني لنجذنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين ; ولا يستثنون ; يعني لم يقولوا إن شاء الله .

وقال ابن عباس : كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين ، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة بنين ، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم ، فإذا طرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين ، فإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين ، فإذا درسوا كان لهم كل شيء انتثر ; فكان أبوهم يتصدق منها على المساكين ، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين ، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم .

فقالوا : قل المال وكثر العيال ; فتحالفوا بينهم ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصرمنها ولا تعرف المساكين .

وهو قوله : إذ أقسموا ؛ أي حلفوا " ليصرمنها " ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم .

والصرم القطع .

يقال : صرم العذق عن النخلة .

وأصرم النخل أي حان وقت [ ص: 223 ] صرامه .

مثل أركب المهر وأحصد الزرع ، أي حان ركوبه وحصاده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجًا لهم من حيث لا يشعرون فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا بلوناهم ) يعني : اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع ( كما بلونا ) ابتلينا ( أصحاب الجنة ) روى محمد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : في قوله - عز وجل - : " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة " قال : كان بستان باليمن يقال له الضروان دون صنعاء بفرسخين ، يطؤه أهل الطريق ، كان غرسه قوم من أهل الصلاة ، وكان لرجل فمات فورثه ثلاثة بنين له ، وكان يكون للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم يجزه وإذا طرح من فوق النخل إلى البساط فكل شيء يسقط على البساط فهو أيضا للمساكين ، وإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا فلما مات الأب وورثه هؤلاء الإخوة [ عن أبيهم ] فقالوا : والله إن المال لقليل ، وإن العيال لكثير وإنما كان هذا الأمر يفعل إذ كان المال كثيرا والعيال قليلا فأما إذا قل المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل هذا فتحالفوا بينهم يوما ليغدون غدوة قبل خروج الناس فليصرمن نخلهم ولم يستثنوا يقول : لم يقولوا إن شاء الله فغدا القوم بسدفة من الليل إلى جنتهم ليصرموها قبل أن يخرج المساكين ، فرأوها مسودة وقد طاف عليها من الليل طائف من العذاب فأحرقها فأصبحت كالصريم فذلك قوله - عز وجل - : ( إذ أقسموا ) حلفوا ( ليصرمنها مصبحين ) ليجذنها وليقطعن ثمرها إذا أصبحوا قبل أن يعلم المساكين

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا بلوناهم» امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع «كما بلونا أصحاب الجنة» البستان «إذ أقسموا ليصرمنَّها» يقطعون ثمرتها «مصبحين» وقت الصباح كي لا يشعر بهم المساكين فلا يعطونهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا اختبرنا أهل "مكة" بالجوع والقحط، كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا فيما بينهم، ليقطعُنَّ ثمار حديقتهم مبكِّرين في الصباح، فلا يَطْعَم منها غيرهم من المساكين ونحوهم، ولم يقولوا: إن شاء الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبمناسبة الحديث السابق الذى فيه إشارة إلى المال والبنين ، اللذين كانا من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم .

.

ساق القرآن بعد ذلك قصة أصحاب الجنة ، لتكون موعظة وعبرة كل عاقل ، فقال - تعالى - :( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة .

.

.

) .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا مثل ضربة الله - تعالى - لكفار قريش ، فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمحاربة .

.وقد ذكر بعض السلف : أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من قرية يقال لها : " ضَرَوان " على ستة أميال من صنعاء .

.

وكان أبوهم قد ترك لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل .فلما مات وورثه أولاده ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق ، إذ كان يصرف من هذه الجنة شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا ، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فقد أذهب الله ما بأيديهم بالكلية : أذهب رأس المال ، والربح .

.

فلم يبق لهم شئ .

.وقوله - سبحانه - : ( بَلَوْنَاهُمْ ) أى : اختبرناهم وامتحناهم ، مأخوذ من البلوى ، التى تطلق على الاختبار ، والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر ، كما قال - تعالى - : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) والمراد بالابتلاء هنا : الابتلاء بالشر بعد جحودهم لنعمة الخير .أى : إنا امتحنا مشركى قريش بالقحط والجوع .

حتى أكلوا الجيف ، بسبب كفرهم بنعمنا ، وتكذيبهم لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما ابتلينا من قبلهم أصحاب الجنة ، بأن دمرناها تدميرا ، بسبب بخلهم وامتناعهم عن أداء حقوق الله منها .

.ويبدو أن قصة أصحاب الجنة ، كانت معروفة لأهل مكة ، ولذا ضرب الله - تعالى - المثل بها .

حتى يعتبروا ويتعظوا .

.ووجه المشابهة بين حال أهل مكة ، وحال أصحاب الجنة .

.

يتمثل فى أن كلا الطرفين قد منحه الله - تعالى - نعمة عظيمة ، ولكنه قابلها بالجحود وعدم الشكر .و ( إذ ) فى قوله : ( إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِين .

.

) تعليلية .والضمير فى ( أَقْسَمُواْ ) يعود لمعظمهم ، لأن الآيات الآتية بعد ذلك ، تدل على أن أوسطهم قد نهاهم عما اعتزموه من حرمان المساكين ، ومن مخالفة ما يأمرهم شرع الله - تعالى - به .

.قال - تعالى - : ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ .

.

) .وقوله : ( لَيَصْرِمُنَّهَا ) من الصرم وهو القطع .

يقال : صرم فلان زرعه - من باب ضرب - إذا جَزّه وقطعه ، ومنه قولهم : انصرم حبل المودة بين فلان وفلان ، إذا انقطع .وقوله : ( مُصْبِحِينَ ) أى : داخلين فى وقت الصباح المبكر .أى : إنا امتحنا أهل مكة بالبأساء والضراء ، كما امتحنا أصحاب البستان الذين كانوا قبلهم ، لأنهم أقسموا بالأيمان المغلظة ، ليقطعن ثمار هذا البستان فى وقت الصباح المبكر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوسم أثر الكية وما يشبهها، يقال: وسمته فهو موسوم بسمة يعرف بها إما كية، وإما قطع في أذن علامة له.

المسألة الثانية: قال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف، وإنما ذكر هذا اللفظ على سبيل الاستخفاف به، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء الموضوعة، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافاً، كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر.

المسألة الثالثة: الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم موضع من الوجه.

المسألة الرابعة: منهم من قال: هذا الوسم يحصل في الآخرة، ومنهم من قال: يحصل في الدنيا، أما على القول الأول: ففيه وجوه أولها: وهو قول مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء: أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول النار، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض.

وثانيها: أن الله تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل القيامة، إنه كان غالياً في عداوة الرسول، وفي إنكار الدين الحق.

وثالثها: أن في الآية احتمالاً آخر عندي، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفة والحمية، فلما كان منشأ هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم ﴾ ، وأما على القول الثاني: وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه: أحدها: قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش.

وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.

وثانيها: أن معنى هذا الوسم أنه يصير مشهوراً بالذكر الرديء والوصف القبيح في العالم، والمعنى سنلحق به شيئاً لا يفارقه ونبين أمره بياناً واضحاً حتى لا يخفى كما لا تخفى السمة على الخراطيم، تقول العرب للرجل الذي تسبه في مسبة قبيحة باقية فاحشة: قد وسمه ميسم سوء، والمراد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه كما أن السمة لا تنمحي ولا تزول ألبتة، قال جرير: لما وضعت على الفرزدق ميسمي *** وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل يريد أنه وسم الفرزدق (والبعيث) وجدع أنف الأخطل بالهجاء أي ألقى عليه عاراً لا يزول، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة في مذمة الوليد بن المغيرة بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم، ومما يشهد لهذا الوجه قول من قال في ﴿ زَنِيمٍ ﴾ إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.

وثالثها: يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد: تظل يومك في لهو وفي طرب *** وأنت بالليل شراب الخراطيم فعلى هذا معنى الآية: سنحده على شرب الخمر وهو تعسف، وقيل للخمر الخرطوم كما يقال لها السلافة، وهي ما سلف من عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .

﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.

أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.

وعن الحسن.

يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.

والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.

والخير: المال.

أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.

قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.

وعنه: أنه أبو جهل.

وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.

وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.

قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.

وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.

ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.

والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.

أي: ليساره وحظه من الدنيا.

ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.

وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟

على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.

أو أتطيعه لأن كان ذا مال.

وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.

وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.

وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.

وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.

وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.

وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.

وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.

وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.

وهي ما سلف من عصير العنب.

أو لأنها تطير في الخياشيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ قالَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِأنَّهُ كانَ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ مِن فَرْطِ غُرُورِهِ، لَكِنَّ العامِلَ مَدْلُولُ قالَ لا نَفْسُهُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِ لا تُطِعْ أيْ لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مِثالُهُ لِأنْ كانَ ذا مالٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «أنْ كانَ» عَلى الِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ عامِرٍ جَعَلَ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ أيْ «ألَأنْ كانَ ذا مالٍ» كَذَبَ، أوْ أتُطِيعُهُ لِأنْ كانَ ذا مالٍ.

وقُرِئَ «إنْ كانَ» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ شَرْطَ الغِنى في النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ كالتَّعْلِيلِ بِالفَقْرِ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ، أوْ «أنْ» شَرْطُهُ لِلْمُخاطَبِ أيْ لا تُطِعْهُ شارِطًا يَسارَهُ لِأنَّهُ إذا أطاعَ لِلْغَنِيِّ فَكَأنَّهُ شَرَطَهُ في الطّاعَةِ.

﴿ سَنَسِمُهُ ﴾ بِالكَيِّ.

﴿ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ عَلى الأنْفِ وقَدْ أصابَ أنْفَ الوَلِيدِ جِراحَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَقِيَ أثَرُهُ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ أنْ يُذِلَّهُ غايَةَ الإذْلالِ كَقَوْلِهِمْ: جُدِعَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ، لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ سِيَّما عَلى الأنْفِ شَيْنٌ ظاهِرٌ، أوْ نُسَوِّدَ وجْهَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا بلوناهم} امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع حتى أكلوا الجيف والرمم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف {كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة} هم قوم من أهل الصلات كانت لأبيهم هذه الجنة بقربة يقال لها ضرو أن وكانت على فرسخين من صنعاء وكان يأخذ منها قوت سلته ويتصدق بالباقي على الفقراء فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الامر ونحن أولو عيال فخلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خيفة من المساكين ولم يستثنوا في يمينهم فأحرق الله جنتهم وقال الحسن كانوا كفاراً والجمهور على الأول {إِذْ أَقْسَمُواْ} حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا} ليقطعن ثمرها {مُّصْبِحِينَ} داخلين في الصبح قبل انتشار الفقراء حال من فاعل لَيَصْرِمُنَّهَا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ أيْ أصَبْنا أهْلَ مَكَّةَ بِبَلِيَّةٍ وهي القَحْطُ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  وقَوْلُهُ: ««اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتْكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»» .

﴿ كَما بَلَوْنا ﴾ أيْ مِثْلَ ما بَلَوْنا، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(ما مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ بِمَعْنى الَّذِي أيْ كالبَلاءِ الَّذِي بَلَوْناهُ ﴿ أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ المَعْرُوفِ خَيْرُها عِنْدَهم كانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ بِالقُرْبِ مِنهم قَرِيبًا مِن صَنْعاءَ لِرَجُلٍ كانَ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعالى مِنها فَماتَ فَصارَتْ إلى ولَدِهِ فَمَنَعُوا النّاسَ خَيْرَها وبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنها، فَكانَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وكانَتْ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِأرْضٍ في اليَمَنِ يُقالُ لَها صَوْرانُ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ سِتَّةُ أمْيالٍ.

.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وكانَ يُطْعِمُ مِنها المَساكِينَ فَماتَ فَقالَ بَنُوهُ: إنْ كانَ أبُونا لَأحْمَقَ حِينَ يُطْعِمُ المَساكِينَ فَأقْسَمُوا عَلى أنْ لا يُطْعِمُوا مِنها مِسْكِينًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ يُمْسِكُ قُوتَ سَنَتِهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، وكانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ فَلَمّا ماتَ أقْسَمُوا عَلى مَنعِ المَساكِينِ.

وفِي رِوايَةٍ أنَّها كانَتْ لِرَجُلٍ صالِحٍ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ وكانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما أخْطَأهُ المِنجَلُ وما في أسْفَلِ الأكْداسِ وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ وما بَقِيَ عَلى البِساطِ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صَرُمَتْ فَكانَ يَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ فَلَمّا ماتَ قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ ونَحْنُ أُولُو عِيالٍ فَحَلَفُوا لِيَصْرِمُنَّها وقْتَ الصَّباحِ خُفْيَةً عَنِ المَساكِينِ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إذْ أقْسَمُوا ﴾ مَعْمُولُ لَبَلَوْنا ﴿ لَيَصْرِمُنَّها ﴾ لِيَقْطَعَنَّ مِن ثِمارِها بَعْدَ اسْتِوائِها ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ وهَذا حِكايَةٌ لِقَسَمِهِمْ لا عَلى مَنطُوقِهِمْ وإلّا لَقِيلَ لَنَصْرُمَنَّها بِنُونِ المُتَكَلِّمِينَ وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزٌ في مِثْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.

وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.

وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.

ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.

نزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.

ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.

ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.

وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.

ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.

مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.

قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.

بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.

وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...

كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.

وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ  قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.

قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.

وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.

الغَلِيظُ.

وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.

وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.

ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.

ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.

وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.

ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.

وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.

والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟

فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟

فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١» ، قَالَ أبو عيسى:

هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد» :

قال الله- عز وجل- لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.

وقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣» ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.

وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ

يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.

وقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١» ، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢» ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣» ، قال منذر بن سعيد:

وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤» ، وقال- عليه الصَّلاةُ والسّلام-:

«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦» ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.

وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.

الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.

وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.

ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.

والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.

والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!

"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟

فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.

وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.

وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..

ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ  بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟

وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟

وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟

وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟

ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.

وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ  ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.

و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.

و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟

قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.

و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني جواباً لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصفوا بها أن يسأل السامع: ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من الله على ما أتوه من القبائح والاجتراء على ربِّهم.

وضمير المفرد الغائب في قوله: ﴿ سنسمه ﴾ عائد إلى كُل حلاّف باعتبار لفظه وإن كان معناه الجماعات فإفراد ضميره كإفراد ما أضيف إليه ﴿ كلَّ ﴾ [القلم: 10] من الصفات التي جاءت بحالة الإِفراد.

والمعنى: سنسم كل هؤلاء على الخراطيم، وقد علمت آنفاً أن ذلك تعريض بمعيّن بصفة قوله: ﴿ أساطير الأولين ﴾ [القلم: 15] وبأنه ذو مال وبنين.

و ﴿ الخرطوم ﴾ : أريد به الأنف.

والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل.

وقد خلط أصحاب اللّغة في ذكر معانيه خلطاً لم تتبين منه حقيقته من مجازه.

وذكر الزمخشري في «الأساس» معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقي، وانبهم كلامه في «الكشاف» إلاّ أن قوله فيه: وفي لفظ ﴿ الخُرطوم ﴾ استخفاف وإهانة، يقتضي أن إطلاقه على أنف الإِنسان مجاز مرسل، وجزم ابن عطية: أن حقيقة الخرطوم مَخْطَممِ السَبع أي أنف مثل الأسد، فإطلاق الخرطوم على أنف الإِنسان هنا استعارة كإِطلاق المِشفر وهو شفة البعير على شفة الإِنسان في قول الفرزدق: فلو كنتَ ضبيّاً عرفتَ قرابتي *** ولكنَّ زنجيّ غَليظُ المشافر وكإطلاق الجحفلة على شفة الإِنسان (وهي للخيل والبغال والحمير) في قول النابغة يهجو لبيد بنَ ربيعة: ألا مَن مبلغٌ عني لبيداً *** أبا الوَرداء جَحْفَلةَ الأَتان والوسم للإبل ونحوها، جعل سِمة لها أنها من مملوكات القبيلة أو المالك المعيَّن.

فالمعنى: سنعامله معاملةً يُعرف بها أنه عبدُنا وأنه لا يغني عنه ماله وولده منا شيئاً.

فالوسم: تمثيل تتبعه كناية عن التمكن منه وإظهار عجزه.

وأصل (نسمه) نَوْسِمه مثل: يَعِد ويَصِل.

وذِكر الخرطوم فيه جمع بين التشويه والإِهانة فإن الوسم يقتضي التمكن وكونَه في الوجه إذلالاً وإهانة، وكونه على الأنف أشد إذلالاً، والتعبير عن الأنف بالخرطوم تشويه، والضرب والوسم ونحوهما على الأنف كناية عن قوة التمكن وتمام الغلبة وعجز صاحب الأنف عن المقاومة لأن الأنف أبرز ما في الوجه وهو مجرى النفَس، ولذلك غلَب ذكر الأنف في التعبير عن إظهار العزة في قولهم: شمخ بأنفه، وهُو أشمّ الأنف، وهُم شمّ العرانين، وعبر عن ظهور الذلة والاستكانة بكسر الأنف، وجَدْعِه، ووقوعه في التراب في قولهم: رَغِم أنفه، وعلَى رغْم أنفه، قال جرير: لما وَضَعْت على الفرزدق ميسَمي *** وعلى البعيث جَدَعْتُ أنفَ الأخطل ومُعظم المفسرين على أن المعنيَّ بهذا الوعيد هو الوليد بن المغيرة.

وقال أبو مسلم الأصفهاني في تفسيره قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ هو ما ابتلاه الله به في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار.

يريد: ما نالهم يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة.

وعن ابن عباس معنى ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ سنخطمه بالسيف قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه بالسيف يوم بدر فلم يزل مخطوماً إلى أن مات ولم يعيّن ابن عباس من هو.

وقد كانوا إذا ضربوا بالسيوف قصدوا الوجوه والرؤوس.

قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر لعمر بن الخطاب لما بلغه قول أبي حذيفة لئن لقيتُ العباس لألجمنَّه السيفَ، فقال رسول الله: «يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟».

وقيل هذا وعيد بتشويه أنفه يوم القيامة مثل قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه ﴾ [آل عمران: 106] وجعل تشويهه يومئذٍ في أنفه لأنه إنما بالغ في عداوة الرسول والطعن في الدين بسبب الأنفة والكبرياء، وقد كان الأنف مظهر الكِبر ولذلك سمي الكِبر أنفة اشتقاقاً من اسم الأنف فجعلت شوهته في مظهر آثار كبريائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: ودُّوا لَوْ تَضْعُفُ فَيَضْعُفُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

الثّالِثُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الخامِسُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنْ تَذْهَبَ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي أصْلِ المُداهَنَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُجامَلَةُ العَدُوِّ ومُمايَلَتُهُ، قالَ الشّاعِرُ لَبَعْضُ الغَشْمِ أحُزْمُ أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ.

الثّانِي: أنَّها النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحَةِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، فَهي عَلى هَذا الوَجْهِ مَذْمُومَةٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الضَّعِيفُ القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِكْثارُ مِنَ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الذَّلِيلُ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ الحِنْثُ.

وَفي مَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ  مالًا وحَلَفَ أنْ يُعْطِيَهُ إنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَتّانُ الطَّعّانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَلْوِي شِدْقَيْهِ مِن وراءِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَهْمِزُهم بِيَدِهِ ويَضْرِبُهم دُونَ لِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَنْقُلُ الأحادِيثَ مِن بَعْضِ النّاسِ إلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَسْعى بِالكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَوْلى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيَةً بِنَمِيمٍ.

وَفِي النَّمِيمِ والنَّمِيمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ النَّمِيمَ جَمْعُ نَمِيمَةٍ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحُقُوقِ مِن ظُلْمٍ.

الثّانِي: الإسْلامُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ.

﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِهِ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ، هو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وفِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُتُلَّ الفاحِشُ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ  : الثّانِي: أنَّهُ القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الوَفِيرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو رُزَيْنٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجافِي الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الأسْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الباغِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَعْتِلُ النّاسَ، أيْ يَجُرُّهم إلى الحَبْسِ أوِ العَذابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَتْلِ وهو الجَرُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ  ﴾ .

الثّامِنُ: هو الفاحِشُ اللَّئِيمُ، قالَهُ مَعْمَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَعْتَلِ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٌ ∗∗∗ غَيْرُ ذِي نَجْدَةٍ وغَيْرُ كَرِيمِ.

التّاسِعُ: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا العُتُلُّ الزَّنِيمُ فَقالَ رَجُلٌ: ما الجَوّاظُ وما الجَعْظَرِيُّ وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  اَلْجَوّاظُ الَّذِي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ الغَلِيظُ، والعُتُلُّ الزَّنِيمُ الشَّدِيدُ الخَلْقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، المُصَحِّحُ الأكُولُ الشَّرُوبُ الواجِدُ لِلطَّعامِ، الظَّلُومُ لِلنّاسِ)» .

وأمّا الزَّنِيمُ فَفِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ، رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّهُ الظَّلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ طَلْحَةَ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفاحِشُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ كانَ لَهُ أسْفَلَ مِن أُذُنِهِ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ لِأنَّهُ حَلِيفٌ مُلْحَقٌ ولِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.

الخامِسُ: أنَّهُ ولَدُ الزِّنى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الدَّعِيُّ، قالَ الشّاعِرُ زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالأُبْنَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّامِنُ: أنَّهُ عَلامَةُ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.

﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَتْ لَهُ حَدِيقَةٌ بِالطّائِفِ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا، حَكاهُ الضَّحّاكُ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: المالُ والبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ وأباطِيلَهم.

﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِمَةٌ سَوْداءُ تَكُونُ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَيَّزُ بِها الكافِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ يُضْرَبُ في النّارِ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إشْهارٌ ذَكَّرَهُ بِالقَبائِحِ، فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِالذِّكْرِ لا بِالأثَرِ.

الرّابِعُ: هو ما يَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: فَدَعْها وما يُغْنِيكَ واعْمُدْ لِغَيْرِها ∗∗∗ بِشِعْرِكَ واغْلِبْ أنْفَ مَن أنْتَ واسْمُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هو مِنَ النّاسِ الأنْفُ، ومِنَ البَهائِمِ الشَّفَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟

قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.

وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.

قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.

واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.

قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.

وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .

قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) قال مقاتل: وهذا مثل ضربه الله لكفار مكة ليعتبروا فيرجعوا، وهو قوله: ﴿ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّة ﴾ (٥) (٦) (٧) قال سعيد بن جبير: على اثني عشر ميلًا منها (٨) (٩) قوله: ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ حلفوا ليقطعن ثمر نخلهم إذا أصبحوا بسُدفة (١٠) (١١) (١٢) ويقال: قد صرم العذق عن النخلة وأرم النخل إذا حان وقت صرامه (١٣) (١) (كما بلونا) ساقطة من (س).

(٢) اليمن: تشرف على البحر الأحمر والمحيط الهندي، ويطلق عليها بلاد العرب السعيد أو الخضراء، وسميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ابن عباس: تفرقت العرب، فمن تيامن منهم سميت اليمن وهي أيمن الأرض فسميت اليمن.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 447، و"دراسات تاريخية: العرب وظهور الإسلام" ص 5.

(٣) (س): (والرفاع) زيادة.

والمراد به رفع المحصول في المخازن.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 379، من رواية الكلبي عن ابن عباس.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 163 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 239.

(٦) في (س): (تسمى) زيادة.

(٧) صنعاء: نسبة إلى جودة الصنعة في ذاتها.

كان اسمها أزال، فلما وافتها الحبشة قالوا: هذه صنعة، ومعناه: حصينة، فسميت صنعاء بذلك.

وبينها وبين عدن ثمانية وستون ميلًا، وهي شبيهة بدمشق في كثرة المياه والفواكه.

"معجم البلدان" 3/ 425.

(٨) أخرج ابن جرير، وعبد الرزاق وغيرهما بلفظ: (هي أرض باليمن يقال لها: ضروان، بينها وبين صنعاء ستة أميال).

انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 406، و"فتح الباري" 8/ 662.

(٩) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 167 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 379، والفرسخ السكون.

ثلاثة أميال أو ستة، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن.

(١٠) السُّدفة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة.

"اللسان" 2/ 121 (سدف).

(١١) في (س): (وكان آبائهم يخبرون المساكين) زيادة.

(١٢) في (ك): (جنتكم)، وانظر: "تفسير مقاتل" 163 أ.

(١٣) انظر: "اللسان" 2/ 434 (صرم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ المداهنة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، ورُوي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على تدهن قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم يدهنون ﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل ﴿ مَّهِينٍ ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل قال ابن عطية: هو من مهن إذا ضعف، فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري: هو من المهانة وهي الذلة والحقارة وقال ابن عباس: المهين الكذاب ﴿ هَمَّازٍ ﴾ هو الذي يعيب الناس ﴿ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أي كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة بمعنى واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي شحيح، لأن الخير هنا هو المال.

وقيل: معناه مناع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ هو من العدوان وهو الظلم ﴿ أَثِيمٍ ﴾ من الإثم وهو ارتكاب المحرمات ﴿ عُتُلٍّ ﴾ أي غليظ الجسم، قاسي القلب بعيد الفهم، كثير الجهل ﴿ زَنِيمٍ ﴾ أي ولد زنا؛ وقيل: هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي تتعلق في حلقها، وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال.

وقيل: ظلوم، وقيل: لئيم وقوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان، واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معين، بل كل من اتصف بها، وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل: أبو جهل، وقيل: الأخنس بن شريق، ويؤيد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس: عرفناه بزنمته وكان لقيطاً من ثقيف، ويعدُّ في بني زهرة، فيصح وصفه بزنيم على القولين، وقيل: الأسود بن عبد يغوث ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله: ﴿ لاَ تُطِعْ ﴾ أي لا تطعه بسبب كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في القرآن أساطير الأولين، لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل في ﴿ أن كان ﴾ على هذا فعل من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه قال الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، والأول أظهر، وقد تقدم معنى أساطير الأولين ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم ﴾ أصل الخرطوم: أنف السبع ثم استعير للإنسان استخفافاً به، وتقبيحاً له والمعنى نجعل له سمة.

وهي العلامة على الخرطوم، واختلف في هذه السمة قيل: هي الضربة بالسيف يوم بدر، وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم.

وقيل: علامة تجعل على أنفه يوم القيامة ليعرف بها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .

قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.

وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟

وأيكم الضال؟

إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.

وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله  هو المفتون، ورسول الله  يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.

ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله  ، ورسول الله  يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .

ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله  عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله  ] ولكن الله  لما امتحن رسوله  بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله  الجواب عنه بقوله -  - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله  بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله  ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله  أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.

ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله  الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله  فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.

وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله  ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.

ثم رسول الله  كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله  مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله  يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ  ﴾ ، فأخبر -  - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .

يخرج على هذا - إن شاء الله  -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله  لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.

وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .

قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله  فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله  ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.

وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد  من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله  .

ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].

ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.

ثم لا يجوز أن يكون رسول الله  يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.

وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله  .

والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.

والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله  ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.

ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله  .

وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله]  الواجبة في ماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .

أي: معتد حدود الله  ، أو ظالم لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .

الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .

العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.

وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟

فقال رسول الله  : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.

واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟

*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.

ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.

ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!

فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.

والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .

فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله  ؟!

ثم أخبر عن معاملته رسول الله  بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ  ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .

قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله  وعظيم أذاه له.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله  في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ  ﴾ .

وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا اختبرنا هؤلاء المشركين بالقحط والجوع، كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا ليقطعن ثمارها وقت الصباح مسارعين حتَّى لا يطعم منها مسكين.

<div class="verse-tafsir" id="91.1k2aN"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله