الآية ١ من سورة نوح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 71 نوح > الآية ١ من سورة نوح

إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة نوح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة نوح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة نوح وهي مكية .

يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام ، أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم ، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم ; ولهذا قال : ( أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا ) وهو نوح بن لمَكَ(إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يقول: أرسلناه إليهم بأن أنذر قومك؛ فأن في موضع نصب في قول بعض أهل العربية، وفي موضع خفض في قول بعضهم.

وقد بيَّنت العلل لكلّ فريق منهم، والصواب عندنا من القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وهي في قراءة عبد الله (4) فيما ذُكر ( إنَّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْذِرْ قَوْمَكَ ) بغير " أن "، وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول، فكأنه قيل: قلنا لنوح: أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم؛ وذلك العذاب الأليم هو الطوفان الذي غرّقهم الله به.

---------------------- الهوامش: (4) ‌هو عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل، مقرئ القرآن، ومعلم أهل الكوفة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة نوحمكية ، وهي ثمان وعشرون آية .بسم الله الرحمن الرحيمإنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليمقد مضى القول في " الأعراف " أن نوحا عليه السلام أول رسول أرسل .

ورواه قتادة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول رسول أرسل نوح وأرسل إلى جميع أهل الأرض " .

فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعا .

وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلايل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم عليه السلام .

قال وهب : كلهم مؤمنون .

أرسل إلى قومه وهو ابن خمسين سنة .

وقال ابن عباس : ابن أربعين سنة .

وقال عبد الله بن شداد : بعث وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة .

وقد مضى في سورة " العنكبوت " القول فيه .

والحمد لله .أن أنذر قومك أي بأن أنذر قومك ; فموضع أن نصب بإسقاط الخافض .

وقيل : موضعها جر لقوة خدمتها مع " أن " .

ويجوز " أن " بمعنى المفسرة فلا يكون لها موضع من الإعراب ; لأن في الإرسال معنى الأمر ، فلا حاجة إلى إضمار الباء .

وقراءة عبد الله " أنذر قومك " بغير " أن " بمعنى قلنا له أنذر قومك .

وقد تقدم معنى الإنذار في أول " البقرة " .من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال ابن عباس : يعني عذاب النار في الآخرة .

[ ص: 274 ] وقال الكلبي : هو ما نزل عليهم من الطوفان .

وقيل : أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا .

فكان يدعو قومه وينذرهم فلا يرى منهم مجيبا ; وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه فيقول ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .

وقد مضى هذا مستوفى في سورة " العنكبوت " والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لم يذكر الله في هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم، وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه السلام لذلك، وابتدر لأمر الله،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك ) أي : بأن أنذر قومك ( من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) المعنى : إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أَن أَنذر» أي بإنذار «قومك من قبل أن يأتيهم» إن لم يؤمنوا «عذاب أَليم» مؤلم في الدنيا والآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا بعثنا نوحا إلى قومه، وقلنا له: حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع.

قال نوح: يا قومي إني نذير لكم بيِّن الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه، وإني رسول الله إليكم فاعبدوه وحده، وخافوا عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن أطعتموني واستجبتم لي يصفح الله عن ذنوبكم ويغفر لكم، ويُمدد في أعماركم إلى وقت مقدر في علم الله تعالى، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبدًا، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، قد وردت في سور متعددة منها : سورة الأعراف ، ويونس ، وهود ، والشعراء ، والعنكبوت .وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاثة وأربعين موضعا .وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا ليدلهم على طريق الرشاد .وقد افتتحت السورة هنا بالأسلوب المؤكد بإنَّ ، للاهتمام بالخبر ، وللاتعاظ بما اشتملت عليه القصة من هدايات وإرشادات .وأن فى قوله ( أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ ) تفسيرية ، لأنها وقعت بعد أرسلنا ، والإِرسال فيه معنى القول دون حروفه ، فالجملة لا محل لها من الإعراب .ويصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن أنذر قومك .

.

والإِنذار ، هو الإخبار الذى معه تخويف .وقوم الرجل : هم أهله وخاصته الذين يجتمعون معه فى جد واحد .

وقد يقيم الرجل بين الأجانب .

فيسميهم قومه على سبيل المجاز للمجاورة .أى : إنا قد اقتضت حكمتنا أن نرسل نوحا - عليه السلام - إلى قومه ، وقلنا له : يا نوح عليك أن تنذرهم وتخوفهم من عذابنا ، وأن تدعوهم إلى إخلاص العبادة لنا ، من قبل أن ينزل بهم عذاب مؤلم ، لا طاقة لهم بدفعه ، لأن هذا العذاب من الله - تعالى - الذى لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .وقال - سبحانه - ( أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ ) ولم يقل : أن أنذر الناس ، لإِثارة حماسته فى دعوته ، لأن قوم الرجل يحرص الإِنسان على منفعتهم .

.

أكثر من حرصه على منفعهة غيرهم .والآية الكريمة صريحة فى أن ما أصاب قوم نوح من عذاب أليم ، كان بسبب إصرارهم على كفرهم ، وعدم استماعهم إلى إنذاره لهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ ﴾ في قوله: ﴿ أن ﴾ وجهان: أحدهما: أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل، والمعنى أرسلناه بأن قلنا له: أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإنذار الثاني قال الزجاج: يجوز أن تكون مفسرة والتقدير: إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أي أنذر قومك وقرأ ابن مسعود، ﴿ أُنذِرَ ﴾ بغير أن على إرادة القول.

ثم قال: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال مقاتل يعني الغرق بالطوفان.

واعلم أن الله تعالى لما أمره بذلك امتثل ذلك الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ أصله: بأن أنذر، فخذف الجار وأوصل الفعل: وهي أن الناصبة للفعل، والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنظار.

ويجوز أن تكون مفسرة؛ لأنّ الإرسال فيه معنى القول.

وقرأ ابن مسعود ﴿ أنذر ﴾ بغير (إن) على إرادة القول.

و ﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ نحو ﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ في الوجهين.

فإن قلت: كيف قال ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ ﴾ مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟

قلت: قضى الله مثلاً أنّ قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة.

فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: إلى وقت سماه الله وضربه أمداً تنتهون إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ نُوحٍ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ أوْ ثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ ﴾ أيْ بِأنْ أيْ بِالإنْذارِ، أوْ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ أوِ الطُّوفانُ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ مَرَّ في «الشُّعَراءِ» نَظِيرُهُ وفي أنِ يَحْتَمِلَ الوَجْهانِ.

﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم وهو ما سَبَقَ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ فَلا يُؤاخِذْكم بِهِ في الآخِرَةِ ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو أقْصى ما قُدِّرَ لَكم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ إنَّ الأجَلَ الَّذِي قَدَّرَهُ.

﴿ إذا جاءَ ﴾ عَلى الوَجْهِ المُقَدَّرِ بِهِ آجِلًا وقِيلَ إذا جاءَ الأجَلُ الأطْوَلُ.

﴿ لا يُؤَخَّرُ ﴾ فَبادِرُوا في أوْقاتِ الإمْهالِ والتَّأْخِيرِ.

﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهم لِانْهِماكِهِمْ في حُبِّ الحَياةِ كَأنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً} قيل معناه بالسريانية الساكن {إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ} خوّف أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل ومحله عند الخليل جر وعند غيره نصب أو أن مفسرة بمعنى أي لأن في الإرسال معنى القول {قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أليم} عذاب الآخرة أو الطوفان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي ثَمانٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وثَلاثُونَ فِيما عَدا ذَلِكَ ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبِلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ  ﴾ عَقَّبَهُ تَعالى بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْتَمِلَةِ عَلى إغْراقِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم في الأرْضِ دَيّارٌ وبَدَّلَ خَيْرًا مِنهم فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِظْهارِ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما وقَعَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الجَنَّةِ في سُورَةِ ن مَوْقِعَ الِاسْتِظْهارِ لِما خَتَمَ بِهِ تَبارَكَ هَذا مَعَ تَواخِي مَطْلَعِ السُّورَتَيْنِ في ذَلِكَ العَذابِ المَوْعَدِ بِهِ الكافِرُونَ ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السّائِلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرٌ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ  يَقْرَؤُها عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو نُوحًا وقَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أوَّلَ النّاسِ فَيَقُولُ: ماذا أجَبْتُمْ نُوحًا ؟

فَيَقُولُونَ: ما دَعانا وما بَلَّغَنا ولا نَصَحَنا ولا أمَرَنا ولا نَهانا، فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعَوْتُهم يا رَبِّ دُعاءً فاشِيًا في الأوَّلِينَ والآخِرِينَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ حَتّى انْتَهى إلى خاتَمِ النَّبِيِّينَأحْمَدَ  فانْتَسَخَهُ وقَرَأهُ وآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ: ادْعُوا أحْمَدَ وأُمَّتَهُ فَيَدْعُونَهم فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ  وأُمَّتُهُ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أنِّي بَلَّغْتُ قَوْمِيَ الرِّسالَةَ واجْتَهَدْتُ لَهم بِالنَّصِيحَةِ وجَهَدْتُ أنْ أسْتَنْقِذَهم مِنَ النّارِ سِرًّا وجِهارًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا؟

فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ  وأُمَّتُهُ: ( فَإنّا ) نَشْهَدُ بِما أنْشَدْتَنا أنَّكَ في جَمِيعِ ما قُلْتَ مِنَ الصّادِقِينَ.

فَيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنّى عَلِمْتَ هَذا أنْتَ وأُمَّتُكَ ونَحْنُ أوَّلُ الأُمَمِ وأنْتَ آخِرُ الأُمَمِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ  : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ  ﴾ حَتّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، فَإذا خَتَمَها قالَتْ أُمَّتُهُ نَشْهَدُ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ»» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ زادَ الجَوالِيقِيُّ مُعَرَّبٌ والكِرْمانِيُّ مَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ وصُرِفَ لِعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلى الثَّلاثَةِ مَعَ سُكُونِ وسَطِهِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أصْلًا.

وقَوْلُ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ وبُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ لا أظُنُّهُ يَصِحُّ وكَذا ما يُنْقَلُ في سَبَبِ بُكائِهِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى كَلْبًا أجْرَبَ قَذِرًا فَبَصَقَ عَلَيْهِ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ أتَعِيبُنِي أمْ تَعِيبُ خالِقِي فَنَدِمَ وناحَ لِذَلِكَ.

والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ لَمْكٍ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ ابْنِ خَنُوخٍ بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ خاءٌ مُعْجَمَةٌ وشاعَ أخَنُوخٍ بِهَمْزَةٍ أوَّلِهِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بْنُ يَرْدُ بِمُثَنّاةٍ مِن تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ راءٍ ساكِنَةٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ مُهَلايِيلِ بْنِ قَيْنانِ بْنِ أنْوَشَ بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفِي المُسْتَدْرَكِ أنَّ أكْثَرَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ قَبْلَ إدْرِيسَ وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ عَشَرَةُ قُرُونٍ وفِيهِ أيْضًا مَرْفُوعًا «بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا لِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَبِثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشَوْا» .

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ كانَ بَعْدَ وفاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا وفي التَّهْذِيبِ لِلنَّوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عُمْرًا وقِيلَ إنَّهُ أطْوَلُ النّاسِ مُطْلَقًا عُمْرًا فَقَدْ عاشَ عَلى ما قالَ شَدّادٌ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ وثَمانِينَ سَنَةً ولَمْ يُسْمَعْ عَنْ أحَدٍ أنَّهُ عاشَ كَذَلِكَ يَعْنِي بِالِاتِّفاقِ لِئَلّا يَرْدَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ يُجابُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهو عَلى ما قِيلَ أوَّلُ مَن شُرِعَتْ لَهُ الشَّرائِعُ وسُنَّتْ لَهُ السُّنَنُ وأوَّلُ رَسُولٍ أنْذَرَ عَلى الشِّرْكِ وأُهْلِكَتْ أُمَّتُهُ، والحَقُّ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا قَبْلَهُ أُرْسِلَ إلى زَوْجَتِهِ حَوّاءَ ثُمَّ إلى بَنِيهِ وكانَ في شَرِيعَتِهِ وما نُسِخَ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ في قَوْلٍ وفي آخَرَ لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَتِهِ إلّا الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ ويُقالُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وآدَمُ الثّانِي وكانَ دَقِيقَ الوَجْهِ في رَأْسِهِ طُولٌ عَظِيمَ العَيْنَيْنِ غَلِيظَ العَضُدَيْنِ كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ ضَخْمَ السُّرَّةِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ والقامَةِ جَسِيمًا.

واخْتُلِفَ في مَكانِ قَبْرِهِ فَقِيلَ بِمَسْجِدِ الكُوفَةِ وقِيلَ بِالجَبَلِ الأحْمَرِ وقِيلَ بِذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ.

وفي إسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ العَظَمَةُ مَعَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إلى قَوْمِهِ ﴾ قِيلَ هم سُكّانُ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن قَرُبَ مِنهم لا أهْلَ الأرْضِ كافَّةً لِاخْتِصاصِ نَبِيِّنا  بِعُمُومِ البِعْثَةِ مِن بَيْنِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما كانَ لِنُوحٍ بَعْدَ قِصَّةِ الغَرَقِ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الكُوفَةِ وهُناكَ أُرْسِلَ ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ أيْ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ أوْ بِأنْ أنْذِرَهم أيْ بِإنْذارِهِمْ أوْ لِإنْذارِهِمْ عَلى أنَّ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ هو الباءُ أوِ اللّامُ وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ مِنَ الجَرِّ والنَّصْبِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ.

ونَصَّ أبُو حَيّانٍ عَلى جَوازِ هَذا الوَجْهِ في بَحْرِهِ هُنا ومَنعِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ.

وحَكى المَنعَ عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وقالَ: زَعَمَ أبُو حَيّانٍ أنَّها لا تُوصَلُ بِالأمْرِ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِعَ مِن ذَلِكَ فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ واسْتَدَلَّ بِدَلِيلَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُما إذا قُدِّرا بِالمَصْدَرِ فاتَ مَعْنى الأمْرِ الثّانِي أنَّهُما لَمْ يَقَعا فاعِلًا ولا مَفْعُولًا لا يَصِحُّ أعْجَبَنِي أنْ قُمْ ولا كَرِهْتُ أنْ قُمْ كَما يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الماضِي والمُضارِعِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ في المَوْصُولَةِ بِالمُضارِعِ والماضِي عِنْدَ التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ ثُمَّ إنَّهُ يُسَلِّمُ مَصْدَرِيَّةَ المُخَفَّفَةِ مَعَ لُزُومِ نَحْوِ ذَلِكَ فِيها في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها  ﴾ إذْ لا يُفْهَمُ الدُّعاءُ مِنَ المَصْدَرِ إلّا إذا كانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ سَقْيًا ورَعْيًا.

.

وعَنِ الثّانِي أنَّهُ إنَّما مَنَعَ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَعْلِيقِ الإعْجابِ والكَراهِيَةِ بِالإنْشاءِ لا لِما ذَكَرَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أنْ لا يُسَلِّمَ مَصْدَرِيَّةَ كَيْ لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا ولا مَفْعُولًا وإنَّما تَقَعُ مَخْفُوضَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ مِمّا يَقْطَعُ بِهِ عَلى قَوْلِهِ بِالبُطْلانِ حِكايَةُ سِيبَوَيْهِ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ واحْتِمالُ زِيادَةِ الباءِ كَما يَقُولُ وهْمٌ فاحِشٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ مُطْلَقًا لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ انْتَهى.

.

وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الأوَّلِ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ التَّقْدِيرِ يُقَدَّرُ الأمْرُ فَيُقالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ مَثَلًا ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ فِعْلُ يَكُونُ الأمْرُ مَصْدَرَهُ كَأمْرِنا أوْ نَأْمُرُ ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ المَعْنى في نَحْوِ أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ.

وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابِ ذَلِكَ هو أنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقْ لَفْظُ الأمْرِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ رَسَمْتُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ لِئَلّا يَبْطُلَ الطَّلَبُ فَيُقالُ هُنا: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ أيْ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وإذا سَبَقَهُ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ لِأنَّ مَآلَ العِباراتِ أعْنِي أمَرْتُهُ بِالقِيامِ وأمَرْتُهُ بِأنَّهُ قُمْ وأنْ قُمْ بِدُونِ الباءِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ إلى واحِدٍ وفي الكَشْفِ لَوْ قِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ وأرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ لَأنَّ الأمْرِيَّةَ لَيْسَتْ مَدْلُولَ جَوْهَرِ الكَلِمَةِ بَلْ مِن مُتَعَلِّقِ الأداةِ فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ تَبَعًا وفي أمْرِ المُخاطَبِ اكْتَفى بِالصِّيغَةِ تَحْقِيقًا لَكانَ حَسَنًا وهَذا كَما أنَّ التَّقْدِيرَ في أنْ لا يَزْنِي خَيْرٌ لَهُ عَدَمُ الزِّنا فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ.

وأمّا إذا صَرَّحَ بِالأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِلطَّلَبِ أيْضًا هَذا ولَوْ قَدَّرَ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ أيْ بِأنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِهِ مُبالَغَةً في الطَّلَبِ لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الصَّوابِ ولِما فُهِمَ مِنهُ ما فُهِمْ مِنَ الأوَّلِ وأبْلَغُ =اسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَهُ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ الأصْلِ وأوْعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيرَ القَوْلِ هُنا لَيْسَ لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَلْ لِأنَّ الباءَ المَحْذُوفَةَ لِلْمُلابَسَةِ وإرْسالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِإنْذارِهِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ وإنَّما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أنْذِرْ ﴾ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى لِطَلَبِ الإنْذارِ قِيلَ: المَعْنى أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وكانَ هَذا القائِلُ لا يُبالِي بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ المُتَقَدِّمُ آنِفًا.

.

وبَحَثَ الخَفاجِيُّ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ الفَواتِ فَقالَ: كَيْفَ يَفُوتُ مَعْنى الطَّلَبِ وهو مَذْكُورٌ صَرِيحًا في ﴿ أنْذِرْ ﴾ ونَحْوِهِ، وتَأْوِيلُهُ بِالمَصْدَرِ المَسْبُوكِ تَأْوِيلٌ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ أخَذُوهُ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَكَيْفَ يُبْطِلُ صَرِيحَ مَنطُوقِهِ فَما ذَكَرُوهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وإنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فاعْرِفْهُ انْتَهى.

وأقُولُ: لَعَلَّهم أرادُوا بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ فَواتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الحاصِلِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إذا ذُكِرَ بِالفِعْلِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الطَّلَبِ ولا يَتَحَدُّ الكَلامانِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ يَفُوتُ مُطْلَقًا كَيْفَ وتَحَقُّقُهُ في المَنطُوقِ الصَّرِيحِ كَنارٍ عَلى عِلْمٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا مَنعُهم بُطْلانَ اللّازِمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ إلَخِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الفَواتَ باطِلٌ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ وفَواتِ مَعْنى الدُّعاءِ في نَحْوِ أنَّ غَضَبَ [النُّورِ: 9] وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِباطِلٍ لِأنَّهُ فَواتٌ عِنْدَ الذِّكْرِ بِالفِعْلِ ولَيْسَ بِلازِمٍ، ولَيْسَ بِفَواتٍ مُطْلَقًا لِظُهُورِ أنَّ المَنطُوقَ الصَّرِيحَ مُتَكَفِّلٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ.

.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْذِرْ» بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلِينَ أنْذِرْ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عاجِلٌ وهو ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ كَما قالَ الكَلْبِيُّ أوْ آجِلٌ وهو عَذابُ النّارِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمُرادُ أنْذِرْهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثمان وعشرون آية مكية قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: جعله الله رسولاً إلى قومه.

أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ يعني: أن خوف قومك بالنار لكي يؤمنوا بالله.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الطوفان والغرق.

قالَ لهم نوح-  -: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: قال نوح لقومه أنبئكم بلغة تعرفونها؟

أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: أنذركم وأقول لكم اعبدوا الله، يعني: وحدوا الله.

وَاتَّقُوهُ يعني: واخشوه واجتنبوا معاصيه.

وَأَطِيعُونِ فيما آمركم، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ يعني: ذنوبكم.

و «من» صلة.

وَيُؤَخِّرْكُمْ يعني: يؤجلكم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى منتهى آجالكم.

إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ يعني: إن عذاب الله، إِذا جاءَ لاَ يُؤَخَّرُ يعني: لا يستطيع أن يؤخره أحد.

لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني: لو كان لكم علم تنتفعون به.

قوله تعالى: قالَ رَبِّ يعني: دعا نوح بعد ما كذبوه في طول المدة، قال: رب يعني: يا رب، إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى التوحيد لَيْلًا وَنَهاراً يعني: في كل وقت سراً وعلانية.

فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً يعني: إلى التوحيد تباعداً من الإيمان.

قال عز وجل: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى التوحيد، لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ يعني: لا يسمعون دعائي، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ يعني: غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي.

وَأَصَرُّوا يعني: أقاموا على الكفر والشرك، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً يعني: تكبَّروا عن الإيمان تكبراً.

قوله تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً يعني: دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ يعني: صحت لهم، وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً يعني: خلطت دعاءهم بالعلانية بدعائهم في السر.

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يعني: توبوا وارجعوا من ذنوبكم، يعني: الشرك والفواحش.

إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يعني: غفاراً لمن تاب من الشرك.

يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يعني: المطر دائماً كلما احتاجوا إليه.

وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يعني: يعطيكم أموالاً وأولاداً، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يعني: البساتين، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً يعني: في الجنات.

قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً؟

ما لكم لا تخافون لله عظمة في التوحيد؟

وهو قول الكلبي ومقاتل وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؟

ويقال: ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان؟

يعني: في الجنة.

وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما لكم لا تعلمون حق عظمته؟

وقال مجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمة؟

وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً يعني: خلقاً بعد خلق وحالاً بعد حال، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.

فمعناه: ما لكم لا توحدون، وقد خلقكم ضروباً؟

ويقال: أراد به اختلاف الأخلاق والمنطق، ويقال أراد به المناظرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً الآية، هذه المقالةُ قَالَها نوحٌ ع بَعْدَ طولِ عُمْرِهِ ويأسِه من قومه.

وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ: معناه: جعلوها أغشية على رؤوسهم.

وقوله: يُرْسِلِ السَّماءَ الآية، رُوِيَ أن قومَ نوحٍ كانوا قَدْ أصَابَتْهُمْ قُحُوطٌ وأزْمَةٌ فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر، ومِدْراراً من الدَّرِّ، ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ورَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» «١» رواه أبو داود واللفظ له، والنسائيُّ وابن ماجه، ولفظ النسائيِّ «٢» : «من أكْثَرَ من الاستغفار» ، انتهى من «السلاح» .

ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥)

وقوله: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً قال أبو عبيدةَ وغيره: تَرْجُونَ معناه تَخَافُونَ «٣» ، قالُوا: والوَقَارُ بمعنى العَظَمَةِ، فكأَنَّ الكلامَ عَلى هذا التأويلِ وَعِيدٌ وتخويفٌ، وقال بعض العلماء: تَرْجُونَ على بَابِها، وكأنه قال: مَا لَكُمْ لا تجعلون رجاءكم لله، ووَقاراً يكونُ على هذا التأويل منهم كأنه يقولُ: تَؤُدَةً مِنْكُمْ وتَمَكُّناً في النظر.

وقوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قال ابن عباس وغيره: هي إشارة إلى التدريجِ الذي للإنْسَانِ في بطنِ أمه «٤» ، وقال جماعة: هي إشارة إلى العِبْرَةِ في اختلاف خلق ألوان الناس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ نُوحٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ.

و"العَذابُ الألِيمُ" الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِضَمِّ النُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو "أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ" بِكَسْرِ النُّونِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن ضَمَّ كَرِهَ الكَسْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ "مِن" ها هُنا صِلَةٌ.

والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ "مِن" ها هُنا لِتَخْتَصَّ الذُّنُوبَ مِن سائِرِ الأشْياءِ.

ولَمْ تَدْخُلْ لِتَبْعِيضِ الذُّنُوبِ، ومِثْلُهُ ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.

والمَعْنى: يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم إلى وقْتِ الإيمانِ "وَيُؤَخِّرْكُمْ" أيْ: عَنِ العَذابِ "إلى أجَلٍ مُسَمًّى" وهو مُنْتَهى آجالِهِمْ.

والمَعْنى: فَتَمُوتُوا عِنْدَ مُنْتَهى آجالِكم غَيْرَ مِيتَةِ المُعَذَّبِينَ "إنَّ أجَلَ اللَّهِ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أجَلُ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ أجَلَ اللَّهِ الَّذِي أجَّلَكم إلَيْهِ لا يُؤَخَّرُ إذا جاءَ، فَلا يُمْكِنُكم حِينَئِذٍ الإيمانُ.

والثّانِي: أنَّهُ أجَلُ البَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أجَلُ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن قَرَأ سُورَةَ نُوحٍ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تُدْرِكُهم دَعْوَةُ نُوحٍ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلٍ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو نُوحُ بْنُ لامَكَ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ وذِكْرُ عُمْرِهِ  ، وصُرِفَ "نُوحٌ" مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّتِهِ وسُكُونِ الوَسَطِ مِن حُرُوفِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ بِأنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ، وهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ، وفي مَوْضِعِ خَفْضٍ عِنْدَ آخَرِينَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى قَوْمِهِ أنْذِرْ قَوْمَكَ" دُونَ "أنْ"، و"العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُنْيا، وهو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِما يَأْتِي بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "أنِ اعْبُدُوا"، بِضَمِّ النُونِ مِن "أنْ" اتِّباعًا لِضَمَّةِ الباءِ وتَرْكًا لِمُراعاةِ الحائِلِ لِخِفَّةِ السُكُونِ، فَهو كَأنْ لَيْسَ ثَمَّ حائِلٌ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ، "أنِ اعْبُدُوا" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا هو الأصْلُ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، ويَغْفِرْ جَوابُ الأمْرِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن ذُنُوبِكُمْ" قالَ قَوْمٌ "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا نَحْوٌ كُوفِيٌّ، وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما زِيادَتُها في الواجِبِ، وقالَ قَوْمٌ: هي لِبَيانِ الجِنْسِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ هُنا جِنْسٌ يُبَيِّنُ، وقالَ آخَرُونَ: هي بِمَعْنى "عن"، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ في أحْكامِ "مِن"، وقالَ آخَرُونَ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهَذا قَوْلٌ يَتَّجِهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يَبْتَدِئُ الغُفْرانَ مِن هَذِهِ الذُنُوبِ العِظامِ الَّتِي لَهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا عِنْدِي أبْيَنُ الأقْوالِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قالَ: "يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ" لَعَمَّ هَذا اللَفْظُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُنُوبِ وما تَأخَّرَ عن إيمانِهِمْ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلُهُ، فَهي بَعْضٌ مِن ذُنُوبِهِمْ، فالمَعْنى: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: يَغْفِرُ لَكم مِن ذُنُوبِكُمُ المُهِمِّ المَوْبِقِ الكَبِيرِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ عَلَيْهِمْ، وبِهِ رُبَّما كانَ اليَأْسُ عَنِ اللهِ قَدْ وقَعَ لَهُمْ، وهَذا قَوْلٌ مُضَمِّنُهُ أنْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والله تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَغْفِرْ لَكُمْ" بِالإدْغامِ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الراءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ فَإذا أُدْغِمَ في اللامِ ذَهَبَ التَكْرِيرُ واخْتَلَّ المَسْمُوعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ مِمّا تَعَلَّلَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلْإنْسانِ أجَلَيْنِ"، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ واحِدًا مُحَدَّدًا لَما صَحَّ التَأْخِيرُ إنْ كانَ الحَدُّ قَدْ بَلَغَ، ولا المُعاجَلَةُ إنْ كانَ الحَدُّ لَمْ يَبْلُغْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ لَهم في الآيَةِ تَعَلُّقٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هم مِمَّنْ يُؤَخِّرُ أو مِمَّنْ يُعاجِلُ، ولا قالَ لَهم إنَّكم تُؤَخِّرُونَ عن أجْلٍ قَدْ حانَ لَكُمْ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهم إمّا مِمَّنْ قَضى لَهم بِالإيمانِ والتَأْخِيرِ، وإمّا مِمَّنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والمُعاجَلَةِ، ثُمَّ تَشَدَّدَ هَذا المَعْنى ولاحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أجَلَ اللهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ﴾ .

.

وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ قَدْرَهُ.

وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: فَما كانَ أحْزَمَكم وأسْرَعَكم إلى التَوْبَةِ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح الكلام بالتوكيد للاهتمام بالخبر إذ ليس المقام لرد إنكار منكر، ولا دفع شك عن متردد في هذا الكلام.

وكثيراً ما يَفتتح بلغاء العرب أول الكلام بحرف التوكيد لهذا الغرض وربما جعلوا (إن) دَاخلةً على ضمير الشأن في نحو قوله تعالى: ﴿ إنه من سليمان وإِنه باسم الله الرحمان الرحيم * أن لا تعلوا علي ﴾ الآية [النمل: 30، 31].

وذكْر نوح عليه السلام مضى في سورة آل عمران.

وتقدم أن هذا الاسم غير عربي، وأنه غير مشتق من مادة النّوح.

و ﴿ أن أنذر قومك ﴾ إلى آخره هو مضمون ما أرسل به نوح إلى قومه، ف ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية لأنها وقعت بعد ﴿ أرسلنا ﴾ .

وفيه معنى القول دون حروفه.

ومعنى ﴿ من قِبْل أن يأتيهم عذاب أليم ﴾ أنه يخوفهم غضب الله تعالى عليهم إذ عبدوا الأصنام ولم يتقوا الله ولم يطيعوا ما جاءهم به رسوله، فأمره الله أن ينذرهم عذاباً يأتيهم من الله ليكون إنذاره مقدّماً على حلول العذاب.

وهذا يقتضي أنه أُمر بأن يعلمهم بهذا العذاب، وأن الله وقَّته بمدة بقائهم على الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أُرسل به في مدة يقع الإِبلاغ في مثلها، فحذف متعلّق فعل ﴿ أنذر ﴾ لدلالة ما يأتي بعده من قوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ [نوح: 3].

وحرف ﴿ مِنْ ﴾ زائد للتوكيد، أي قبلَ أن يأتيهم عذاب فهي قبليَّة مؤكدة وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه ﴿ قبل ﴾ .

و«قوم نوح» هم الناس الذين كانوا عامرين الأرضَ يومئذٍ، إذ لا يوجد غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة.

والقوم: الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ونسائهم وأطفالهم.

وإضافة (قوم) إلى ضمير ﴿ نوح ﴾ لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به، ولأنه واحد منهم وهم بيَن أبناءٍ لَه وأنسباءٍ فإضافتهم إلى ضميره تعريف لهم إذ لم يكن لهم اسم خاص من أسماء الأمم الواقعة من بعد.

وعُدل عن أن يقال له: أنذر الناس إلى قوله: ﴿ أنذر قومك ﴾ إلهاباً لنفس نوح ليكون شديد الحرص على ما فيه نجاتهم من العذاب، فإن فيهم أبناءه وقرابته وأحبته، وهم عدد تكوّن بالتوالد في بني آدم في مدة ستمائة سنة من حلول جنس الإنسان على الأرض.

ولعل عددهم يوم أرسل إليهم نوح لا يتجاوز بضعة آلاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ نُوحٍ مَكِّيَّةٌ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (أوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ نُوحٌ)» قالَ قَتادَةُ: بُعِثَ مِنَ الجَزِيرَةِ.

واخْتُلِفَ في سِنِّهِ حِينَ بُعِثَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُعِثَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةٍ.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: بُعِثَ وهو ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زَيْدٍ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِأنَّهُ كانَ يَنُوحُ عَلى نَفْسِهِ في الدُّنْيا.

﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ النّارِ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَذابُ الدُّنْيا، وهو ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الطُّوفانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وَكانَ يَدْعُو قَوْمَهُ ويُنْذِرُهم فَلا يَرى مِنهم مُجِيبًا، وكانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ (مِن) صِلَةٌ زائِدَةٌ، ومَعْنى الكَلامِ يَغْفِرُ ذُنُوبَكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ صِلَةً، ومَعْناهُ يُخْرِجُكم مِن ذُنُوبِكم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ يَغْفِرُ لَكم مِن ذُنُوبِكم ما اسْتَغْفَرْتُمُوهُ مِنها، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ يَعْنِي إلى مَوْتِكم وأجْلِكُمُ الَّذِي خَطَّ لَكم، فَيَكُونُ مَوْتُكم بِغَيْرِ عَذابٍ إنْ آمَنتُمْ.

﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِأجَلِ اللَّهِ الَّذِي لا يُؤَخَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ، جَعَلَهُ اللَّهُ أجَلًا لِلْبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: يَعْنِي أجْلَ المَوْتِ إذا جاءَ لَمْ يُؤَخَّرْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْنِي أجْلَ العَذابِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ( ﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

الثّانِي: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّ أجْلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة ﴿ إنا أرسلنا نوحاً ﴾ بمكة.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً فيقولون: ما دعانا وما بلغنا وما نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح: دعوتهم يا رب دعاء فاشياً في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول للملائكة: ادعوا أحمد وأمته، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم بالنصيحة، وجهدت أن استنقذهم من النار سراً وجهراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما نشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول نوح: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنتم آخر الأمم؟

فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ حتى ختم السورة، فإذا ختمها قالت أمته: نشهد أن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فيقول الله عند ذلك: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [ يس: 59] » .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ﴾ قال: بها أرسل الله المرسلين أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ قال: الشرك ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ قال: بغير عقوبة ﴿ إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ﴾ قال: الموت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ قال: بلغني أنه كان يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغرنك فإن أبي قد ذهب بي، وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم ﴾ قال: لئلا يسمعوا ما يقول ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: لأن يتنكروا له فلا يعرفهم ﴿ واستكبروا استكباراً ﴾ قال: تركوا التوبة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: غطوا بها وجوههم لكي لا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ قال: تسجوا بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم إني دعوتهم جهاراً ﴾ قال: الكلام المعلن به، وفي قوله: ﴿ ثم إني أعلنت لهم ﴾ قال: صحت ﴿ وأسررت لهم إسراراً ﴾ قال: النجاء نجاء لرجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ قال الفراء (١) (٢) (٣) قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون [أنْ] (٤) (٥) (٦) وقوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال الكلبي (٧) (٨) (٩) قوله: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ (أن) في محل نصب بقوله: [مبين]، أي: أبين لكم.

قال مقاتل (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في التوحيد (١٣) (١) "معاني القرآن" 3/ 187 نقله عنه الإمام الواحدي بالمعنى.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 227 نقله عنه بتصرف.

(٣) بياض في: (ع).

(٤) ساقطة من النسختين، والمثبت من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: 5/ 227.

(٥) بياض في: (ع).

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 بنصه.

(٧) "النكت والعيون" 6/ 98، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 298، و"فتح القدير" 5/ 296.

(٨) "التفسير الكبير" 30/ 134.

(٩) غير واضحة لبياض في (ع).

والطوفان -بالضم-: المطر الغالب، والماء الغالب، يغشى كل شيء، والموت الذريع الجارف، والقتل الذريع، والسيل المغرق، ومن كل شيء ما كان كثيرًا مُطيفًا بالجماعة بهاء.

انظر: "القاموس المحيط": للفيروزآبادي: 3/ 170.

وقال الراغب: والطوفان كل حادثة تحيط بالإنسان، وصار معارفًا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح كانت ماء.

انظر: المفردات في غريب القرآن: 312.

(١٠) غير مقروء في: (ع).

(١١) قول مقاتل في: "تفسير مقاتل" 210/ أ.

(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٣) بياض في: (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْ أَنذِرْ ﴾ و ﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ يحتمل أن تكون أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن أنذر وبأن اعبدوا والأول أظهر ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يريد عذاب الآخرة أو الغرق الذي أصابهم ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ من هنا للتبعيض أي يغفر لكم ما فعلتم من الذنوب قبل أن تسلموا؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، ولم يضمن أن يغفر لهم ما بعد إسلامهم، لأن ذلك في مشيئة الله تعالى، وقيل: إن من هنا زائدة ذلك وباطل لأن من لا تزاد عنه سيبويه إلا في غير الواجب.

وقيل: هي لبيان الجنس، وقيل: لابتداء الغاية، وهذان قولان ضعيفان في المعنى، والأول هو الصحيح لأن التبعيض فيه متجه ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ظاهر هذا يقتضي أنهم إن فعلوا ما أمروا به أخروا إلى أجل مسمى؛ وإن لم يفعلوا لم يؤخروا، وذلك يقتضي القول بالأجلين.

وهو مذهب المعتزلة، وعلى هذا حملها الزمخشري، وأما على مذهب أهل السنة، فهي من المشكلات، وتأولها ابن عطية فقال: ليس للمعتزلة في الآية مجال لأن المعنى أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟

ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أن أجل قد حان.

لكن قد سبق في الأزل إما ممن قضى له بالإيمان والتأخير أو ممن قضى له بالكفر والمعالجة.

وكان نوحاً عليه السلام قال لهم: آمنوا يظهر في الوجود أنكم ممن قضى له بالإيمان والتأخير.

وإن بقيتم على كفركم يظهر في الوجود أنكم ممن قضى عليه بالكفر والمعالجة، فكان الاحتمال الذي يقتضيه ظاهر الآية إنما هو فيما يبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير، وإما الكفر والمعالجة، وأما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم قدر محتوم.

﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ ﴾ هذا يقتضي أن الأجل محتوم كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49] وفي هذا حجة لأهل السنة وتقوية للتأويل الذي ذكرنا، وفيه أيضاً رد على المعتزلة في قولهم بالأجلين، ولما كان كذلك قال الزمخشري: إن ظاهر مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا، وتأول ذلك على مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني.

وذلك أن قوم نوح قضى الله أنهم إن آمنوا عمرهم الله مثلاً ألف عام، وإن لم يؤمنوا عمرهم تسعمائة عام فالألف عام هي التي تؤخر إذا جاءت والتسعمائة عام هي التي وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن آمنوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ دعائي إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ أني أعلنت ﴾ بالفتح.

أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ وولده ﴾ بالضم والسكون: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتحتين ﴿ ودا ﴾ بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح ﴿ خطاياهم ﴾ بالتكسير: أبو عمرو ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: حفض وهشام.

الوقوف: ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لا يؤخر ﴾ م ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ونهاراً ﴾ ه ﴿ فراراً ﴾ ه ﴿ إستكباراً ﴾ ه ج لأن " ثم " لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل ﴿ جهاراً ﴾ ه لا ﴿ أسراراً ﴾ ه لا لعطف مقصود الكلام ﴿ غفاراً ﴾ ه لا لجواب الأمر ﴿ مدراراً ﴾ ه ﴿ أنهاراً ﴾ ه ط لابتداء الإستفهام ﴿ وقاراً ﴾ ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والإستئناف ﴿ أطواراً ﴾ ه ﴿ طباقاً ﴾ ه لا ﴿ سراجاً ﴾ ه لا ﴿ نباتاً ﴾ ه ﴿ إخراجاً ﴾ ه ﴿ بساطاً ﴾ ه ﴿ فجاجاً ﴾ ه ﴿ خساراً ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ كباراً ﴾ ه لذلك ﴿ ونسراً ﴾ ه ك لأن ما بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل ﴿ قالوا ﴾ وذكر السجا وندي أنه حال من مفعول ﴿ لا تذرن ﴾ وفيه نظر ﴿ كثيراً ﴾ ه ز لأن قوله ﴿ ولا تزد ﴾ لا يصح عطفه ظاهراً ولكنه متصل بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ﴿ ضلالاً ﴾ ه ﴿ أنصاراً ﴾ ه ﴿ دياراً ﴾ ه ﴿ كفاراً ﴾ ه ﴿ تباراً ﴾ ه.

التفسير: لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و " أن " في ﴿ أن أنذر ﴾ و ﴿ أن اعبدوا ﴾ مفسرة لما في ألإرسال والإنذار من معنى القول.

أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار.

ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات ﴿ واتقواه ﴾ ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيهاً على أن طاعة الله هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات.

ثم وعدهم على العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان.

وقد مر في سورة إبراهيم إستدلال من جوز زيادة " من " في الإثبات بنظير هذه الآية.

وما أجيب عنه.

والذي نزيده ههنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد.

وفي قوله ﴿ يغفر لكم ﴾ معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتصى الإثبات وبالعكس بتأويل تقدير الإثبات وبالعكس مثلاً اتفقوا على وجوب النصب في قولك " جاءني القوم إلا زيداً " وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا قولك " جاءني رجل " لا يشمل المجيء سواه.

ولو قلت " ما تخلف رجل " عمّ المجيء كل أحد.

ثم قال: هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفوراً فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض.

قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضاً فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضاً.

قوله ﴿ إن أجل الله ﴾ إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله ﴿ لو كنتم تعلمون ﴾ توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت.

ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته.

ومعنى ﴿ ليلاً ونهاراً ﴾ دائباً دائماً من غير توان وفتور.

قوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ كقوله ﴿ ما زادهم إلا نفوراً  ﴾ قوله ﴿ لتغفر لهم ﴾ ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله.

ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى.

ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله.

ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيداً لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه.

ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق إستكباراً بالغاً نهايته.

ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر.

وانتصب ﴿ جهاراَ ﴾ على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف.

والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال.

ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع.

ثم فسر الدعوة بقوله ﴿ فقلت استغفروا ﴾ إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء.

وله وجه معقول وهو أن الله  مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال "سبقت رحمتي غضبي" فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء.

يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله  عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين.

فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء.

والمدرار الكثير الدريستوي فيه الذكر والمؤنث.

ثم إنه وبخهم بقوله ﴿ مالكم لا ترجون لله وقاراً ﴾ أصل الرجاء الأمل.

والوقار التوقير " فعال " بمعنى " تفعيل " مثل " سراح " بمعنى " تسريح " وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا مالكم لا تخافون عظمة الله.

وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ﴿ ولله ﴾ بيان أو حال ولو تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلاً للقوم وذلك أنهم كانوا يستخفون برسول الله  فحثهم على تعظيمه لأجل الله راجين ثوابه.

وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب.

وقال غيره: تم الكلام عند قوله ﴿ مالكم ﴾ ثم استفهم منكراً ﴿ لا ترجون ﴾ أي لا تعتقدون لله ثباتاً وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الإستخفاف برسوله.

قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بع مرة نطفة ثم علقة إلى آخرها.

وقال ابن الإنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة التي لا شبه بعضها بعضاً، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار إلى دليل الآفاق بقوله ﴿ ألم تروا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ طباقاً ﴾ قد مر في أول " الملك " فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة.

وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله ﴿ فيهن ﴾ في حيزه من السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس سبب لزواله.

ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدراً متعدياً قريباً من لفظ الفعل وأن يكون ثلاثياً لازماً فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم نباتاً.

قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث.

وفي قوله ﴿ إخراجاً ﴾ تأكيداً أي يخرجكم حقاً ولا محالة.

ثم ذكر دليلاً آخراً فاقياً من حال الأرض.

والفج الطريق الواسع.

ثم إن سائلاً كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟

فبين  أنه  ﴿ قال نوح رب إنهم عصوني ﴾ مكان قوله وأطيعون ﴿ واتبعوا ﴾ رؤساءهم ولم يزدهم ما لهم وولدهم ﴿ إلا خساراً ﴾ في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم.

وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعاً كفلك ﴿ ومكروا ﴾ معطوف على ﴿ لم يزده ﴾ لأن المتبوعين هم الذين مكروا ﴿ وقالوا ﴾ للأتباع ﴿ لا تذرن ﴾ وجمع حملاً على المعنى.

والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففاً إلا في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير.

ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر وأفظع أنواع المكر.

وإنما سمي مكراً لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم وألاباء أعرف من الأبناء.

وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها شفعاؤكم.

ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، وصورته أيضاً كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد العذاب كقوله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر  ﴾ وقالت المعتزلة: أراد الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله ﴿ وقد أضلوا ﴾ قوله ﴿ مما خطيئاتهم ﴾ " من " للتعليل كقولك " جئتك لأجل كذا " و" ما " صلة للتوكيد.

وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله  في مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد دخل على ماضٍ معطوف على مثله على إثبات عذاب القبر.

عن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب هكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو ي نار أو في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله  .

وتنكير النار للتعظيم أو لأنها نوع نم النار مختص بهم.

وفي قوله ﴿ فلم يجدوا ﴾ تهكم بهم وبآلهتهم قوله ﴿ وقال ﴾ معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا.

وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضاً في البين تنبيهاً على أن خطيئاتهم هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رول الله واتباع غيره.

والمكر الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصاً الأصنام الخمسة ﴿ دياراً ﴾ من الأسماء المستعملة في النفي العام.

يقال: ما بالدار ديار وهو " فيعال " من الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة.

فعل به ما فعل بنحو أيام لو كان فعالاً لقيل دواراً، قوله ﴿ إنك إن تذرهم ﴾ إلى آخره.

قال العلماء: عرف ذلك بالوحي كما قال ﴿ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن  ﴾ وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على وجه العذاب.

قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت أكثر الناس بآجال إختراعية، ومنه الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً يصدرون مصادر شتى" " ومن روى أن الله  أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا إشكال.

ثم إن نوحاً كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه.

وكان إسم أبيه لمك بن متوشلخ.

وإسم أمه شمخا بنت أنوش.

قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم  من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء.

وقيل: أراد بالوالدين آدم وحواء ﴿ ولمن دخل بيتي ﴾ أي منزلي.

وقيل: مسجدي.

وقيل: سفينتي.

وقيل: ديني.

على هذا يكون قوله ﴿ مؤمناً ﴾ احترازاً من المنافق أي دخولاً مع تصديق القلب، ثم عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم القيامة.

والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

في ذكر نبأ نوح -  - دلالة رسالته وآية نبوته؛ لما ذكرنا: أن هذا لم يكن من علمه، ولا علم قومه، ولم يختلف النبي  إلى من عنده علم [به] فتعلمه منه، فعلم أنه بالله  علمه لا بأحد من خلقه؛ فيكون فيه إلزام الحجة عليهم، وفيه إعلام رسول الله -  - ما لقي نوح -  - من قومه؛ ليصبره بذلك على أذى قومه؛ إذ السورة مكية.

ثم أمره بالإنذار، ولم يذكر معه البشارة، فكذلك قال نوح -  - ﴿ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ولم يقل: بشير، وقد كان هو بشيرا ونذيرا، فجائز أن يكون اقتصر على ذكر النذارة؛ لأن في ذكرها ذكر البشارة؛ وذلك أنهم إذا استوجبوا العذاب إذا داموا على ما هم فيه من الضلالة وعبادة غير الله  ، فهم إذا انتهوا عن ذلك استوجبوا العفو، واستيجاب العفو وقوع البشارة، فإذا كان ذكر أحد الوجهين يقتضي ذكر الوجه الآخر، اكتفي بذكر أحدهما عن ذكر الآخر.

وجائز أن يكون خص النذارة بالذكر؛ لأن الحال كانت حال الإنذار؛ لأنهم كانوا معرضين عن طاعة الله  ومقبلين على عبادة غيره، فكانوا مستوجبين للنذارة، ولم يكونوا من أهل البشارة، وإنما يصيرون من أهلها إذا انتهوا عما هم عليه؛ فيكون قوله: ﴿ أَنذِرْ قَوْمَكَ ﴾ إن داموا على ما هم عليه، وفي هذا دلالة على أن المرء إذا أخذ غير طريق الهدى، فالسبيل فيه أن يفسد عليه مذهبه، ثم إذا ظهر فساده عنده، أمر باتباع سبيل الهدى وبين له الحجج والدلائل؛ لينجع فيه ذلك، ليس أن يحتج عليه بالحجج التي هي حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه؛ فإن ذلك لا ينجع فيه، ولا يدعوه إلى قبول الحق والتزامه، بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده، فإذا بان له ذلك يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه؛ ليعرفه بالتعلم.

ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة، والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى العذاب الدائم، والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم، فالنذارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الضلال، والبشارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الهدى.

وإن شئت قلت: إن النذارة هي أن يبين عسر ما يحل به في العاقبة، والبشارة هي أن يثبته بما يصير إليه في العاقبة من اليسر.

ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ دلالة أن حجة الإسلام تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنه لو كانت لا تلزمهم، فكانوا في أمن من نزول العذاب قبل أن يأتيهم النذير؛ فلا يخوفون بنزل العذاب بهم قبل أن ينذورا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير دل أن الحجة لازمة عليهم، وأن لله  أن يعذبهم لتركهم التوحيد وإن لم يرسل إليهم الرسل، فيكون تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ على عذاب الاستئصال في الدنيا ليس على عذاب الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ : أي: مبين بما يقع به الإنذار والتخويف؛ فيكون الإبانة منصرفة إلى النذارة.

ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا إلى نفسه خاصة؛ كأنه قال: نذير لكم مبين، أي: إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة الله  وإنذاركم من عند نفسي، ولكن بما اختصني الله  وولاني ذلك.

ثم الأصل في الإنذار [أن يقتضي] نهيا وفي النهي [أن يقتضي] أمرا، ولكن الإنذار يقتضي نهيا وَكِيدا، والنهي الوكيد يقتضي الأمر بالخلاف أمرا وكيدا.

وأما البشارة فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد؛ لأنه يستوجب البشارة بكل خير يفعله، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير آخر يأتى به، فلا يفهم بنفس البشارة الأمر الوكيد؛ ويفهم بتصريح النذارة كلا الوجهين اللذين ذكرناهما.

وإذا كان كذلك، فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة، وأما النذارة فهي تدل على البشارة؛ لأن النذارة على ما هو فيه في الفعل تلزم النهي، وإذا انتهى عنه فقد حصل العفو، وفي حصول العفو ارتفاع ما خوف وذهابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ فكأنه قال: أنذرهم على عبادة غير الله، ومرهم بعبادة من يستحق العبادة، وهو الله  ؛ إذ الأمر بالإنذار يقتضي النهى عما هم عليه ويدعو إلى خلافه، وبين لهم الخلاف الذي دعوا إليه؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .

وقيل: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوه.

وقال [بعضهم]: كل عبادة جرى بها الأمر في القرآن على الإرسال فهي منصرفة إلى التوحيد.

فكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن الآيات التي فيها أمر بالعبادة نزلت في أهل الكفر؛ لأنه خاطب بقوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  ﴾ ، ولم يخاطب بقوله - عز وجل -: ياأيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم، وإذا ثبت أنها في أهل الكفر، والكافر أول ما يؤمر يؤمر بالتوحيد ليس يخاطب بعبادة أخرى سواه؛ لأنه ما لم يأت بالتوحيد لم يقبل منه شيء من العبادات، فجعلوا تأويل العبادة التوحيد لهذا؛ لا أن يكون العبادة عبارة عن التوحيد خاصة، بل العبادة يراد بها التوحيد مرة إذا ذكرت عقيب الكفر، وإذا ذكرت في أهل الإيمان فالعبادة منهم أن يفوا بمعاملة ما اعتقدوه بالقول؛ وأن ينجزوا ما وعدوا من أنفسهم، وهذا كما ذكرنا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: أنهما إذا ذكرتا في أهل الكفر، انصرف المراد من ذلك إلى الاعتقاد لا إلى الفعل؛ لأنهم ليسوا من أهل الفعل، وإذا ذكرتا في أهل الإسلام أريد بالإقامة والإتياء إيجاد الفعل، فكذلك الحكم في العبادة بقوله: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوه واتقوه، أي: اتقوا الإشراك في عبادته، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله  وألا تشركوا به شيئا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ، أي: اتقوا المهالك كلها، واتقوا النار؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ فالتقوى إذا ذكر على الانفراد مرسلا، اقتضى الانتهاء عما فيه الهلاك، واقتضى الأمر بالعبادة والطاعة، وإذا جمع بين العبادة والتقوى، كانت العبادة منصرفة إلى إتيان الأفعال، وانصرف التقوى إلى اتقاء المهالك، وهو كما قلنا في البر والتقوى: إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا اقتضى ما يقتضيه الآخر، وإذا جمعا في الذكر، صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى جهة أخرى، وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد بذكر أحدهما يكون معنى كل واحد منهما هو معنى الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهة على حدة.

وقال الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ، أي: اتقوا الله في حقه أن تضيعوه فهو يجمع ما يؤتى وما يتقى.

ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى الله، والعبادة لا تكون إلا لله  ؛ فلذلك قال عند الأمر بالعبادة: ﴿ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، فأضافها إلى الله  ، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله: ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ ، ففيه دلالة أن ليس في الطاعة لآخر إشراك بالله  في الطاعة، بل الله  جعل الإشراك في الطاعة بقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ وذم من يعدل بالله  في العبادة قوله  : ﴿ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  ﴾ فالعبادة كأنها تقتضي الخضوع والتضرع على الرجاء والخوف، والله  هو الذي يرجى منه ويخاف من نقمته، فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا [على الأمر] لا غير؛ وعلى ذلك لما صرفت الكفرة الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، سموا: عباد الأصنام، فكل من يفعل الفعل على الخوف والرجاء فذلك منه عبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ إن صرفت قوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ إلى اتقاء الشرك يرجع قوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ إلى ما سلف من الذنوب في حالة الشرك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وإن صرفته إلى سائر وجوه المهالك، رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا؛ وهو كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ ؛ فيكون قوله ﴿ مِّن ﴾ صلة على ما ذكره أهل التفسير، ومعناه: يغفر لكم ذنوبكم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مِّن ﴾ على التحقيق ليس على حق الصلة؛ لأنه قد يكون من الذنوب ذنوب يؤاخذ بها بعد الإسلام، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من القصاص وغيره، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة؛ فإن القصاص لا يرتفع عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ جائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح  ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا؛ إذ يكون معناه: أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ، أي: لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير؛ قال الله  : ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ  ﴾ ؛ فأخبر  - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ ﴾ .

وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، والله  يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، والأصل: أن الله  إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه، ثم ينقضي أجله بغير ذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية، ويثبت الجهل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم، لكنتم تبذلون للحال ما أريد منكم؛ لئلا يحل بكم العذاب.

أو [أن] يكون معنى قوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ ﴾ ، أي: أجل العذاب إذا حل، وقع لا محالة، فلو علموا بوقوعه لا محالة، لارتدعوا عنه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا بعثنا نوحًا إلى قومه يدعوهم ليخوّف قومه من قبل أن يأتيهم عذاب موجع بسبب ما هم عليه من الشرك بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.0ARz1"

مزيد من التفاسير لسورة نوح

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد