الآية ٢٣ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٢٣ من سورة القلم

فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد: كان حرثهم عنبا "فانطلقوا وهم يتخافتون" أي يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم.

ثم فسر الله سبحانه وتعالى عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) يقول: فمضَوا إلى حرثهم وهم يتسارّون بينهم (أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ )يقول: وهم يتسارّون يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنّ جنتكم اليوم عليكم مسكين.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) يقول: يُسرون

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فانطلقوا وهم يتخافتون أي يتسارون ; أي يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد ; قاله عطاء وقتادة .

وهو من خفت يخفت إذا سكن ولم يبين .

كما قال دريد بن الصمة :وإني لم أهلك سلالا ولم أمت خفاتا وكلا ظنه بي عوديوقيل : يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[فَانْطَلَقُوا } قاصدين له { وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فانطلقوا ) مشوا إليها ( وهم يتخافتون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فانطلقوا وهم يتخافتون» يتسارون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاندفعوا مسرعين، وهم يتسارُّون بالحديث فيما بينهم: بأن لا تمكِّنوا اليوم أحدا من المساكين من دخول حديقتكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) أى : فانطلقوا مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارُّون فيما بينهم ، إذا لتخافت : تفاعل من خفت فلان فى كلامه ، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي يتسارون فيما بينهم، وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى كتم ومنه الخفدود للخفاش، قال ابن عباس: غدوا إليها بصدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ﴿ كَمَا بلونا أصحاب الجنة ﴾ وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا ليصرمنها مصبحين في السدف خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم.

وقيل: كانوا من بني إسرائيل ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ داخلين في الصبح مبكرين ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (18) ﴾ ولا يقولون إن شاء الله.

فإن قلت: لم سمي استثناء، وإنما هو شرط؟

قلت: لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء، من حيث إن معنى قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله.

واحد ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا ﴾ بلاء أو هلاك ﴿ طَآئِفٌ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ [الكهف: 42] وقرئ: ﴿ طيف ﴾ ﴿ فَأَصْبَحَتْ كالصريم (20) ﴾ كالمصرومة لهلاك ثمرها.

وقيل: الصريم الليل، أي.

احترقت فاسودت.

وقيل: النهار أي: يبست وذهبت خضرتها.

أو لم يبق شيء فيها، من قولهم: بيض الإناء، إذا فرغه.

وقيل الصريم الرمال ﴿ صارمين ﴾ حاصدين.

فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم؛ وما معنى (على)؟

قلت: لما كان الغدوّ إليه ليصرموه ويقطعوه: كان غدوّا عليه، كما تقول: غداً عليهم العدوّ.

ويجوز أن يضمن الغدوّ معنى الإقبال، كقولهم: يفدى عليه بالجفنة ويراح، أي: فأقبلوا على حرثكم باكرين ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارّون فيما بينهم.

وخفى، وخفت، وخفد: ثلاثتها في معنى الكتم؛ ومنه الخفدود للخفاش ﴿ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ﴾ أن مفسرة.

وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول، أي يتخافتون يقولون لا يدخلنها؛ والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك: لا أرينك ههنا.

الحرد: من حردت السنة إذا منعت خيرها؛ وحردت الإبل إذا منعت درّها.

والمعنىّ: وغدوا قادرين على نكد، لا غير عاجزين عن النفع، يعني أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان، وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين، بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ومنافعها، أي: غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع، أو لما قالوا اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم: عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد.

و ﴿ قادرين ﴾ من عكس الكلام للتهكم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين، وعلى حرد ليس بصلة قادرين، وقيل: الحرد بمعنى الحرد.

وقرئ: ﴿ على حرد ﴾ ، أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض، كقوله تعالى: ﴿ يتلاومون ﴾ [القلم: 30] وقيل: الحرد القصد والسرعة؛ يقال: حردت حردك.

وقال: أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ أمرِ اللَّهْ ** يَحْرُدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ اْلمُغْلَّةْ وقطا حراد: سراع، يعني: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط، قادرين عند أنفسهم، يقولون: نحن نقدر على صرامها وزيّ منفعتها عن المساكين.

وقيل: ﴿ حَرْدٍ ﴾ علم للجنة، أي غدواً على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم.

أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان ﴿ قَالُواْ ﴾ في بديهة وصولهم ﴿ إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾ أي ضللنا جنتنا، وما هي بها لما رأوا من هلاكها؛ فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا ﴿ أَوْسَطُهُمْ ﴾ أعدلهم وخيرهم، من قولهم: هو من سطة قومه، وأعطني من سطات مالك.

ومنه قوله تعالى: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143] .

﴿ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ﴾ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعواإلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم.

والدليل عليه قولهم: ﴿ سبحان رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظالمين ﴾ فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة.

وقيل: المراد بالتسبيح.

الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأنّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه له؛ وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.

وعن الحسن: هو الصلاة، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة؛ وإلاّ لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ولكانت لهم لطفاً في أن يستثنوا ولا يحرموا ﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ﴾ سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً؛ لأنّ منهم من زين، ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف وعذر ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت وهو راض ﴿ أَن يُبْدِلَنَا ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف ﴿ إلى رَبّنَا راغبون ﴾ طالبون منه الخير راجون لعفوه ﴿ كَذَلِكَ العذاب ﴾ مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة ﴾ أشد وأعظم منه، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً.

وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيراً منها.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان: فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم وخَفى وخَفَتَ وخَفَدَ بِمَعْنى الكَتْمِ، ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ.

﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ وقُرِئَ بِطَرْحِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.

﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ وغَدَوْا قادِرِينَ عَلى نَكَدٍ لا غَيْرُ، مِن حارَدَتِ السَّنَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ الإبِلُ إذا مَنَعَتْ دَرَّها.

والمَعْنى أنَّهم عَزَمُوا أنْ يَتَنَكَّدُوا عَلى المَساكِينِ فَتَنَكَّدَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى النَّكَدِ، أوْ غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ.

وقِيلَ: الحَرْدُ بِمَعْنى الحَرَدِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى حَنَقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ: يَتَلاوَمُونَ وقِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ قالَ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ ∗∗∗ اللَّهُ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ أيْ غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها وقِيلَ: عَلَمٌ لِلْجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فانطلقوا} ذهبوا {وَهُمْ يتخافتون} يتسارّون فيما بينهم لئلا يسمع المساكين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفى بِفَتْحِ الفاءِ وخَفَّتْ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ ومِنهُ الخَفْدُودُ لِلْخُفّاشِ والخَفُودُ لِلنّاقَةِ الَّتِي تُلْقِي ولَدَها قَبْلَ أنْ يَسْتَبِينَ خَلْقُهُ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ ﴾ أيِ الجَنَّةِ ﴿ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ أبِي عَبْلَةَ بِإسْقاطِها، وعَلَيْهِ قِيلَ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وقِيلَ العامِلُ فِيهِ ﴿ يَتَخافَتُونَ ﴾ لِتَضْمُنِّهِ مَعْنى القَوْلِ وهو المَذْهَبُ الكُوفِيُّ فِيهِ وفي أمْثالِهِ، ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ لا أرَيْنَكَ هاهُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعني: اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء ويقال: ابتليناهم بالجوع والشدة.

ثم قال: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يعني: أهل ضيروان، وهي قبيلة باليمن.

وروى أسباط، عن السدي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين، فلم يمنعهم من دخولها، وأن يأكلوا منها، وأن يتزودوا فيها.

فلما مات أبوهم، قال بنوه بعضهم لبعض: على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟

فقالوا: فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين.

ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون، ويقول بعضهم لبعض خفياً: أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله: إِذْ أَقْسَمُوا يعني: حلفوا فيما بينهم.

لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ يعني: ليُجدنَّها وقت الصبح، أي: ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين.

وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني: لم يقولوا: إن شاء الله تعالى.

وروي في الخبر: أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل، اجتمع هناك مساكين كثيرة.

وقد جعل له علامة، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات، كانت للمساكين.

فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياماً كثيرة.

فلما مات الرجل، قال بنوه فيما بينهم: إن أبانا كان عياله أقل، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر.

وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل، كي لا يشعر بهم المساكين، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة، فذلك قوله: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ يعني: بعث الله تعالى ناراً على حديقتهم بالليل.

والطائف: الذي أتاك ليلاً فأحرقها وهم نائمون.

مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ يعني: صارت الحديقة كالليل المظلم.

وقال القتبي: الصريم: من أسماء الأضداد.

يسمى الليل صريماً، والصبح صريماً، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ويقال: الصريم يعني: ذهب ما فيها، فكأنه صرم أي قطع وجز.

ثم قال: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ يعني: نادى بعضهم لبعض أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ يعني: اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم.

إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يعني: إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين.

فَانْطَلَقُوا يعني: ذهبوا إِلى نخيلهم، وَهُمْ يَتَخافَتُونَ يعني: يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قال مقاتل: يعني: على جد في أنفسهم.

قادِرِينَ على جنتهم وقال الزجاج: معناه على قصد، وقال القتبي: الحرد المنع، ويقال: الحرد القصد قادرين واجدين ويقال: على قوة ونشاط، ويقال: على طريق جنتهم، ويقال: الحرد اسم تلك الجنة.

فَلَمَّا رَأَوْها يعني: أتوها ورأوها مسودة، أنكروها.

قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ يعني: أخطأنا الطريق، وليست هذه جنتنا.

فلما تفحصوا وعملوا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم، فقالوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني: حُرِمْنا منفعتها.

قالَ أَوْسَطُهُمْ يعني: أعدلهم وأعقلهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ يعني: هلا تستثنون في أيمانكم.

ويقال: كان استثناؤهم التسبيح يعني: لولا قلتم سبحان الله.

فندموا على فعلهم.

قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا يعني: نزهوه وعظموه تائبين عن ذنوبهم، ويقال: نستغفر ربنا.

إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ يعني: ضارين بأنفسنا بمنعنا المساكين.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ يعني: جعل يلوم بعضهم بعضاً لصنيعهم ذلك، ثم قالُوا بأجمعهم: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ يعني: عاصين بمنعنا المساكين.

ثم قالوا: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها يعني: يعوضنا خيراً منها في الجنة.

إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ يعني: راجين مما عنده.

قال الله تعالى: كَذلِكَ الْعَذابُ يعني: هكذا عذاب الدنيا لمن منع حق الله تعالى.

وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لمن لم يتب ولم يرجع عن ذنبه.

ويقال: هكذا العذاب في الدنيا لأهل مكة بالجوع، ولعذاب الآخرة أعظم.

لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يفقهون.

ويقال: لو كانوا يصدقون، ثم ذكر ما للمتقين من الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل هو: الأخْنَسُ بن شريق، ويؤيد ذلكَ أنه كانَتْ له زَنَمَةٌ في حَلْقِه كَزَنَمَةِ «١» الشَّاةِ، وأيضاً فكانَ من ثَقِيفٍ مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ، وقيل: هو أبو جهلٍ، وقيل: هو الأسودُ بن عَبْدِ يَغُوثَ، قال ع «٢» : وظاهرُ اللفظ عمومُ مَنِ اتَّصَفَ بهذهِ الصفاتِ، والمخاطبَةُ بهذا المعنى مستمرة بَاقِيَ الزَّمانِ، لا سيما لولاة الأمور.

وقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قَالَ كثيرٌ مِنَ المفسرينَ: الخيرُ هُنَا المالُ فَوَصَفه بالشُّحِّ، وقال آخرونَ: بل هُوَ عَلى عُمُومهِ في الأموالِ والأَعْمَالِ الصالحاتِ، والمُعْتَدِي المتجاوِزُ لحدودِ الأَشْيَاءِ، والأثِيمُ فَعِيلٌ مِن الإثْمِ، والعُتُلُّ: القويُّ البنيةِ، الغَليظُ الأَعْضَاءِ، القَاسِي القَلْبِ، البَعيدُ الفَهْمِ، الأَكُولُ الشَّرُوبُ، الذي هو بالليلِ جِيفَةٌ وَبِالنَّهارِ حِمَارُ، وكلُّ ما عبر به المفسرونَ عَنه مِنْ خِلاَلِ النقصِ، فَعَنْ هذه الَّتِي ذَكَرْتُ/ تَصْدُرُ، وقد ذكر النقاش أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم فَسَّر العتلَّ بِنَحْوِ هذا، وهذهِ الصفاتُ كثيرةُ التَّلازُمِ، والزَّنِيمُ في كلام العرب:

المُلْصَقُ في القومِ ولَيْسَ منهم ومنه قول حَسَّان: [الطويل]

وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هَاشِمٍ ...

كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

فَقَالَ كثيرٌ من المفسرينَ: هو الأخْنَسُ بن شريقٍ، وقال ابن عباس: أرادَ بالزنيم أنَّ له زَنَمَةً في عُنُقِهِ «٣» ، وكان الأَخنسُ بهذه الصفةِ، وقيل: الزّنيم: المريب القبيح الأفعال.

وقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ معناه: على الأَنْفِ.

قال ابن عبّاس: هو الضّرب

بالسَّيْفِ في وَجْهِهِ وعَلَى أنْفِه «١» ، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ به يومَ بَدْرٍ، وقيل: ذلك الوَسْمُ هو في الآخرةِ، وقال قتادة وغيره: معناه سَنَفْعَلُ به في الدنيا مِنَ الذَّمِّ لهُ والمَقْتِ والاشْتِهَارِ بالشر، ما يَبْقَى فِيه وَلاَ يَخْفَى به، فيكونُ ذلكَ كالْوَسِمِ عَلَى الأنف «٢» .

وقوله سبحانه: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يريد: قريشاً، أي: امتحنّاهم، وأَصْحابَ الْجَنَّةِ فيما ذُكِرَ كانوا إخوةً، وكانَ لأَبِيهم جَنَّةٌ وحَرْثٌ يَغْتَلُّه، فَكَان يُمْسِكُ منه قُوتَه، وَيَتَصَدَّقُ على المساكين بِبَاقِيهِ، وقيل: بلْ كَانَ يَحْمِلُ المساكِينَ مَعَه في وَقْتِ حَصَادِهِ وجَذِّه فَيُجْدِيهم منه، فماتَ الشيخُ، فقال ولدُه: نَحْنُ جَماعَةٌ وفِعْلُ أبينَا كَانَ خطأً فَلْنَذْهَبْ إلى جنَّتِنَا، ولا يَدْخُلَنَّها عَلَيْنَا مِسْكِينٌ، ولا نُعْطِي منها شيئاً، قَال: فَبَيَّتُوا أمْرَهُمْ وَعَزْمَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا طائفاً من نارِ أو غيرِ ذلكَ، فاحْتَرَقَتْ، فقيلَ: فأصْبَحَتْ سَودَاء، وقيل: بَيْضَاء كالزَّرْعِ اليَابِسِ المَحْصُودِ، فلما أصْبَحوا إلى جنتهم لم يَرَوْهَا فَحسبوا أنهم قَد أَخْطَؤُوا الطريقَ، ثم تَبَيَّنُوها فعلموا أنَّ اللَّهَ/ أَصَابَهُم فِيها، فتَابوا حينئذٍ فَكَانُوا «٣» مُؤمنِينَ أهْلَ كِتَابٍ، فَشَبَّه اللَّهُ قُرَيْشاً بهم في أنّه امتحنهم بالمصَائِبِ، في دنياهم لعدم اتّباعهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ التوبةُ مُعَرَّضَةٌ لِمَنْ بَقِيَ منهم.

وقوله تعالى: لَيَصْرِمُنَّها أي: ليجذّنّها، ومُصْبِحِينَ معناه: دَاخِلينَ في الصباح.

وقوله تعالى: وَلا يَسْتَثْنُونَ [أي: لا يَنْثَنُونَ] «٤» عن رأْيِ مَنْعِ المساكين، وقَالَ مجاهد: معناه ولاَ يَقُولُونَ إنْ شَاءَ اللَّه «٥» .

والصَّرِيمُ، قال جماعة: أرادَ بهِ اللَّيْلَ مِنْ حيثُ اسْوَدَّتْ جَنَّتُهم، وقَالَ ابن عباس: الصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ، وقولهم: إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يكُونَ مِنْ صرام النخلِ، ويحتملُ أنْ يريدَ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ عزم وإقْدَامٍ على رأيكم، من قولك سيف صارم «٦» ، ويَتَخافَتُونَ: معناه يَتَكَلَّمُونَ كَلاَماً خَفِيًّا، وكان هذا التخافتُ خَوْفاً مِنْ أنْ يَشْعُرَ بهمُ المساكينُ، وكان لفظُهم الذي يتخافتون به: أَنْ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أيِ: ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ، والقَحْطِ ﴿ كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّتُهم.

وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا كانَ بِناحِيَةِ اليَمَنِ لَهُ بُسْتانٌ، وكانَ مُؤْمِنًا.

وذَلِكَ بَعْدَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ قُوتِهِ، وكانَ يَتَصَدَّقُ بِالباقِي.

وقِيلَ: كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما تَعَدّاهُ المِنجَلُ، وما يَسْقُطُ مِن رُؤُوسِ النَّخْلِ، وما يَنْتَثِرُ عِنْدَ الدِّراسِ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن هَذا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَماتَ الرَّجُلُ عَنْ ثَلاثِ بَنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ المالَ لَقَلِيلٌ، وإنَّ العِيالَ لَكَثِيرٌ، وإنَّما كانَ أبُونا يَفْعَلُ هَذا إذْ كانَ المالُ كَثِيرًا، والعِيالُ قَلِيلًا، وأمّا الآنُ فَلا نَسْتَطِيعُ أنْ نَفْعَلَ هَذا.

فَعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، وتَحالَفُوا بَيْنَهم لَيَغْدُنَّ قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ، فَلْيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أقْسَمُوا ﴾ أيْ: حَلَفُوا ﴿ لَيَصْرِمُنَّها ﴾ أيْ: لَيَقْطَعُنَّ نَخْلَهم ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: في أوَّلِ الصَّباحِ.

وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ ظُلْمَةٌ لِئَلّا يَبْقى لِلْمَساكِينِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: لا يَسْتَثْنُونَ حَقَّ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مِن أمْرِ رَبِّكَ.

قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا بِاللَّيْلِ، فاحْتَرَقَتْ، فَصارَتْ سَوْداءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كاللَّيْلِ المُسْوَدِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ مُحْتَرِقَةً.

واللَّيْلُ: هو الصَّرِيمُ، والصُّبْحُ أيْضًا: صَرِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ.

والثّالِثُ: أصْبَحَتْ وقَدْ ذَهَبَ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صُرِمَ، أيْ: قُطِعَ، وجُذَّ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا لَمّا أصْبَحُوا "أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ" يَعْنِي: الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِلنَّخْلِ، ﴿ فانْطَلَقُوا ﴾ أيْ: ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ ﴿ وَهم يَتَخافَتُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَتَسارَرُونَ بِـ "أنْ لا يُدْخَلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ" فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى فاقَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ.

والثّالِثُ: عَلى جِدٍّ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: عَلى أمْرٍ مُجْمَعٍ قَدْ أسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الحَرْدَ: اسْمُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الحَنَقُ والغَضَبُ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ.

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ والسّابِعُ: أنَّهُ المَنعُ مَأْخُوذٌ مِن حارَدَتِ السَّنَةُ فَلَيْسَ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقَةُ فَلَيْسَ لَها لَبَنٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: والثّامِنُ: أنَّهُ القَصْدُ.

يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حَكاهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأنْشَدُوا: قَدْ جاءَ سَيْلٌ كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيها لُغَتانِ: حَرَدٌ، وحَرْدٌ، كَما يُقالُ: الدَّرَكُ، والدَّرْكُ، وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قادِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: مَنَعُوا وهم قادِرُونَ، أيْ: واجِدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالُوا: ﴿ فَلَمّا رَأوْها ﴾ مُحْتَرِقَةً ﴿ قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ.

ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المِسْكِينَ ﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ أيْ: أعْدَلُهُمْ، وأفْضَلُهم ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ تُسَبِّحُونَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: هَلّا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ.

والمَعْنى: هَلّا قُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِثْناءِ: تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ.

والِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْتِثْناؤُهم قَوْلَ: "سُبْحانَ اللَّهِ "قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: هَلّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وتَشْكُرُونَهُ عَلى ما أعْطاكُمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا ﴾ فَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقالُوا: ﴿ إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ بِمَنعِنا المَساكِينَ "فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ" أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِ المَساكِينِ حُقُوقَهم.

يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا، ويَقُولُ الآخَرُ: أنْتَ فَعَلْتَ، ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، فَقالُوا: ﴿ يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ ﴾ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ ما صَنَعَ آباؤُنا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَسَألُوهُ أنْ يُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها ﴾ .

وقَرَأ قَوْمٌ: "يُبْدِلَنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ.

وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ حالِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ والعَيْنُ باقِيَةٌ.

والإبْدالُ: إزالَةُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ.

ونُقِلَ أنَّ القَوْمَ أخْلَصُوا، فَبَدَّلَهُمُ اللَّهُ جَنَّةً العُنْقُودُ مِنها وِقْرُ بَغْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ العَذابُ ﴾ ما فَعَلْنا بِهِمْ نَفْعَلُ بِمَن تَعَدّى حُدُودَنا.

وها هُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ بِما بَعْدَ هَذا فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنّا لَنُعْطى في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا تُعْطَوْنَ، فَقالَ تَعالى مُكَذِّبًا لَهم ﴿ أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَجازُها ها هُنا مَجازُ التَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ﴿ أمْ لَكم كِتابٌ ﴾ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ فِيهِ ﴾ هَذا ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ أيْ: تَقْرَؤُونَ ما فِيهِ ﴿ إنَّ لَكُمْ ﴾ في ذَلِكَ الكِتابِ ﴿ لَما تَخَيَّرُونَ ﴾ أيْ: ما تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: أنَّ لَكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وهَذا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الباطِلِ "سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ" ﴿ أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ ﴾ أيْ: ألَكم عُهُودٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَلَفَ لَكم عَلى ما تَدَّعُونَ بِأيْمانٍ بالِغَةٍ، أيْ: مُؤَكَّدَةٍ.

وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الجَوْدَةِ والصِّحَّةِ فَهو بالِغٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: تَبْلُغُ تِلْكَ الأيْمانُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في لُزُومِها وتَوْكِيدِها "إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ" لِأنْفُسِكم بِهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهُ تَعالى.

قالَ الفَرّاءُ: والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ بالِغَة إلّا الحَسَنَ فَإنَّهُ نَصَبَها عَلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقًّا  ﴾ .

ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ بِأنَّ لَكم ما تَحْكُمُونَ؟!

.

فَلَمّا كانَتِ اللّامُ في جَوابِ "إنَّ" كَسَرَتْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والمَعْنى: أيَهُمُّ كَفَلَ بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الخَيْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: ألَهُمَ أرْبابٌ يَفْعَلُونَ بِهِمْ هَذا الَّذِي زَعَمُوا.

وقِيلَ: يَشْهَدُونَ لَهم بِصِدْقِ ما ادَّعَوْا "فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ" في أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ.

وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ ﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ ﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأوها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ ﴿ قالَ أوسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ "تَنادَوْا" مَعْناهُ: دَعا بَعْضُهم بَعْضًا إلى المُضِيِّ لِمِيعادِهِمْ، وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "أنُ اغْدُوا" بِضَمِّ النُونِ، وبَعْضُهم بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صِرامِ النَخْلِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ عَزْمٍ وإقْدامٍ عَلى رَأْيِكم مِن قَوْلِكَ: "سَيْفٌ صارِمٌ".

و"يَتَخافَتُونَ" مَعْناهُ: يَتَكَلَّمُونَ كَلامًا خَفِيًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تُخافِتْ بِها"، وَكانَ هَذا التَخافُتُ خَوْفًا مِن أنْ يَشْعُرَ بِهِمُ المَساكِينُ، وكانَ لَفْظُهُمُ الَّذِي يَتَخافَتُونَ بِهِ ﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لا يَدْخُلَنَّها" بِسُقُوطِ "أنْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْدٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: عَلى مَنعٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "حارَدَتِ الإبِلُ" إذا قَلَّتْ ألْبانُها فَمَنَعَتْها، و"حارَدَتِ السَنَةُ" إذا كانَتْ شَهْباءَ لا غَلَّةَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قِدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: القَصْدُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ أيْ: يُقْصَدُ قَصْدُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالحَرْدِ: الغَضَبُ، يُقالُ: "حَرَدَ الرَجُلُ يَحْرِدُ حَرْدًا" إذا غَضِبَ، ومِنهُ قَوْلُ الأشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ: أُسُودُ شَرْى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةً ∗∗∗ تَساقَوْا عَلى حَرْدِ دِماءِ الأساوِدِ وَقَوْلُهُ تَعالى: "قادِرِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ: هم قادِرُونَ في زَعْمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَقْدِيرِ، كَأنَّهم قَدْ قَدَرُوا عَلى المَساكِينِ، أيْ ضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوها ﴾ أيّ مُحْتَرِقَةً، حَسِبُوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَرِيقَ، وأنَّها لَيْسَتْ تِلْكَ، فَلَمّا تَحَقَّقُوها عَلِمُوا أنَّها قَدْ أُصِيبَتْ، فَقالُوا: "بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ"، أيْ: قَدْ حُرِمْنا غَلَّتَها وبَرَكَتَها، فَقالَ لَهم أعْدَلُهم قَوْلًا وعَقْلًا وخَلْقًا، وهو الأوسَطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً وسَطًا  ﴾ ، أيْ: عَدْلًا خَيارًا، و"تُسَبِّحُونَ" قِيلَ: هي عِبارَةٌ عن طاعَةِ اللهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ هي كانَتْ لَفْظَةُ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّد رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَ رَبِّنا".

فَبادَرَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وتابُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وسَبَّحُوا واعْتَرَفُوا بِظُلْمِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ مَنعَ الفُقَراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ضمير الغائيبن في قوله: ﴿ بلوناهم ﴾ يعود إلى المكذبين في قوله: ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ [القلم: 8].

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً دَعت إليه مناسبة قوله: ﴿ أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه ءاياتُنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 1415] فإن الازدهاء والغرور بسعة الرزق المفضيين إلى الاستخفاف بدعوة الحق وإهمال النظر في كنهها ودلائلها قد أوقعا من قديم الزمان أصحابهما في بَطَر النعمة وإهمال الشكر فجَرَّ ذلك عليهم شر العواقب، فضرب الله للمشركين مثلاً بحال أصحاب هذه الجَنة لعلهم يستفيقون من غفلتهم وغرورهم.

كما ضرب المثل بقريب منه في سورة الكهف، وضرب مثلاً بقارون في سورة القصص.

والبلْوى حقيقتها: الاختبار وهي هنا تمثيل بحال المبتلَى في إرخاء الحبل له بالنعمة ليشكر أو يكفر، فالبلوى المذكورة هنا بلوى بالخير فإن الله أمدّ أهل مكة بنعمة الأمن، ونعمة الرزق، وجعل الرزق يأتيهم من كل جهة، ويسر لهم سبل التجارة في الآفاق بنعمة الإِيلاف برحلة الشتاء ورحلة الصيف، فلما أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى ما فيه النعيم الدائم فدعاهم وذكرهم بنعم الله أعرضوا وطَغوا ولم يتوجهوا إلى النظر في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي أكمَلَتْ لهم النعم.

ووجه المشابهة بين حالهم وحال أصحاب الجنّة المذكورة هنا هو الإِعراض عن طلب مرضاة الله وعن شكر نعمته.

وهذا التمثيل تعريض بالتهديد بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب، وإن اختلف السبب في نوعه فقد اتحد جنسه.

وقد حصل ذلك بعد سنين إذْ أخذهم الله بسبع سنين بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

وهذه القصة المضروب بها المثل قصة معروفة بينهم وهي أنه كانت ببلد يقال له: ضَرَوان (بضاد معجمة وراء وواو مفتوحات وألف ونون) من بلاد اليمن بقرب صنعاء.

وقيل: ضروان اسم هذه الجنة، وكانت جنّة عظيمة غرسها رجل من أهل الصلاح والإيمان من أهل الكتاب قاله ابن عباس.

ولم يبين من أي أهل الكتاب هو: أمِن اليهود أم من النصارى؟

فقيل: كان يهودياً، أي لأن أهل اليمن كانوا تديّنوا باليهودية من عهد بلقيس كما قيل أو بعدها بِهجرة بعض جنود سليمان، وكانت زكاة الثمار من شريعة التوراة كما في الإِصحاح السادس والعشرين من سفر اللاويين.

وقال بعض المفسرين: كان أصحابُ هذه الجنة بعد عيسى بقليل، أي قبل انتشار النصرانية في اليمن لأنها ما دخلت اليمن إلاّ بعد دخول الأحباش إلى اليمن في قصة القَليس وكان ذلك زمان عام الفيل.

وعن عكرمة: كانوا من الحبشة كانت لأبيهم جنة وجعل في ثمرها حقاً للمساكين وكان يدخل معه المساكين ليأخذوا من ثمارها فكان يعيش منها اليتامى والأَرامل والمساكين وكان له ثلاثة بنين، فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان بعضهم شحيحاً وبعضهم دونه فتمالؤوا على حرمان اليتامى والمساكين والأَرامل وقالوا: لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين.

فبيتوا ذلك وأقسموا أيماناً على ذلك، ولعلهم أقسموا ليُلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعَوا إليه.

وهذا يقتضي أن بعضهم كان متردداً في موافقتهم على ما عَزموا عليه وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى: ﴿ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ [القلم: 28]، قيل كان يقول لهم: اتقوا الله واعدلوا عن خبث نيتكم من منع المساكين، وذكرهم انتقام الله من المجرمين، أي فغلبوه ومضَوا لما عزموا عليه، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه، ولهذا الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة.

فلما جاءوا جنتهم وجدوها مسودّة قد أصَابها ما يشبه الاحتراق فلما رأوها بتلك الحالة علموا أن ذلك أصابهم دون غيرهم لعزمهم على قطع ما كان ينتفع به الضعفاء من قومهم وأنابوا إلى الله رجاء أن يعطيهم خيراً منها.

قيل: كانت هذه الجنة من أعناب.

والصرم: قطع الثمرة وجذاذها.

ومعنى ﴿ مُصبحين ﴾ داخلين في الصباح أي في أوَائل الفجر.

ومعنى ﴿ لا يستثنون ﴾ : أنهم لا يستثنون من الثمرة شيئاً للمساكين، أي أقسموا ليَصْرِمُنّ جميع الثمر ولا يتركون منه شيئاً.

وهذا التعميم مستفاد مما في الصرم من معنى الخزن والانتفاع بالثمرة وإلاّ فإن الصرم لا ينافي إعطاءَ شيء من المجذوذ لمن يريدون.

وأُجمل ذلك اعتماداً على ما هو معلوم للسامعين من تفصيل هذه القصة على عادة القرآن في إيجاز حكاية القصص بالاقتصار على موضع العبرة منها.

وقيل معناه: ﴿ لا يستثنون ﴾ لإِيمانهم بأن يقولوا إن شاء الله كما قال تعالى: ﴿ ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلاّ أن يشاء الله ﴾ [الكهف: 2324].

ووجه تسميته استثناء أن أصل صيغته فيها حرف الاستثناء وهو (إلاّ)، فإذا اقتصر أحد على «إن شاء الله» دون حرف الاستثناء أطلق على قوله ذلك استثناءٌ لأنه على تقدير: إلا أن يشاء الله.

على أنه لما كان الشرط يؤول إلى معنى الاستثناء أطلق عليه استثناء نظراً إلى المعنى وإلى مادة اشتقاق الاستثناء.

وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ من قبيل الإِدماج، أي لِمبلغ غرورهم بقوة أنفسهم صاروا إذا عزموا على فعل شيء لا يتوقعون له عائقاً، والجملة في موضع الحال، والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالتهم العجيبة من بُخلِهم على الفقراء والأيتام.

وعلى الروايات كلها يعلم أن أهل هذه الجنة لم يكونوا كفاراً، فوجه الشبه بينهم وبين المشركين المضروب لهم هذا المثل هو بطر النعمة والاغترار بالقوة.

وقوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربّك، ﴾ الطواف: المشي حول شيء من كل جوانبه يُقال: طاف بالكعبة، وأريد به هنا تمثيل حالة الإِصابة لشيء كله بحال من يطوف بمكان، قال تعالى: ﴿ إذا مسهم طائف من الشيطان ﴾ الآية [الأعراف: 201].

وعُدّي (طاف) بحرف (على) لتضمينه معنى: تسلط أو نزل.

ولم يعين جنس الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب الجنات من الهلاك، ولا يتعلق غرض بتعيين نوعه لأن العبرة في الحاصل به، فإسناد فعل (طاف) إلى ﴿ طائف ﴾ بمنزلة إسناد الفعل المبني للمجهول كأنه قيل: فطِيف عليها وهم نائمون.

وعن الفراء: أن الطائف لا يكون إلاّ بالليل، يعني ومنه سمي الخيال الذي يراه النائم في نومه طَيفاً.

قيل هو مشتق من الطائفة وهي الجزء من الليل، وفي هذا نظر.

فقوله: ﴿ وهم نائمون ﴾ تقييد لوقت الطائف على التفسير الأول، وهو تأكيد لمعنى ﴿ طائف ﴾ على تفسير الفراء، وفائدته تصوير الحالة.

وتنوين ﴿ طائف ﴾ للتعظيم، أي أمر عظيم وقد بينه بقوله: ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ فهو طائف سوء، قيل: أصابها عنق من نار فاحترقت.

و ﴿ من ربّك ﴾ أي جائياً من قِبَل ربّك، ف ﴿ مِن ﴾ للابتداء يعني: أنه عذاب أرسل إليهم عقاباً لهم على عدم شكر النعمة.

وعُجل العقاب لهم قبل التلبس بمنع الصدقة لأن عزمهم على المنع وتقاسمهم عليه حقق أنهم مانعون صدقاتهم فكانوا مانعين.

ويؤخذ من الآية موعظة للذين لا يواسون بأموالهم.

وإذْ كان عقاب أصحاب هذه الجنة دنيوياً لم يكن في الآية ما يدل على أن أصحاب الجنة منعوا صدقة واجبة.

والصريم قيل: هو الليل، والصريم من أسماء الليل ومن أسماء النهار لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر كما سمي كل من الليل والنهار مَلْواً فيقال: المَلوَاننِ، وعلى هذا ففي الجمع بين (أصبحتْ) و(الصريم) محسن الطباق.

وقيل الصريم: الرماد الأسود بلغة جذيمة أو خزيمة.

وقيل الصريم: اسم رملة معروفة باليمن لا تُنبت شيئاً.

وإيثار كلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية.

وبين (يصرِمُنَّها) و(الصريم) الجناس.

وفاء ﴿ فتنادوا ﴾ للتفريع على ﴿ أقسموا ليَصْرِمُنَّها مُصْبِحين، ﴾ أي فلما أصبحوا تنادوا لإنجاز ما بيّتوا عليه أمرهم.

والتنادي: أي ينادي بعضُهم بعضاً وهو مشعر بالتحريض على الغدوّ إلى جنتهم مبكرين.

والغدوّ: الخروج ومغادرة المكان في غُدوة النهار، أي أوله.

وليس قوله: ﴿ إن كنتم صارمين ﴾ بشرط تعليق ولكنه مستعمل في الاستبطاء فكأنهم لإبطاء بعضهم في الغُدوِّ قد عدل عن الجذاذ ذلك اليوم.

ومنه قول عبد الله بن عُمر للحجاج عند زوال عرفة يحرضه على التهجير بالرواح إلى الموقف الرواحَ إن كنت تُريد السنة.

ونظير ذلك كثير في الكلام.

و ﴿ على ﴾ من قوله: ﴿ على حرثكم ﴾ مستعملة في تمكن الوصول إليه كأنه قيل: اغدوا تكونوا على حرثكم، أي مستقرين عليه.

ويجوز أن يضمن فعل الغدوّ معنى الإِقبال كما يقال: يُغدى عليه بالجَفْنة ويُراح.

قال الطيبي: «ومثله قيل في حق المطلب تَغدُو دِرَّتُه (التي يضرب بها) على السفهاء، وجَفنته على الحُلماء».

والحرث: شق الأرض بحديدة ونحوها ليوضع فيها الزريعة أو الشجر وليزال منها العشب.

ويطلق الحرث على الجنة لأنهم يتعاهدونها بالحرث لإِصلاح شجرها، وهو المارد هنا كقوله تعالى: ﴿ وحرثٌ حِجْر ﴾ في سورة الأنعام (138)، وتقدم في قوله: ﴿ والأَنعاممِ والحرثِ ﴾ في سورة آل عمران (14).

والتخافت: تفاعل من خَفَتَ إذا أسرّ الكَلام.

وأن لا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكين } تفسير لفعل ﴿ يتخافتون ﴾ و ﴿ أن ﴾ تفسيرية لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه.

وتأكيد فعل النهي بنون التوكيد لزيادة تحقيق ما تقاسموا عليه.

وأسند إلى ﴿ مسكين ﴾ فعل النهي عن الدخول والمراد نهي بعضهم بعضاً عن دخول المسكين إلى جنتهم، أي لا يترك أحد مسكيناً يدخلها.

وهذا من قبيل الكناية وهو كثير في استعمال النهي كقولهم: لا أعرفنَّك تَفْعَلُ كذا.

وجملة ﴿ وغَدوا على حَردٍ قادرين ﴾ في موضع الحال بتقدير (قد)، أي انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حَرد.

وذُكِر فعل ﴿ غَدَوا ﴾ في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدوِّ النحس كقول امرئ القيس: وباتَ وباتت له ليلة *** كليلة ذي العائر الأرمد بعد قوله: تَطاول ليلك بالأثمُد *** وباتَ الخَلي ولم تَرْقُد يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان.

والحرد: يطلق على المنع وعلى القصد القوي، أي السرعة وعلى الغضب.

وفي إيثار كلمة ﴿ حَرْد ﴾ في الآية نكتة من نكت الإِعجاز المتعلق بشرف اللفظ ورشاقته من حيث المعنى، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من معانيه، أي بأن يتعلق ﴿ على حرد ﴾ ب ﴿ قادرين ﴾ ، أو بقوله ﴿ غَدوا، ﴾ فإذا علق ب ﴿ قادرين، ﴾ فتقديم المتعلِّق يفيد تخصيصاً، أي قادرين على المنع، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع.

والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول: وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى: ﴿ لا يَقدرون على شيء مما كسبوا ﴾ [البقرة: 264] وقال: ﴿ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ [القيامة: 4] فقوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ على هذا الاحتمال من باب قولهم: فلان لا يملك إلاّ الحِرمان أو لا يقدر إلاّ على الخيبة.

وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان ﴿ على حرد ﴾ متعلقاً ب ﴿ غَدَوا ﴾ مبيناً لنوع الغُدو، أي غدوا غدُوَّ سرعة واعتناء، فتكون ﴿ على ﴾ بمعنى باء المصاحبة، والمعنى: غدوا بسرعة ونشاط، ويكون ﴿ قادرين ﴾ حالاً من ضمير ﴿ غدوا ﴾ حالاً مقدَّرة، أي مقدرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا.

وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا، دل عليه قوله بعده ﴿ فلما رأوها قالوا إنا لضالون ﴾ [القلم: 26]، وقولُه قبله ﴿ فطاف عليها طائف من ربّك وهم نائمون ﴾ .

وإذا أريد بالحرد الغضب والحَنق فإنه يقال: حَرَدٌ بالتحريك وحَرْدٌ بسكون الراء ويتعلق المجرور ب ﴿ قادرين ﴾ وتقديمه للحصر، أي غدوا لا قدرة لهم إلاّ على الحَنق والغضب على المساكين لأنهم يقتحمون عليهم جنتهم كل يوم فتحيلوا عليهم بالتبكير إلى جذاذها، أي لم يقدروا إلاّ على الغضب والحنق ولم يقدروا على ما أرادوه من اجتناء ثمر الجنة.

وعن السدي: أن ﴿ حَرد ﴾ اسم قريتهم، أي جنتهم.

وأحسب أنه تفسير ملفق وكأنَّ صاحبه تصيده من فعلي ﴿ اغْدُوا وغَدوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ بَلَوْناهم أهْلُ مَكَّةَ بَلَوْناهم بِالجُوعِ كَرَّتَيْنِ، كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ حَتّى عادَتْ رَمادًا.

الثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ بِبَدْرٍ.

حَكى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ خُذُوهم أخْذًا وارْبُطُوهم في الحِبالِ، ولا تَقْتُلُوا مِنهم أحَدًا، فَضَرَبَ اللَّهُ بِهِمْ عِنْدَ العَدْوِ مَثَلًا بِأصْحابِ الجَنَّةِ.

﴿ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ حَدِيقَةٌ كانَتْ بِاليَمَنِ بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها ضَرَوانَ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ اليَمَنِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ لِقَوْمٍ مِنَ الحَبَشَةِ.

الثّانِي: قالَهُ قَتادَةُ أنَّها كانَتْ لِشَيْخٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ بَنُونَ، فَكانَ يُمْسِكُ مِنها قَدْرَ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ، ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، فَجَعَلَ بَنُوهُ يَلُومُونَهُ ويَقُولُونَ: لَئِنْ وُلِّينا لَنَفْعَلَنَّ، وهو لا يُطِيعُهم حَتّى ماتَ فَوَرِثُوها، فَقالُوا: نَحْنُ أحْوَجُ بِكَثْرَةِ عِيالِنا مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ ( فَأقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ) أيْ حَلَفُوا أنْ يَقْطَعُوا ثَمَرَها حِينَ يُصْبِحُونَ.

﴿ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: اسْتِثْناؤُهم قَوْلُ سُبْحانَ رَبِّنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْرٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَذابٌ مِن رَبِّكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عُنُقٌ مِنَ النّارِ خَرَجَ مِن وادِي جَنَّتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَهم نائِمُونَ ﴾ أيْ لَيْلًا وقْتَ النَّوْمِ، قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا.

﴿ فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ الشّاعِرُ تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجُونُ البَهِيمُ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ، صَرِيمُ.

الثّالِثُ: كالمَصْرُومِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ ثَمَرٌ.

رَوى أسْباطٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إيّاكم والمَعاصِيَ، إنَّ العَبْدَ لَيُذْنِبُ فَيُحْرَمُ بِهِ رِزْقًا قَدْ كانَ هُيِّئَ لَهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ﴾ الآيَتَيْنِ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ)» .

﴿ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ أيْ دَعا بُعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ الصُّبْحِ.

﴿ أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الحَرْثُ عِنَبًا.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ﴾ أيْ عازِمِينَ عَلى صَرْمِ حَرْثِكم في هَذا اليَوْمِ.

﴿ فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَكَلَّمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: يُخْفُونَ كَلامَهم ويُسِرُّونَهُ لِئَلّا يَعْلَمَ بِهِمْ أحَدٌ، قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: يُخْفُونَ أنْفُسَهم مِنَ النّاسِ حَتّى لا يَرَوْهم.

الرّابِعُ: لا يَتَشاوَرُونَ بَيْنَهم.

﴿ أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ ﴾ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى غَيْظٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: عَلى جِدٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عَلى مَنعٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الرّابِعُ: عَلى قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ ايْ يَقْصِدُ قَصْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ.

الخامِسُ: عَلى فَقْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: عَلى حِرْصٍ، قالَهُ سُفْيانُ.

السّابِعُ: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّامِنُ: عَلى غَضَبٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

التّاسِعُ: أنَّ القَرْيَةَ تُسَمّى حَرْدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: (قادِرِينَ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ مُوافاتَهم إلى جَنَّتِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرُوهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القادِرَ المُطاعُ بِالمالِ والأعْوانِ، فَإذا ذَهَبَ مالُهُ تَفَرَّقَ أعْوانُهُ فَعُصِيَ وعَجَزَ.

﴿ فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ ﴾ أيْ أنَّهم لَمّا رَأوْا أرْضَ الجَنَّةِ لا ثَمَرَةَ فِيها ولا شَجَرَ قالُوا إنّا ضالُّونَ الطَّرِيقَ وأخْطَأنا مَكانَ جَنَّتِنا، ثُمَّ اسْتَرْجَعُوا فَقالُوا: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ أيْ حُرِمْنا خَيْرَ جَنَّتِنا، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ جُوزِينا فَحُرِمْنا.

﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْدَلَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خَيْرُهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أعْقَلُهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَوْلا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِهِمْ ( ﴿ لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ﴾ )، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّ التَّسْبِيحَ هو الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المُرادَ بِالِاسْتِثْناءِ ذِكْرُ اللَّهِ، وهو مَوْجُودٌ مِنَ التَّسْبِيحِ.

الثّالِثُ: أنْ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَتُؤَدُّوا حَقَّهُ مِن أمْوالِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان بن الحكم لما بايع الناس ليزيد سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزلت فيه ﴿ والذي قال لوالديه أفٍّ لكما ﴾ قال: فسمعت ذلك عائشة، فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزلت في أبيك ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين همّاز مشاء بنميم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: يعني الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ الآية قال: هو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ يقول: مكثار في الحلف ﴿ مهين ﴾ يقول: ضعيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: ضعيف القلب ﴿ عتل ﴾ قال: شديد الأسر ﴿ زنيم ﴾ قال: ملحق في النسب زعم ابن عباس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: المهين المكثار في الشر ﴿ هماز ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ﴿ مناع للخير ﴾ قال: فلا يعطي خيراً ﴿ معتد ﴾ قال: معتد في قوله: متعمد في عمله ﴿ أثيم ﴾ بربه ﴿ عتل ﴾ هو الفاجر اللئيم الضريبة، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمامة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الفاحش اللئيم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وأبي العالية مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: هو الدعيّ أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم أكارعه وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن عكرمة أنه سئل عن الزنيم قال: هو ولد الزنا، وتمثل بقول الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ** بغيّ الأم ذو حسب لئيم وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: العتل الزنيم رجل ضخم شديد كانت له زنمة زائدة في يده، وكانت علامته.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال: العتل الصحيح الأكول الشروب، والزنيم الفاجر.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: يعرف الكافر من المؤمن مثل الشاة الزنماء، والزنماء التي في حلقها كالمتعلقتين في حلق الشاة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة الزنماء من التي لا زنمة لها.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الملزق في القوم ليس منهم.

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: ستة لا يدخلون الجنة أبداً: العاق والمدمن والجعشل والجوّاظ والقتات والعتل الزنيم.

فقلت يا ابن عباس: أما اثنتان فقد علمت، فأخبرني بالأربع قال: أما الجعشل فالفظّ الغليظ وأما الجواظ فمن يجمع المال ويمنع، وأما القتات فمن يأكل لحوم الناس، وأما العتل الزنيم فمن يمشي بين الناس بالنميمة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم، فقال له رجل من المسلمين: ما الجوّاظ والجعظري والعتل الزنيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجوّاظ فالذي جمع ومنع، تدعوه ﴿ لظى نزاعة للشوى ﴾ [ المعارج: 16] وأما الجعظري فالفظّ الغليظ، قال الله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [ آل عمران: 159] ، وأما العتل الزنيم فشديد الخلق رحيب الجوف مصحح شروب واجد للطعام والشراب ظلوم للناس» .

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن الزنيم قال: هو الرجل تكون له الزنمة من الشر يعرف بها، وهو رجل من ثقيف يقال له: الأخنس بن شريق.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: الزنيم الدعيّ الفاحش اللئيم الملزق، ثم أنشد قول الشاعر: زنيم تداعاه الرجال زيادة ** كما زيد في عرض اللئيم الأكارع وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ قال: هو الأسود بن عبد يغوث.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ﴾ فلم يعرف حتى نزل عليه بعد ذلك ﴿ زنيم ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن حارثة بن وهب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جوّاظ جعظري متكبر» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذرعن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا، فكان للناس ظلوماً، فذلك العتل الزنيم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم مولى معاوية وموسى بن عقبة قالا: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم، قال: هو الفاحش اللئيم» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بعد ذلك زنيم ﴾ قال: «العتل كل رحيب الجوف وثيق الخلق أكول شروب جموع للمال منوع له» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مروديه عن عبدالله بن عمر وأنه تلا ﴿ منّاع للخير ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أهل النار كل جعظري جوّاظ مستكبر مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العتل هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والخرائطي في مساوي الأخلاق والحاكم، وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: هو الرجل يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الزنيم هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء.

وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ قال: رجل من قريش كانت له زنمة زائدة مثل زنمة الشاة يعرف بها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: نعت فلم يعرف حتى قيل ﴿ زنيم ﴾ وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الزنيم الملحق النسب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ظلوم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ زنيم ﴾ قال: ولد الزنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: زنيم تداعته الرجال زيادة ** كما زيد في عرض الأديم الأكارع وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: الزنيم هو الهجين الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ مهين ﴾ قال: الكذاب ﴿ هماز ﴾ يعني الاغتياب ﴿ عتل ﴾ قال: الشديد الفاتك ﴿ زنيم ﴾ الدعيّ وفي قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سيما على أنفه لا تفارقه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ قال: سنسمه بسيما لا تفارقه آخر ما عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ بهمزتين يستفهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات همازاً لمازاً ملقباً للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشدقين» .

قوله: تعالى: ﴿ إنا بلوناهم ﴾ الآيات.

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هؤلاء ناس قص الله عليكم حديثهم، وبيّن لكم أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً فاربطوهم في الجبال، ولا تقتلوا منهم أحداً فنزل ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ يقول: في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: كانوا من أهل الكتاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم منها السائلين، فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق يطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنّها مصبحين وأن لا يطعموا مسكيناً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجنة لشيخ من بني إسرائيل، وكان يمسك قوت سنته، ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ يقول: على جد من أمرهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كما بلونا أصحاب الجنة ﴾ قال: هي أرض باليمن يقال لها ضر، وإن بينها وبين صنعاء ستة أميال.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولا يستثنون ﴾ قال: كان استثناؤهم سبحان الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربكْ ﴾ قال: هو أمر من الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك ﴾ قال: عذاب: عنق من النار خرجت من وادي جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ﴾ قال: أتاها أمر الله ليلاً ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ قال: كالليل المظلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قطر بن ميمون مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: مثل الليل الأسود.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كالصريم ﴾ قال: الذهب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: غدوت عليه غدوة فوجدته ** قعوداً لديه بالصريم عواذله وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: أن ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ قال: كان عنباً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: الإِسرار والكلام الخفي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وهم يتخافتون ﴾ قال: يسرون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرون عليها في أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ على حرد قادرين ﴾ يقول: ذو قدرة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ قال: غدوا على أمر قد قدروا عليه، وأجمعوا عليه في أنفسهم أن لا يدخل عليهم مسكين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ قال: غيظ.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وغدوا على حرد ﴾ يعني المساكين يجد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا إنا لضالون ﴾ قال: أضللنا مكان جنتنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إنا لضالون ﴾ قال: أخطأنا الطريق، ما هذه جنتنا، وفي قوله: ﴿ بل نحن محرومون ﴾ قال: بل حورفنا فحرمناها، وفي قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدل القوم وأحسن القوم فزعاً وأحسنهم رجعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ بل نحن مرومون ﴾ قال: لما تبينوا وعرفوا معالم جنتهم قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ محارفون.

وأخرج ابن المنذر عن معمر قال: قلنا لقتادة أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟

قال: لقد كلفتني تعباً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ يعني أعدلهم، وكل شيء في كتاب الله أوسط فهو أعدل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال أوسطهم ﴾ قال: أعدلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السري في قوله: ﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال: كان استثناؤهم في ذلك الزمان التسبيح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لولا تسبحون ﴾ قال: لولا تستثنون عند قولهم ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون عند ذلك وكان التسبيح استثناءهم كما نقول نحن إن شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك العذاب ﴾ قال: عقوبة الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ قال: عقوبة الآخرة وفي قوله: ﴿ سلهم أيهم بذلك زعيم ﴾ قال: أيهم كفيل بهذا الأمر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ تدرسون ﴾ قال: تقرؤون، وفي قوله: ﴿ أيمان علينا بالغة ﴾ قال: عهد علينا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة ﴾ أي بلونا قريشاً كما بلونا أصحاب الجنة، وكانوا إخوه من بني إسرائيل لهم جنة، روي أنها بمقربة من صنعاء، فحلفوا أن لا يعطوا مسكيناً منها شئياً، وباتوا عازمين على ذلك، فأرسل الله على جنتهم طائفاً من نار فأحرقتها، وعلموا أن الله عاقبهم فيها بما قالوا، فندموا وتابوا إلى الله، ووجه تشبيه قريش بأصحاب الجنة؛ أن الله أنعم على قريش ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنعم على أصحاب الجنة بالجنة، فكفر هؤلاء بهذه النعمة كما فعل أولئك، فعاقبهم الله كما عاقبهم، وقيل: شبَّه قريشاً لما أصابهم الجوع بشدة القحط، حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحاب الجنة لما هلكت جنتهم ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ أي حلفوا أن يقطعوا غلة جنتهم عند الصباح وكانت الغلة ثمراً ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: أحدها لم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا ليصرمنها، والآخر لا يستثنون شيئاً من ثمرها إلا أخذوه لأنفسهم، والثالث لا يتوقفون في رأيهم ولا ينتهون عنه لا يرجعون عنه ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ ﴾ قال الفراء: الطائف الأمر الذي يأتي بالليل ﴿ فَأَصْبَحَتْ كالصريم ﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أصبحت كالليل لأنها اسودَّتْ لِما أصابها، والصريم في اللغة الليل، الثاني أصبحت كالنهار لأنها ابيضت كالحصيد ويقال: صريم لليل والنهار.

الثالث أن الصريم: الرماد الأسود بلغة بعض العرب، الرابع أصبحت كالمصرومة أي المقطوعة ﴿ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ ﴾ أي نادى بعضهم بعضاَ حين أصبحوا وقال بعضهم لبعض: ﴿ اغدوا على حَرْثِكُمْ ﴾ أي جنتكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ﴾ أي حاصدين لثمرتها ﴿ يَتَخَافَتُونَ ﴾ يكلم بعضهم بعضاً في السر ويقولون: ﴿ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ ﴾ وأن في قوله: أن اغدوا وأن لا يدخلنها حرف عبارة وتفسير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ ، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أهل مكة ابتلوا بالإحسان إلى أتباع رسول الله  كما ابتُلي أصحاب الجنة بالإحسان إلى المساكين ثم أخبر أن أولئك امتنعوا عن الإحسان إلى المساكين فحل بهم من البلاء ما ذكر؛ لامتناعهم عن الائتمار، فيذكر أهل مكة: أنهم إن امتنعوا عن الإحسان إلى أتباع محمد  ، حل بهم ما حل بأولئك، وقد وجد منهم الامتناع فابتلوا بسنين كسني يوسف -  - حتى اضطروا إلى أكل الجيف والأقذار.

ثم إن أصحاب الجنة لما مسهم العذاب، وأيقنوا به أنابوا إلى الله  ، وانقلعوا عن مساويهم، فتاب الله عليهم ورفع البلاء عنهم، وأهل مكة تمادوا في غيهم ولم يتوبوا فانتقم الله منهم بالقتل يوم بدر في الدنيا، وسيردهم إلى العذاب في الآخرة.

وجائز أن يكون الله  لما أعزهم وشرفهم وصرف وجوه الخلق إليهم، امتحنهم في الدنيا بتبجيل رسول الله  وتعظيمه، فلما أساءوا صحبته عاقبهم بما ذكرنا، ووسع على أصحاب الجنة فامتحنهم بما وسع عليهم بأن يوسعوا على غيرهم، فلما امتنعوا عن ذلك عوقبوا بزوال النعمة عنهم، وعوقب هؤلاء بزوال العز عنهم، وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ .

فقوله: ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ أي: لأول وقت ينسب إلى الصباح، وذلك يكون في آخر الليل، كما يقال: مُمْسِين، لأول وقت ينسب إلى المساء، وإذا كان كذلك فالانصرام يقع بالليل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ ﴾ ، وهم لا يملكون بعد مضي الليل منع المساكين عن الدخول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ ﴾ .

قيل: أي: لا يقولون: إن شاء الله، وقيل: لا يقولون: سبحان الله، فإن كان على هذا، ففيه أن التسبيح كان مستعملا في موضع الاستثناء، وقد يجوز أن يؤدي معنى الاستثناء؛ لأن في التسبيح تنزيه الرب  ، وفي الاستثناء معنى التنزيه؛ لأن فيه إقرارا أن الله  هو المغير للأشياء والمبدل لها.

ثم أصحاب الجنة بقسمهم قصدوا قصدا يلحقهم العصيان فيه، وكان عهدهم الذي عاهدوا عليه معصية وعوتبوا بتركهم الاستثناء، ففيه دلالة أن الله  يوصف بالمشيئة، لفعل المعاصي ممن يعلم أنه يختارها؛ لأنه لو لم يوصف به، لم يكن لمعاتبته إياهم بتركهم الاستثناء معنى؛ إذ لا يجوز استعمال الاستثناء فيما لا يجوز أن يوصف به الرب جل وعز، ألا ترى [أنه] لا يستقيم أن يقال: إن شاء الله جار وإن لم يشأ لم يجر، وإن شاء ضل وإن شاء لم يضل، وإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فلو لم يوصف أيضاً بإضلال من يعلم منه أنه يؤثر الضلالة، لم يجز أن يلاموا على ترك الاستثناء، ولا مدخل للاستثناء فيه، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ؛ فتبين أنه يشاء إضلال من ذكرنا.

وفيه دلالة أن خلق الشيء غير ذلك الشيء؛ لأنه يستقيم أن يوصف الله  بالإضلال، ولا [يجوز أن] يوصف بالضلال وإن كان الإضلال خلقاً له، ويوصف أنه المحيي والمميت، ولا يستقيم أن يقال: إن شاء حيا وإن شاء مات، وإن كان هو الذي خلقهما.

ثم ليس في قوله: ﴿ إِذْ أَقْسَمُواْ ﴾ : إبانة أن قسمهم كان بماذا: فإن كان بغير الله  ، ففيه إبانة أن القسم قد يكون بغير الله  ، وإن كان قسمهم بالله  ، ففيه حجة لأبي يوسف على أبي حنيفة - رحمهما الله - أن اليمين إذا كانت مؤقتة فإن هلاك الشيء المحلوف بها قبل مضي وقتها لا يسقط اليمين، بل تبقى بحالها، ويلزم على صاحبها حكم الحنث إذا مضى وقتها؛ لأن الثمر الذي حلفوا على صرمه قد هلك قبل الوقت الذي أوجب فيه الصرم، فلو كانت اليمين تسقط عنهم بهلاك الثمر، لم يكونوا يحتاجون إلى الاستثناء؛ لأن الحاجة إلى الاستثناء لإسقاط المؤنة التي تلزمهم بالحنث في اليمين، فلو كان هلاك الثمر مسقطا لليمين ومؤنة الحنث لاستغنوا عن الاستثناء، فلما لحقتهم اللائمة؛ لتركهم الاستثناء، دل أن المؤنة تبقى عليهم إذا عَرِيَتْ عن الاستثناء وإن كانت مؤقتة.

ولكنْ أبو حنيفة - رحمه الله - يسقِط عنه اليمينَ بهلاك الشيء المحلوف عليه إذا كانت يمينه بالله  ، ولا يسقطها إذا كانت بشيء من القرب والطاعات - أعني: الندب -، وليس في الآية إبانة أن يمينهم كانت بالله  ؛ فجائز أن يكون يمينهم بشيء من القرب؛ فبقيت عليهم؛ ولأنه عاتبهم على ترك الاستثناء؛ لعزمهم على المعصية، والاستثناء يسقط العزيمة؛ لأن من عزم على المعصية، وقال فيه: إن شاء الله - لم يصر آثما بمقالته، ولا صار عازما على المعصية، وأبو حنيفة - رحمه الله - ليس يخرجه عن المعصية في اليمين المؤقتة إذا عقدت على أمر من أمور المعصية.

والذي يدل على أن العتاب [في ترك] الاستثناء؛ للوجه الذي ذكرنا: أنه لم يذكر في شيء من الأخبار، ولا ذكر في الكتاب أن أحدا منهم أمر بالتكفير، ولو كان الحنث لازما، لكانوا يلامون على ترك التكفير أيضاً، كما [لحقتهم اللائمة] بترك الاستثناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴾ .

طائف من ربك: قيل: عذاب ربك، وسمي: طائفا لأنه أتاهم بالليل، وكل آت بالليل [فهو] طائف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ﴾ .

قيل: أي: الجنة كأنها صرمت، وهم أصبحوا ليصرموها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴾ .

قيل: يتسارُّون فيما بينهم؛ فيجوز أن تكون مسارتهم كانت في الأمر بالإسراع في المشي؛ لئلا يشعر بهم أحد من المساكين.

أو يتعجلوا في الخروج [والمشي] قبل الوقت الذي يصبح فيه المساكين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾ .

فمنهم من ذكر أن اسم جنتهم كان حردا.

وقيل: غدوا على أمر قد استثنوه فيما بينهم.

وقال الزجاج: الحرد له أوجه ثلاثة: أحدها: القصد، واستدل عليه بقول الشاعر: أقبلَ سيلٌ كان من أمر اللهْ *** يحرد حردَ الحيةِ المُغِلَّهْ أي: بقصد قصدها.

والثاني: هو المنع، يقال: أحردت السنة؛ إذا قحطت وذهبت بركتها.

والثالث: الغضب، فغدوا على حرد قادرين، أي: على غضب على الفقراء.

وقوله: ﴿ قَادِرِينَ ﴾ .

أي: قادرون عليها في أنفسهم.

ولقائل أن يقول بأن في هذه الآية دلالة تقدم القدرة على الفعل؛ لأنه أثبت لهم القدرة قبل الفعل، ولكن هذه القدرة ليست هذه قدرة الأفعال، وإنما هي قدرة الأسباب والأحوال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ﴾ .

أي: قد ضللنا الطريق، فكان عندهم أنهم قد ضلوا الطريق لذلك لم يتوصلوا إلى ثمارها ثم ظهر لهم أنهم لم يضلوا الطريق، بل حرموا بركة الثمار بجنايتهم التي جنوها، فتذكروا صنيعهم، وندموا على ذلك، فأقبلوا بالاستكانة والتضرع إلى الله  ، فتاب عليهم، فلعل الذي قال: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ يخرج على هذا، وهو أنا بلونا أصحاب الجنة، فتذكروا؛ فرفع عنهم العذاب، ولم يتذكر أهل مكة فحل بهم العذاب يوم بدر، كما قال: ﴿ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 76\].

وقوله: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ ﴾ .

أي: أعدلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ﴾ .

جائز أن يكون معناه: لولا تصلون الفجر، ثم تخرجون.

وجائز أن يكون معناه: لولا تستثنون.

وقد ذكرنا أن في الاستثناء معنى التسبيح؛ لأن فيه إقرارا بأن الأمور كلها تنفذ بمشيئة الله  ، وأنه هو المغير والمبدل دون أحد سواه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ﴾ .

فهذا منهم توحيد وتنزيه.

وفي قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ اعتراف بما ارتكبوا من الذنوب وإنابة إلى الله  ، وتمام التوبة منهم في قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

فذكر المفسرون في قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ ﴾ ، أي: أقبل بعضهم على بعض باللوم يقول: أنت أمرتنا أن نصرمها ليلاً، وقال هذا لهذا: بل هو عملك أنت.

وهذا لا معنى له؛ لأن هذا يوجب تبرئة كل واحد منهم عن ارتكاب الذنوب، وقد سبق منهم الإقرار بالذنب بقولهم: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ ، وبقولهم ﴿ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ ، فكيف يبرئون أنفسهم عن الذنوب وقد اعترفوا بها؟!

فهذا تأويل لا معنى له، بل معناه - والله أعلم - فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون على إدخال كل منهم نفسه في ذلك [القول، فأقبل] كل واحد منهم باللائمة على نفسه حتى يكون [هذا] موافقا لقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴾ .

ففي هذا إتمام التوبة، ففيه أنهم أظهروا الندامة على ما سبق منهم من أوجه ثلاثة: مرة بما وصفوا أنفسهم بالظلم.

ومرة بما لاموا أنفسهم.

ومرة بما وصفوا أنفسهم بالطغيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ ﴾ .

أي: يبدلنا خيرا منها إذا تبنا، وأنبنا إلى ربنا؛ لأنه لا يجوز أن يتوقعوا خيراً منها وهم مصرون على ذنوبهم؛ إذ قد عرفوا أنهم إنما حرموا بركة الثمار بما ارتكبوا من الذنوب؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.

ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة يقولون: ﴿ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ ﴾ في الآخرة إذا تبنا وأنبنا إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴾ .

إلى ما عند ربنا من العطايا والمنن لراغبون.

أو إلى ما وعد ربنا للتائبين من الذنوب لراغبون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ ﴾ .

كأنه يخاطب أهل مكة أن كذلك العذاب في الدنيا في أن يأخذ أهله آمن ما كانوا، أو أغفل ما كانوا، كما أخذ أصحاب الجنة عند الأمن؛ إذ كان عندهم أنهم يقدرون على صرم تلك الثمار ولا يأخذهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ففي هذا إيجاب العذاب على من لم يعلم بالعذاب ولم يؤمن به؛ لأنهم لم يؤمنوا بعذاب الآخرة ولا علموا به، ثم أوجب لهم العذاب وإن لم يعلموا ولم يعذروا بالجهل؛ لأنهم قد وقفوا على السبب الذي لو تفكروا لعلموا بالعذاب ولأيقنوا به، وفيه هذا حجة لأن لا عذر لمن تخلف عن التوحيد والإيمان بالله  وإن جهل، إلا أن يكون جهله جهل خلقة؛ لأن الذي أفضى به إلى الجهل هو التقصير في الطلب، وإلا لو لم يقصر في الطلب لوجد من يدله على معرفة الصانع ووحدانية الرب -  -.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فساروا إلى حرثهم، مسرعين يحدِّث بعضهم بعضًا بصوت منخفض.

<div class="verse-tafsir" id="91.92nWl"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله