تفسير الآية ٢١ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٢١ من سورة القلم

فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ ٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢١ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) يقول تعالى ذكره: فتنادى هؤلاء القوم وهم أصحاب الجنة.

يقول: نادى بعضهم بعضا مصبحين يقول: بعد أن أصبحوا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فتنادوا مصبحين ينادي بعضهم بعضا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا تنادوا فيما بينهم، لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فتنادوا مصبحين ) نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فتنادوا مصبحين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فنادى بعضهم بعضًا وقت الصباح: أن اذهبوا مبكرين إلى زرعكم، إن كنتم مصرِّين على قطع الثمار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يصور - سبحانه - أحاسيسهم وحركاتهم ، وقد خرجوا لينفذوا ما عزموا عليه من سوء .

.

فيقول : ( فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ ) أى : فنادى بعضهم بعضا فى وقت الصباح المبكر ، حتى لا يراهم أحد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ ﴾ أي عذاب من ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً أي طرقها طارق من عذاب الله، قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت وهم نائمون فأصبحت الجنة كالصريم.

واعلم أن الصريم فعيل، فيحتمل أن يكون بمعنى المفعول، وأن يكون بمعنى الفاعل وهاهنا احتمالات أحدها: أنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمر وإن حصل الاختلاف في أمور أخر، فإن الأشجار إذا احترقت فإنها لا تشبه الأشجار التي قطعت ثمارها، إلا أن هذا الاختلاف وإن حصل من هذا الوجه، لكن المشابهة في هلاك الثمر حاصلة.

وثانيها: قال الحسن: أي صرم عنها الخير فليس فيها شيء، وعلى هذين الوجهين الصريم بمعنى المصروم.

وثالثها: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه الصرائم، وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال، وهي لا تنبت شيئاً ينتفع به.

ورابعها: الصبح يسمى صريماً لأنه انصرم من الليل، والمعنى أن تلك الجنة يبست وذهبت خضرتها ولم يبق فيها شيء، من قولهم: بيض الإناء إذا فرغه.

وخامسها: أنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، والليل يسمى صريماً وكذا النهار يسمى أيضاً صريماً، لأن كل واحد منهما ينصرم بالآخر، وعلى هذا الصريم بمعنى الصارم، وقال قوم: سمي الليل صريماً، لأنه يقطع بظلمته عن التصرف وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل، وقال آخرون: سميت الليلة بالصريم، لأنها تصرم نور البصر وتقطعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عرضةلأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] .

﴿ مُّهِينٍ ﴾ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز.

أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس ﴿ هَمَّازٍ ﴾ عياب طعان.

وعن الحسن.

يلوى شدقيه في أقفية الناس ﴿ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم.

والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب: تَشَبَّبِي تَشَبُّبَ النَّمِيمَهْ ** تَمْشِي بِهَا زَهْرَا إِلَى تَمِيمَهْ ﴿ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ ﴾ بخيل.

والخير: المال.

أو مناع أهه الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير.

قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسراً، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس.

وعنه: أنه أبو جهل.

وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.

وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أَثِيمٍ ﴾ كثير الآثام ﴿ عُتُلٍّ ﴾ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما عدّ له من المثالب والنقائص ﴿ زَنِيمٍ ﴾ دعي.

قال حسان: وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي ءَالِ هَاشِم ** كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده.

وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها.

ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» و ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ نظير (ثم) في قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] وقرأ الحسن: ﴿ عتل ﴾ رفعاً على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك.

والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ ﴾ يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كل ذا مال.

أي: ليساره وحظه من الدنيا.

ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولاً مستظهراً بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه ﴿ قَالَ ﴾ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب.

وقرئ: ﴿ أأن كان ﴾ ؟

على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب.

أو أتطيعه لأن كان ذا مال.

وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة.

وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين.

وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد: وسم العباس أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الوجوه» فوسمها في جواعرها وفي لفظ ﴿ الخرطوم ﴾ استخفاف به واستهانة.

وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم.

وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه.

وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعاً، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.

وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف.

وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة.

وهي ما سلف من عصير العنب.

أو لأنها تطير في الخياشيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ بَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ- شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى- بِالقَحْطِ.

﴿ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ يُرِيدُ البُسْتانَ الَّذِي كانَ دُونَ صَنْعاءَ بِفَرْسَخَيْنِ، وكانَ لِرَجُلٍ صالِحٍ وكانَ يُنادِي الفُقَراءَ وقْتَ الصِّرامِ ويَتْرُكُ لَهم ما أخْطَأهُ المِنجَلُ وألْقَتْهُ الرِّيحُ، أوْ بَعُدَ مِنَ البِساطِ الَّذِي يُبْسَطُ تَحْتَ النَّخْلَةِ فَيَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمّا ماتَ قالَ بَنُوهُ إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُهُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ، فَحَلَفُوا لَيَصْرِمُنَّها وقْتَ الصَّباحِ خُفْيَةً عَنِ المَساكِينِ كَما قالَ: ﴿ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ لَيَقْطَعْنَها داخِلِينَ في الصَّباحِ.

﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ ولا يَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وإنَّما سَمّاهُ اسْتِثْناءً لِما فِيهِ مِنَ الإخْراجِ غَيْرَ أنَّ المُخْرَجَ بِهِ خِلافُ المَذْكُورِ والمُخْرَجَ بِالِاسْتِثْناءِ عَيْنِهِ، أوْ لِأنَّ مَعْنى لا أُخْرِجُ إنْ شاءَ اللَّهُ ولا أُخْرِجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واحِدٌ، أوْ ولا يَسْتَثْنُونَ حِصَّةَ المَساكِينِ كَما كانَ يُخْرِجُ أبُوهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فتنادوا مصبحين} نادى بعضم بعضاً عند الصباح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كالرَّمادِ الأسْوَدِ وهو بِهَذا المَعْنى لُغَةُ خُزَيْمَةَ، وعَنْهُ أيْضًا الصَّرِيمُ رَمَلَةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تُنْبِتُ شَيْئًا.

.

وقالَ مُؤَرَّجٌ كالرَّمَلَةِ انْصَرَمَتْ مِن مُعْظَمِ الرَّمْلِ وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يَنْفَعُ وقالَ مُنْذِرٌ والفِراءُ وجَماعَةٌ: الصَّرِيمُ اللَّيْلُ، والمُرادُ أصْبَحَتْ مُحْتَرِقَةً تُشْبِهُ اللَّيْلَ في السَّوادِ وقالَ الثَّوْرِيُّ: كالصُّبْحِ مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ وقالَ بَعْضُهم يُسَمّى كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ صَرِيمًا لِانْصِرامِ كُلٍّ عَنْ صاحِبِهِ وانْقِطاعِهِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ لدينه.

ثم قال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وذلك أنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه، فقال: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ بوحدانية الله تعالى.

وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيميلون إليك.

وقال السدي: وَدُّواْ لو تكفر فيكفرون وقال القتبي: ودوا لو تدهن في دينك فيداهنون في أديانهم.

وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة، ويعبدون الله مدة.

ثم قال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ يعني: كذاباً في دين الله والحلاف: مكثار الحلف، مَهِينٍ ضعيف فاجر.

نزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال القتبي: المهين: الحقير الدنيء، وقال الزجاج: وهو فعيل من المهانة، وهي القلة.

ومعناه في هذا الموضع: القلة في الرأي والتمييز.

ثم قال: هَمَّازٍ يعني: الوليد بن المغيرة، طعّان، لعّان، مغتاب، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: يمشي بين الناس بالنميمة.

وقال القتبي: هَمَّازٍ يعني: عياب ثم قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا ينتفع بماله لنفسه، وكان ينفق أمواله على غيره.

ويقال: معناه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: التوحيد، ويمنع الناس عن التوحيد.

مُعْتَدٍ يعني: ظلوماً لنفسه أَثِيمٍ يعني: فاجراً.

قوله تعالى: عُتُلٍّ يعني: شديد الخصومة بالباطل، ويقال: عُتُلٍّ يعني: أكول شروب صحيح الجسم رحيب البطن.

بَعْدَ ذلِكَ يعني: مع ذلك زَنِيمٍ يعني: ملصق.

وقال ابن عباس: الزنيم: الدعي الملصق، ويستدل بقول القائل: زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَة ...

كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الأَدِيمِ الأَكَارِعُ ويقال: الزنيم: الشديد الخلق.

وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، يرفعه إلى النبيّ  قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوَّاظٌ وَلاَ جَعْظَرِيٌّ وَلاَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ.

قَالَ: أَمَّا الجَوَّاظُ، فَالَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ وَتَدْعُوهُ لَظَى نَزَاعَة للشَّوَى» ، أَيْ: الشَّدِيدَ الخُلُقِ رَحِيبَ الجَوْفِ.

وَأمَّا الجَعْظَرِيُّ، فَالفَظُّ.

الغَلِيظُ.

وَأَمَّا العُتُلُّ الزَّنِيمُ، صَحِيحٌ أَكُولٌ شَرُوبٌ ظَلُومٌ لِلنَّاسِ.

وَيُقَالُ: الزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ وذكر أنه لما نزلت هذه الآية، قال لأمه: إن محمداً لصادق، وأنه قال كذا وكذا، فأقرت والدته له بذلك.

ثم قال: أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ يعني: فلا تطعه وإن كان ذا مال وبنين، يعني: لا تطعه بسبب ماله.

ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: كذبهم وأباطيلهم.

وقال السدي: يعني: أساجيع الأولين.

ثم قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ يعني: سنضربه على الوجه، ويقال: سنسود وجهه يوم القيامة، ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب، يقولون للرجال إذا سبه سبة قبيحة، أو يثني عليه فاحشة: قد وسم ميسم سوء، يريد أنه ألصق به عاراً لا يفارقه، كما أن السمة لا يعفو أثرها.

وقد وصف الله تعالى الوليد بالحلف، والمهانة، والمشي بالنميمة، والبخل، والظلم، والإثم، والدعوى، فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

قال: والذي يدل على هذا، ما روي، عن الشعبي في قوله: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ يعني: القتل الشديد.

والزنيم: له زنمة من الشر، يعرف بها كما تعرف الشاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟

فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟

فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١» ، قَالَ أبو عيسى:

هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد» :

قال الله- عز وجل- لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.

وقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣» ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.

وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ

يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.

وقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١» ، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢» ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣» ، قال منذر بن سعيد:

وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤» ، وقال- عليه الصَّلاةُ والسّلام-:

«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦» ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ.

وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿ مَهِينٍ ﴾ وهو الحَقِيرُ.

الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَمّازٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿ أثِيمٍ ﴾ "فاجِرٍ" ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ.

وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ حَسّانُ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها.

ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ.

والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ.

والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟!

"إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟

فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ.

ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ الخُرْطُومُ: الأنْفُ.

وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ.

وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَرِيمِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الخَيْرُ هُنا المالُ، فَوَصَفَهُ بِالشُحِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ في المالِ والأفْعالِ الصالِحَةِ، ومَن يُمْنَعُ إيمانَهُ وطاعَتَهُ فَقَدْ مُنِعَ الخَيْرَ، و"المُعْتَدِي": المُتَجاوِزُ لِحُدُودِ الأشْياءِ، و"الأثِيمِ" فَعِيلٌ مِنَ الإثْمِ بِمَعْنى آثِمٍ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ أعْمالُهُ قَبِيحَةٌ تُكْسِبُ الإثْمَ.

و"العُتُلُّ": القَوِيُّ البِنْيَةِ، الغَلِيظُ الأعْضاءِ، المُصَحِّحُ، القاسِي القَلْبِ، البَعِيدُ الفَهْمِ، الأكُولُ الشَرُوبُ الَّذِي هو بِاللَيْلِ جِيفَةٌ وبِالنَهارِ حِمارٌ، وكُلُّ ما عَبَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ عنهُ مِن خِلالِ النَقْصِ فَعن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ تَصْدُرُ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ، أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ "العُتُلَّ" بِنَحْوِ هَذا، وهَذِهِ الصِفاتُ كَثِيرَةُ التَلازُمِ، والعَتْلُّ: الدَفْعُ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ العَتَلَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَ ما وصَفْناهُ بِهِ، فَهَذا التَرْتِيبُ إنَّما هو في قَوْلِ الواصِفِ لا في حُصُولِ تِلْكَ الصِفاتِ في المَوْصُوفِ، وإلّا فَكَوْنُهُ عُتُلًّا هو قَبْلَ كَوْنِهِ صاحِبَ خَيْرٍ يَمْنَعُهُ.

و"الزَنِيمُ" في كَلامِ العَرَبِ: المُلْصَقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وقَدْ فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: إنَّما ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَعْنِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وأنْتَ زَنِيمُ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ أيْضًا: زَنِيمُ تَداعاهُ الرِجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعِ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا هو المُرادُ بِالآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ مِن ثَقِيفٍ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِالزَنِيمِ أنَّ لَهُ زَنَمَةً في عُنُقِهِ كَزَنَمَةِ الشاةِ، وهي الهِنَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ في حَلْقِها، وما كُنّا نَعْرِفُ المُشارَ إلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ فَعَرَفْناهُ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلتَّيْسِ زَنِيمٌ؛ إذْ لَهُ زَنَمَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ شاتِهِ: "كَأنَّ زَنَمَتَيْها تَتْوا قُلَيْسِيَّةٍ" ورُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ كانَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، كانَ لَهُ زَنَمَةٌ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمْ نَعْرِفْ صاحِبَها حَتّى نَزَلَ "زَنِيمٍ" فَعُرِفَ بِزَنَمَتِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الزَنِيمُ: المُرِيبُ، القَبِيحُ الأفْعالِ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، وَقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنَّ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "آنَ كانَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ، والعامِلُ في "أنْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: كَفَرَ أو جَحَدَ أو عَنَدَ، ويُفَسِّرُ هَذا الفِعْلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ، وجازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى وهو مُتَأخِّرٌ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ كانَ" في مَنزِلَةِ الظَرْفِ؛ إذْ يُقَدَّرُ بِاللامِ، أيْ: لِأنْ كانَ، وقَدْ قالَ فِيهِ بَعْضُ النُحاةِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِاللامِ كَما لَوْ ظَهَرَتْ، فَكَما عَمِلَ المَعْنى في الظَرْفِ المُتَقَدِّمِ فَكَذَلِكَ يَعْمَلُ في هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ ، فالعامِلُ في "إذا" مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ تَبْعَثُونَ، أو نَحْوِهِ مِنَ التَقْدِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: "يُنْبِئُ" في "إذا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ قَدْ أُضِيفَ إذًا إلى الجُمْلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ"، قالَ: لِأنَّها جَوابٌ لِـ"إذا" ولا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.

وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "عُتُلٍّ" وإنْ كانَ قَدْ وُصِفَ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا النَظَرِ- أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زَنِيمٍ" لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُهُ بِالقَبِيحِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في "أنْ كانَ" "تُطِيعُهُ" الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا تُطِعْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ الِاسْتِفْهامِ يَبْعُدُ، وإنَّما يَتَّجِهُ: لا تُطِعْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذا، ولَهُ -عَلى كُلِّ وجْهٍ- مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وتَأمَّلْ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الأساطِيرِ" في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى الأنْفِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وذَلِكَ أنِ الخُرْطُومِ يُسْتَعارُ في أنْفِ الإنْسانِ، وحَقِيقَتُهُ في مَخاطِمِ السِباعِ، ولَمْ يَقَعِ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يُوسَمَ هَذا الإنْسانُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ حَقِيقَةٍ بَلْ هَذِهِ عِبارَةٌ عن فِعْلٍ يُشْبِهُ الوَسْمَ عَلى الأنْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الضَرْبُ بِالسَيْفِ، أيْ يَضْرِبُ في وجْهِهِ، وعَلى أنْفِهِ فَيَجِيءُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ، وحَلَّ بِهِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ في عَذابِ الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، وهو تَعْذِيبٌ بِنارٍ عَلى أُنُوفِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يُوسَمُ عَلى أنْفِهِ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها كُفْرُهُ وانْحِطاطُ قَدْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: سَيَفْعَلُ بِهِ في الدُنْيا مِنَ الذَمِّ لَهُ والمَقْتِ والإشْهارِ بِالشَرِّ ما يَبْقى فِيهِ ولا يَخْفى بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالوَسْمِ عَلى الأنْفِ ثابِتًا بَيِّنًا، وهَذا المَعْنى كَما تَقُولُ: "سَأُطَوِّقُكَ طَوْقَ الحَمامَةِ" أيْ: أثْبَتَ الأمْرَ بَيِّنًا فِيكِ، ونَحْوُ هَذا أرادَ جَرِيرٌ بِقَوْلِهِ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗..............

وفِي الوَسْمِ عَلى الأنْفِ تَشْوِيهٌ، فَجاءَتِ اسْتِعارَتُهُ في المَذَمّاتِ بَلِيغَةً جِدًّا، وإذا تَأمَّلْتَ حالَ أبِي جَهْلٍ ونُظَرائِهِ وما ثَبَتَ لَهم في الدُنْيا مِن سُوءِ الأُحْدُوثَةِ رَأيْتَ أنَّهم قَدْ وُسِمُوا عَلى الخُراطِمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: "إنّا بَلَوْناهُمْ"، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، أيِ: امْتَحَنّاهُمْ، و"أصْحابَ الجَنَّةِ" -فِيما ذَكَرَ- قَوْمُ إخْوَةٍ، كانَ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وحَرْثٌ مُغَلٌّ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنهُ قُوَّتَهُ ويَتَصَدَّقُ عَلى المَساكِينِ بِباقِيهِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَحْمِلُ المَساكِينَ مَعَهُ في وقْتِ حَصادِهِ وجَدَهُ فَيَجْذِيهِمْ مِنهُ، فَماتَ الشَيْخُ، فَقالَ ولَدُهُ: نَحْنُ جَماعَةٌ، وفِعْلُ أبِينا كانَ خَطًا، فَلْنَذْهَبْ إلى جَنَّتِنا، ولا يَدْخُلُها عَلَيْنا مِسْكِينٌ ولا نُعْطِي مِنها شَيْئًا، قالَ: فَبَيَّتُوا أمْرَهم وعَزْمَهم عَلى هَذا، فَبَعَثَ اللهُ طائِفًا بِاللَيْلِ مِنَ النارِ أو غَيْرِ ذَلِكَ فاحْتَرَقَتْ، فَقِيلَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ كالزَرْعِ اليابِسِ المَحْصُودِ، فَلَمّا أصْبَحُوا إلى جَنَّتِهِمْ لَمْ يَرْوِها فَحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أخْطَئُوا الطَرِيقَ، ثُمَّ تَبَيَّنُوها فَعَلِمُوا أنَّ اللهَ تَعالى أصابَهم فِيها، فَتابُوا حِينَئِذٍ وأنابُوا وكانُوا مُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَشَبَّهَ اللهُ تَعالى قُرَيْشًا بِهِمْ، في أنَّهُ امْتَحَنَهم بِمُحَمَّدٍ  وهَداهُ كَما امْتُحِنَ أُولَئِكَ بِفِعْلِ أبِيهِمْ وبِأوامِرَ شَرْعِهِمْ، فَكَما حَلَّ بِأُولَئِكَ العِقابُ في جَنَّتِهِمْ كَذَلِكَ يَحِلُّ بِهَؤُلاءِ في جَمِيعِ دُنْياهم وحَياتِهِمْ، ثُمَّ التَوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ لِمَن بَقِيَ مِنهم كَما تابَ أُولَئِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: السُنُونُ السَبْعُ الَّتِي أصابَتْ قُرَيْشًا هي بِمَثابَةِ ما أصابَ أُولَئِكَ في جَنَّتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لَيَصْرِمُنَّها" أيْ لِيَجِدْنَها، وصَرّامُ النَخْلِ جِدُّ ثَمَرِهِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ شَجَرَةٍ، و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا دَخَلُوا في الصَباحِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَلا يَسْتَثْنُونَ" مَعْناهُ ولا يَتَوَقَّفُونَ في ذَلِكَ ولا يَنْثَنُونَ عن رَأْيٍ مَنَعَ المَساكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ "إنْ شاءَ اللهُ"، بَلْ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ عَزْمَ مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ.

و"الطائِفُ": الأمْرُ الَّذِي يَأْتِي بِاللَيْلِ، ذَكَرَ هَذا التَخْصِيصَ الفَرّاءُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ  ﴾ ، و"الصَرِيمُ" قالَ الفَرّاءُ ومُنْذِرٌ وجَماعَةٌ: أرادَ بِهِ اللَيْلَ، مِن حَيْثُ اسْوَدَّتْ جُثَثُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ الصُبْحَ، مِن حَيْثُ ابْيَضَّتْ كالحَصِيدِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: و"الصَرِيمُ" يُقالُ لِلَّيْلِ ولِلنَّهارِ مِن حَيْثُ كَلُّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ مِن صاحِبِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الصَرِيمُ" الرَمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جُذَيْمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: الصَرِيمُ: رَمَلْةٌ بِاليَمَنِ مَعْرُوفَةٌ لا تَنْبُتُ، فَشَبَّهَ جُثَثَهم بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني جواباً لسؤال ينشأ عن الصفات الذميمة التي وصفوا بها أن يسأل السامع: ما جزاء أصحاب هذه الأوصاف من الله على ما أتوه من القبائح والاجتراء على ربِّهم.

وضمير المفرد الغائب في قوله: ﴿ سنسمه ﴾ عائد إلى كُل حلاّف باعتبار لفظه وإن كان معناه الجماعات فإفراد ضميره كإفراد ما أضيف إليه ﴿ كلَّ ﴾ [القلم: 10] من الصفات التي جاءت بحالة الإِفراد.

والمعنى: سنسم كل هؤلاء على الخراطيم، وقد علمت آنفاً أن ذلك تعريض بمعيّن بصفة قوله: ﴿ أساطير الأولين ﴾ [القلم: 15] وبأنه ذو مال وبنين.

و ﴿ الخرطوم ﴾ : أريد به الأنف.

والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل.

وقد خلط أصحاب اللّغة في ذكر معانيه خلطاً لم تتبين منه حقيقته من مجازه.

وذكر الزمخشري في «الأساس» معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقي، وانبهم كلامه في «الكشاف» إلاّ أن قوله فيه: وفي لفظ ﴿ الخُرطوم ﴾ استخفاف وإهانة، يقتضي أن إطلاقه على أنف الإِنسان مجاز مرسل، وجزم ابن عطية: أن حقيقة الخرطوم مَخْطَممِ السَبع أي أنف مثل الأسد، فإطلاق الخرطوم على أنف الإِنسان هنا استعارة كإِطلاق المِشفر وهو شفة البعير على شفة الإِنسان في قول الفرزدق: فلو كنتَ ضبيّاً عرفتَ قرابتي *** ولكنَّ زنجيّ غَليظُ المشافر وكإطلاق الجحفلة على شفة الإِنسان (وهي للخيل والبغال والحمير) في قول النابغة يهجو لبيد بنَ ربيعة: ألا مَن مبلغٌ عني لبيداً *** أبا الوَرداء جَحْفَلةَ الأَتان والوسم للإبل ونحوها، جعل سِمة لها أنها من مملوكات القبيلة أو المالك المعيَّن.

فالمعنى: سنعامله معاملةً يُعرف بها أنه عبدُنا وأنه لا يغني عنه ماله وولده منا شيئاً.

فالوسم: تمثيل تتبعه كناية عن التمكن منه وإظهار عجزه.

وأصل (نسمه) نَوْسِمه مثل: يَعِد ويَصِل.

وذِكر الخرطوم فيه جمع بين التشويه والإِهانة فإن الوسم يقتضي التمكن وكونَه في الوجه إذلالاً وإهانة، وكونه على الأنف أشد إذلالاً، والتعبير عن الأنف بالخرطوم تشويه، والضرب والوسم ونحوهما على الأنف كناية عن قوة التمكن وتمام الغلبة وعجز صاحب الأنف عن المقاومة لأن الأنف أبرز ما في الوجه وهو مجرى النفَس، ولذلك غلَب ذكر الأنف في التعبير عن إظهار العزة في قولهم: شمخ بأنفه، وهُو أشمّ الأنف، وهُم شمّ العرانين، وعبر عن ظهور الذلة والاستكانة بكسر الأنف، وجَدْعِه، ووقوعه في التراب في قولهم: رَغِم أنفه، وعلَى رغْم أنفه، قال جرير: لما وَضَعْت على الفرزدق ميسَمي *** وعلى البعيث جَدَعْتُ أنفَ الأخطل ومُعظم المفسرين على أن المعنيَّ بهذا الوعيد هو الوليد بن المغيرة.

وقال أبو مسلم الأصفهاني في تفسيره قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ هو ما ابتلاه الله به في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار.

يريد: ما نالهم يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة.

وعن ابن عباس معنى ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ سنخطمه بالسيف قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه بالسيف يوم بدر فلم يزل مخطوماً إلى أن مات ولم يعيّن ابن عباس من هو.

وقد كانوا إذا ضربوا بالسيوف قصدوا الوجوه والرؤوس.

قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر لعمر بن الخطاب لما بلغه قول أبي حذيفة لئن لقيتُ العباس لألجمنَّه السيفَ، فقال رسول الله: «يا أبا حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟».

وقيل هذا وعيد بتشويه أنفه يوم القيامة مثل قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه ﴾ [آل عمران: 106] وجعل تشويهه يومئذٍ في أنفه لأنه إنما بالغ في عداوة الرسول والطعن في الدين بسبب الأنفة والكبرياء، وقد كان الأنف مظهر الكِبر ولذلك سمي الكِبر أنفة اشتقاقاً من اسم الأنف فجعلت شوهته في مظهر آثار كبريائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: ودُّوا لَوْ تَضْعُفُ فَيَضْعُفُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

الثّالِثُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الخامِسُ: لَوْ تُرَخِّصُ لَهم فَيُرَخِّصُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّادِسُ: أنْ تَذْهَبَ عَنْ هَذا الأمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي أصْلِ المُداهَنَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُجامَلَةُ العَدُوِّ ومُمايَلَتُهُ، قالَ الشّاعِرُ لَبَعْضُ الغَشْمِ أحُزْمُ أُمُورٍ تَنُوبُكَ مِن مُداهَنَةِ العَدُوِّ.

الثّانِي: أنَّها النِّفاقُ وتَرْكُ المُناصَحَةِ، قالَهُ المُفَضَّلُ، فَهي عَلى هَذا الوَجْهِ مَذْمُومَةٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ.

﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكَذّابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الضَّعِيفُ القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المِكْثارُ مِنَ الشَّرِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الذَّلِيلُ بِالباطِلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ الَّذِي يَهُونُ عَلَيْهِ الحِنْثُ.

وَفي مَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ  مالًا وحَلَفَ أنْ يُعْطِيَهُ إنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَتّانُ الطَّعّانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَلْوِي شِدْقَيْهِ مِن وراءِ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يَهْمِزُهم بِيَدِهِ ويَضْرِبُهم دُونَ لِسانِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ تُدْلِي بِوُدٍّ إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا ∗∗∗ وإنْ أغِيبُ فَأنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَةُ.

﴿ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي يَنْقُلُ الأحادِيثَ مِن بَعْضِ النّاسِ إلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَسْعى بِالكَذِبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ومَوْلى كَبَيْتِ النَّمْلِ لا خَيْرَ عِنْدَهُ ∗∗∗ لِمَوْلاهُ إلّا سَعْيَةً بِنَمِيمٍ.

وَفِي النَّمِيمِ والنَّمِيمَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ النَّمِيمَ جَمْعُ نَمِيمَةٍ.

﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْحُقُوقِ مِن ظُلْمٍ.

الثّانِي: الإسْلامُ يَمْنَعُ النّاسَ مِنهُ.

﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ يَعْنِي بَعْدَ كَوْنِهِ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ ﴾ ، هو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وفِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُتُلَّ الفاحِشُ، وهو مَأْثُورٌ عَنِ النَّبِيِّ  : الثّانِي: أنَّهُ القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الوَفِيرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو رُزَيْنٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الجافِي الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الأسْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

السّادِسُ: أنَّهُ الباغِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَعْتِلُ النّاسَ، أيْ يَجُرُّهم إلى الحَبْسِ أوِ العَذابِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَتْلِ وهو الجَرُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ  ﴾ .

الثّامِنُ: هو الفاحِشُ اللَّئِيمُ، قالَهُ مَعْمَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَعْتَلِ مِنَ الرِّجالِ زَنِيمٌ ∗∗∗ غَيْرُ ذِي نَجْدَةٍ وغَيْرُ كَرِيمِ.

التّاسِعُ: ما رَواهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ جَوّاظٌ ولا جَعْظَرِيٌّ ولا العُتُلُّ الزَّنِيمُ فَقالَ رَجُلٌ: ما الجَوّاظُ وما الجَعْظَرِيُّ وما العُتُلُّ الزَّنِيمُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  اَلْجَوّاظُ الَّذِي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ الغَلِيظُ، والعُتُلُّ الزَّنِيمُ الشَّدِيدُ الخَلْقِ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، المُصَحِّحُ الأكُولُ الشَّرُوبُ الواجِدُ لِلطَّعامِ، الظَّلُومُ لِلنّاسِ)» .

وأمّا الزَّنِيمُ فَفِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّيِّنُ، رَواهُ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّهُ الظَّلُومُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ طَلْحَةَ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الفاحِشُ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشّاةِ، قالَ الضَّحّاكُ: لِأنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ كانَ لَهُ أسْفَلَ مِن أُذُنِهِ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ، وفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ لِأنَّهُ حَلِيفٌ مُلْحَقٌ ولِذَلِكَ سُمِّيَ زَنِيمًا.

الخامِسُ: أنَّهُ ولَدُ الزِّنى، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الدَّعِيُّ، قالَ الشّاعِرُ زَنِيمٌ تَداعاهُ الرِّجالُ زِيادَةً ∗∗∗ كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالأُبْنَةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّامِنُ: أنَّهُ عَلامَةُ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ ، قالَهُ أبُو رُزَيْنٍ.

﴿ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَتْ لَهُ حَدِيقَةٌ بِالطّائِفِ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا، حَكاهُ الضَّحّاكُ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: المالُ والبَنُونَ حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ وأباطِيلَهم.

﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِمَةٌ سَوْداءُ تَكُونُ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَيَّزُ بِها الكافِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ يُضْرَبُ في النّارِ عَلى أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إشْهارٌ ذَكَّرَهُ بِالقَبائِحِ، فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِالذِّكْرِ لا بِالأثَرِ.

الرّابِعُ: هو ما يَبْتَلِيهِ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: فَدَعْها وما يُغْنِيكَ واعْمُدْ لِغَيْرِها ∗∗∗ بِشِعْرِكَ واغْلِبْ أنْفَ مَن أنْتَ واسْمُ.

وَقالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هو مِنَ النّاسِ الأنْفُ، ومِنَ البَهائِمِ الشَّفَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟

قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟

قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟

قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.

وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.

قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.

قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.

واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.

قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .

وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.

وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .

قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)﴾ قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: ﴿ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ ﴾ قال يعني بالحرث الثمار والزرع والأعناب (١) وقال أبو إسحاق: إن كنتم عازمين (٢) (٣) وقال الكلبي: على حرثكم.

يعني: ما كان في جنتهم من شجر وزرع (٤) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴾ يعني (٥) و (أن) في قوله: ﴿ أَنِ اغْدُوا ﴾ بمعنى أي، كما قال تعالى ذكره: {أَنِ ﴿ امْشُواْ ﴾ ، وقد مر (٦) قوله تعالى: ﴿ فَاَنطَلَقُواْ ﴾ أي ذهبوا إلى جنتهم ﴿ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يسرون الكلام بينهم بـ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)﴾، ومضى تفسير التخافت عند قوله: ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ (٧) (٨) وقال قتادة: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان يمسك قوته ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، فلما مات غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (٩) ﴿ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ﴾ .

وقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها (١٠) ﴿ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ﴾ واختلفوا في تفسير الحرد.

والحرد (١١) (١٢) (١٣) والحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي (١٤) أقبل سيلٌ كان من (١٥) وأنشد أبو عبيدة (١٦) أما إذا أحردت حردي فمجرية ...

ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب والحرد: الغضب.

وهما لغتان الحَرْدُ (١٧) (١٨) أسود شرًى لاقت أسود خفية ...

تساقوا (١٩) (٢٠) (٢١) وقال مقاتل: جد في أنفسهم (٢٢) وقال الكلبي: غدوا جادين.

وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد (٢٣) (٢٤) ويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي (٢٥) (٢٦) وقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم (٢٧) وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول (٢٨) (٢٩) (٣٠) وروى (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) قوله تعالى: ﴿ قَادرِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد قادرين على جنتهم في أنفسهم (٣٧) (٣٨) قال أبو إسحاق: أي قادرين عند أنفسهم على قصد جنتهم لا يحول بينهم وبينها آفة (٣٩) (٤٠) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 88، و"غرائب القرآن" 29/ 19.

(٢) (ك)، (س): (عازمين) ساقطة.

(٣) (ك)، (س): (الصرام) وانظر: "معاني القرآن" 5/ 208.

(٤) انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"زاد المسير" 8/ 336، ولم ينسب لقائل.

(٥) (س): (قال يعني).

(٦) عند تفسيره الآية (6) من سورة ص.

(٧) عند تفسيره الآية (110) من سورة الإسراء.

قال: المخافتة: الإخفاء، يقال: خفت صوته يخفت وخفاتًا إذا ضعف وسكن.

وصوت خفيت أي خفيض.

ومن هذا يقال للرجل إذا مات: قد خفت، أي: انقطع كلامه؛ وخفت الزرع إذا ذبل ولان.

(٨) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 89.

(٩) انظر: "جامع البيان" 29/ 19، و"الدر" 6/ 253.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 207.

(١١) (س): (والحرد) زيادة.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 415، و"اللسان" 1/ 602 (حرد).

(١٣) انظر: "ديوان الأعشى" (151)، و"اللسان" 1/ 602 (حرد)، وفي ألفاظه اختلاف وتقديم وتأخير.

والشاعر يصف باطنة -وهي إناء عظيمة- إذا قل ما فيها من لبن أو شرب أو انقطع فتحت أخرى.

(١٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 266، و"الخزانة" 10/ 356، ونسبه لقرب بن المستفيد، و"شواهد الكشاف" (254)، وود أيضًا في "زيادات ديوان حسان" (522)، و"إصلاح المنطق" (47).

(١٥) (س): (في).

(١٦) البيت لمنقد الأسدي الملقب بالجميح، وهو تشبيه للمرأة باللبؤة الضبطاء نزقًا وخفة والذي أنشده هو ابن قتيبة وليس بأبي عبيدة انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"تفسير غريب القرآن" (480)، و"تهذيب اللغة" 11/ 493 (ضبط).

(١٧) (ك): (والحرد).

(١٨) (س): (أبو عبيدة) زيادة.

والبيت للأشهب بن رُميلة كما في "اللسان" 1/ 602، و"جامع البيان" 29/ 21، و"تفسير غريب القرآن" (480)، و"الخزانة" 6/ 27، والشَّرى موضع تُنسب إليه الأسد.

يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى.

وقيل: هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدةٌ.

"اللسان" 2/ 310 (شري).

(١٩) (ك)، (س): (تساء).

(٢٠) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 176، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 207.

(٢١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 309، و"جامع البيان" 29/ 20.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"زاد المسير" 8/ 336.

(٢٣) انظر: "جامع البيان" 29/ 20، و"الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 380.

(٢٤) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 414، و"اللسان" 1/ 604 (حرد).

(٢٥) (س): (والقتيبي) زيادة.

(٢٦) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 265، و"تفسير غريب القرآن" (479)، و"فتح القدير" 5/ 272.

(٢٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 380 و"زاد المسير" 8/ 336.

(٢٨) (س): (وقال الشعبي: على حرد على المساكين وهو قول) زيادة.

(٢٩) (ك): (وقال سفيان).

(٣٠) (س): (وقال) انظر: "جامع البيان" 29/ 21، و"الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 380.

(٣١) (ك): (وقال).

(٣٢) (س): (معمر عن) زيادة.

(٣٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 309، و"جامع البيان" 29/ 21.

(٣٤) (س): (وذكر الأزهري هذا القول فقال) زيادة.

(٣٥) (س): (بعض) زيادة.

(٣٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 414 (حرد).

قال ابن كثير: وقال السدي: ﴿ عَلَى حَرْدٍ ﴾ أي كان اسم قريتهم حرد.

فأبعد السدي في قوله هذا.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 406، وقال الآلوسي -عن تفسير السدي هذا-: ولا أظن ذلك مرادًا) "روح المعاني" 29/ 31.

(٣٧) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 168/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 242.

(٣٨) (س): (وهو قول مقاتل وجميع المفسرين) زيادة، وقال النحاس: أصح ما قيل == في معناه على قصد كما قال مجاهد، قد أسسوا ذلك بينهم، أي عملوه على قصد وتأسيس ومؤامرة بينهم قادرين عليه عند أنفسهم.

"إعراب القرآن" 3/ 487، وهو اختيار ابن جرير أيضًا.

"جامع البيان" 29/ 21.

(٣٩) لم أجده عنه، وهو معنى ما قاله المفسرون وأهل اللغة.

(٤٠) انظر: "تفسير غريب القرآن" (480).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ المداهنة هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، ورُوي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على تدهن قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم يدهنون ﴿ حَلاَّفٍ ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل ﴿ مَّهِينٍ ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل قال ابن عطية: هو من مهن إذا ضعف، فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري: هو من المهانة وهي الذلة والحقارة وقال ابن عباس: المهين الكذاب ﴿ هَمَّازٍ ﴾ هو الذي يعيب الناس ﴿ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ أي كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة بمعنى واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي شحيح، لأن الخير هنا هو المال.

وقيل: معناه مناع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ هو من العدوان وهو الظلم ﴿ أَثِيمٍ ﴾ من الإثم وهو ارتكاب المحرمات ﴿ عُتُلٍّ ﴾ أي غليظ الجسم، قاسي القلب بعيد الفهم، كثير الجهل ﴿ زَنِيمٍ ﴾ أي ولد زنا؛ وقيل: هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي تتعلق في حلقها، وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال.

وقيل: ظلوم، وقيل: لئيم وقوله: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان، واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة، فقيل: لم يقصد بها شخص معين، بل كل من اتصف بها، وقيل: المقصود بها الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل: أبو جهل، وقيل: الأخنس بن شريق، ويؤيد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس: عرفناه بزنمته وكان لقيطاً من ثقيف، ويعدُّ في بني زهرة، فيصح وصفه بزنيم على القولين، وقيل: الأسود بن عبد يغوث ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله: ﴿ لاَ تُطِعْ ﴾ أي لا تطعه بسبب كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في القرآن أساطير الأولين، لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل في ﴿ أن كان ﴾ على هذا فعل من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه قال الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، والأول أظهر، وقد تقدم معنى أساطير الأولين ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم ﴾ أصل الخرطوم: أنف السبع ثم استعير للإنسان استخفافاً به، وتقبيحاً له والمعنى نجعل له سمة.

وهي العلامة على الخرطوم، واختلف في هذه السمة قيل: هي الضربة بالسيف يوم بدر، وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم.

وقيل: علامة تجعل على أنفه يوم القيامة ليعرف بها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ .

قال جعفر بن حرب: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب بخطئه المشغوف بجهله.

وقال الحسن: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ هو الذي معه الشيطان.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له عقل.

وقيل: ﴿ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ : المعذب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟

وأيكم الضال؟

إن حمل على ما ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة.

وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه مغتر بها، ويغر بها غيره كما قال المنافقون: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ﴾ ، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن رسول الله  هو المفتون، ورسول الله  يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة [كانوا] يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم.

ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله  ، ورسول الله  يدعي أنهم على الضلال، وأنه على دين الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ .

ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله  عما كان يحق لمثله الجواب [عن رسول الله  ] ولكن الله  لما امتحن رسوله  بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله  الجواب عنه بقوله -  - ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ ، [أي: قد تعلمون أن ربكم أعلم] ﴿ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ ، وسنبين لكم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمر من الله  بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به [لا يجوز له] أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله  ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هم المكذبون بآيات الله  أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.

ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول الله  الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعاً إلى ذلك [الوقت]، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله  فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.

وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله  ما ذكر من قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ والمداهنة هي [الملاطفة والملاينة] في القول.

ثم رسول الله  كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله  مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله  يسفههم ويذكر آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ  ﴾ ، فأخبر -  - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: ﴿ وَإِذَا رَآكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَـٰذَا ٱلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  ﴾ ، فكانت معاملتهم هذه مجازاة لرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .

يخرج على هذا - إن شاء الله  -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضاً عما هم عليه من نسبتهم إياكم إلى الجنون والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم [بما يذكرهم] وهو في ذلك محق، وهم كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: ﴿ فَلاَ تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله  لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقّاً؛ فلذلك نُهِي عن المداهنة.

وقال بعض [أهل التفسير]: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ، أي: لو ترفض ما أنت عليه من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، [فيبقى بينهم الاختلاف] الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ .

قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة "كل" فيقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ ، والحلاف المهين ليس إلا واحداً، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: ﴿ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوى تهجينٌ [له] وشتم، وجل الله ورسوله [أن يقصدوا إلى شتم إنسان]، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى الصد عن سبيل الله، فذكر الله  فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسْخُ نفس عاقل باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله  ، فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه.

وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد  من الوجه الذي نذكره في سورة "تبت" إن شاء الله  .

ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن [الوهن، وهو الضعف].

ثم قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ جائز أن يكون استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون هذا كله تفسير ﴿ مَّهِينٍ ﴾ ، فإن كان هكذا فقوله: ﴿ مَّهِينٍ ﴾ من المهانة هاهنا.

ثم لا يجوز أن يكون رسول الله  يخشى عليه طاعة من هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار إليه بالذكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ تمام الكلام، ويكون قوله: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم.

وتفسير الهمز يذكر في [تفسير] سورة الهُمَزَة، إن شاء الله  .

والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم بالقطيعة.

والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق مَنْ كان بحضرته عن اتباع رسول الله  ، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع للخير؛ لهذا.

ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله  .

وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء [الحقوق التي لله]  الواجبة في ماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ .

أي: معتد حدود الله  ، أو ظالم لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثِيمٍ ﴾ .

الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ .

العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم.

وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي  أنه قال: "لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري [ولا العتل الزنيم، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ] والجعظري والعتل الزنيم؟

فقال رسول الله  : أما الجواظ فالذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحَّح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس" ، وأما الزنيم: هو الدعي الملصق بالقوم الملحق في النسب.

واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: زَنِيمٌ ليس يُعْرَفُ مَنْ أبوه؟

*** بَغِىُّ الأمِّ ذو حسب لئيم ويقول آخر: زَنِيمٌ تَداعاه الرجال زِيادَة *** كَمَا زِيدَ في عرْض الأدِيم الأكَارعُ ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها.

ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر.

ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: الدعيّ أو ما ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء إنما يعير بما له فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟!

فيجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره.

والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل و [حسنه ونقاوته] يدعو صاحبه إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ .

فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال للإنسان مِنْ أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب والمساوى؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو بهذا الوصف الذي وصفه الله  ؟!

ثم أخبر عن معاملته رسول الله  بقوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، وإن كان عامّاً بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن [قوله:] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال في سورة المدثر: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ  إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ  ﴾ ، وهذا دليل على أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ﴾ .

قيل: شَيْناً لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة لشدة تعنته على رسول الله  وعظيم أذاه له.

وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله  في أنفه علما يتبين به، ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ  ﴾ .

وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بين الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة [عميا وبكما] وصما، ولم يذكر في أنوفهم شيئاً، فجائز أن [يكون] يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فنادى بعضهم بعضًا وقت الصباح.

<div class="verse-tafsir" id="91.QeJPV"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله